← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

(فَصْلٌ) (إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ، مُسْلِمًا وَكَافِرًا، وَادَّعَى (١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينَهِ) مِنْ إسْلامٍ أو كفرٍ (٢)؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيهِ (٣)، روايةً واحِدةً إن حَلَفَ؛ لأِنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان عَلَيهِ؛ كسائرِ المواضِعِ. (وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ؛ فَالمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ)، جَزَمَ به الأصْحابُ إنِ اعْتَرَفَ المسْلِمُ بأُخُوَّةِ الكافِرِ؛ (لِأَنَّ المُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ)، ولأِنَّه مُعتَرِفٌ بأنَّ أباهُ كان كافِرًا، وهو يَدَّعِي إسْلامَه، فَجَعَلَ أصْلَ دِينِه الكُفْرَ، والقَولُ قَولُ مُدَّعِي الأصْلِ. وعَنْهُ: هو بَينَهما، رواها ابنُ مَنصورٍ (٤)، اعْتَرَفَ أنَّه أخُوهُ أوْ لا. وقِيلَ: هو للمسلم (٥)؛ لأِنَّ الدَّارَ دارُ الإسْلامِ، فيُحكَمُ بإسْلامِ لَقِيطِها، ولأِنَّه يَجُوزُ أنَّ أخاه (٦) الكافِرَ مُرتَدٌّ لم يَثبُتْ عِنْدَ الحاكِم رِدَّتُه. (وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ المُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِ (٧) بَيِّنَةٌ؛ فَالمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّهما سواءٌ في اليَدِ والدَّعْوَى، أشْبَهَ ما لو تَداعَيَا عينًا (٨) في أيْدِيهِما.

стр. 6547

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّ حُكْمَ المَيِّتِ حُكْمُ المُسْلِمِينَ فِي (١) غَسْلِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ)، والدَّفنِ، وغَيرِ ذلك. (وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ المَذْهَبِ (٢): أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا) إنْ لم تكُن التَّرِكةُ في أيْدِيهِما، فمَن قَرَعَ؛ حَلَفَ واسْتَحَقَّ، وإنْ كانَتْ في أيْدِيهِما؛ قُسِمَتْ بَينَهما نِصفَينِ ويَتحالَفانِ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وهو سَهْوٌ؛ لاِعْتِرافِهما أنَّه إرِثٌ. ومُقتَضَى كَلامِ القاضِي: أنَّ التَّرِكةَ إذا كانَتْ بيد أحدِهما أنَّها (٣) له مع يَمِينِه، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ (٤) كُلًّا منهما يُقِرُّ بأنَّ هذه التَّرِكةَ تَرِكةُ هذا الميِّت، وأنَّه إنَّما يَستَحِقُّ بالميراث؛ فلا حُكْمَ لِيَدِه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ)؛ لِأنَّه لا يُعلَمُ المسْتَحِقُّ إلَّا بذلك. قال أبو الخَطَّاب: أوْ يَصطَلِحَا؛ لِأنَّه هو المقصودُ. وفي (٥) «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: إنْ عُرِفَ ولا بيِّنةَ؛ فقَولُ مُدَّعٍ. وقِيلَ: يُقرَعُ أوْ يُوقَفُ. فرعٌ: حُكْمُ سائرِ الأقارِب؛ كالأوْلادِ فِيمَا ذكرنا (٦)، وسَيَأْتِي. (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ)، ولم يُعرَفْ أصْلُ دِينِه؛ (تَعَارَضَتَا)، لِأنَّهما تَساوَتَا، وذلك يُوجِبُ التَّعارُضَ. وفي «الكافي»: (إذا أقام (٧) كلٌّ مِنهُما بيِّنةً أنَّه مات على دِينِه؛ فقال

стр. 6548

الخِرَقِيُّ وابنُ أبي مُوسَى: يكُونَانِ كَمَنْ لا بيِّنةَ لهما، وقد ذَكَرْنا أنَّ البيِّنتَينِ إذا تَعارَضَتَا؛ قُدِّمَتْ إحْداهُما بالقُرعة في وَجْهٍ، وفي آخَرَ تُقسَمُ العَينُ بَينَهما، وقِيلَ: تُقدَّمُ بيِّنةُ المسْلِمِ هُنا؛ لِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكونَ اطَّلَعَتْ على أمْرٍ خَفِيَ على البيِّنة الأُخْرَى). ثُمَّ ذَكَرَ في «الكافي»: فإن اخْتَلَفَ تاريخُهما؛ عُمِلَ بالأخيرة منهما؛ لِأنَّه ثَبَتَ بها أنَّه انتقل (١) عمَّا شَهِدَتْ به الأُولَى، وإن اتَّفَقَ تاريخُهما تَعارَضَتَا، وإنْ أطْلَقَتَا، أو إحْداهُما؛ قدِّمَتْ بيِّنةُ المسْلِمِ. (وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا، وَقَالَ شَاهِدَانِ: نَعْرِفُهُ كَافِرًا؛ فَالمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ (٢) الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ)؛ لِأنَّ العَمَلَ بهما مُمكِنٌ؛ إذ الإسْلامُ يطرأ (٣) على الكُفْر، وعَكْسُه خِلافُ الظَّاهر؛ لِعَدَمِ إقْرارِ المرْتَدِّ. والمذْهَبُ: أنَّه إنْ عُرِفَ أصْلُ دِينِه؛ قُدِّمَت النَّاقِلةُ عَنْهُ، وإلَّا فرواياتُ التَّعارُضِ، اخْتارَهُ القاضِي وجماعةٌ (٤)، واخْتارَه في «المغْنِي» ولو اتَّفَقَ تاريخهما، وهو ظاهِرُ «المنتخب». وعَنهُ: تُقدَّمُ بيِّنةُ الإسْلامِ، اختاره (٥) الخِرَقِيُّ. فرعٌ: إذا شَهِدَتْ بيِّنةٌ أنَّه مَاتَ ناطِقًا بكَلِمةِ الإسلام، وأخْرَى بعَكْسِها؛ تَعارَضَتَا، سَواءٌ عُرِفَ أصْلُ دِينِه أوْ لَا، فيَسقُطانِ، أوْ يَستَعْمِلانِ بقِسْمةٍ أوْ قُرعةٍ، ويُصَلَّى عَلَيهِ تَغْلِيبًا له مَع الاِشْتِباه، قال القاضِي: ويُدفَنُ مَعَنَا، وقال ابنُ عَقِيلٍ: بل (٦) وَحْدَه.

стр. 6549

(وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا (١) فِي دِينِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ)؛ لِأنَّ كَونَهما كافِرَينِ بمَنزلةِ مَعرفةِ أصْلِ دِينِه، وقِيلَ: قَبْلَ بُلوغِه، وهو ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لِأنَّه حِينَئِذٍ مَحكُومٌ له بدِينِ أبَوَيهِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الاِبْنَيْنِ)، هذا وَجْهٌ، وفي (٢) «الرِّعاية الكُبْرَى»: هو أَوْلَى؛ لِظاهِرِ الدَّار، وانْقِطاعِ حُكْمِ التَّبعِيَّةِ عن الأَبَوَينِ بالبلوغ؛ لِأنَّ كُفْرَ أبَوَيهِ يَدُلُّ على أصْلِ دِينِه في صِغَرِه، وإسْلامَ ابْنَيْهِ يَدُلُّ على إسْلامِه في كِبَرِه، فيُعمَلُ بهما جميعًا، يُحمَلُ كلٌّ منهما على مُقتَضاهُ. وقِيلَ: يُصدَّقُ ابْناهُ في دَارِنا. وقِيلَ: يَقِفُ الأَمْرُ حتَّى يَتَبَيَّنَ أوْ يَصطَلِحَا. ويَحلِفُ مَنْ قُدِّمَ قَولُه. (وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا، وَأَخًا وَامْرَأَةً مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ (٣)؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الاِبْنِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ كَونُ الأب كافِرًا؛ لِأنَّه لو كان مُسلِمًا لمَا أُقِرَّ وَلدُه على الكفر في دارِ الإسلام. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّها مَشروعةٌ في الإبهام (٤)، وهو مَوجُودٌ هُنا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ المَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى (٥) المَرْأَةُ الرُّبُعَ)؛ لِأنَّ الولدَ الكافِرَ لا يَحجُبُ الزَّوجةَ، (وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنِ وَالْأْخِ نِصْفَيْنِ)؛

