← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

فرعٌ: إذا أقامَ (١) العَبْدُ شاهِدَينِ بأنَّ سيِّدَه أعْتَقَه، وسَأَلَ الحاكِمَ أنَّ يَحُولَ بَينَه وبَينَ سيِّده؛ فَوَجْهانِ. وإنْ أقامَت المرأةُ شاهِدَينِ بطَلاقها، ولم يَعْرف (٢) عدالةَ الشُّهود؛ حِيلَ بَينَه وبَينَها، لا إنْ أقامَتْ شاهِدًا واحِدًا. (وَإِنْ حَاكَمَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ؛ تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ)؛ لِأنَّه لا يَعرِفُ ما يَترتَّبَ الحُكْمُ عَلَيهِ إلَّا بذلك. (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ)، المرادُ به تعريفُ الحاكم، لا تعريفُ الشَّاهد المشْهودَ عَلَيهِ، قال أحمدُ: (لا يَجُوزُ أنْ يقولَ الرَّجُلُ للرَّجُل: أنا أشْهَدُ أنَّ هذه فُلانَةَ، ويشهد (٣) على شَهادَتِي) (٤)، والفَرْق: أنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك في الحاكِمِ؛ لأِنَّه يَحكُمُ بغلَبةِ الظَّنِّ، (وَالرِّسَالَةِ، وَالتَّزْكِيَةِ؛ إِلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ)، قدَّمَه في «المحرَّر» و «المستوعب»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّ ذلك إثْباتُ شَيءٍ يَبْنِي الحاكِمُ حُكمَه عَلَيهِ، فافْتَقَرَ إلى ذلك؛ كسائرِ الحُقوق. فَعَلَى هذا: لا بُدَّ مِنْ عَدْلَينِ، ذَكَرَينِ، أجْنَبِيَّينِ، يَشْهَدانِ بذلك شِفاهًا. وهذا في غَيرِ المال والزِّنى، أمَّا (٥) المالُ: فيَشهَدُ رجُلانِ، ورجُلٌ وامْرأتانِ، وفي الزِّنى الأصحُّ: أنَّه لا بُدَّ مِنْ أربعةٍ، وذلك شهادةٌ، فيُعتَبَرُ فِيهِ ما يُعتَبَرُ فيها. (وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ فِي الْكُلِّ)، اختاره أبو بكرٍ؛ لحديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ:

стр. 6407

«أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَه، فتعلَّمَ كِتابَ اليهود، حتَّى كتبتُ (١) للنَّبيِّ ﷺ كُتُبَه، وأقْرَأْتُه كُتُبَهم» رواهُ البخاريُّ (٢)، وقال عمرُ بنُ الخَطَّاب، وعِندَه عُثْمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمن: «ما تقُولُ هذه»؛ فقال عبدُ الرَّحمن: هذه امرأةُ (٣) حاطب تُخبِرُك بالَّذي صَنَعَ معها» (٤)، وقال أبو جمرة (٥): «كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَينَ ابنِ عبَّاسٍ وبَينَ النَّاس» (٦)، وكالرِّواية وأخْبارِ الدِّيانات. فَعَلَى هذا: يَكفِي إخْبارُ عَدْلٍ بدُونِ لَفظِ الشَّهادة، ولو كان امرأةً، أو والدًا، أوْ وَلَدًا، أوْ أَعْمَى لِمنْ خَبَرَه بَعْدَ عَمَاهُ لا قَبْلَه (٧). وعَنْهُ: تشترط (٨) حُرِّيَّتُه، ذَكَرَها ابنُ هُبَيرةَ. وجَوابُه: بأنَّه يُقبَلُ خَبَرُ العَبْد؛ كأخْبارِ الدِّيانات، ويُكْتَفى بالرُّقعة مع الرَّسول.

стр. 6408

وعلى الأوَّل: تَجِبُ المُشافَهةُ، وتُعتَبَرُ شُروطُ الشَّهادة فِيمَنْ رتَّبَهُ (١) حاكِمٌ يَسأَلُ سِرًّا عن الشُّهود لتزكيةٍ (٢) أوْ جَرْحٍ. ومَن نَصَبَه للحُكْمِ (٣) بجَرْحٍ وتعديلٍ وسَماعِ بيِّنةٍ، قَنِعَ الحاكِمُ بقَولِه وحدَه إذا (٤) قامت البيِّنةُ عِندَه. (وَمَنْ ثَبَتَتْ (٥) عَدَالَتُهُ مَرَّةً؛ فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما (٦): لا يحتاج (٧)، قدَّمه في «المحرَّر»؛ كالزَّمَن القَريبِ، ولِأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان على ما كان، فلا يَزُولُ حتَّى يَثبُتَ الجَرْحُ. والثَّاني: بَلَى، قال في «المحرَّر»: وهو المنصوصُ عَنْهُ، وصحَّحَه في «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز» مع طُولِ المدَّة؛ لِأنَّ مَع طُولِ الزَّمان تَتَغَيَّرُ الأحْوالُ.

стр. 6409

(فَصْلٌ) (وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ) مَسافَةَ قَصْرٍ، (أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ)، أوْ في دُونِ مُسافَةِ قَصْرٍ، (أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ)، وعِبارةُ «الفروع»: أوْ غَيرِ مُكلَّفٍ، وهي أحْسَنُ، (وَلَهُ بَيِّنَةٌ (١)؛ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا)، قدَّمه في «الكافي»، و «المحرَّر»، و «المستوعب»، و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، واخْتارَهُ الخَلاَّلُ وصاحِبُه؛ لحُكْمِه ﵇ على أبي سُفْيانَ في حديثِ هِنْد (٢)، ولم يكُنْ حاضِرًا، ولِأنَّ عَدَمَ سماعها يُفضِي إلى تأخيرِ الحقِّ مع إمْكانِ اسْتِيفائه، والسَّماع من أجْلِ الحُكْم، ولَيسَ تَقدُّمُ الإنكار هُنا شَرْطًا، ولو فُرِضَ إقْرارُه؛ فهو تَقْوِيَةٌ لِثُبوتِه. قال في «التَّرغيب» وغَيره: لا تَفتَقِرُ البيِّنةُ إلى جُحودٍ؛ إذِ الغَيبةُ كالسُّكوت، والبيِّنةُ تُسمَعُ على ساكِتٍ، لكِنْ لو قال: هو مُعتَرِفٌ، وأنا أُقِيمُ البيِّنةَ اسْتِظْهارًا؛ لم تُسمَعْ، وقالَهُ الأدَمِيُّ، وقد عُلِمَ أنَّ المسْتَتِرَ والميِّتَ كالغائبِ، بل أَوْلَى؛ لأِنَّ المسْتَتِرَ لا عُذْرَ له، بخِلافِ الغائب. وأمَّا الصَّبيُّ والمجْنونُ؛ فإنَّهما لا يُعبِّرانِ عن (٣) أنفسهما. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم تكُنْ له بيِّنةٌ؛ لم تُسمَعْ دعواه (٤)؛ الفائدة (٥).

стр. 6410

وَلا يُقضَى على غائبٍ بحقٍّ لله (١) تعالى؛ لِأنَّ مَبْناهُ على المساهَلَة، فإنْ تعلَّق به حقُّ آدَمِيٍّ كالسَّرِقة؛ قَضَى بالغُرْم دُونَ القَطْع، وفي حدِّ (٢) القاذِفِ وجْهانِ. (وَهَلْ يُحَلَّفُ المُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ (٣) مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا يُستَحْلَفُ على بَقاءِ حقِّه، اختاره الأكْثَرُ، وذَكَرَه في «الشَّرح» ظاهِرَ المذهَب؛ لقوله ﵇: «البَيِّنةُ على المدَّعِي، واليمينُ على مَنْ أنْكَرَ» (٤)، وكما لو كانَتْ على حاضِرٍ. والثَّانِيَةُ: بلى، قدَّمها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، وصحَّحها في «الرِّعاية»، وقالَها أكثرُ العُلَماء؛ لِأنَّه يَجِبُ الاِحْتِياطُ، ولِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكُونَ قَضاهُ أو غَيرُ ذلك، وكما لو كان حاضِرًا فادَّعى بعضَ ذلك وطَلَبَ اليمين. ولا يَتعرَّضُ في يمينه لِصِدْقِ البيِّنة؛ لكمالها، بخِلافِ ما إذا أقام شاهِدًا، فإنَّه يَحلِفُ معه، ولا يَمِينَ مع بيِّنةٍ إلَّا هنا؛ لِأنَّ فيه (٥) طَعْنًا على البيِّنة. وعنه: بَلَى، فَعَلُه عليٌّ (٦).

