← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وعُثْمانَ (١). (وَقَالَ: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ) في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، (وَقَالَ: مَا (٢) هُوَ بِبَعِيدٍ (٣)، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ)؛ لما (٤) ذَكَرْنا، وقِياسُ قَولِ أحمدَ يَقتَضِيهِ، فإنَّه (٥) حُكْمٌ باليمين مع الشَّهادة ابِتْداءً مِنْ غَيرِ رِضَا المنْكِرِ، وكذا في القَسامة، فإذا رَضِيَ المنْكِرُ بيَمِينِه كان أَوْلَى. فعلى ذلك: لا يشترطُ (٦) إذْنُ ناكِلٍ في الرَّدِّ، وشرَطَهُ (٧) أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به السَّامَرِّيُّ. ويمينُه كإقْرارِ مُدَّعًى عَلَيهِ، فلا (٨) تُسمَعُ بينتُهُ (٩) بعدَها بأداءٍ ولا إبْراءٍ. وقِيلَ: كبَيِّنةٍ، فتُسْمع (١٠). وقِيلَ: يُحبَسُ حتَّى يُجِيبَ؛ إمَّا بإقْرارٍ أوْ حَلِفٍ، ذَكَرَه في «التَّرغيب» عن أصْحابِنا.

стр. 6372

(فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ (١) رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى المُدَّعِي)؛ لِأنَّه موضعُ حاجَةٍ، أشْبَهَ قَولَه: لك يمينُه. (فَإِنْ رَدَّهَا؛ حَلَفَ المُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ)؛ لِاسْتِكْمالِ الشُّروط المُعْتَبَرَةِ. (وَإِنْ نَكَلَ أَيضًا (٢) مَنْ رُدَّتْ عَلَيهِ اليمينُ؛ (صَرَفَهُمَا)، وجُمْلَتُه: أنَّه إذا نَكَلَ؛ سُئِلَ عن سببِ نُكوله؛ لِأنَّه لا يَجِبُ بنُكوله حقٌّ لغَيره، بخِلافِ المدَّعَى عَلَيهِ، فإن (٣) قال: امْتَنَعْتُ لِأنَّ لي بيِّنةً أُقِيمُها، أوْ حِسابًا أنْظُرُ فيه؛ فهو على حقِّه من اليمين، ولا يُضَيَّقُ عَلَيهِ في المدَّة؛ لِأنَّه لا يتأخَّرُ إلا حقُّه (٤)، بِخِلافِ المدَّعَى عَلَيهِ. (فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا، فَبَذَلَ الْيَمِينَ؛ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ المجْلِسِ)؛ لِأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها، (حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ)؛ لِأنَّ الدَّعْوَى فيه تَصِيرُ مُحاكَمَةً ثانِيَةً، فإذا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى أُعْيدَ الحُكْمَ بَينَهما كالأوَّل. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ بَذَلَها النَّاكِلُ قَبْلَ عَرْضِها (٥) على المدَّعِي، أوْ بَعْدَه بِرِضاهُ؛ سُمِعَتْ، وإلَّا فَلَا. وهذا الَّذي ذَكَرَه المؤلف (٦) شَرْطُه: عَدَمُ الحُكْم بالنُّكول (٧). وإنْ تَعذَّرَ رَدُّ اليمينِ، وقُلْنا به لكَونِ المدَّعِي وَلِيًّا ونحوَه؛ قُضِيَ بالنُّكول. وقِيلَ: يَحلِفُ الوليُّ. وقِيلَ: إنْ باشَرَ ما ادَّعاه.

стр. 6373

وقِيلَ: يَحلِفُ حاكِمٌ. وقَطَعَ المؤلِّفُ: يَحلِفُ إذا عقل (١)، ويَكتُبُ له مَحضَرًا بنُكولِه. تنبيهٌ: الَّذي يُقْضَى فيه بالنُّكول ورَدِّ اليمينِ: المالُ، وما يُقصَدُ به المالُ (٢)، وهل يُقْضَى بالنُّكول في دَعْوَى الوَكالة بالمال؟ على وَجْهَينِ. وقال السَّامَرِّيُّ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في دَعْوَى الكَفالة: هل يُقضَى فِيهَا بالنُّكول؟ فيه وَجْهانِ، أوجهُهما: الحُكْمُ به، قاله ابنُ أبي مُوسَى. (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ، بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيِّنَةٌ؛ لَمْ تُسْمَعْ (٣)، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، وجَزَمَ به في «الكافي» و «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّ سَماعَ البيِّنةِ قد تُحقِّقَ كَذِبَهُ، فيَعُودُ الأمْرُ على خِلافِ المقْصودِ، وكذا قَولُه: كَذَبَ شُهُودِي، وأَوْلَى، ولا تَبطُلُ دَعْواهُ بذلك في الأصحِّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُسْمَعَ)، هذا وَجْهٌ، واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ وغَيرُه، قال في «الفروع»: وهو مُتَّجِهٌ، حَلَّفُه أوْ لم يُحلِّفْه؛ لأنَّه (٥) يَجُوزُ أنْ يَنْسَى، أوْ يكون (٦) الشَّاهِدَانِ سَمِعَا منه، وصاحِبُ الحقِّ لا يَعلَمُه، فلا يَثْبُتُ بذلك أنَّه (٧) أكْذَبَ نَفْسَه. فرعٌ: إذا قال: كلُّ بَيِّنةٍ أُقِيمُها فهي زُورٌ، أو: لا (٨) حقَّ لي فِيهَا، ثُمَّ أقام بَيِّنةً؛ لم تُسمَعْ بحالٍ.

стр. 6374

(وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي (١) بَيِّنَةً، ثُمَّ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ لِي بَيِّنَةً؛ سُمِعَتْ)؛ لِأنَّه لم يُكذِّبْ بَيِّنَتَه. (وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ، فَقَالَ: هَذَانِ بَيِّنَتِي؛ سُمِعَتْ (٢)، وهي أَوْلَى من الَّتي قَبْلَها؛ لِأنَّه لا تُهمةَ فيها، لكِنْ لو شَهِدَتْ بغَيرِ ما ادَّعاه فهو مُكذِّبٌ لها، نَصَّ عَلَيهِ (٣). وإنِ ادَّعى شَيئًا، فأقرَّ له بغَيرِه؛ لَزِمَه إذا صدَّقَه المُقَرُّ له، والدَّعْوَى بحالها، نَصَّ عَلَيهِ (٤). (وَإِنْ (٥) قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي؛ لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ)؛ لِأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها، وله تحليفُه في ذلك كلِّه. (وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ)، وأُرِيدُ ملازمةَ (٦) خَصْمِي حتَّى أُقِيمَها؛ لم يكُنْ له ذلك، ذَكَرَه في «الكافي». وفي «الشرح» (٧): إذا قال: لي بَيِّنةٌ غائبةٌ؛ لَيسَ له مُطالَبَتُه بكفيلٍ، ولا مُلازَمَتُه حتَّى تحضُرَ (٨) البَيِّنةُ، نَصَّ عَلَيهِ (٩)؛ لِأنَّه لم يَثبُتْ له قِبَلَه حقٌّ (١٠).

стр. 6375

وذَكَرَ في مَوضِعٍ آخَرَ: أنَّه إن (١) كانَتْ بَيِّنَتُه قريبةً فله مُلازَمَتُه حتَّى يُحضِرَها؛ لِأنَّ ذلك ضرورةُ إقامَتِها، فإنَّه لو لم يَتمَكَّنْ مِنْ مُلازَمَتِه؛ لَذَهَبَ مِنْ مَجلِسِ الحكم، ولا يُمَكَّنُ مِنْ إقامَتِها إلَّا بحضْرَتِه، وتفارق (٢) البيِّنةَ البعيدةَ ومَن لا يُمكِنُ حُضورُها، فإنَّ إلزامه (٣) الإقامةَ إلى حِينِ حُضورِها يَحتاجُ إلى حَبْسٍ (٤)، أو ما (٥) يَقُومُ مَقامَه ولا سبيلَ إلَيهِ. (وَأُرِيدُ يَمِينَهُ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً؛ فَلَهُ إِحْلَافُهُ)، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح»، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ لِأنَّ ذلك تَعَيَّنَ طريقًا إلى اسْتِخْلاصِ الحقِّ. وقِيلَ: إنْ كانَتْ غائبةً عن (٦) البلد؛ فله ذلك. وقِيلَ: يَملِكُ إقامَتَها فقطْ. (وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً) في مَجلِسِ الحكم، قال ابنُ حَمدانَ: أوْ قَريبًا منه؛ (فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَملِكُ إقامَتَها، أوْ تحليفَه مِنْ غَيرِ أنْ يسمع (٧) البيِّنةَ بعده (٨)، ذَكَرَه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»؛

