← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

(فَصْلٌ) (وَيُعْدِّلُ الْقَاسِمُ السِّهَامَ)؛ لِأنَّ ضدَّ ذلك جَورٌ، وهو غَيرُ جائزٍ إجْماعًا، (بِالْأَجْزَاءِ إِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً)؛ كأرضٍ قِيمةُ جميعِ أجْزائها مُتَساوِيَةٌ، فهذه تُعدَّلُ سِهامُها بالأجزاء؛ لِأنَّه يَلزَمُ من التَّساوِي بالأجزاء التَّساوِي بالقيمة. (وَبِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً (١)؛ كأرضٍ أحدُ جَوانِبِها يُساوِي مِثْلَي (٢) الآخر، فهذه يعدَّل (٣) فيها بالقيمة؛ لأنَّه (٤) لمَّا تَعذَّرَ التَّعديلُ بالأجزاء؛ لم يَبقَ إلاَّ التَّعديلُ بالقيمة، ضرورةَ أنَّ قِسْمةَ الإجْبار لا تَخْلُو مِنْ أحدهما، وهذا مع اتِّفاقِ السِّهامِ واختلافِها. (وَبِالرَّدِّ (٥) إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ)؛ كأرضٍ قِيمَتُها مِائَةٌ، فِيها شَجَر أوْ بِئرٌ يُساوِي مِائَتَينِ، فإذا جُعِلَت الأرضُ بَينَهما؛ كانت الثُّلثَ، ودَعَت الضَّرورةُ إلى أنْ تُجعل (٦) مع الأرض خمسون دِرْهمًا، يَرُدُّها مَنْ خَرَجَتْ له الشَّجرُ أو البئرُ على مَنْ خَرَجَتْ له الأرضُ؛ لِيكونا نِصفَينِ مُتساوِيَينِ. (ثُمَّ (٧) يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ)؛ لإزالةِ (٨) الإبْهام الحاصِلِ؛ قِياسًا لبعضِ مَوارِدِ الشَّرع على بعضٍ، (فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ (٩)؛ صَارَ لَهُ)؛ لِأنَّ هذا شَأْنُ القُرْعةِ.

стр. 6477

(وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ (١) جَازَ)؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّمييزُ، وذلك حاصِلٌ، فَعَلَى هذا: يَجُوزُ أنْ يُقرِعَ بَينَهم بخَواتِمَ، وحصًى (٢)، وغَيرِ ذلك. (إِلَّا أَنَّ الْأَحْوَطَ: أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي رُقْعَةٍ)؛ لِأنَّه طريقٌ إلى (٣) التَّمييز، (ثُمَّ يُدْرِجَهَا فِي بَنَادِقِ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ)؛ لِأنَّه لا يُعلَمُ بَعضُها مِنْ بعضٍ، (وَيَطْرَحَ (٤) فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ)؛ لِأنَّه أنْفَى للتُّهمة، (وَيُقَالَ لَهُ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ)؛ لِيُعْلَمَ مَنْ له ذلك، (فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ؛ كَانَ لَهُ)؛ لِأنَّ اسْمَه خَرَجَ عَلَيهِ، ويُميِّزُ سَهْمَه به. (ثُمَّ الثَّانِي كَذَلِكَ)؛ أيْ: كالأوَّل من القول؛ لِأنَّه كالأوَّل معنًى، فيجب (٥) أنْ يكونَ كذلك حُكْمًا. (وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً وَسِهَامُهُمْ مُتَسَاوِيَةً (٦)؛ لِأنَّ السَّهمَ الثَّالِثَ تعيَّن (٧) له؛ لِزوالِ الإبهام. وذَكَرَ أبو بكرٍ: أنَّ البَنادِقَ تُجعلُ (٨) طِينًا، وتُطرحُ (٩) في ماءٍ، فأيُّ البَنادِق أنحلَّ (١٠) عنها الطِّينُ، وخَرَجَتْ رُقعتُها (١١) على أعْلَى الماء؛ فهي له،

стр. 6478

وكذا (١) الثَّاني والثَّالثُ وما بَعْدَه، فإنْ خَرَجَ اثْنانِ مَعًا؛ أُعِيدَت القُرعةُ. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ أَوْلَى وأسْهَلُ، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِنْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ (٢) فِي رُقْعَةٍ، وَقَالَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ فُلَانٍ، وَأَخْرِجْ الثَّانِيَةَ بِاسْمِ الثَّانِي، وَالثَّالِثَةَ لِلثَّالِثِ؛ جَازَ)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» (٣)؛ لِأنَّ الغَرَضَ يَحصُلُ بذلك. وذَكَرَ في «الكافي» و «المستوعب»: أنَّه يُخيَّرُ بَينَه وبَينَ الَّذي قَبْلَه. (وَإِنْ كَانَتِ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً؛ كَثَلَاثَةٍ: لِأَحَدِهِمُ النِّصْفُ، وِلِلآْخَرِ الثُّلُثُ، وَلِلآْخَرِ السُّدُسُ؛ فَإِنَّهُ يُجَزِّئُهَا سِتَّةَ أَجْزَاءٍ)؛ لِأنَّ السِّهامَ مُختَلِفَةٌ، فلم يكُنْ بدٌّ مِنْ تَجزِئَتِها بحَسَبِ أقلِّ الشُّركاء نصيبًا، وهو السُّدس، وعلى هذا فَقِسْ. فلو كانت الأرضُ بَينَ ثلاثةٍ، لأِحدهم النِّصفُ، وللآخَر الرُّبعُ، وللآخَرِ الثُّمن؛ فأجْزاؤها ثمانيةُ أجزاء (٤). (وَيُخْرِجُ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ)؛ أيْ: لا يَجُوزُ إلَّا هذا؛ لِئَلَّا يَخرُجَ السَّهمُ الرابع (٥) لصاحِبِ النِّصف، فيَقولَ: آخُذُه وسَهْمَينِ (٦) قبلَه، ويَقولَ صاحِباهُ: يأخذه (٧) وسَهْمَينِ بعدَه، فيَختَلِفونَ، ولِأنَّه لو خَرَجَ لصاحِبِ السُّدس السَّهمُ الثَّاني، ثُمَّ خَرَجَ لصاحِبِ النِّصف السَّهمُ الأوَّلُ؛ لَتَفَرَّقَ نصيبُه.

стр. 6479

(فَيَكْتُبُ بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ (١) ثَلَاثًا)؛ أيْ: ثلاثَ رِقاعٍ، (وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثِنْتَيْنِ)؛ أيْ: رُقْعَتَينِ، (وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةً)، كذا ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحاب؛ لِأنَّ الكِتابةَ بحَسَبِ التَّجزئة. وقدَّم في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه (٢) يَكتُبُ باسْمِ كلِّ واحِدٍ رُقعةً؛ لِحُصولِ المقْصود، ثمَّ (٣) ذكرا (٤) هذا قَولاً، وقالا: هذا لا فائدةَ فيه، فإنَّ المقصودَ خُروجُ اسْمِ صاحِبِ النِّصف، وإذا كَتَبَ ثلاثًا؛ حَصَلَ المقصودُ فأغْنَى. (وَيُخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ)؛ لِيُعلَمَ لمَن هو، (فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ؛ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ)؛ ليجتمعَ (٥) له حقُّه، ولا يَتضَرَّرَ بتَفرِقَتِه. (وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ؛ أَخَذَهُ وَالثَّانِيَ)؛ لمَا تَقدَّمَ، (ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الآْخَرَيْنِ)؛ لِأنَّ الإبهامَ بالنِّسبة إليهما (٦) باقٍ، (وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ). واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لا قُرعةَ في مَكِيلٍ ومَوزُونٍ إلَّا لِلاِبْتداء، فإنْ خَرَجَتْ لِرَبِّ الأكْثَرِ؛ أخَذَ كلٌّ حقَّه، فإنْ تعذر (٧) سَبَبُ اسْتِحْقاقه؛ تَوَجَّهَ وجهان (٨). فرعٌ: إذا كان بَينَهما دارانِ، أوْ خانانِ، أوْ أكْثَرُ، فطَلَبَ أحدُهما أنْ يُجمَعَ

стр. 6480

نصيبُه في إحدى (١) الدَّارَينِ، أوْ أحَدِ الخانين (٢)، ويُجعَلَ الباقِي نصيبًا للآخَرِ؛ لم يُجبَرِ الآخَرُ، وهو قَولُ الشافعي (٣). وقال أبو يوسفَ ومحمَّد: يُجبَرُ إذا رأى الحاكِمُ ذلك (٤)، سَواءٌ تَقارَبَتَا أوْ تفرقتا (٥)؛ لِأنَّه أنْفَعُ وأعْدَلُ. وقال مالِكٌ: إنْ كانا مُتجاوِرَتين (٦)؛ أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ؛ لِأنَّ المتجاوِرَتينِ (٧) تَتقارَبُ (٨) مَنفَعَتُهما، بخِلافِ المتباعِدَتَينِ (٩). وقال أبو حَنِيفةَ: إنْ كانَتْ إحداهما حُجْرة الأخرى (١٠)؛ أُجْبِرَ، وإلَّا فلا؛ لِأنَّهما يَجرِيانِ مَجْرَى الدَّارِ الواحِدةِ (١١). وجَوابُه: أنَّه نَقَل (١٢) حَقَّه مِنْ عَينٍ إلى عَينٍ أخرى، فلم يجبَرْ عَلَيهِ؛ كالمتفرِّقَتينِ. والحُكْمُ في الدَّكاكِينِ كالدُّورِ، قاله (١٣) في «الشَّرح».