стр. 6411

وعنه: مع رِيبةٍ، ولَيسَ ببعيدٍ. وعَنْهُ: لا يُحكَمُ على غائِبٍ ونحوِه، اختاره (١) ابنُ أبي موسى، وكان شُرَيحٌ لا يَرَى القَضاءَ على الغائب. وذَكَرَ (٢) ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ: أنَّه لا يُحكَمُ على غائب بحالٍ، إلَّا أنْ يَتعلَّقَ الحُكمُ للحاضر، مِثْلَ: أنْ يكُونَ وَكِيلَ الغائب، أوْ وَصِيًّا، أوْ جماعةً شركاء (٣) في شَيءٍ، فيَدَّعِي على أحدِهم وهو حاضِرٌ، فيُحكَمُ عَلَيهِ وعلى الغائب. (ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، أوْ بَلَغَ (٤) الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ المَجْنُونُ؛ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ)؛ لِأنَّ المانِعَ إذا زالَ صارَ كالحاضر المكلَّف، فإنْ قَدِمَ الغائبُ قَبْلَ الحكم؛ لم تَجِبْ إعادةُ البيِّنة، لكِنْ يُخبِرُه الحاكِمُ بالحال، ويُمَكِّنُه من الجرح، فإنْ جَرَحَ البيِّنةَ بَعْدَ أداءِ الشهادة أوْ مُطْلَقًا؛ لم يُقبَلْ؛ لِجَوازِ كَونِه بَعْدَ الحُكْم، فلا يَقدَحُ فيه، وإلَّا قُبِلَ. (وَإِنْ كان الْخَصْمُ فِي الْبَلَدِ غَائِبًا عَنِ المَجْلِسِ)، أوْ غائبًا عنها دُونَ مَسافَةِ

стр. 6412

القَصْر، غَيرَ مُمْتَنِعٍ؛ (لَمْ تُسْمَعِ) الدَّعْوَى ولا (الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ (١)؛ لِأنَّ حُضورَه مُمْكِنٌ، فلم يَجُز الحُكْمُ عَلَيهِ مع حضورِه؛ كحاضِرٍ مَجلِسَ الحُكم، بخِلافِ الغائبِ البعيدِ. (فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ؛ سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ، وَحُكِمَ بِهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمها في «الفُروع»، وهي أشْهَرُ؛ لأنَّه (٢) إذا سُمِعَتْ على غائبٍ وحُكِمَ (٣) بها؛ فَلَأنْ تُسمَعَ على الحاضِرِ الممْتَنِع بطَرِيقِ الأَوْلَى؛ لِأنَّ الحاضِرَ الممْتَنِعَ لا عُذْرَ له. (وَالْأُخْرَى: لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ)، لقوله ﵇: «لا يَقْضِي للأوَّل حتَّى يَسمَعَ كلامَ الثَّاني» (٤)، فَعَلَى هذا: لو لم يَقدِرْ عَلَيهِ، وأصرَّ على الاِسْتِتار؛ حَكَمَ عَلَيهِ، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، فإنْ وَجَدَ له مالًا؛ وَفَّاه منه (٦)، وإلَّا قال للمُدَّعِي: إنْ عَرَفْتَ له مالًا وثَبَتَ عِنْدِي وفَّيْتُك منه. ونَقَلَ أبو طالِب: يُسمَعانِ، ولكِنْ لا يُحكَمُ عَلَيهِ حتَّى يَحضُرَ (٧)، قال في «المحرَّر»: وهو الأصحُّ. (فَإِنْ أَبَى بَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لِيُحْضِرَهُ)، فَعَلَى هذا: يُنفِذُ مَنْ يقُولُ في مَنزِله ثلاثةَ أيَّامٍ: القاضِي يَطلُبُه إلى مجلِسِ الحكم فأخْبِرُوهُ، ويَحرُمُ أنْ يَدخُلَ عَلَيهِ بَيْتَه، لكِنْ صرَّح في «التبصرة»: إنْ صحَّ عِنْدَ الحاكم أنَّه في مَنزِلِه

стр. 6413

أمَرَ بالهجوم عَلَيهِ وإخْراجِه، ونَصُّه: يَحكُمُ بَعْدَ ثلاثةِ أيَّامٍ، جزم (١) به في «التَّرغيب» وغَيره، وظاهِرُ نَقْلِ الأَثْرَم (٢): يَحكُمُ عَلَيهِ إذا خَرَجَ، قال: لِأنَّه قد صار في حُرْمَةٍ، كَمَنْ لجأ (٣) إلى الحَرَم. (فَإِنْ (٤) تَكَرَّرَ (٥) مِنْهُ الاِسْتِتَارُ؛ أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ)، إذ الحاكِمُ يُضَيِّقُ عَلَيهِ بما يَراهُ حتَّى يَحضُرَ، والحُكْمُ للغائب مُمْتَنِعٌ، قال في «التَّرغيب»: لامتناعِ (٦) سماع البيِّنة له، والكتابةُ لهُ إلى قاضٍ آخَرَ ليحكُمَ (٧) له بكِتابِه، بخِلافِ الحُكْمِ عَلَيهِ، ويصحُّ (٨) تَبَعًا. ونبَّهَ عَلَيهِ بقَولِه: (فَإِنِ (٩) ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ)، أوْ غَيرِ رَشِيدٍ، (وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ فُلَانٍ، أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ (١٠) بِبَيِّنَةٍ؛ سَلَّمَ إِلَى المُدَّعِي نَصِيبَهُ، وَأَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ فَيَحْفَظُهُ (١١) لَهُ)، قدَّمه في «المحرر»، و «الرعاية» (١٢)، و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ حقَّه ثَبَتَ، وذلك يُوجِبُ تسليمَ نصيبه إلَيهِ. وكذا حُكْمُه بِوَقْفٍ يَدخُلُ فيه مَنْ لم يُخلَقْ تَبَعًا، وإثْباتُ أحدِ الوكِيلَينِ

стр. 6414

الوكالةَ في غَيبةِ الآخَر، فتثبتُ (١) له تَبَعًا، وسُؤالُ أحدِ الغُرَماء الحَجْرَ كالكلِّ، وقد سَبَقَ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: والقضيَّةُ الواحِدَةُ المشْتَمِلةُ على عددٍ أوْ أعْيانٍ؛ كَوَلَدِ الأَبَوَينِ في المشرَّكةِ (٢) الحكمُ (٣) فيها لواحدٍ أوْ عليه (٤)، يَعُمُّه وغَيرُه، وحُكْمُه لِطَبقَةٍ حُكْمٌ للثانية (٥) إنْ كان الشَّرطُ واحدًا، حتَّى مَنْ أَبْدَى ما يَجُوزُ أنْ (٦) يَمنَعَ الأوَّلَ (٧) من الحُكْمِ عَلَيهِ؛ فلثانٍ الدَّفْعُ به (٨). (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ المَالُ دَيْنًا أَنْ يَتْرُكَ نَصِيبَ الْغَائِبِ) وغَيرِ الرَّشيد (فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ حَتَّى يَقْدَمَ) ويَرشُدَ الآخَرُ؛ لِأنَّه لا يُؤمَنُ عَلَيهِ التَّلَفُ إذا قَبَضَه، فإنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ الباقي شَارَكَ الآخَرَ فيما أَخَذَه، فإذا حَضَرَ الغائِبُ، وَرَشَدَ الآخَرُ؛ لم تُعَدَّ الدَّعْوَى إلَّا مِنْ جِهَةِ غَيرِ الإرْثِ. وإنْ أقامَ الحاضِرُ الرَّشِيدُ شاهِدًا، وحلَفَ (٩) معه في الإرْث؛ أَخَذَ حَقَّه، وإذا حَضَرَ الغائِبُ ورَشَدَ الآخَرُ؛ حَلَفا بِدُونِ إعادةِ البيِّنة، إلَّا في غَيرِ الإرث (١٠)، ذَكَرَه في «الرِّعاية». والأوَّل (١١) أَوْلَى؛

стр. 6415

لِأنَّه يعرِّض (١) التَّلَف بفلسٍ (٢) ومَوتٍ وعَزْلِ الحاكِمِ، وتَعذُّرِ البيِّنة، وكالمنقول، وكما لو آجره (٣) صغيرًا أوْ مجنونًا، ثُمَّ إذا دفعنا (٤) إلى الحاضر نصفَ العَين أو الدَّين؛ لم يُطالِبْه بِضَمِينٍ؛ لِأنَّ فيه طَعْنًا على (٥) الشُّهود، قال (٦) الأصْحابُ: سَواءٌ كان الشَّاهِدانِ من أهِلْ الخِبْرة الباطِنَة أوْ لَا. ويَحتَمِلُ: أنْ لا تُقْبَل (٧) شهادتُهما في نفي وارِثٍ آخَرَ، حتَّى يكونا مِنْ أهْلِ الخبرة الباطِنَةِ، والمعرفةِ المتقادِمةِ. فَعَلَى هذا: يَسألُ الحاكِمُ، ويَأمُرُ مُنادِيًا يُنادِي: إنَّ فُلانًا مات، فإنْ كان له وارِثٌ فلْيأْتِ، فإذا (٨) غَلَبَ على ظنِّه أنَّه لو كان له وارِثٌ لَظَهَرَ؛ دَفَعَ الحاكِمُ إلَيهِ نصيبَه. فرعٌ: إذا كان مع الاِبْن ذُو فَرْضٍ؛ فَعَلَى المذهب: يُعطَى فَرْضَه كامِلاً، وعلى الآخَر: يُعطَى اليَقِينَ. وإنْ كانَتْ له زَوجةٌ؛ أُعْطِيَتْ رُبُعَ الثُّمن عائلاً، فيكُونُ رُبُعَ التُّسُع؛ لجوازِ أنْ يكُونَ له أرْبَعُ زَوجاتٍ. وإنْ كانَتْ له جَدَّةٌ، وثَبَتَ موتُ (٩) أُمِّه؛ أَعطيْتَها (١٠) ثُلُثَ السُّدس،

