← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

ملْكُ السَّابِقِ تحت (١) اسْتِدامَتِه، مِثْلَ أنْ يشهد (٢) إحداهما أنَّها له منذُ سنةٍ، والأخْرَى أنَّها له منذُ سَنَتَينِ. وظاهِرُ الخِرَقِيِّ (٣): أنَّهما سَواءٌ، قدَّمه في «المحرَّر» (٤) و «الرِّعاية»، ورجَّحَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّ الشَّاهِدَ بالملْكِ الحادِثِ أَوْلَى؛ لجوازِ أنْ يَعمَلَ به دُونَ الأوَّلِ، فإذا لم يُرجَّحْ بهذا؛ فلا أقلَّ مِنْ التَّساوِي. وأجاب (٥) في «المغْنِي» عن ثُبوتِ الملْك في الزَّمَنِ الأوَّلِ: بأنَّ ذلك إنَّما يَثبُتُ تَبَعًا للزَّمَن الحاصِلِ، بدليلِ: أنَّه لو انْفَرَدَت الدَّعْوَى بالزَّمَن الماضِي؛ لم تُسمَعْ. (فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا، وَأُطْلِقَتِ الْأُخْرَى؛ فَهُمَا سَوَاءٌ)، هذا هو المذْهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز» ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّه لَيسَ في المطْلَقة ما يَقتَضِي التَّقْديمَ، فَوَجَبَ اسْتِواؤُهما، كما لو أُطلِقَتا (٦) جميعًا. (وَيَحْتَمِلُ: تَقْدِيمُ المُطْلَقَةِ)، هذا وَجْهٌ، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ ومحمَّدٍ (٧)؛ لِأنَّ الملْكَ بها يَجُوزُ أنْ يكونَ ثابِتًا قَبْلَ المُؤَقَّتَةِ. (وَإِنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالمِلْكِ، وَالْأُخْرَى بِالمِلْكِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ المِلْكِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ (٨) بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به

стр. 6512

في «الوجيز» (١): لا تُرجَّحُ (٢) به؛ لِأنَّهما اشْتَرَكا في إثْباتِ أصْلِ الملْك واليَدِ، فَوَجَبَ اسْتِواؤهما كذلك. والثَّاني: يقدَّم (٣) به؛ لِأنَّها شَهِدَتْ بزيادةٍ على الأخرى؛ كتقديمِ بيِّنةِ الجَرح على التَّعديل (٤). وعَنْهُ: لا تقدَّم (٥) إحداهما إلَّا بالسَّبق، أوْ سبَبٍ يُفِيدُه؛ كالنِّتاج في ملْكِه والإقْطاعِ، فأمَّا سببُ الإرْثِ أو الهبة (٦) أو الشِّراء فلا. قال في «المحرَّر»: فَعَلَى هاتَينِ: إنْ شَهِدَتْ بيِّنةٌ بملكٍ (٧) مُنذُ سَنَةٍ، وأطْلَقَت الأخرى؛ فهل هما سواءٌ، أوْ تُقدَّمُ المطْلِقةُ؟ على وَجْهَينِ. فإنْ شَهِدَتْ بيِّنةُ كلِّ واحِدٍ بسَبْقِ الملْك، أوْ سَبَبه؛ قدِّمت بيِّنةُ الخارِج. وقِيلَ: هما كغيرهما في السُّقوط وغَيرِه. وكذا إن (٨) اتَّفَقَ تاريخُهما، قاله في «الرِّعاية». (وَلَا تُرَجَّحُ (٩) إِحْدَاهُمَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَلَا اشْتِهَارِ (١٠) الْعَدَالَةِ، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالمَرْأَتَينِ)، هَذَا هو المعمولُ به، وقاله (١١) أكثرُ

стр. 6513

العُلَماء؛ لِأنَّ الشَّرعَ قَدَّرَ الشَّهادةَ بمِقْدارٍ معلومٍ، وبالعدالة، وبالرَّجل والمرأتَينِ، فلم يَختَلِفْ ذلك بالزِّيادة. وعَنْهُ: ترجَّح (١) باشْتِهارِ العدالة، اخْتارَه ابنُ أبي موسى، وأبو الخَطَّاب، وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه أبْلَغُ، وهو قَولٌ في الرَّجُلَينِ، وتخريجٌ في كَثْرَةِ العَدَد؛ لِأنَّ أحَدَ الخَبَرينِ يرجَّح (٢) بذلك، والشَّهادةُ خَبَرٌ، ولأِنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بذلك. (وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، صحَّحه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الشاهدين (٣) حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيها، فيقدَّم (٤) على المخْتَلَفِ فيه. والثَّاني (٥): لا تُرجَّحُ بذلك، وقدَّمه في «الفروع»، بل يَتعارَضانِ؛ لِأنَّهما حُجَّتانِ، أشْبَهَتا البيِّنَتَينِ. (وَإِذَا (٦) تَسَاوَتَا تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّه لا مَزِيَّةَ لإحداهما (٧) على الأخرى، (وَقُسِمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا) على المذْهَب، وصحَّحه في «الشَّرح»، وفي «الكافي»: أنَّه الأَوْلى (٨)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لمَا رَوَى أبو مُوسَى: «أنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَما في بَعِيرٍ، وأقام كلٌّ منهما شاهِدَينِ، فَقَضَى النَّبيُّ ﷺ بالبعير

стр. 6514

بَينَهما» رواه أبو داودَ (١)، ولِأنَّ كلًّا منهما داخلٌ (٢) في نِصْفِ العَين، خارِجٌ في نِصفِها الآخَرِ، (بِغَيْرِ يَمِينٍ)، وهو (٣) قَولُ أكثرِهم؛ لِظَاهِرِ ما ذَكَرْناهُ. (وَعَنْهُ (٤): أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ؛ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا)، ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، فعلى هذا: يَحلِفُ كلٌّ منهما على النِّصف المحْكومِ له به، وكالخَبَرَينِ المتساوِيَينِ. وجَوابُه: الفَرْقُ؛ أنَّ كلَّ بيِّنةٍ في نِصْفِ العَينِ، والبيِّنةُ الرَّاجِحةُ يُحكَمُ بها مِنْ غَيرِ يمينٍ.

стр. 6515

ونَصَرَ في «عُيون المسائل»: يَسْتَهِمانِ على مَنْ يَحلِفُ، وتكُونُ العَينُ له، ونَقَلَه صالِحٌ (١). (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّ القُرعةَ مشروعةٌ في مَوضِعِ الإبهام (٢)، وهو مَوجُودٌ هنا، (فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ)؛ لِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ تكُونَ العَينُ لصاحِبِه، (وَأَخَذَهَا)؛ لِأنَّ ذلك فائدةُ القُرْعة. والمقدَّم في «الفروع»: أنَّه يأخُذُها مِنْ غَيرِ يمينٍ، ثُمَّ قال: وهل يَحلِفُ كلٌّ مِنهُما لِلآخَر؟ فِيهِ رِوايَتانِ. (فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ؛ لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَا: وَهِيَ (٣) مِلْكُهُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ بِهِ)؛ لِأنَّ مُجرَّدَ الشِّراء لا يُوجِبُ نَقْلَ الملْك؛ لِجَوازِ أنْ يَقَعَ مِنْ غَيرِ مالِكٍ، فلم يكُنْ بُدٌّ مِنْ انْضِمامِ الملك للبائع، ولِأنَّ مجرَّدَ الشِّراء لو أفاد لتمكَّنَ (٤) مَنْ أراد (٥) انْتِزاعَ ملكٍ (٦) مِنْ يَدِ شَخْصٍ بذلك، بأنْ يُوافِقَ شَخصًا لا مِلْكَ له على إِيقاع الشِّراء على الملك الَّذي (٧) في يَدِ ذلك الشَّخص، ويَنزِعُه منه، وذلك ضَرَرٌ عظيمٌ. (وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ (٨) مِلْكُهُ، وَادَّعَى الآْخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ (٩) مِلْكُهُ، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ؛ تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّهما

стр. 6516

اسْتَوَيَا في السَّبب وثُبوتِ الملك، وذلك يُوجِبُ التَّعارُضَ، وظاهِرُه: ولو أرَّخا (١)، وهو رِوايةٌ، وهي المذْهَبُ. والثَّانِيةُ: يُقدَّم أسْبَقُهما تاريخًا، وإنْ كانَتْ في يَدِ أحدِهما؛ فهي للخارج. فرعٌ: مَنْ ادَّعى دارًا في يَدِه، فأقام زَيدٌ بيِّنةً أنَّه اشْتَراها مِنْ عَمْرٍو حِينَ كانَتْ مِلكَه، وسلَّمها إلَيهِ؛ فهي لزيدٍ (٢)، وإلَّا فلا. وكذا دَعْوَى وَقْفِها عَلَيهِ مِنْ عمْرٍو، وهِبَتِها له منه. ومَن أَقَرَّ لِزَيدٍ بشَيءٍ ادَّعاه، وذَكَرَ تَلَقِّيهِ منه؛ سُمِعَ، وإلَّا فَلَا. وإنْ أخَذَ منه ببيِّنةٍ، ثُمَّ ادَّعاه، فهل يَلزَمُ ذِكْرُ تَلَقِّيهُ منه؟ قال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ وجهين (٣). إذا قال: آجَرْتُك هذا البَيتَ بعَشَرةٍ، فقال المسْتَأْجِرُ: بل جميعَ الدَّار، وأقاما بيِّنتَينِ؛ تَعارَضَتَا. وقِيلَ: يُقدَّمُ قول (٤) المسْتَأْجِرِ. (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَقَامَ الآْخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ)؛ لِأنَّها شَهِدَتْ بأمْرٍ خَفِيٍّ على بيِّنةِ الملْك، ولا تَعارُضَ بَينَهما، فثبت (٥) الملْكُ للأوَّل، والشِّراءُ منه للثَّانِي، ولم تُرفع يَدُه، بَلْ تقرُّ في يَدِه، ولا تُؤخذ (٦) منه؛ لِأنَّه قد حُكِمَ بأنَّ بينته مُقدَّمةٌ، بخِلافِ الحُكْم في مسألةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، فإنَّ اليَدَ تُرفَعُ فِيهَا؛ لِأنَّ صاحِبَ اليَدِ هو الدَّاخِلُ؛ كقَولِه: أبْرَأَنِي مِنْ الدَّين؛ لِأنَّ مَعَها زِيادةُ عِلْمٍ.