стр. 6481

(فَصْلٌ) (فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدُوا عَلَى تَرَاضِيهِمْ بِهِ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لِأنَّه قد رَضِيَ بذلك، ورِضاهُ بالزِّيادة في نصيبِ شريكه يَلزَمُه. وصحَّح المؤلِّفُ: أنَّه يُقبَلُ ببيِّنةٍ عادِلةٍ؛ لِأنَّ ما ادَّعاه محتَمِلٌ، فتُنقَضُ القِسْمةُ، أشْبَهَ ما لو شهد (١) عَلَيهِ بقَبْضِ ثَمَنٍ أوْ مُسْلَمٍ فيه، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا في كَيله أوْ وَزْنه، وقَولُهم: إنَّ حقَّه في الزيادة (٢) سَقَطَ برِضاهُ؛ ممنوعٌ، فإنَّه إنَّما يَسقُطُ إذا علمه (٣). وفي «الرِّعاية»: أنَّه لا يُقبَلُ وإنْ أقام بيِّنةً (٤)، إلَّا أنْ يكونَ مُستَرْسِلاً مَغْبونًا بما يُسامَحُ به عادةً، أو الثُّلث أو السُّدس على الخلاف. (وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ؛ فَعَلَى المُدَّعِي الْبَيِّنَةُ)؛ لقوله ﵇: «فَعَلَى المُدَّعِي البَيِّنةُ» (٥)، (وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لقوله ﵇: «واليمينُ على مَنْ أنْكَرَ» (٦)، ولِأنَّ الظَّاهِرَ الصِّحَّةُ وأداءُ الأمانة، ولا يَحلِفُ القاسِمُ. (وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُهُمُ الَّذِي نَصَبُوهُ، وَكَانَ فِيمَا اعْتَبَرْنَا فِيهِ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ؛ لَمْ تُسْمَعْ (٧) دَعْوَاهُ)؛ لِأنَّه رَضِيَ بالقِسْمة، (وَإِلَّا فَهُوَ كَقَاسِمِ

стр. 6482

الْحَاكِمِ)؛ لِأنَّه بمَنزِلَتِه، وكذا في «المستوعب» و «المحرَّر» و «الوجيز». وقِيلَ: إنْ قُلْنا: القِسْمةُ بَيعٌ، أوْ كانَتْ مع ردٍّ؛ لم (١) تُسمَعْ دَعْوَى الغلط (٢)، وإنْ قُلْنا: إفْرازٌ؛ سُمِعَتْ. فرعٌ: تُقبَلُ شهادةُ القاسِمِ: أنَّ زَيدًا أخَذَ حقَّه، وإنْ كان (٣) بجُعْلٍ فلا، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية». (وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا (٤) شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَطَلَتْ (٥)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»؛ لِأنَّه تبيَّنَ أنَّ أحدَ المتقاسِمَينِ لم يأخُذْ حقَّه، وكما لو فَعَلَا ذلك مع عِلْمِهما بالحال، وإنْ كان المستَحَقُّ من الحِصَّتَينِ على السَّواء؛ لم تَبطُلْ فيما بَقِيَ على الأَشْهَر؛ لِأنَّ الباقِيَ مع كلِّ واحِدٍ قَدْرُ حقِّه، إلَّا أنْ يكونَ ضَرَرُ المسْتَحَقِّ في نصيبِ أحدهما أكثرَ؛ كسدِّ طريقه، أوْ مَجْرَى مائه، أوْ ضَوئه، ونحوِه، فيبطل (٦)؛ لِأنَّ هذا يَمنَعُ التَّعديلَ. وقِيلَ: تَبطُلُ؛ لِأنَّه لم يَتعيَّنِ الباقِي لكلِّ واحدٍ منهما في مُقابَلةِ ما بَقِيَ لِلآخَرِ. (وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِيهِمَا؛ فَهَلْ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما (٧): تَبطُل، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الكافي» و «الوجيز»؛ لِأنَّ الثَّالِثَ شريكُهما، لم يَحضُرْ ولم يَأذَنْ، أشْبَهَ ما لو عَلماهُ.

стр. 6483

والثَّاني: لا (١)؛ كما لو كان المستَحَقُّ في نصيبهما (٢) على السَّواء، ولِأنَّه يُمكِنُ بقاءُ حقِّه في يدهما (٣) جميعًا مع بقائهما فيما عدا ذلك على ما كانا. وإذا (٤) ادَّعى كلٌّ منهما: أنَّ هذا مِنْ سَهْمِي؛ تحالَفا، ونُقِضَت القِسْمةُ. (وَإِذَا (٥) اقْتَسَمَا دَارَيْنِ قِسْمَةَ تَرَاضٍ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا)، أوْ غَرَسَ (فِي نَصِيبِهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الدَّارُ مُسْتَحَقَّةً، وَنُقِضَ (٦) بِنَاؤُهُ)، وقُلِعَ غِراسُه؛ (رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ)؛ لِأنَّ هذه القِسْمةَ بمنزلةِ البَيع؛ لِأنَّ الدَّارَينِ لا يُقسَمانِ (٧) قِسْمةَ إجْبارٍ، وإنَّما هو بالتَّراضِي، ولو باعه نصفَ الدَّار؛ رَجَعَ عَلَيهِ بنصفِ ما غَرِمَ، كذا هذا. وكذا في (٨) قِسْمة الإجبار إنْ قُلْنا هي بَيعٌ، وإنْ قُلْنا إفراز؛ فلا رُجوعَ؛ لِأنَّه أفْرَزَ له حقَّه مِنْ حقِّه، ولم يَضمَنْ له ما غرم (٩) فيه. وأطْلَقَ في «التَّبصرة» رُجوعَه، وفيه احْتِمالٌ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١٠): إذا (١١) لم يَرجِعْ حَيثُ لا يكونُ بَيعًا؛ فلا يَرجِعُ بالأجرة، ولا بنصفِ قيمةِ الولد في الغُرور إذا اقْتَسما الجَوارِيَ أعْيانًا، وعلى هذا: فالَّذِي لم يُستَحَقَّ شَيْءٌ مِنْ نصيبه؛ يَرجِعُ الآخَرُ عَلَيهِ بما فَوَّتَه من

стр. 6484

المنفعة هذه المدَّةَ. (وَإِنْ خَرَجَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ؛ فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ)، ذكره (١) في «الرِّعاية» وغيرِها، إنْ كان جاهِلاً به؛ لأِنَّ العَيبَ نَقْصٌ عن (٢) قَدْرِ حَقِّه الخارِجِ له، فوَجَبَ أنْ يَتمَكَّنَ مِنْ فَسْخِ القِسْمةِ؛ اسْتِدْراكًا لمَا فاته، وله الإمْساكُ مع أرْشِ العَيبِ؛ لأِنَّه نَقْصٌ في نصيبه، فكان له ذلك؛ اسْتِدْراكًا لِحقِّه الثَّابِتِ؛ كالمشْتَرِي. قال في «الشَّرح»: ويَحتَمِلُ أنْ تَبطُلَ القِسْمةُ؛ لِأنَّ التَّعديلَ فيها شَرْطٌ ولم يُوجَدْ، بخِلافِ البَيعِ. (وَإِذَا اقْتَسَمَ (٣) الْوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى المَيِّتِ دَيْنٌ، فَإِنْ (٤) قُلْنَا: هِيَ إِفْرَازُ حَقٍّ؛ لَمْ تَبْطُلِ الْقِسْمَةُ)، ذَكَرَه مُعظَمُ أصْحابِنا؛ لِأنَّ الدَّين (٥) يتعلَّقُ بالتَّرِكة بعد (٦) القِسْمة، فلم يَقَعْ ضَررٌ في حقِّ أحد (٧)، لكِنْ إنِ امْتَنَعُوا مِنْ وفاءِ الدَّين؛ بَطَلَتْ؛ لِأنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الميراث، وإنِ امْتَنَعَ بعضُهم؛ بَطَلَ في نصيبه (٨) وَحْدَه. وفي «الكافي»: في صحَّةِ القِسْمة وَجْهانِ، ولم يُفرِّقْ، وبَنَى ذلك: على أنَّ الدَّينَ هل يَمنَعُ صِحَّةَ التَّصرُّف في التَّرِكة؟ فيه وجهان (٩).