стр. 6416

وتُعطاهُ (١) عائلاً، فيَكُونُ ثُلُثَ العُشْر، ولا يُعْطَى العَصَبةُ شَيئًا. مسألةٌ (٢): إذا اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحدهما، فأقام المدَّعِي بيِّنةً: أنَّ الدَّارَ كانَتْ له أمْسِ ملْكه، أوْ مُنذُ شَهْرٍ؛ سُمِعَت البيِّنةُ، وقُضِيَ بها في الأَشْهَر؛ لأِنَّه ثَبَتَ الملْكُ في الماضِي، فإذا (٣) ثَبَتَ؛ اسْتُدِيمَ حتَّى يُعلَمَ زَوالُه. ولا تُسْمع (٤) في وَجْهٍ صحَّحه القاضِي، لكِنْ إن انضَمَّ إلى شهادتِهما (٥) بيانُ سببِ يَدِ الثَّاني؛ سُمِعَتْ، وقُضِيَ بها، فإنْ أقرَّ المدَّعَى عَلَيهِ أنْ (٦) كانَتْ للمُدَّعِي أمْسِ؛ سُمِعَ (٧) إقْراره في الصَّحيح، وحُكِمَ به. ويُفارِقُ البيِّنةَ مِنْ وَجْهَينِ: أحدهما: أنَّه أقْوَى من البيِّنة. الثَّانِي: أنَّ البيِّنةَ لا تُسمَعُ إلَّا على ما ادَّعاهُ، والدَّعْوَى يَجِبُ أنْ تكُونَ مُتعلِّقَةً بالحال، والإقْرارُ يُسمَعُ ابْتِداءً. (وَإِذَا (٨) ادَّعَى إِنْسَانٌ: أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ (٩)، فَصَدَّقَهُ؛ قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ)؛ كما لو أقرَّ خَصمُه في مَجلِسِ الحُكم، فَسَأَلَ المدَّعِي الحاكِمَ عن إقْراره، فقال: نَعَمْ، ولَيسَ هذا حُكْمًا بعِلْمٍ، إنَّما هو إمْضاءُ الحُكْم السَّابِق.

стр. 6417

وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ مَنَعْنَا الحُكْم بعِلْمِه فلا. (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ (١) ذَلِكَ، فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ؛ قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأمْضَى (٢) الْقَضَاءَ)؛ لِقُدرته على إمْضائه، وهذا قَولُ ابن (٣) أبي لَيلَى، ومحمَّدِ بنِ الحَسَن (٤). وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ: لا يَقبَلُهما، وهو مَرْوِيٌّ عن الحَنَفِيَّة والشَّافِعِيَّة (٥)؛ لأنَّه (٦) يُمكِنُه الرُّجوعُ إلى العلم والاِحْتِياط، فلا يَرجِعُ إلى الظَّنِّ؛ كالشَّاهِد إذا نَسِيَ شَهادَتَه، فشَهِدَ عِندَه شاهدان (٧) أنَّه شهد (٨)، لم يكُنْ له أنْ يَشهَدَ. وجَوابُه: أنَّهما لو شَهِدا عِندَه بحُكْمِ غَيرِه؛ قُبِلَ، فكذا إذا شَهِدَا عنده (٩) بحُكْمِه، وما ذَكَرُوهُ لا يَستَقِيمُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ما نَسِيَه لَيسَ إلَيهِ، والحاكِمُ يُمْضِي ما حَكَمَ به إذا ثَبَتَ عِندَه، والشَّاهِدُ لا يَقدِرُ على إمْضاءِ شَهادَتِه. ومحلُّ ما ذَكَرَه المؤلِّفُ: ما لم يتيقَّن (١٠) صَوابَ نَفْسِه، فإنْ تَيَقَّنَه؛ لم يَقبَلْهما؛ لِقِصَّةِ ذِي اليَدَينِ. (وَكَذَلِكَ إِنْ شَهِدَا: أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا؛ قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا)؛ كما تُقبَلُ شَهادَتُهما على الحقِّ نَفْسِه.

стр. 6418

(وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، لَكِنْ وَجَدَهُ (١) فِي قِمَطْرِهِ فِي صَحِيفَةٍ (٢) تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ)، وتَيَقَّنَه، ذكره أكثرُ (٣) الأَصْحاب، ولم يَذكُرْه؛ (فَهَلْ يُنْفِذُهُ (٤)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٥): لا يَعمَلُ به، إلَّا أنْ يَذكُرَه، نَصَّ عَلَيهِ في الشَّهادة (٦)، وذَكَرَ القاضي وأصْحابُه: المذهب (٧)، وفي «التَّرغيب»: هو الأَشْهَرُ، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»؛ لِأنَّه حُكْمُ حاكِمٍ لم يَعلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلاَّ ببيِّنةٍ؛ كحُكْمِ غَيرِه، ولأنَّه (٨) يَجُوزُ أنْ يُزَوَّرَ عَلَيهِ، وعلى خَطِّه وخَتْمه، وكخَطِّ أبِيهِ بحُكْمٍ أوْ شهادةٍ، لم يَشهَدْ ولم يَحكُمْ بها، إجماعًا (٩). والثَّانِيَةُ: يَحكَمُ به، اخْتارَهُ في «التَّرغيب»، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به الأدَمِيُّ، وصاحِبُ «الوجيز»، قال المؤلِّفُ: وهذا الَّذي رأَيْتُه عن أحمدَ في الشَّاهد؛ لِأنَّه إذا كان في قِمَطْرِه تَحتَ خَتْمِه؛ لم يَحتَمِلْ إلَّا أنْ يكون (١٠) صحيحًا، إلَّا احْتِمالاً بعيدًا؛ كاحْتِمالِ كَذِبِ الشَّاهِدَينِ. والثَّالِثَةُ: يُنفِذُه مُطلَقًا، سَواءٌ كان في حِرْزه وحِفْظه كقِمَطْرِه، أوْ لَا. فإنْ قُلْتَ: لو وَجَدَ في دِفْتَرِ أبِيهِ حَقًّا على إنسانٍ؛ جاز أنْ يَدَّعِيَه ويَحلِفَ عَلَيهِ.

стр. 6419

قُلْنَا: هذا يُخالِفُ الحُكْمَ والشَّهادةَ، بدليلِ: الإجماع على أنَّه لو وَجَدَ خطَّ أبِيهِ بشَهادةٍ لم يَجُزْ أنْ يَحكُمَ بها، ولا يَشهَدَ بها (١)، ولو وَجَدَ حُكْمَ أبيه مكْتُوبًا بخَطِّه؛ لم يَجُزْ له إنْفاذُه، ولِأنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ فيما حَكَمَ به إلى نفسه؛ لِأنَّه فَعَلَه، فرُوعِيَ ذلك، وأمَّا ما (٢) كَتَبَه أبوهُ؛ فلا يُمكِنُه الرُّجوعُ فيه إلى نَفْسِه، فيَكْفِي فيه الظَّنُّ. (وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا رَأَى خَطَّهُ) جزمًا في كتابٍ (٣) (بِشَهَادَةٍ (٤) وَلَمْ يَذْكُرْهَا؛ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)؛ أيْ: فِيها الخِلافُ السَّابِقُ، وعلَّل في «الشَّرح» الجَوازَ: بأنَّ الظَّاهِرَ أنَّها خَطُّه، وفي «الرِّعاية»: لَوْ ضَاعَ أو انمَحَى؛ لم يَضُرُّه، ولو شَهِدَ بخِلافِه؛ صحَّ. فرعٌ: إذا أخْبَرَ حاكِمٌ آخَرَ بحُكْمٍ أوْ ثُبوتٍ (٥) عَمِلَ به مع غَيبةِ المخْبِر، وفي «الرِّعاية»: عن المجْلِس. ويُقبَلُ خَبَرُه في غَيرِ عَمَلِهما، أوْ في (٦) عَمَلِ أحَدِهما. وعِنْدَ القاضي: لا يُقبَلُ، إلَّا أنْ يُخبِرَ في عَمَلِه حاكِمًا في غَيرِ عمله (٧)، فيَعمَل به إذا بَلَغَ عَمَلَه، وجاز (٨) حُكْمُه بعِلْمِه، وجَزَمَ به في «التَّرغيب»، ثُمَّ قال: وإنْ كانا في وِلايَةِ المخْبِرِ؛ فَوَجْهانِ. وفيه (٩): إذا قال: سَمِعْتَ البيِّنةَ فاحْكُمْ، لا فائدةَ فيه مع حياةِ البيِّنة، بل عِنْدَ العَجْز عنها.

стр. 6420

(فَصْلٌ) (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ لَهُ (١)؛ لَمْ يَجُزْ)؛ أيْ: يَحرُمُ (أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (٢)، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا)، وهو المشْهورُ في المذْهَبِ، ونَصَرَه في «الشَّرح» وغَيره، ورواهُ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ (٣)؛ لقوله ﵇: «أدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (٤)، وقَولِه: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا عن طِيبِ نَفْسٍ منه» (٥)، ولِأنَّ التَّعيين (٦) والمعاوَضَة بغَيرِ رِضَا المالِكِ، إلَّا إذا (٧) تعذَّر على ضَيفٍ أخْذُ حَقِّه بحاكِمٍ فله ذلك.

