← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

شَرْطٌ في الحُكْم بشاهِدَي الفرع، فكذلك بقاءُ عَدالةِ الحاكِمِ؛ لِأنَّه بمَنزلَةِ شاهِدَي الأصل (١). (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ المَكْتُوبِ إِلَيْهِ) بأيِّ حالٍ كان؛ (فَلِمَنْ (٢) قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ)، كذا ذَكَرَه مُعظَمُ أصْحابِنا؛ لِأنَّ المُعَوَّلَ على ما حَفِظَه الشُّهودُ وتحمَّلُوهُ، ومَن تَحمَّلَ شَهادةً وشَهِدَ بها؛ وَجَبَ على كلِّ قاضٍ الحُكْمُ بها، ولو ضاع الكتابُ أو انمحى (٣)، وكما لو شَهِدَا بأنَّ فُلانًا القاضيَ حَكَمَ بكذا؛ لَزِمَه إنفاذُه (٤)، قاله في «الواضِح» وغَيره. فرعٌ: إذا كان المكتوبُ إلَيهِ بحاله، وَوَصَلَ الكِتابُ إلى غَيرِه؛ عَمِلَ به، ذَكَرَهُ القاضي، ولو شَهِدَا بخِلافِ ما فِيهِ؛ قُبِلَ؛ اعْتِمادًا على العلم. قال أبو الخَطَّاب وأبو الوَفاء: فإنْ قالا: هذا كِتابُ فُلانٍ إلَيكَ، أخْبَرَنا مَنْ نثق (٥) به؛ لم يَجُز العَمَلُ بهما. وإنْ قَدِمَ غائبٌ؛ فللكاتب (٦) الحُكْمُ عَلَيهِ بلا إعادةِ شُهودٍ، قالَه في «الاِنْتِصار».

стр. 6442

(فَصْلٌ) (وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ (١) إِلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ: أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ)، جَزَمَ به في «المستوعب»، وصحَّحه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ الحاكِمَ إنَّما يَحكُمُ فيما ثبت (٢) عِندَه لِيَحْكُمَ به غَيرُه، أوْ فيما (٣) حَكَمَ به (٤) لِيُنفِذَه غَيرُه، وكِلاهُما مفقود (٥) هُنا. والثَّاني (٦): يَلزَمُه، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز» (٧) و «الفُروع»؛ ليتخلَّص (٨) مِمَّا يَخافُه. فإنْ قال: أشْهِدْ لي (٩) عَلَيكَ بما جَرَى؛ لَزِمَه، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية». (وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ)؛ لِأنَّه ربَّما حَكَمَ عَلَيهِ غيره (١٠) ثانيًا، وفِيهِ ضَرَرٌ، وهو مُنتَفٍ شَرْعًا. (وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ (١١) بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ: إِنْ أَنْكَرَ، وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ)، أوْ ثُبوتٌ مُجرَّدٌ، أوْ مُتَّصِلٌ بحُكْمٍ وتنفيذٍ، أوْ سَأَلَه أنْ يَحكُمَ

стр. 6443

له بما ثَبَتَ عِندَه، (فَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى؛ لِيُثْبِتَ (١) حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ؛ لَزِمَهُ (٢) إِجَابَتُهُ)؛ لِأنَّ الحاكِمَ يَلزَمُه إجابةُ مَنْ سَأَلَه؛ لِتَبْقَى حُجَّتُه في يَدِه. فَعَلَى هذا: إذا ثَبَتَ له حقٌّ بإقرارٍ (٣)، فَسَأَلَه المُقَرُّ له (٤) أنْ يَشهَدَ على نَفْسه بما ثَبَتَ عِندَه من الإقْرار؛ لَزِمَه ذلك، ولو قُلْنَا: يَحكُمُ بعِلْمِه؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ ينسى (٥). وَإِنْ ثبت (٦) عِندَه حقٌّ بنُكولِ المدَّعَى عَلَيهِ، أوْ بيمين (٧) المدَّعِي بَعْدَ النكولِ، فسَأَلَه المدَّعِي أنْ يُشهِدَ على نفسه؛ لَزِمَه، لا يُؤمَنُ (٨) أنْ يُنكِرَ بَعْدَ ذلك ويَحلِفَ، ولا حُجَّةَ للمُدَّعِي غَيرُ الإشْهادِ. فأمَّا إنْ ثَبَتَ عِندَه ببينةٍ (٩)، فسَأَلَه الإشْهادَ؛ فالمشْهورُ: يَلزَمُه؛ لمَا فِيهِ مِنْ تعديلِ (١٠) البيِّنة وإلْزامِ خَصْمِه. وقِيلَ: لا يَلزَمُه؛ لِأنَّ له بالحقِّ بيِّنةً. وإنْ حَلَفَ المنكِرُ، وسَأَلَ الحاكمَ الإشْهادَ على براءته؛ لَزِمَه؛ لِيَكُونَ حُجَّةً له في سُقوطِ المطالَبَة مرَّةً أخْرى.

стр. 6444

وحاصِلُه: أنَّه (١) يَكتُبُ له مَحضَرًا بجميعِ (٢) ذلك في الأصحِّ؛ لِأنَّه وَثِيقَةٌ له، فهو كالإشْهادِ؛ لِأنَّ الشَّاهِدَينِ ربَّما نَسِيَا الشَّهادةَ، أوْ نَسِيَا الخَصْمَينِ. وقِيلَ: لا يَلزَمُه؛ لِأنَّ الإشْهادَ يَكْفِيهِ. وإنْ سَأَلَه أنْ يُسجِّلَ به؛ فهل يَلزَمُه؟ فِيهِ وجْهانِ. (وَإِنْ سَأَلَ (٣) مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ)، أيْ: كتابته (٤)، وأتاه بِوَرَقَةٍ؛ لَزِمَه في الأصحِّ، ولهذا قال: (فَعَلَ ذَلِكَ)، قال أحمدُ: إذا أخَذَ السَّاعِي زَكاتَه كتب (٥) له براءةً. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَلزَمُه إنْ تَضَرَّرَ بتَرْكِه (٦). وما تَضَمَّنَ الحُكْمَ ببيِّنةِ سِجِلٍّ وغَيرِه؛ مَحضَرٌ. وفي «المغْنِي» و «التَّرغيب»: المَحْضَرُ: شَرْحُ ثُبوتِ الحقِّ عِندَه، لا الحُكمُ بثُبوته. (وَجَعَلَهُ (٧) نُسْخَتَيْنِ: نُسْخَةٌ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَنُسْخَة (٨) يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ)، هذا هو الأَوْلَى، حتَّى إذا هَلَكَتْ واحِدةٌ بَقِيَت الأُخْرَى. (وَالْوَرَقُ (٩) مِنْ بَيْتِ المَالِ)؛ لِأنَّ ذلك من المصالح، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ)؛ لِأنَّه الطَّالِبُ لذلك؛ لِأنَّ مُعظَمَ الحاجة له، فإنْ لم يأتِه

стр. 6445

بذلك؛ لم يَلزَمْه؛ لِأنَّ عَلَيهِ الكِتابةَ دُونَ الغُرْم. تنبيهٌ: مَنْ حُكِمَ له بحقٍّ بحُجَّةٍ بِيَدِه، فأَقْبَضَه (١) المحكومُ عَلَيهِ الحقَّ، وطالَبَه بتسليمِ الحُجَّة؛ لم يَلزَمْه غَيرُ الشَّهادة على نفسه بأخْذِه، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّه ربَّما خَرَجَ ما قَبَضَه مُسْتَحَقًّا، فيَحتاجُ إلى حُجَّةٍ تخصُّه. وإنْ طَلَبَ المشْتَرِي من البائع الأصْلَ؛ لم يَلزَمْه غَيرُ الشَّهادة عَلَيهِ بالبَيعِ؛ لِأنَّ ذلك حُجَّةٌ له عِنْدَ الدَّرَك، ولمَنْ عَلَيهِ حَقٌّ بِبيِّنةٍ أنْ يَمتَنِعَ مِنْ أدائه حتَّى يَشهَدَ عَلَيهِ ربُّه بأخْذِه، وإنْ كان بلا بينة؛ فلا، ذَكَرَه أصْحابُنا.

