← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

(فَصْلٌ) (إِذَا (١) شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا أَبْيَضَ)؛ لِأنَّه إذا اخْتَلَفَ الشَّاهِدانِ فِي صِفَةِ المشْهُودِ به؛ لم تَكمُلِ البيِّنةُ على واحِدٍ مِنهُما. (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ الْيَوْمَ، وَشَهِدَ الآْخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَمْسِ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)؛ لِاختلافهما (٢) في الوَقْتِ. (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْفِعْلِ إِذَا (٣) اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)؛ لِأنَّ أحدَ الفِعْلَينِ غَيرُ الآخَرِ؛ لأِنَّ الفِعْلَ الواقِعَ في يَومٍ غَيرُ الفِعْل الواقِعِ في (٤) يومٍ آخَرَ. فلو شَهِدَا بفِعْلٍ مُتَّحِدٍ في نَفْسِه؛ كإتْلافِ ثَوبٍ، وقَتْلِ زَيدٍ، أوْ باتِّفاقِهما؛ كغَصْبٍ وسَرِقَةٍ، واخْتَلَفَا في وَقْتِه، أوْ مَكانِه، أوْ صِفَةٍ تتعلَّقُ به؛ كلَوثٍ وآلةِ قَتْلٍ ممَّا (٥) يَدُلُّ على تَغايُرِ الفِعْلَينِ؛ لم تَكمُلِ البيِّنةُ على المذْهَب، وفي «المحرَّر»: هو (٦) قَولُ أصْحابِنا؛ للتَّنافِي. وقال أبو بكرٍ: يُجمَعُ بَينَهما حتَّى يُوجِبَ الْقَطْعَ والقَوَدَ. وقِيلَ: بل يَحلِفُ مع كلِّ شاهِدٍ، ويَأخُذُ ما شَهِدَ به من مالٍ. وقِيلَ: لا حدَّ بحالٍ (٧).

стр. 6582

وإنْ أمْكَنَ تعدُّده (١) ولم يَشْهَدَا (٢) بأنَّه مُتَّحِدٌ، فبكلِّ (٣) شَيءٍ شاهِدٌ، فيُعمَلُ بمُقْتَضَى ذلك، ولا تَنافِيَ بَينَهما. ولو كان بَدَلَ شاهِدٍ بيِّنةٌ؛ ثبتا هُنا إن ادَّعاهما، وإلَّا ما ادَّعاه، وتَعارَضَتَا في الأُولَى، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ أنَّه لا تَعارُضَ فِيهِ؛ لِإمْكانِ الجَمْعِ. فرعٌ: إذا شَهِدَ واحِدٌ بالفِعْل، وآخَرُ على الإقْرار به؛ جُمِعَتْ شَهادتُهما، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، واختاره (٥) أكثرُ الأصْحابِ؛ لقصة (٦) الوليدِ في شُرْبِ الخمر (٧). ولو شَهِدَا في وَقْتَينِ على إقْرارِه بالغصبِ (٨)، أوْ شَهِدَ اثْنانِ على الفِعْل، وآخَرانِ على الإقْرارِ به؛ لم يُجمَعْ بَينَهما في الأَشْهَر؛ لِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكُونَ ما أقرَّ به غَيرُ ما شَهِدَ به الشَّاهِدَانِ، وهذا يبطُلُ (٩) بالشَّهادة على إقْرارَينِ. مسألةٌ: إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ بقَتْلِه عَمْدًا، أوْ قَتَلَه عمدًا (١٠)، وآخَرُ أنَّه أقرَّ بقَتْلِه، أوْ قتله (١١) وسَكَتَ؛ ثَبَتَ القَتْلُ، وصُدِّقَ المدَّعَى عَلَيهِ في صِفَتِه. (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ (١٢) بِأَلْفٍ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ (١٣)