стр. 6550

لِتَساوِيهما في الدَّعْوَى، وعلى هذا: تَصِحُّ المسألةُ مِنْ ثمانيةٍ. وفِيهِ وَجْهٌ: للزَّوجة الثُّمُنُ، والباقِي بَينَ الاِبن والأخ نِصفَينِ، وتَصِحُّ مِنْ ستَّةَ عَشَرَ. وفِيهِ وَجْهٌ: جميعُ المِيراث لِلاِبْن، فَجَعَلَ أصْلَ دِينه الكُفْرَ، وحَكَمَ ببقائه اسْتِصْحابًا للحال. وقِيلَ: هُما مع ابْنِه كأخيه المسْلِمِ فِيمَا ذَكَرْنا، لكِنَّ النِّصْفَ للمرأة والأخِ على أربعةِ أسْهُمٍ، لها سَهْمٌ وله ثَلاثةٌ، والنِّصفُ الباقِي لاِبْنِه، قدَّمه (١) في «المحرَّر». (وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ؛ مُسْلِمًا وَكَافِرًا، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي)، أوْ بَعدَه قَبْلَ قَسْمِ تَرِكَتِه، وقُلْنا بأنَّه يَرِثُ، (وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ بَعْدَهُ؛ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ)، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الشَّرح»؛ لِأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكفر إلى أنْ يُعلَمَ زوالُه، وعلى أخِيهِ اليَمِينُ؛ لِأنَّه مُنكِرٌ، ويكُونُ على (٢) نَفْيِ العِلْم؛ لِأنَّها على نَفْيِ فِعْلِ أخِيهِ. وقدَّم في «الرعاية»: أنَّ الميراث بينهما. وإن (٣) أقاما بَيِّنَتينِ بما قالا؛ قُدِّمت بينةُ الكافر، سَواءٌ اتَّفَقا على وَقْتِ مَوتِ أبِيهِما أمْ لا، ذَكَرَه في «الرِّعاية». وإنْ لم يَثْبُتْ أنَّه كان كافِرًا، فادَّعَى عَلَيهِ أنَّه كان كذلك، فأنْكَرَ؛ فالمِيراثُ بَينَهُما. (فَإِنْ (٤) قَالَ: أَسْلَمْتُ فِي المُحَرَّمِ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ، وَقَالَ أَخُوهُ: بَلْ

стр. 6551

مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ؛ فَلَهُ المِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ)؛ لِأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَياتِه إلى أنْ يُعلَمَ زَوالُها. وإنْ أقام كلُّ واحِدٍ بيِّنةً بدَعْواهُ، فَقِيلَ: يَتعارَضانِ، وقِيلَ: تقدَّم (١) بَيِّنةُ مَنْ ادَّعَى تَقدُّم (٢) مَوتِه؛ لِأنَّ مَعَها زِيادةَ عِلْمٍ يَجُوزُ أنْ يَخْفَى على الأُخْرَى. وإنْ قال أكبرهما (٣): أسْلَمْتُ أنا في المحرَّم، ومات أبي في صَفَرٍ، وقال أصْغَرُهما: أسْلَمْتُ أنا في صَفَرٍ، وفِيهِ أسْلَمَ أَبِي؛ ورثاه (٤). وقِيلَ: إنْ صَدَّقَ الأكْبَرُ بإسْلامِ الأصْغَرِ فِيهِ، أوْ قامَتْ به بيِّنةٌ، وإلَّا فَلَا شركة (٥)، اقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الرِّعاية»، وهو ظاهِرُ «المستوعب». والله أعلم (٦).

стр. 6552

(كِتَابُ الشَّهَادَاتِ) وهي جَمْعُ شهادةٍ، وهي: الإخْبارُ عمَّا (١) شُوهِدَ أوْ عُلِمَ، ويَلزَمُ مِنْ ذلك اعتقادها (٢)، ومِن ثَمَّ كذَّبَ اللهُ المنافِقِينَ في قَولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنَافِقون: ١]؛ لِأنَّ قُلوبَهم لم تُواطِئْ ألْسِنَتَهم، والشَّهادةُ يَلزَمُ منها ذلك، فإذا (٣) انتفى اللاَّزِمُ انْتَفَى الملزوم (٤)، وإذنْ لم يَصدُقْ إطْلاقُ ﴿نشهد﴾، انتهَى (٥). قال الجَوهَرِيُّ: (الشَّهادةُ خَبَرٌ قاطِعٌ) (٦)، فتطلق (٧) على التَّحمُّلِ، تَقُولُ: شَهِدتُ بمَعْنَى تحمَّلْتُ، وعلى الأداء، تَقُولُ: شَهِدْتُ عِنْدَ القاضِي شَهادَةً؛ أيْ: أدَّيْتُها، وعلى المشْهودِ به تَقُولُ: تحمَّلْتُ شَهادةً؛ يَعْنِي: المشْهودَ به. واشْتِقاقُها مِنْ المشاهَدةِ؛ لأِنَّ الشَّاهِدَ يُخبِرُ عمَّا شاهَدَه، وتُسَمَّى بيِّنةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ ما الْتَبس (٨)، وهي حجَّةٌ شرعيَّةٌ تُظْهِرُ الحقَّ ولا تُوجِبُه. والإجْماعُ مُنعَقِدٌ على مَشروعِيَّتِها (٩)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، والسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بذلك، والحاجَةُ

стр. 6553

داعِيَةٌ إلى ذلك؛ لِحُصُولِ التَّجاحُدِ بَينَ النَّاس. (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ)؛ أي: المشْهودِ به، فهو مَصدَرٌ بمَعْنَى المفعول، (وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ)؛ لقوله تعالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، وإنَّما خَصَّ القَلْبَ بالإثم (١)؛ لِأنَّه مَوضِعُ العِلْم بها، ولِأنَّها لو لم تكُنْ كذلك؛ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ التَّحمُّل والأَداءِ، فيُؤدِّي إلى ضَياعِ الحُقوقِ، ولِأنَّها أمانةٌ؛ فلَزِمَ أداؤها كسائرِ الأمانات. وشَأْنُ فَرْضِ الكِفاية: (إِذَا قَامَ بِهِ (٢) مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ)، وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: في إثْمِه بامْتِناعِه مع وُجُودِ غَيرِه وَجْهانِ: أحدُهما: يَأثَمُ؛ لِأنَّه قد تَعيَّنَ عَلَيهِ بدُعائه، ولِأنَّه مَنهِيٌّ عن الاِمْتِناع. والثَّانِي: لَا؛ لأنَّ (٣) غيره (٤) يَقُومُ مَقامَه فلم يَتَعيَّنْ في حقِّه، كما لو لم يُدْعَ إلَيهَا، فظاهِرُه أنَّه لا فَرْقَ. والأَوْلَى: أنَّه خاصٌّ بالتَّحمُّل. وإذا وَجَبَ تَحمُّلُها؛ ففي وُجوبِ كِتابَتِها لِتُحْفَظَ وجْهانِ. (وَإِنْ لَمْ يَقُمْ (٥) بِهَا مَنْ يَكْفِي؛ تَعَيَّنَتْ عَلَى مَنْ وُجِدَ)، فتَصِيرُ فَرْضَ عَينٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، إنْ دُعِيَ وقَدَرَ بلا ضَرَرٍ في بَدَنِه أوْ عِرْضِه أوْ مالِه أوْ أهله (٧)؛

стр. 6554

لقوله تعالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، ولِأنَّها أمانةٌ؛ فلَزِمَ أداؤها؛ كالوديعة. (قَالَ (١) الْخِرَقِيُّ: وَمَنْ (٢) لَزِمَتْهُ (٣) الشَّهَادَةُ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ (٤)، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ (٥) إِقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ)، ظاهِرُه: أنَّ أداءَ الشَّهادة فَرْضُ عَينٍ، وهو المنصوصُ (٦)؛ لِظاهِرِ الآيات، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٥٨]. وقِيلَ: بَلْ أداؤها فَرْضُ كِفايَةٍ، جزم (٧) به أبو الخَطَّاب والمؤلِّفُ في كُتُبِه. فَعَلَى هذا: إذا كان المتحمِّلُ جماعةً؛ فالأداءُ مُتعلِّقٌ بالجميع، فإذا قامَ به مَنْ يَكفِي؛ سَقَطَ عن الجميع، وإنِ امْتَنَعَ الكلُّ أَثِمُوا. وإنْ لم يُوجَدْ إلاَّ مَنْ يَكفِي؛ تَعَيَّنَ عَلَيهِ؛ كما لو وُجِدَ مؤذنٌ (٨) واحِدٌ، ولو كان عبدًا لم يَمنَعْهُ سيِّدُه؛ كصَلاةِ الفَرض. فإنْ أدَّى شاهِدٌ وأبَى الآخَرُ، وقال: احْلِفْ أنت بَدَلِي، فهل يَأثَمُ؟ فِيهِ وجْهانِ. فَعَلَى ما ذَكَرَه الخِرَقِيُّ: يتعيَّنُ على كلٍّ مِنْ المتحمِّلِينَ القِيامُ بالشَّهادة؛ كما يَجِبُ على المكلَّفِ الصَّلاةُ، وسَواءٌ كان المشْهودُ عَلَيهِ نَسيبًا أوْ غَيرَه، لكِنْ بشَرْطِ أنْ يَقدِرَ على أدائها، فلو كان عاجِزًا عن أدائها لِحَبْسٍ أوْ مَرَضٍ؛ لم

стр. 6555

يَلزَمْه؛ إذْ جميعُ التَّكالِيف مَلحُوظٌ فِيهَا القُدْرةُ. ولا بدَّ مع (١) ذلك ألَّا (٢) يَلحَقَه ضررٌ، فإنْ كان يَلحَقُه ضَرَرٌ في نَفْسِه أوْ مالِه؛ لم يَلزَمْه؛ لقوله تعالَى: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، على أنْ يكُونَ مَبنِيًّا للمَفعول، كما صرَّح به ابنُ عبَّاسٍ، حَيثُ قَرَأَ: «ولا يضارَر (٣)» بالفَتْح (٤). وقِيلَ: مبني للفاعِلِ، قالَهُ عمرُ، فقرأ (٥): «ولا يُضارّ (٦)» بالكَسْر (٧)، فيَخرُجُ مِنْ هذا؛ لِأنَّ (٨) النَّهيَ إذنْ للشَّاهِد عمَّا (٩) يُطلَبُ منه، أوْ عن التَّحريف والزِّيادة والنُّقْصانِ. وقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا إضْرارَ» (١٠)، ولأنَّ (١١) القاعِدةَ أنَّ الإنسانَ