стр. 6446

(فَصْلٌ) (وَصِفَةُ المَحْضَرِ)، هو (١): بفَتْحِ الميم والضَّاد، وهو عِبارَةٌ عن الصَّكِّ، سُمِّيَ مَحضَرًا؛ لمَا فيه من (٢) حُضورِ الخَصْمَينِ وَالشُّهود: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، تُذكر (٣) في ابْتِداء كلِّ (٤) فِعْلٍ؛ تَبَرُّكًا بها، (حَضَرَ الْقَاضِيَ فُلَانَ بنَ فُلَانٍ الفُلَانِي (٥)، قَاضِيَ عَبْدِ اللهِ الْإِمَامِ عَلَى كَذَا)، إنْ كان مستقِلًّا (٦)، (وَإِنْ كَانَ نَائِبًا كَتَبَ: خَلِيفَةَ الْقَاضِي فُلَانٍ، قَاضِي عَبْدِ اللهِ الْإِمَامِ، فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا). إذا ثَبَتَ الحقُّ باعْتِرافِ المدَّعَى عَلَيهِ؛ لم يَحتَجْ أنْ يَكْتُبَ: في مَجلِسِ حُكْمِه وقَضائه؛ لِأنَّ الاِعْتِرافَ يَصِحُّ منه في مَجلِسِ الحُكْم وغَيرِه، وإنْ كتب (٧) أنَّه (٨) شَهِدَ على إقْراره شاهِدانِ؛ كان آكَدَ، ذَكَرَه في «الشَّرح» و «الرِّعاية». وإنْ ثَبَتَ ببيِّنةٍ؛ احْتاجَ أنْ يَذكُرَ مَجلِسَ حُكمِه وقَضائه؛ لِأنَّ البيِّنةَ لا تُسمَعُ إلَّا في مجلسِ الحُكم. ولَيسَ في المحْضَر ثُبوتُ الحقِّ، سَواءٌ ثَبَتَ بالاِعْتِراف أوْ بالبيِّنة، وإنَّما هو شَرحُ ثُبوتِ الحقِّ عِنْدَ الحاكمِ.

стр. 6447

(مُدَّعٍ؛ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بنُ فُلَانٍ وَأَحْضَرَ (١) مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ)، يَرفَعُ في (٢) نَسَبِهما حتَّى يَتَمَيَّزا، ويَذكُرُ حِلْيَتَهما؛ لِأنَّ الاِعْتِمادَ عليها (٣)، فربَّما اسْتَعارَ النَّسَبَ. هذا إذا جَهِلَهُما الحاكِمُ، فإنْ كان يَعرِفُهما بأسْمائهما ونَسَبِهما قال: فُلانُ ابنُ فُلانٍ الفُلَانِيُّ، وأحْضَرَ مَعه فُلانَ بنَ فُلانٍ الفُلَانيَّ. وإنْ أخَلَّ بِذِكْرِ حِلْيَتِهما؛ جاز؛ لِأنَّ ذِكْرَ نَسَبِهما إذا رُفِعَ فِيهِ أغْنَى عن ذِكْرِ الحِلْيَةِ. وفي «الرِّعاية»: ذِكْرُ (٤) حِلْيَتهما أَوْلَى. (فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ أَوْ فَأَنْكَرَ (٥)، فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ سَمَاعَهَا، فَفَعَلَ أَوْ فَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ (٦) لَهُ بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ (٧) إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ). (وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ). (وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ فَحَلَّفَهُ؛ حَكَى (٨) ذَلِكَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ (٩) شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا). (وَيُعَلِّمُ) على رَأْسِ المحْضَر (فِي الْإِقْرَارِ)، وَالإنْكارِ، (وَالْإِحْلَافِ: جَرَى

стр. 6448

الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ)؛ لِأنَّ ذلك أمْرٌ جَرَى، فالعَلَامَةُ فِيهِ بما (١) ذُكِرَ؛ تحقيقٌ (٢) للقَضِيَّة، وإخبارٌ (٣) عنها. ويَذكُرُ مع ذلك في رأسِ المحْضَرِ: الحمدُ لله وحْدَه، ونحو ذلك، ذَكَرَه في «الرِّعاية»، وهو ظاهِرُ ما ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَفِي الْبَيِّنَةِ: شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ)؛ لِأنَّه الواقِعُ، ويكُونُ في آخَرِ المحضَرِ (٤). وفي «الشَّرح»: يَكتُبُ علامتَهُ (٥) مع ذلك في رأسِ المحْضَرِ، وإن اقْتَصَرَ جازَ، وهو قَولٌ في «الرِّعاية». (وَأَمَّا السِّجِلُّ) - هو بكِسْرِ السِّين والجيم: الكِتابُ الكبيرُ - (فَهُوَ لِإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ)، هذا بَيانٌ لمَعْناهُ. (وَصِفَتُهُ: أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَشْهَدَ (٦) عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانُ بنُ فُلَانٍ، وَيَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ) في أوَّلِ المحْضَرِ (مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ، أَشْهَدَهُمْ: أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهمَا بِمَحْضَرٍ (٧) مِنْ خَصْمَيْنِ، وَيَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإِلَّا قَالَ: مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، مَعْرِفَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانِ) «مَعْرِفَةُ» مرفوعًا، فاعِلُ «ثَبَتَ عِنْدَه»، (وَيَذْكُرُ المَشْهُودَ عَلَيْهِ)؛ لِأنَّه أصْلٌ،

стр. 6449

(وَإِقْرَارُهُ)، بالرَّفع، مَعطوفٌ على «مَعْرِفَةُ»، والتَّقديرُ: ثَبَتَ عنده (١) مَعرِفَةُ فُلانٍ ابنِ فُلانٍ، وإقْرارُه، ويَجوزُ نَصْبُه عَطْفًا على «المشْهُود»؛ أي: ويذكر (٢) المشْهُودَ عَلَيهِ وإقْرارَه، (طَوْعًا، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ (٣)، حتَّى يَخرُجَ المكرَهُ ونَحوُه، (بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ (٤) فِي كِتَابِ نُسْخَتِهِ، وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ المُثْبَتَ وَالمَحْضَرَ (٥) جَمِيعَهُ، حَرْفًا بِحَرْفٍ). (فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: وَإِنَّ الْقَاضِيَ أَمْضَاهُ، وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا (٦) هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ وَالْإِشْهَادَ بِهِ الْخَصْمُ المُدَّعِي، وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ (٧) بِحُجَّةٍ (٨)، وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإِمْضَائِهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، فِي الْيَوْمِ المُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوَيَتَيْنِ)؛ لِأنَّهما اللَّتان (٩) تقومُ (١٠) إحداهما (١١) مَقامَ الأخْرَى، (تُخَلَّدُ (١٢) نُسْخَةٌ مِنْهُمَا دِيوَانَ (١٣) الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ (١٤) الْأُخْرَى إِلَى

стр. 6450

مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ (١) مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَوَثِيقَةٌ (٢) فِيمَا أَنْفَذَهُ (٣) فِيهِمَا (٤)؛ لِتَضَمُّنِهما ذلك، (وَهَذَا يُذْكَرُ؛ لِيُخْرَجَ مِنَ الْخِلَافِ) في القَضاء على الغائب. (وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ (٥) فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا فِي كِتَابِ نُسْخَتِهِ كَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ؛ سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ (٦) الحُكْمِ (٧) عَلَى الْغَائِبِ) عندنا (٨)، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الثُّبوتُ المجرَّدُ لا يَفتَقِرُ إلى حُضورهما، بل إلى دَعْواهما، وهذا يَنبَنِي على أنَّ الشَّهادةَ هل تفتقرُ (٩) إلى حُضورِ الخَصْمَينِ؟ فأمَّا التَّزكِيَةُ فلا (١٠). (وَمَا يَجْتَمِعُ (١١) عِنْدَهُ مِنَ المَحَاضِرِ (١٢) وَالسِّجِلاَّتِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ)، زاد في «الرِّعاية»: أوْ سَنَةٍ، (عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا؛ يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ)؛ لِأنَّ إفرادَ كلِّ واحدٍ يَشُقُّ، (وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: مَحَاضِرُ وَقْتِ كَذَا، مِنْ (١٣) سَنَةِ كَذَا)؛ لتتميَّزَ (١٤)، ولِيُمْكِنَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجة إلَيها.

стр. 6451

قال في «الكافي»: فإنْ تَوَلَّى ذلك بنفسه، وإلَّا وكَّلَ أمِينَه. وذَكَرَ في «الرِّعاية»: أنَّه يَكتُبُ مع ذلك أسْماءَ أصْحابها، ويَختِمُ عَلَيها. وإنْ أحْضَرَ خَصْمَه وادَّعَى عليه (١) فأنْكَرَ، وذَكَرَ القاضي أنَّه حَكَمَ عَلَيهِ، أو أنَّه (٢) ثَبَتَ عِندَه ولم يَحكُمْ به؛ ألزمه (٣) بالحقِّ بسُؤالِ خَصْمِه، وإنْ لم يَجزِمْ بذلك؛ فلا في الأَشْهَر. وإنْ نَسِيَ الواقِعةَ، فشَهِدَ عِندَه عَدْلانِ: أنَّه حَكَمَ بها، أوْ ثَبَتَ عِندَه؛ لَزِمَه ثُبوتُها والحُكْمُ بها بسُؤالِ المدَّعِي في الأَظْهَر.