стр. 6517

أمَّا لو قال: لي بيِّنةٌ غائبةٌ؛ طُولِبَ بالتَّسْلِيمِ؛ لأِنَّ تأْخِيرَه يَطُولُ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في بيِّنةٍ شهدت (١) له بملك (٢) إلى حِينِ وَقْفِه، وأقامَ وارِثٌ بيِّنةً أنَّ مُوَرِّثَه اشْتَراهُ من الواقِف قَبْلَ وقْفِه: قدِّمَتْ بيِّنةُ وَارِثٍ؛ لِأنَّ معها مَزِيدَ عِلْمٍ؛ كتَقْدِيمِ مَنْ شَهِدَ بأنَّه وَرِثَه مِنْ أبِيهِ، وآخَرَ أنَّه باعَهُ (٣). (وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بيِّنةً أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِأَبِي خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأَقَامَتِ امْرَأَتُهُ (٤) بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا؛ فَهِيَ لِلْمَرْأَةِ)؛ لِأنَّ بَيِّنتَها شَهِدَتْ بالسَّبب المقْتَضِي لِنَقْلِ الملْكِ، وقَولُ الاِبْنِ: إِنَّ أَبَاهُ تَرَكَهَا تَرِكَةً؛ لَا تُعَارِضُهَا، وَإنْ نافَتْها؛ فلأنَّ (٥) مُستَنَدَها فِيهِ هو (٦) الاِسْتِصْحابُ، وقد تبيَّنَ قَطْعُه بقِيامِ البيِّنة على سَبَبِ النَّقْل، فإنْ لم يكُنْ لها بيِّنةٌ؛ فيُصدَّقُ الاِبْنُ إنْ حَلَفَ. تنبيهٌ: إذا كانَتْ دارٌ بِيَدِ زَيدٍ، فأقام كلُّ واحِدٍ بيِّنةً أنَّه اشْتَراها مِنْ زَيدٍ بكذا، وقِيلَ (٧) أو (٨) لم يَقُلْ: وهي (٩) مِلكُه، بل (١٠) كانَتْ تَحتَ يَدِه وقْتَ البَيعِ، واتَّحد (١١) تاريخُهما (١٢)؛ تَعارَضَتَا.

стр. 6518

فإنْ قُلْنا: تُقْسَم (١)؛ تَحالَفَا، ورَجَعَ كلُّ واحِدٍ على زَيدٍ بما وَزَنَ له. وقِيلَ: بنِصْفِ الثَّمن، وله الخِيارُ في فَسْخِ البَيعِ؛ لِأنَّ الصَّفْقَةَ تبعَّضَتْ عَلَيهِ. فإنْ فَسَخَ أحدُهما؛ فلِلآخَرِ طَلَبُ كلِّ الدَّار، إلَّا أنْ يكونَ الحاكِمُ قد حَكَمَ له بنصفِ السِّلعة ونِصْفِ الثَّمن، فلا يَعُودُ النِّصفُ الآخَرُ إلَيهِ، وإنْ أقْرَعْنا؛ فهي لمَنْ قَرَعَ، وفي اليمين الخِلافُ السَّابِقُ، وإنْ سقطتا (٢) فكما سَبَقَ. وإنِ اخْتَلَفَ تاريخهُما؛ حُكِمَ بالأسْبَقِ، وغَرِمَ البائع (٣) الثَّمَنَ للثَّاني. وإن (٤) أُرِّخَتْ إحْداهما، أوْ لَمْ تؤرَّخا (٥)؛ تَعارَضَتَا في الملْك في الحال، لا في الشِّراء؛ لِجَوازِ تعدُّدِه وتجدُّده. وإنِ ادَّعاها زَيدٌ لِنَفْسه؛ حَلَف لهما مرَّةً، قدَّمه في «الرِّعاية». وقِيلَ: إنْ قُلْنا: يَسقُطانِ؛ حَلَفَ لكلِّ واحِدٍ يمينًا وأخَذَها، وإنْ قُلْنا بالقُرعة؛ فمَن قَرَعَ منهما غَيرَ زَيدٍ حَلَفَ أنَّها له وَحْدَه وأخَذَها، وإنْ قُلْنا: تُقسم (٦)؛ فلكلٍّ منهما نصفُها بنِصْفِ الثَّمَن، ذَكَرَه في «الكافي». وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ الكَوسَجِ: في رَجُلٍ أقامَ البيِّنةَ أنَّه (٧) اشْتَرَى

стр. 6519

سلعةً بمِائَةٍ، وأقامَ آخر (١) بيِّنةً أنَّه اشْتَراها؛ فكلٌّ منهما يَستَحِقُّ نصفَ السِّلعة بنِصْفِ الثَّمَن، فيَكُونانِ شَرِيكَينِ (٢).

стр. 6520

(فَصْلٌ) (القِسْمُ (١) الثَّالِثُ: تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا)، نقولُ: إذا ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنفسه؛ قُبِلَ قَولُه مع يمينِه بغَيرِ خِلافٍ (٢)، ويَحلِفُ لكلِّ واحدٍ يمينًا على (٣) الأَشْهَرِ، فإنْ نَكَلَ عنها؛ لَزِمَه العَينُ لهما أوْ عوضها (٤)، وإنْ لم يكُنْ كذلك، (فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا)؛ لمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: «أنَّ رجلين تَداعَيَا في دابَّةٍ لَيسَ لِواحِدٍ منهما بيِّنةٌ، فأمَرَهُما النَّبيُّ ﷺ أنْ يَسْتَهِما على اليمين (٥)» رواهُ أحمدُ، وأبو داود (٦) وابنُ ماجَهْ، وإسْنادُه ثِقاتٌ (٧)، ولِأنَّ القُرْعةَ تُمَيِّزُ عِنْدَ التَّساوِي، ولِأنَّه لَا مَزِيَّةَ لأِحَدِهما، أشْبَهَ ما لو أعْتَقَ أحد (٨) عَبدَيهِ في مَرَضِه، (فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ حَلَفَ وَأَخَذَهَا)؛ لِمَا ذَكَرْنا. وقِيلَ: يَقتَسِمانها، ويَتحالَفانِ.

стр. 6521

وقِيلَ: مَنْ قَرَعَ مِنْ المدعيين (١) وحَلَفَ فهِيَ له. وذَكَرَ جماعةٌ: أنَّه إذا اعْتَرَفَ أنَّه (٢) لا يَمْلِكُها، وقال: لا أعْرِفُ صاحِبَها، وصدَّقاهُ في (٣) نَفْيِ العِلْم؛ لم يَحلِفْ، وأُخِذَتْ منه، واقْتَرَعَا، فمَن قَرَعَ صاحِبَه؛ حَلَفَ أنَّها له وأخَذَها. وإنْ كذَّباهُ أوْ أحدُهما؛ لَزِمَه يمينٌ واحِدةٌ بذلك، واقترعا (٤) قَبْلَ حَلِفِه الواجِبِ وبَعدَه، وإنْ نَكَلَ تعيَّنَ قَبْلَه. وإن اقْتَرَعا قَبْل؛ فلا حَلِفَ عَلَيهِ؛ كغَيرِ المقْروعِ المكذِّبِ له. فإنْ نَكَلَ؛ لَزِمَه القِيمةُ. وعَنْهُ: يَقِفُ الحُكْمُ حتَّى يأتِيا بأمرٍ بيِّن (٥)، قال (٦): لِأنَّ إحْداهُما كاذِبَةٌ، فسَقَطَتَا، كما لو ادَّعَيَا زَوجِيَّةَ امرأةٍ، وأقام كلُّ واحِدٍ البيِّنة، ولَيسَتْ بِيَدِ أحَدِهما، فإنَّهما يَسقُطانِ، كذا هُنَا. (فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى عَبْدًا) مُكلَّفًا، (فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا؛ لَمْ يُرَجَّحْ (٧) بِإِقْرَارِهِ)، هذا رِوايَةٌ ذَكَرَها القاضي وغَيرُه؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ، وهو مَحجُورٌ عَلَيهِ، أشْبَهَ الطِّفْلَ. والمذْهَبُ: أنَّه إذا صَدَّقَ أحدَهما؛ فهو له كمُدَّعٍ واحِدٍ، وإن (٨) صدَّقهما فهو لهما، وإنْ جَحَدَ؛ قُبِلَ قَولُه، وحُكِيَ: لَا. وإنْ كان غَيرَ مُكلَّفٍ؛ لم يُرجَّحْ بإقْراره.