стр. 6376

لأِنَّ فَصْلَ الخُصومة يُمكِن (١) بإحْضارِ البيِّنة، فلا حاجَةَ إلى اليمين. والثَّاني: أنَّه يُجابُ إلَيهِما؛ لِأنَّه أقْرَبُ لفصل الخُصومة. وقِيلَ: لا يَملِكُ إلا (٢) إقامَتَها فَقَطْ. واسْتَدَلَّ في «الشَّرح» للأوَّل: بقَولِه ﵇: «شاهِداكَ أوْ يَمِينُه» (٣)، ولِأنَّه أمْكَنُ لفصل (٤) الخُصومة بالبيِّنة، أشْبَهَ ما لو لم يطلب (٥) يمينَه، ولِأنَّ اليَمِينَ بَدَلٌ، فلا يُجمَعُ بَينَها وبَينَ مُبدَلِها؛ كسائر الأَبْدال مَع مُبْدَلاتِها. فإنْ قال: أحْلِفُوهُ، ولا أُقِيمُ بيِّنةً؛ حَلَفَ؛ لِأنَّ البيِّنَةَ حقُّه (٦)؛ كما لو أسقَطَ نَفْسَ الحقِّ. ثُمَّ في جَوازِ إقامَتها بَعْدَ الْحَلِف؛ وَجْهانِ. فرعٌ: إذا أقامَ شاهِدًا في المال؛ فله أنْ يَحلِفَ معه بلا رِضَا خصمه. وإنْ لم يَحلِفْ معه، بل طَلَبَ يَمينَ المنْكِر؛ حَلَفَ له، فإنْ حَلَفَ، ثُمَّ قال المدَّعِي: أنا أحْلِفُ مع شاهِدَيَّ؛ لم يُستَحلَفْ؛ لِأنَّ اليمينَ فِعْلُه، وهو قادِرٌ عَلَيها، فأمْكَنَه أنْ يُسقِطَها، بخِلافِ البيِّنة. وإنْ عادَ، فبذَلَ (٧) اليمينَ قَبْلَ أنْ يَحلِفَ المدَّعَى عَلَيهِ؛ لم يكُنْ له ذلك في هذا المجْلِسِ. (وَإِنْ حَلَفَ المُنْكِرُ، ثُمَّ أَحْضَرَ المُدَّعِي بَيِّنَةً؛ حَكَمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ

стр. 6377

اليَمِينُ (١) مُزِيلَةً لِلْحَقِّ)، وِفاقًا (٢)؛ لِقولِ عمرَ: «البيِّنةُ الصَّادِقةُ أحبُّ إليَّ من اليمين الفاجِرَة» (٣)، ولِأنَّ كلَّ حالةٍ يَجِبُ عَلَيهِ الحقُّ فيها بإقرارِهِ (٤) يَجِبُ عَلَيهِ بالبيِّنة؛ كما قَبْلَ اليمين، ولِأنَّ اليمينَ لو أزالَت الحقَّ لاجترَأَ (٥) الفَسَقَةُ على أخْذِ أمْوالِ النَّاس. وقال ابنُ أبي لَيلَى، وداودُ: لا تُسمَعُ بَيِّنَتُه. ورُدَّ بما سَبَقَ. (وَإِنْ سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ)، أوْ قال: لا أُقِرُّ ولا أُنكِرُ، أوْ قال: لا (٦) أعْلَمُ قَدْرَ حَقِّه، قاله (٧) في «عُيونِ المسائل» و «المنتخب»، (قَالَ لَهُ (٨) الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ وَإِلَّا (٩) جَعَلْتُكَ نَاكِلاً وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وذَكَرَ ابنُ المنَجَّى: أنَّه المذْهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه ناكِلٌ عمَّا توجَّه (١٠) عَلَيهِ الجَوابُ فيه، فيُحكَمُ عَلَيهِ بالنُّكول عنه؛ كاليمين، والجامِعُ بَينَهما: أنَّ كلَّ واحِدٍ من القَولَينِ طريقٌ إلى ظُهورِ الحقِّ.

стр. 6378

ويُسَنُّ تكرارُه من الحاكم ثلاثًا، ذَكَرَه (١) في «الكافي» و «المستوعب» و «المحرر» (٢) و «الوجيز»، كامِلَينِ (٣)، وقدَّم في «الرِّعاية»: بقَولِه (٤) مرَّةً. (وَقِيلَ: يَحْبِسُهُ حَتَّى يُجِيبَ) إنْ لم يكُنْ للمُدَّعِي بيِّنةٌ، قاله القاضي، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ؛ لِأنَّ اليمينَ حَقٌّ عَلَيهِ؛ كما لو أقرَّ بمالٍ وامْتَنَع من أدائه. فإنْ كان للمُدَّعِي بيِّنةٌ (٥)؛ قَضَى بها وَجْهًا واحِدًا. (وَإِنْ قَالَ: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ؛ لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا)؛ لِأنَّ الجوابَ إقرارٌ أوْ إنكارٌ، وهذا لَيسَ واحِدًا منهما. (وَإِنْ قَالَ: لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ؛ لَمْ يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إِنْظَارُهُ)، اختاره أبو الخَطَّاب والسَّامَرِّيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لمَا فِيهِ من تأخيرِ حقِّه، ولِأنَّ حقَّ الجَوابِ ثَبَتَ له حالًّا (٦) فلم يَلزَمْه إنْظارُه؛ كما لو ثَبَتَ عَلَيهِ الدَّينُ. والأصحُّ (٧): أنَّه يلزمه (٨) إنظارُه ثلاثةَ أيَّامٍ؛ لِأنَّه يَحتاجُ إلى ذلك لِمَعرفَةِ قَدْرِ دَينه، أوْ يَعلَمَ هل عَلَيهِ شَيءٌ أمْ لا، والثَّلاثُ مُدَّةٌ يسيرةٌ، ولا يُمهل (٩) أكْثَرَ منها؛ لِأنَّه كثيرٌ. (وَإِنْ قَالَ: قَدْ (١٠) قَضَيْتُهُ، أَوْ أَبْرَأَنِي، وَلِي بَيِّنَةٌ بِالْإِبْرَاءِ أَوِ القَضَاءِ، وَسَأَلَ

стр. 6379

الْإِنْظَارَ؛ أُنْظِرَ ثَلَاثًا)؛ لِأنَّها قريبةٌ، ولا تتكامل (١) في أقلَّ مِنْها. وقِيلَ: لا يَلزَمُ إنْظارُه؛ كقَولِه: لِي بيِّنةٌ تدفع (٢) دَعْواهُ. وعلى الأوَّلِ: (وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ)؛ لِأنَّ جنَبَتَه (٣) أقْوَى؛ لِأنَّ حقَّه قد توجَّه (٤) عَلَيهِ، ودَعْوَى الإسْقاطِ الأصْلُ عَدَمُها، ولِئَلَّا يَهْرُبَ أوْ يَغِيبَ، ولا يُؤخِّرَ الحقَّ عن المدَّة الذي (٥) أُنْظِرَ فيها. (وَإِنْ (٦) عَجَزَ؛ حَلَفَ المُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ، وَاسْتَحَقَّ)؛ لِأنَّه يصيرُ مُنكِرًا، واليمينُ على المنكر. فإنْ نَكَلَ عنها؛ قُضِي عَلَيهِ بنُكولِه وصُرِفَ (٧). وإنْ قُلْنا بِرَدِّ اليمين؛ فله تَحلِيفُ خَصْمِه، فإنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيهِ. هذا كلُّه إنْ لم يكُنْ أنْكَرَ سَبَبَ الحقِّ، فأمَّا إنْ أنْكَرَه، ثُمَّ ثَبَتَ، فَادَّعَى قَضاءً أوْ إبراءً سابِقًا لإنْكارِه؛ لم يُسمَعْ منه وإنْ أتى (٨) بِبَيِّنةٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٩). وقِيلَ: تُسمَعُ البيِّنةُ، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وزادَ: بأنْ قال:

стр. 6380

قَتَلْتَ دابَّتِي، فلي عَلَيكَ ثَمَنُها ألْفٌ، فقال: لا تلزمني (١)، أوْ لا يَستَحِقُّه عليَّ ولا شَيئًا منه، فقد أَجَابَ، وإن اعْتَرَفَ بالقَتْل احْتاجَ إلى مُسقِطٍ. ولو قال (٢): لي عَلَيكَ مِائَةُ دِينارٍ، قال: بل ألْفُ دِرْهَمٍ؛ فما (٣) أَجَابَ، ويَلزَمُه الألْفُ إنْ صَدَّقَه المدَّعِي، ودَعْوَى الذَّهَب باقِيَةٌ، نَصَّ عَلَيهِ. (وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ؛ جُعِلَ الْخَصْمُ فِيهَا)، وكان صاحِبَ اليَدِ؛ لِأنَّ مَنْ (٤) في يَدِه العَينُ اعْتَرَفَ أنَّ يَدَه نائِبةٌ عن يَدِهِ، وإقْرارُ الإنسان بما في يَدِه إقْرارٌ صَحِيحٌ. (وَهَلْ يَحْلِفُ) المدَّعَى عَلَيهِ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَحلِفُ أنَّه لا يَعلَمُ أنَّها للمُدَّعِي، قدَّمه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الكافي» و «الوجيز»؛ لِأنَّه لو أقرَّ له بها لَزِمَه غرمها (٥)، كما لو قال: هذه العَينُ لزَيدٍ، ثُمَّ قال: هي لِعَمْرٍو، فإنَّها تُدفَعُ إلى زَيدٍ، ويَغرمُ قِيمَتَها لعمرو (٦)، ومَن لَزِمَه الغُرْمُ مع الإقرار؛ لَزِمَه اليمينُ مع الإنكار. فَعَلَى هذا: إنْ نَكَلَ عنها مع طَلَبها؛ أَخَذَ منه بَدَلَها، ثُمَّ إنْ صَدَّقَه المُقَرُّ له فهو كأحَدِ مُدعيينِ (٧) على ثالِثٍ، أَقَرَّ له الثَّالِثُ، وسيأتي. والثَّاني: لا يَحلِفُ؛ لِأنَّ الخُصومةَ انْقَلَبَتْ إلى غَيرِه، فَوَجَبَ أنْ تَنتَقِلَ اليمينُ إلى ذلك الغَيرِ.