стр. 6452

(بَابُ الْقِسْمَةِ) القِسْمَةُ: بكَسْرِ القاف، والقِسْمُ بكَسْرِها أيضًا، وهو: النَّصيبُ المقْسُومُ. قال (١) الجَوهَريُّ: القِسْمُ: مَصدَرُ قَسَمْتُ الشَّيءَ، فانْقَسَمَ، وقاسَمَه المالَ، وتَقاسَماهُ، واقْتَسَماهُ، والاِسْمُ: القِسْمةُ (٢). وهي (٣): تمييزُ بعضِ الأَنْصِباء مِنْ بعضٍ، وإفْرازُها عنها. والإجْماعُ على جَوازها (٤)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القَمَر: ٢٨]، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ … (٨)﴾ الآيةَ [النِّسَاء: ٨]، وقَولُه ﷺ : «الشُّفْعةُ فِيمَا لم يُقْسَمْ» (٥)، وكان يَقسِمُ الغَنائمَ بَينَ أصْحابه (٦). والحاجةُ داعِيَةٌ إلى ذلك؛ لِيَتَمَكَّنَ كلُّ واحِدٍ من الشُّركاء من التَّصرُّف على حَسَبِ اخْتيارِه، ويَتخلَّصَ مِنْ سُوءِ المشاركة وكَثْرَةِ الأيْدِي. (وَقِسْمَةُ الْأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ)؛ للدَّليلِ السَّابِقِ. (وَهِيَ نَوْعَانِ): (قِسْمَةُ تَرَاضٍ: وَهِيَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ، أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالْحَمَّامِ، وَالْعَضَائِدِ)،

стр. 6453

واحدتها (١): عِضادَةٌ، وهي ما يُصنع (٢) لِجَرَيانِ الماء فِيهِ مِنْ السَّواقِي وذَواتِ الكَتِفَينِ، ومنه عِضادَتَا البابِ (٣)، وهما جَنَبَتاهُ مِنْ جانِبَيهِ، (المُتَلَاصِقَةِ اللاَّتِي (٤) لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُنْفَرِدَةٍ، وَالْأَرْضُ الَّتِي فِي بَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ، وَنَحْوُهُ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِالْأَجْزَاءِ)؛ لِأنَّه إذا أمْكَنَ قِسْمَتُه بالأجْزاء، مِثْلَ: أنْ تكون (٥) البِئرُ وَاسِعةً يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ نِصفُها لِواحِدٍ ونِصْفُها لِلآخَرِ، ويَجعَلَ بَينَهما حاجزًا (٦) في أعْلاها، أو البناءُ (٧) كبيرًا (٨) يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ لكلِّ واحِدٍ منهما نصفُه، (وَالتَّعْدِيلِ)، مِثْلَ أنْ يكُونَ في أحَدِ جانِبَي الأرضِ بئرٌ يُساوِي مائةً، وفي الآخَرِ منها (٩) بِناءٌ يُساوِي مائةً، تكُونُ القِسْمةُ قِسْمةَ إجبارٍ (١٠) لا قِسمةَ تَراضٍ؛ لِأنَّه يُمكِنُ أنْ يجعل (١١) البِئرُ لِأحَدِ الشَّرِيكَينِ مع نصف الأرض، والبِناءُ للآخَرِ مع نصف الأرض، (إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ؛ جَازَ)؛ لِأنَّ الحقَّ لهما، وإنْ طَلَبا من الحاكم أنْ يَقسِمَه بَينَهما أجابَهما إلَيهِ، وإنْ لم يَثبُتْ عِندَه أنَّه مِلْكُهُما؛ لِأنَّ اليَدَ تَدُلُّ على الملك، ولا

стр. 6454

مُنازِعَ لهم، فثَبَتَ له من طريقِ الظَّاهِر، ولهذا يَجُوزُ له (١) التَّصرُّفُ فِيهِ مِنْ البَيع ونَحوِه كالاتهابِ. (وَهَذِهِ) القِسْمَةُ (٢) (جَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ)؛ لمَا فِيها من الرَّدِّ، وبهذا تَصِيرُ بَيعًا؛ لِأنَّ صاحِبَ الدَّارِ (٣) بذَلَ (٤) المالَ عِوَضًا عمَّا حَصَلَ في حقِّ شَريكِه، وهذا هو (٥) البَيعُ. (لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا المُمْتَنِعُ مِنْهَا (٦)، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ، عن عبدِ الرَّزَّاق، عن مَعمَرٍ، عن جابِرٍ، عن عِكرَمَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ مَرْفوعًا، قال: «لا ضَرَرَ ولا إضرار (٧)» رواه (٨) ابنُ ماجَهْ والدَّارَقُطْنِيُّ، ولهما أيْضًا مِنْ حديثِ عمرِو بنِ يَحيَى المازِنِيِّ، عن أبِيهِ، عن أبي سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا ضَرَرَ ولا ضرار (٩)»، ورواه (١٠) مالِكٌ في «الموطَّأ» عن عمرو (١١)، عن أبيهِ مُرسَلاً، قال النووي (١٢): (حديثٌ حَسَنٌ، وله طُرُقٌ يُقَوِّي بَعضُها بَعْضًا) (١٣)، ولأنَّه إتْلافٌ وسَفَهٌ يَستَحِقُّ به الحَجْرَ، أشْبَهَ

стр. 6455

هدمَ (١) البِناء، ولِأنَّ فِيهَا إمَّا ضَرَرًا وإمَّا رَدَّ عِوَضٍ، وكِلاهُما لا يُجبَرُ الإنسانُ عَلَيهِ (٢). لكِن إذا دَعا شَريكَه إلى بيعٍ (٣) في قِسْمةِ تَراضٍ؛ أُجْبِرَ، فإنْ أَبَى؛ بِيعَ عَلَيهِما، وقُسِمَ الثَّمَنُ، نَقَلَه الميمونيُّ وحَنبَلٌ (٤)، وذكره (٥) القاضي وأصحابُه، وذَكَرَه في «الإرشاد» و «الفُصول» و «الإفصاح» و «التَّرغيب» وغيرها (٦)، وكذا الإجارةُ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ولو في وَقْفٍ (٧). وللشَّافِعِيَّة وَجْهانِ في الإجارة (٨)، قال ابنُ الصَّلاح: وَدِدْتُ لَو مُحِيَ مِنْ المذهب (٩)، قال: وقد عُرِفَ مِنْ أصْلِنا أنَّه إذا امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الإنْفاق على مَمَالِيكِه؛ باعَهم الحاكم عَلَيهِ، فإذا صِرْنَا إلى ذلك دَفْعًا للضَّرَر عن شَرِيكٍ له عَلَيهِ حَقٌّ وملْكٌ، فلِمَ لا يصير (١٠) إلى ذلك دَفْعًا للضَّرَر عن شَرِيكٍ لا حقَّ له (١١) عَلَيهِ ولا ملْكَ! (١٢)

стр. 6456

(وَالضَّرَرُ المَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ)؛ أيْ: قِسْمةِ الإجْبارِ: (هُوَ نَقْصُ الْقِيمَةِ بِالْقَسْمِ (١)، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ نَقْصَ قِيمَتِه ضَرَرٌ، وهو مَنفِيٌّ شَرعًا، وظاهِرُه: سَواءٌ انْتَفَعُوا به مَقْسومًا أوْ لَا. (أَوْ لَا (٢) يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ)، واخْتارَه المؤلِّفُ، وذَكَرَ في «الكافي»: أنَّه القِياسُ، وهو رِوايَةٌ، وذلك مِثْلَ أنْ يكُونَ بَينَهما دارٌ صغيرةٌ، إذا قُسِمَتْ أصابَ كلٌّ منهما مَوضِعًا ضَيِّقًا لا يَنتَفِعُ به، ولو (٣) أمْكَنَ أنْ يَنتَفِعَ به في شَيءٍ غَيرِ الدَّار، أوْ لا يُمكِنُ أنْ ينتفع (٤) به دارًا؛ فلا إجْبارَ؛ لِأنَّه ضررٌ (٥) يَجرِي مَجرَى الإتْلافِ، بخِلافِ نُقْصانِ القِيمة، فإنَّ اعْتِبارَه يُؤَدِّي إلى بُطْلانِ القِسْمة غالِبًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُعتَبَرَ، ولِأنَّ ضَرَرَ نَقْصِ القِيمةِ يَنجَبِرُ بِزَوالِ ضَرَرِ الشَّرِكة، فيَصِيرُ كالمعْدُومِ. (فَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ؛ كَرَجُلَيْنِ؛ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآْخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ بِقِسْمَتِهَا (٦)، وَيَتَضَرَّرُ الآْخَرُ، فَطَلَبَ (٧) مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ؛ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ عَلَيْهِ)، اخْتارَه أبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرعاية» (٨) و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ فِيهِ إضاعةَ مالٍ، ولِأنَّها قِسْمَةٌ يَضُرُّ بها صاحِبَه، فلم يُجْبَرْ عَلَيْها؛ كما لو اسْتَضَرَّا معًا في