стр. 6583

بِأَلْفٍ الْيَوْمَ)؛ لِأنَّهما - وإنْ كانا إقْرارَينِ - فهُما إقْرارٌ بشيءٍ (١) واحِدٍ، وكذا في «الرِّعاية»، مع أنَّه أطْلَقَ الخْلافَ في كلِّ شَهادةٍ على القَولِ. (أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ أَمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهَا الْيَوْمَ؛ كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ، وَثَبَتَ الْبَيْعُ)؛ لِأنَّ المشْهودَ به شَيءٌ واحِدٌ، يَجُوزُ أنْ يُعادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فلم يُؤثِّرْ؛ كما لو شَهِدَ أحدُهما بالعربيَّة والآخَرُ بالفارِسِيَّة، (وَالْإِقْرَارُ) في الصُّورة الأُولَى. (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ)، وكذا في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الشَّرح»، وسَواءٌ اخْتلَفَا وَقْتًا أوْ مَكانًا؛ لأِنَّ المشهودَ به واحِدٌ، كما لو شهدا (٢) على الإقْرارِ بشَيءٍ، واخْتَلَفَا في وَقْتِه، أوْ مَوضِعِه، أو اللُّغة المقرِّ بها. وفي «الرِّعاية» قَولٌ: أنَّهما إذا اخْتَلَفا وقتًا أوْ مَكانًا؛ لم تَكمُل البيِّنةُ. ولم يَذكُرْ في «الكافي» في الإقْرارِ خِلافًا أنَّ الشَّهادةَ تَكمُلُ فِيهِ، وذَكَرَ في غَيرِه احْتِمالَينِ. (إِلَّا النِّكَاحَ إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ، وَشَهِدَ الآخَرُ (٣) أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)؛ لِأنَّ اخْتِلافَ الشُّهودِ في الوقت يمنع (٤) مِنْ كَمالِ البيِّنة ومِن ثُبوتِه. أمَّا أوَّلاً: فَلِأَنَّ البيِّنةَ الكامِلةَ يَثبُتُ مُوجَبُها كما تقدَّمَ، والبيِّنةُ المذْكورةُ لا يَثبُتُ مُوجَبُها. وأمَّا ثانِيًا: فَلأِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِه: حُصولُ الشَّاهِدَينِ له، فإذا اخْتَلَفَا في

стр. 6584

الوَقْت؛ لم يَتحقَّقْ حُصولُ الشَّرط، فلم يَثبُت المشْروطُ مع عَدَمِ تَحقُّقِ شَرطِه، قاله (١) ابن المنَجَّى. وفي «الشَّرح»: لم تَكمُلِ البيِّنةُ في قَولِهم جميعًا؛ لِأنَّه لم يَشهَدْ بكلِّ عَقْدٍ إلَّا شاهِدٌ واحِدٌ، فلم يَثْبُتْ. (وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ)، ألْحَقَ أكثرُ (٢) أصْحابِنا القَذْفَ بالأفْعال، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّ البيِّنةَ لم تَكمُلْ على قَذْفِه، ولِأنَّ اخْتِلافَ الشهود (٣) شبْهةٌ، وَالْحَدُّ يُدرأ (٤) بها. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ)؛ لِأنَّ المشْهودَ به واحِدٌ، أشْبَهَ البَيعَ وسائرَ الأمْوالِ. تنبيهٌ: ذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّه إذا شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقرَّ عِنْدِي يَومَ الخميس بدِمَشْقَ أنَّه قَتَلَه، أوْ قَذَفَه، أوْ غَصَبَه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقرَّ عندي (٥) بهذا يَومَ السَّبْت؛ كَمُلَتِ البيِّنةُ، وهو قَولُ أكْثَرِهِم. وقال زُفَرُ: لا تَكمُل (٦)؛ لأِنَّ كلَّ إقْرارٍ لم يَشهَدْ به إلَّا واحِدٌ؛ كالشَّهادة على الفِعْل. وجَوابُه: أنَّ المُقَرَّ به واحِدٌ، وقد شَهِدَ اثْنانِ على الإقْرارِ به، فكَمُلَتْ؛ كما لو كان الإقْرارُ به واحِدًا. وفارَقَ الشَّهادةَ على الفِعْل، فإنَّ الشهادة (٧) على فِعْلَينِ مُختَلِفَينِ، فنَظِيرُه

стр. 6585

في الإقرار (١): أنْ يَشهَدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ عنده (٢) أنَّه (٣) قَتَلَه يَومَ الخَمِيسِ، والآخَرُ: أنَّه قَتَلَه يَومَ الجُمعة؛ لم تَكمُل البيِّنةُ؛ لأنَّ (٤) الَّذي شَهِدَ به أحدُهما غَيرُ الَّذي شَهِدَ به الآخَرُ؛ كما لو شهد (٥) أحدُهما أنَّه غَصَبَه دَنانِيرَ، والآخَرُ دَراهِمَ. ثُمَّ ذَكَرَ قَولَ أبي بكرٍ: أنَّها تَكمُلُ؛ لِأنَّ ذلك لَيسَ مِنْ المقْتَضِي، فلا يُعتَبَرُ في الشَّهادة. والأوَّلُ أصحُّ. قُلتُ: وعلى عَدَمِ الجَمْع: لمدَّعي (٦) القَتْلِ أنْ يَحلِفَ مع أحَدِهما ويَأخُذَ الدِّيَةَ، ومَتَى جَمَعْنا مع اخْتِلافِ الوَقْت في قَتْلٍ أوْ طَلاقٍ؛ فالعِدَّةُ والإرْثُ يَلِي آخِرَ المدَّتَين. (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفَيْنِ؛ ثَبَتَ أَلْفٌ) على المذْهَب؛ لِأنَّ الشَّهادةَ فِيهَا كَمُلَتْ، وكما لو لم يَزِدْ أحدُهما على صاحبه، وسَواءٌ عَزَوَا أوْ أحدُهما الشَّهادةَ إلى الإقْرار، أوْ جِهَةٍ واحِدةٍ غَيرِه، أوْ لم يَعزُوا (٧). وقِيلَ: لَا؛ لِأنَّه لم يَشهَدْ بكلِّ إقْرارٍ إلَّا واحِدٌ. قال في «الشَّرح»: ويبطل (٨) إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقرَّ له بألْفٍ غُدْوةً،