стр. 6522

مسائلُ: إذا أقرَّ بها لأِحدهما بعَينِه؛ حَلَفَ وأخَذَها، ويَحلِفُ المقِرُّ للآخَر، وإنْ نَكَلَ؛ أخَذَ منه بَدَلَها. وإنْ أخَذَها المُقَرُّ له، فأقام الآخَرُ بيِّنةً؛ أخَذَهَا منه، قال في «الرَّوضة»: للمُقَرِّ له قِيمتُها على المُقِرِّ. وإنْ أقرَّ بها لهما، ونكل عن (١) التَّعْيين؛ اقْتَسماها. وإن قال: هِيَ لأِحدِهما وأجهلُه (٢)، فإنْ صدَّقاه؛ لم يَحلِفْ، ويُقرَعُ بَينَهما، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وأخَذَها، نَصَّ عَلَيهِ (٣). (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ حُكِمَ لَهُ بِهَا) بغَيرِ خِلافٍ (٤)؛ لِأنَّها أظْهَرَتْ أنَّه المسْتَحِقُّ للعَينِ المالِكُ لها. (وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (٥) بَيِّنَةٌ؛ تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحدهما (٦) على الأُخْرى، وسَواءٌ كان مُقِرًّا لهما، أوْ لِأَحدهما لا بعَينه، أوْ لَيستْ بِيَدِ أحدٍ، (وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ)، وفِيهِ رِوايَتانِ: إحْداهما (٧): القُرْعةُ، وهي ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وصححه ابنُ المنَجَّى (٨)، ورُوِيَ عن ابن (٩) عمرَ (١٠)،

стр. 6523

وابنِ الزُّبَير (١)، وقاله (٢) إسحاقُ وأبو عُبَيدٍ؛ لمَا رَوَى ابنُ المسيِّب: «أنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ في أمْرٍ، وجاء كلُّ واحِدٍ منهما بشُهودٍ عُدولٍ، فأسهم (٣) النَّبيُّ ﷺ بَينَهما» رَواهُ الشَّافِعِيُّ (٤)، وقياسًا (٥) على ما إذا لم يكن (٦) بيِّنةٌ. فَعَلَى هذا: مَنْ خَرَجَتْ له القُرعةُ؛ أخَذَها مِنْ غَيرِ يمينٍ، وقال أبو الخَطَّاب: عَلَيهِ اليمينُ مع بينته (٧)؛ ترجيحًا لها (٨). والثَّانِيَةُ: تُقْسَمُ العَينُ بَينَهما؛ لحديث (٩) أبي مُوسَى في البعير (١٠).

стр. 6524

والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه (١) على أنَّ العَينَ في يَدِهِما. وفي قَولٍ: يَتوقَّفُ الأمْرُ حتَّى يتبين (٢). فرعٌ: إذا أنْكَرَهُما مَنْ العينُ (٣) في يده، وكانَتْ لأِحَدِهما بيِّنةٌ؛ حُكِمَ له بها. وإنْ أقام كلٌّ منهما بيِّنةٌ، فإنْ قُلْنا: تستعمل (٤) البَيِّنتان (٥)؛ أُخِذَت العَينُ مِنْ يَدِه وقُسِمَتْ بَينَهما، أوْ يدفع (٦) إلى مَنْ تخرج (٧) له القُرْعةُ، وهو المشْهورُ، وإنْ قُلْنا بسقوطهما (٨)؛ حَلَفَ صاحِبُ اليَدِ وأُقِرَّتْ في يده؛ كما لو لم تكن بيِّنةٌ. (فَإِنْ (٩) أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا؛ لَمْ يُرَجَّح (١٠) بِذَلِكَ)؛ كإقْرارِ العَبْد لأِحَدِ المدَّعِيَينِ، إذا قُلْنا: لا تسقط (١١) البيِّنتان؛ لِأنَّه ثَبَتَ زَوالُ ملكِه، فصار كالأجنبي (١٢). وإنْ قُلْنا بسُقوطهما، فأَقَرَّ لأِحَدِهما، أوْ لهما؛ قُبِلَ إقْرارُه، فإن (١٣)

стр. 6525

أقرَّ (١) لِأحَدِهما في الاِبْتِداء، صار المقَرُّ له صاحِبَ اليَدِ؛ لِأنَّ مَنْ في يَدِه العَينُ مُقِرٌّ بأنَّ يَدَه نائبةٌ عن يَدِه. وإنْ أَقَرَّ لهما جميعًا؛ فاليَدُ لكلٍّ مِنهما في الجُزء الَّذي أُقِرَّ له (٢) به، قاله في «الشَّرح» وغَيرُه. وفي «المحرَّر» و «الرِّعاية»: أنَّه إذا أَقَرَّ لأِحَدِهما بها (٣)؛ أنَّها (٤) له مع يمينه، ثُمَّ يَحلِفُ المقِرُّ لِلآخَر على الأصحِّ، فإنْ نَكَلَ لَزِمَه عِوَضُها. فرعٌ: أَخَذَ ثَوبًا مِنْ زَيدٍ بعَشَرَةٍ، وآخَرَ مِنْ عَمْرٍو بعِشْرينَ، فادَّعَى كلٌّ منهما الأكثرَ قِيمةً، ولا بيِّنةَ؛ اقْتَرَعا، فمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وأخَذَ الأكثرَ قِيمةً، والباقِي لِلآخَر، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لِأنَّهما تَنازَعَا عَينًا في يَدِ غَيرِهما. وفي «الرِّعاية»: وكذا إن اشْتَراها منهما اثْنانِ، أوْ باعَهُ لهما واحِدٌ. (وَإِنِ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِيَ لَهُ (٦)؛ لِأنَّه صاحِبُ اليَدِ، وهو مُنكِرٌ، فلَزِمَتْه اليَمِينُ؛ للخَبَر، وكَمَنْ لا بيِّنةَ له. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ المُدَّعِيَيْنِ)؛ لِأنَّه يَظهَرُ المستحق (٧) لهما (٨) دُونَ صاحِبِ اليَدِ، (فَيَكُونُ لمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ)؛ لِأنَّ بَيِّنتَهما أظْهَرَتْ أنَّهما المسْتَحِقَّانِ لها، وأنَّه لا حَقَّ لصاحِبِ اليَدِ، فرجحت (٩) إحدى البيِّنتَينِ

стр. 6526

بالقُرْعة؛ كما لو (١) أقرَّ صاحِبُ اليَدِ لأِحَدِهما لكِنْ لا يَعلَمُه بعَينِه. تنبيه: إذا (٢) ادَّعَى أنَّه اشْتَرَى أو اتَّهَبَ مِنْ زَيدٍ عَبدَه، وادَّعَى آخر كذلك، أو ادَّعى (٣) العَبْدُ العِتْقَ، وأقاما بيِّنتَينِ بذلك؛ قدَّمْنا أسْبَقَ التَّصَرُّفَينِ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ، وإلاَّ تَعَارَضَتَا، فيَسْقُطانِ، أوْ يُقسَمُ، أوْ يُقرَعُ كما سَبَقَ. وعَنْهُ: تُقدَّمُ بيِّنةُ العِتْقِ. ولو كان العَبْدُ بيَدِ أحدِ المُتَداعِيَيْنِ أوْ يَدِ نَفْسِه؛ فالحُكْمُ كذلك؛ إلْغاءً لهذه اليَدِ، للعِلْم بمُسْتَنَدِها، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، واخْتارَهُ أبو بكرٍ. وعَنْهُ: أنَّها (٥) يَدٌ مُعتَبَرةٌ، فلا تَعارُضَ، بل الحُكْمُ على الخِلافِ في الدَّاخِلِ والخارِجِ، قالَهُ المجْدُ رحمه الله تعالى. (وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً (٦)؛ انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ)؛ لأنَّ المشْتَرِيَ داخِلٌ؛ لأِنَّ يَدَه على العبد، والعَبْدَ خارِجٌ؛ لِأنَّه لَيسَتْ له يَدٌ. هذا إذا (٧) كانا بتاريخٍ واحِدٍ، فإنْ كانا (٨) بتاريخَينِ مُختَلِفَينِ؛ قدَّمْنا الأُولَى، وبَطَلَت الأُخْرَى؛ لِأنَّه إنْ سَبَقَ العِتْقُ؛ لم يَصِحَّ البَيع، وإنْ سبقَ (٩) البَيعُ لم يَصِحَّ العِتْقُ؛ لِأنَّه أعْتَقَ عَبدَ غَيرِه.