стр. 6381

مسألةٌ: قال ابنُ حَمْدانَ: مَنْ أقرَّ بعَينٍ أوْ دَينٍ لِزَيدٍ، فكَذَّبَه؛ تَصَدَّقَ به عن ربِّه مَضمُونًا له إذا عَلِمَ بَعْدُ، وإنْ بَانَ أنَّه لِزَيدٍ؛ لم يَسقُطْ حَقُّه بإنكاره جَهْلاً، ويَغْرمُه المُقِرُّ، وفِيهِ احْتِمالٌ. (فَإِنْ كَانَ المُقَرُّ لَهُ حَاضِرًا مُكَلَّفًا؛ سُئِلَ) ليتَبَيَّن (١) الحالُ، (فَإِنِ ادَّعَى (٢) لِنَفْسِهِ (٣) وَلَمْ تَكُنْ (٤) بَيِّنَةٌ؛ حَلَفَ وَأَخَذَهَا)؛ لِأنَّه كالمدَّعَى عَلَيهِ، وقد أنْكَرَ، فيَحْلِفُ ويَأخُذُ العَينَ؛ لأِنَّه ظهر (٥) كَونُها له بإقْرارِ مَنْ العَينُ في يَدِه، وانْدَفَعَتْ خُصومةُ المدَّعِي، فَوَجَبَ الْأَخْذُ؛ عَمَلاً بالمقْتَضِي. (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ)؛ لِأنَّ اليدَ صارَتْ للمُقَرِّ له، أشْبَهَ ما لو ادَّعَى شَخْصٌ فأقرَّ بها له. (وَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ لِي)، أوْ قال ذلك المدَّعَى (٦) عَلَيهِ ابْتِداءً، (وَلَا أَعْلَمُ لِمنْ هِيَ؛ سُلِّمَتْ إِلَى المُدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (٧)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّه أَوْلَى، فتُسلَّم (٨) إليه بلا بَيِّنَةٍ؛ لِأنَّه لا مُنازِعَ له فيها، أشْبَهَ التي بيَدِه، ولِأنَّ صاحِبَ اليَدِ لو ادَّعاها ثُمَّ نَكَلَ؛ قُضِيَ بها للمدَّعِي، فمع عَدَمِ ادِّعائه أَوْلَى، فإنْ كانا اثْنَينِ اقْتَرَعَا عَلَيها. (وَفِي الآْخَرِ: لَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشهَدُ بذلك؛ لِأنَّه لم يَثبُتْ أنَّه مُسْتَحِقُّها، (وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ)؛ كمالٍ ضائعٍ.

стр. 6382

ويَتخرَّجُ: أنْ يَحلِفَ المُدَّعِي أنَّها له، وتُسلَّم إلَيهِ؛ بناءً على القول بردِّ اليمين إذا نكل المدَّعَى عليه (١). وقِيلَ: يُقَرُّ بِيَدِ المدَّعَى عَلَيهِ، وهو المذْهَبُ، قاله في «المحرَّر». (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ؛ سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى)؛ لِأنَّ الدَّعْوَى صارَتْ على غيره، ويَصِيرُ الغائبُ والولِيُّ خَصْمَينِ إنْ صدَّقاهُ، وحلَف المدَّعَى عَلَيهِ للمُدَّعِي، قاله في «الرِّعاية». (ثُمَّ إِنْ كَانَ (٢) لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ؛ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ)؛ لِأنَّ جانِبَه قد تَرجَّح بها، (وَهَلْ يَحْلِفُ) معها؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما رِوايَتانِ: إحداهما (٣): لا يَحلِفُ، جَزَمَ بها في «الوجيز»، وهي أشْهَرُ؛ لِأنَّ البيِّنةَ وَحْدَها كافِيَةٌ؛ للخَبَر. والثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لِأن الغائبَ والصَّغيرَ والمجْنونَ لا يَقُومُ منهم واحِدٌ بالحُجَّة، فاحْتِيجَ إلى اليمين؛ لتأكِيدِ البيِّنة. وقِيلَ: إنْ جُعِلَ قَضاءً على غائبٍ؛ أَخَذَها وحَلَفَ، وإلَّا فلا. وفي «الرِّعاية»: أنَّه (٤) إذا حَضَرَ الغائبُ، وأقام بيِّنةً (٥) أنَّها له؛ تَعارَضَتَا، وأُقِرَّتْ بيدِ المدَّعِي إنْ قدَّمْنا بيِّنةَ الخارِج، وإلَّا فهي للغائب. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ (٦)؛ لم يُقْضَ له بها، ويُوقَفُ الأمْرُ حتَّى يَقدَمَ الغائبُ، ويَصِيرَ غَيرُ المكلَّف مُكلَّفًا، فتكُونَ الخُصومةُ له؛ (حَلَفَ المُدَّعَى

стр. 6383

عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ)؛ لِأنَّه لو أقرَّ لَزِمَه الدَّفْعُ، ومَن لَزِمَه الدَّفْعُ مع الإقرار؛ لَزِمَتْهُ اليمينُ مع الإنكار، (وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ)؛ لِأنَّ المدَّعِيَ انْدَفَعَتْ دَعْواهُ باليمين. وفي «الشَّرح»: إذا قال المدَّعِي: أحْلِفُوا المدَّعَى عَلَيهِ؛ أحْلَفْناهُ، وتقرُّ (١) العَينُ في يَدِه، ولو نَكَلَ عن اليمين؛ غَرِمَ بَدَلَها. وقال ابنُ حَمْدانَ: بل تكُونُ عِنْدَ أمينِ الحاكِمِ حتَّى يَأخُذَها المُقَرُّ له. فإنْ كان المدَّعِي اثْنَينِ؛ غَرِمَ عِوَضَينِ لهما. وفي «الشَّرح»: متى عاد المُقَرُّ بها لغَيرِه، ادعاها (٢) لنفسه؛ لم تُسمَعْ؛ لِأنَّه أقرَّ بأنَّه لا يَملِكُها، فلا يُسمَعُ منه الرُّجوعُ بَعْدَ إقْراره. (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لِمَنْ سَمَّى؛ فَلَا يَحْلِفُ)؛ أيْ: إذا (٣) أقام المدَّعَى عَلَيهِ بيِّنةً أنَّها لمَنْ سَمَّاهُ؛ سَمِعَها الحاكِمُ؛ لِزَوالِ التُّهمة عن الحاضر، وسُقوطِ اليمين عنه، ولم يَقْضِ بها؛ لِأنَّ البيِّنةَ للغائبِ، والغائبُ (٤) لم يَدَّعِها هو ولا وَكِيلُه. ويَتخرَّجُ: أنْ يَقْضِيَ بها إذا قُلْنا بتقديمِ بيِّنةِ الدَّاخِل، وأنَّ لِلْمُودَع المحاكَمَةَ في الوَديعة إذا غُصِبَت (٥)، واقْتَصَرَ في «الرِّعاية» على حكايةِ هذا التَّخريجِ فقطْ. فرعٌ: إذا ادَّعَى مَنْ هِيَ بيدِه (٦) أنَّها معه بإجارةٍ أوْ عارِيَةٍ، وأقَامَ بيِّنةً (٧)

стр. 6384

بالمِلك للغائب (١)؛ لم يُقْضَ بها. ويَتخرَّجُ: بَلَى، على ما قُلْناهُ. وذَكَرَ في «الرِّعاية»: أنَّه (٢) إنْ ثَبَتَ ذلك، وقلنا: لهما المحاكَمَةُ؛ ثَبَتَ الملْكُ. (وَإِنْ (٣) أَقَرَّ (٤) بِهَا لِمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ، وَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَكَ نَاكِلاً) ونقضي (٥) عَلَيكَ؛ لِأنَّه لا يُمكِنُ الدَّعْوَى على مجهولٍ، فيَضِيعُ الحقُّ بإقرارِه هذا. فإنِ ادَّعاها لنفْسِهِ؛ لم تُسْمَع (٦) في الأَشْهَرِ.

стр. 6385

(فَصْلٌ) (وَلَا تَصِحُّ (١) الدَّعْوَى إِلاَّ (٢) مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ بِهِ (٣) المُدَّعَى)؛ لِأنَّ الحاكِمَ يَسأَلُ المدَّعَى عَلَيهِ عمَّا ادَّعاهُ المدَّعِي، فإن اعْتَرَفَ به؛ ألْزَمَه، ولا يُمكِنُه أنْ يُلزِمَه مَجهولاً. (إِلَّا فِي الْوَصِيَّةِ)، وعَلَيهَا اقْتَصَرَ السَّامَرِّيُّ، (وَالْإِقْرَارِ)، والخُلْعِ، وعبدٍ (٤) مُطَلِّقٍ في مَهْرٍ حَيثُ صحَّحْناهُ، (فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالمَجْهُولِ)؛ لِأنَّه لو أَوْصَى أوْ أقرَّ بشَيءٍ مَجْهولٍ؛ لصحَّ (٥)، فكذا هذا. وشَرْطُها أيضًا: أنْ تكُونَ مُتعلِّقةً بالحالِّ، فلا بُدَّ في الدَّعْوَى بالدَّين أنْ يكُونَ حَالًّا. وقِيلَ: تُسْمَعُ (٦) بِدَينٍ مُؤجَّلٍ لِإثْباتِه إذا خَافَ سَفَرَ الشُّهود. قال في «التَّرغيب»: الصَّحيحُ أنَّها تُسمَعُ، فيَثْبُتُ أصْلُ الحقِّ لِلُزومه في المستقبَل؛ كدَعْوَى تَدْبِيرٍ، وأنَّه يَحتَمِلُ في: قَتَلَ أبي أحدِ (٧) هؤلاء الخمسةِ، أنَّه يُسمَعُ للحاجة؛ لوقوعه كثيرًا، ويَحلِفُ كلٌّ منهم. وكذا دَعْوَى غَصْبٍ وسَرِقةٍ، لا إقْرارٍ وبَيعٍ إذا قال: نَسِيتُ؛ لِأنَّه مُقصِّرٌ. وأنْ يُصرِّحَ بها، فلا يَكْفِي قَولُه عن دَعْوى في وَرَقَةٍ ادَّعَى بما فيها.