стр. 6457

الأصحِّ، قالَهُ في «الرِّعاية». (فَإِنْ (١) طَلَبَهُ الآْخَرُ؛ أُجْبِرَ الْأَوَّلُ)؛ لِأنَّ شريكَه مالِكٌ، طَلَبَ إفْرازَ نصيبه الَّذي لا يَسْتَضِرُّ بتَمْييزه، فَوَجَبَ إجابَتُه إلى ذلك. (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ طَلَبَهُ (٢) الْأَوَّلُ؛ أُجْبِرَ الآْخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ المَضْرُورُ؛ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ)، هذا روايةٌ عن أحمدَ، واخْتارَها جماعةٌ؛ كما لو كانا (٣) لا يَسْتَضِرَّانِ، ولِأنَّه يُطالِبُ بحقٍّ؛ كقَضاءِ الدَّين. والثَّالِثَةُ: أيُّهما طَلَبَ؛ لم يُجبَرِ الآخَرُ عَلَيهِ، وإنْ طَلَبَه المسْتَضِرُّ؛ أُجْبِرَ الآخَرُ، قدَّمه في «الشَّرح» وغَيره؛ لأنَّ (٤) ضَرَرَ الطَّالِبِ رضِيَ به مَنْ يَسقُطُ حُكْمُه، والآخَرُ لا ضَرَرَ عَلَيهِ، فصار (٥) كما لا ضَرَرَ فِيهِ. وذَكَرَ أصْحابُنا: أنَّ المذْهَبَ: أنَّه لا يُجبَرُ الممْتَنِعُ عن القسمة؛ «لِنَهْيِ النَّبيِّ ﷺ عن إضاعَةِ المالِ» (٦)، ولأن (٧) طَلَبَ القِسْمةِ مِنْ المسْتَضِرِّ سفه (٨). وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ قُلْنا: المانِعُ مِنْ الإجبار (٩) نَقْصُ القِيمة؛ أُجْبِرَ الممْتَنِعُ مُطلَقًا، وإلَّا فَلَا. فرعٌ: ما تَلاصَقَ مِنْ دُورٍ، وعَضائِدَ، ونَحوِها؛ اعْتُبِرَ الضَّرَرُ وعدَمُه في كلِّ

стр. 6458

عَينٍ وَحْدَها، نَقَلَ أبو طالِبٍ: يَأخُذُ مِنْ كلِّ مَوضِعٍ حَقَّه إذا كان خَيرًا له (١). (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ، أَوْ بَهَائِمُ، أَوْ ثِيَابٌ، وَنَحْوُهَا)، مِنْ جِنسٍ واحِدٍ، قالَه في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفُروع»، وفي «المغْنِي»: مِنْ نَوعٍ، (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا (٢) أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ؛ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ عَلَيْهِ)؛ أيْ: إذا كانَتْ مُتفاضِلَةً؛ لِأنَّ ذلك بَيعٌ، وكما لو اخْتَلَفَ الجِنْسُ، وإنْ لم يكُنْ ثَمَّ ضَرَرٌ ولا رَدُّ عِوَضٍ؛ فَذَكَرَ في «المستوعب»: أنَّه لا رِوايَةَ في ذلك عن أحمدَ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المنصوصُ إذا تَساوَت القِيمةُ (٣)، وفي «الرِّعاية»: هو أظْهَرُ وأشْهَرُ. وظاهره (٤): أنَّه لا يُجابُ إذا تفاوَتَتِ (٥) القِيمةُ. وقوَّى أبو الخَطَّاب: عَدَمَ الإجْبارِ؛ كما لا يُجبَرُ على قِسْمةِ الدُّورِ، بأنْ يَأخُذَ هذا دارًا؛ وكالأجناس، يُؤيِّدُه: أنَّ اخْتِلافَ الجِنْس لَيسَ بأكْثَرَ اخْتِلافًا من (٦) قِيمةِ الدَّار الكبيرةِ؛ لِأنَّها ذاتُ بُيوتٍ واسِعةٍ وَضَيِّقَةٍ، وقديمةٍ وحديثةٍ، وهذا الاِخْتِلافُ لا يَمنَعُ الإجْبارَ، كذلك الجِنْسُ الواحِدُ. وفارَقَ الدُّور، فإنَّه أمْكَنَ قِسْمةُ كلِّ دارٍ مِنْها على حِدَتِها، وهُنا لا يُمكِنُ. وفي «الشَّرح»: فإنْ كانَتِ الثِّيابُ أنْواعًا؛ كحَريرٍ وقُطْنٍ؛ فهي كالأجْناسِ. فرعٌ: الآجُرُّ، واللَّبِنُ المُتَسَاوِي القالَبِ؛ مِنْ قِسْمةِ الأجْزاءِ، والمُتَفاوِتُ مِنْ قِسْمةِ التَّعديلِ.

стр. 6459

(وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ؛ لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَةٍ)، صحَّحه في «المحرر»، وقدَّمه في «الرعاية»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ فيه ضررًا، (وَإِنِ (١) اسْتَهْدَمَ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَسْمِ عَرْصَتِهِ)، وهي الَّتي لا بِناءَ فيها؛ لِأنَّه مَوضِعٌ للحائط، أشْبَهَ الأوَّلَ. (وَقَاَل أَصْحَابُنَا: إِنْ طَلَبَ قَسْمَهُ طُولاً، بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ (٢) نِصْفُ الطُّولِ فِي كَمَالِ الْعَرْضِ؛ أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ)؛ لِأنَّه لا ضَرَرَ فِيهِ. وقِيلَ: لا يُجبَرُ؛ لِأنَّه يُفضِي إلى أنْ يَبقَى ملْكُه الَّذي يَلِي نصيبَ صاحِبِه بغَيرِ حائطٍ. (وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهُ عَرْضًا، وَكَانَتْ تَسَعُ حَائِطَيْنِ؛ أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ (٣)، قدَّمه في «الكافي»، وحكاه في «المحرَّر» و «الفروع» عن القاضي فقطْ؛ لِأنَّه ملْكٌ مُشْتَرَكٌ يُمكِنُ الاِنْتِفاعُ به مَقْسومًا. وقِيلَ: لا يُجبَرُ؛ لِأنَّه لا تدخله (٤) القُرْعةُ؛ خَوفًا مِنْ أنْ يَحصُلَ لكلِّ واحِدٍ منهما ما يَلِي ملْكَ الآخَرِ. وفي «الرِّعاية» و «الفروع»: ومع القِسمة؛ فقيل: لكلِّ واحدٍ ما (٥) يَلِيهِ، وقِيلَ: يُقرَعُ بَينَهما. (وَإِلَّا فَلَا)؛ أي (٦): إذا كان لا يَسَعُ ذلك على قَولهم؛ لِأنَّه يتضرَّر (٧) بذلك.

стр. 6460

وقال أبو الخَطَّاب: لا إجبار (١) في الحائط، بخِلافِ العَرْصة. وقِيلَ: لا إجْبارَ فيهما، إلَّا في قِسْمةِ العَرْصة طولاً (٢) في كَمالِ عَرْضِها. وإنْ رَضِيَا بشَيءٍ مِنْ ذلك؛ جازَ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ لَهَا عُلْو وَسُفْلٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا (٣)، لِأَحَدِهِمَا (٤) الْعُلْوُ وَلِلآْخَرِ السُّفْلُ)، أوْ قَسْمَ العُلْو وَحْدَه، أوْ بالعكس؛ فلا إجْبارَ؛ كدَارَينِ مُتَلاصِقَتَينِ؛ لِأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مَسْكَنٌ مُنفَرِدٌ، ولأنَّ (٥) في إحْدَى الصُّور قد يَحصُلُ لكلِّ واحِدٍ منهما عُلْوُ سُفْلِ (٦) الآخَر، فيَسْتَضِرُّ كلٌّ منهما، وفي أحدهما يَحصُلُ التَّمييزُ (٧)، والقِسْمةُ ترادُ (٨) له. ولو طَلَبَ أحدُهما قِسْمَتَها مَعًا، ولا ضَرَرَ؛ أُجْبِرَ الممْتَنِعُ، وعُدِّلَ بالقيمة، ولا يُحسَبُ فيها ذِراعُ سُفْلٍ بذراعي (٩) عُلْوٍ، ولا ذِراعٌ بذِراعٍ. (أَوْ (١٠) كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ؛ لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا (١١)، جَزَمَ به في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «المحرَّر» و «الفروع»؛ لِأنَّ قِسْمةَ المنافِع إنَّما تكون (١٢) بقِسْمةِ الزَّمان، والزَّمانُ إنَّما يُقسَمُ (١٣) بأنْ يَأخُذَ أحدُهما قَبْلَ