стр. 6485

(وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ)، ذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه: المذْهَبُ؛ (انْبَنَى عَلَى بَيْعِ التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، هَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وحَكاهما في «المحرَّر» وغَيرِه رِوايَتينِ: الأصحُّ: الجَوازُ؛ لأِنَّ العبدَ الجانِيَ يتعلَّقُ برَقَبَته حقُّ المجْنِيِّ عَلَيهِ، ويَتمَكَّنُ مالِكُه مِنْ بَيعِه، فكذا الوارِثُ. والثَّانِيَةُ: لا؛ لِأنَّ تعلُّقَ الدَّين بالعَينِ يَمنَعُ التَّصرُّفَ فيها؛ كالرَّهْن. تنبيهٌ: تَرِكةُ الميِّت يَثبُتُ فيها الملْكُ لِوَرَثَته، سَواءٌ كان عَلَيْهِ دَينٌ أوْ لا، نَصَّ عَلَيهِ (١). وقال الإصْطَخْرِيُّ: يَمنَعُ بقَدْره، وأوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ (٢)؛ لِأنَّ الدَّينَ لم يَثبُتْ في ذِمَّةِ الوَرَثَة، فيَجِبُ أنْ يَتعلَّقَ بالتَّرِكة. والمذْهَبُ الأوَّلُ، بدليلِ أنَّ الغريمَ لا يَحلِفُ على دَينِ الميِّت؛ لِأنَّ الدَّينَ مَحلُّه الذِّمَّةُ، وإنَّما يتعلَّقُ بالتَّرِكة، فيتخيَّر (٣) الوارِثُ بَينَ قَضاءِ الدَّين منها أوْ مِنْ غَيرِها؛ كالرَّهْن والجاني، ولا يَلزَمُه نَفَقَةُ الرَّقيق، والنَّماءُ له؛ لِأنَّه نَماءُ ملْكِه، أشْبَهَ كَسْبَ الجانِي. وقِيلَ: يتعلَّقُ به حقُّ الغُرَماء؛ كنَماءِ الرَّهْنِ. فمَن اختارَ الأوَّلَ قال: تعلُّقُ حقِّ الغُرَماء بالرَّهْن آكَدُ؛ لِأنَّه ثَبَتَ باخْتِيارِ المالِكِ، ولهذا مُنِعَ مِنْ التَّصرُّف فِيهِ. وعلى الأُخْرَى: حُكمُه حُكمُ التَّرِكة، وما يُحتاجُ إلَيهِ مِنْ المؤْنَةِ منها. فإنْ تَصرَّفَ الوارِثُ فيها بِبَيعٍ أوْ هِبَةٍ؛ فَعَلَى المذْهَب: هو صحيحٌ إنْ قَضَى

стр. 6486

الدَّينَ، وإلَّا نُقِضَ (١) تصرُّفُه؛ كما إذا تَصرَّفَ السَّيِّدُ في الجانِي ولم يُؤَدِّ الجِنايَة، وعلى الثَّانية: تَصرُّفُه فاسِدٌ؛ لِأنَّه تصرُّفٌ فِيما لا يَملِكُه. وقال ابنُ حَمْدانَ: إن قلنا (٢): تعلُّقُ الدَّينِ بالتَّرِكة كتَعلُّقِه بالرَّهْن؛ لم يَصِحَّ تصرُّفُ الوارِث قَبْلَ الوفاء، ولم يَختَصَّ بالنماء (٣)، وإنْ قُلْنا: كتَعلُّقِ الأَرْشِ بالجانِي - وهو الأقْيَسُ -؛ فيَصِحُّ تصرُّفُه، ثُمَّ إنْ ظَهَرَ الدَّينُ؛ فلِرَبِّه الفَسْخُ وأخْذُ دَيْنِه (٤) في الأصحِّ. والدَّينُ المسْتَغْرِقُ وغَيرُه سَواءٌ. مسألةٌ: إذا كان له شَجَرٌ، وعَلَيهِ دَينٌ، فأثْمَرَتْ وماتَ (٥)؛ فالثَّمرةُ إرْثٌ، ولا (٦) يتعلَّقُ بها دَينٌ، وفِيها الزَّكاةُ إنْ قُلْنا: تنتقلُ (٧) التَّرِكةُ مع الدَّين، تعلَّقَ بها الدَّينُ (٨). وإنْ كان بَعْدَ وَقْتِ الوُجوب؛ ففي الزَّكاة رِوايَتانِ، وإن (٩) كان قَبْلَه، ونَقَلْنا التَّرِكةَ قَبْلَ وَفاءِ الدَّين فكذا، وإلَّا فلا (١٠). فرعٌ: إذا كانَتِ التَّركةُ أرْضًا، وأوصَى (١١) ربُّها بإخْراجِ ثُلُثِها، فَقَسَمَها

стр. 6487

الوَرَثَةُ وقالوا: نَحنُ نُخرِجُ قِيمةَ الثُّلث بَينَنا، فقِيلَ: يَجُوزُ كالدَّين. وقيل: لا (١)؛ لِأنَّ المسْتَحَقَّ بالوصيَّة بعضُ (٢) الأرض، فتَبطُلُ القِسْمةُ. وقال السَّامَرِّيُّ: تَبطُلُ في حقِّ كلِّ وارِثٍ بقَدْرِ حِصَّته مِنْ الثُّلث، وفي الباقي وجْهانِ. وكذا إنْ أَوْصَى أنْ يُباعَ ثُلُثُها ويُصرَفَ في جِهَةٍ عَيَّنَها. (وَإِذَا اقْتَسَمَا، فَحَصَلَتِ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ (٣) لِلآْخَرِ؛ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ)، ذَكَرَه الجماعة (٤)، منهم صاحِبُ «الوجيز» و «الفروع»؛ لِأنَّ النَّصِيبَ الَّذي (٥) لا طريقَ له لا قِيمةَ له (٦) إلَّا قِيمَةُ ملْكِه، فلم يَحصُلْ تعديلٌ، والقسْمةُ تَقتَضِيهِ؛ لِأنَّ مِنْ شَرْطِ الإجْبارِ على القِسْمة: أنَّ ما أَخَذه (٧) كلٌّ منهما يُمكِنُ الاِنْتِفاعُ به، لكِنْ إنْ كان أخَذَه راضِيًا عالِمًا بأنَّه لا طريقَ له؛ جازَ (٨)؛ كما لو اشْتَراهُ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وكذا طريقُ ماءٍ، ونَصُّه: هو لهما ما لم يَشتَرِطا ردَّه (٩). قال المؤلِّفُ: قِياسُه: جَعْلُ الطَّريقِ مِثْلَه في نَصِيبِ الآخَرِ، ما لم يشرط (١٠) صَرْفَها عنه.

стр. 6488

ونَقَلَ أبو طالِبٍ في مَجْرَى الماء: لا يُغَيَّرُ مَجْرَى الماءِ ولا يُضَرُّ بهذا، إلَّا أنْ يتكلَّفَ له (١) النَّفَقةَ حتَّى يُصلِحَ مَسيلَه (٢). فرعٌ: إذا كان لها ظُلَّةٌ (٣)، فَوقَعَتْ في حقِّ أحدهما؛ فهي له بمُقتَضَى العقد (٤)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز» وغَيرِهما. (وَيَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قَسْمُ مَالِ المُوَلَّى عَلَيْهِ مَعَ شَرِيكِهِ)؛ لِأنَّ القِسْمةَ إمَّا بَيعٌ وإمَّا إفْرازُ حقٍّ، وكِلاهُما يَجُوزُ لهما، ولِأنَّ فِيهَا مصلحةَ الصَّغير، فجازَتْ كالشِّراء. ويَجُوزُ لهما قِسْمةُ التَّراضِي مِنْ غَيرِ زِيادةٍ في العِوَض؛ لِأنَّ فِيهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشِّرْكة، أشْبَهَ ما لو باعَهُ لِضَرَرِ الحاجة (٥) إلى (٦) قَضاءِ الدَّين. وفي «المحرَّر» و «الوجيز»: وَوَلِيُّ المُوَلَّى عَلَيهِ في قِسْمةِ الإجْبارِ بمَنزِلَتِه، وكذلك في قِسْمةِ التَّراضِي إذا رآها مصلحةً (٧).

стр. 6489

(بَابُ (١) الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ) الدَّعاوَى: واحدها (٢) دَعْوى، وهي: إضافةُ الإنسان إلى نفسه مِلْكًا، أو اسْتِحْقاقًا، أوْ نحوه (٣). وفي الشَّرع: إضافتُه إلى نَفْسه اسْتِحْقاقَ شَيءٍ في يَدِ غَيرِه أوْ في ذِمَّتِه. والمدَّعَى عَلَيهِ: مَنْ يُضافُ إلَيهِ اسْتِحْقاقُ شَيءٍ عَلَيهِ. وقال ابنُ حَمْدانَ: هي (٤) إخْبارُ خَصْمه باسْتِحْقاقِ شَيءٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَجهولٍ؛ كوصيَّةٍ، وإقرارٍ عَلَيهِ، أوْ عِندَه، له أوْ لمُوكِّله أوْ مَولِّيِه، أوْ لله (٥) حسبةً بطَلَبِه منه عِنْدَ حاكِمٍ. والأوَّلُ أَوْلَى، وهي عِبارةٌ عن الطَّلَب، ومِنهُ قَولُه تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «لَوْ يُعطى (٦) النَّاسُ بدَعْواهم؛ لَادَّعَى رِجالٌ دِماءَ قَومٍ وأمْوالَهم، ولكِنَّ اليمينَ على المدَّعَى عَلَيهِ» رواه مُسلِمٌ (٧). واليَمينُ تَختَصُّ بالمدَّعَى عَلَيهِ، إلَّا في القَسامة، ودَعَاوَى الأُمَناءِ المقْبولةِ، وحَيثُ يُحكَمُ باليمين مع الشَّاهِد، أوْ نقولُ (٨) بردِّها. والبيِّناتُ: جَمْعُ بَيِّنةٍ، مِنْ: بان (٩) يَبِينُ فهو بَيِّنٌ، والأُنثَى: بيِّنةٌ؛ أيْ:

стр. 6490

واضِحةٌ، وهو صِفةٌ لمَحذوفٍ؛ أي: الدَّلالةُ البيِّنةُ. (المُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ، وَالمُنْكِرُ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»؛ لِأنَّ المدَّعِيَ طالِبٌ والمنكِرَ مَطْلُوبٌ؛ أيْ: مُطالَبٌ بالحقِّ. وقِيلَ: المدَّعِي مَنْ يَطلُبُ خِلافَ الظَّاهِرِ أو الأصلِ (١)، والمدَّعَى عَلَيهِ عَكْسُه. ويَنبَنِي على ذلك: لو قال: أسْلَمْنا مَعًا؛ فَالنِّكاحُ باقٍ، وادَّعَت التَّعاقُبَ، فالمدَّعِي هِيَ، وعلى الثَّاني هو. وقد يكونُ كلٌّ منهما مُدَّعِيًا ومُدَّعًى عَلَيهِ باعْتِبارَينِ. ولا تُسمَعُ دَعْوَى مَقْلوبَةٌ، وسَمِعَها بعضُهم واسْتَنبطَها، فذَكَرُوا في الشُّفْعة - إذا أنْكَرَ المشْتَرِي الشِّراءَ، وأقام (٢) الشَّفِيعُ بيِّنةً، وأخَذَ الشَّفِيعُ بالشُّفْعة، وامْتَنَعَ المشْتَرِي مِنْ قَبْضِ الثَّمَن - ثلاثةَ أوْجُهٍ: أحدُها: يَبْقَى في يَدِ الشَّفِيعِ. الثَّانِي: في يَدِ الحاكِمِ. الثَّالِثُ، واخْتارَهُ القاضِي: يُلزَمُ الشَّفِيعُ بقَبْضِه، أوْ يُبْرِئُ مِنهُ. وفي السَّلَم (٣) إذا جاءه بالسَّلَم قَبلَ مَحلِّه؛ لَزِمَه قَبْضُه إذا لم يكُنْ في قَبْضِه ضَرَرٌ، فحَيثُ لَزِمَه القَبْضُ؛ أنَّ دَعواهُ تُسْمَعُ، ويُلزَمُ ربُّ الدَّين بقَبْضِه. (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ)؛ لِأنَّ مَنْ لا يَصِحُّ تَصرُّفُه لا قَولَ له يُعتمد (٤)، وتصحُّ (٥) على السَّفِيهِ فِيمَا يُؤخَذُ به إذَنْ، وبَعدَ

стр. 6491

فَكِّ حَجْره، ويَحلِفُ إذا أنْكَرَ. (وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ (١) مِنْ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ): (أَحَدُهَا (٢): أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَهُ، لَا حَقَّ لِلآْخَرِ فِيهَا (٣)، إِذَا لَمْ تَكُنْ (٤) بَيِّنَةٌ)؛ «لِقَضاءِ النَّبيِّ ﷺ باليمين على المدَّعَى عَلَيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥)، ولِقَولِه في قضية (٦) الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ: «شاهِداكَ أوْ يَمِينُه، لَيسَ لكَ مِنْهُ إلَّا ذلِكَ» رواهُ مُسلِمٌ (٧)، لأنَّ (٨) اليَدَ دليلُ الملك (٩) ظاهِرًا، ولِأنَّ من (١٠) لَيسَتْ له؛ يَحتَمِلُ أنْ تكون (١١) له، فشُرِعَت اليَمِينُ في حقِّ صاحِبِه مِنْ أجْلِ ذلِكَ. وظاهره (١٢): أنَّه إذا كان له (١٣) بينة (١٤) تُظْهِرُ الحقِّ؛ أنَّه لا يحلف (١٥) مَعَها، لكِنْ لا يثبت (١٦) الملْكُ بذلك كثُبوتِه بالبيِّنة؛ فلا شُفْعةَ له بمُجرَّدِ اليَدِ،

стр. 6492

ولا تَضمن (١) عاقِلةُ صاحِبِ الحائط المائل (٢) بمجرَّد اليد (٣)؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ لا تَثْبُتُ فِيهِ الحُقوقُ، وإنَّما تُرجَّح (٤) به الدَّعْوَى، وفي «الرَّوضة»: أنَّ اليَدَ دليلُ الملْك، وفي «التمهيد»: ببيِّنة (٥). (وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ)، الحِمْلُ، بالكَسْرِ: ما عَلَى رأسٍ (٦) أوْ ظَهْرٍ، وبالفَتْح: ما في بَطْنِ الحُبْلَى، وفي حَمْلِ الشَّجَرة بهما، (وَالآْخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا)، وقِيلَ: غَيرُ مكارٍ (٧)؛ (فَهِيَ لِلْأَوَّلِ)؛ لِأنَّ تصرُّفَه أقْوَى، ويَدَهُ آكَدُ؛ لِأنَّه المسْتَوْفِي للمنفعة. فإنْ كان لأِحدهما عَلَيها حِمْلٌ، والآخَرُ راكِبَها؛ فهِيَ للرَّاكِب. فإنِ ادَّعَيا الحِمْلَ؛ فهو للراكبِ (٨)؛ لِأنَّ يَدَه على الدَّابَّة والحِمْلِ مَعًا، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَ السَّاكِنُ ومالِكُ الدَّار في قُماشٍ فيها، بخِلافِ السَّرْج، فإنَّه في العادة لِصاحِبِ الفَرَس. (وَإِنْ تَنَازَعَا قَمِيصًا، أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالآخَرُ (٩) آخِذٌ بِكُمِّهِ؛ فَهُوَ لِلَابِسِهِ (١٠)؛ لِأنَّه أحْسَنُ حالاً مِنْ الرَّاكِب مع الآخِذ بالزِّمام، فالرَّاكِبُ أَوْلَى، فكذا ما هو أحسن (١١) حالاً منه.

стр. 6493

فإنْ كان كمُّه (١) في يَدِ أحدِهما وباقِيهِ مع الآخَر، أوْ تَنازَعَا عِمامَةً طرفُها (٢) في يَدِ أحدِهما وباقِيها بِيَدِ الآخَرِ؛ تَحالَفا، وهي بَينَهما، فيَمِينُ كلِّ واحِدٍ على النِّصف الَّذي أَخَذَه. وعَنْهُ: يُقرَعُ بَينَهما، فمَن قَرَعَ؛ حَلَفَ وأخَذَها، إلَّا أنْ يَدَّعِيَ واحِدٌ نِصْفَها فأقلَّ، والآخَرُ كُلَّها أوْ أكْثَرَ ممَّا (٣) بَقِيَ، فيصدَّقُ (٤) مُدَّعِي الأقَلِّ بيَمِينِه، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، وذَكَرَ جَمْعٌ: يتحالفان (٦). (وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالْخَيَّاطِ الْإِبْرَةَ وَالمِقَصَّ)، بكَسْرِ الميم، وتسمى (٧) كلُّ فَرْدةٍ: مِقَصًّا؛ (فَهُمَا لِلْخَيَّاطِ)؛ لِأنَّ تَصرُّفَ الخَيَّاط في ذلك أظْهَرُ، والظَّاهِرَ معه، فكان (٨) أقْوَى. فإن (٩) نازَعَه الخَيَّاطُ في قَمِيصٍ يَخِيطُه فيها، أو النَّجَّارُ في خَشَبٍ يَنجُرُه فيها، أوْ في فرشٍ (١٠) وقُطْنٍ وصُوفٍ؛ فهو لصاحِبِ الدَّار؛ عَمَلاً بالعادة. (وَإِنْ تَنَازَعَ هُوَ وَالْقَرَّابُ الْقِرْبَةَ؛ فَهِيَ لِلْقَرَّابِ)؛ لمَا ذَكَرْنا، بخِلافِ الخابِيَة والجِرَار، فإنَّها لِصاحِب الدَّار. (وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةً فِيهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءٌ لِأَحَدِهِمَا؛ فَهِيَ لَهُ)؛ لِأنَّ ذلك دليلُ

стр. 6494

الملْكِ ظاهِرًا. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ ثَبَتَا بالاِقْتِدار فهو بَينَهما. (وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلاً بِهِ اتِّصَالاً (١) لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزَجٌ)، قال الجَوهَرِيُّ: هو ضَرْبٌ مِنْ الأَبْنِية (٢)، وقال ابنُ المنَجَّى: هو القَبْوُ (٣)؛ (فَهُوَ لَهُ)؛ لِأنَّ ذلك يُرجِّحُ قَولَ مُدَّعِيهِ، فكان له عَمَلاً بالظَّاهِر، وهو قَولُ أكْثَرهم، ويَحلِفُ لخَصْمِه. وظاهِرُه: أنَّه إذا أمْكَنَ إحْداثُه؛ لم يُرجَّحْ بذلك، وهو قَولُ القاضِي؛ لاِحْتِمالِ أنْ يكونَ فَعَلَ ذلك لِيَتَمَلَّكَ الحائطَ المشْتَرَكَ. وظاهِرُ الخِرَقِيِّ: أنَّه يَترَجَّحُ بهذا الاِتِّصالِ؛ عَمَلاً بالظَّاهِر. (وَإِنْ كَانَ مَحْلُولاً مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّه لا تَرْجِيحَ لأِحدِهما على الآخَر، ويَحلِفُ كلٌّ منهما لِصاحِبِه: أنَّ نِصْفَ الحائط له، وإنْ حَلَفَ كلُّ واحِدٍ على جميعه أنَّه له وما هو لصاحبه؛ جَازَ. وإنْ نَكَلا عن اليمين؛ كان الحائطُ في أيْديهِما على ما كَانَ. وإنْ نَكَلَ أحدُهما؛ قُضِيَ عَلَيهِ وكان الكُلُّ للآخرِ (٤). فإنْ أقامَ كلٌّ منهما بيِّنةً؛ تَعَارَضَتَا، وصَارَا كَمَنْ لا بيِّنةَ لهما. (وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِوَضْعِ خَشَبِ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ)، قالَهُ الأصْحابُ؛ لِأنَّ هذا ممَّا يَسمَحُ به الجارُ، وهو عِندَنا حقٌّ يَجِبُ التَّمْكِينُ منه، أشْبَهَ إسْنادَ مَتاعه إلَيهِ وتَزْويقه. ويَحتَمِلُ: أنْ تُرجَّحَ به الدَّعْوَى، ورجَّحه في «الشَّرح»؛ كالْبَانِي عَلَيهِ،