стр. 6386

وأنْ تَنفَكَّ عمَّا يُكذِّبُها، فلو ادَّعى عَلَيهِ أنَّه قَتَلَ أباهُ مُنفَرِدًا، ثُمَّ ادَّعَى على آخَرَ المشارَكةَ فيه؛ لم تُسمَعِ الثَّانِيَةُ، ولو أقرَّ الثَّانِي، إلَّا أنْ يَقُولَ: غَلِطْتُ، أوْ كَذَبْتُ في الأُولى (١)، فالأَظْهَرُ يُقبَلُ، قاله (٢) في «التَّرغيب»؛ لِإمْكانِه، والحقُّ لا يَعدُوهُما. (فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى عَيْنًا حَاضِرَةً) في المجْلِس؛ (عَيَّنَهَا)؛ لِأنَّه (٣) يَنتَفِي اللَّبس، وكذا إنْ كانَتْ حاضِرةً، لكِنْ لم تحضر (٤) بمَجْلِسِ الحُكْم، اعْتُبِرَ إحْضارُها للتَّعْيين، ويَجِبُ إحْضارُها على المدَّعَى عَلَيهِ، إنْ أقرَّ أنَّ بيده مِثْلَها، ولَو ثَبَتَ أنَّها بيَدِه بِبَيِّنةٍ أوْ نُكولٍ؛ حُبِسَ أبدًا حتَّى يُحضِرَها، أوْ يدَّعِيَ (٥) تَلَفَها، فيُصدَّقُ (٦) للضَّرورة، وتَكْفِي القِيمةُ. تنبيهٌ: إذا (٧) ادَّعَى دَينًا على أبِيهِ؛ ذَكَرَ مَوتَه، وحرَّرَ الدَّينَ والتَّرِكةَ، ذَكَرَه القاضِي، وفي «المغْنِي»: أو (٨) أنَّه وَصَلَ إلَيهِ مِنْ تَرِكَةِ أبيه ما يَفِي بدَينه. وإنِ ادَّعَى مالاً مُطلَقًا؛ لم يَجِبْ ذِكْرُ سَبَبِه وقَدْرِه وجِنْسِه، ذَكَرَه في «الرِّعاية». فإنِ ادَّعَى عَينًا أوْ دَينًا لم يُعتَبَرْ ذِكْرُ سببه (٩)، وَجْهًا واحِدًا؛ لكَثْرَةِ سببه، ويَكْفِيهِ أنْ يقولَ: أسْتَحِقُّ هذه العَينَ الَّتي في يَدِكَ، أوْ ذِمَّتِكَ.

стр. 6387

(وَإِنْ (١) كَانَتْ غَائِبَةً؛ ذَكَرَ صِفَاتِهَا (٢) إِنْ كَانَتْ تَنْضَبِطُ بِهَا (٣)؛ لِأنَّها تَتَمَيَّزُ بذلك، وكذا إنْ كانَتْ في الذِّمَّة، (وَالْأَوْلَى) مع ذلك: (ذِكْرُ قِيمَتِهَا)؛ لِأنَّه أضْبَطُ. (وَإِنْ (٤) كَانِتْ تَالِفَةً مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ ذَكَرَ قَدْرَهَا، وَجِنْسَهَا، وَصِفَتَهَا (٥) ما يَكْفِي في السَّلَم؛ لِأنَّ المِثْلَ واجِبٌ، لا يَتَحَقَّقُ المِثْلُ بِدُونها، (وَإِنْ ذَكَرَ قِيمَتَهَا كَانَ أَوْلَى)؛ لِأنَّه أضْبَطُ وَأَحْصرُ (٦). (وَإِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ (٧) بِالصِّفَاتِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا)؛ لِأنَّها لا تُعلَمُ إلاَّ بذلك. (وَإِنِ ادَّعَى نِكَاحًا؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ المرْأَةِ بِعَيْنِهَا (٨) إِنْ حَضَرَتْ)؛ لِأنَّ اللَّبْسَ يَنتَفِي بذلك، (وَإِلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا)؛ لِأنَّها لا تَتَمَيَّزُ إلاَّ بذلك، (وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ) المعتَبَرةَ في الحُضور والغَيبة، صحَّحه في «المستوعب» و «المحرَّر» و «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا في شُروطِه، فلم يكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِها حتَّى يُعلَمَ الحالُ على ما هي (٩) عَلَيهِ؛ لِيَعْرِفَ كَيفَ يَحكُمُ، (وَأَنَّهُ (١٠) تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَرِضَاهَا، فِي

стр. 6388

الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ). وعَنْهُ: لا يُشتَرَطُ ذلك؛ لِأنَّه نَوعُ ملْكٍ، كما لو ادَّعى بَيعًا أوْ عقدًا (١) غَيرَه. والأَوَّلُ أصحُّ، والفرقُ (٢): أنَّ الفُروجَ يُحتاطُ لها، بخِلافِ غَيرِها، ولِأنَّه مَبْنِيٌّ على الاِحْتِياط، وتتعلَّقُ العُقُوبَةُ بجِنْسِهِ (٣)، فاشترط ذكرُ (٤) شُرُوطِه كالقتلِ. فإنِ ادَّعَى اسْتِدامَةَ الزَّوجِيَّة، ولم يَدَّعِ عَقْدًا؛ لم يَحتَجْ إلى ذِكْرِ شُروطه في الأصحِّ؛ لِأنَّه يثبتُ (٥) بالاِسْتِفاضة الَّتي لا يُعلَمُ معها اجْتِماعُ الشُّروط. وفي آخَرَ: بَلَى؛ كدَعْوَى العَقْد. وفي «التَّرغيب»: يُعتَبَرُ في النِّكاح وَصْفُه بالصِّحَّة، وأنَّه لا يُعتَبَرُ انْتِفاءُ المفْسِدِ، وأنَّها لَيسَتْ مُعتَدَّةً، ولا مُرتَدَّةً. (وَإِنِ ادَّعَى بَيْعًا أَوْ عَقْدًا سِوَاهُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أصَحُّهما: يُعتَبَرُ ذِكْرُ شُروطِهِ؛ كالنِّكاح. والثَّاني: لا يُشتَرَطُ، قدَّمه في «الكافي»، وذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّه أَوْلَى وأصَحُّ، وقد سَبَقَ ذِكْرُ الفَرْقِ بَينَهما. وقِيلَ: يُشتَرَطُ في ملْكِ الإماء خاصَّةً. وعلى الأوَّل: لو ادَّعى بَيعًا لازِمًا، أوْ هِبَةً مَقْبوضةً؛ كَفَى في الأَشْهَرِ.

стр. 6389

وفي اعْتِبارِ وَصْفِ الْبَيع بأنَّه صحيحٌ؛ وَجْهانِ. وقِيلَ: ويَذكُرُ القِيمةَ والوَصْفَ، دُونَ ذِكْر القِيمة (١). فلو ادَّعَى بَيعًا أوْ هِبَةً لم تُسمَعْ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: ويَلزَمُكَ التَّسليمُ إليَّ؛ لاِحْتِمالِ كَونِه قَبلَ التَّسليم. وما لَزِمَ ذِكْرُه في الدَّعْوَى، ولم يَذكُرْه؛ سَأَلَه الحاكِمُ عنه؛ لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعلُومةً، فيمكن (٢) الحاكِمَ الحُكْمُ بها. فرعٌ: إذا ادَّعَى عَقارًا غائبًا بعيدًا؛ كَفَى شُهْرَتُه عِندَهما وعِندَ حاكِمٍ عن تَحْديدِه؛ لحديثِ الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ (٣)، وإنْ كان قريبًا؛ عَيَّنَه إنْ أمْكَنَ. (وَإِنِ ادَّعَتِ المَرْأَةُ نِكَاحًا عَلَى رَجُلٍ، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أَوْ مَهْرًا؛ سُمِعَتْ دَعْوَاهَا) بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤)؛ لِأنَّ حاصِلَ دَعْواها دَعْوَى الحقِّ مِنْ المَهْرِ ونحوِه. (وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفُروع»: أحدُهما: تُسمَعُ، وهو قَولُ القاضي؛ لِأنَّ النِّكاحَ يَتضَمَّنُ حُقوقًا لها، أشْبَهَ ما إذا (٥) ادَّعَتْ مع النِّكاح مَهْرًا. والثَّاني (٦): لا تُسمَعُ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو أشْهَرُ؛ لِأنَّه حقٌّ عَلَيها، فدَعْوَاها له إقرارٌ لا يُسمَعُ مَع إنْكارِ المقَرِّ له، ولا يُشتَرَطُ ذِكْرُ انْتِفاءِ مُفْسِداتِه.