стр. 6421

فَعَلَى ما ذَكَرَه: لو أخَذَ شَيئًا؛ لَزِمَه رَدُّه، أوْ مِثْلُه، أوْ قِيمَتُه، فإنْ كان مِنْ جِنْسِ دَينِه تَساقَطَا في قِياسِ المذْهَبِ، وإنْ كان مِنْ غَيرِ جِنْسِه؛ غرِمَه (١). وتقدَّم لو غَصَبَه مالاً، أوْ كان عِندَه عين (٢) مالِه؛ أخَذَه قَهْرًا، زاد في «الترغيب»: ما لم يُفْضِ إلى فِتْنةٍ. قال: ولو كان لكلٍّ مِنهُما دَينٌ على الآخَر مِنْ غَيرِ جِنْسه، فجَحَدَ أحدُهما؛ فلَيسَ للآخَرِ أنْ يَجحَدَ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّه كبَيعِ دَينٍ بِدَينٍ لا يَجُوزُ، ولو رَضِيَا. (وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ، مِنَ المُحْدَثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ)، هذا روايةٌ، فَعَلَى هذا يَجِبُ أنْ يَتَحَرَّى الأَخْذَ بالعَدْل، (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ؛ أَخَذَ بِقَدْرِهِ) مِنْ غَيرِ زيادةٍ على ذلك، (وَإِلَّا)؛ أيْ: وإنْ لم يَقدِرْ على جِنْسِ حقِّه؛ (قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِهِ)؛ لِأنَّ الزَّائدَ على ذلك لا مُقابِلَ له، (مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ هِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٣)، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» (٤). والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّ حديثَ هِنْدَ قد أشار أحمدُ إلى الفَرْق، وهو: أنَّ حقَّ الزَّوجِيَّة واجِبٌ في كلِّ وَقْتٍ، والمحاكَمَةُ في كلِّ لَحظَةٍ يَشُقُّ، بخِلافِ مَنْ له دَينٌ (٥). وفرَّقَ أبو بكرٍ: وهو أنَّ قِيامَ الزَّوجِيَّة كقِيامِ البيِّنة؛ لِأنَّ المرأةَ لها من البَسْطِ في ماله بحُكْمِ العادة (٦) ما يُؤثِّرُ في أخْذِ الحقِّ، وبَذْلِ اليَدِ فيه، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ.

стр. 6422

وعلى الجَواز: لَيسَ له الأَخْذُ مِنْ غَيرِ جنسِه (١) مع (٢) قُدْرتِهِ على جِنْسِ حقِّهِ. وإنْ لم يَجِدْ إلَّا مِنْ غَيرِ جِنْسِ حقِّه؛ فيَحتَمِلُ: أنَّه لا يَجُوزُ له تَمَلُّكُه؛ لِأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَبِيعَه مِنْ نفسِه (٣)، وهذا يَبِيعُه مِنْ نَفْسه، ويَلحَقُه فيه تُهمةٌ. ويَحتَمِلُ: أنْ يَجُوزَ؛ كما قالوا (٤) في الرَّهن: يُركَبُ (٥) بقَدْرِ النَّفَقة. فأمَّا (٦) إنْ كان مُقِرًّا به باذِلاً له (٧)، أوْ كان (٨) مانِعًا له لأِمْرٍ يُبِيحُ المنْعَ؛ كالتَّأجيل والإعْسار، أوْ قَدَر (٩) على استِخْلاصه بالحاكِمِ (١٠)؛ لم يَجُزْ له الأَخْذُ بغَيرِ خِلافٍ (١١). فرعٌ: نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ ابنيه (١٢) وحربٍ (١٣): على (١٤) أنَّ للاِبْنِ (١٥) أنْ يَأخُذَ مِنْ مالِ أبِيهِ بغَيرِ إذْنِه إذا احْتاجَ إلَيهِ، ذَكَرَه الخَلاَّلُ في «جامعه»،

стр. 6423

ويَتخرَّجُ جَوازُه بِناءً على تَنفِيذِ الوصي (١) الوصيَّةَ بما (٢) في يَدِهِ إذا كَتَمَ الورثةُ تعيين (٣) التَّرِكةِ. (وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ)، وهذا (٤) قَولُ جمهورِ العُلَماء؛ لقوله ﵇ في حديثِ أمِّ سَلَمَةَ: «فَمَنْ قَضَيتُ له بشَيءٍ مِنْ مالِ أخِيهِ؛ فلا يَأخُذْه، فإنَّما أَقْطَعُ له قِطْعةً مِنْ النَّار» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥)، ولِأنَّه حُكْمٌ بشَهادَةِ زُورٍ، فلا يَحِلُّ له ما كان مُحرَّمًا عَلَيهِ؛ كالمال المطْلَقِ. (وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْهُ (٦) رِوَايَةً: أَنَّهُ يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ)؛ لمَا رُوِيَ عن عليٍّ: «أنَّ رجلاً ادَّعى على امرأةٍ نكاحًا، فَرُفِعَا إلى عليٍّ، فشَهِدَ شاهِدانِ بذلك، فَقَضَى بَينَهما بالزَّوجِيَّة، فقالت: واللهِ ما تَزَوَّجَنِي، اعْقِدْ بَينَنَا عقدًا (٧) حتَّى أَحِلَّ له، فقال: شاهِداكِ زوَّجاكِ» (٨). فَعَلَى هذا: يَحِلُّ لمُدَّعِي النِّكاح وَطءُ المرأةِ المشْهودِ عَلَيها، والتَّصرُّفُ في العَين المبيعةِ، ولمَنْ عَلِمَ كَذِبَ شُهودِ الطَّلاق أنْ يَتَزَوَّجَ بالمرأة. والأوَّلُ أصحُّ، وحديثُ عليٍّ بتقديرِ صِحَّتِه لا حُجَّةَ فيه؛ لِأنَّه أضافَ التَّزْويجَ إلى الشَّاهِدَينِ، لا إلى حُكْمِه. لكِنَّ اللِّعانَ يَنفَسِخُ به النِّكاحُ، وإنْ كان أحدُهما كاذِبًا فالبيِّنةُ أَوْلَى.

стр. 6424

وجَوابُه: بأنَّ اللِّعانَ حَصَلَتْ به الفُرْقةُ، لا بصِدْقِ الزَّوج، ولهذا لو (١) قامَتْ به البيِّنةُ؛ لم يَنفَسِخ النِّكاحُ. لكِنْ أجَابَ حَنْبَلِيٌّ: بأنَّ اللِّعانَ وَضَعَه الشَّرْعُ؛ لِسَتْرِ الزَّانِيَة وصِيانَةِ النَّسَب، فتَعَقَّبَ الفَسْخُ الَّذي لا يُمكِنُ الاِنْفِكاكُ إلَّا به، وما وَضَعَه الشَّرعُ للفَسْخِ به وزوال (٢) الملْكِ، ولَيسَ مِنْ مَسْأَلَتِنا إلَّا جَهْلُ الحاكِمِ بباطِنِ الأمْرِ، وعِلْمُهما وعِلْمُ الشُّهود أكْثَرُ مِنْ النَّصِّ في الدَّلالة؛ لِأنَّ النص (٣) معلومٌ، وهذا محسوسٌ. وقدَّمَ في «المحرَّر» ك «المقنع»، ثُمَّ اسْتَثْنَى: إلَّا في أمْرٍ مُختَلَفٍ فيه قَبْلَ الحُكْم، فإنَّه على روايَتَينِ، قَطَعَ في «الواضح» وغَيره: أنَّه يُحِيلُ الشَّيءَ عن صِفَتِه في مُختَلَفٍ فيه قَبْلَ الحُكْم. فلو حَكَمَ حَنَفِيٌّ لحنْبَلِيٍّ بشُفْعةِ جِوارٍ؛ زال (٤) باطِنًا في الأَعْرَف. ولو حَكَمَ لمجتهدٍ (٥) أوْ عَلَيهِ بما يُخالِفُ اجْتِهادَه؛ عَمِلَ باطِنًا بالحُكْم، ذَكَرَه القاضِي، وقِيلَ: باجْتِهاده. وإنْ باعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْروكَ التَّسْمِية، فحَكَمَ بصِحَّتِه شافِعِيٌّ؛ نَفَذَ عِنْدَ أصْحابِنا، إلَّا أبا الخَطَّاب. وعلى المذْهَب: مَنْ حُكِمَ له بِزَوجِيَّةِ امرأةٍ بِبَيِّنةِ زُورٍ؛ حَلَّتْ له حُكْمًا، ثمَّ إنْ وَطِئَ مع العلم؛ فكَزِنًى، ويَصِحُّ نكاحُها غَيرَه، خِلافًا للمؤلِّف. وإنْ حَكَمَ بطَلاقها ثلاثًا بشُهودِ زُورٍ؛ فهي زَوجَتُه باطِنًا، نَصَّ عَلَيهِ (٦)،

стр. 6425

ويكره (١) أنْ يَجتَمِعَ بها ظاهِرًا (٢)، ولا يَصِحُّ نِكاحُها غَيرَه مِمَّنْ يَعلَمُ الحالَ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، فإنْ وَطِئَها فَهَلْ يُحَدُّ؟ فيه وجْهانِ. وقال القاضي: يَصِحُّ النِّكاحُ. وجَوابُه: أنَّه يُفْضِي إلى الجَمْع بَينَ الوَطْء للمرأة من اثْنَينِ؛ أحدُهما يَطَؤُهَا بحُكْمِ الظَّاهِر، والآخَرُ بحُكْمِ الباطِنِ، وهذا فَسادٌ، وكالمتزوِّجة (٤) بلا وَلِيٍّ. مسائلُ: الأُولى (٥): إذا ردَّ حاكِمٌ شهادةَ واحِدٍ برَمَضانَ؛ لم يُؤثِّرْ؛ كملْكٍ مُطلَقٍ وأَوْلَى؛ لِأنَّه لا مَدخَلَ لِحُكْمِه في عِبادَةٍ وَوَقْتٍ، وإنَّما هو فَتْوى، فلا يُقالُ: حَكَمَ بكَذِبِه، أوْ بأنَّه لم يَرَه. وفي «المغْنِي»: أنَّ ردَّه لَيسَ بحُكْمٍ هُنا؛ لِتَوَقُّفِه في العدالة، ولهذا لو ثبتت (٦)؛ حَكَمَ. قال الشيخ تقي الدين: أمورُ الدِّينِ والعباداتِ المشتركةِ بينَ المسلمينَ لا يَحْكُم فيها (٧) إلَّا اللهُ ورسولُه إجماعًا (٨). فدلَّ أنَّ إثبات سبب الحُكْمِ كرؤيةِ الهلالِ، والزَّوال؛ ليس بحُكْمٍ، فمن لم يره سببًا؛ لم يلزمْهُ شيءٌ، وعلى ما ذكره المؤلف: أنَّه حكم. الثَّانِيَةُ: إذا رُفِعَ إلَيهِ حكْمٌ في مُختَلَفٍ فِيهِ لا يَلزَمُه نَقْضُه لِيُنَفِّذَه؛ لَزِمَه