стр. 6527

لا يُقالُ: يَحتَمِلُ أنَّه عاد إلى ملكِه فأعْتَقَه؛ لِأنَّه قد ثَبَتَ الملْكُ للمُشْتَرِي، فلا يُبطِلُه عِتْقُ البائع. (وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ زَيْدٍ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي (١) يَدِ غَيْرِهِمَا)؛ لِأنَّ العَبدَ عَينٌ، وهو في يَدِ غَيرِ المتنازِعَينِ، فَعَلَى هذا: يُرجَعُ إلى قَولِ زَيدٍ، فإنْ أنْكَرَهما؛ فالْقَولُ قَولُه مع يمينه؛ لِأنَّه مُنكِرٌ، وإنْ أَقَرَّ لِأحَدِهما؛ قُبِلَ إقْرارُه، وحَلَفَ لِلآْخَرِ، وإنْ أقامَ أحَدُهما بيِّنةً؛ حُكِمَ له بها، وإنْ أقامَ كلٌّ منهما (٢) بيِّنةً؛ قُدِّمَت السَّابِقةُ، وإنْ قُلْنا بالقُرْعة؛ أُقْرِعَ بَينَ المشْتَرِي والعَبْدِ، فمَنْ خَرَجَتْ له القُرْعةُ؛ حَلَفَ وحُكِمَ له، وإنْ قُلْنا بالقِسْمة؛ جُعِلَ نِصفُ العَبْد مَبِيعًا ونِصفُه حُرًّا، ثُمَّ يَسْرِي إلى باقِيهِ إنْ كان البائعُ مُوسِرًا. (وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ (٣) مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَصَدَّقَهُمَا؛ لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكونَ اشْتَراهُ مِنْ أحدِهما، ثُمَّ مَلَكَه الآخر (٤) فاشْتَراهُ منه. فإنْ قال: اشْتَرَيْتُه مِنْ كلِّ واحِدٍ منكما صفقةً واحدةً؛ فقد أقرَّ لكلٍّ منهما بنصفِ الثَّمَن، وله تحليفُه على الباقي، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِنْ أَنْكَرَهُمَا؛ حَلَفَ لَهُمَا وَبَرِئَ)؛ لِأنَّ مَنْ أنْكَرَ وجبت عليه اليَمِينُ، ويَحلِفُ لكلٍّ منهما يَمِينًا، ذَكَرَه في «الكافي». (وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا؛ لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ)؛ لِتَوافُقِهما على صِحَّةِ دَعْواهُ، (وَحَلَفَ (٥) لِلآْخَرِ)؛ لِأنَّه مُنكِرٌ. (وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ؛ فَلَهُ الثَّمَنُ)؛ لِأنَّ البيِّنةَ مُقدَّمةٌ على الإنكار؛ للخَبَرِ، (وَيَحْلِفُ لِلآْخَرِ)؛ لِأنَّه مُنكِرٌ.

стр. 6528

(وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا؛ لاِخْتِلَافِ تَارِيخِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِ إِحْدَاهُمَا (١) وَتَارِيخِ الْأُخْرَى؛ عُمِلَ بِهِمَا)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية» و «الوجيز»؛ لِأنَّ البيِّنةَ حُجَّةٌ شرعيَّةٌ، فإذا أمْكَنَ صِدْقُهما من الجانِبَينِ؛ وَجَبَ العَمَلُ بهما (٢)، كالخَبَرَينِ إذا أمْكَنَ العَمَلُ بهما. وقِيلَ: إذا لم يُؤرَّخَا أوْ أحدُهما؛ تَعارَضَتَا؛ كما لو اتَّحَدَ تاريخُهما. وفي «الكافي»: باحتمال (٣) اسْتِواءِ تاريخهما، والأصلُ براءةُ الذِّمَّة. والأوَّلُ أَوْلَى. وذكر (٤) في «الشَّرح» سُؤالاً: وهو أنَّه لِمَ قُلتُمْ: إنَّ البائعَ إذا كان واحِدًا والمشْتَرِي اثْنَينِ، فأقام أحدُهما بيِّنةً أنَّه اشْتَراهُ في المحرَّم، وأقام الآخَرُ بيِّنةً أنَّه اشْتَراهُ في (٥) صَفَرٍ؛ يكون (٦) شِراءُ الثَّانِي باطِلاً؟ وأجاب عنه: بأنَّه إذا ثَبَتَ الملْكُ للأوَّل (٧) لم يُبطِلْه بأنْ يبيعه (٨) للثَّاني (٩) ثانيًا (١٠)، وفي مسألتنا ثُبوتُ شِرائه مِنْ كلِّ واحدٍ مِنهُما يُبطِلُ مِلْكَه؛ لِأنَّه لا

стр. 6529

يَجوزُ أنْ يَشتَرِيَ ثانيًا مِلْكَ نفسِه، ويَجوزُ للبائع أنْ يَبِيعَ ما لَيسَ له، فافْتَرَقَا. (وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا؛ تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّهما تَسَاوَيَا، والتَّساوِي يُوجِبُ التَّعارُضَ، (وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ)؛ لِأنَّه في مَعْناهُ، فإنْ قُلْنا بالتَّساقُط؛ رُجِعَ إلى قَولِ المدَّعَى عَلَيهِ، كما لو لم تكُنْ بيِّنةً، فَعَلَى هذا: لا يَلزَمُ المدَّعَى عَلَيهِ شَيءٌ من الثَّمن. وإنْ قُلْنا بالقُرعة؛ وَجَبَ الثَّمَنُ لمَن تَخرُجُ له القُرعةُ، ويَحلِفُ لِلآخَر ويَبرَأُ. وإنْ قُلْنا بالقِسْمة؛ قُسِمَ الثَّمنُ بَينَهما، ويَحلِفُ لكلِّ واحدٍ (١) مِنهُما على الباقِي. (وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَنِي إِيَّاهُ بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً؛ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا)؛ لِأنَّ نَقْلَ الملْك حاصِلٌ لمَنْ سَبَقَ، فوُقُوعُ العَقْد بَعْدَ ذلك لا يَصِحُّ. (وَإِنْ (٢) لَمْ تَسْبِقْ (٣) إِحْدَاهُمَا؛ تَعَارَضَتَا)؛ لِأنَّهما تساويا، وهو مُوجِبٌ للتَّعارُضِ. (وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِي إِيَّاهُ، وَقَالَ الآْخَرُ: مَلَّكَنِيهِ، أَوْ أَقَرَّ لِي بِهِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً؛ فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ)؛ لِأنَّه لا تَعارُضَ بَينَهما؛ لجِوازِ أنْ يكُونَ غَصَبَه من هذا ثُمَّ مَلَّكَهُ لِلآخَر، (وَلَا يَغْرَمُ لِلآْخَرِ شَيْئًا)؛ لِأنَّه لم يَحُلْ بَينَه وبَينَ ما أقرَّ به، وإنَّما (٤) حالت البيِّنةُ (٥) بَينَهما. فرعٌ: إذا ادَّعى عَمْرٌو عبدًا بِيَدِ زَيدٍ، وأقامَ بيِّنةً أنَّه اشْتَراهُ منه (٦)، وأقامَ

стр. 6530

زَيدٌ بَيِّنةً أنَّه اشْتَراهُ مِنْ عَمْرٍو؛ قدِّمت (١) بيِّنةُ زَيدٍ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وذَكَرَه القاضِي، وقال: لم يَتناقَضْ به أصْلُنا في تَقْديمِ بيِّنةِ الخارج؛ لِأنَّا نَقُولُ ذلك إذا كانت الدَّاخِلَةُ لا تُفِيدُ إلَّا ما تفيده (٢) اليَدُ، وهذه تُفِيدُ اليَدَ والشِّراءَ. وقِيلَ: تُقدَّمُ بيِّنةُ عَمْرٍو؛ لجَوازِ أنْ يكُونَ اشْتَراهُ مِنْ زَيدٍ ولم يَقبِضْه. ويَحتَمِلُ أنْ يكُونَ قد اشْتَراهُ زَيدٌ مِنْ عمرٍو وقَبَضَه منه. والصَّحيحُ عِنْدَ السَّامَرِّيُّ: التَّعارُضُ والتَّساقط (٣)، وأنَّه يَبقَى لِزَيدٍ إنْ حلف (٤). خاتمةٌ (٥): ادَّعى نكاحَ صغيرةٍ في يَدِه، فُرِّقَ بَينَهما، وفَسَخَه الحاكِمُ، إلَّا أنْ يكونَ له بيِّنةٌ؛ لِأنَّ النِّكاحَ لا يَثبُتُ إلاَّ بعَقْدٍ وشَهادةٍ، وإنْ صَدَّقَتْهُ إذا بَلَغَتْ؛ قُبِل (٦)، ذَكَرَه في «الكافي»، وفي «الرِّعاية»: هو (٧) أظهر. وإن ادَّعَى زوجيَّةَ امرأةٍ، فأقرَّتْ بذلك؛ قُبِلَ إقْرارُها؛ لِأنَّها أقرَّتْ على نفسها، وهي غَيرُ مُتَّهَمةٍ؛ لِأنَّها لو أرادت النِّكاحَ؛ لم تُمنَع (٨) منه. فإن ادَّعاها اثْنانِ، فأَقرَّت لِأحَدِهما؛ لم يُقبَلْ منها (٩) بلا بيِّنةٍ تَشهَدُ بأصْلِ النِّكاح وشُروطِه، وإلَّا (١٠) فُرِّقَ بَينَهما؛ لِأنَّها مُتَّهمةٌ، فإنَّها لو أرادت ابْتِداءَ

стр. 6531

تَزويجِ أحدِ المتداعِيَينِ؛ لم يكُنْ لها ذلك قَبْلَ الاِنفِصالِ مِنْ دَعْوَى الآخَر. وإنْ أقاما بيِّنتَينِ؛ تَعارَضَتَا وسَقَطَتَا، فلا نِكاحَ. وإن اخْتَلَفَ تاريخُهما؛ فهي للأسْبَق تاريخًا، فإنْ جُهِلَ الأسْبَقُ؛ عُمِلَ بقَولِ الوليِّ، نَصَّ عَلَيهِ (١)، قال ابنُ حمدان: الولي (٢) المجْبِرُ، فإنْ جُهِلَ؛ فُسِخَا. واللهُ أعلم (٣).