стр. 6390

فإن (١) قُلْنَا بالأوَّل؛ قُبِلَ قَولُ الزَّوج بغَيرِ يمينٍ إذا لم تكن (٢) بيِّنةٌ، لِأنَّه إذا لم تُسْتَحلف (٣) المرأةُ والحقُّ عَلَيها؛ فلَأن لا (٤) يُستَحْلَفَ مَنْ الحقُّ له وهو يُنكِرُه أَوْلَى. ويَحتَمِلُ: أنْ يُستحلف (٥)؛ لِأنَّ دَعْواها إنَّما سُمِعَتْ لِتَضَمُّنِها دَعْوَى حُقوقٍ مالِيَّةٍ، فشُرِعَ فيها اليمينُ. وإنْ قامَت البيِّنةُ بالنِّكاح؛ ثَبَتَ لها ما تَضَمَّنَه النِّكاحُ مِنْ حُقوقها. وأمَّا إباحَتُها له؛ فيَنْبَنِي على باطِنِ (٦) الأَمْرِ، فإن عَلِمَ أنَّها زَوجَتَه؛ حلَّت (٧) له؛ لِأنَّ إنكارَه النِّكاحَ ليس (٨) بطلاقٍ، إلاَّ أنْ يَنوِيَه، وإنْ عَلِمَ أنَّها لَيسَت امْرأتَه؛ لم تحلَّ (٩) له، وهل يُمَكَّنُ منها (١٠) في الظَّاهِرِ؟ فِيهِ وَجْهانِ. فرعٌ: إذا ادَّعى رِقَّ جارِيَةِ رَجُلٍ، فصدَّقَه؛ لم يستحقَّها (١١) بإقْرارِه. (وَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ؛ ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شَارَكَ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيَصِفُهُ)؛ لِأنَّ الحال (١٢) يَختَلِفُ باخْتِلافِ ذلك، فلم يكُنْ بُدٌّ من ذِكْرِه؛ لِتَرَتُّبِ حُكْمِ الحاكِمِ عَلَيهِ.

стр. 6391

ولو قال: قَدَّهُ نِصفَينِ وكان حَيًّا، أوْ ضَرَبَه وهو حَيٌّ؛ صحَّ، ولو لم (١) يَذكُر الحياةَ؛ فَوَجْهانِ. وإنْ قال: ضَرَبَه بسَيفٍ فأَوْضَحَ رأسَه؛ فهل يُشتَرَطُ أن (٢) يقولَ: فأوْضَحَ عَظْمَه؟ قال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ وَجْهَينِ. (وَإِنِ ادَّعَى الْإِرْثَ؛ ذَكَرَ سَبَبَهُ)؛ لِاخْتِلافه، قال في «الرِّعاية»: وقَدرَه، ولا يَكفِي قَولُه: مات فلانٌ وأنا وارِثُه. (وَإِنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى؛ قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ (٣) لِئَلَّا يُؤدِّيَ إلى الرِّبا، (فَلَوْ (٤) كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفَضَّةٍ (٥)؛ قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِلْحَاجَةِ)، إذِ الثَّمنيَّةُ (٦) مُنحَصِرةٌ فِيهِما. فإنِ ادَّعَى نَقْدًا مِنْ نَقْدِ البلد؛ كَفَى ذِكْرُ قَدْرِه، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز». وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ وَصْفِه. فرعٌ: إذا ادَّعَى أنَّ زَيدًا أقرَّ له بألْفٍ؛ لم تُسمَعْ حتَّى يقولَ: أدَّعِي عَلَيهِ حالًّا أطْلُبُه منه، ولا يَكفِي قَولُه: لي عَلَيكَ، أَوْ لِي في ذِمَّتك كذا، حتَّى يقولَ: وهو حالٌّ، وأنا أطلبُكَ (٧) به. وفي (٨) الوديعة يقولُ: وأنا أطْلُبُ أنْ تُمكِّنَنِي (٩) مِنْ أخْذِها، ولا يقولُ:

стр. 6392

أطْلُبُ تسليمَها، فإنَّه لا يَلزَمُ تسليمُها إلَيهِ، بل التَّمكينُ منها، ولا يَجِبُ ذِكْرُ قِيمَتِها. ويجب (١) ذِكْرُ العارِيَةِ والغَصْبِ (٢)، ويَقُولُ وهما في يده: يَلزَمُه تسليمُها إليَّ. وفي السَّلَم: يَذكُرُ شُروطَه، وكذا في دَعْوَى الغَصْب والسَّرِقة والإتْلافِ في وَجْهٍ. فإذا ادَّعى أنَّها له في الحال، فشَهِدَتْ أنَّها له أمْسِ، أوْ في يده؛ لم تُسمَعْ في الأَشْهَر. وإنْ قال خَصمُه: كانَتْ بيَدِكَ أمْسِ؛ لم يَلزَمْ خَصْمَه شَيءٌ. مسألةٌ: تَصِحُّ دَعْوَى الحِسْبة مِنْ كلِّ مسلمٍ (٣) مُكلَّفٍ رشيدٍ، في حقِّ الله تعالى، وفي حقِّ كلِّ آدَمِيٍّ غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ كرِباطٍ وجسر، وإنْ لم يَطْلُبْه مُستَحِقُّه، وتَصِحُّ الشَّهادةُ به قَبْلَ الدَّعْوَى وبَعْدَها، مِنْ ربِّه وغَيرِه. ادَّعى شجرةً، أوْ دابَّةً؛ لم يَستَحِقَّ النِّتاجَ والثَّمرةَ قَبْلَ ذلك، ولا الثَّمرةَ الظَّاهِرةَ عِنْدَ إقامةِ البيِّنةِ، ويَستَحِقُّ الموجودَ إذن (٤). وقِيلَ: لا، إلَّا أنْ يَثبُتَ (٥) مِلكُه للأصل قَبْلَ ذلك. ومَن اشْتَرَى شَيئًا فأُخِذَ منه بحجَّةٍ مُطلَقًا؛ ردَّ بائعُه ثَمَنَه الَّذي قَبَضَه. وقِيلَ: إنْ كان ملْكًا سابِقًا على المشْتَرِي.

стр. 6393

ومَن ادَّعَى ملْكًا مُطلَقًا، فَذَكَرَ شهوده (١) الملك، وسَبَبه؛ صحَّ، ولم يَضُرَّه ذِكْرُه، ولو ذَكَرَ المدَّعِي سببًا غَيرَه؛ رُدَّت شَهادتُهم. شَهِدَ له عَدْلانِ بحقٍّ مالِيٍّ لا عِنْدَ حاكِمٍ، فله أخْذُه في (٢) الأَقْيَس. وإنْ شَهِدَا له بقَودٍ لا عِنْدَ حاكِمٍ؛ فلا يأخُذُه. وقِيلَ: بَلَى؛ كما لو شَهِدَتْ عِنْدَ حاكِمٍ. فرعٌ: أعْطَى دَلاَّلاً ثَوبًا يُساوِي عَشَرَةً لِيَبيعَه بعِشرينَ، فجَحَدَه، فقال (٣): أدَّعِي ثَوبًا، إنْ كان باعَهُ فلي عِشْرونَ، وإنْ كان باقيًا فلي عَينُه، وإِن كان تالِفًا فلي عَشَرةٌ: فقد اصْطَلَحَ القُضاةُ على قَبولِ هذه الدَّعْوَى المردودةِ؛ للحاجة، ذَكَرَه في «التَّرغيب». وإنْ غَصَبَ ثَوبًا؛ فإنْ كان باقيًا فلي رَدُّه، وإلَّا قيمته (٤)؛ صحَّ. وقِيلَ: بل يَدَّعِيهِ، فإنْ حَلَفَ المنكِرُ؛ ادَّعَى قِيمتَه. وإنْ قامَتْ بيِّنةٌ على مجهولٍ بيَدِ المنكِرِ سُمِعَتْ في الأَشْهَر.

стр. 6394

(فَصْلٌ) (وَتُعْتَبُرُ فِي الْبَيِّنَةِ: الْعَدَالَةُ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الكافي»، وذَكَرَ أنَّه ظاهِرُ المذْهَبِ، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وذَكَرَ في «المحرَّر»: أنَّه اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ … ﴾ [الحُجرَات: ٦]، ولقوله ﵇: «لا تُقبَلُ شهادةُ خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا ذِي غِمْرٍ على أخِيهِ، ولا مَحدودٍ في الإسْلامِ» (١)، وسَواءٌ طَعَنَ الخَصْمُ فيه أوْ لا؛ لِأنَّ العدالةَ شرطٌ، فيَجِبُ العَمَلُ بها؛ كالإسلام. فعلى هذا: يَكتُبُ اسمَه، ونَسَبَه، وكُنيَتَه، وحِلْيَتَه، وصَنْعَتَه، وسُوقَه، ومَسْكَنَه، ومَن شَهِدَ له وعَلَيهِ، وما شَهِدَ به في رقاعٍ، ويَدْفَعُها إلى أصْحابِ مَسائِلِه الَّذين (٢) يُعرِّفونَه حالَ (٣) مَنْ جَهِلَ عَدالَتَه، مِنْ غَيرِ شَحْناءَ ولا عَصَبِيَّةٍ. ويَجتَهِدُ أنْ لا يَعرِفَهم المشهودُ لَهُ (٤)، ولا المشهودُ عَلَيهِ، ولا

стр. 6395

المسؤولون (١)، ويَدفَعُ إلى كلِّ واحِدٍ رُقْعةً، ولا يُعلِمُ بَعضَهم ببعضٍ ليسألوا عنه، فإنْ رَجَعُوا بتعديله؛ قَبِلَه من اثنين (٢) منهم، قدَّمه في «الشَّرح»، ورجَّحه في «الرِّعاية»، ويَشهَدانِ بلَفْظِ الشَّهادة. وقِيلَ: لا يُقبَلُ إلَّا شهادة المسؤولين (٣)؛ لِأنَّهم شُهودُ أصْلٍ. فإنْ قالا: نَشهَدُ أنَّه عَدْلٌ، ولم يبَيِّنَا سَبَبه؛ فَوَجْهانِ. (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ تَظْهَرْ (٤) مِنْهُ رِيبَةٌ)، وهي (٥) قَولُ الحَسَن، (اخْتَارَهَا (٦) الْخِرَقِيُّ)، وأبو بكرٍ، وصاحِبُ «الرَّوضة»؛ «لقَبولِ النَّبيِّ ﷺ شَهادةَ الأَعْرابيِّ برُؤْيةِ الهلال» (٧)، ولِقَولِ عمرَ: «المسْلِمونَ عُدُولٌ» (٨)، ولِأنَّ