стр. 6426

تَنفِيذُه في الأصحِّ. وقِيلَ: مَعَ عَدَمِ نَصٍّ يُعارِضُه. وكذا إنْ كان نَفْسُ الحُكْم مختلفًا (١) فِيهِ؛ كحُكْمِه بعِلْمِه، ونُكولِه، وشاهِدٍ ويَمِينٍ. وفي «المحرَّر»: لا يَلزَمُه، إلَّا أنْ يَحكُمَ به حاكِمٌ آخر (٢) قبله (٣). الثَّالِثَةُ: إذا رَفَعَ إليه خَصْمانِ عَقْدًا فاسِدًا عِندَه فقطْ، وأقرَّا (٤) بأنَّ نافِذَ الحُكْمِ حَكَمَ بصِحَّته؛ فله إلْزامُهما ذلك، وردُّه والحكمُ (٥) بمَذْهَبِه. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنَّه (٦) كالبيِّنة، ثُمَّ ذَكَرَ: أنَّه قِياسُ المذْهَبِ، كبينته (٧) إنْ عيَّنا الحاكِمَ (٨). الرَّابِعَةُ: مَنْ قلَّدَ في صِحَّةِ نكاحٍ؛ لم يُفارِقْ بتَغيُّرِ اجْتِهاده؛ كحُكْمٍ، بخِلافِ مُجتَهِدٍ نَكَحَ ثُمَّ رأى بُطْلانَه في الأصحِّ. وقِيلَ: ما لم يَحكُمْ به حاكِمٌ، ولا يَلزَمُ إعْلامُ المقلِّد بتغيُّره في الأصحِّ. وإنْ بانَ خَطَؤُه في إتْلافٍ بمُخالَفَةِ قاطع (٩)؛ ضَمِنَ، لا مُسْتَفْتِيهِ. وفي تَضْمِينِ مفتٍ (١٠) لَيسَ أهلاً (١١) وَجْهانِ.

стр. 6427

(بَابُ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي) وهو ثابِتٌ بالإجماع (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النَّمل: ٢٩]، وكَتَبَ النَّبيُّ ﷺ إلى كِسْرَى، وقَيصَرَ، والنَّجاشِيِّ، ومُلوكِ الأطْرافِ (٢)، وكان يَكتُبُ إلى عُمَّاله وسُعاتِه (٣)، والحاجةُ داعِيَةٌ إلى قَبوله، فإنَّ مَنْ له حقٌّ في بَلَدٍ غَيرِ بَلَدِه لا يُمكِنُه إثباته (٤)، ولا مُطالَبَتُه إلاَّ بكتابِ القاضي، وذلك يَقتَضِي وُجوبَ قَبولِه. (يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ (٥) الْمَالُ؛ كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصُّلْحِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَالْجِنَايَةِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)؛ لِأنَّ هذا في مَعْنَى الشَّهادة على الشَّهادة. (وَلَا يُقْبَلُ (٧) فِي حَدٍّ للهِ (٨) تَعَالَى)، جَزَمَ به في «المستوعب» و «المحرَّر» و «الشَّرح»؛ لِأنَّه مَبنِيٌّ على السِّتْر، والدَّرء بالشُّبُهات، والإسْقاطِ بالرُّجوع، وفِيهِ رِوايَةٌ في «الرِّعاية»، قاله مالِكٌ وأبو ثَورٍ (٩).

стр. 6428

(وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ؛ كَالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهُما (١): يُقبَلُ، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه لا يُدْرَأُ بالشُّبهات. والثَّانِيَةُ: لا؛ كقَولِ أكْثَرِ العلماء، وهو قَولُ أبي بكرٍ وابنِ حامِدٍ؛ لِأنَّه لا يَثبُتُ إلَّا بشاهِدَينِ؛ كحقِّ الله تَعَالَى. وعنه (٢): يُقبَلُ، إلَّا في الدِّماء (٣) والحُدود. وفي «الشَّرح»: أنَّ المذْهَبَ: لا يُقبَلُ في القِصاص؛ كالحدِّ. وقِيلَ: يُقبَلُ فيما يُقبَلُ فيه شَهادةُ الفَرْع، وما لا فلا، ذَكَرَه في «الكافي»؛ لِأنَّ الكتابَ لا يَثبُتُ إلاَّ بتَحمُّلِ الشَّهادة مِنْ جِهَةِ القاضي، فكان حُكمُه حُكمَ الشَّهادة على الشَّهادة. (فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ للهِ تَعَالَى؛ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ)؛ كحُقوقِ الله تعَالَى، (وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ (٤) لآِدَمِيٍّ (٥)؛ فَهُوَ كَالْقِصَاصِ)، جزم به (٦) في «الوجيز» بثُبوته فِيهِ. تنبيهٌ: اعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ ذَكَرُوا أنَّ كِتابَ القاضي حُكْمُه كالشَّهادة على الشَّهادةِ (٧)؛ لِأنَّه شهادةٌ على شهادة (٨)، وذَكَرُوا فيما إذا تَغَيَّرتْ حالُه أنَّه

стр. 6429

أصْلٌ، ومَن شَهِدَ عَلَيهِ فَرْعٌ، فَلا يَسُوغُ نَقْضُ الحُكْمِ بإنْكارِ القاضِي الكاتِبِ، ولا يَقدَحُ في عدالةِ البيِّنة، بل يَمنَعُ إنكارَه الحُكْمَ، كما يَمنَعُ رُجوعُ شُهودِ الأصْلِ الحُكْمَ، فدلَّ ذلك أنَّه فَرْعٌ لمَنْ شَهِدَ عِندَه، وأصْلٌ لمَنْ شَهِدَ عَلَيهِ. (وَيَجُوزُ كِتَابُ القَاضِي (١) فِيمَا حَكَمَ بِهِ)، مِثْلَ أنْ يَحكُمَ على إنْسانٍ بحَقٍّ، فيَتعيَّنُ عَلَيهِ وفاؤه، أوْ يَدَّعِيَ حقًّا على غائبٍ، ويُقِيمَ بيِّنةً عِندَه، ويَسأَلَ الحاكِمَ الحُكْمَ عَلَيهِ، فيَحكُمَ عَلَيهِ، ويَسألَه أنْ يَكتُبَ له كِتابًا بحُكْمِه إلى قاضِي البلد الَّذي فيه الغائبُ، فيَكتُبَ له إلَيهِ، أوْ تَقومَ (٢) البيِّنةُ على حاضِرٍ، فيهرب (٣) قَبْلَ الحُكْم عَلَيهِ، فيَسألَ صاحِبُ الحقِّ الحاكمَ الحُكْمَ عَلَيهِ، وأن (٤) يَكتُبَ له كِتابًا بحُكْمِه (٥)، فيَلزَمُ الحاكِمَ إجابَتُه؛ لِأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إلى ذلك؛ (لِيُنْفِذَهُ فِي المَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ وَمَسَافَةِ القَصْرِ)، لا (٦) نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا (٧)؛ لِأنَّ المكتوبَ إلَيهِ يَلزَمُه قَبولُه، وظاهِرُه: ولو كانا ببلدٍ واحِدٍ وحَكَمَ الحاكِمُ، يَجِبُ إمْضاؤه على كلِّ حاكِمٍ. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وفي (٨) حقٍّ لله تعالَى (٩). (وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ (١٠) عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ فِي المَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ)، هذا هو المذْهَبُ؛ لأِنَّه نَقْلُ شهادةٍ، فاعْتُبِرَ فيه ما يُعتَبَرُ في الشَّهادة على

стр. 6430

الشَّهادة، وكِتابُه بالحُكْم لَيسَ هو نقلاً (١)، وإنَّما هو خَبَرٌ. وعَنْهُ: فَوقَ يَومٍ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: خَرَّجته (٢) في المذهب، وأقلَّ؛ كخَبَرٍ (٣)، وقالَهُ أبو يُوسُفَ ومحمَّدٌ، ورُوِيَ عن أبي حنيفة (٤)، لكِنْ قال بعضُ أصحابه (٥): الَّذي يَقتَضِيهِ مَذهَبُه أنَّه لا يَجُوزُ، كما لا يجوز (٦) ذلك في الشَّهادة على الشَّهادة (٧). قال القاضي: ويكُونُ في كِتابِه: شَهِدَ عِنْدِي فُلانٌ وفلانٌ (٨) بكذا؛ لِيَكُونَ المكْتُوبُ إلَيهِ هو الَّذي يَقْضِي، ولا يَكتُبُ: ثَبَتَ عِنْدِي؛ لِأنَّه حُكْمٌ بشهادتهما (٩) كبقيَّةِ الأحْكام، قالَهُ ابنُ عَقِيلٍ وغَيره. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: والأوَّلُ أشْهَرُ، أنَّه (١٠) خَبَرٌ بالثُّبوت كشُهودِ الفَرْع؛ لِأنَّ الحُكْمَ أمْرٌ ونَهْيٌ يَتَضَمَّنُ إلْزامًا (١١). فرعٌ: لو أثْبَتَ مالِكِيٌّ وَقْفًا لا يَراهُ - كوَقْفِ الإنسانِ على نَفْسِه - بالشَّهادة على الخطِّ، فإنْ حَكَمَ للخلاف في (١٢) العمل بالخطِّ، كما هو المعْتادُ، فلِحَنْبَلِيٍّ يَرَى صِحَّةَ الحُكْم أنْ يُنْفِذَه في مسافةٍ قريبةٍ.