стр. 6495

ولأنَّ (١) كَونَه مُستَحَقًّا يُشْتَرَطُ له الحاجةُ إلى وَضْعه، وأكْثَرُ النَّاس لا يَتسامحون (٢) به، ولِأنَّ الحائطَ يُبْنَى لذلك، فتُرجَّحُ به كالأَزَج. والظَّاهِرُ: أنَّها لا تُرجَّحُ بالجِذْع، بخِلافِ الجِذْعَينِ ونَحوِهما؛ لِأنَّ الحائطَ يُبْنَى لهما. (وَلَا بِوُجُوهِ الآْجُرِّ، وَالتَّزْوِيقِ، وَالتَّجْصِيصِ)، والتَّحْسينِ، ولا (٣) بكونِ أحدهما (٤) له على الآخَر (٥) سُتْرةٌ غَيرُ مَبْنِيَّةٍ؛ لِأنَّه ممَّا يتسامح (٦) به، ويُمكِنُ إحْداثُه. (وَمَعَاقِدِ القُمُطُ)، المعاقِدُ: جَمْعُ مَعْقِدٍ، بكَسْرِ القاف: ما تسدُّ (٧) به الأَخْصاصُ، (فِي الْخُصِّ)، وهو بَيتٌ يُعمَلُ مِنْ خَشَبٍ وقَصَبٍ، وجَمْعُه: أخْصاصٌ، سُمِّيَ به؛ لمَا فِيهِ مِنْ الفُروج والأنقاب (٨). وحاصِلُه: أنَّها لا تُرجَّحُ (٩) الدَّعْوَى بكَونِ الدَّواخِلِ إلى أحدهما والخَوارِج، ووُجُوهِ الآجُرِّ والحِجارة، ولا كَونِ الآجُرَّة الصَّحيحة ممَّا يَلِي أحدهما، ولا مَعاقِدِ القُمُطِ في الخصِّ (١٠)؛ يَعْنِي: الخُيوط الَّتي يُشَدُّ بها الخُصُّ، والحديثُ المرْوِيُّ عن عُمْرانَ (١١)،

стр. 6496

رواه سعيدٌ وابنُ ماجَهْ (١)، ضعَّفه جماعةٌ منهم: أحمدُ وإسْحاقُ وابنُ المنْذِر (٢)، ولِأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ مَنْ بَنَى حائطًا جَعَلَ وَجْهَ الحائط (٣) كما إذا لَبِسَ ثِيابَه، فيجعل (٤) أحْسَنَها أعْلاها الظَّاهِرَ للنَّاس؛ ليرَوْهُ (٥) فيَتَزَيَّنَ به. (وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي سُلَّمٍ مَنْصُوبٍ، أَوْ دَرَجَةٍ مَنْصُوبَةٍ؛ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ)؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ذلك له؛ لكَونه يُرادُ للصعود (٦)، والعَرْصةُ الَّتي عَلَيها الدَّرَجةُ له أيضًا؛ لِانْتِفاعه بها وَحْدَه. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّ يَدَهما عليها (٧)؛ لكونها (٨) سَقْفًا للسُّفْلانِيِّ وموطئًا (٩) للفَوقانِيِّ.

стр. 6497

قال في «الشَّرح»: وإنْ كان تَحتَها طاقٌ صغيرٌ لم تُبْنَ الدَّرَجَةُ لأِجْلِه، وإنَّما جُعِلَ مرفقًا (١) يُجعَلُ فيه جُبُّ (٢) الماء؛ فهي لصاحِبِ العُلْو؛ لِأنَّها بُنِيَت (٣) لِأجْلِه، ويَحتَمِلُ أنْ تكون (٤) بَينَهما؛ لِأنَّ يَدَهما عَلَيها وانْتِفاعَهما حاصِل بها (٥)، فهي كالسَّقْف. وفي «المحرَّر» و «الرِّعاية»: فإنْ كان في الدَّرَجَة طاقَةٌ ونحوُها؛ فهل تكون (٦) بَينَهما؟ على وَجْهَينِ. مسألةٌ: إذا كانَتْ دارٌ فيها أربعةُ أبْياتٍ: واحِدٌ ساكِنٌ في أحَدِ أبْياتها، وآخَرُ ساكِنٌ في البَواقِي، واخْتَلَفا فيها؛ كان لكلِّ واحِدٍ ما (٧) هو ساكِنٌ فيه؛ لِأنَّ كلَّ بَيتٍ يَنفَصِلُ عن صاحِبِه، ولا يُشارِكُ الخارِجُ منه السَّاكِنَ فِيهِ؛ لِثُبوتِ اليَد عَلَيهِ. وإنْ تَنازَعا السَّاحَةَ الَّتي يُتطَرَّقُ منها إلى البُيوت؛ فهي بَينَهما نِصْفانِ؛ لِاشْتِراكِهما في ثُبوتِ اليَدِ عَلَيها. (وَإِنْ تَنَازَعَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا)، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّه حاجزٌ (٨) بَينَ مِلْكَيْهما (٩)، يَنتَفِعانِ به، غَيرُ مُتَّصِلٍ بِبِناءِ أحدِهما اتِّصالَ البُنْيان، فكان بَينَهما كالحائط بَينَ الملْكَينِ، ويَتحالَفانِ.

стр. 6498

وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو لِصاحِبِ العُلْو؛ لِأنَّه لا يُمكِنُه السُّكنى إلا (١) به. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ أمْكَنَ إحداثُه (٢) بَعْدَ بناءِ (٣) العلو (٤)؛ فهو لهما مِنْ غَيرِ يمينٍ، وإن (٥) تعذَّر؛ فهو لِرَبِّ السُّفْلِ إنْ حَلَفَ. وإنْ تَنازَعا حائطَ العُلْوِ أوْ سَقْفَه؛ فهو لِربِّه؛ لِأنَّه مُختَصٌّ به. وإنْ تَنازَعا حائطَ السُّفْل؛ فهو لربِّه، لم يَذكُرْ في «الشَّرح» غيره (٦)؛ لِأنَّه المنتفع (٧) به، وهو من جملةِ البَيت، فكان لصاحبه. وقِيلَ: هو بَينَهما؛ لِأنَّه لِنَفْعِهما، فهو كالسُّلَّم تَحْتَ مَسْكَنٍ. (وَإِنْ تَنَازَعَ المُؤْجِرُ وَالمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ، أَوْ مِصْرَاعٍ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ؛ فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، وَإِلَّا فَهْوُ بَيْنَهُمَا (٨)، قالَهُ مُعظَمُ أصْحابِنا؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الرَّفَّ والمِصْراعَ تابِعٌ للمَنصوب، وذلك لصاحِبِ الدَّار، فكذا ما يَتبَعُه، وأمَّا كَونُه بَينَهما؛ لِأنَّه لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهما على الآخَرِ، ويَتحالَفانِ. وذَكَرَ في «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ ما يَتبَعُ الدَّارَ في البَيع لِربِّ الدَّار؛ لِأنَّه مِنْ توابعها، أشْبَهَ الشَّجَرةَ المغروسةَ فيها، وما لا يَتبَعُها للمُكْتَرِي؛ لِأنَّ يَدَه عَلَيها، والعادةُ مِنْ الإنسان يُؤْجِرُ دارَه فارِغةً. ونصُّه: لمُؤجِرٍ مُطلَقًا (٩)؛ كما لو لم يَدخُلْ في بَيعٍ.

стр. 6499

وكذا ما لا يَدخُلُ في البيع، وجَرَت العادةُ به، وما لم تَجْرِ به عادةٌ؛ فلمُكْتر (١). (وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا (٢)، فَادَّعَاهَا (٣) أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآْخَرُ نِصْفَهَا؛ جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ)، نَصَّ عَلَيهِ؛ لِأنَّ مُدَّعِيَ الكلِّ (٤) في يَدِه نِصْفٌ لا مُنازِعَ فِيهِ، ومُدَّعِيَ النِّصفِ في يَدِه نِصْفٌ يدَّعِي (٥) عَلَيهِ به وهو يُنكِرُه، والقَولُ قَولُ المنكِر مَع يمينه؛ للخبر، ولا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، إلاَّ ما حُكِيَ عن (٦) ابن شُبْرُمةَ (٧) أنَّ لمُدَّعِي الكُلِّ ثلاثةَ أرْباعِها؛ لِأنَّ النِّصفَ لا مُنازِعَ فيه، والنِّصفُ الآخَرُ يُقسَمُ بَينَهما على حَسَبِ دَعْواهما فيه، وجَوابُه سَبَقَ. وذَكَرَ أبو بكرٍ، وابنُ أبي مُوسَى: أنَّهما يَتحالَفانِ، وهي بَينَهما نِصفانِ. وكذا لو ادَّعَى أحدُهما ثُلُثَها، والآخَرُ جميعَها. وإنْ أقامَ كلٌّ منهما بيِّنةً؛ فظاهِرُ المذْهَب: أنَّها للمدَّعي (٨)، فتُقدَّم (٩) بيِّنته؛ لِأنَّه خارِجٌ في النِّصف، وإن (١٠) قدَّمنا بيِّنةَ الدَّاخِلِ؛ فالنِّصْفُ لمُدَّعِيهِ. وقِيلَ: إنْ سَقَطَتَا؛ فالتَّسويةُ (١١)، وفي اليمين رِوايَتانِ.