стр. 6461

الآخَرِ، وهذا لا تَسْوِيَةَ فِيهِ، فإنَّ الآخَرَ يتأخَّرُ حقُّه، فلا يُجبَرُ، ولِأنَّ الأصْلَ مُشاعٌ، والمنافِعَ تابِعةٌ له (١). وعَنْهُ: يُجبَرُ، واخْتارَه في «المحرَّر» في القِسْمة بالمكان ولا ضَرَرَ. (وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى قَسْمِهَا (٢) كَذَلِكَ)؛ أيْ: بزمَنٍ أوْ مَكانٍ؛ صحَّ، ويَقَعُ جائزًا، قدَّمه (٣) في «الرِّعاية» و «الفروع». واختار (٤) في «المحرَّر» و «الوجيز»: يَقَعُ لازِمًا إنْ تعاقدَا (٥) مُدَّةً مَعْلومَةً. وقِيلَ: لازِمًا بالمكان مطلَقًا. (وَعَلَى قَسْمِ المَنَافِعِ بِالمُهَايَأَةِ؛ جَازَ)؛ لِأنَّ الحقَّ لهما، فإذا رَضِيَا به؛ جازَ. فإن انْتَقَلَتْ كانْتِقالِ الوَقْف، فهل تَنتَقِلُ مَقْسومةً أوْ لا؟ فيه نَظَرٌ. فإنْ كانَتْ إلى مُدَّةٍ؛ لَزِمَت الورثةَ والمشْتَرِيَ، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، قال (٦): (وقد صرَّح الأصحابُ بأنَّ الوقْفَ لا تجوز (٧) قِسْمَتُه، إلاَّ إذا كان على جِهَتَينِ، فأمَّا إنْ كان على جهةٍ واحِدةٍ؛ فلا تُقسَمُ عَينُه قِسْمةً لازِمَةً اتِّفاقًا؛ لِتعلُّقِ حقِّ مَنْ يأتِي من البُطون، لكِنْ تَجوزُ المهايَأَةُ، وهي قِسْمةُ المنافع) (٨)، وهذا وَجْهٌ. وظاهِرُ كلامِ الأصْحابِ: لا فَرْقَ، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ.

стр. 6462

وفي «المبهج»: لُزُومُها إذا اقْتَسَمُوا بأنفسهم أوْ تهايَؤُوا. تَتِمَّةٌ: نَفَقَةُ الحَيَوان في مُدَّةِ كلٍّ منهما عَلَيهِ، وإنْ نَقَصَ الحادِثُ عن العادة؛ فلِلآْخَر الفَسْخُ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ ذَاتُ زَرْعٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا (١) دُونَ الزَّرْعِ؛ قُسِمَتْ)، جَزَمَ به الأصْحابُ؛ كالخالِيَة منه، ولِأنَّ الزَّرعَ في الأرض كالقُماش في الدَّار، وهو لا يَمْنَعُ القَسْمَ، كذا هُنا، وسَواءٌ خرج (٢) الزَّرعُ أوْ كان بَذْرًا، فإذا اقْتَسَماها؛ بَقِيَ الزَّرعُ بَينَهما مُشتَرَكًا، كما لو باعا الأرضَ لِغَيرهما، قال في «الكافي»: هكذا ذَكَرَ أصْحابُنا. والأَوْلى: أنَّه لا يَجِبُ؛ لِأنَّه يَلزَمُ منه بقاءُ الزَّرع المشْتَرَكِ في الأرض المقْسومَةِ إلى الجَذاذ، بخِلافِ القُماش. (وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا (٣) مَعَ (٤) الزَّرْعِ)؛ لم يُجبَرِ الآخَرُ، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»؛ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ على ما لا يُجبَرُ على قَسْمِه وحْدَه، وهو الزَّرعُ، ولِأنَّه مُودَعٌ فيها للنَّقْل عنها، فلم تَجِبْ قِسْمَتُه؛ كالقُماش فيها. وفي «المغْنِي» و «الكافي»: أنَّه يُجبَرُ في قَصِيلٍ وحبٍّ مُشْتَدٍّ؛ لِأنَّ الزَّرعَ كالشَّجَرِ في الأرض، والقِسْمةُ إفْرازُ حقٍّ، وإنْ قُلْنا: هي بَيعٌ؛ لم يُجبَرْ إذا اشْتَدَّ الحَبُّ؛ لِأنَّه يَتَضَمَّنُ بَيعَ السُّنبُل بعضِه ببعضٍ. وقِيلَ: بَلَى؛ لِأنَّه دَخَلَ تَبَعًا، وفي البَذْر وَجْهانِ.

стр. 6463

(أَوْ قَسْمَ (١) الزَّرْعِ مُفْرَدًا؛ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ)؛ لِأنَّ القِسْمةَ لا بُدَّ فيها من تعديلِ المقْسومِ، وتعديلُ الزَّرع بالسِّهام لا يُمكِنُ؛ لبقائه في الأرضِ المشْتَرَكةِ. (وَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ (٢)، وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ أَوْ قُطْنٌ؛ جَازَ)؛ كبَيعه، ولِأنَّ الحقَّ لهم، ولجَوازِ التَّفاضُلِ إِذَنْ. (وَإِنْ كَانَ بَذْرًا أَوْ سَنَابِلَ (٣) قَدِ اشْتَدَّ حَبُّهَا؛ فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ البَذْرَ (٤) مجهولٌ، وأمَّا السُّنبُلُ؛ فلِأنَّه بِيعَ بعضه (٥) ببعضٍ مع عدم (٦) العِلْم بالتَّساوِي. والثَّانِي: بَلَى إذا اقْتَسماهُ مع الأرض؛ لأنَّه (٧) يَدخُلُ تَبَعًا. وبَناهُ في «التَّرغيِب»: على أنَّها هَلْ هِيَ إفْرازٌ أوْ بيع؟ (٨) (وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِي السَّنَابِلِ) مع الأرض، (وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَذْرِ)؛ لِأنَّ الجَهالةَ في السُّنبُل أقَلُّ. (وَإِنْ كَان بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَنَاةٌ (٩)، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ (١٠) مَاؤُهَا؛ فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ)؛ لقوله ﷺ : «المسْلِمُونَ على

стр. 6464

شُروطِهم» (١)، والنَّفَقةُ لحاجةٍ بقَدْرِ سقيهما (٢)، فإنْ كان أحَدُهما أعْلَى؛ شارَكَ في الغَرامَة ما فَوقَه دُونَ ما تَحتَه. فإن (٣) احْتاجَ النَّهَرُ بَعْدَ الأسْفَل إصْلاحًا؛ كتصرُّف (٤) الماءِ؛ فَعَلَيهِما. (وَإِنِ (٥) اتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهِ بِالمُهَايَأَةِ (٦)؛ كيَومٍ لهذا ويَومٍ للآخَر؛ (جَازَ)؛ لِأنَّ الحقَّ لهما، وكالأعيان. (وَإِنْ (٧) أَرَادَا (٨) قَسْمَ ذلِكَ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ، أَوْ (٩) حَجَرٍ مُسْتَوٍ فِي (١٠) مَصْدَمِ (١١) الْمَاءِ فِيهِ (١٢) ثُقْبَانِ (١٣) عَلَى قَدْرِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ جَازَ)؛ لِأنَّ ذلك طريقٌ إلى التَّسْويَة بَينَهما؛ فجاز؛ كقَسمِ الأرضِ بالتَّعديل، ويُسمَّى المراز (١٤). (فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ (١٥) بِنَصِيبِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ)،

стр. 6465

الشِّرْب: بكَسْر الشِّين، وإسكان الراء (١)، وهو النَّصيبُ من الماء، (مِنْ هَذَا النَّهَرِ؛ جَازَ)؛ لِأنَّ الحقَّ له، وهو يَتصرَّفُ على حَسَبِ اخْتِياره، وكما لو لم يكُنْ شَريكًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَجُوزَ)، هذا وَجْهٌ؛ لِأنَّه إذا طال الزَّمانُ يُظَنُّ أنَّ لهذه الأرضِ حَقًّا في السَّقْيِ من النَّهر المشْتَرَك، ويَأخُذُ لذلك (٢) أكْثَرَ مِنْ حقِّه. فإنْ أراد أحدٌ أنْ يُجْرِيَ بعضَه في ساقِيَةٍ إلى أرْضِه قَبْلَ قِسْمَتِه (٣)؛ لم يَجُزْ، صرَّح به ابنُ حَمْدانَ. (وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِنَا: أَنَّ المَاءَ لَا يُمْلَكُ، وَيَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ (٤) مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ)، قاله (٥) أبو الخَطَّاب؛ لِأنَّه يكُونُ مِنْ المُباحات، والمُباح يَنتَفِعُ كلُّ واحِدٍ على قَدْرِ حاجَتِه.