стр. 6556

لا يَضُرُّ نَفْسَه لِنَفْعِ غَيرِه. ومِن ثَمَّ إذا عَجَزَ الشَّاهِدُ عن المشي؛ فأُجْرَةُ المركُوب والنَّفقة على ربِّ الشَّهادة؛ كنَفَقَةِ المحرِمِ في الحجِّ، وهذا إذا كان دُونَ مَسافَةِ قَصْرٍ. وقِيلَ: ما يَرجِعُ إلى مَنزِلِه لِيَومِه، حَكاهُ ابنُ حَمْدانَ. وقِيلَ: إنْ قلَّ الشُّهودُ وكَثُرَ أهْلُ البلد؛ فهي فَرضُ عَينٍ، وإلاَّ فَفَرْضُ كِفايَةٍ. والأداءُ مُختَصٌّ بمَجْلِس الحاكِمِ، وظاهِرُ إطْلاقِ المؤلِّف، وأوْرَدَه ابنُ حمدان (١) مَذهَبًا: مُطلَقًا، والَّذي أوْرَدَه في «المحرَّر» و «الوجيز»: أنَّه يَختَصُّ المالَ، وكلَّ حقِّ آدَمِيٍّ. فرعٌ: إذا دُعِيَ فاسِقٌ إلى شهَادةٍ؛ فله الحُضورُ مع عَدَمِ غَيرِه، ذَكَرَه في «الرِّعاية»، ومُرادُه: لِتحمُّلها. وفي «المغْنِي» وغَيره: إنَّ التَّحمُّلَ لا تُعتبر (٢) له العدالةُ، فلو لم يُؤَدِّ حتَّى صار عَدْلاً؛ قُبِلَتْ. (وَلَا يَجُوزُ لمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا)، وكذا في «المستوعب»؛ لِئَلَّا يَأخُذَ العِوَضَ عن فَرْضِ العَينِ. (وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ (٣) يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِأنَّ فَرْضَ الكِفايَة إذا قامَ به (٤) البَعْضُ وَقَعَ مِنهُ فَرضًا، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وعبَّرَ عنه بالجُعْل؛

стр. 6557

ك «المحرَّر»، وفي «الفروع» جمع بينهما (١). والثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأنَّ النَّفقةَ على عِياله فَرضُ عَينٍ، فلا يشتغل (٢) عنه بفَرْضِ كِفايَةٍ، قال أبو الخَطَّاب: وأصْلُ ذلك في أخْذِ الأُجْرةِ على القُرب. وفي «المغْنِي»: مَنْ له كفاية (٣) فَلَيسَ له الأخْذُ، ومَن لَيسَ له كِفايَةٌ، ولا تعيَّنَتْ عَلَيهِ؛ فله أخْذُها، وإلَّا فاحْتِمالانِ. وقِيلَ: يُباحُ مع التَّعيين للحاجة. وقِيلَ: يَجُوزُ مع التَّحمُّل. وقِيلَ: أُجْرَتُه في بَيتِ المال؛ كمُزَكٍّ، ومُعرِّفٍ، ومُترجِمٍ، ومُفْتٍ، ومُقِيمِ حَدٍّ وقودٍ (٤)، وحافِظِ مال (٥) بَيتِ المالِ، ومُحتَسِبٍ، وخَلِيفةٍ. (وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي حَدٍّ للهِ تَعَالَى؛ أُبِيحَ) له (٦) (إِقَامَتُهَا) مِنْ غَيرِ تَقَدُّمِ دَعْوى؛ لِأنَّ أبا بكرةَ وأصْحابَه والجارُودَ وأبا هُرَيرةَ أقامُوا الشَّهادةَ على قُدامةَ بنِ مَظْعونٍ بشِرْبِ الخَمْر (٧)، (وَلَمْ يُسْتَحَبَّ (٨)؛ لقوله ﵇: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا؛ سَتَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرَة» (٩). واسْتَحَبَّ القاضِي وأصْحابُه وأبو الفَرَج، و «التَّرغيب» كالمؤلِّف: تَرْكَه؛

стр. 6558

للتَّرغِيب في السَّتْر، وهذا يُخالِفُ ما جَزَمَ به في آخَرِ «الرِّعاية» مِنْ وُجوبِ الإغْضاءِ عمَّنْ سَتَرَ المعصية، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخَلاَّل. قال في «الفروع»: ويَتوَجَّهُ فِيمَنْ عُرِفَ بالشرِّ (١) والفَسادِ: لا يُستَرُ عَلَيهِ. (وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُمْ بِالْوُقُوفِ عَنْهَا، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقولِ عمرَ في قِصَّةِ المُغِيرةِ لَمَّا شَهِدَ عَلَيهِ ثلاثةٌ وجاء الرَّابِعُ: ما تَقُولُ يا سلح العقاب (٢)، وكالتَّعريضِ (٣) للفاعِلِ بالرُّجوع عن إقْرارِه، وفي «الانتصار»: تَلْقِينُه الرُّجوعَ مَشروعٌ. والثَّانِي: لَا؛ كحقِّ آدَمِيٍّ. فرعٌ: إذا دعا (٤) زَوجٌ أربعةً لِتحَمُّلِها بِزِنَى امْرأَتِه؛ جَازَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ … (١٥)﴾ الآية [النِّسَاء: ١٥]. وقِيلَ: لا؛ كغيره، أوْ لِإسْقاطِ الحَدِّ.

стр. 6559

قال في «الرِّعاية»: وإنْ قال (١): احْضُرَا لِتَسْمَعا قَذْفَ زَيدٍ لي؛ لَزِمَهُما. ويَتَوَجَّهُ: إنْ لَزِمَ إقامةُ الشَّهادةِ. وهَلْ تُقبَلُ الشَّهادةُ بحدٍّ قَديمٍ؟ فِيهِ وَجْهانِ. (وَمَنْ كَانَتْ (٢) عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لآِدَمِيٍّ يَعْلَمُهَا؛ لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ (٣)؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «خَيرُ القُرونِ قَرْنِي … » الخَبَرَ (٤)، وهو صحيحٌ، لِأنَّ أداءَها حقٌّ لآِدَمِيٍّ، فلا يستوفى (٥) إلَّا بِرِضاهُ؛ كسائِرِ حُقوقِه، ولا يَقدَحُ ذلك في عَدالَتِه؛ كشَهادَةِ حِسْبةٍ، ويُقِيمُها بطَلَبِه ولو لم يَطلُبْها الحاكِمُ، ويَحرُمُ كَتْمُها. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويقدح (٦) فِيهِ، وقال: إنْ كان بِيَدِ مَنْ لا يَستَحِقُّه، ولا يصل (٧) إلى مَنْ يَستَحِقُّه؛ لم يَلزَمْهُ إعانةُ أحَدِهما، ويُعِين (٨) مُتأوِّلاً مُجتَهِدًا (٩). (فَإِنْ (١٠) لَمْ يَعْلَمْهَا؛ اسْتُحِبَّ إِعْلَامُهُ بِهَا)؛ لِأنَّ ذلك تنبيهًا (١١) على حقِّه،

стр. 6560

وكالوديعة، (وَلَهُ إِقَامَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ)؛ لقوله النبي ﷺ : «أَلَا أنبِّئكم بخَيرِ الشُّهداء؟! الَّذي يَأتِي بشَهادته قَبْلَ أنْ يُسأَلَها» رواهُ مُسلِمٌ (١)، وتُرِكَ إطْلاقُ هذا الحديثِ؛ لأجل (٢) الخَبَرِ الآخر (٣)؛ جَمْعًا بَينَهُما. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ)؛ لقوله تعالَى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ … (٨٦)﴾ الآية [الزّخرُف: ٨٦]، قال المفسِّرُونَ: مَنْ شَهِدَ بالحقِّ، وهو تَوحيدُ الله تعالَى، وهو يَعلَمُ ما شَهِدَ به عن بصيرةٍ وإتقان (٤)، ومَعْناهُ: لكِنْ مَنْ شَهِدَ بالحقِّ، فيكُونُ الاِسْتِثْناءُ مُنقَطِعًا، وقال ابنُ عبَّاسٍ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن الشَّهادة، قال (٥): «تَرَى الشمس؟!» قال (٦): «على مِثْلِها فاشْهَدْ أوْ دَعْ» رَواهُ الخَلاَّلُ (٧)، ولِأنَّ الشَّهادةَ بغَيرِ عِلْمٍ رَجْمٌ بالغيب، وذلك حرامٌ.