стр. 6396

العَدالةَ أمْرٌ خَفِيٌّ، سَبَبُها الخَوفُ من الله تعالَى، ودليلُ ذلك الإسْلامُ، فإذا وُجِدَ؛ فَلْيُكْتَفَ (١) به، ما لم يَقُمْ دليلٌ على خِلافِه. فَعَلَى هذه: (إِنْ جُهِلَ إِسْلَامُهُ؛ رُجِعَ إِلَى أَقْوَالِهِ (٢)؛ لِأنَّه إنْ لم يكُنْ مُسلِمًا؛ صار مُسلِمًا بالاِعْتِراف. ولا يَكفِي ظاهِرُ الدَّار، ذَكَرَه الأصْحابُ. وفي جَهْلِ حُرِّيَّتِه المعتَبَرةِ وَجْهانِ: أحدُهما: لا بُدَّ مِنْ معرفةِ ذلك، جَزَمَ به في «الشَّرح». وفي «عُيونِ المسائل»: إنْ مَنَعُوا عدالةَ العَبْد؛ فيُمنَعُ بقَوله ﵇: «يَحمِلُ هذا العلمَ مِنْ كلِّ خَلَفٍ عُدولُه» (٣)، وهم مِنْ حُمَّال العلم والحديث والفَتْوَى، فهُمْ عُدُولٌ بقَولِ المصْطَفَى ﷺ . (وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ)، وقَولُهم: (إنَّ ظاهِرَ المسْلِم العدالةُ)؛ ممنوعٌ، بل الظَّاهِرُ عَكْسُ ذلك، وقَولُ عمرَ مُعارَضٌ بما رُوِيَ عنه: أنَّه أُتِيَ بشاهِدَينِ، فقال لهما: «لَسْتُ أعْرِفُكما، ولا يَضُرُّكما إنْ لم أعْرِفْكُما» (٤)، ولأنَّ الأعرابيَّ

стр. 6397

قد صار صحابِيًّا، وهم عُدُولٌ كلُّهم (١). (وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا؛ عَمِلَ بِعِلْمِهِ) في عدالةِ البيِّنة؛ لِأنَّه لو لم يُكْتَفَ بذلك لَتَسَلْسَل؛ لِأنَّ المزَّكِّيَ يَحتاجُ إلى عدالتهما، فإذا لم يَعمَلْ بعِلْمِه؛ احْتاجَ كلُّ واحدٍ من المزَكِّينَ (٢)، ثُمَّ كلُّ واحِدٍ مِمَّنْ يُزكِّيهما إلى مُزَكِّينَ، إلى ما لا نهايَةَ له، وعَكْسُه بعَكْسه، (وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا (٣)؛ لِأنَّ شُروطَ الحُكْم قد وُجِدَتْ. (إِلَّا أَنْ يَرْتَابَ بِهِمَا)، فإنَّه يَلزَمُ سؤالُهما، والبَحْثُ عن صفةِ تَحَمُّلِهما وغَيره، (فَيُفَرِّقُهُمَا (٤)، اسْتِحْبابًا، صرَّح به في «المحرَّر» و «الكافي» و «الوجيز»، وعِبارةُ السَّامَرِّيِّ وابنِ حَمْدانَ كالَّتي قَبْلَها، (وَيَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ: كَيْفَ تَحَمَّلْتَ الشَّهَادَةَ؟ وَمَتَى؟ وَفِي أَيِّ (٥) مَوْضِعٍ؟ وَهَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ، أَوْ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟)؛ لمَا رُوِيَ عن عليٍّ: «أنَّ سبعةً خَرَجُوا، فَفُقِد (٦) واحِدٌ منهم، فأتَتْ زَوجَتُه عَلِيًّا، فدَعَا السِّتَّةَ، فَسَأَلَ واحِدًا منهم، فأنْكَرَ، فقال: اللهُ أكْبَرُ، فظَنَّ الباقُونَ أنَّه قد اعْتَرَفَ، فاسْتَدْعاهُمْ، فاعْتَرَفُوا، فقال للأوَّل: قد شَهِدُوا عَلَيكَ فاعْتَرَفَ، فَقَتَلَهُم» (٧).

стр. 6398

(فَإِنِ اخْتَلَفَا؛ لَمْ يَقْبَلْهُمَا)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لِأنَّه ظَهَرَ له ما يَمنَعُ قبولها (١). وقال في «المستوعب»: يُوقَفُ على (٢) قَبولها (٣)، قدَّمه (٤) في «الرِّعاية». وفي «الشَّرح»: سَقَطَتْ شَهادتُهما. (وَإِنِ اتَّفَقَا؛ وَعَظَهُمَا وَخَوَّفَهُمَا)؛ لِأنَّ ذلك سببٌ لِتَوَقُّفِهما بتقديرِ كَونِهما شَاهِدَيْ زُورٍ، (فَإِنْ ثَبَتَا) على قَولهما؛ (حَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِي)؛ لِأنَّ الشَّرطَ ثَباتُ الشَّاهِدَينِ على شَهادَتِهما إلى حين (٥) الحُكْم، وطَلَبُ المدَّعِي الحُكْمَ، وقد وُجِدَ ذلك كلُّه. ويُستَحَبُّ أنْ يَقولُ للمُنكِر: قد (٦) قَبِلْتُهما، فإنْ جَرَحْتَهما، وإلَّا حَكَمْتُ عَلَيكَ، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ. (وَإِنْ جَرَحَهُمَا المَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِالْجَرْحِ)؛ لِيَتَحَقَّقَ صِدْقَه أوْ كَذِبَه، (وَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ؛ أُنْظِرَ ثَلَاثًا)، ذَكَرَه في «الكافي» و «المستوعب» و «الوجيز»، وصحَّحه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ تكليفَه إقامَتَها في أقلَّ مِنْ ذلك يَشُقُّ ويَعسُرُ.

стр. 6399

فإنْ أقامَ المدَّعَى عَلَيهِ بَيِّنةً أنَّهما شَهِدا عِنْدَ قاضٍ بذلك، فرُدَّتْ شَهادتُهما لِفِسْقهما؛ بَطَلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّ (١) الشَّهادةَ إذا رُدَّتْ لِفِسْقٍ؛ لم تقبل (٢) مرَّةً ثانِيَةً. فرعٌ: لا يَجُوزُ للحاكم أنْ يُرتِّبَ شُهودًا لا يَقبَلُ غَيرَهم، لكِنْ له أنْ يُرتِّبَ شُهودًا يُشهِدُهم النَّاسُ، فيَسْتَغْنُونَ بإشْهادِهم عن تَعْديلِهم، ويَكْتَفِي عن الكَشْف عن أحْوالِهم. قال أحمدُ: يَنبَغِي للقاضي أنْ يَسْأَلَ عن شهوده (٣) كلَّ قليلٍ (٤)، وهل هو مُستَحَبٌّ أوْ واجِبٌ؟ فِيهِ وَجْهانِ. (وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ)؛ لِأنَّ حقَّه (٥) قد تَوجَّه، والمدَّعَى عَلَيهِ يَدَّعِي ما يُسقِطُه، والأصلُ عَدَمُه. (فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً؛ حُكِمَ عَلَيْهِ)؛ لِأنَّ الحقَّ قد وضح (٦) على وَجْهٍ لا إشكال (٧) فِيهِ. (وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ)، قدَّمه في «المستوعب» و «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وذَكَرَ في «الكافي»: أنَّه المذْهَبُ، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الناس (٨) يَختَلِفُونَ في أسْباب الجَرْح؛ كاخْتِلافهم في شارِبِ يَسيرِ النَّبيذ،

стр. 6400

فَوَجَبَ ألا يُقبَلَ مُجرَّدُ الجَرْح؛ لِئَلاَّ يجرحَه (١) بما لا يَراهُ القاضي جَرْحًا. وفي الاِسْتِفاضة وَجْهٌ؛ كتَزْكِيَةٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ وَلَيْسَ بِعَدْلٍ)؛ كالتَّعديل في الأصحِّ؛ لِأنَّ التَّصريحَ بالسَّبب يَجعَلُ الجارِحَ فاسِقًا يوجِبُ (٢) عَلَيهِ الحَدَّ في بَعْضِ الحالات. وجَوابُه: بأنَّه يمكنه (٣) التَّعْريضُ. وقِيلَ: إن اتَّحد (٤) مَذهَبُ الجارِح والحاكِمِ، أوْ عرف (٥) الجارِحُ أسْبابَ الجَرْح؛ قُبِلَ إجْمالُه، وإلَّا فلا. وفي «المحرَّر»: المبَيَّنُ: أن (٦) يَذكُرَ ما يَقدَحُ في العدالة، والمطْلَقُ أنْ يَقولَ: هو فاسِقٌ. وقال القاضي: هو المبَيَّن، والمطلَقُ أنْ يَقُولَ: اللهُ أعْلَمُ به، ونحوَه. ولا يَكْفِي قَولُه: بَلَغَنِي عَنْكَ كذا؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزّخرُف: ٨٦]. فرعٌ: إذا صرَّح الجارِحُ بقَذْفه بالزِّنى، فعَلَيهِ الحدُّ إنْ لم يأْتِ بتَمامِ أربعةِ شُهَداءَ. ولا يُقبَلُ فِيهِ، ولا في التَّعديل؛ شَهادةُ النِّساء. وعَنه: بَلَى؛ كالرِّوايَة وأخبار (٧) الدِّيانات.