стр. 6431

وإنْ لم يَحكُم المالكيُّ، بل قال: ثبت كذا، فكذلك؛ لِأنَّ الثُّبوتَ عِنْدَ المالكِيِّ حُكْمٌ، ثُمَّ إنْ رَأَى الحنبليُّ الثُّبوتَ حكمًا (١) نَفَّذَه، وإلَّا فالخِلافُ في قُرْبِ المسافة، ولُزُومُ الحنبليِّ تنفيذَه يَنبَنِي على لُزُومِ تنفيذ (٢) الحُكْم المخْتَلَفِ فيه. وحُكْمُ المالِكَيِّ مع عِلْمه باخْتِلافِ العلماء في الخَطِّ؛ لا يَمنَعُ كَونَه مُختلَفًا فِيهِ، ولهذا لا يُنفِذُه الحَنَفِيُّ حتَّى ينفذه (٣) آخَرُ، وللحَنبَلِيِّ الحُكْمُ بصِحَّةِ الوَقْفِ مع بُعْدِ المسافة، ومع قُرْبها الخلاف (٤)، ذَكَرَه في «الفُروع». (وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ)؛ ككِتابه ﵇ إلى كِسْرَى وقَيصَرَ (٥)، (وَإِلَى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ)، وهو قَولُ أبي ثَورٍ، واسْتَحْسَنَه أبو يُوسُفَ (٦)؛ كما لو كان مُعَيَّنًا. (وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ (٧) عَدْلانِ عِنْدَ المكتوب إلَيهِ، ويُعتَبَرُ ضَبْطُهما لمَعْناهُ وما يَتعلَّقُ به الحُكْمُ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيهِ (٨). وقِيلَ: عِنْدَ الكاتِب. ويَتَوَجَّهُ لنا: أنَّه إذا كان يَعرِفُ خطَّه وخَتْمَه؛ اكْتَفَى به (٩)، وهو قَولُ

стр. 6432

الحَسَن، وسَوَّارٍ، والعَنْبَرِيِّ؛ لأنَّه (١) يُحصِّلُ غلبةَ (٢) الظَّنِّ، أشْبْهَ شَهادةَ الشَّاهِدَينِ. وجَوابُه: أنَّ ما أمْكَنَ إثباته (٣) بالشَّهادة؛ لم يَجُزِ الاِقْتِصارُ على الظَّاهر؛ كإثْباتِ العُقودِ، ولِأنَّ الخطَّ يُشبِهُ الخَطَّ، والخَتْمُ يُمكِنُ التَّزوِيرُ عَلَيهِ، ولِأنَّه نَقْلُ حُكْمٍ أو (٤) إثبات (٥)، فلم يكُنْ فِيهِ بُدٌّ من شَهادَةِ عَدْلَينِ؛ كالشَّهادة على الشَّهادة. (يُحْضِرُهُمَا الْقَاضِي الْكَاتِبُ)؛ لأنَّ (٦) تَحمُّلَ الشَّهادةِ بغَيرِ مَعرفَةِ المشْهود به غَيرُ جائزٍ، (فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا)، وهذا لَيسَ بواجِبٍ في القَبول، بل قراءتُه هي (٧) الواجِبةُ، سَواءٌ كانَتْ مِنْ حاكِمٍ أوْ غَيرِه، والأولى (٨) أن يقرأه الحاكِمُ؛ لِأنَّه أبْلَغُ، والأحْوَطُ أنْ يَنظُرا معه فِيمَا يقرؤه، فإنْ لم يُنظَرْ (٩)؛ جازَ؛ لِأنَّه لا يَسْتَقرِئُ (١٠) إلَّا ثقة (١١). (ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أَنَّ هَذَا كِتَابِي (١٢) إِلَى فُلَانٍ بنِ فُلَانٍ، وَيَدْفَعُهُ

стр. 6433

إِلَيْهِمَا (١)؛ لِأنَّه يُحَمِّلُهما (٢) الشَّهادةَ، فَوَجَبَ أنْ يُعتَبَرَ فِيهِ إشْهادُه؛ كالشَّهادة على الشَّهادة. وإنْ قال: اشهدا (٣) عليَّ بما فِيهِ؛ كان أوْلَى. فإنِ اقْتَصَرَ على قَولِه: هذا كِتابِي إلى فُلانٍ؛ فظاهر (٤) الخِرَقِيِّ: أنَّه لا يُجزِئُ حتَّى يَقُولَ: اشهدا (٥) عليَّ؛ كالشَّهادة على الشَّهادة. وقال القاضي: يُجْزِئُ. ثُمَّ إنْ قلَّ ما في الكتاب؛ اعتمدا (٦) على حِفْظِه، وإلَّا كَتَبَ كلٌّ منهما نسخةً (٧) به، ويقبضان (٨) الكِتاب قَبْلَ أن (٩) يَغِيبَا؛ لِئَلَّا يَدفَعَ إلَيهِما غَيرَه. (فَإِذَا (١٠) وَصَلَا إِلَى المَكْتُوبِ إِلَيْهِ؛ دَفَعَا إِلَيْهِ الْكِتَابَ)، ثُمَّ يقرؤه عَلَيهما، ثُمَّ يَشْهَدانِ به، (وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ (١١)، وَأَشْهَدَنَا عَلَيْهِ)؛ لِأنَّ الكِتابَ لا يُقبَلُ إلَّا مِنْ قاضٍ، وذلك يَستَدْعِي وُجودَ الكتابة والإشْهادَ عَلَيهِ في مَوضِعِ قضائه (١٢).

стр. 6434

وفي (١) كلامِ أبي الخَطَّاب: كَتَبَه بحضْرَتِنا، وقال لنا (٢): اشْهَدا عليَّ، كتبتُه (٣) في عَمَلي، فثَبَتَ عِنْدِي، وحَكَمْتُ به مِنْ كذا وكذا، فيَشهَدانِ بذلك؛ لِأنَّ الكتابَ لا يُقبَلُ إلَّا إذا وَصَلَ من (٤) مجلس (٥) عَمَلِه. (وَالاِحْتِيَاطُ: أَنْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ، وَبِخَتْمِهِ)؛ لِأنَّه أبْلَغُ، (وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ)؛ لِأنَّه «﵇ كَتَبَ إلى قَيصَرَ ولم يَختِمْه، فقِيلَ له: إنَّه لا يَقرَأُ كِتابًا غَيرَ مَختومٍ، فاتَّخَذَ الخاتمَ» (٦). وحاصِلُه: أنَّه يُقبَلُ، سَواءٌ كان مَختومًا أوْ غَيرَ مَختُومٍ، مَفْتولاً أَوْ غَيرَ مفتولٍ (٧)؛ لِأنَّ الاِعْتِمادَ على شهادتهما، لا على الخَطِّ والخَتْمِ. فإنِ انْمَحَى الخَطُّ، وكانا يَحفَظانِ ما فيه؛ جاز لهما أنْ يَشهَدا بذلك. فائدةٌ: لا يُشْتَرَطُ أنْ يَذكُرَ القاضِي الكاتِبُ اسْمَه في العُنْوانِ، ولا ذِكْرَ المكْتوب إلَيهِ في باطنه. وقال أبو حَنِيفَةَ (٨): إذا لم يَذكُر اسْمَه لا يُقبَلُ؛ لِأنَّ الكتابَ إلَيهِ، ولا يَكفِي ذِكْرُ اسْمِه في العنوان دُونَ باطِنِه؛ لِأنَّ ذلك لم يَقَعْ على وَجْهِ المخاطَبَةِ. (وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو قَولُ أكْثرِ العُلَماء؛ لِأنَّهما شَهِدا بمَجْهولٍ لا يَعلَمانِه، فلم

стр. 6435

يَصِحَّ؛ كما لو شَهِدَا أنَّ لِفُلانٍ على فُلانٍ مالاً، (لِأَنَّ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى قَالَ فِيمَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا (١)، حَتَّى يُعْلِمَهُ بِمَا (٢) فِيهَا)، هذا تنبيهٌ على جهة (٣) الأصْلِ المُسْتَفادِ مِنْهُ الحُكمُ (٤) المذكورُ. (وَيَتَخَرَّجُ: الْجَوَازُ)، هذا رِوايةٌ؛ كما لو شَهِدَا بما (٥) في هذا (٦) الكِيسِ مِنْ الدَّراهم؛ جازَتْ شهادته (٧)، وإنْ لم يَعْلَما قدرها (٨)، (لِقَوْلِهِ: إِذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ، أَوْ (٩) أَعْلَمَ بِهَا أَحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورًا؛ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَا فِيهَا)؛ لِأنَّهما سَواءٌ في المعْنَى، فكذا يَجِبُ أنْ يكُونَ حُكْمًا. (وَعَلَى هَذَا: إِذَا عَرَفَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ (١٠) أَنَّهُ خَطُّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَخَتْمُهُ؛ جَازَ قَبُولُهُ (١١)؛ لِأنَّ القَبولَ هنا كتَنفِيذِ الوصيَّة. وقِيلَ: هو على الوَجْهَينِ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: مَنْ عَرَفَ خَطَّه بإقْرارٍ، أوْ إنْشاءٍ، أوْ عَقْدٍ، أوْ شَهادةٍ؛ عَمِلَ به؛ كميِّت (١٢)، فإنْ حَضَرَ وأنْكَرَ مَضمونَه، فكاعْتِرافه بالصَّوت