стр. 6532

(بَابٌ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ) بَابٌ التَّعارُضُ مَصدَرُ تَعارِضَتِ البيِّنتانِ: إذا تَقابَلَا، تقول (١): عارَضْتُه بمِثْلِ ما صَنَعَ؛ أيْ: أتيت بمِثْلِ ما (٢) أَتَى، فتَعارُضُهما: أنْ تشهد (٣) إحْداهما بنَفْيِ ما أثْبَتَتْهُ الأُخْرَى، أوْ بالعكس، فالتعارض (٤): التَّعادُلُ مِنْ كلِّ وَجْهٍ. (إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ)؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القتل، لكِنْ يَحلِفُ الوَرَثَةُ على نَفْيِه، قاله في «الرِّعاية». ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا أقامَ العَبْدُ بينةً بهِ (٥) أنَّها تُقْبَلُ، وهو كذلك. (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (٦) بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ؛ فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ فَيَعْتِقُ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ فَيَبْقَى (٧) عَلَى الرِّقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ). المنصوصُ: أنَّها تُقدَّمُ بيِّنةُ العَبْد (٨)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّها تَشهَدُ بزيادةٍ، وهو القَتْلُ. والثَّانِي: يَتعارَضانِ فيَسقُطانِ، صحَّحه في «المستوعب»؛ لِأنَّ إحْداهُما تشهد (٩) بضدِّ ما شَهِدَتْ به الأخرى، فَعَلَى هذا: يَبقَى العَبْدُ رقيقًا؛ لِأنَّه لم

стр. 6533

يَثبُتْ عِتْقُه، وقِيلَ: يُقرَعُ بَينَهما، وقِيلَ: يُقسم (١)، قال ابنُ حَمْدانَ: فيَعتِقُ نِصفُه إذَنْ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ مُتُّ فِي المُحَرَّمِ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مُتُّ فِي صَفَرٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ، وَأَقَامَ (٢) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِه؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ)، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ مَعَهَا زيادةَ عِلْمٍ. والمذْهَبُ كما قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: أنَّهما يتعارضان (٣) فيَسقُطانِ، ويَبْقَيَان (٤) على الرِّقِّ إذا جُهِلَ وَقْتُ مَوته، وكما لو لم تقم (٥) بيِّنةٌ. وقِيلَ: تُقدَّم (٦) بينةُ (٧) غانِمٍ فيعتق (٨). وقِيلَ: يُقرَعُ بَينَهما، وفي «الكافي»: أنَّه المذْهَبُ، فيَعتِقُ مَنْ تقع (٩) له القُرْعةُ. وإنْ بان مَوتُه بَعْدُ، وجُهِلَ زَمنُه ولا بيِّنةَ؛ رَقَّا؛ لأنَّه (١٠) يَجُوزُ أنْ يَموتَ في غَيرِ الشَّهْرَينِ. وفي «المحرَّر»: يَحتَمِلُ فِيما إذا ادَّعى الوَرثةُ مَوتَه قَبْلَ المحرَّم أنْ يَعتِقَ مَنْ شَرْطُه الموتُ في صَفَرٍ؛ لِأنَّ الأصْلَ بقاءُ الحياة معه.

стр. 6534

وعلى المذْهَب: إذا عُلِمَ مَوتُه في أحَدِ الشَّهْرَينِ؛ أُقْرِعَ بَينَهما. وقِيلَ: يُعمَلُ فِيهِما بأصْلِ الحياة. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ مُتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ فَغَانِمٌ حُرٌّ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ؛ تَعَارَضَتَا وَبَقِيَا عَلَى الرِّقِّ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّ كلَّ واحدةٍ تُكذِّبُ الأُخْرَى، وتُثبِتُ زيادةً بِنَفْيِها (١) الأخرى. قال في «الشَّرح»: وهو ظاهِرُ الفساد؛ لِأنَّ التَّعارُضَ أثَرُه في إسْقاطِ البيِّنتَينِ، ولو لم يَكُونَا لَعَتَقَ أحدُهما، فكذلك إذا سَقَطَتَا. (وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ)، وهو رِوايةٌ قدَّمها في «المحرَّر» (٢) وغَيرُه؛ لِأنَّ أحدهما (٣) اسْتَحَقَّ العِتْقَ، ولا نعلم (٤) عَينه، وكما لو جُهِلَ مِمَّ (٥) مات، ولم تكن (٦) له بيِّنةٌ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَعْتِقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ). وقِيلَ: يَعتِقُ سالِمٌ وحدَه. وحَكَى في «الفروع» الأَقْوالَ الأربعةَ مِنْ غَيرِ ترجيحٍ لأحدها (٧). وكذا حُكْمُ: إنْ مُتُّ مِنْ (٨) مَرَضِي، بَدَلَ «في».

стр. 6535

وقدَّم في «المحرَّر» و «الرِّعاية»: أنَّه (١) إذا جُهِلَ مِمَّ (٢) مات؛ أنَّهما على الرِّقِّ؛ لاِحْتِمالِ مَوتِه في المرض بحادِثٍ. وقِيلَ: يَعتِقُ أحدُهما بالقُرعة؛ إذ الأصلُ (٣) عَدَمُ الحادِثِ. ويَحتَمِلُ: أنْ يَعتِقَ مَنْ شَرْطُه المرضُ؛ لِأنَّ الأصلَ دَوامُه وعَدَمُ البُرء. فرعٌ: إذا قال الوَرَثَةُ: أعْتَقَكَ في مرضِ مَوتِه، فقال: بل (٤) في صحَّته، فأنكروا (٥) ولا بيِّنةَ له، وهو دُونَ الثُّلث فأقلَّ؛ عَتَقَ، وإلاَّ صُدِّقَ الوَرَثَةُ. (وَإِنْ أَتْلَفَ ثَوْبًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ؛ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ)، جَزَمَ به في «المستوعب» و «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروع»؛ لِأنَّه مُتَيَقَّنٌ، وربَّما اطَّلعت (٦) بيِّنةُ الأقلِّ على ما يُوجِبُ النَّقْصَ، فتكُونُ شَهادةً بزِيادةٍ خفيت (٧) على بيِّنةِ الأكْثَرِ. وعَنْهُ: يَسقُطانِ؛ لِتَعارُضِهما في الزَّائد، فيَحلِفُ الغارِمُ على الأقلِّ. وقِيلَ: يُقرَعُ بَينَهما. وقِيلَ: الأكْثَرُ، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٨) في نَظِيرها فِيمَنْ آجَرَ حصة (٩) مَوْلِيِّه، قالَتْ بيِّنةٌ: بأجْرةِ مِثْلِه، وبَيِّنةٌ: بنِصْفِها، وإنْ كان بكلِّ قِيمةٍ شاهِدٌ ثَبَتَ عشرةٌ بهما على الأُولَى، وعلى الثَّانية يَحلِفُ مع أحدِهما ولا تَعارُضَ؛ لِعَدَمِ

стр. 6536

كمالِ بيِّنةِ الأقلِّ. ونَصَرَ المؤلِّفُ الأوَّلة (١)؛ لِأنَّ البيِّنتَينِ تعارضتا (٢) في الزَّائد، وتُخالِفُ الزِّيادةَ في الإخبار (٣)، فإنَّ مَنْ يَرْوِي النَّاقِصَ لا يَنفِي الزَّائدةَ، وكذلك مَنْ شهد (٤) بألْفٍ لا ينفي (٥) أنَّ عَلَيهِ ألْفًا أُخْرَى. فرعٌ: إذا كانت العَينُ قائمةً؛ قُدِّمَتْ بيِّنةُ ما يُصدِّقُها الحِسُّ، فإن احتمل (٦)، فقال شَيخُنا ابن (٧) نَصْرِ الله: لو اختلفت (٨) بيِّنتانِ في قيمة (٩) عَينٍ قائمةٍ لِيَتِيمٍ يُرِيدُ الوصيُّ بَيعَها؛ أُخِذَ ببينة (١٠) الأكْثَرِ. (فَلَوْ (١١) مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ، وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، وَلَا بَيِّنَةَ؛ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ)؛ لِأنَّه منكر (١٢)، (وَكَانَ مِيرَاثُ الاِبْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ المَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ)؛ لِأنَّ سَبَبَ الحيِّ مِنْ مَورُوثه مَوجُودٌ، وإنَّما يُمنَعُ لِبَقاءِ مَورُوثِ الآخَرِ بَعدَه، وهذا الأمرُ مَشْكوكٌ فِيهِ، فلا يَزُولُ عن اليَقِين بالشَّكِّ.