стр. 6561

ومَدرَكُ العِلْم الَّذي تحصل (١) به الشَّهادةُ: (بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ) غالِبًا، زاد في «المستوعب» و «الرِّعاية»: حال (٢) التَّحمُّل؛ لقوله تعالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ … (٣٦)﴾ الآيةَ [الإسرَاء: ٣٦]، ويَختَصُّ الثَّلاثُ في الآية بالسُّؤال؛ لِأنَّ العِلْمَ بالفؤاد (٣)، وهو يَستَنِدُ إلى السَّمْع والبَصَرِ؛ لأنَّ (٤) مُدرَكَ الشَّهادةِ: الرُّؤيةُ والسَّماعُ، وهما بالبَصَر والسَّمْع دُونَ ما عَداهُما مِنْ مدارك (٥) العِلْم، وهو المسُّ والذُّوقُ والشَّمُّ، لا حاجةَ إلَيها في (٦) الشَّهادة في الأغْلَب. (وَالرُّؤْيَةُ تَخْتَصُّ بِالأفْعَالِ (٧)؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِهَا)؛ كالعُيوب المرئِية في المبيع (٨) ونحوِها. (وَالسَّمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعٌ مِنَ (٩) المَشْهُودِ عَلَيْهِ، نَحْوُ الْإِقْرَارِ، وَالْعُقُودِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ)، وحُكْمِ الحاكِم، فلا يَجُوزُ التَّحمُّلُ فِيهَا إلَّا بسَماعِ القَول ومَعرفةِ القائل (١٠) يقينًا، ذَكَرَه في «الكافي». وحِينَئِذٍ: يَلزَمُه أنْ يَشهَدَ عَلى مَنْ سَمِعَه، وإنْ لم يُشْهِدْهُ (١١) به لِاخْتِفائه،

стр. 6562

أوْ مع العِلْم به؛ لِأنَّ العِلْمَ يَحصُلُ بذلك، وإنْ حَصَلَ العِلْمُ بِدونِه؛ كمَعرفةِ صَوتِ القائل؛ كَفَى؛ لأِنَّه عَلِمَ المشْهودَ عَلَيهِ كما لو رآه، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ وجَمْعٍ (١). وقال جماعةٌ مِنْ العلماء: لا تَجُوزُ الشَّهادةُ حتَّى يُشاهِدَ القائل المشهودَ عليه (٢)؛ لِأنَّ الأصْواتَ تَشْتَبِهُ. وأُجِيبَ: بأنَّ جَوازَ اشتباه (٣) الأصوات كجَوازِ اشْتِباهِ الصُّوَر. وعَنْهُ: لا يَلزَمُه فيُخيَّرُ. وعَنْهُ: يَحرُمُ في إقْرارٍ وحُكْمٍ. وعَنْهُ: وغَيرِهما حتَّى يَشهَدَه. وعَنْهُ: إنْ أقرَّ بحقٍّ سابِقٍ نحو: كان له؛ فحتى (٤) يَشهَدَه. وظاهِرُ كلامِهم: أنَّ الحاكِمَ إذا شَهِدَ عَلَيهِ؛ شَهِد (٥)، سَواءٌ وَقْتَ الحُكْم أوْ لَا. وقال أبو الخَطَّاب وأبو الوَفاء: إذا كان بَعْدَه فيَقُولانِ: أخبرنا (٦) أنَّه حَكَمَ، ولا يَقُولانِ: أشْهَدَنا (٧).

стр. 6563

وعلى الأُولَى: إذا قال المتحاسِبانِ: لا تشهدوا (١) عَلَينا بما جَرَى بَينَنَا؛ لم يَمنَعْ ذلك الشَّهادةَ، ولَزِمَ إقامَتُها على الأَشْهَر. تنبيهٌ: إذا عَرَفَ المشْهُودَ عَلَيهِ باسْمِه وعَينِه ونَسَبِه؛ جاز أنْ يَشهَدَ عَلَيهِ مُطلَقًا، وإنْ لم يَعرِفْ ذلك (٢)؛ لم يَشهَدْ عَلَيهِ في غَيبَتِه. وفي «الفروع»: وإنْ كان غائبًا، فعرَّفه (٣) به مَنْ يَسكُنُ إلَيهِ؛ جاز أنْ يشهد (٤) في الأصحِّ. وظاهِرُ ما نَقلَه مُهَنَّى: الاِكْتِفاءُ بمَعْرِفةِ الاِسْم (٥)؛ لِأنَّه إذا حَصَلَ به التمييز (٦) فلا حاجةَ إلى مَعرِفةِ النَّسَب. والمرأةُ كالرَّجُل، قال أحمدُ: إلَّا لِمَنْ تَعرِف (٧)، وعلى مَنْ تَعرِفُ، وقال: لا تشهد (٨) على امرأةٍ حتَّى تنظر (٩) إلى وَجْهِها (١٠)، وهو محمولٌ على مَنْ لم يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَها. ونَصَّ أحمدُ على المنْع على مَنْ لا يَعرِفُه بتعريفِ غَيرِه (١١)، قال القاضِي:

стр. 6564

وهو (١) مَحمولٌ على الاِسْتِحْباب؛ لِتَجْوِيزِه (٢) الشَّهادةَ بالاِسْتِفاضةِ. ونَقَلَ حنبلٌ: لا يَشْهَدُ عَلَيها إلَّا بإذْنِ زَوجِها، وعلَّله بأنَّه أمْلَكُ لِعِصْمَتِها (٣)، وقَطَعَ به، وحُمِلَ على أنَّه لا يَدخُلُ بَيتَها إلَّا بإذْنِ زَوجها؛ للخَبَر (٤). فأمَّا الشَّهادةُ عَلَيها في غَيرِ بَيتِها؛ فجائزٌ؛ لِأنَّ إقْرارَها وتَصرُّفَها صحيحٌ إذا كانَتْ رَشِيدةً. (وَسَمَاعٌ مِنْ جِهَةِ الاِسْتِفَاضَةِ فِيمَا (٥) يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِذَلِكَ)؛ لِأنَّ المنْعَ منها يُؤدِّي إلى عَدَمِ ثُبوتِ ما ذُكِرَ غالِبًا في بعضها، وهو ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وهو مَنفِيٌّ شَرْعًا؛ (كَالنَّسَبِ)، وهو مَحَلُّ إجْماعٍ (٦)؛ كالوِلادة؛ لِأنَّه لا سبيلَ إلى معرفته (٧) إلَّا بالاستفاضة (٨)، (وَالمَوْتِ، وَالمِلْكِ) المطلَقِ، قيَّدَه به جماعةٌ، مِثْلَ أنْ يَستَفِيضَ عِندَه أنَّه مِلْكُ فُلانٍ، (وَالنِّكَاحِ)، قال جماعةٌ: دَوامُه، لا أنَّه (٩) تَزَوَّجَها، (وَالْخُلْعِ، وَالْوَقْفِ)، أيْ: أنَّه وَقْفُ زَيدٍ، لا أنَّه وَقَفَه، (وَمَصْرِفِهِ)، وحَكاهُ في «المغْنِي» عن الأصحاب، وجَزَمَ به في «الكافي»، وفي «الرِّعاية»: أنَّ الوَقْفَ ومَصرِفَه يَثبُتُ بها، في الأصحِّ فيهما،

стр. 6565

(وَالْعِتْقِ)؛ أيْ: أنَّه عتيقٌ وحرٌّ، لا أنَّ (١) سيِّدَه أعْتَقَه، (وَالْوَلَاءِ، وَالْوِلَايَةِ، وَالْعَزْلِ)؛ لِأنَّ العلمَ في ذلك كلِّه يَتعذَّر (٢) غالِبًا، أشْبَهَ النَّسَبَ. لا يُقالُ: يُمكِنُ العِلْمُ به بمُشاهَدةِ سببه؛ لِأنَّ الإمْكانَ لا يُنافِي التَّعذُّرَ غالِبًا، ولِأنَّ وُجودَ السَّبب لا يُعلَمُ به المسبَّبُ قطعًا (٣)؛ لِجَوازِ أنْ يَبِيعَ - مَثَلاً - غَيرَ ملكه (٤). وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ: أنَّه يَثبُتُ في الملكِ (٥) المطْلَقِ، والوَقْفِ، والنِّكاحِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والوَلاءِ، وقالَه الإصْطَخْرِيُّ، واقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الشَّرح»، وزادَ: مصَرِف الوَقْف، والموت، والوِلاية، والعَزْل، وكذا في «الكافي»، إلَّا أنَّه لم يَذكُر الوَلاءَ. (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ)؛ كالطَّلاق، نَصَّ عَلَيهِ (٦). وفي «عمد الأدلَّة»: مُقتَضَى تعليلِ أصْحابِنا: أنَّه (٧) يَثبُتُ الدَّينُ بالاِسْتِفاضة. ومُقتَضاهُ: أنَّه لا يَثبُتُ في حدٍّ، ولا قَوَدٍ، وظاهِرُ قَولِ الخِرَقِيِّ وابنِ حامِدٍ بخِلافِه؛ لِأنَّهم أطْلَقُوا الشَّهادةَ بما تَظاهَرَتْ به الأخْبارُ. وفي «التَّرغيب»: تُسمَعُ فيما (٨) تستقرُّ (٩) مَعرِفَتُه بالتَّسامُع، لا في عَقْدٍ.

стр. 6566

والأَشْهَرُ: أنَّه لا يَثبُتُ إلَّا في نَسَبٍ، ومَوتٍ، ومِلْكٍ مُطلَقٍ، وعِتْقٍ، وَوَلَاءٍ، ونِكاحٍ، وَوَقْفٍ. (وَلَا تُقْبَلُ الاِسْتِفَاضَةُ إِلَّا مِنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الاِسْتِفاضَةَ مَأخُوذةٌ مِنْ: فَيْضِ (١) الماءِ؛ لِكَثْرَتِه، وذلك يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ القائلِ به. (وَقَالَ الْقَاضِي: تُسْمَعُ (٢) مِنْ عَدْلَيْنِ فَصَاعِدًا)، يَسكُنُ قَلْبُه إلى خَبرِهما؛ لِأنَّ الثَّابِتَ بها (٣) حقٌّ مِنْ الحُقوق، فَوَجَبَ أنْ يُسمَعَ مِنهُما كغَيرِهما. واخْتارَ المجْدُ في «محرَّره»، وحَفِيدُه: أوْ واحِدٍ تسكن (٤) إلَيهِ نَفْسُه (٥). والأوَّلُ: المذْهَبُ؛ لِأنَّه لو اكْتَفَى باثْنَينِ لاشترط (٦) فيه ما يُشتَرَطُ في الشَّهادة على الشَّهادة، وإنَّما اكْتَفَى فيها بمُجرَّد السَّماع، والثَّالِثُ بعيدٌ عن مَعْناها. ويَلزَمُ الحُكْمُ بشَهادةٍ لم يُعلَمْ تَلقِّيها من الاِسْتِفاضة. ومَن قال: شَهِدتُ بها؛ فَفَرْعٌ. وفي «التَّعليق» وغَيرِه: الشَّهادةُ بها خَبَرٌ لا شهادة (٧)، وأنَّها (٨) تحصل (٩) بالنِّساء والعَبِيد.