стр. 6466

(فَصْلٌ) (النَّوْعُ الثَّانِي: قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ)؛ لِأنَّه يَلِي الأوَّلَ، وهو قِسْمةُ التَّراضِي، (وَهِيَ (١): مَا لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ؛ كَالْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ، وَالْقُرَى، وَالْبَسَاتِينِ، وَالدُّورِ الكِبَارِ (٢)، وَالدَّكَاكِينِ الْوَاسِعَةِ)، والمرادُ به: أحدُها، سَواءٌ كانَتْ مُتَساوِيَةَ الأجْزاء أوْ لا، إذا أمْكَنَ قَسْمُها بالتَّعديل، بأنْ لا يُجعَلَ شَيءٌ معها، فلهما قَسْمُ أرْضِ بُسْتانٍ وحدَها، وعكسه (٣)، والجميعُ، فإنْ قَسَما الجميعَ أو الأرضَ؛ فقسمة (٤) إجْبارٍ، ويَدخُلُ الشَّجَرُ تَبَعًا، وإنْ قَسَمَا الشَّجَرَ فقط؛ فتَراضٍ، ولِأنَّ جَوازَ قَسْمِ الأرض مع اختلافها (٥) يَدُلُّ على جَوازِ قَسْمِ ما لا يَختَلِفُ بطريقِ التَّنبيه (٦)، سَواءٌ قُلْنَا: القِسْمَةُ بَيعٌ أوْ إفْرازٌ. (وَالمَكِيلَاتِ (٧) وَالمَوْزُونَاتِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ)؛ لِأنَّ الغَرَضَ تمييزُ الحقِّ، وذلك لا يَختَلِفُ بالنِّسبة إلى ذلك، فإنْ كان فيها (٨) أنْواعٌ؛ كحِنْطةٍ وشَعِيرٍ وتمرٍ وزبيبٍ، فطَلَبَ أحدُهما قِسْمةَ كلِّ نَوعٍ على حِدَتِه؛ أُجْبِرَ الممْتَنِعُ. وإنْ طَلَبَ قَسْمَها أعْيانًا بالقِيمة؛ لم يُجبَرْ؛ لِأنَّ هذا بَيعُ نوعٍ (٩) بنوعٍ آخَرَ، ولَيسَ بقِسْمةٍ، فلم يُجبَرْ عَلَيهِ؛ كغَيرِ الشَّريك، فإنْ تَراضَيَا عَلَيهِ؛ جازَ، وكان

стр. 6467

بَيعًا، يُعتَبَرُ له التَّقابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّق فِيما يُعتَبَرُ فِيهِ التَّقابُضُ، وسائرُ شُروطِ البَيعِ. (سَوَاء كَانَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ؛ كَالدِّبْسِ وَخَلِّ التَّمْرِ، أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ؛ كَخَلِّ الْعِنَبِ، وَالْأَدْهَانِ، وَالْأَلْبَانِ)، ونحوِها؛ لمَا قُلْنا: من (١) أنَّ الغَرَضَ تمييزُ الحقِّ. (فَإِنْ (٢) طَلَبَ أَحَدُهُمَا) القَسْمَ (٣)، (وَأَبَى الآْخَرُ؛ أُجْبِرَ) الممْتَنِع، هو أوْ وَلِيُّه، وكذا (٤) حاكِمٌ في الأشْهَر، (عَلَيْهِ)؛ لِأنَّه يَتَضَمَّنُ إزالةَ الضَّرر الحاصِلِ بالشَّركة، وحُصولَ النَّفْع للشَّريكَينِ؛ لِأنَّ نصيبَ كلِّ واحِدٍ مِنهما إذا تميَّز؛ كان له أنْ يَتصَرَّفَ فِيهِ بحَسَبِ اخْتِيارِه، ويَتَمَكَّنَ مِنْ إحْداثِ الغِراس والبِناء، وذلك لا يُمكِنُ مع الاِشْتِراكِ. ويُشتَرَطُ له مع (٥) ما ذكره (٦) المؤلِّفُ: أنْ يثبتَ (٧) عِنْدَ الحاكِمِ أنَّه مِلْكُهُم ببيِّنةٍ؛ لِأنَّ في الإجْبارِ عَلَيها حُكْمًا على الممْتَنِع منهما، فلا (٨) يَثبُتُ إلَّا بما يثبتُ (٩) به (١٠) المِلْكُ لخَصْمه، بخِلافِ حالةِ الرِّضا، فإنَّه لا يُحكَمُ على أحدهما، ولم يَذكُرْه آخَرُونَ، وجَزَمَ به في «الرَّوضة»، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ

стр. 6468

الدِّين (١)؛ كبَيعِ مَرْهُونٍ وجانٍ. ونَقَلَ حَرْبٌ فِيمَنْ أقام بيِّنةً بسَهْمٍ مِنْ ضَيعةٍ بِيَدِ (٢) قَومٍ، فهَرَبُوا منه: يُقسَمُ عَلَيهم ويُدفَعُ إلَيهِ حقُّه (٣). قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (وإنْ لم يَثْبُتْ ملْكُ الغائب) (٤)، فدلَّ أنَّه يَجُوزُ ثُبوتُه، وأنَّه أَوْلَى. وفي «المحرَّر»: يَقسِمُ حاكِمٌ على غائبٍ قِسْمةَ إجبارٍ (٥). وفي «المبْهِج» و «المستوعب»: بل (٦) مع وكيله فيها الحاضِرِ، واخْتارَه في «الرِّعاية» في عَقارٍ بِيَدِ غائبٍ. (وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إِفْرَازُ) - يُقالُ: فَرَزْتُ الشَّيءَ، وأفْرَزْتُه: إذا عزلتَه (٧)، والإفْرازُ: مَصدَرُ أفْرَزَ - (حَقِّ أَحَدِهِمَا مِنَ الآْخَرِ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)، وقاله في «المحرَّر»، وصحَّحه في «المستوعب»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّها لا تَفتَقِرُ إلى لَفْظِ التَّمليك، ولا تجب (٨) فيها شُفْعةٌ، ويَلزَمُ بإخْراجِ القُرعة، ويتقدَّر (٩) أحدُ النَّصيبَينِ بمُقدَّرٍ، ويَدخُلُها الإجْبارُ. (وَلَيْسَتْ بَيْعًا)؛ لِأنَّها تُخالِفُه في الأحكام والأسباب، فلم تكن (١٠) بَيعًا؛

стр. 6469

كسائر العُقود. (فَيَجُوزُ (١) قِسْمَةُ (٢) الْوَقْفِ)؛ أيْ: تصحُّ (٣) بلا ردٍّ مِنْ أحدهما. (وَإِنْ (٤) كَانَ نِصْفُ الْعَقَارِ طِلْقًا)، الطِّلْقُ بكَسْرِ الطَّاء: الحَلالُ، وسُمِّيَ المملوكُ طِلْقًا؛ لِأنَّ جميعَ التَّصرُّفات فيه حَلالٌ، والموقوفُ لَيسَ كذلك، (وَنِصْفُهُ وَقْفًا؛ جَازَتْ قِسْمَتُهُ) إن (٥) طَلَبَها صاحِبُ الطِّلْق، فإنْ كان فيها ردُّ عِوَضٍ، وفَعَلَا ذلك في وَقْفٍ؛ لم (٦) يَجُزْ؛ لِأنَّ بَيعَه غَيرُ جائزٍ، وإنْ كان مِنْ أهلِ الوقْف؛ جَازَ؛ لِأنَّهم يَشْتَرونَ بعضَ الطِّلْق، ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحابِ. (وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا)؛ أي: الَّتي تُخرَصُ، (وَقِسْمَةُ ماَ يُكَالُ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ كَيْلاً)؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّمييزُ، زاد فِيهِما في «التَّرغيب»: على الأصحِّ. فرعٌ: يَجُوزُ قَسْمُ لحمٍ (٧) رَطْبٍ بمِثْله، ولحمِ (٨) هَدْيٍ وأَضاحٍ، ولا (٩) يَجُوزُ بَيعُه. (وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ)؛ لِأنَّ التَّفرُّقَ إنَّما مُنِع (١٠) منه في البَيع.

стр. 6470

(وَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَقَسَمَ؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ ذلك لَيسَ بِبَيعٍ. (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي (١) عَبْدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْبَيْعِ)؛ لِأنَّه يَبذُلُ نصيبَه مِنْ أحَدِ السَّهْمَين (٢) بنصيبِ صاحبه من السَّهم الآخَر، وهذا حقيقةُ البَيعِ، (فَلَا (٣) يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ)، فلا تجوز (٤) قِسْمَةُ مَا كُلُّهُ وَقْفٌ أَوْ بَعْضُهُ. وفي «المحرَّر» عَلَيهما: إنْ كان (٥) الرَّدُّ مِنْ رَبِّ وَقْفٍ لِرَبِّ الطِّلق (٦)؛ جازتْ قِسْمَتُه بالتَّراضِي في الأصحِّ. وفي «التَّرغيب» عَلَيهما: ما كُلُّه وقْفٌ لا تصحُّ (٧) قِسْمَتُه في الأصحِّ. ولا شُفْعةَ مُطلَقًا بجَهالةِ ثَمَنٍ، ويُفسَخُ (٨) بعَيبٍ. وقِيلَ: تَبطُلُ؛ لفَوت التَّعديل. وإنْ بانَ غَبْنٌ فاحشٌ (٩)؛ لم يَصِحَّ. وعلى الثَّاني: كبِيعٍ. ويَصِحُّ بقَوله: رَضِيتُ، بدونِ لَفْظ القِسمة، وفيه على الثَّاني في «التَّرغيب» وجْهانِ. مُلحَقٌ: قال القاضي في «الخلاف»، وابنُ الزَّاغُونيِّ في «الواضح»: ويَثبُتُ في القِسْمة الخِياران على المذهبين (١٠) جميعًا؛ لِأنَّ وَضْعَهما للنَّظر،