стр. 6586

وآخَرُ أنَّه أقرَّ بها عَشِيَّةً، مع أنَّ كلَّ إقْرارٍ إنَّما شَهِدَ به واحِدٌ. وكذا إذا شَهِدَ واحِدٌ بألْفٍ وآخَرُ بخَمْسِمائَةٍ، أوْ شاهِدٌ بثَلاثِينَ وآخَرُ بعِشْرينَ. وقِيلَ: بل يَحلِفُ مع كلِّ شاهِدٍ، ويَأخُذُ ما شَهِدَا به، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ وابْنُ حَمْدانَ. (وَيَحْلِفُ عَلَى الآْخَرِ مَعَ شَاهِدِهِ إِنْ أَحَبَّ)، نَصَّ عَلَيهِ (١)؛ لِأنَّ المالَ يثبت (٢) بشاهِدٍ ويَمِينٍ. قال في «الشَّرح»: وهذا إذا أطْلَقَا الشَّهادةَ، أوْ لم تختلف (٣) الأسباب والصِّفات. فإنْ شَهِدَ له شاهدان (٤) بألْفٍ، وآخَرانِ بخَمْسِمائَةٍ، ولم تَختَلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ؛ دَخَلَتِ الخَمْسُمائة في الأَلْف، وَوَجَبَ له ألفٌ (٥) بالشَّهادَتَينِ، وإن اختلفت (٦) الأسْبابُ والصِّفاتُ وَجَبَا؛ لِأنَّهما مُختَلِفانِ. (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَلْفٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: تَكمُلُ؛ كالَّتِي قَبلَها، جزم (٧) به في «المستوعب» و «الوجيز»، وصحَّحه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ الشهادة (٨) كانَتْ مُطابِقَةً غَيرَ مسندةٍ (٩) للمَشْهودِ به

стр. 6587

على سَبَبٍ، فبالْقِياس على ما إذا (١) كانَتِ البيِّنةُ على الإقْرارِ، وسَواءٌ عَزَوَا أوْ أحدُهما الشَّهادةَ إلى إقْرارٍ أوْ جِهَةٍ غَيرِه أوْ لم يَعْزُوَا، فَعَلَى هذا: يحلف (٢) المدَّعِي إنْ شاءَ لِتَمامِ الأكْثَر مع شاهِدِه ويَأخُذُ ذلك. والثَّانِي: لا تَكمُلُ؛ لأنَّه (٣) يَحتَمِلُ أنْ تكون (٤) الألْفُ مِنْ غَيرِ الألْفَينِ، فَعَلَيهِ: لا يَثبُتُ شَيءٌ مِنْ ذلك، قاله (٥) ابْنُ المنَجَّى وغَيرُه. (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ، وَشَهِدَ آخَرُ (٦) أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ؛ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ)، جَزَمَ به أكثرُ الأصْحاب؛ لِأنَّ أحَدَ الألْفَينِ لا يُمكِنُ أنْ يكُونَ الآخَرُ، فَعَلَى هذا: يَحلِفُ مع كلِّ شاهِدٍ، ويَأخُذُ ما شَهِدَ به. وقِيلَ: إنْ شهدا (٧) على الإقْرارِ؛ كَمُلَتْ. وعلى الأوَّل: لو شَهِدَ شاهِدٌ بألْفٍ، وآخَرُ بألْفٍ مِنْ قَرْضٍ؛ كَمُلَت البيِّنةُ. (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضَهُ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ)، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّ ما قَضاهُ لم يَبْقَ عَلَيهِ، فيَكُونُ كَلامُه مُتناقِضًا، فتَفسُدُ شَهادَتُه. وفارَقَ هذا: ما لو شَهِدَ بألْفٍ، ثُمَّ قال: بل بِخَمْسِمائَةٍ؛ لِأنَّ ذلك رُجوعٌ عن الشَّهادة بخَمْسِمائَةٍ، وإقْرارٌ بغَلَطِ نفسه (٨).