стр. 6537

لا يُقالُ: قد أعْطَيتُم الزَّوجَ وهو لا يَدَّعِي إلَّا الرُّبُعَ؛ لِأنَّه مُدَّعٍ لجميعه (١)؛ رُبُعه بمِيراثه منها، وثلاثةُ أرْباعه بإرْثِه من ابْنِه. (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ؛ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه إذا لم يُمكِنِ العَمَلُ بهما وَجَبَ تَساقُطُهما؛ لِأنَّه لا مَزِيَّةَ لأِحَدِهما على الأخرى. (وَقِيَاسُ مَسَائِلِ الْغَرْقَى أَنْ تَجْعَلَ (٢) لِلْأَخِ سُدُسَ مَالِ الابْنِ (٣)، وَالْبَاقِيَ لِلزَّوْجِ)؛ لِأنَّه يُقدَّر أنَّ المرأةَ ماتَتْ أوَّلاً (٤)، فيَكُونُ مِيراثُها لاِبْنِها وزَوجِها، ثُمَّ مَاتَ الاِبْنُ فوَرِثَ الزَّوجُ كلَّ ما في يَدِه، فَصَارَ مِيراثُها كُلُّه لِزَوجِها، ثُمَّ يُقدَّرُ أنَّ الاِبْنَ مات أوَّلاً؛ فَلأِمِّه الثُّلُثُ والباقي لأِبيهِ، ثُمَّ ماتَتْ أُمُّه وفي يَدِها الثُّلث، فكان بَينَ أخِيها وزَوجِها نِصفَينِ، لِكلِّ واحِدٍ منهما السُّدُسُ، فلم يَرِثِ الأخُ إلَّا سُدُس (٥) مالِ الاِبْنِ. قال المؤلِّفُ: فلعلَّ (٦) هذا القول يختصُّ بمن جُهِل موتهما واتَّفق وارثُهما (٧) على الجهل به (٨). تنبيهٌ: إذا شَهِدَ اثْنانِ لاِثْنَينِ بالوصيَّة مِنْ تَرِكَةِ زَيدٍ، فشهد المشهودُ (٩) لهما للشاهدين (١٠) بوصيَّةٍ مِنْ تلك التَّرِكةِ، أوْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّ أباهما طلَّق ضَرَّةَ

стр. 6538

أُمِّهما؛ قُبِلَتْ شهادتُهما فِيهِما على الأشْهَر. وإنْ شَهِدَ اثْنانِ أنَّ (١) زَيدًا أَخَذَ مِنْ صبِيٍّ ألْفًا، وشَهِدَ آخَرانِ على عَمْرٍو أنَّه أَخَذَ منه ألْفًا؛ لَزِمَ الوليَّ طَلَبُه بهما؛ لاِحْتِمالِ أنْ يكونَ أحدُهما أخَذَها منه وردَّه إلَيهِ بلا إذن وليِّه. وإنْ شَهِدت البيِّنتانِ على ألْفٍ بعَينه؛ طَلَبَه مِنْ أيِّهما شاء، ذَكَرَه في «المحرَّر» وغَيره. وإنْ شَهِدَ اثْنانِ على اثْنَينِ بقَتْلٍ، فَشَهِدَ الآخَرانِ أنَّ (٢) الأوَّلَينِ قَتَلاهُ، فصدَّقَ الوليُّ الأوَّلَينِ؛ حَكَمَ بشَهادَتِهما؛ لأِنَّهما غَيرُ مُتَّهَمَينِ، وإنْ صَدَّقَ الآخَرَينِ وحْدَهما؛ لم يُحكَمْ له بشَيءٍ؛ لِأنَّهما مُتَّهَمانِ؛ لكَونِهما يَدفَعانِ عن أنْفُسهما ضَرَرًا، وإنْ صَدَّقَ الجميعَ؛ فكذلك؛ لِأنَّهما مُتَعارِضَتانِ، فلا يُمكِنُ الجَمْعُ بَينَهما.

стр. 6539

(فَصْلٌ) (إِذَا (١) شَهِدَتْ (٢) بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى (٣) بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ (٤) أُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى (٥) بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ؛ أُقْرِعَ (٦) بَيْنَهُمَا، فَمَنَ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ عَتَقَ دُونَ صَاحِبِهِ (٧)؛ لِأنَّه لم تترجَّح (٨) بيِّنةُ أحدِهما على الأخرى، والقُرعةُ مُرجِّحةٌ، بدليلِ الإمامة (٩)، (إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ)؛ لِأنَّ الوصيَّتَيْنِ (١٠) سَواءٌ، وسَواءٌ اتَّفَقَ تاريخُهما أو اخْتَلَفَ، ولِأنَّ الوصيَّةَ يُسَوَّى فِيهَا بَينَ المتقدِّمِ والمتأخِّر. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ (١١) بِغَيْرِ قُرْعَةٍ)؛ لِأنَّ القِسْمةَ أقْرَبُ إلى الصَّواب، ولِأنَّ القُرعةَ إنَّما تَجِبُ إذا كان أحدُهما حُرًّا والآخَرُ عَبدًا. والأوَّلُ هو قِياسُ المذْهَبِ؛ لِأنَّ الإعْتاقَ بَعْدَ الموت كالإعتاق في مَرَضِ الموت، فتعيَّنَت القُرعةُ، ولحديثِ عِمْرانَ (١٢)؛ لِأنَّ المقْتَضِي مِنْ أحدِهما في

стр. 6540

الحياة مَوجُودٌ بَعْدَ الممات. والمذْهَبُ - كما جَزَمَ به أئمَّةُ المذْهَبِ -: أنَّه إذا شَهِدَتْ بيِّنةٌ لا تَرِثُه: بعِتْقِ سالِمٍ في مَرَضِ مَوتِه، وهو ثُلُثُ مالِه، وبيِّنةُ وارِثِه: بعِتْقِ غانِمٍ، وهو كذلك، وأُجِيزُ الثُّلثُ؛ فَكَأَجْنَبِيَّتَيْنِ (١)، يَعتِقُ أسْبَقُهما على الأصحِّ، وإنْ سَبَقَت الأجنبيَّةُ؛ فكذَّبَتْها الوَارِثَةُ، أو سَبَقَت الوارِثةُ وهي فاسقةٌ (٢)؛ عَتَقَا، وإنْ جُهِلَ أسْبَقُهما؛ عَتَقَ واحِدٌ بقُرعةٍ. وقِيلَ: يَعتِقُ نِصفُهما. وإنْ كانت الوارِثةُ فاسِقَةً غَيرَ مُكذِّبَةٍ؛ عَتَقَ سالِمٌ وَحْدَه، وَوُقِفَ عِتْقُ غانِمٍ على قُرعةٍ، أوْ يَعتِقُ نصفُه على الآخَر. وإنْ جَمَعَت الوارِثَةُ الفِسْقَ والتَّكذِيبَ، أو الفِسْقَ والشَّهادة (٣) بالرُّجوع عن عِتْقِ سالِمٍ؛ عَتَقَا مَعًا. (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ؛ عَتَقَ غَانَمٌ وَحْدَهُ (٤)، سَوَاءٌ كَانَتْ وَارِثَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ)؛ لِأنَّه لا تُهمةَ في ذلك. لا يُقالُ: هما يُثبِتان (٥) ولاءَ سالِمٍ لِأنْفُسهما؛ لِأنَّهما يُسقِطانِ وَلاءَ غانِمٍ أيْضًا، على أنَّ (٦) الوَلاءَ إنَّما هو إثبات (٧) سَبَبِ المِيراثِ، ومِثْلُ ذلك لا تُرَدُّ به الشَّهادةُ.

стр. 6541

(وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ المَالِ، وَبَيِّنَتُهُ (١) أَجْنَبِيَّةً؛ قُبِلَتْ)؛ لِعدَمِ التُّهمة فيها، فعلى هذا: يَعتِقُ غانِمٌ وحْدَه. (وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً؛ عَتَقَ الْعَبْدَانِ) على المذْهَب، وقدَّمه في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الرِّعاية»، أمَّا سالِمٌ؛ فلِشهادةِ الأجنبيَّة بالوصيَّة بعِتْقِه، وأمَّا غانِمٌ؛ فلِإقْرارِ الوَرثة بعِتْقِه، مع أنَّه أقلُّ مِنْ ثُلُثِ الباقِي. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّ التُّهمةَ في حقِّ الوَرَثةِ إنَّما هو في حقِّ الرُّجوع، فتَبطُلُ الشَّهادةُ بهما (٢)، ويَبقَى أصْلُ العِتْقِ لِغانِمٍ، فاحْتِيجَ إلى القُرعة؛ لِيَتَمَيَّزَ المسْتَحِقُّ مِنْ غَيرِه، (فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ؛ عَتَقَ وَحْدَهُ)؛ لِأنَّه ثُلُثُ المالِ، (وَإِنْ خَرَجَتْ لِغَانِمٍ؛ عَتَقَ هُوَ وَنِصْفُ سَالِمٍ)؛ لِأنَّ ذلك ثُلثُ المال؛ كما لو لم يَشهَدْ بالرُّجوع، فإنَّ الشَّهادةَ بالرُّجوع لم تُقبَلْ، فكأنَّ وُجودَها كَعَدَمِها. وقال أبو بكرٍ: يَجُوزُ على مَذهَبِه أنْ يَعتِقَ مِنْ الَّذي قِيمَتُه الثُّلث نصفه (٣)، ويُقرَعَ بَينَ العَبدَينِ، فأيُّهما وَقَعَتْ عَلَيهِ القُرعةُ عَتَقَ، وإنْ قُلْنا بالقِسْمة؛ عَتَقَ مِنْ كلِّ واحِدٍ ثُلُثاهُ. (وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ، وَشَهِدَتِ الأُخْرَى (٤) أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ المَالِ؛ عَتَقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ)؛ لِأنَّ عَطَايَا المريضِ مُقدَّمةٌ على وصاياهُ؛ لِرُجْحانها بنَفْسِ الإيقاع. (وَإِنْ شَهِدَتْ (٥) بَيِّنَةُ غَانِمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ)، ولا تاريخَ؛ ثَبَتَ إعْتاقُه