стр. 6500

وإنْ كانَتْ بِيَدِ ثالِثٍ؛ فلمُدَّعِي الكلِّ ثلاثةُ أرْباعِها، ولمُدَّعِي النِّصفِ رُبعٌ مع البيِّنة والتحالف (١)، نَصَّ عَلَيهِ. وعَنْهُ: هي لهما نِصفَينِ؛ للتساقط (٢). وقِيلَ: يَقتَرِعانِ على النِّصف. وإنْ كانت (٣) بيدِ ثلاثةٍ، فادَّعى أحدُهم نِصفَها، والآخَرُ ثُلُثَها، والثَّالِثُ سُدسَها؛ فهي لهم كذلك، سَواءٌ أقامَ كلُّ واحِدٍ منهم بيِّنةً أمْ لا. (وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ)، حُرَّينِ كانا أوْ رقِيقَينِ، أوْ أحدُهما أوْ بعضُه، (أَوْ وَرَثَتُهُمَا)، أوْ أحدُهما وَوَرَثَةُ الآخَرِ، (فِي قُمَاشِ الْبَيْتِ؛ فَمَا كَانَ (٤) يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ)؛ كالسَّيف والعِمامة؛ (فَهُوَ لِلرَّجُلِ)؛ لِأنَّه الظَّاهِرُ، (وَمَا كَانَ (٥) يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ)؛ كالحليِّ (٦) وزِينَتِهِنَّ؛ (فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ)؛ لمَا ذَكَرْنا، (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّه لا مَزِيَّةَ لأِحدهما على الآخَر، وقِيلَ: ولا عادةَ، نَقَلَ الأثْرَمُ: المصحفُ لهما، فإنْ كانَتْ لا تَعرِفُ ولا تقرأ (٧) بذلك؛ فهو له. (وَإِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي قُمَاشِ دُكَّانٍ لَهُمَا؛ حُكِمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «المستوعب»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ عملاً بالظَّاهر، ولِأنَّ الآلةَ بالنِّسبة إلى الصَّانع كالقُماش الصَّالِحِ للرَّجل بالنِّسبة إلَيهِ، وكما لو

стр. 6501

تَنازَعَا فِيما في أيْدِيهما، أشْبَهَ ما لو كان في اليَدِ الحُكْمِيَّة. (وَقَالَ الْقَاضِي) في المسألتَينِ: (إِنْ كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ؛ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ (١) مِنْ طَرِيقِ المُشَاهَدَةِ (٢) فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ)؛ لِأنَّ المشاهَدَةَ أقْوَى مِنْ اليَدِ الحُكْمِيَّة، بدليلِ ما لو تَنازَعَ الخيَّاط (٣) وصاحِبُ الدَّار الإبْرَةَ والمِقَصَّ، وإنْ كان في يَدِ أحَدِهما المشاهدة (٤)؛ فهو له. واعْلَم: أنَّه لا ترجيحَ مِمَّا خَرَجَ عن المسْكَن والدُّكَّان بالصَّلاحِيَة فقطْ بحالٍ؛ لِأنَّه لَيسَ لهما يَدٌ حُكْمِيَّةٌ، أشْبَهَ سائرَ المخْتَلِفِينَ. (وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا هُوَ لَهُ (٥)؛ فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ لا يكُونَ له، فشُرِعَت اليمينُ مِنْ أجْلِ ذلك، (إِذَا لَمْ تَكُنْ (٦) بَيِّنَةٌ)؛ لِأنَّها تُظهِرُ الحقَّ. (وَإِنْ (٧) كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ حُكِمَ لَهُ (٨) بِهَا)، بغَيرِ خِلافٍ (٩)، ولم يَحلِفْ؛ لِحديثِ الحَضْرَمِيِّ وغَيرِه (١٠)، ولِأنَّ البيِّنةَ أحدُ حُجَّتَي الدَّعْوَى، فيُكتفى (١١) بها كاليمين، وهذا قَولُ أهْلِ الفُتْيا مِنْ أهْلِ الأمصار. وقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى: يُستحلَفُ (١٢) الرَّجُلُ

стр. 6502

مع بَيِّنته (١)، قِيلَ لِشُرَيحٍ: ما هذا الَّذي أحْدَثْتَ في القضاء؟ فقال: رأيتُ النَّاسَ أحْدَثُوا فأحْدَثْتُ (٢). قال الشَّيخُ شمس (٣) الدِّين ابنُ القَيِّمِ: (وهذا لَيسَ ببعيدٍ، لا سِيَّما مع التُّهمة، ويُخرَّجُ في مَذهَبِ أحمدَ وَجْهانِ، قال الخَلاَّلُ في «جامعه»: حدَّثنا محمَّدُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا مُهَنَّى، قال: سألتُ أبا عبدِ الله عن (٤) الرَّجل يُقِيمُ الشُّهودَ، أيَسْتَقِيمُ للحاكم أنْ يَقولَ لِصاحِبِ الشُّهود: احْلِفْ؛ قال: قد فَعَلَ ذلك عليٌّ، قُلْتُ: مَنْ ذَكَرَه؛ قال: ثنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ، ثنا ابنُ أبي لَيلَى، عن الحَكَمِ، عن حنَش (٥)، قال: اسْتَحْلَفَ عليٌّ عُبَيدَ الله بنَ الحُرِّ مع الشُّهود) (٦). (وَإِنْ كَانَ (٧) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٨) بَيِّنَةٌ)، وهي بِيَدِ أحدهما؛ أُقِيمَتْ بيِّنةُ مُنكِرٍ بَعدَ زوالِ يده (٩) أوْ لَا؛ (حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)، وهو المشْهورُ عنه، وقاله (١٠) الخِرَقِيُّ، ونصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في

стр. 6503

«الوجيز»؛ لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ البيِّنةَ في جَنَبَةِ المدَّعِي بقوله (١): «البيِّنةُ على المدَّعِي» (٢)، فلا يَبقَى في جنبة (٣) المدَّعَى عَلَيهِ بيِّنةٌ، ولِأنَّ بيِّنةَ المدَّعِي أكثرُ فائدةً؛ لِأنَّها تُثْبِتُ شَيئًا لم يكُنْ، فَوَجَبَ تقديمُها؛ كبيِّنة الجَرْحِ على التَّعديل، وبَيِّنة المنكِرِ إنَّما تُثبِتُ (٤) ظاهِرًا دلَّتِ اليَدُ عَلَيهِ، فلم تُفِدْ، ولِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكونَ مُسْتَنَدُ بيِّنةِ المنكِرِ رُؤيةَ التَّصرُّف ومُشاهَدةَ اليَد، أشْبهَت اليَدَ المفْرَدةَ. والثَّانِيَةُ: تُقدَّمُ بيِّنةُ المنكِرِ مُطلَقًا، اخْتارَها أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ، وقاله أكثرُ الفُقهاء، وأبو عُبَيدٍ؛ لِأنَّهما تَعارَضَتَا، ومع صاحِبِ اليدِ (٥) تَرجِيحٌ بها، فَقُدِّمَتْ؛ كالنَّصَّينِ إذا تَعارَضا ومع أحدِهما القِياسُ. (وَعَنْهُ: إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ (٦) نُتِجَتْ (٧) فِي مِلْكِهِ، أَوْ قَطِيعَةٌ مِنَ الْإِمَامِ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ (٨)؛ لِحديثِ جابِرٍ: «أنَّ رجُلَينِ اخْتَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ في دابَّةٍ أوْ بَعِيرٍ، وأقامَ كلٌّ منهما البيِّنةَ أنَّها له أنْتَجَها، فَقَضَى بها النَّبيُّ ﷺ (٩) أنَّها لِلَّذي في يَدِه» (١٠)، ولِأنَّها إذا شَهِدَتْ بالسَّبَب؛ أفادت ما لا

стр. 6504

تُفِيدُهُ اليَدُ، وتَرجَّحَتْ باليد؛ فَوَجَبَ ترجيحُها. (وَإِلَّا)؛ أيْ: وإنْ لم تَشهَدْ بذلك؛ (فَهِيَ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ (١)، قال أحمدُ: البيِّنةُ للمُدَّعِي، لَيسَ لصاحِبِ الدَّار بيِّنةٌ (٢). وعَنْهُ: تُقدَّمُ بيِّنةُ الدَّاخِل، إلَّا أنْ تمتاز (٣) بيِّنةُ الخارِجِ بسببِ الملْك أوْ سَبَقَه فإنَّها تُقدَّمُ. وعلى هذا: يَكفِي مُطلَقُ السَّبب. وعَنْهُ: تُعتبر (٤) إفادته للسَّبق. فإنْ شَهِدَتْ بيِّنةُ كلٍّ منهما أنَّها نُتِجت (٥) في مِلْكِه؛ تَعارَضَتَا، وقَدَّمَ في «الإرشاد»: تُقدَّمُ بيِّنةُ خارِجٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِمَا (٦): إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ تَرْجِيحٌ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لِأنَّ بيِّنةَ الخارِجِ أقْوَى منها؛ لأنَّه (٧) لا يَجُوزُ أنْ يكونَ مُستَنَدُها اليد، بخِلافِ بيِّنةِ الدَّاخِلِ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ (٨) رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهَا) - أي: بيِّنةَ الدَّاخِل - (مُقَدَّمَةٌ بِكُلِّ حَالٍ)؛ لِأنَّ جَنَبته (٩) أقْوَى مِنْ جَنبة (١٠) الخارِج، بدليلِ: أنَّ يمينَه