стр. 6588

(وَإِنْ شَهِدَا (١) أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ نِصْفَهُ (٢)؛ صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا)، جَزَمَ به في «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّ الوَفاءَ لا يُنافِي القَرْضَ. ويَتخرَّجُ فِيهِ كالَّتي قَبْلَها. ويَتخرَّجَ فِيهِما: أنْ لا يَثبُتَ (٣) بشَهادَتِهما سِوَى الخَمْسِمائَة. وعلى الأوَّل: يَحتاجُ قَضاءُ الخَمْسِمائَة إلى شاهِدٍ ويَمِينٍ. (وَإِذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا (٤) لِي بِخَمْسِمَائَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ) إذا كان الحاكِمُ لم يُوَلَّ الحُكْمَ فَوقَها، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، قَدَّمه أئمَّةُ المذْهَبِ، وصحَّحَه المؤلِّفُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المَائدة: ١٠٨]، ولِأنَّه لو ساغَ له ذلك؛ لَسَاغَ للقاضِي أنْ يَقضِيَ ببعضِ ما شَهِدَ به الشَّاهِدُ. وقال القاضِي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّة»: للشَّاهِد أنْ يَشهَدَ بالألف (٦)، والقاضِي يَحكُمُ بالقَدْر الَّذِي جُعِلَ له الحُكْمُ فِيهِ، وذَكَرَه نَصًّا. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَجُوزُ)؛ لِأنَّ مالِكَ الشَّيءِ مالِكٌ لِبعْضِه، فمَنْ شَهِدَ بألْفٍ؛ فقد شَهِدَ بخَمْسِمائَةٍ. فائدةٌ: إذا شَهِدَ اثْنانِ في مَحفِلٍ على واحِدٍ مِنهُم أنَّه طَلَّقَ، أوْ أعْتَقَ؛ قُبِلَ.

стр. 6589

وكذا لَوْ شهدا (١) على خطيبٍ أنَّه قال أوْ فَعَلَ على المنْبَرِ في الخُطْبة شَيئًا لم يَشهَدْ به غَيرُهما، مع المشارَكة في سَمْعٍ وبَصَرٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» وغيره (٢). ولا يُعارِضُه قَولُهم: إذا انْفَرَدَ واحِدٌ فِيمَا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي على نقله (٣) مع مُشارَكَةِ خَلْقٍ كثيرٍ رُدَّ (٤).

стр. 6590

(بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) (وَهِيَ سِتَّةٌ) على المذْهَبِ: (أَحَدُهَا: الْبُلُوغُ)؛ لِأنَّ غَيرَ البالِغِ كالصَّبِيِّ، (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ) على المشْهور في المذْهَب، وصحَّحه القاضِي والسَّامَرِّيُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، ولا شكَّ أنَّ الصَّبِيَّ لَيسَ مِنْ رجالنا (١)، ولَيسَ مِمَّنْ يُرْضَى، وقد أخْبَرَ اللهُ تعالَى أنَّ الشَّاهِدَ الكاتِمَ شَهادَتَه آثِمٌ، والصَّبِيُّ لَيسَ بآثِمٍ، فَدَلَّ على أنَّه لَيسَ بشاهِدٍ، ورَواهُ سعيدٌ بإسْنادٍ جَيِّدٍ عن ابْنِ عبَّاسٍ (٢)، ولِأنَّه لا تَحصُلُ الثقةُ (٣) بقَولِه؛ لِعَدَم خَوفِه مِنْ مَأثَمِ الكَذِبِ، ولِأنَّ مَنْ لا يُقبَلُ قَولُه على نفسه في الإقرار؛ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على غَيرِه؛ كالمجْنونِ. (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ مِمَّنْ هُوَ فِي حَالِ أَهْلِ العَدَالَةِ (٤)؛ لأنَّه يُمكِنُه ضَبْطُ ما يَشْهَدُ به، فقُبِلَتْ؛ كالبالِغِ. واسْتَثْنَى ابْنُ حامِدٍ مِنها: الحُدودَ والقِصاصَ، فلا (٥) تُقبَلُ شَهادَتُه

стр. 6591

فِيهَا احْتِياطًا. وهل يُكْتَفى (١) بالعَقْل فَقَطْ؛ كما نَصَّ عليه (٢) في رِوايَةِ حَنبَلٍ (٣)؟ أو (٤) لا بُدَّ مْن بُلُوغِ عَشْرِ سِنِينَ، وهو ظاهِرُ نَصِّه في رِوايَةِ ابن (٥) إبْراهِيمَ (٦)، وقاله (٧) في «الكافي» و «المغْنِي»؟ على قَولَينِ. وعَنْهُ: تُقْبَلُ مِنْ المُمَيِّزِ. وقِيلَ: على مِثْلِه. (وَعَنْهُ: لَا تُقْبَلُ (٨) إِلَّا فِي الْجِرَاحِ، إِذَا شَهِدُوا قَبْلَ الاِفْتِرَاقِ عَنِ (٩) الْحَالِ الَّتِي تَجَارَحُوا (١٠) عَلَيْهَا)، رَواهُ سَعِيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ، قال: «كانوا يُجِيزُونَ شَهادَةَ بعضِهم على بعضٍ فِيمَا (١١) كان بَينَهم» (١٢)، ولِأنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهم وضَبْطُهم، فإنْ تَفرَّقُوا؛ لم تُقبَلْ شَهادَتُهم؛ لِأنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُلَقَّنُوا، وحَكاهُ ابنُ الحاجِب إجْماعَ أهْلِ المدينة (١٣). وعَنْهُ: تُقبَلُ في الجراحِ (١٤) والقَتْلِ خاصَّةً إذا أدَّاها أوْ أشهد على شهادته