стр. 6567

(وَإِنْ سَمِعَ إِنْسَانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أَبٍ أَوِ ابْنٍ، فَصَدَّقَهُ المُقَرُّ لَهُ؛ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِهِ)؛ لتوافق (١) الْمُقِرِّ والْمُقَرِّ له على ذلك، (وَإِنْ كَذَّبَهُ؛ لَمْ يَشْهَدْ)؛ لتكذيبه إيَّاهُ. (وَإِنْ سَكَتَ؛ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وقدَّمه (٣) في «الكافي» و «المستوعب» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّ السُّكوتَ في النَّسب إقْرارٌ به، بدليلِ مَنْ بُشِّرَ بولدٍ فسكت (٤)، كان مُقِرًّا به، بخِلافِ سائرِ الدَّعاوَى، ولِأنَّ النَّسَبَ يَغلِبُ فيه الإثْباتُ، ألَا تَرَى أنَّه يَلحَقُ بالإمْكان في النِّكاح؟! (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ)، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، وهو وَجْهٌ؛ لِأنَّ السُّكوتَ مُحتَمِلٌ، فاعْتُبِرَ له التَّكْرارُ؛ لِيَزُولَ الاِحْتِمالُ. (وَإِنْ رَأَى شَيْئًا فِي يَدِ إِنْسَانٍ) مُدَّةً طويلةً، قاله في «التَّرغيب»، و «المجرد» (٥)، و «الفُصول»، و «الكافي»، و «المحرر» (٦)، و «الوجيز»، وظاهِرُ كلامِ المؤلِّف يشمل (٧) القَصيرةَ، وصرَّحوا به في كتُبِ الخِلاف، وذَكَرَه ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ، (يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلاَّكَ مِنَ النَّقْضِ (٨)، وَالْبِنَاءِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالإِعَارَةِ (٩)، وَنَحْوِهَا؛ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِالمِلْكِ لَهُ)، قدَّمه أكْثَرُ الأصْحاب، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرةَ، وصحَّحه ابن المُنَجَّى؛ لِأنَّ اليَدَ دليلُ

стр. 6568

الملك، واسْتِمْرارها مِنْ غَيرِ مُنازِعٍ يُقَوِّيها، فجَرَتْ مجْرَى الاِسْتِفاضَة، والاِحْتِمالُ لا يَمْنَعُ جَوازَ الشَّهادة، بدليلِ جَوازِها بالملك؛ بِناءً على ما عايَنَه من السَّبب؛ كالبَيع والإرْث ونَحوِهما، مع أنَّه يَحتَمِلُ أنَّ البائعَ والمُوَرِّثَ لَيسَ مالِكًا. وفي «المغْنِي»: لا سبيلَ إلى العِلْم هُنا، فجازَتْ بالظَّنِّ، ويُسَمَّى عِلْمًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، ولا سبيلَ إلى العِلْم اليَقِينِيِّ هنا، فاكْتُفِي بالظَّنِّ. ويَتَوَجَّهُ احْتِمالٌ: يُعتَبَرُ حُضورُ المدَّعِي وَقْتَ تصرُّفِه، وأنْ لا يكون (١) قَرابَتَه، ولا يَخافَ مِنْ سُلْطانٍ إنْ عارَضَه؛ لِأنَّه إذا ادَّعَى شَخْصٌ على المتصرِّف (٢) أنَّ ذلك مِلْكُه؛ لا يَجُوزُ لِمَنْ رآهُ يَتصرَّفُ أنْ يَشهَدَ (٣) بالملك له إلا (٤) بما ذُكِرَ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَشْهَدَ إِلَّا بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ)، هذا وَجْهٌ، وصحَّحه السَّامَرِّيُّ؛ لِأنَّ يَدَه يَحتَمِلُ أنْ تكُونَ غَيرَ مالِكةٍ. وفي «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يشهد (٥) بمِلْكٍ بتصرُّفِه. وعَنْهُ: مع يَدِه. وفرَّقَ قَومٌ فقالوا: يشهد (٦) بالملك في المدَّة الطَّويلة، وفي القصيرة باليَدِ، وهو ظاهِرٌ.

стр. 6569

(فَصْلٌ) (وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ)، كذا ذكره (١) في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»؛ لِأنَّ النَّاسَ يَختَلِفُونَ في شروطه (٢)، فيَجِبُ ذِكْرُها؛ لِئَلَّا يَعتَقِدَ الشَّاهِدُ صِحَّتَه وهو فاسِدٌ، ولعلَّ ظاهِرَه: إذا اتَّحَدَ مَذهَبُ الشَّاهِد والحاكِمِ؛ لا يَجِبُ التبيين (٣). ونَقَلَ عبدُ الله فِيمَن ادَّعَى أنَّ هذه الميِّتةَ امْرأتُه، وهذا ابْنُه منها: فإنْ أقامها (٤) بأصْلِ النِّكاح، ويَصلُحُ ابْنَه؛ فهو على أصْلِ النِّكاح، والفِراشُ ثابِتٌ يَلحَقُه (٥). وإن ادَّعت (٦) أنَّ هذا الميِّتَ زَوجُها؛ لم يُقبَلْ إلَّا ببيِّنةٍ تَشهَدُ بأصْلِ النِّكاح، وتُعطى (٧) الميراث. (وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ (٨) مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَرِضَاهَا) إن (٩) لم تكُنْ مُجبَرةً، هذا مِنْ جُملةِ الشُّروط، ولعلَّه إنَّما ذَكَرَ ذلك؛ للخلافِ في بَعضِها. وحاصِلُه: أنَّ البيِّنةَ تَشهَدُ بذلك، وأنَّه تَزَوَّجَها في صِحَّةِ بَدَنِه، وجوازٍ

стр. 6570

من (١) أمْرِهِ، لكِنْ لا يُعتَبَرُ: في صِحَّتِه وجَوازِ أمْرِه (٢). تنبيهٌ: إذا شَهِدَ باسْتِباحَةِ الزَّوجِيَّةِ؛ جاز، وإنْ ذَكَرَ سَبَبَها لم تكُنْ شَهادةً. وقِيلَ: لا يُشهَدُ فيها باسْتِفاضةٍ، وهو بعيدٌ. وإنْ عَقَدَ بلَفْظٍ لا خِلافَ فيه؛ شَهِدَ بالعَقْد والزَّوجِيَّةِ، يقول (٣): حَضَرْتُ العَقْدَ الجَارِيَ بَينَهما وأشْهَدُ به، وإنْ قال: حَضَرْتُ وشَهِدْتُ به؛ فقال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ وَجْهَينِ، والصِّحَّةُ أظْهَرُ. فرعٌ: مُقتَضَى ما ذَكَرَه المؤلِّفُ: أنَّه لا يُشتَرَطُ في البَيعِ ونَحوِه ذِكْرُ شُروطِه، وهو وَجْهٌ، والأشْهَرُ: أنَّه يُشتَرَطُ في سائرِ العُقُودِ. (وَإِنْ شَهِدَ بِالرَّضَاعِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، وَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ ثَدْيِهَا، أَوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ)؛ لِاخْتِلافِ النَّاس فِيما يَصِيرُ به ابْنَها، ولا بُدَّ أنْ يكونَ ذلك في الحَولَينِ، وقِيلَ: ودخول (٤) اللَّبَنِ إلى جَوفِه. قال في «الكافي»: وإنْ رَأَى امْرأةً اتَّخَذتْ صبِيًّا تَحْتَ ثِيابِها فأرْضَعَتْهُ؛ لم يَجُزْ أنْ يَشهَدَ بإرْضاعه؛ لأِنَّه يَجُوزُ أنْ تتَّخِذَ (٥) شَيئًا على هَيئةِ الثَّدْيِ تُمِصُّه له. (وَإِنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ؛ احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، أَوْ جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ)؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ شَرْطٌ في إيجابِ القَتْلِ، فاحْتِيجَ إلى قَولِه في الشَّهادة به، ويُعْتَبَرُ ذِكْرُ الآلةِ، وَوَصْفُ الجِنايَة بعَمْدٍ أوْ غَيرِه، والاِنْفِرادُ به أوْ شارَكَ غَيرَه.