стр. 6542

لهما بشَرْطِه؛ لِأنَّ ما شَهِدَتْ به كلُّ بيِّنةٍ لا تنفي (١) ما شَهِدَتْ به الأخرى (٢)، (أَيْضًا (٣)؛ عَتَقَ أَقْدَمُهُمَا تَارِيخًا)؛ لِأنَّ عَطايَا المريضِ يُقدَّمُ فِيهَا الأَسْبَقُ فالأسْبَقُ. (فَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ)؛ بأنِ اتَّفَقَ تاريخُهما، أوْ أُطْلِقَتا، أوْ إحداهما؛ فهما سَواءٌ؛ لِعَدَمِ المَزِيَّةِ؛ (عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ)؛ لِأنَّ البيِّنَتَينِ تَساوَتَا، فاحْتِيجَ إلى التَّمييز، والتَّرجيحُ حاصِلٌ بالقُرعة. وقِيلَ: يَعتِقُ مِنْ كلِّ واحِدٍ نِصفُه. (فَإِنْ (٤) كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا (٥) وَارِثَةً، وَلَمْ تُكَذِّبِ الْأَجْنَبِيَّةَ؛ فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: يَعتِقُ أقْدَمُهما تاريخًا مع العلم به، وأحدهما (٦) بالقُرعة مع الجَهْل به؛ لِأنَّ الوَارِثَةَ غَيرُ مُتَّهَمةٍ ولا مُكذَّبَةٍ، وهي بمَثابةِ الأجنبيِّ، ولو كانت البيِّنَتانِ أجنبِيَّتَينِ؛ لَكانَ الأمْرُ كذلك، فكذا إذا كانَتْ إحْداهُما وارِثَةً. (وَإِنْ قَالَتْ: مَا أَعْتَقَ سَالِمًا، وَإِنَّمَا (٧) أَعْتَقَ غَانِمًا؛ عَتَقَ غَانِمٌ كُلُّهُ)؛ لِإقْرارِ الوَرثةِ بعِتْقِه. وقِيلَ: يَعتِقُ ثُلُثاهُ إنْ حُكِمَ بعِتْقِ سالِمٍ، وهو ثُلُثُ الباقِي؛ لِأنَّ العبدَ الَّذي شَهِدَت الأجنَبِيَّتان (٨) كالمغْصوبِ مِنْ التَّرِكةِ.

стр. 6543

والأوَّلُ أصحُّ؛ لِأنَّ المعتَبَرَ خُروجُه مِنْ الثُّلُث حالَ الموت، وحال الموت في قَولِ الوَرَثَة لم يَعتِقْ سالِمٌ، إنَّما عَتَقَ بالشَّهادة بَعْدَ الموتِ. (وَحُكْمُ سَالِمٍ كَحُكْمِهِ لَوْ لَمْ يُطْعَنْ فِي بَيِّنَتِهِ فِي (١) أَنَّهُ يَعْتِقُ إِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ (٢)، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا)؛ لِأنَّ طَعْنَ الوَارِثَة في (٣) الأجنبيَّة غَيرُ مَقْبولٍ؛ لأِنَّ الأجنبيَّةَ مُثْبِتةٌ والوارِثَةُ نَافِيةٌ، والمثْبِتُ مُقدَّمٌ على النَّافِي، وإذا لم يُقبَل الطَّعْنُ؛ صار طَعْنُها كلا طعنٍ (٤)، ولو لم تَطعَن الوارثة (٥) في الأجنبيَّة؛ لَكانَ الحُكمُ كما ذُكِرَ، فكذا ما هو بمَنزَلَتِه. (فَإِنْ (٦) كَانَتِ الْوَارِثَةُ فَاسِقَةً، وَلَمْ تَطْعَنْ فِي بَيِّنَةِ سَالِمٍ؛ عَتَقَ سَالِمٌ كُلُّهُ)؛ لِأنَّ البيِّنةَ العادِلةَ شَهِدَتْ بعِتْقِه، ولم يُوجَدْ مَا يعارضها، (وَيُنظَرُ فِي غَانِمٍ (٧)، فَإِنْ كَانَ تَارِيخُ عِتْقِهِ سَابِقًا، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ القُرْعَةُ (٨)؛ عَتَقَ كُلُّهُ)؛ لِإقْرارِ الوَرَثَةِ أنَّه (٩) هو المسْتَحِقُّ للعِتْق، (وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، أَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ؛ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ)؛ لِأنَّ بيِّنتَه لو كانَتْ عادِلةً لم يَعتِقْ منه شَيءٌ، فإذا كانَتْ فاسِقَةً أَوْلَى. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَعْتِقُ مِنْ غَانِمٍ نِصْفُهُ)؛ لِأنَّه اسْتَحَقَّ العتق (١٠) بإقْرارِ

стр. 6544

الوَرَثَة مع ثُبوتِ العِتْق لِلآخَر بالبيِّنة العادِلةِ، فَصَارَتْ بالنِّسبة إليه (١) كأنَّه أعْتَقَ العَبْدَينِ، فيَعْتِقُ مِنهُ نِصفُه في الأحْوالِ كلِّها. قال المؤلِّفُ: وهذا لا يَصِحُّ، فإنَّه لو أعْتَقَ العَبدَينِ؛ لأعتقنا (٢) أحدهما بالقُرعة، ولِأنَّه في حالِ تقديمِ تاريخِ عِتْقِ مَنْ شَهِدَتْ له البيِّنةُ؛ لا يَعتِقُ منه شَيءٌ ولو كَانَتْ بَينتُه (٣) عادِلةً، فَمَعَ فِسْقها أَوْلَى. (وَإِنْ كَذَّبَتْ (٤) بَيِّنَةَ سَالِمٍ؛ عَتَقَ الْعَبْدَانِ)؛ لِأنَّ سالمًا مَشْهودٌ بعِتْقِه، وغانِمٌ مُقَرٌّ له بأنَّه لا مُسْتَحِقَّ للعتق (٥) سِواهُ (٦). وقِيلَ: يَعتِقُ مِنْ غانِمٍ ثُلُثاهُ. والأوَّلُ أَوْلَى. فرعٌ: ذَكَرَ أكثرُ (٧) أصْحابِنا: أنَّ التَّدبيرَ مع التَّنجِيز، كآخر (٨) التَّنجِيزَينِ مع أوَّلِهما؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ تَنجِيزٌ بالموت، فَوَجَبَ أنْ يَتأخَّرَ عن المنَجَّز في الحياة. أصلٌ: إذا شَهِدَ عَدْلانِ أنَّ زَيدًا وصَّى (٩) لِعَمْرٍو بِثُلثِ ماله، وشَهِدَ آخَرانِ أنَّه وَصَّى لِبَكْرٍ بثُلثِ مالِه، وشَهِدَ آخَرانِ أنَّه رَجَعَ عن وصيَّةِ إحداهما (١٠)؛ أُقْرِعَ بَينَهما، فمَن قَرَعَ قدِّم (١١) وإنْ تأخَّرَتْ وصيَّتُه، ذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى

стр. 6545

والسَّامَرِّيُّ، وذَكَرَ أبو بكرٍ أنَّه قِياسُ قَولِ أحمدَ. وإذا صحَّ الرُّجوعُ عن إحداهما بغَيرِ تعيينٍ؛ صحَّت الشَّهادةُ به؛ لِأنَّ الوصيَّةَ تَصِحُّ بالمجْهولِ، وتَصِحُّ الشَّهادةُ فِيها بالمجْهولِ. وقال القاضي: لا تَصِحُّ الشَّهادةُ؛ لِأنَّهما لم يُعيِّنا المشْهودَ عَلَيهِ؛ كما لو قالا: نَشهَدُ أنَّ لهذا على أحدِ هذَينِ ألْفًا. فلو شَهِدَ اثْنانِ أنَّه وَصَّى لِزَيدٍ بثُلُثِ مالِه، وشَهِدَ وَاحِدٌ أنَّه وَصَّى لِعَمْرٍو بثُلُثِ مالِه؛ انْبَنَى على الخِلاف. أحدُهما: يَتعارَضانِ، فيَحلِفُ عَمْرٌو مع شاهِدِه، ويُقسَمُ الثُّلثُ بَينَهما. والثَّانِي: لا، فينفرد (١) زَيدٌ بالثُّلث، وتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو على إجازةِ الوَرَثَةِ. فأمَّا إنْ شَهِدَ واحِدٌ بالرُّجوع عن وصيَّةِ زَيدٍ؛ فلا تَعارُضَ، ويَحلِفُ عَمْرٌو مع شاهِدِه، وتثبت (٢) له الوصيَّةُ. والفَرْقُ بَينَهما: أنَّ في الأُولَى تَقابَلَت البيِّنتانِ، فَقدَّمْنا أقْواهُما، وفي الثَّانِيَةِ: لم يَتقابَلَا، وإنَّما ثَبَتَ الرُّجوعُ، وهو يَثبُتُ بالشَّاهِدِ واليَمِينِ؛ لِأنَّ المقصودَ مِنهُ المالُ.

стр. 6546

(فَصْلٌ) (إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ، مُسْلِمًا وَكَافِرًا، وَادَّعَى (١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينَهِ) مِنْ إسْلامٍ أو كفرٍ (٢)؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ (٣)، روايةً واحِدةً إن حَلَفَ؛ لأِنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان عَلَيهِ؛ كسائرِ المواضِعِ. (وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ؛ فَالمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ)، جَزَمَ به الأصْحابُ إنِ اعْتَرَفَ المسْلِمُ بأُخُوَّةِ الكافِرِ؛ (لِأَنَّ المُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ)، ولأِنَّه مُعتَرِفٌ بأنَّ أباهُ كان كافِرًا، وهو يَدَّعِي إسْلامَه، فَجَعَلَ أصْلَ دِينِه الكُفْرَ، والقَولُ قَولُ مُدَّعِي الأصْلِ. وعَنْهُ: هو بَينَهما، رواها ابنُ مَنصورٍ (٤)، اعْتَرَفَ أنَّه أخُوهُ أوْ لا. وقِيلَ: هو للمسلم (٥)؛ لأِنَّ الدَّارَ دارُ الإسْلامِ، فيُحكَمُ بإسْلامِ لَقِيطِها، ولأِنَّه يَجُوزُ أنَّ أخاه (٦) الكافِرَ مُرتَدٌّ لم يَثبُتْ عِنْدَ الحاكِم رِدَّتُه. (وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ (٧) بَيِّنَةٌ؛ فَالمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّهما سواءٌ في اليَدِ والدَّعْوَى، أشْبَهَ ما لو تَداعَيَا عينًا (٨) في أيْدِيهِما.