стр. 6592

قَبْلَ التَّفَرُّقِ عن تلك الحالِ، ولا يُلتَفَتُ إلى رجوعهم بَعْدَ ذلك، وزاد ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذكرة»: إذا وُجِدَ ذلك في الصَّحراء. (الثَّانِي: الْعَقْلُ)، وهو نَوعٌ من العُلُومِ الضَّرورِيَّة، وهو فِطْنَةٌ، والعاقِلُ: مَنْ عَرَفَ الواجِبَ عَقْلاً؛ الضَّرُورِيَّ وغَيرَه، والممْكِنَ والممْتَنِعَ، وما يَضُرُّه ويَنفَعُه غالِبًا؛ لِأنَّ مَنْ لا عَقْلَ له؛ لا يُمكِنُه تَحمُّلُ الشَّهادة ولا أداؤها؛ لِأنَّه لا يُعقَلُ ذلك إلَّا بضَبْطِ الشَّهادةِ. (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَعْتُوهٍ، وَلَا مَجْنُونٍ)، ولا سَكْرانَ، وذَكَرَ ابنُ المنْذِر الإجماعَ على أنَّ شَهادةَ مَنْ لَيسَ بعاقِلٍ لا تُقبَلُ (١)؛ إذْ لا تَحصُلُ الثقةُ (٢) بقَولِه، ولا يحصل (٣) له (٤) عِلْمٌ بما يَشهَدُ به. (إِلَّا مَنْ يُخْنَقُ (٥) فِي الْأَحْيَانِ إِذَا شَهِدَ فِي إِفَاقَتِهِ)، وذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لِأنَّها شَهادةٌ مِنْ عاقِلٍ، أشْبَهَ مَنْ لم يُخنَقْ، ولا بُدَّ وأنْ يكُونَ قد تَحمَّلَها في حالِ إفاقَتِه؛ لِأنَّ تَحمُّلَه في جُنونِه لا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ الضَّبْط. وفي «المستوعب»: مَنْ يُصرَعُ في الشَّهر مَرَّةً أوْ مَرَّتَينِ؛ فَقِيلَ: تُقبل (٦) في حالِ إفاقَتِه، وقَدَّمَ هذا في «الرِّعاية»، ثُمَّ ذَكَرَ ما في «المقنع» قَولاً. (الثَّالِثُ: الْكَلَامُ)؛ لِأنَّ الشَّهادةَ يُعتَبَرُ فِيهَا التَّيقن (٧)، وذلك مَفْقودٌ مع فَقْدِ الكَلامِ، (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، واخْتارَهُ مُعظَم

стр. 6593

الأصْحاب؛ لِأنَّها مُحتَمِلةٌ، والشَّهادةُ يُعتَبَرُ فِيهَا اليقين، وذلك مفقودٌ (١)، فلم تُقبل (٢)؛ كإشارةِ النَّاطِق، وإنَّما قُبِلت الإشارةُ في أحْكامِه المخْتَصَّةِ به للضَّرورة، وهي مَعدُومَةٌ هُنا. لا يُقالُ: إنَّه ﷺ حِينَ أشار إلى أصحابه أنْ يَجلِسُوا، فامْتَثَلُوا ذلك (٣)؛ لِأنَّ الشَّهادةَ تُفارِقُ ذلك؛ لِأنَّه اكْتُفِي بها مِنهُ مع كَونِه ناطِقًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ)، هذا (٤) وَجْهٌ، وقد أوْمَأَ إلَيهِ الإمامُ؛ لأِنَّ اليقينَ حاصِلٌ في التَّحمُّل. وإشارةِ المؤدِّي العاجِزِ عن النُّطق؛ كنُطْقِه، وفارَقَ ما طريقُه السَّماعُ؛ مِنْ حَيثُ إنَّ الأخْرَسَ غالِبًا يكُونُ أصمَّ، فيَقَعُ الخَلَلُ في التَّحمُّل. فلو تَحمَّلَها وأدَّاها بخَطِّه؛ فقد تَوقَّفَ أحمدُ فِيهَا (٥)، واخْتَار أبو بكرٍ: أنَّها لا تُقبَلُ، واخْتارَ في «المحرَّر» عَكْسَها. (الرَّابِعُ: الْإِسْلَامُ)، وهو إجْماعٌ في الجُملة (٦)، ونَقَلَه عن أحمدَ نحو (٧) عِشْرينَ نَفْسًا (٨)، (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ (٩) على مُسلِمٍ ولا كافِرٍ؛ لِأنَّه لَيسَ مِنْ