стр. 6505

تُقدَّمُ على يمينه. (فَإِنْ (١) أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا (٢) مِنَ الدَّاخِلِ؛ فَقَالَ الْقَاضِي: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ (٣)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه هو الخارِجُ في المعْنَى؛ لِأنَّه ثَبَتَ بالبيِّنة أنَّ المدعِيَ صاحِبُ اليَدِ، وأنَّ يَدَ الدَّاخِلِ نائبةٌ عنه. (وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ)؛ لِأنَّه المدَّعِي، ولِأنَّ اليمينَ في حقِّ الداخِلِ، فتكُونُ البيِّنةُ في حقِّ الخارج. وقِيلَ: يَتعارَضانِ. فلو ادَّعى الخارِجُ أنَّ العينَ مِلكُه أوْدَعَها (٤) إيَّاه، أوْ آجره (٥)، وأنْكَرَ الآخَرُ، وأقاما بيِّنتَينِ؛ فبيِّنة الخارِجِ أَوْلَى، نَصَرَه في «الكافي» و «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وكما لو لم (٦) يَدَّعِ الوديعةَ. وقال القاضي: بيِّنةُ الدَّاخِل مُقدَّمةٌ؛ لِأنَّه هو الخارِجُ في المعنى. ومِثْلُه: لو ادَّعى أنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَه إيَّاها (٧). فرعٌ: إذا أقام المدَّعِي بيِّنةً ولم يُعدِّلْها؛ لم تُسمَعْ بيِّنةُ الدَّاخِل، وفِيهِ احْتِمالٌ، وتُسمَعُ بعدَ التَّعديل (٨)، قَبْلَ الحُكْم وبَعدَه قَبْلَ التَّسليم، ولا تُسمَعُ قَبلَ سَماعِ بيِّنةِ الخارِج، وتعديلُها بَعدَ الحُكْم والتَّسليم.

стр. 6506

فإنْ لم يكُنْ للدَّاخِل بيِّنةٌ حاضِرةٌ، فَرَفَعْنا يَدَه، فجاءتْ بيِّنتُه وقد ادَّعى ملكًا مُطلَقًا؛ فبينةُ (١) خارِجٍ، وإنِ ادَّعاهُ مُستَنِدًا إلى ما قَبْلَ رَفْعِ يَدِه؛ فبينةُ (٢) داخِلٍ، والمرادُ: فمن (٣) يُقدِّمُ بيِّنةَ الدَّاخل يقدمها (٤)، ويَنقُضُ الحُكْمَ ببيِّنةِ الخارج (٥)، والمرادُ: إنْ كان يَرَى تقديمَها عِنْدَ التَّعارُض؛ لِأنَّه إنَّما حَكَمَ بناءً (٦) على عَدَمِ بيِّنةِ داخِلٍ، فقد تبيَّن (٧) إسنادُ ما يَمنَعُ الحُكْمَ إلى حالة الحكم، وهو الأشْهَرُ للشَّافِعِيَّةِ (٨). مسائلُ: الأُولَى: إذا كان في يَدِ إنسانٍ شاةٌ مَسْلُوخةٌ، وباقِيها في يَدِ آخَرَ، فادَّعاها (٩) كلٌّ منهما، ولا بيِّنةَ؛ فلِكُلٍّ ما في يَدِه مع يمينِه، وإنْ أقاما بيِّنتَينِ، وقُلْنا بتقديمِ بيِّنةِ الخارِج؛ فلِكلٍّ ما في يَدِه مِنْ غَيرِ يمينٍ. الثَّانِيَةُ: إذا كان في يَدِ كلٍّ منهما شاةٌ، فادَّعَى كلٌّ منهما (١٠) أنَّ الشَّاةَ الَّتي في يَدِ صاحِبِه له، وأقاما بيِّنتَينِ؛ فلكلٍّ منهما الشَّاةُ الَّتي في يَدِ صاحِبِه؛ ولا تَعارُضَ، وإنْ قال كلٌّ منهما: الشَّاةُ الَّتي في يَدِكَ مِنْ نتاج شاتِي هذه؛ فالتَّعارُضُ في النِّتاج لا في الملْكِ.

стр. 6507

الثَّالِثةُ: إذا ادَّعَى شاةً بِيَدِ عَمْرٍو، وأقامَ بيِّنةً؛ قُضِيَ له، فإنْ أقام عَمْرٌو بيِّنةً أنَّها ملكُه؛ لم تُسمَعْ؛ لأنَّها (١) بيِّنةُ داخِلٍ له يَد. الرَّابِعةُ: إذا كان في يده (٢) شاةٌ، فادَّعَى عمرو (٣) أنَّها له منذُ سنةٍ، وأقامَ البيِّنةَ، وادَّعَى زَيدٌ أنَّها في يَدِه منذُ سنتَينِ، وأقام بيِّنةً؛ فهي لعمْرٍو بِغَيرِ خِلافٍ (٤)؛ لِإِمْكانِ الجَمْع. فإنْ شَهِدَتْ بيِّنةُ عَمْرٍو بأنَّها ملكُه منذُ سنتَينِ؛ فقد تَعارَضَ الترجيحان، وفيه رِوايَتانِ. فإنْ شَهِدتْ بيِّنةُ الدَّاخِلِ أنَّه مَلَكها (٥) منذُ سنةٍ، وشَهِدتْ بيِّنةُ الخارج أنَّه مَلَكَها منذُ سنتَينِ؛ قدِّمتْ بيِّنةُ الخارِجِ على المشْهور.

стр. 6508

(فَصْلٌ) (الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ (١) الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا (٢)؛ فَيَتَحَالَفَانِ، وَتُقْسَمُ (٣) بَيْنَهُمَا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤)؛ لِأنَّ يَدَ كلٍّ منهما على نصفها، والقَولُ قَولُ صاحِبِ اليَدِ مع يمينه. وإنْ نَكَلَا جميعًا عن اليمين؛ فكذلك (٥). وإنْ نَكَلَ أحدُهما، وحَلَفَ الآخَرُ؛ قُضِيَ له بجميعها (٦)؛ لِأنَّه يستحقُّ (٧) ما في يَدِه بيمينِه، وما في يَدِ الآخَرِ بنُكولِه، أوْ بيمينِه الَّتي رُدَّتْ عَلَيهِ بنُكولِ صاحِبِه. وفي كلِّ مَوضِعٍ قُلْنا: هو بَينَهما نِصْفانِ؛ إنَّما يَحلِفُ كلٌّ منهما على النِّصف الَّذي يجعله (٨) له. (وَإِنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً)، المُسَنَّاةُ: السَّدُّ الَّذي يَرُدُّ ماءَ النَّهر مِنْ جانِبِه، (بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الآْخَرِ؛ تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا)، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح» و «الوجيز»؛ لِأنَّه حاجِزٌ بَينَ ملكيهما (٩)، يَنتَفِعُ به (١٠) كلُّ واحِدٍ

стр. 6509

منهما، أشْبَهَ الحائطَ بَيْنَ الدَّارَينِ. وقِيلَ: لِرَبِّ النَّهر. وقِيلَ: لِرَبِّ الأرض، ولِرَبِّ النَّهر الارتفاق (١) بها في تنظيفِ النَّهر. والحَوضُ كالنَّهر في ذلك. فرعٌ: إذا تَنازَعا جِدارًا بَينَ ملكيهما (٢)؛ فهو بَينَهما، ويَتحالَفانِ، ويَحلِفُ كلٌّ منهما للآخر (٣) أنَّ نِصفَه له. وفي «المغْنِي»: يَجُوزُ أنْ يَحلِفَ أنَّ كُلَّه له. (وَإِنْ تَنَازَعَا صَبِيًّا) مَجْهولَ النَّسب (فِي يَدَيْهِمَا؛ فَكَذَلِكَ (٤)؛ أيْ: يَتحالَفانِ وهو بَينَهما؛ لِأنَّه لا يُعبِّرُ عن نفسه، أشبه (٥) البهيمةَ، إلَّا أنْ يُعرَفَ أنَّ سبَبَ يدِه غَيرُ الملْك، مِثْلَ: أنْ يَلتَقِطَه؛ فلا تُقبَلُ دَعْواهُ لِرِقِّه؛ لِأنَّ اللَّقِيطَ محكومٌ بحُرِّيَّته، فأمَّا غَيرُه؛ فقد وُجِدَ فيه دليلُ الملْك، وهو اليَدُ، مِنْ غَيرِ مُعارَضَةٍ، فيُحكَمُ بِرِقِّه وإنْ لم يَدَّعِه. فعلى هذا: إذا بَلَغَ وادَّعَى الحريَّةَ؛ لم يُقبل (٦) منه؛ لِأنَّه محكومٌ برِقِّه قَبْلَ دَعْواهُ، فلو وَضَعَ يَدَه على بدنه، والآخَرُ على ثَوبه؛ فهو وثَوبُه للأوَّل. (وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَقَالَ: إِنِّي حُرٌّ؛ فَهُوَ حُرٌّ)، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية»، وجَزَم به في «الوجيز»، وذكر (٧) في «الشَّرح»: أنَّه الأَوْلَى؛ لِأنَّ