стр. 6401

وجَوابُه: بأنَّها شهادة فِيما لَيسَ بمالٍ، ولا يُقصَدُ به المالُ، ويَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجالُ في غَالِبِ الأحْوالِ، أشْبَهَ الشَّهادةَ في القِصاص. ولا يُقبَلُ الجَرْحُ مِنْ الخَصْم بغَيرِ خِلافٍ (١). مسألةٌ: لا تُقبَلُ شَهادةُ المُتَوَسِّمِينَ، وذلك إذا حَضَرَ شاهِدانِ مُسافِرانِ، فشهدا (٢) عِنْدَ حاكِمٍ لا يَعرِفُهما، كشَاهدَي الحضَرِ (٣). (وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِي: زِدْنِي شُهُودًا)؛ لِأنَّ ذلك يُحصِّلُ المقصودَ مع السِّتْر على الشَّاهِد. (وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ)؛ لَزِمَه البَحْثُ، (وَطَالَبَ المُدَّعِي بِتَزْكِيَتِهِ)؛ لقولِ عُمَرَ ﵁ للشَّاهِدَينِ: «جِيئَا بمَنْ يَعرِفُكما» (٤)، ولِأنَّ العدالةَ شَرْطٌ، فالشَّكُّ في وُجودِها كعَدَمِها؛ كشروط (٥) الصَّلاة. (وَيَكْفِي فِي التَّزْكِيَةِ: شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا)، في قَولِ أكْثَرِ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، فإذا شَهِدا أنَّه عَدْلٌ؛ ثَبَتَ ذلك بشَهادَتِهما، فيَدخُلُ في عُمومِ الآية. وفي «التَّرغيب»: إذا قُلْنَا: لَيْستْ شَهَادةً؛ لا (٦) يُعتَبَرُ لفظُ الشَّهادة والعَدَد في الجميع.

стр. 6402

وهي حقُّ الشَّرْع، يطلبها (١) الحاكِمُ وإنْ سَكَتَ عنها (٢) الخَصْمُ، وقِيلَ: بل حقُّه. (وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: لِي وَعَلَيَّ (٣)؛ لِأنَّه إذا كان عَدْلاً؛ لَزِمَ أنْ يكُونَ له وعليه (٤)، وعلى سائِرِ النَّاس وفي كلِّ شَيءٍ، فلا يَحتَاجُ إلى ذِكْرِه، خِلافًا للشَّافِعِيِّ (٥)؛ لِئَلاَّ يكُونَ بَينَهما عَداوةٌ أوْ قَرابةٌ، ولِئَلَّا يكُونَ عَدْلاً في شَيءٍ دون (٦) آخَرَ. وفي «الشَّرح»: لا يَصِحُّ أنْ يكُونَ ذلك، فإنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عدالتُه لم تَزُلْ بقَرابةٍ ولا عَداوةٍ، وإنَّما تُردُّ (٧) للتُّهمة مع كَونِه عَدْلاً، ثُمَّ إنَّ هذا إذا كان مَعْلومًا انْتِفاؤه بَينَهما، لم يَحتَجْ إلى ذِكْرِه، ولا نَفْيِه عن نفسه؛ كما لو شَهِدَ بالحقِّ مَنْ عَرَفَ الحاكِمُ عَدالَتَه، ولِأنَّ العَدُوَّ لا يُمنَعُ مِنْ شَهادَتِه له بالتَّزْكِيَة، وإنَّما يُمْنَعُ (٨) الشَّهادةَ عَلَيهِ. ولا يَكْفِي فِيها أنْ يَقُولَ: ما أعْلَمُ إلَّا خَيرًا. تنبيهٌ: يُشتَرَطُ في قَبولِ المزَكِّيَيْنِ: مَعرِفَةُ الحاكم خِبْرَتَهما الباطِنَةَ؛ بصُحْبةٍ ومُعامَلَةٍ ونحوِهما، وفي «التَّرغيب»: ومَعرِفَةُ الجَرْح والتَّعديل؛ لِقَولِ عمرَ (٩)؛ لِأنَّ عادةَ النَّاس إظْهارُ الطَّاعات وإسْرارُ المعاصي.

стр. 6403

وفي «الرِّعاية» وغَيرِها: ولا يُتَّهَمُ بمَعْصِيَةٍ. وتعديلُ الخَصْم وحْدَه تعديلٌ في حقِّ الشَّاهد، وكذا تصديقُه له، ولا تَصِحُّ التَّزكِيَةُ في واقِعةٍ واحِدةٍ، في الأَشْهَرِ فِيهِنَّ. قال أحمدُ: لا يُعجِبُنِي أنْ يُعدَّلَ؛ لِأنَّ النَّاسَ يَتغَيَّرونَ (١)، وقال: قِيلَ لِشُرَيحٍ: قد أحْدَثْتَ في قَضائك، قال: إنَّهم أحْدَثُوا فأحْدَثْنا (٢). وذَكَرَ جماعةٌ: لا يَلزَمُ المُزَكِّيَ الحُضورُ للتَّزْكِيَة، وفِيهِ وَجْهٌ. وإنْ جَهِلَ الحاكِمُ أنَّه مِنْ أهلِ الخِبْرة الباطِنَة؛ مَنَعَه، قال في «الشَّرح»: (يَحتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الأصْحابُ بما ذَكَرُوهُ: أنَّ الحاكِمَ إذا عَلِمَ أنَّ المعدِّل (٣) لا خِبْرَةَ له؛ لم تُقبل (٤) شهادتُه بالتَّعديل، كما فَعَلَ عمرُ، ويَحتَمِلُ أنَّهم أرادوا: لا يَجُوزُ للمعدِّل الشَّهادةُ بالعدالة، إلَّا أنْ تكون (٥) خِبْرة باطِنَة، فأمَّا الحاكِمُ إذا شَهِدَ عِندَه العَدْلُ بالتَّعديل، ولم يَعرِفْ حقيقةَ الحال؛ فله أنْ يَقبَلَ الشَّهادةَ مِنْ غَيرِ كَشْفِ، وإن اسْتَكْشَفَ الحالَ - كما فَعَلَ عمرُ -؛ فحَسَنٌ). (وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنانِ، وَجَرَحَهُ اثْنانِ؛ فَالْجَرْحُ أَوْلَى)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لِأنَّ الجارِحَ يُخبِرُ بأمْرٍ باطِنٍ خَفِيٍّ على (٦) المعدِّل، وشاهِدُ العَدالة يُخبِرُ عن أمْرٍ ظاهِرٍ، ولِأنَّ الجارِحَ مُثْبِتٌ والمعدِّلَ نافٍ. وكذا إنْ زاد عَدَدُ المعدِّل على ذلك. فإنْ عدَّله اثْنانِ وجَرَحَه واحِدٌ، وقَبِلنا (٧) جَرْحَه؛

стр. 6404

قُدِّم (١) التَّعديل، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الرِّعاية»، وعلَّله في «الكافي»: بأنَّ بيِّنةَ الجَرْح (٢) لم تَكمُلْ. وإنْ جَرَحَه اثْنانِ؛ قُدِّما (٣) إذا بيَّنَا سبَبَ جَرْحِه. فإنْ أخَبَرَ أحَدُهما بتعديله، والآخَرُ بجَرحِه؛ بَعَثَ آخَرَينِ، فإنْ أخبرا (٤) بجَرحِه؛ رُدَّتْ شَهادَتُه، وإن (٥) لم يَبعَثْ أحدًا؛ قُدِّمَ الجَرْحُ. فرعٌ: إذا عَصَى في بلده، فانْتَقَلَ عنه، فجَرَحَه اثْنانِ في بلده، وزكَّاه اثْنانِ في البلد الَّذي انْتَقَلَ إلَيهِ؛ قدَّم التَّزكِيَةَ. ويَكفِي فِيها الظَّنُّ، بخِلافِ الجَرح. (وَإِنْ سَأَلَ (٦) المُدَّعِي حَبْسَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّيَ شُهُودَهُ؛ فَهَلْ يُحْبَسُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أشْهَرُهما: أنَّه يُحبَسُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وزاد: لمدة (٧) ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ العَدالةُ، ويُحبَسُ حتَّى يَفعَلَ ذلك. والثَّاني: لا يُجِيبُه إلى ذلك؛ لِأنَّ الأصْلَ براءةُ الذِّمَّة. وقِيلَ: يُحبَسُ في المال ونحوِه فقطْ. وكذا الخِلافُ لو سأل كفيلاً به في غَيرِ حدٍّ، أوْ جَعَلَ عَينَ مُدَّعاهُ في يَدِ عَدْلٍ قَبْلَ التَّزْكِيَة.

стр. 6405

(وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَسَأَلَ (١) حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآْخَرَ؛ حَبَسَهُ إنْ كَانَ فِي المَالِ)، جَزَمَ به أكثر (٢) الأصْحاب؛ لِأنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةٌ فِيهِ مع يمينِ المدَّعِي، واليمينُ إنَّما تَتَعَيَّنُ عِنْدَ تَعذُّرِ شاهِدٍ آخَرَ، ولم يَحصُل التَّعذُّرُ. وقِيلَ: لا يُحبَسُ. (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا يَحبِسُه؛ لِأنَّه لا يكُونُ حُجَّةً في إثباته (٣)، أشْبَهَ ما لو لم تُقَم (٤) بيِّنةٌ. والثَّاني: بَلَى؛ كالَّتي قَبْلَها. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّه إنْ حُبِسَ لِيُقِيمَ شاهِدًا آخَرَ يُتِمُّ بها البيِّنةَ، فهو كالحقِّ الَّذي لا يَثبُتُ إلَّا بشاهدَينِ، وإنْ حُبِسَ ليَحْلِفَ معه؛ فلا حاجةَ إلَيهِ؛ لِأنَّ الحلِفَ مُمْكِنٌ في الحال، فإنْ حَلَفَ ثَبَتَ حقُّه، وإلَّا لم يَجِبْ شَيءٌ. وفي «الرِّعاية»: أنَّه يُحبَسُ في المال وغَيرِه ثلاثةَ أيَّامٍ، فإنْ أقامَ شاهِدًا آخَرَ، وإلَّا حَلَفَ غَريمُه وأُطْلِقَ. وقِيلَ: إنْ طَلَبَ يَمِينَ المنكِر فأَبَى، ولم تَثْبُت (٥) عدالةُ الشَّاهِد؛ حُبِسَ، وإلَّا فلا. وقِيلَ: إنْ تَوقَّفَ الحُكْمُ على شاهِدٍ آخَرَ؛ لم يُحبَسْ غَريمُه حتَّى يُقيمَه، وإلَّا فاحتمالان (٦).