стр. 6471

وهذا يُحتاجُ إلَيهِ هُنا. وفي «النِّهاية»: القسمةُ (١) إفْرازُ حقٍّ على الصَّحيح، فلا يَدخُلُها خِيارُ المجلس، وإنْ كان فيها رَدٌّ؛ احْتَمَلَ أنْ يَدخُلَها خِيارُ المجْلِس. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ بَعْضُهَا يُسْقَى سَيْحًا، وَبَعْضُهَا بَعْلاً، وَفِي (٢) بَعْضِهَا نَخْلٌ، وَفِي بَعْضِهَا شَجَرٌ، فَطَلَبَ (٣) أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ (٤) كُلِّ عَيْنٍ (٥) عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ الآْخَرُ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ؛ قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ (٦) إِذَا أَمْكَنَ)؛ لِأنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْديل؛ لِأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما حقًّا في الجميع، ولِأنَّ الحامل (٧) على القِسْمة زَوالُ الشَّركة، وهو حاصِلٌ فيما ذُكِرَ، وحِينَئذٍ فتتعيَّن (٨) إجابةُ طالِبِه؛ لِأنَّ ضَرَرَ صاحبِه يَزُولُ بإجابته، وإذا لم يُمكن (٩) قِسْمَةُ (١٠) كلِّ عَينٍ على حِدَةٍ؛ قُسِمَ الجميعُ إنْ كان قابِلاً لها، وإلَّا فَلَا.

стр. 6472

(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ) أنْ يَتقاسَمُوا بأنفسهم، و (أَنْ يَنْصِبُوا قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ لِأنَّ الحقَّ لهم لا يَعدُوهم، (وَأَنْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَ (١) قَاسِمٍ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ)؛ لِأنَّ طَلَبَ ذلك حقٌّ لهم، فجاز أنْ يَسأَلُوا الحاكِمَ؛ كغَيرِه من الحُقوق. (وَمِنْ شَرْطِ مَنْ يُنْصَبُ: أَنْ يَكُونَ عَدْلاً، عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ)، مع إسلامه وإنْ كان عَبدًا، وفي «المغْنِي»: عارِفًا بالحساب؛ لِأنَّه كالخطِّ للكاتِب. وفي «الكافي»: إنْ كان مِنْ جِهَةِ الحاكم؛ اشْتُرِطَتْ عَدالتُه، وإنْ كان مِنْ جِهَتِهم؛ لم تشترط (٢)، إلَّا أنَّه إنْ كان عَدْلاً؛ كان كقاسِم الحاكم في لُزومِ قِسْمَتِه، وإنْ لم يكُنْ عَدْلاً؛ لم تَلزَمْ قسمتُه (٣) إلَّا بتراضيهما؛ كما لو اقْتَسَمُوا بأنفسهم. وتباح (٤) أُجْرَتُه. وعَنْهُ: هي كقربةٍ (٥)، نَقَلَ صالِحٌ: أكرهه (٦)، قال ابنُ عُيَيْنةَ: لا يَأخُذُ على شَيءٍ مِنْ الخَير أجرًا. وهي على قَدْرِ الأمْلاكِ، نَصَّ عَلَيهِ (٧).

стр. 6473

وفي «الترغيب»: إذا أطْلَقَ الشُّركاءُ العقدَ (١)، وأنَّه لا يَتقرَّرُ (٢) واحِدٌ بالاِسْتِئْجار بلا إذْنٍ. وقِيلَ: بعَدَدِ المُلاَّك (٣). وفي «الكافي»: على ما شَرَطَا. فعلى النصِّ: أُجْرَةُ شاهِدٍ يخرجُ (٤) لقَسْمِ (٥) البلاد، ووكيلٍ، وأمينٍ للحفظ: على مالِكٍ، وفلاَّحٍ كأمْلاكٍ، ذكره (٦) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٧). (فَمَتَى عُدِّلَتِ السِّهَامُ، وَأُخْرِجَتِ الْقُرْعَةُ؛ لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ)؛ أيْ: قِسْمةُ الإجْبار؛ لِأنَّ القاسِمَ كالحاكم، وقُرعَتُه كالحكم، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، قدَّمه في «المستوعب» و «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، بدليلِ: أنَّه (٩) يَجتَهِدُ في تعديلِ السِّهام؛ كاجْتِهادِ الحاكم في طلبِ الحقِّ، فَوَجَبَ أنْ تلزم (١٠) قُرعتُه، وقِسْمةُ التَّراضِي إذا لم يكُنْ فيها ردُّ عِوَضٍ؛ فتلزم (١١)، كما إذا كان فيها ردُّ عِوَضٍ على المذهب (١٢).

стр. 6474

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَلْزَمَ فيما (١) فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ حَتَّى يَتَرَاضَيَا (٢) بِذَلِكَ) بَعْدَ القُرعة، سَواءٌ قَسَمَها الحاكِمُ، أوْ قاسمه (٣)، أوْ قاسَمَهم؛ لِأنَّ رِضاهما مُعتَبَرٌ في الأوَّل، ولم يُوجَدْ ما يُزيلُه، فَوَجَبَ اسْتِمْرارُه، ولِأنَّها بَيعٌ، فلا يَلزَمُ بِغَيرِ التَّراضِي؛ كسائرِ البُيوعِ. وقِيلَ: بالرضا (٤) بعدَها مُطلَقًا. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: بالرِّضا بعدَها إن اقتسماه (٥) بأنفسهما. وإنْ تَراضَيَا على أنْ يَأخُذَ كلُّ واحدٍ منهما سهمًا بغَيرِ قُرعةٍ، أوْ خيَّر (٦) أحدُهما صاحِبَه، فاخْتارَ أحدَ القِسْمَينِ؛ جاز، ويَلزَمُ بتراضِيهما وتفرُّقهما كالبيع، ذكره (٧) جماعةٌ. (وَإِذَا (٨) كَانَ فِي الْقِسْمةِ تَقْوِيمٌ؛ لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ)، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّها شهادةٌ بالقِيمة، فلم يُقبَلْ فيه أقلُّ من اثْنَينِ؛ كسائرِ الشَّهادات. وقِيلَ: يَكْفِي فيه واحِدٌ. (وَإِنْ خَلَتْ مِنْ تَقْوِيمٍ؛ أَجْزَأَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ)؛ لِأنَّ القاسِمَ مُجتَهِدٌ في التّقويم، وهو يَعمَلُ باجْتِهاده، أشْبَهَ الحاكِمَ، وفي «الكافي»: لِأنَّه حَكَمَ

стр. 6475

بَينَهما، فأشْبَهَ الحاكِمَ. (وَإِذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ (١) عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ؛ قَسَمَهُ) لِأنَّ اليدَ (٢) دليلُ الملك، ولا مُنازِعَ لهم، فثَبَتَ لهم من طريقِ الظَّاهِر، فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ ثُبوتَ الملك في القِسْمة، (وَذَكَرَ) الحاكِمُ القاسِمُ (فِي كِتابِ الْقِسْمةِ: أَنَّ قَسْمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ)؛ لِئلَّا يَتَوَهَّمَ الحاكِمُ بعدَه أنَّ القِسْمةَ وَقَعَتْ بعدَ ثُبوتِ ملكِهم، فيُؤدِّيَ ذلك إلى ضَرَرِ مَنْ يَدَّعِي في العَين حَقًّا، وقد سَبَقَ. (وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِسْمَةِ (٣)؛ لَمْ يَقْسِمْهُ) حتَّى يَثبُتَ عِندَه أنَّه ملكُهم؛ لِأنَّ الإشاعةَ حقٌّ لكلِّ واحِدٍ منهم، فإذا لم يرضَ (٤) بعضُهم، ولم يَثبُتْ ما يُوجِبُ القِسْمةَ؛ لم يَجُزِ (٥) التَّصرُّفُ في حقِّه بغَيرِ رِضاهُ. وفي «الرعاية» (٦): إنْ كان بَينَ شَريكَينِ مُهايَأَةٌ لازِمةٌ، فطَلَبَ أحدُهما القِسْمةَ؛ بَطَلَت المهايَأَةُ.