стр. 6594

رجالِنا، ولا هو (١) مَرْضِيٌّ. (إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ)، وهم اليهودُ والنَّصارَى، ومَن يُوافِقُهم في التَّدَيُّن، (فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ)، في أصحِّ الرِّوايَتَينِ، ونَصَرَه المؤلِّفُ، فشهادتُهم (٢) في السَّفَر بمَوتِ مُسلِمٍ أوْ كافِرٍ؛ جائزةٌ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ … (١٠٦)﴾ الآيات [المَائدة: ١٠٦]، «نَزَلَتْ في تميمٍ الدَّارِيِّ، وعَدِيِّ بنِ بَدَّاءٍ، شَهِدَا بِوَصِيَّةِ سَهْمِيٍّ» رواهُ البُخاريُّ مِنْ حديثِ ابنِ عباس (٣)، «وقَضَى به أبو مُوسَى الأشْعَرِيُّ، وأخْبَرَ أنَّه كان في عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ » رواه أبو داودَ، ورِجالُه ثِقاتٌ (٤)، قال ابنُ عمرَ (٥): «آخر (٦) سورةٍ نَزَلَت: المائدةُ» رَواهُ التِّرمذِيُّ، وقال: (حَسَنٌ غَرِيبٌ) (٧)، قالَتْ عائشةُ: «ما وَجَدْتُم

стр. 6595

فِيها مِنْ حَلالٍ فأحِلُّوهُ، وما وَجَدْتُمْ فِيها مِنْ حرامٍ فحرِّمُوهُ» رواه أحمدُ (١)، وقَضَى ابنُ مَسْعودٍ بذلك في زَمَنِ (٢) عُثْمانَ، رواهُ أبو عُبَيدٍ (٣)، قال ابن المنْذِر: وبهذا قال أكابِرُ الماضِينَ (٤). وحَمْلُ الآيَةِ على أنَّه أَرَادَ: من غير (٥) عَشِيرتِكم؛ لا يصح (٦)؛ لِأنَّ جماعةً - مِنهُم ابنُ مَسْعودٍ وابنُ عبَّاسٍ - قالوا: «مِنْ غَيرِ مِلَّتِكم ودِينِكم» (٧)، ولأنَّ (٨) الشَّاهِدَينِ مِنْ المسْلِمِينَ لا قَسامَةَ عَلَيهِما. ولا يَصِحُّ حَمْلُها على التَّحمُّل؛ لِأنَّه لا (٩) أيْمانَ فِيهِ. وحَمْلُها على اليمين غَيرُ مَقْبولٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾

стр. 6596

[المَائدة: ١٠٦]، ولِأنَّه عَطْفٌ على ذَوِي العدلِ (١) من المؤمِنِينَ، وهما شاهِدانِ، قال أحمدُ: أهْلُ المدينة لَيسَ عِندَهم حديثُ أبي مُوسَى (٢). وشَرْطُه: أنْ يكُونُوا مِنْ أهل الكتاب؛ كما ذَكَرَه، وهو الَّذي في (٣) «الكافي» و «المستوعب» و «الوجيز». وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه لا يُشتَرَطُ. وفي (٤) «المحرَّر» رِوايَتانِ مِنْ غَيرِ تَرجِيحٍ. و «أوْ» في قَولِه تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ [المَائدة: ١٠٦] لَيسَتْ للتَّخيير، والمعْنَى: إنْ لم يَجِدُوا هذا. وقِيلَ: بَلَى. (وَحَضَرَ المُوصِيَ (٥) المَوْتُ؛ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ)؛ لمَا سَبَقَ، (وَيُحَلِّفُهُمُ الْحَاكِمُ) وُجوبًا، وقِيلَ: نَدْبًا، (بَعْدَ الْعَصْرِ)؛ لِخَبَرِ أبي مُوسَى، قال ابنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّه وَقْتٌ تُعظِّمُه (٦) أهْلُ الأدْيانِ (٧): (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ (٨) الرَّجُلِ)؛ لمَا رَوَى الشَّعبِيُّ: «أنَّ رجلاً من المسلمين حَضَرَتْه الوَفاةُ بدَقُوقَا (٩) هذه، ولم يَجِدْ أحدًا من المسْلِمِين

стр. 6597

يُشْهِدُه (١) على وصيَّته، فأشْهَدَ رجُلَينِ من أهْلِ الكتاب، فَقَدِما الكوفةَ، فأتَيَا أبا مُوسَى الأشْعَرِيَّ، فأخْبَراهُ، وقَدِمَا بِتَرِكَتِه ووصيَّتِه، فأحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْر: ما خَانَا ولا كَتَمَا ولا كذبا (٢) ولا بَدَّلَا ولا غَيَّرا، وأنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُل وتَرِكَتُه، فأمْضَى شَهادتَهما» رَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). (فَإِنْ عُثِرَ)؛ أيْ: فإنِ اطُّلِعَ (عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا): فَعَلَا ما أوْجَبَ إثْمًا، واسْتَوْجَبَا أنْ يُقالَ: إنَّهما لمِنَ الآثِمِينَ؛ (قَامَ آخَرَانِ)؛ أيْ: شاهِدانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهما مِنْ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيهم؛ أي: الإثْمُ، (مِنْ أَوْلِيَاءِ المُوصِي)، ومَعْناهُ: من الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيهِم، وهُم أهْلُ الميِّتِ وعَشِيرَتُه، وفي قِصَّةِ بُدَيلٍ: أنَّه لمَّا ظَهَرَتْ خِيانةُ الرَّجُلَينِ؛ حَلَفَ رَجُلانِ مِنْ وَرَثَتِه: أنَّه إناء (٤) صاحِبهما (٥)، وأنَّ شَهادَتَهما أحقُّ مِنْ شَهادَتِهما، (فَحَلَفَا بِاللهِ تَعَالَى: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا)؛ أيْ: لَيَمينُنا (٦) أحقُّ بالصَّواب مِنْ يَمِينِ هذَينِ الخائنَينِ، (وَيَقْضِي لَهُمْ)؛ لِمَا سَلَفَ. (وَعَنْهُ: أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ تُقْبَلُ عَلَى بَعْضٍ (٧)،