стр. 6406

فرعٌ: إذا أقامَ (١) العَبْدُ شاهِدَينِ بأنَّ سيِّدَه أعْتَقَه، وسَأَلَ الحاكِمَ أنَّ يَحُولَ بَينَه وبَينَ سيِّده؛ فَوَجْهانِ. وإنْ أقامَت المرأةُ شاهِدَينِ بطَلاقها، ولم يَعْرف (٢) عدالةَ الشُّهود؛ حِيلَ بَينَه وبَينَها، لا إنْ أقامَتْ شاهِدًا واحِدًا. (وَإِنْ حَاكَمَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ؛ تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ)؛ لِأنَّه لا يَعرِفُ ما يَترتَّبَ الحُكْمُ عَلَيهِ إلَّا بذلك. (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ)، المرادُ به تعريفُ الحاكم، لا تعريفُ الشَّاهد المشْهودَ عَلَيهِ، قال أحمدُ: (لا يَجُوزُ أنْ يقولَ الرَّجُلُ للرَّجُل: أنا أشْهَدُ أنَّ هذه فُلانَةَ، ويشهد (٣) على شَهادَتِي) (٤)، والفَرْق: أنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك في الحاكِمِ؛ لأِنَّه يَحكُمُ بغلَبةِ الظَّنِّ، (وَالرِّسَالَةِ، وَالتَّزْكِيَةِ؛ إِلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ)، قدَّمَه في «المحرَّر» و «المستوعب»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّ ذلك إثْباتُ شَيءٍ يَبْنِي الحاكِمُ حُكمَه عَلَيهِ، فافْتَقَرَ إلى ذلك؛ كسائرِ الحُقوق. فَعَلَى هذا: لا بُدَّ مِنْ عَدْلَينِ، ذَكَرَينِ، أجْنَبِيَّينِ، يَشْهَدانِ بذلك شِفاهًا. وهذا في غَيرِ المال والزِّنى، أمَّا (٥) المالُ: فيَشهَدُ رجُلانِ، ورجُلٌ وامْرأتانِ، وفي الزِّنى الأصحُّ: أنَّه لا بُدَّ مِنْ أربعةٍ، وذلك شهادةٌ، فيُعتَبَرُ فِيهِ ما يُعتَبَرُ فيها. (وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ فِي الْكُلِّ)، اختاره أبو بكرٍ؛ لحديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ:

стр. 6407

«أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَه، فتعلَّمَ كِتابَ اليهود، حتَّى كتبتُ (١) للنَّبيِّ ﷺ كُتُبَه، وأقْرَأْتُه كُتُبَهم» رواهُ البخاريُّ (٢)، وقال عمرُ بنُ الخَطَّاب، وعِندَه عُثْمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمن: «ما تقُولُ هذه»؛ فقال عبدُ الرَّحمن: هذه امرأةُ (٣) حاطب تُخبِرُك بالَّذي صَنَعَ معها» (٤)، وقال أبو جمرة (٥): «كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَينَ ابنِ عبَّاسٍ وبَينَ النَّاس» (٦)، وكالرِّواية وأخْبارِ الدِّيانات. فَعَلَى هذا: يَكفِي إخْبارُ عَدْلٍ بدُونِ لَفظِ الشَّهادة، ولو كان امرأةً، أو والدًا، أوْ وَلَدًا، أوْ أَعْمَى لِمنْ خَبَرَه بَعْدَ عَمَاهُ لا قَبْلَه (٧). وعَنْهُ: تشترط (٨) حُرِّيَّتُه، ذَكَرَها ابنُ هُبَيرةَ. وجَوابُه: بأنَّه يُقبَلُ خَبَرُ العَبْد؛ كأخْبارِ الدِّيانات، ويُكْتَفى بالرُّقعة مع الرَّسول.

стр. 6408

وعلى الأوَّل: تَجِبُ المُشافَهةُ، وتُعتَبَرُ شُروطُ الشَّهادة فِيمَنْ رتَّبَهُ (١) حاكِمٌ يَسأَلُ سِرًّا عن الشُّهود لتزكيةٍ (٢) أوْ جَرْحٍ. ومَن نَصَبَه للحُكْمِ (٣) بجَرْحٍ وتعديلٍ وسَماعِ بيِّنةٍ، قَنِعَ الحاكِمُ بقَولِه وحدَه إذا (٤) قامت البيِّنةُ عِندَه. (وَمَنْ ثَبَتَتْ (٥) عَدَالَتُهُ مَرَّةً؛ فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما (٦): لا يحتاج (٧)، قدَّمه في «المحرَّر»؛ كالزَّمَن القَريبِ، ولِأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان على ما كان، فلا يَزُولُ حتَّى يَثبُتَ الجَرْحُ. والثَّاني: بَلَى، قال في «المحرَّر»: وهو المنصوصُ عَنْهُ، وصحَّحَه في «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز» مع طُولِ المدَّة؛ لِأنَّ مَع طُولِ الزَّمان تَتَغَيَّرُ الأحْوالُ.

стр. 6409

(فَصْلٌ) (وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ) مَسافَةَ قَصْرٍ، (أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ)، أوْ في دُونِ مُسافَةِ قَصْرٍ، (أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ)، وعِبارةُ «الفروع»: أوْ غَيرِ مُكلَّفٍ، وهي أحْسَنُ، (وَلَهُ بَيِّنَةٌ (١)؛ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا)، قدَّمه في «الكافي»، و «المحرَّر»، و «المستوعب»، و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، واخْتارَهُ الخَلاَّلُ وصاحِبُه؛ لحُكْمِه ﵇ على أبي سُفْيانَ في حديثِ هِنْد (٢)، ولم يكُنْ حاضِرًا، ولِأنَّ عَدَمَ سماعها يُفضِي إلى تأخيرِ الحقِّ مع إمْكانِ اسْتِيفائه، والسَّماع من أجْلِ الحُكْم، ولَيسَ تَقدُّمُ الإنكار هُنا شَرْطًا، ولو فُرِضَ إقْرارُه؛ فهو تَقْوِيَةٌ لِثُبوتِه. قال في «التَّرغيب» وغَيره: لا تَفتَقِرُ البيِّنةُ إلى جُحودٍ؛ إذِ الغَيبةُ كالسُّكوت، والبيِّنةُ تُسمَعُ على ساكِتٍ، لكِنْ لو قال: هو مُعتَرِفٌ، وأنا أُقِيمُ البيِّنةَ اسْتِظْهارًا؛ لم تُسمَعْ، وقالَهُ الأدَمِيُّ، وقد عُلِمَ أنَّ المسْتَتِرَ والميِّتَ كالغائبِ، بل أَوْلَى؛ لأِنَّ المسْتَتِرَ لا عُذْرَ له، بخِلافِ الغائب. وأمَّا الصَّبيُّ والمجْنونُ؛ فإنَّهما لا يُعبِّرانِ عن (٣) أنفسهما. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم تكُنْ له بيِّنةٌ؛ لم تُسمَعْ دعواه (٤)؛ الفائدة (٥).

стр. 6410

وَلا يُقضَى على غائبٍ بحقٍّ لله (١) تعالى؛ لِأنَّ مَبْناهُ على المساهَلَة، فإنْ تعلَّق به حقُّ آدَمِيٍّ كالسَّرِقة؛ قَضَى بالغُرْم دُونَ القَطْع، وفي حدِّ (٢) القاذِفِ وجْهانِ. (وَهَلْ يُحَلَّفُ المُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ (٣) مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يُستَحْلَفُ على بَقاءِ حقِّه، اختاره الأكْثَرُ، وذَكَرَه في «الشَّرح» ظاهِرَ المذهَب؛ لقوله ﵇: «البَيِّنةُ على المدَّعِي، واليمينُ على مَنْ أنْكَرَ» (٤)، وكما لو كانَتْ على حاضِرٍ. والثَّانِيَةُ: بلى، قدَّمها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، وصحَّحها في «الرِّعاية»، وقالَها أكثرُ العُلَماء؛ لِأنَّه يَجِبُ الاِحْتِياطُ، ولِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكُونَ قَضاهُ أو غَيرُ ذلك، وكما لو كان حاضِرًا فادَّعى بعضَ ذلك وطَلَبَ اليمين. ولا يَتعرَّضُ في يمينه لِصِدْقِ البيِّنة؛ لكمالها، بخِلافِ ما إذا أقام شاهِدًا، فإنَّه يَحلِفُ معه، ولا يَمِينَ مع بيِّنةٍ إلَّا هنا؛ لِأنَّ فيه (٥) طَعْنًا على البيِّنة. وعنه: بَلَى، فَعَلُه عليٌّ (٦).
следующие страницы →