стр. 6571

(فَإِنْ (١) قَالَ: جَرَحَهُ فَمَاتَ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ)؛ لِجَوازِ أنْ يكُونَ مات بغَيرِ هذا، ولِأنَّه لم (٢) يَستَنِد الموت إلى الجَرح، فلم يَثبُتْ كَونُ الموت بسببِ جَرْحِه. فإنْ قال (٣): ضَرَبَه فَوَجَدَه مُوضَحًا، أوْ فَسَالَ دَمُه؛ لم يَصِحَّ. وإنْ قال: ضَرَبَه فأوْضَحَه، فَوَجَدَ في رأسه مُوضِحَتَينِ؛ وَجَبَ دِيَةُ مُوضِحةٍ؛ لِأنَّه قد أثْبَتَها، ولم يَجِبْ قِصاصٌ؛ لِأنَّا لا نَدْرِي أيَّتَهما الَّتي شهدت بها (٤). (وَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَى؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَنْ (٥) زَنَى بِهَا، وَأَيْنَ زَنَى، وَكَيْفَ زَنَى، وَأَنَّهُ رَأَى ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا)؛ لِأنَّ اسْمَ الزِّنى يُطلَقُ على ما لا يُوجِبُ الحدَّ، وقد يَعتَقِدُ الشَّاهِدُ ما لَيسَ بِزِنًى زِنًى، فاعْتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِه؛ لِيَزولَ الاِحْتِمالُ، ولأِنَّه إذا اعْتُبِرَ التَّصريحُ في الإقْرار؛ كان اعْتِبارُه في الشَّهادة أَوْلَى، وقد تكون (٦) المرأةُ مِمَّنْ يَحِلُّ له وطْؤُها، أوْ له فِيهِ شُبْهةٌ، وقد تكُونُ الشَّهادةُ على فِعْلَينِ، فاعْتُبِرَ المكانُ، وإنْ لم يَذكُر الشهود (٧) ذلك سَأَلَهم الحاكِمُ عَنْهُ. (وَمِنْ أَصْحَابِنَا) - وهو ابْنُ حامِدٍ - (مَنْ قَالَ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ المَزْنِيِّ (٨) بِهَا، وَلَا ذِكْرِ المَكَانِ)؛ لِأنَّه لم يَأتِ ذِكْرُهما في الحديث

стр. 6572

الصَّحيحِ (١)، ولَيسَ في حَديثِ الشَّهادة في رَجْمِ اليَهودِيَّينِ ذِكْرُ المكان (٢). وكذا لا يُشتَرَطُ أيضًا ذِكْرُ الزَّمان؛ لِأنَّ الأزْمِنَةَ في الزِّنى واحِدٌ لا تختلف (٣). وفِيهِ وَجْهٌ: بَلَى؛ لتكون (٤) شَهادَتُهم على فِعْلٍ واحِدٍ. وتُقْبَلُ بِحَدٍّ قديمٍ؛ كالقِصاص، وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا تُقبَلُ؛ لِقَولِ عمرَ (٥). (وَإِنْ (٦) شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالنِّصَابِ، وَالْحِرْزِ، وَصِفَةِ السَّرِقَةِ)؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَختَلِفُ باخْتِلافِها، ولِتَتَمَيَّزَ السَّرِقَةُ المُوجِبَةُ لِلقَطْعِ مِنْ غَيرِها. (وَإِنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ ذَكَرَ المَقْذُوفَ، وَصِفَةَ الْقَذْفِ)، ويَذكُرُ الْقَاذِفَ، وقِيلَ: وأيْنَ، ومتى (٧). (وَإِنْ شَهِدَ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ ابْنُ أَمَةِ فُلَانٍ؛ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ حَتَّى يَقُولَا: وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ)، جَزَمَ به في «الوجيز» و «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِجَوازِ أنْ تكُونَ وَلَدَتْهُ قَبْلَ تَمَلُّكِها.

стр. 6573

وقِيلَ: لا يُشتَرَطُ قَولُهما: ولَدَتْه في مِلْكِه. فإنْ قَالَا: في مِلْكِه؛ صحَّ (١)؛ لِأنَّها شَهِدَتْ أنَّه نَماءُ مِلكِه، ونَماءُ مِلكِه ملكُه (٢) ما لم يَرِدْ نقله (٣) عنه. فإنْ قيل (٤): قد قُلْتُمْ: لا تُقبَلُ شَهادَتُه بالملك السَّابِقِ على الصَّحيح، وهذه (٥) شَهادَةٌ بمِلْكٍ سابِقٍ! قُلْنا: الفَرْقُ على تقديرِ التَّسليم: النَّماءُ تابِعٌ للملْك في الأصل، فإثْباتُ مِلكِه في الزَّمَن الماضِي على وَجْهِ التَّبَع، وجَرَى مَجْرَى ما لو قال: مَلَكَه مُنذُ سَنَةٍ، وأقام البيِّنةَ به، فإنَّ ملكَه يثبت (٦) في الزَّمَن الماضي (٧) تَبَعًا لِلحالِ، فيَكُونُ له النَّماءُ فِيمَا مَضَى؛ لِأنَّ البيِّنةَ هنا شَهِدَتْ بسببِ الملك، فقويت (٨) بذلك، ولهذا لو (٩) شَهِدَتْ بالسَّبب في الزَّمَن الماضي، فقال: أقْرَضْتُه (١٠) ألْفًا؛ ثَبَتَ الملْكُ وإنْ لم يَذكُرْه، فَمَعَ ذِكْرِه أَوْلَى. فرعٌ: إذا شَهِدَ على إقْرارِ غَيرِه بحقٍّ، فقِيلَ: يُعتَبَرُ ذِكْرُ سَبَبِه، والأصحُّ: لا (١١)؛ كاسْتِحْقاقِ مالٍ.

стр. 6574

وإنْ شَهِد (١) بَسَبَبٍ يوجبه (٢)، أوِ اسْتِحْقاقِ غَيرِه؛ ذَكَرَه. وفي «الرِّعاية»: مَنْ شَهِدَ لِزَيدٍ على عَمْرٍو بشَيءٍ؛ سأله (٣) عن سَبَبِه، انْتَهَى. ولا تُعتَبَرُ إشارتُه إلى مشهودٍ عَلَيهِ حاضِرٍ مع نَسَبِه وَوَصْفِه، ولا قَولُه: طَوعًا في صِحَّتِه مُكلَّفًا؛ عَمَلاً بالظَّاهِرِ. وما صَحَّت الشَّهادةُ به صحت (٤) الدَّعْوَى، وبالعَكْسِ. وعلى (٥) اخْتِيارِ المؤلِّفِ: لا يُشتَرَطُ ذلك فِيما إذا كانَتْ في يَدِ المتعاقدين (٦)، أمَّا إذا كانت (٧) في يَدِ غَيرِهما؛ فلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الملْكِ والتَّسْلِيمِ، وتَشْهَد البيِّنةُ به. (وَإِنْ شَهِدَا (٨) أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ (٩) فُلَانٍ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ (١٠)، أَوْ أَعْتَقَهَا؛ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ (١١) بِهَا حَتَّى يَقُولَا: وَهِيَ فِي مِلْكِهِ)؛ لِأنَّه قَدْ يَبِيعُ وَيَقِفُ ويَعتِقُ ما لا يَملِكُه، ولِأنَّه لو لم يُشتَرِطْ قَولُ الشَّاهِدَينِ: وهي في ملكِه؛ لتَمكَّن (١٢) كلُّ مَنْ أرادَ أنْ يَنزِعَ شَيئًا مِنْ يَدِ غَيرِه أنْ يَتَّفِقَ هو وشَخْصٌ ويَبِيعَه إيَّاهُ بحُضْرةِ

стр. 6575

شَاهِدَينِ، ثُمَّ ينتزعه (١) المشْتَرِي مِنْ يَدِ صاحِبِه، ثُمَّ يقتسمانه (٢)، وفي ذلك ضَرَرٌ عظيمٌ لا يَرِدُ الشَّرْعُ بمِثْلِه. (وَإِنْ شَهِدَا (٣) أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، أَوِ الطَّيْرَ (٤) مِنْ بَيْضَتِهِ (٥)، أَوِ الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ؛ حُكِمَ لَهُ بِهَا)، ذَكَرَه الأَصْحابُ؛ لِأنَّ الغَزْلَ عَينُ القُطْن، وإنَّما تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، والطَّيرَ هو البَيضةُ اسْتَحَالَتْ، والدَّقِيقَ عَينُ الحِنْطة، وإنَّما تَفَرَّقَتْ أجْزاؤها. وقِيلَ: أو البَيضة مِنْ طَيرِه؛ فكذلك، والأصحُّ: لا، حتَّى يَقُولَا: باضَتْها في ملْكِه؛ لِأنَّ البَيضَةَ غَيرُ الطَّيرِ، وإنَّما هِيَ مِنْ نَمائِه؛ كالوَلَدِ. (وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَادَّعَى (٦) آخَرُ أَنَّهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ لَهُ (٧) شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ (٨)؛ سُلِّمَ المَالُ إِلَيْهِ)، في قَولِ أكْثَرِ العُلَماء؛ لِأنَّ هذا ممَّا لا (٩) يُمكِنُ عِلْمُه، فكفى (١٠) فيه الظَّاهِرُ مَعَ شَهادَةِ الأصْلِ بعَدَمِ وَارِثٍ آخَرَ، (سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ البَاطِنَةِ (١١)، أَوْ لَمْ يَكُونَا)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ قَولَ البيِّنة يَعضُدُه الأصْلُ. وفِيهِ وَجْهٌ: أنَّه لا يُقبَلُ مِنْ غَيرِ أهْلِ الخِبْرةِ الباطِنةِ، فيَجِبُ الكَشْفُ عن