стр. 6510

الظَّاهِرَ الحرِّيَّةُ، وهي الأصلُ في (١) بني آدَمَ (٢)، ولِأنَّه يُعرِبُ عن نفسه، أشْبَهَ البالِغَ، (إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ)؛ فيُعمَلُ بها. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ كَالطِّفْلِ)؛ أيْ: يكُون بَينَهما؛ لِأنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ، أشبه (٣) الطِّفْلَ، وكما لو اعْتَرَفَ بِرِقِّه. فرعٌ: إذا ادَّعَيَا رِقَّ بالِغٍ فصدَّقَهما؛ فهو لهما، وإنْ كذَّبَهما ولا بيِّنةَ؛ حَلَفَ لهما وخُلِّيَ، وإنْ صدَّقَ أحدَهما؛ فهو له؛ لِأنَّ رِقَّه إنَّما ثَبَتَ بإقْراره، وإنْ جَحَدَهما؛ قُبِلَ قَولُه في الأشْهَر. وفي «الرِّعاية»: إنْ سَكَتَ هو أو المميِّز؛ لم يَصِحَّ بَيعُهما. وقِيلَ: بَلَى. فإنْ أقاما بيِّنةً برِقِّيَّةِ أحدِهما، وأقامَ بيِّنةً بحُرِّيَّتِه؛ تَعارَضَتَا، وقِيلَ: تُقدَّمُ بيِّنةُ الحُرِّيَّة، وقِيلَ عَكْسُه (٤). (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ حُكِمَ لَهُ بِهَا)؛ لِأنَّ البيِّنةَ تُظهِرُ صاحِبَ الحقِّ. (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٥) بَيِّنَةٌ؛ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا)، قال القاضي: هو قِياسُ المذْهَب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّها أثبتت (٦) لصاحبها في وقتٍ لم تعارضه (٧) فيه البيِّنةُ الأُخْرَى، فيَثبُتُ الملْكُ فيه، ولهذا: له المطالَبةُ بالباقي ذلك الزَّمان، وتَعارَضَت البيِّنتان في الملْك في الحال، فسقطتا (٨)، وبقي (٩)

стр. 6511

ملْكُ السَّابِقِ تحت (١) اسْتِدامَتِه، مِثْلَ أنْ يشهد (٢) إحداهما أنَّها له منذُ سنةٍ، والأخْرَى أنَّها له منذُ سَنَتَينِ. وظاهِرُ الخِرَقِيِّ (٣): أنَّهما سَواءٌ، قدَّمه في «المحرَّر» (٤) و «الرِّعاية»، ورجَّحَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّ الشَّاهِدَ بالملْكِ الحادِثِ أَوْلَى؛ لجوازِ أنْ يَعمَلَ به دُونَ الأوَّلِ، فإذا لم يُرجَّحْ بهذا؛ فلا أقلَّ مِنْ التَّساوِي. وأجاب (٥) في «المغْنِي» عن ثُبوتِ الملْك في الزَّمَنِ الأوَّلِ: بأنَّ ذلك إنَّما يَثبُتُ تَبَعًا للزَّمَن الحاصِلِ، بدليلِ: أنَّه لو انْفَرَدَت الدَّعْوَى بالزَّمَن الماضِي؛ لم تُسمَعْ. (فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا، وَأُطْلِقَتِ الْأُخْرَى؛ فَهُمَا سَوَاءٌ)، هذا هو المذْهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز» ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّه لَيسَ في المطْلَقة ما يَقتَضِي التَّقْديمَ، فَوَجَبَ اسْتِواؤُهما، كما لو أُطلِقَتا (٦) جميعًا. (وَيَحْتَمِلُ: تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ)، هذا وَجْهٌ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ ومحمَّدٍ (٧)؛ لِأنَّ الملْكَ بها يَجُوزُ أنْ يكونَ ثابِتًا قَبْلَ المُؤَقَّتَةِ. (وَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالمِلْكِ، وَالْأُخْرَى بِالمِلْكِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ المِلْكِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ (٨) بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به

стр. 6512

في «الوجيز» (١): لا تُرجَّحُ (٢) به؛ لِأنَّهما اشْتَرَكا في إثْباتِ أصْلِ الملْك واليَدِ، فَوَجَبَ اسْتِواؤهما كذلك. والثَّاني: يقدَّم (٣) به؛ لِأنَّها شَهِدَتْ بزيادةٍ على الأخرى؛ كتقديمِ بيِّنةِ الجَرح على التَّعديل (٤). وعَنْهُ: لا تقدَّم (٥) إحداهما إلَّا بالسَّبق، أوْ سبَبٍ يُفِيدُه؛ كالنِّتاج في ملْكِه والإقْطاعِ، فأمَّا سببُ الإرْثِ أو الهبة (٦) أو الشِّراء فلا. قال في «المحرَّر»: فَعَلَى هاتَينِ: إنْ شَهِدَتْ بيِّنةٌ بملكٍ (٧) مُنذُ سَنَةٍ، وأطْلَقَت الأخرى؛ فهل هما سواءٌ، أوْ تُقدَّمُ المطْلِقةُ؟ على وَجْهَينِ. فإنْ شَهِدَتْ بيِّنةُ كلِّ واحِدٍ بسَبْقِ الملْك، أوْ سَبَبه؛ قدِّمت بيِّنةُ الخارِج. وقِيلَ: هما كغيرهما في السُّقوط وغَيرِه. وكذا إن (٨) اتَّفَقَ تاريخُهما، قاله في «الرِّعاية». (وَلَا تُرَجَّحُ (٩) إِحْدَاهُمَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ (١٠) الْعَدَالَةِ، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالمَرْأَتَينِ)، هَذَا هو المعمولُ به، وقاله (١١) أكثرُ

стр. 6513

العُلَماء؛ لِأنَّ الشَّرعَ قَدَّرَ الشَّهادةَ بمِقْدارٍ معلومٍ، وبالعدالة، وبالرَّجل والمرأتَينِ، فلم يَختَلِفْ ذلك بالزِّيادة. وعَنْهُ: ترجَّح (١) باشْتِهارِ العدالة، اخْتارَه ابنُ أبي موسى، وأبو الخَطَّاب، وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه أبْلَغُ، وهو قَولٌ في الرَّجُلَينِ، وتخريجٌ في كَثْرَةِ العَدَد؛ لِأنَّ أحَدَ الخَبَرينِ يرجَّح (٢) بذلك، والشَّهادةُ خَبَرٌ، ولأِنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بذلك. (وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، صحَّحه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الشاهدين (٣) حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيها، فيقدَّم (٤) على المخْتَلَفِ فيه. والثَّاني (٥): لا تُرجَّحُ بذلك، وقدَّمه في «الفروع»، بل يَتعارَضانِ؛ لِأنَّهما حُجَّتانِ، أشْبَهَتا البيِّنَتَينِ. (وَإِذَا (٦) تَسَاوَتَا تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّه لا مَزِيَّةَ لإحداهما (٧) على الأخرى، (وَقُسِمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا) على المذْهَب، وصحَّحه في «الشَّرح»، وفي «الكافي»: أنَّه الأَوْلى (٨)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لمَا رَوَى أبو مُوسَى: «أنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَما في بَعِيرٍ، وأقام كلٌّ منهما شاهِدَينِ، فَقَضَى النَّبيُّ ﷺ بالبعير

стр. 6514

بَينَهما» رواه أبو داودَ (١)، ولِأنَّ كلًّا منهما داخلٌ (٢) في نِصْفِ العَين، خارِجٌ في نِصفِها الآخَرِ، (بِغَيْرِ يَمِينٍ)، وهو (٣) قَولُ أكثرِهم؛ لِظَاهِرِ ما ذَكَرْناهُ. (وَعَنْهُ (٤): أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ؛ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا)، ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، فعلى هذا: يَحلِفُ كلٌّ منهما على النِّصف المحْكومِ له به، وكالخَبَرَينِ المتساوِيَينِ. وجَوابُه: الفَرْقُ؛ أنَّ كلَّ بيِّنةٍ في نِصْفِ العَينِ، والبيِّنةُ الرَّاجِحةُ يُحكَمُ بها مِنْ غَيرِ يمينٍ.

стр. 6515

ونَصَرَ في «عُيون المسائل»: يَسْتَهِمانِ على مَنْ يَحلِفُ، وتكُونُ العَينُ له، ونَقَلَه صالِحٌ (١). (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّ القُرعةَ مشروعةٌ في مَوضِعِ الإبهام (٢)، وهو مَوجُودٌ هنا، (فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ)؛ لِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ تكُونَ العَينُ لصاحِبِه، (وَأَخَذَهَا)؛ لِأنَّ ذلك فائدةُ القُرْعة. والمقدَّم في «الفروع»: أنَّه يأخُذُها مِنْ غَيرِ يمينٍ، ثُمَّ قال: وهل يَحلِفُ كلٌّ مِنهُما لِلآخَر؟ فِيهِ رِوايَتانِ. (فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ؛ لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَا: وَهِيَ (٣) مِلْكُهُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِهِ)؛ لِأنَّ مُجرَّدَ الشِّراء لا يُوجِبُ نَقْلَ الملْك؛ لِجَوازِ أنْ يَقَعَ مِنْ غَيرِ مالِكٍ، فلم يكُنْ بُدٌّ مِنْ انْضِمامِ الملك للبائع، ولِأنَّ مجرَّدَ الشِّراء لو أفاد لتمكَّنَ (٤) مَنْ أراد (٥) انْتِزاعَ ملكٍ (٦) مِنْ يَدِ شَخْصٍ بذلك، بأنْ يُوافِقَ شَخصًا لا مِلْكَ له على إِيقاع الشِّراء على الملك الَّذي (٧) في يَدِ ذلك الشَّخص، ويَنزِعُه منه، وذلك ضَرَرٌ عظيمٌ. (وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ (٨) مِلْكُهُ، وَادَّعَى الآْخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ (٩) مِلْكُهُ، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ؛ تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّهما
следующие страницы →