стр. 6547

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّ حُكْمَ المَيِّتِ حُكْمُ المُسْلِمِينَ فِي (١) غَسْلِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ)، والدَّفنِ، وغَيرِ ذلك. (وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ المَذْهَبِ (٢): أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا) إنْ لم تكُن التَّرِكةُ في أيْدِيهِما، فمَن قَرَعَ؛ حَلَفَ واسْتَحَقَّ، وإنْ كانَتْ في أيْدِيهِما؛ قُسِمَتْ بَينَهما نِصفَينِ ويَتحالَفانِ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وهو سَهْوٌ؛ لاِعْتِرافِهما أنَّه إرِثٌ. ومُقتَضَى كَلامِ القاضِي: أنَّ التَّرِكةَ إذا كانَتْ بيد أحدِهما أنَّها (٣) له مع يَمِينِه، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ (٤) كُلًّا منهما يُقِرُّ بأنَّ هذه التَّرِكةَ تَرِكةُ هذا الميِّت، وأنَّه إنَّما يَستَحِقُّ بالميراث؛ فلا حُكْمَ لِيَدِه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ)؛ لِأنَّه لا يُعلَمُ المسْتَحِقُّ إلَّا بذلك. قال أبو الخَطَّاب: أوْ يَصطَلِحَا؛ لِأنَّه هو المقصودُ. وفي (٥) «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: إنْ عُرِفَ ولا بيِّنةَ؛ فقَولُ مُدَّعٍ. وقِيلَ: يُقرَعُ أوْ يُوقَفُ. فرعٌ: حُكْمُ سائرِ الأقارِب؛ كالأوْلادِ فِيمَا ذكرنا (٦)، وسَيَأْتِي. (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ)، ولم يُعرَفْ أصْلُ دِينِه؛ (تَعَارَضَتَا)، لِأنَّهما تَساوَتَا، وذلك يُوجِبُ التَّعارُضَ. وفي «الكافي»: (إذا أقام (٧) كلٌّ مِنهُما بيِّنةً أنَّه مات على دِينِه؛ فقال

стр. 6548

الخِرَقِيُّ وابنُ أبي مُوسَى: يكُونَانِ كَمَنْ لا بيِّنةَ لهما، وقد ذَكَرْنا أنَّ البيِّنتَينِ إذا تَعارَضَتَا؛ قُدِّمَتْ إحْداهُما بالقُرعة في وَجْهٍ، وفي آخَرَ تُقسَمُ العَينُ بَينَهما، وقِيلَ: تُقدَّمُ بيِّنةُ المسْلِمِ هُنا؛ لِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكونَ اطَّلَعَتْ على أمْرٍ خَفِيَ على البيِّنة الأُخْرَى). ثُمَّ ذَكَرَ في «الكافي»: فإن اخْتَلَفَ تاريخُهما؛ عُمِلَ بالأخيرة منهما؛ لِأنَّه ثَبَتَ بها أنَّه انتقل (١) عمَّا شَهِدَتْ به الأُولَى، وإن اتَّفَقَ تاريخُهما تَعارَضَتَا، وإنْ أطْلَقَتَا، أو إحْداهُما؛ قدِّمَتْ بيِّنةُ المسْلِمِ. (وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا، وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَافِرًا؛ فَالمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ (٢) الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ)؛ لِأنَّ العَمَلَ بهما مُمكِنٌ؛ إذ الإسْلامُ يطرأ (٣) على الكُفْر، وعَكْسُه خِلافُ الظَّاهر؛ لِعَدَمِ إقْرارِ المرْتَدِّ. والمذْهَبُ: أنَّه إنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه؛ قُدِّمَت النَّاقِلةُ عَنْهُ، وإلَّا فرواياتُ التَّعارُضِ، اخْتارَهُ القاضِي وجماعةٌ (٤)، واخْتارَه في «المغْنِي» ولو اتَّفَقَ تاريخهما، وهو ظاهِرُ «المنتخب». وعَنهُ: تُقدَّمُ بيِّنةُ الإسْلامِ، اختاره (٥) الخِرَقِيُّ. فرعٌ: إذا شَهِدَتْ بيِّنةٌ أنَّه مَاتَ ناطِقًا بكَلِمةِ الإسلام، وأخْرَى بعَكْسِها؛ تَعارَضَتَا، سَواءٌ عُرِفَ أصْلُ دِينِه أوْ لَا، فيَسقُطانِ، أوْ يَستَعْمِلانِ بقِسْمةٍ أوْ قُرعةٍ، ويُصَلَّى عَلَيهِ تَغْلِيبًا له مَع الاِشْتِباه، قال القاضِي: ويُدفَنُ مَعَنَا، وقال ابنُ عَقِيلٍ: بل (٦) وَحْدَه.

стр. 6549

(وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا (١) فِي دِينِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ)؛ لِأنَّ كَونَهما كافِرَينِ بمَنزلةِ مَعرفةِ أصْلِ دِينِه، وقِيلَ: قَبْلَ بُلوغِه، وهو ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لِأنَّه حِينَئِذٍ مَحكُومٌ له بدِينِ أبَوَيهِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الاِبْنَيْنِ)، هذا وَجْهٌ، وفي (٢) «الرِّعاية الكُبْرَى»: هو أَوْلَى؛ لِظاهِرِ الدَّار، وانْقِطاعِ حُكْمِ التَّبعِيَّةِ عن الأَبَوَينِ بالبلوغ؛ لِأنَّ كُفْرَ أبَوَيهِ يَدُلُّ على أصْلِ دِينِه في صِغَرِه، وإسْلامَ ابْنَيْهِ يَدُلُّ على إسْلامِه في كِبَرِه، فيُعمَلُ بهما جميعًا، يُحمَلُ كلٌّ منهما على مُقتَضاهُ. وقِيلَ: يُصدَّقُ ابْناهُ في دَارِنا. وقِيلَ: يَقِفُ الأَمْرُ حتَّى يَتَبَيَّنَ أوْ يَصطَلِحَا. ويَحلِفُ مَنْ قُدِّمَ قَولُه. (وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا، وَأَخًا وَامْرَأَةً مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ (٣)؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الاِبْنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ كَونُ الأب كافِرًا؛ لِأنَّه لو كان مُسلِمًا لمَا أُقِرَّ وَلدُه على الكفر في دارِ الإسلام. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّها مَشروعةٌ في الإبهام (٤)، وهو مَوجُودٌ هُنا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ المَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى (٥) المَرْأَةُ الرُّبُعَ)؛ لِأنَّ الولدَ الكافِرَ لا يَحجُبُ الزَّوجةَ، (وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنِ وَالْأْخِ نِصْفَيْنِ)؛

стр. 6550

لِتَساوِيهما في الدَّعْوَى، وعلى هذا: تَصِحُّ المسألةُ مِنْ ثمانيةٍ. وفِيهِ وَجْهٌ: للزَّوجة الثُّمُنُ، والباقِي بَينَ الاِبن والأخ نِصفَينِ، وتَصِحُّ مِنْ ستَّةَ عَشَرَ. وفِيهِ وَجْهٌ: جميعُ المِيراث لِلاِبْن، فَجَعَلَ أصْلَ دِينه الكُفْرَ، وحَكَمَ ببقائه اسْتِصْحابًا للحال. وقِيلَ: هُما مع ابْنِه كأخيه المسْلِمِ فِيمَا ذَكَرْنا، لكِنَّ النِّصْفَ للمرأة والأخِ على أربعةِ أسْهُمٍ، لها سَهْمٌ وله ثَلاثةٌ، والنِّصفُ الباقِي لاِبْنِه، قدَّمه (١) في «المحرَّر». (وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي)، أوْ بَعدَه قَبْلَ قَسْمِ تَرِكَتِه، وقُلْنا بأنَّه يَرِثُ، (وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ بَعْدَهُ؛ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ)، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الشَّرح»؛ لِأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكفر إلى أنْ يُعلَمَ زوالُه، وعلى أخِيهِ اليَمِينُ؛ لِأنَّه مُنكِرٌ، ويكُونُ على (٢) نَفْيِ العِلْم؛ لِأنَّها على نَفْيِ فِعْلِ أخِيهِ. وقدَّم في «الرعاية»: أنَّ الميراث بينهما. وإن (٣) أقاما بَيِّنَتينِ بما قالا؛ قُدِّمت بينةُ الكافر، سَواءٌ اتَّفَقا على وَقْتِ مَوتِ أبِيهِما أمْ لا، ذَكَرَه في «الرِّعاية». وإنْ لم يَثْبُتْ أنَّه كان كافِرًا، فادَّعَى عَلَيهِ أنَّه كان كذلك، فأنْكَرَ؛ فالمِيراثُ بَينَهُما. (فَإِنْ (٤) قَالَ: أَسْلَمْتُ فِي المُحَرَّمِ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ، وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ
следующие страницы →