стр. 6436

وإنكارِ مَضْمونه (١). وذَكَرَ قَولاً في «المُذهب»: أنَّه يَحكُم بخَطِّ شاهِدٍ ميِّتٍ، وقال: الخطُّ كاللَّفظ (٢) إذا (٣) عَرَفَ أنَّه خَطُّه، وأنَّه مَذهَبُ جُمهورِ العلماء، وهو يَعرِفُ أنَّ هذا خَطُّه، كما يَعرِفُ أنَّ هذا صَوتُه (٤). (وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ)؛ لمَا تقدَّمَ، فالعَمَلُ به أَوْلَى. فرعٌ: إذا تَرافَعَ إلَيهِ خَصْمانِ في غَيرِ محلِّ وِلايَته؛ لم يكُنْ له الحُكْمُ بَينَهما بحُكْمِ وِلايَته، إلَّا بتَراضِيهِما به، فيكُونُ حُكْمَ (٥) غَيرِ القاضي إذا تَراضَيا، وسَواءٌ كان الخَصْمان مِنْ أهْلِ عَمَله، أوْ لم يكُونَا. ولو تَرافَع إلَيهِ اثْنانِ وهو في مَوضِعِ وِلايَتِه، مِنْ غَيرِ أهْلِ وِلايَته؛ كان له الحُكْمُ بَينَهما. فإنْ أَذِنَ الإمامُ لِقاضٍ أنْ يَحكُمَ بَينَ أهْلِ وِلايَتِه حَيثُ كانوا، أوْ (٦) مَنَعَه مِنْ الحُكم في غِيرِ أهْلِ وِلايَته حَيثُما كان (٧)؛ كان الأمْرُ على ما أَذِنَ فيه، أوْ مَنَعَ منه؛ لِأنَّ الوِلايَةَ بتَولِيَته، فكان الحُكْمُ على وَفْقها. (فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ، فَأَحْضَرَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ الْخَصْمَ المَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَسْتُ فُلَانَ بنَ فُلَانٍ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لِأنَّه مُنْكِرٌ (٨)، وإنْ نَكَلَ قَضَى عليه (٩) بالنُّكول، وكذا إنْ ردَّ

стр. 6437

اليمينَ على الخِلافِ. (إِلَّا أَنْ تَقُومَ (١) بِهِ بَيِّنَةٌ)؛ لِأنَّ قَولَه مُعارَضٌ بالبيِّنة، وهي راجِحةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقبَلَ قَولُه؛ لِأنَّه مرجوحٌ (٢) بالنِّسبة إلَيهَا. (وَإِنْ (٣) ثَبَتَ أَنَّهُ فُلَانُ بنُ فُلَانٍ بِبَيِّنَةٍ (٤) أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ: المَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِي؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ)؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ المُشارَكةِ في ذلك (٥)، (إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ (٦) أَنَّ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيمَا سُمِّيَ وَوُصِفَ، فَيَتَوَقَّفُ (٧) حَتَّى يَعْلَمَ مَنِ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا)؛ لِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكونَ الحقُّ على المشارِك له، وهو شاكٌّ (٨) فيه، وحِينَئِذٍ يَكتُبُ إلى الحاكم الكاتِبِ يُعلِمُه بالحال حتَّى يَحضُرَ الشَّاهِدانِ، فيَشْهَدانِ عنده (٩) بما يَتَمَيَّزُ به المشْهودُ عَلَيهِ منهما. فإنِ ادَّعَى المسمَّى: أنَّه كان في البلد مَنْ يُشارِكُه في الاِسْمِ والصِّفة، وقد مات؛ فإنْ كان مَوتُه بَعْدَ الحكم أوْ بَعْدَ المعامَلة، وكان ممَّن أمْكَنَ أنْ يَجرِيَ بَينَه وبَينَ المحْكومِ له مُعامَلةٌ؛ فقد وَقَعَ الإشْكالُ؛ كما لو كان حيًّا؛ لجوازِ أنْ يكُونَ الحقُّ على الَّذي مات، وإلَّا فلا إشْكالَ (١٠).

стр. 6438

فرعٌ: يُقبَلُ كِتابُه في حَيوانٍ في الأصحِّ بالصِّفَةِ (١)؛ اكْتِفاءً بها؛ كمَشْهودٍ عَلَيهِ، لا له. فإنْ لم تثبت (٢) مُشارَكَتُه في صفَتِه (٣)؛ أخَذَه مُدَّعِيهِ بكفيلٍ مختومًا عنقُهُ (٤)، فيأتِي به القاضي الكاتِبَ لِيُشْهِدَ البيِّنةَ على عينِه (٥)، ويَقضِي له به، ويَكتُبَ له كِتابًا؛ ليبرأ (٦) كفيله. وإنْ كان المدَّعى به (٧) جارِيَةً؛ سُلِّمَتْ إلى أمينٍ يُوصِلُها. وإنْ لم (٨) يَثبُتْ له ما ادَّعاهُ؛ لَزِمَه رَدُّه ومُؤنَتُه منذ تَسلَّمَه، ذكره (٩) في «الرِّعاية» وزاد: دُونَ نَفْعِه، وحُكْمُه كمَغْصوبٍ؛ لِأنَّه أخذه (١٠) بلا حَقٍّ. وقِيلَ: لا يُقبَلُ كِتابُه به (١١)؛ لِأنَّ الوصفَ لا يَكفِي، بدليلِ: أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَشهَدَ لرجلٍ بالوَصْف والتَّحْلِيَة، كذلك المشْهودُ به. والأوَّلُ رجَّحه في «الشَّرح»؛ قِياسًا على الدَّين، ويُخالِفُ المشْهودَ له، فإنَّه لا حاجَةَ إلى ذلك فيه، فإنَّ الشَّهادةَ له لا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ دَعْواهُ.

стр. 6439

وقِيلَ: يَحكُمُ به (١) الكاتِبُ، ويُسلِّم (٢) المكتوب إلَيهِ لمُدَّعِيهِ. وفي «التَّرغيب»: على الأوَّل: لو ادَّعى على رجلٍ دَينًا صفته (٣) كذا، ولم يَذكُرِ اسْمَه ونَسَبَه؛ لم يَحكُمْ عَلَيهِ، بل يَكتُبُ إلى قاضي البلد الَّذي فيه المدَّعَى عَلَيهِ؛ كما قُلْنا في المدَّعَى به؛ لِيَشْهَدَ على (٤) عينه (٥). فلو كان عَقارًا محدودًا في بلد المكتوب إلَيهِ؛ أنْفَذَ حكمَ (٦) القاضِي الكاتِبِ، وأخَذَه ربُّه. وكذا حُكْمُ كلِّ منقولٍ (٧) مَعْروفٍ لا يشتبه. تذنيبٌ: قال في (٨) «الرِّعاية»: يَكتُبُ في الكتاب: اسمَ الخَصْمَينِ، واسْمَ أبَوَيهما وجدَّيْهما (٩)، وحِلْيَتَهما، وقَدْرَ المال، وتاريخَ الدَّعْوَى، وقِيامَ البيِّنةِ العادِلةِ، وطَلَبَ الخَصْمِ الحكْمَ، وإجابَتَه إلَيهِ. وقِيلَ: لا يَجِبُ ذِكْرُ شُهودِ المال. قال في «الفروع»: وظاهِرُ كلامِهم: أنَّه لا يُعتَبَرُ ذِكْرُ الجَدِّ في النَّسب بلا حاجةٍ، وذَكَرَ في «المنتقى» (١٠) وغَيره: أنَّ المشْهودَ عَلَيهِ إذا عُرِفَ باسْمِه واسْمِ أبِيهِ؛ فإنَّه يُغْنِي عن ذِكْرِ الجَدِّ.