стр. 6476

(فَصْلٌ) (وَيُعْدِّلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ)؛ لِأنَّ ضدَّ ذلك جَورٌ، وهو غَيرُ جائزٍ إجْماعًا، (بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً)؛ كأرضٍ قِيمةُ جميعِ أجْزائها مُتَساوِيَةٌ، فهذه تُعدَّلُ سِهامُها بالأجزاء؛ لِأنَّه يَلزَمُ من التَّساوِي بالأجزاء التَّساوِي بالقيمة. (وَبِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً (١)؛ كأرضٍ أحدُ جَوانِبِها يُساوِي مِثْلَي (٢) الآخر، فهذه يعدَّل (٣) فيها بالقيمة؛ لأنَّه (٤) لمَّا تَعذَّرَ التَّعديلُ بالأجزاء؛ لم يَبقَ إلاَّ التَّعديلُ بالقيمة، ضرورةَ أنَّ قِسْمةَ الإجْبار لا تَخْلُو مِنْ أحدهما، وهذا مع اتِّفاقِ السِّهامِ واختلافِها. (وَبِالرَّدِّ (٥) إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ)؛ كأرضٍ قِيمَتُها مِائَةٌ، فِيها شَجَر أوْ بِئرٌ يُساوِي مِائَتَينِ، فإذا جُعِلَت الأرضُ بَينَهما؛ كانت الثُّلثَ، ودَعَت الضَّرورةُ إلى أنْ تُجعل (٦) مع الأرض خمسون دِرْهمًا، يَرُدُّها مَنْ خَرَجَتْ له الشَّجرُ أو البئرُ على مَنْ خَرَجَتْ له الأرضُ؛ لِيكونا نِصفَينِ مُتساوِيَينِ. (ثُمَّ (٧) يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ)؛ لإزالةِ (٨) الإبْهام الحاصِلِ؛ قِياسًا لبعضِ مَوارِدِ الشَّرع على بعضٍ، (فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ (٩)؛ صَارَ لَهُ)؛ لِأنَّ هذا شَأْنُ القُرْعةِ.

стр. 6477

(وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ (١) جَازَ)؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّمييزُ، وذلك حاصِلٌ، فَعَلَى هذا: يَجُوزُ أنْ يُقرِعَ بَينَهم بخَواتِمَ، وحصًى (٢)، وغَيرِ ذلك. (إِلَّا أَنَّ الْأَحْوَطَ: أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي رُقْعَةٍ)؛ لِأنَّه طريقٌ إلى (٣) التَّمييز، (ثُمَّ يُدْرِجَهَا فِي بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ)؛ لِأنَّه لا يُعلَمُ بَعضُها مِنْ بعضٍ، (وَيَطْرَحَ (٤) فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ)؛ لِأنَّه أنْفَى للتُّهمة، (وَيُقَالَ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ)؛ لِيُعْلَمَ مَنْ له ذلك، (فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ؛ كَانَ لَهُ)؛ لِأنَّ اسْمَه خَرَجَ عَلَيهِ، ويُميِّزُ سَهْمَه به. (ثُمَّ الثَّانِي كَذَلِكَ)؛ أيْ: كالأوَّل من القول؛ لِأنَّه كالأوَّل معنًى، فيجب (٥) أنْ يكونَ كذلك حُكْمًا. (وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَسِهَامُهُمْ مُتَسَاوِيَةً (٦)؛ لِأنَّ السَّهمَ الثَّالِثَ تعيَّن (٧) له؛ لِزوالِ الإبهام. وذَكَرَ أبو بكرٍ: أنَّ البَنادِقَ تُجعلُ (٨) طِينًا، وتُطرحُ (٩) في ماءٍ، فأيُّ البَنادِق أنحلَّ (١٠) عنها الطِّينُ، وخَرَجَتْ رُقعتُها (١١) على أعْلَى الماء؛ فهي له،

стр. 6478

وكذا (١) الثَّاني والثَّالثُ وما بَعْدَه، فإنْ خَرَجَ اثْنانِ مَعًا؛ أُعِيدَت القُرعةُ. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ أَوْلَى وأسْهَلُ، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ (٢) فِي رُقْعَةٍ، وَقَالَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ فُلَانٍ، وَأَخْرِجْ الثَّانِيَةَ بِاسْمِ الثَّانِي، وَالثَّالِثَةَ لِلثَّالِثِ؛ جَازَ)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» (٣)؛ لِأنَّ الغَرَضَ يَحصُلُ بذلك. وذَكَرَ في «الكافي» و «المستوعب»: أنَّه يُخيَّرُ بَينَه وبَينَ الَّذي قَبْلَه. (وَإِنْ كَانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً؛ كَثَلَاثَةٍ: لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وِلِلآْخَرِ الثُّلُثُ، وَلِلآْخَرِ السُّدُسُ؛ فَإِنَّهُ يُجَزِّئُهَا سِتَّةَ أَجْزَاءٍ)؛ لِأنَّ السِّهامَ مُختَلِفَةٌ، فلم يكُنْ بدٌّ مِنْ تَجزِئَتِها بحَسَبِ أقلِّ الشُّركاء نصيبًا، وهو السُّدس، وعلى هذا فَقِسْ. فلو كانت الأرضُ بَينَ ثلاثةٍ، لأِحدهم النِّصفُ، وللآخَر الرُّبعُ، وللآخَرِ الثُّمن؛ فأجْزاؤها ثمانيةُ أجزاء (٤). (وَيُخْرِجُ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ)؛ أيْ: لا يَجُوزُ إلَّا هذا؛ لِئَلَّا يَخرُجَ السَّهمُ الرابع (٥) لصاحِبِ النِّصف، فيَقولَ: آخُذُه وسَهْمَينِ (٦) قبلَه، ويَقولَ صاحِباهُ: يأخذه (٧) وسَهْمَينِ بعدَه، فيَختَلِفونَ، ولِأنَّه لو خَرَجَ لصاحِبِ السُّدس السَّهمُ الثَّاني، ثُمَّ خَرَجَ لصاحِبِ النِّصف السَّهمُ الأوَّلُ؛ لَتَفَرَّقَ نصيبُه.

стр. 6479

(فَيَكْتُبُ بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ (١) ثَلَاثًا)؛ أيْ: ثلاثَ رِقاعٍ، (وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثِنْتَيْنِ)؛ أيْ: رُقْعَتَينِ، (وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةً)، كذا ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحاب؛ لِأنَّ الكِتابةَ بحَسَبِ التَّجزئة. وقدَّم في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه (٢) يَكتُبُ باسْمِ كلِّ واحِدٍ رُقعةً؛ لِحُصولِ المقْصود، ثمَّ (٣) ذكرا (٤) هذا قَولاً، وقالا: هذا لا فائدةَ فيه، فإنَّ المقصودَ خُروجُ اسْمِ صاحِبِ النِّصف، وإذا كَتَبَ ثلاثًا؛ حَصَلَ المقصودُ فأغْنَى. (وَيُخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ)؛ لِيُعلَمَ لمَن هو، (فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ؛ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ)؛ ليجتمعَ (٥) له حقُّه، ولا يَتضَرَّرَ بتَفرِقَتِه. (وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ؛ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ)؛ لمَا تَقدَّمَ، (ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الآْخَرَيْنِ)؛ لِأنَّ الإبهامَ بالنِّسبة إليهما (٦) باقٍ، (وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ). واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لا قُرعةَ في مَكِيلٍ ومَوزُونٍ إلَّا لِلاِبْتداء، فإنْ خَرَجَتْ لِرَبِّ الأكْثَرِ؛ أخَذَ كلٌّ حقَّه، فإنْ تعذر (٧) سَبَبُ اسْتِحْقاقه؛ تَوَجَّهَ وجهان (٨). فرعٌ: إذا كان بَينَهما دارانِ، أوْ خانانِ، أوْ أكْثَرُ، فطَلَبَ أحدُهما أنْ يُجمَعَ

стр. 6480

نصيبُه في إحدى (١) الدَّارَينِ، أوْ أحَدِ الخانين (٢)، ويُجعَلَ الباقِي نصيبًا للآخَرِ؛ لم يُجبَرِ الآخَرُ، وهو قَولُ الشافعي (٣). وقال أبو يوسفَ ومحمَّد: يُجبَرُ إذا رأى الحاكِمُ ذلك (٤)، سَواءٌ تَقارَبَتَا أوْ تفرقتا (٥)؛ لِأنَّه أنْفَعُ وأعْدَلُ. وقال مالِكٌ: إنْ كانا مُتجاوِرَتين (٦)؛ أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ؛ لِأنَّ المتجاوِرَتينِ (٧) تَتقارَبُ (٨) مَنفَعَتُهما، بخِلافِ المتباعِدَتَينِ (٩). وقال أبو حَنِيفةَ: إنْ كانَتْ إحداهما حُجْرة الأخرى (١٠)؛ أُجْبِرَ، وإلَّا فلا؛ لِأنَّهما يَجرِيانِ مَجْرَى الدَّارِ الواحِدةِ (١١). وجَوابُه: أنَّه نَقَل (١٢) حَقَّه مِنْ عَينٍ إلى عَينٍ أخرى، فلم يجبَرْ عَلَيهِ؛ كالمتفرِّقَتينِ. والحُكْمُ في الدَّكاكِينِ كالدُّورِ، قاله (١٣) في «الشَّرح».
следующие страницы →