стр. 6576

حاله؛ لِأنَّ عَدَمَ عِلْمِهم بِوارِثٍ لَيسَ بدليلٍ على عَدَمِه، بخِلافِ أهْلِ الخِبْرة الباطنة، فيأمرُ مَنْ يُنادِي بمَوتِه، ولِيَحْضُرَ وَارِثُه، فإذا (١) غَلَبَ على ظَنِّه أنَّه لا وَارِثَ له؛ سلَّمَه، وقِيلَ: بكَفِيلٍ. فَعَلَى الأوَّلِ: يُكَمَّلُ لِذِي الفَرْضِ فَرْضُه. وعلى الثَّاني، وجَزَمَ به في «التَّرغيب»: يَأخُذُ اليَقِينَ، وهو رُبُعُ ثُمُنٍ للزَّوجة عائلاً، وسُدُسٌ لِلأُمِّ عائلاً، مِنْ كلِّ ذِي فَرْضٍ لا حَجْبَ فِيهِ ولا يَقِينَ في غَيرِه. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا شهدا (٢) له بالإرْثِ؛ كَفَى، نَقَلَ الأَزَجِيُّ فِيمَنِ ادَّعَى إرْثًا، لا يَخرُجُ (٣) في دَعْواهُ إلى إثْباتِ السَّبَب الَّذي يرث (٤) به، وإنَّما يَدَّعِي الإرْثَ مُطلَقًا؛ لِأنَّ (٥) أدْنَى حالاته: أنَّه يَرِثُ بالرَّحِم، وهو صحيحٌ على أصْلِنا، والمعروفُ خِلافُه. (وَإِنْ قَالَا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ)، أوْ بأرضِ كذا؛ (احْتَمَلَ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَالُ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لمَا تَقدَّمَ. (وَاحْتَمَلَ: أَنْ لَا يُسَلَّمَ إِلَيْهِ حَتَّى يَسْتَكْشِفَ الْقَاضِي عَنْ خَبَرِهِ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي سَافَرَ إِلَيْهَا)، وقالَهُ أكْثَرُ أهْلِ العِلْم، قال (٦) في «الشَّرح»: وهو أَوْلَى؛ لِأنَّهما قد يَعلَمانِ أنَّه لا وَارِثَ له في تلك الأرض، ويَعْلَمانِ له وارِثًا في

стр. 6577

غَيرِها؛ فلم يُقبَلْ، كما لو قالا: لا نَعلَمُ له وارِثًا في هذا البَيتِ. وإنْ شهدا (١) بأنَّه ابْنُه لا وَارِثَ له غَيرُه، وبينةٌ (٢) كذلك؛ ثَبَتَ نَسَبُه مِنهُما، وقُسِمَ المالُ بَينَهما؛ لِأنَّه لا يُنافِي. قال المؤلِّفُ في «فَتاوِيه»: إنَّما احْتاجَ إلى إثْباتِ: لا وَارِثَ له سِواهُ؛ لِأنَّه يُعْلَم (٣) ظاهِرًا، فإنَّ بحكم (٤) العادة يَعرِفُه جاره ومَنْ يَعرِفُ باطِنَ أمْرِه، بخِلافِ دَينِه على الميِّت، لا يَحتاجُ إلى إثْباتِ: لا دَينَ عَلَيهِ سِواهُ؛ لِخَفاءِ الدَّين. فرعٌ: لا تُرَدُّ الشَّهادةُ على النَّفْيِ مُطلَقًا، بدليلِ هذه المسألةِ والإعْسارِ، بَلْ يُقبَلُ إذا كان النَّفْيُ مَحصُورًا؛ كَقَولِ الصَّحابيِّ: «دُعِيَ إلى الصَّلاةِ فَقَامَ، فَطَرَحَ السِّكِّينَ وصلَّى ولم يَتوَضَّأْ» (٥)؛ كالإثْباتِ. وهل يَشهَدُ عَقْدًا فاسِدًا مُختَلَفًا فيه، ويَشهَدُ به؟ يَتوَجَّهُ دُخولُها فِيمَنْ أَتَى فَرْعًا مُختَلَفًا فيه. قال في «التَّعليق»: يَشهَدُ، وفي «الفَتاوَى المصْرِيَّة»: يَجُوزُ لِلكاتِبِ والشَّاهِدِ أنْ يَكتُبَ ويَشهَدَ به، ولو لم يَرَ جَوازَه؛ لِأنَّه من المسائلِ الاِجْتِهادِيَّةِ، والفقيهُ يَحكُمُ بما يَراهُ مِنْ الخِلافِ. فرعٌ: إذا شهدا (٦) أنَّه طَلَّقَ، أوْ أعْتَقَ، أوْ أبْطَلَ مِنْ وَصاياه واحِدةً ونَسِيَا عَينَها؛ لم تُقبَلْ هذه الشَّهادةُ، ذَكَرَه (٧) في «المحرَّر» و «الرِّعاية».

стр. 6578

وقِيلَ: بَلَى، جَزَمَ به في «المبهج» في الوصيَّة. وفيِهَا في «التَّرغيب»: قال أصْحابُنا: يُقرَعُ بَينَ الوصيِّتَينِ، فمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُها؛ فهِيَ الصَّحيحة. (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ المُسْتَخْفِي)، وهو المُتَوَارِي عن المشهود عَلَيهِ، وهي مَقْبولةٌ، قال في «الشَّرح»: على الرِّواية الصَّحيحة، رواهُ سعيدٌ بإسْنادٍ رجالُه ثِقاتٌ، عن عَمْرِو بنِ حُرَيثٍ (١)، ولِأنَّه قد تَدْعُو الحاجةُ إلى ذلك، مِثْلَ أنْ يكُونَ خَصْمُه يُقِرُّ (٢) سِرًّا ويَجحَدُ جَهْرًا، فلو لم تَجُزْ شَهادَتُه؛ لَأدَّى إلى بُطْلانِ الحقِّ. والثَّانِيَةُ: لا تُسمَعُ شَهادَتُه، اختاره (٣) أبو بكرٍ وابْنُ أبي مُوسَى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحُجرَات: ١٢]، ولقوله ﵇: «مَنْ حدَّثَ بحديثٍ (٤) ثُمَّ الْتَفَتَ؛ فهو أمانةٌ» (٥). وفي ثالثةٍ: إنْ أقرَّ بحقٍّ في الحال؛ شَهِدَ به، كقوله: عليَّ كذا، وإنْ أقرَّ

стр. 6579

بسابِقَتِه؛ كأقْرَضَنِي، أوْ كان عليَّ وقضيته (١) إذا جعلناه (٢) إقْرارًا؛ لم يَشهَدْ به حتَّى يُشْهِدَه به، قال في «المحرَّر»: وهي الأصحُّ. وعَنْهُ: يَشهَدُ بما سَمِعَه، ولا يُؤدِّي حتَّى يَقُولَ: اشْهَدْ عليَّ، فإذا قالَهُ؛ وَجَبَ الأداءُ. (وَمَنْ سَمِعَ رَجُلاً) مُكلَّفًا (يُقِرُّ بِحَقٍّ)، أوْ عَقْدٍ، أوْ عِتْقٍ، أوْ طَلاقٍ، (أَوْ يُشْهِدُ شَاهِدًا بِحَقٍّ)؛ فعلى الخِلافِ، والمذْهَبُ: أنَّه يَشهَدُ عَلَيهِ وإنْ لم يَقُلْ له: اشْهَدْ. وعَنهُ: لا؛ كالشَّهادة. وفرَّق المؤلِّفُ بَينَهما: بأنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادة ضعيفةٌ، فاعْتُبِرَ تقويتها (٣) بالاِسْتِدْعاءِ. (أَوْ سَمِعَ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ، أَوْ يُشْهِدُ (٤) عَلَى حُكْمِهِ وَإِنْفَاذِهِ (٥) فِي إِحْدَى (٦) الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لِأنَّ المعتمد علَيهِ السَّماعُ، وهو مَوجُودٌ، ولِأنَّ أبا بَكْرَةَ وأصْحابَه شَهِدُوا على المُغِيرَةِ ولم يَقُلْ عُمَرُ: هل أشْهَدَكم أوْ لا؟ (٧)، وكذلك عُثْمانُ لم يَسأَل الَّذِينَ شَهِدُوا على الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ بذلك (٨)، ولم يَقُلْ هذا أحدٌ مِنْ الصَّحابة ولا غَيرِهم.

стр. 6580

(وَلَا يَجُوزُ (١) فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ)؛ كالشَّهادة على الشَّهادة. وقدَّم (٢) في «المحرَّر» و «الرِّعاية»: تلزم (٣) الشَّهادةُ. وعَنْهُ: يُخيَّرُ في ذلك. وذَكَرَ القاضِي رِوَايَةً في الأفْعالِ: لا يَشْهَدُ، حتَّى يَقُولَ له (٤) المشْهُودُ عَلَيهِ: اشْهَدْ. وهذا إنْ أرادَ به العُمومَ في جميعِ الأفعال؛ لم يَصِحَّ؛ لِأنَّ الغاصب (٥) لا يَقُولُ لأِحَدٍ: اشْهَدْ عليَّ أنِّي غَصَبْتُ، وإنْ أرادَ به الأفْعالَ الَّتِي تكون (٦) بالتَّراضِي؛ كقَرْضٍ وبَيعٍ؛ جَازَ.