стр. 6440

فائدةٌ: إذا تحمَّلَها وشَهِدَ بها عِنْدَ حاكِمٍ؛ لَزِمَه الحُكْمُ بها بشرطه (١)، سواءٌ كان الكِتابُ إلَيهِ أوْ إلى غَيرِه، أوْ مُطلَقًا، ولَيسَ لشهودِ الكتاب أنْ يَتَخَلَّفُوا في مَوضِعٍ لا حاكِمَ فيه، ولهم كِراءُ دَوابِّهم فقطْ، وإنْ كان فيه حاكِمٌ؛ فإنْ شاؤوا شَهِدُوا عِندَه لِيُمْضِيَه، ويَكتُبَ إلى قاضِي بَلَدِ الخَصْمِ، وإنْ شاؤُوا شَهِدَ كلُّ واحدٍ (٢) منهم على شهادته شاهِدَينِ يَشهَدانِ عِنْدَ المكتوب إلَيهِ. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِعَزْلٍ، أَوْ مَوْتٍ؛ لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ)، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفُروع»؛ لِأنَّ المعوَّلَ في الكتاب على الشَّاهِدَينِ، وهما حَيَّانِ، فَوَجَبَ أنْ يُقبَلَ الكِتابُ؛ كما لو لم يَمُتْ أوْ يَنعَزِلْ، ولِأنَّ الكتابَ إنْ كان فِيما حَكَمَ به؛ فحُكْمُه لا يَبطُلُ بهما، وإنْ كان فيما ثَبَتَ عِندَه؛ فهو أصْلٌ، واللَّذانِ شَهِدَا عَلَيهِ فَرْعٌ، ولا تَبطُلُ شَهادةُ الفرع بمَوتِ شاهِدِ الأصْلِ. وقِيلَ: لا؛ كما لو فَسَقَ فيقدَح (٣) خاصَّةً فيما ثَبَتَ عِندَه لِيَحكُمَ به. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ (٤)؛ لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ)، قال ابنُ المنَجَّى: كما لو حَكَمَ بشَيءٍ، ثُمَّ فَسَقَ. وفِيهِ شَيءٌ. وفي «الشَّرح»: كما لو حَكَمَ بشيءٍ (٥) ثمَّ بَانَ فِسْقُه، فإنَّه لا يَنقُضُ ما مَضَى مِنْ أحْكامِه، كذا هنا. (وَيَبْطُلُ (٦) فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ)؛ لِأنَّ بَقاءَ عدالة (٧) شاهِدَي الأصْلِ

стр. 6441

شَرْطٌ في الحُكْم بشاهِدَي الفرع، فكذلك بقاءُ عَدالةِ الحاكِمِ؛ لِأنَّه بمَنزلَةِ شاهِدَي الأصل (١). (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ المَكْتُوبِ إِلَيْهِ) بأيِّ حالٍ كان؛ (فَلِمَنْ (٢) قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ)، كذا ذَكَرَه مُعظَمُ أصْحابِنا؛ لِأنَّ المُعَوَّلَ على ما حَفِظَه الشُّهودُ وتحمَّلُوهُ، ومَن تَحمَّلَ شَهادةً وشَهِدَ بها؛ وَجَبَ على كلِّ قاضٍ الحُكْمُ بها، ولو ضاع الكتابُ أو انمحى (٣)، وكما لو شَهِدَا بأنَّ فُلانًا القاضيَ حَكَمَ بكذا؛ لَزِمَه إنفاذُه (٤)، قاله في «الواضِح» وغَيره. فرعٌ: إذا كان المكتوبُ إلَيهِ بحاله، وَوَصَلَ الكِتابُ إلى غَيرِه؛ عَمِلَ به، ذَكَرَهُ القاضي، ولو شَهِدَا بخِلافِ ما فِيهِ؛ قُبِلَ؛ اعْتِمادًا على العلم. قال أبو الخَطَّاب وأبو الوَفاء: فإنْ قالا: هذا كِتابُ فُلانٍ إلَيكَ، أخْبَرَنا مَنْ نثق (٥) به؛ لم يَجُز العَمَلُ بهما. وإنْ قَدِمَ غائبٌ؛ فللكاتب (٦) الحُكْمُ عَلَيهِ بلا إعادةِ شُهودٍ، قالَه في «الاِنْتِصار».

стр. 6442

(فَصْلٌ) (وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ (١) إِلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ: أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ)، جَزَمَ به في «المستوعب»، وصحَّحه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ الحاكِمَ إنَّما يَحكُمُ فيما ثبت (٢) عِندَه لِيَحْكُمَ به غَيرُه، أوْ فيما (٣) حَكَمَ به (٤) لِيُنفِذَه غَيرُه، وكِلاهُما مفقود (٥) هُنا. والثَّاني (٦): يَلزَمُه، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز» (٧) و «الفُروع»؛ ليتخلَّص (٨) مِمَّا يَخافُه. فإنْ قال: أشْهِدْ لي (٩) عَلَيكَ بما جَرَى؛ لَزِمَه، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية». (وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ)؛ لِأنَّه ربَّما حَكَمَ عَلَيهِ غيره (١٠) ثانيًا، وفِيهِ ضَرَرٌ، وهو مُنتَفٍ شَرْعًا. (وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ (١١) بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ: إِنْ أَنْكَرَ، وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ)، أوْ ثُبوتٌ مُجرَّدٌ، أوْ مُتَّصِلٌ بحُكْمٍ وتنفيذٍ، أوْ سَأَلَه أنْ يَحكُمَ

стр. 6443

له بما ثَبَتَ عِندَه، (فَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى؛ لِيُثْبِتَ (١) حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ؛ لَزِمَهُ (٢) إِجَابَتُهُ)؛ لِأنَّ الحاكِمَ يَلزَمُه إجابةُ مَنْ سَأَلَه؛ لِتَبْقَى حُجَّتُه في يَدِه. فَعَلَى هذا: إذا ثَبَتَ له حقٌّ بإقرارٍ (٣)، فَسَأَلَه المُقَرُّ له (٤) أنْ يَشهَدَ على نَفْسه بما ثَبَتَ عِندَه من الإقْرار؛ لَزِمَه ذلك، ولو قُلْنَا: يَحكُمُ بعِلْمِه؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ ينسى (٥). وَإِنْ ثبت (٦) عِندَه حقٌّ بنُكولِ المدَّعَى عَلَيهِ، أوْ بيمين (٧) المدَّعِي بَعْدَ النكولِ، فسَأَلَه المدَّعِي أنْ يُشهِدَ على نفسه؛ لَزِمَه، لا يُؤمَنُ (٨) أنْ يُنكِرَ بَعْدَ ذلك ويَحلِفَ، ولا حُجَّةَ للمُدَّعِي غَيرُ الإشْهادِ. فأمَّا إنْ ثَبَتَ عِندَه ببينةٍ (٩)، فسَأَلَه الإشْهادَ؛ فالمشْهورُ: يَلزَمُه؛ لمَا فِيهِ مِنْ تعديلِ (١٠) البيِّنة وإلْزامِ خَصْمِه. وقِيلَ: لا يَلزَمُه؛ لِأنَّ له بالحقِّ بيِّنةً. وإنْ حَلَفَ المنكِرُ، وسَأَلَ الحاكمَ الإشْهادَ على براءته؛ لَزِمَه؛ لِيَكُونَ حُجَّةً له في سُقوطِ المطالَبَة مرَّةً أخْرى.

стр. 6444

وحاصِلُه: أنَّه (١) يَكتُبُ له مَحضَرًا بجميعِ (٢) ذلك في الأصحِّ؛ لِأنَّه وَثِيقَةٌ له، فهو كالإشْهادِ؛ لِأنَّ الشَّاهِدَينِ ربَّما نَسِيَا الشَّهادةَ، أوْ نَسِيَا الخَصْمَينِ. وقِيلَ: لا يَلزَمُه؛ لِأنَّ الإشْهادَ يَكْفِيهِ. وإنْ سَأَلَه أنْ يُسجِّلَ به؛ فهل يَلزَمُه؟ فِيهِ وجْهانِ. (وَإِنْ سَأَلَ (٣) مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ)، أيْ: كتابته (٤)، وأتاه بِوَرَقَةٍ؛ لَزِمَه في الأصحِّ، ولهذا قال: (فَعَلَ ذَلِكَ)، قال أحمدُ: إذا أخَذَ السَّاعِي زَكاتَه كتب (٥) له براءةً. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَلزَمُه إنْ تَضَرَّرَ بتَرْكِه (٦). وما تَضَمَّنَ الحُكْمَ ببيِّنةِ سِجِلٍّ وغَيرِه؛ مَحضَرٌ. وفي «المغْنِي» و «التَّرغيب»: المَحْضَرُ: شَرْحُ ثُبوتِ الحقِّ عِندَه، لا الحُكمُ بثُبوته. (وَجَعَلَهُ (٧) نُسْخَتَيْنِ: نُسْخَةٌ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَنُسْخَة (٨) يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ)، هذا هو الأَوْلَى، حتَّى إذا هَلَكَتْ واحِدةٌ بَقِيَت الأُخْرَى. (وَالْوَرَقُ (٩) مِنْ بَيْتِ المَالِ)؛ لِأنَّ ذلك من المصالح، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ)؛ لِأنَّه الطَّالِبُ لذلك؛ لِأنَّ مُعظَمَ الحاجة له، فإنْ لم يأتِه

стр. 6445

بذلك؛ لم يَلزَمْه؛ لِأنَّ عَلَيهِ الكِتابةَ دُونَ الغُرْم. تنبيهٌ: مَنْ حُكِمَ له بحقٍّ بحُجَّةٍ بِيَدِه، فأَقْبَضَه (١) المحكومُ عَلَيهِ الحقَّ، وطالَبَه بتسليمِ الحُجَّة؛ لم يَلزَمْه غَيرُ الشَّهادة على نفسه بأخْذِه، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّه ربَّما خَرَجَ ما قَبَضَه مُسْتَحَقًّا، فيَحتاجُ إلى حُجَّةٍ تخصُّه. وإنْ طَلَبَ المشْتَرِي من البائع الأصْلَ؛ لم يَلزَمْه غَيرُ الشَّهادة عَلَيهِ بالبَيعِ؛ لِأنَّ ذلك حُجَّةٌ له عِنْدَ الدَّرَك، ولمَنْ عَلَيهِ حَقٌّ بِبيِّنةٍ أنْ يَمتَنِعَ مِنْ أدائه حتَّى يَشهَدَ عَلَيهِ ربُّه بأخْذِه، وإنْ كان بلا بينة؛ فلا، ذَكَرَه أصْحابُنا.
следующие страницы →