стр. 6598

نَقَلَها حَنبَلٌ (١)؛ لمَا رَوَى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أجازَ شَهادةَ أهْلِ الذِّمَّة بعضِهم على بعضٍ» رواهُ ابنُ ماجَهْ (٢)، وكالمسْلِمِينَ. (وَالمَذْهَبُ الْأَوَّلُ)؛ لمَا ذَكَرْنا مِنْ الأدِلَّة، ولِأنَّ مَنْ لا تُقبَلُ شَهادتُه على غَيرِ أهْلِ دِينِه؛ لا تُقبلُ على أهْلِ دينه (٣)؛ كالحربيِّ، والخبرُ مَردُودٌ بضُعْفِه، فإنَّه مِنْ رِوايةِ مُجالِدٍ، ولو سُلِّمَ؛ فيَحتَمِلُ أنَّه أراد اليمينَ؛ لِأنَّها تُسَمَّى شَهادةً؛ لقوله تعالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النُّور: ٦]. وعلى الثَّانِيَةِ: أجازَها البَرْمَكِيُّ في صُورةٍ خاصَّةٍ للحاجة، وهي شَهادةُ السَّبي (٤) بعضِهم على (٥) بعضٍ (٦) إذا ادَّعى أحدُهم أنَّ الآخَرَ أخُوهُ. وعَلَيها: تُعتَبَرُ عَدالَتُه في دِينِه مع بَقِيَّةِ الشُّروط فيها (٧)، واخْتَلَفُوا؛ فمِنْهُم مَنْ قال: الكُفْرُ مِلَّةٌ واحِدةٌ، والأشْهَرُ: لا. (الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْفَظُ)؛ لِأنَّ مَنْ لا يَحفَظُ لا تحصل (٨) الثِّقَةُ

стр. 6599

بقَولِه، ولا يغلب (١) على الظَّنِّ صِدْقُه. (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ)، بفَتْحِ الفاء، اسْمُ مَفْعولٍ مِنْ أغْفَلَ، (وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ)، جزم (٢) به في «الوجيز» وغَيره؛ لِأنَّ الثِّقةَ لا تَحصُلُ بقَوله؛ لِاحْتِمالِ أنْ تكُونَ شَهادَتُه مِمَّا غَلِطَ فِيهَا ونَسِيَ، ولِأنَّه ربَّما شَهِدَ على غَيرِ مَنْ اسْتُشْهِدَ عَلَيهِ، أوْ بِغَيرِ ما شَهِدَ به، أوْ لِغَيرِ مَنْ أشْهَدَه. وفي «المحرَّر» و «الفروع»: وسَهْوٌ؛ لِمَا سَبَقَ. وفي «التَّرغيب»: الصَّحيحُ إلاَّ في أمْرٍ جَلِيٍّ يَكشِفُه الحاكِمُ ويراجعه (٣) حتَّى يَعلَمَ تثبُّتَه (٤)، وأنَّه (٥) لا سَهْوَ ولا غَلَطَ فِيهِ. ومُقتَضاهُ: أنَّها تُقبَلُ مِمَّنْ يَقِلُّ منه (٦) ذلك؛ لِأنَّ أَحَدًا لا يَسلَمُ مِنْ الغَلَط والنِّسْيانِ.