стр. 6581

(فَصْلٌ) (إِذَا (١) شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ)؛ لِأنَّه إذا اخْتَلَفَ الشَّاهِدانِ فِي صِفَةِ المشْهُودِ به؛ لم تَكمُلِ البيِّنةُ على واحِدٍ مِنهُما. (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَمْسِ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)؛ لِاختلافهما (٢) في الوَقْتِ. (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْفِعْلِ إِذَا (٣) اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)؛ لِأنَّ أحدَ الفِعْلَينِ غَيرُ الآخَرِ؛ لأِنَّ الفِعْلَ الواقِعَ في يَومٍ غَيرُ الفِعْل الواقِعِ في (٤) يومٍ آخَرَ. فلو شَهِدَا بفِعْلٍ مُتَّحِدٍ في نَفْسِه؛ كإتْلافِ ثَوبٍ، وقَتْلِ زَيدٍ، أوْ باتِّفاقِهما؛ كغَصْبٍ وسَرِقَةٍ، واخْتَلَفَا في وَقْتِه، أوْ مَكانِه، أوْ صِفَةٍ تتعلَّقُ به؛ كلَوثٍ وآلةِ قَتْلٍ ممَّا (٥) يَدُلُّ على تَغايُرِ الفِعْلَينِ؛ لم تَكمُلِ البيِّنةُ على المذْهَب، وفي «المحرَّر»: هو (٦) قَولُ أصْحابِنا؛ للتَّنافِي. وقال أبو بكرٍ: يُجمَعُ بَينَهما حتَّى يُوجِبَ الْقَطْعَ والقَوَدَ. وقِيلَ: بل يَحلِفُ مع كلِّ شاهِدٍ، ويَأخُذُ ما شَهِدَ به من مالٍ. وقِيلَ: لا حدَّ بحالٍ (٧).

стр. 6582

وإنْ أمْكَنَ تعدُّده (١) ولم يَشْهَدَا (٢) بأنَّه مُتَّحِدٌ، فبكلِّ (٣) شَيءٍ شاهِدٌ، فيُعمَلُ بمُقْتَضَى ذلك، ولا تَنافِيَ بَينَهما. ولو كان بَدَلَ شاهِدٍ بيِّنةٌ؛ ثبتا هُنا إن ادَّعاهما، وإلَّا ما ادَّعاه، وتَعارَضَتَا في الأُولَى، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ أنَّه لا تَعارُضَ فِيهِ؛ لِإمْكانِ الجَمْعِ. فرعٌ: إذا شَهِدَ واحِدٌ بالفِعْل، وآخَرُ على الإقْرار به؛ جُمِعَتْ شَهادتُهما، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، واختاره (٥) أكثرُ الأصْحابِ؛ لقصة (٦) الوليدِ في شُرْبِ الخمر (٧). ولو شَهِدَا في وَقْتَينِ على إقْرارِه بالغصبِ (٨)، أوْ شَهِدَ اثْنانِ على الفِعْل، وآخَرانِ على الإقْرارِ به؛ لم يُجمَعْ بَينَهما في الأَشْهَر؛ لِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكُونَ ما أقرَّ به غَيرُ ما شَهِدَ به الشَّاهِدَانِ، وهذا يبطُلُ (٩) بالشَّهادة على إقْرارَينِ. مسألةٌ: إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ بقَتْلِه عَمْدًا، أوْ قَتَلَه عمدًا (١٠)، وآخَرُ أنَّه أقرَّ بقَتْلِه، أوْ قتله (١١) وسَكَتَ؛ ثَبَتَ القَتْلُ، وصُدِّقَ المدَّعَى عَلَيهِ في صِفَتِه. (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ (١٢) بِأَلْفٍ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ (١٣)

стр. 6583

بِأَلْفٍ الْيَوْمَ)؛ لِأنَّهما - وإنْ كانا إقْرارَينِ - فهُما إقْرارٌ بشيءٍ (١) واحِدٍ، وكذا في «الرِّعاية»، مع أنَّه أطْلَقَ الخْلافَ في كلِّ شَهادةٍ على القَولِ. (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهَا الْيَوْمَ؛ كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ، وَثَبَتَ الْبَيْعُ)؛ لِأنَّ المشْهودَ به شَيءٌ واحِدٌ، يَجُوزُ أنْ يُعادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فلم يُؤثِّرْ؛ كما لو شَهِدَ أحدُهما بالعربيَّة والآخَرُ بالفارِسِيَّة، (وَالْإِقْرَارُ) في الصُّورة الأُولَى. (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ)، وكذا في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الشَّرح»، وسَواءٌ اخْتلَفَا وَقْتًا أوْ مَكانًا؛ لأِنَّ المشهودَ به واحِدٌ، كما لو شهدا (٢) على الإقْرارِ بشَيءٍ، واخْتَلَفَا في وَقْتِه، أوْ مَوضِعِه، أو اللُّغة المقرِّ بها. وفي «الرِّعاية» قَولٌ: أنَّهما إذا اخْتَلَفا وقتًا أوْ مَكانًا؛ لم تَكمُل البيِّنةُ. ولم يَذكُرْ في «الكافي» في الإقْرارِ خِلافًا أنَّ الشَّهادةَ تَكمُلُ فِيهِ، وذَكَرَ في غَيرِه احْتِمالَينِ. (إِلَّا النِّكَاحَ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ الآخَرُ (٣) أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)؛ لِأنَّ اخْتِلافَ الشُّهودِ في الوقت يمنع (٤) مِنْ كَمالِ البيِّنة ومِن ثُبوتِه. أمَّا أوَّلاً: فَلِأَنَّ البيِّنةَ الكامِلةَ يَثبُتُ مُوجَبُها كما تقدَّمَ، والبيِّنةُ المذْكورةُ لا يَثبُتُ مُوجَبُها. وأمَّا ثانِيًا: فَلأِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِه: حُصولُ الشَّاهِدَينِ له، فإذا اخْتَلَفَا في

стр. 6584

الوَقْت؛ لم يَتحقَّقْ حُصولُ الشَّرط، فلم يَثبُت المشْروطُ مع عَدَمِ تَحقُّقِ شَرطِه، قاله (١) ابن المنَجَّى. وفي «الشَّرح»: لم تَكمُلِ البيِّنةُ في قَولِهم جميعًا؛ لِأنَّه لم يَشهَدْ بكلِّ عَقْدٍ إلَّا شاهِدٌ واحِدٌ، فلم يَثْبُتْ. (وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ)، ألْحَقَ أكثرُ (٢) أصْحابِنا القَذْفَ بالأفْعال، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّ البيِّنةَ لم تَكمُلْ على قَذْفِه، ولِأنَّ اخْتِلافَ الشهود (٣) شبْهةٌ، وَالْحَدُّ يُدرأ (٤) بها. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ)؛ لِأنَّ المشْهودَ به واحِدٌ، أشْبَهَ البَيعَ وسائرَ الأمْوالِ. تنبيهٌ: ذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّه إذا شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقرَّ عِنْدِي يَومَ الخميس بدِمَشْقَ أنَّه قَتَلَه، أوْ قَذَفَه، أوْ غَصَبَه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقرَّ عندي (٥) بهذا يَومَ السَّبْت؛ كَمُلَتِ البيِّنةُ، وهو قَولُ أكْثَرِهِم. وقال زُفَرُ: لا تَكمُل (٦)؛ لأِنَّ كلَّ إقْرارٍ لم يَشهَدْ به إلَّا واحِدٌ؛ كالشَّهادة على الفِعْل. وجَوابُه: أنَّ المُقَرَّ به واحِدٌ، وقد شَهِدَ اثْنانِ على الإقْرارِ به، فكَمُلَتْ؛ كما لو كان الإقْرارُ به واحِدًا. وفارَقَ الشَّهادةَ على الفِعْل، فإنَّ الشهادة (٧) على فِعْلَينِ مُختَلِفَينِ، فنَظِيرُه

стр. 6585

في الإقرار (١): أنْ يَشهَدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ عنده (٢) أنَّه (٣) قَتَلَه يَومَ الخَمِيسِ، والآخَرُ: أنَّه قَتَلَه يَومَ الجُمعة؛ لم تَكمُل البيِّنةُ؛ لأنَّ (٤) الَّذي شَهِدَ به أحدُهما غَيرُ الَّذي شَهِدَ به الآخَرُ؛ كما لو شهد (٥) أحدُهما أنَّه غَصَبَه دَنانِيرَ، والآخَرُ دَراهِمَ. ثُمَّ ذَكَرَ قَولَ أبي بكرٍ: أنَّها تَكمُلُ؛ لِأنَّ ذلك لَيسَ مِنْ المقْتَضِي، فلا يُعتَبَرُ في الشَّهادة. والأوَّلُ أصحُّ. قُلتُ: وعلى عَدَمِ الجَمْع: لمدَّعي (٦) القَتْلِ أنْ يَحلِفَ مع أحَدِهما ويَأخُذَ الدِّيَةَ، ومَتَى جَمَعْنا مع اخْتِلافِ الوَقْت في قَتْلٍ أوْ طَلاقٍ؛ فالعِدَّةُ والإرْثُ يَلِي آخِرَ المدَّتَين. (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفَيْنِ؛ ثَبَتَ أَلْفٌ) على المذْهَب؛ لِأنَّ الشَّهادةَ فِيهَا كَمُلَتْ، وكما لو لم يَزِدْ أحدُهما على صاحبه، وسَواءٌ عَزَوَا أوْ أحدُهما الشَّهادةَ إلى الإقْرار، أوْ جِهَةٍ واحِدةٍ غَيرِه، أوْ لم يَعزُوا (٧). وقِيلَ: لَا؛ لِأنَّه لم يَشهَدْ بكلِّ إقْرارٍ إلَّا واحِدٌ. قال في «الشَّرح»: ويبطل (٨) إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ له بألْفٍ غُدْوةً،
следующие страницы →