стр. 6600

(فَصْلٌ) (السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ)، قال في «المستوعب»: لا يَختَلِفُ المذهَبُ أنَّه يُشتَرَط فِيمَن يَجُوزُ الحُكمُ بشَهادَتِه خمسةُ شُروطٍ: العَقْلُ، والإسْلامُ، والعَدالةُ، وانْتِفاءُ التُّهمةِ، والعِلْمُ بما يشهد (١) به، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحُجرَات: ٦]، وقُرِئ بالمثلثة (٢)، ولِأنَّ غَيرَ العَدْل لا يُؤمَنُ منه أنْ يَتحامَلَ على غَيرِه، فيَشهَدَ عَلَيهِ بغَيرِ حقٍّ، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا: «لا تَجُوزُ شَهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذِي غِمْرٍ عَلَى أخِيهِ، ولا تَجُوزُ شَهادةُ القانِعِ لأِهْلِ البَيتِ»، والقانِعُ: الَّذي يُنْفِقُ عَلَيهِ أهلُ (٣) البَيتِ، رواه أحمدُ وأبو داودَ، وإسْنادُه جيِّدٌ، وفِيهِ سُلَيمانُ بنُ مُوسى الأشدق، وزاد أبو داود: «وزَانٍ وزَانِيَةٍ» (٤)، روى (٥) نحوَه جماعةٌ مِنْ حديثِ عائشةَ، مِنهم التِّرمذِيُّ، وقال: (لا يَصِحُّ عِندَنا مِنْ قِبَلِ إسْناده) (٦). (وَهِيَ اسْتِوَاءُ أَحْوَالِهِ فِي دِينِهِ، وَاعْتِدَالُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ)، العَدالةُ في اللُّغة: عِبارةٌ عن الاِسْتِواء والاِسْتِقامةِ؛ لِأنَّ العَدْلَ ضِدُّ الجَور، والجَورُ: المَيلُ، فالْعَدْلُ: الاِسْتِواءُ في الأحْوال كلِّها.

стр. 6601

(وَقِيلَ: الْعَدْلُ: مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ)، وقد تَقدَّمَ ذلك في بابِ طريقِ الحُكم وصِفَتِه. (وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ): (الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ: أَدَاءُ الفَرَائِضِ) بشُروطِها، زَادَ في «المستوعب» وغَيره: بسُنَنِها، وذَكَرَ القاضِي والسَّامَرِّيُّ والمجْدُ: والسُّنَّةِ الرَّاتِبةِ، وأوْمَأَ إلَيهِ؛ لقوله فيمن (١) يُواظِبُ على تَرْكِ سُنَنِ الصَّلاة: رَجُلُ سُوءٍ (٢)، ونَقَلَ أبو طالِبٍ: الوترُ سُنَّةٌ سَنَّها رسولُ الله ﷺ فمَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِه فهُو رَجُلُ سُوءٍ (٣)، وأثَّمَه القاضِي. قال في «الفروع»: ومُرادُه أنَّه لا يَسلَمُ مِنْ تَرْكِ فَرْضٍ، وإلَّا فلا يَأثَمُ بسنَّةٍ. (وَاجْتِنَابُ المَحَارِمِ)؛ لِأنَّ مَنْ أدَّى الفرائضَ، واجْتَنَبَ المحارِمَ؛ عُدَّ صالِحًا عُرْفًا، فكذا شَرْعًا. (وَهُوَ)؛ أي: اجْتِنابُ المحارِم: (أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ)، على المذْهَبِ؛ لِأنَّ اعْتِبارَ اجْتِنابِ كلِّ (٤) المحارِمِ يُؤدِّي إلى ألَّا تُقبَلَ شَهادةُ أَحَدٍ؛ لِأنَّه لا يَخلُو مِنْ ذَنْبٍ ما (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشّورى: ٣٧]، مَدحَهم لاجتنابهم ما ذُكرَ، وإنْ كان وُجِدَ مِنهم صغيرةٌ، ولقوله ﵇: «إنْ تَغفِرِ (٦)

стр. 6602

اللَّهُمَّ تَغفِرْ جَمًّا، وأيُّ (١) عَبْدٍ لَكَ لا ألَمَّا» (٢)؛ أيْ: لم يُلِمَّ، وقد أمَرَ اللهُ تعالَى أنْ لا تُقبَلَ شهادةُ القاذِف، وهو كبيرة، فيُقاسُ عَلَيهِ كلُّ مرتكبِ كبيرةٍ، ولِأنَّ مَنْ لم (٣) يَرتَكِب الكبيرةَ وأدْمَنَ على الصَّغيرة؛ لا يُعَدُّ مُجتَنِبًا للمَحارِمِ. وفي «الكافي»: أنَّ الاِعْتِبارَ في الصَّغائر بالأغْلَب؛ لِأنَّ الحُكمَ له؛ لقوله تعالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعرَاف: ٨]. وقِيلَ: ولا (٤) تَكرَّر (٥) منه صَغِيرةٌ. وقِيلَ: ثلاثًا. وفي الخَبَر الَّذي رواهُ التِّرمذِيُّ: «لا صغيرةَ مع إصرارٍ (٦)، ولا كبيرةَ مع اسْتِغْفارٍ» (٧).

стр. 6603

والكبيرةُ: نَصَّ أحمدُ (١): أنَّ ما فِيهِ حَدٌّ في الدُّنيا؛ كالشِّرْك بالله تعالَى وقتل (٢) النَّفْس الحَرامِ، أوْ وعيدٌ في الآخِرة؛ كأكْلِ الرِّبا. وعنهُ فِيمَنْ أكَلَ الرِّبا: إن (٣) أكْثَرَ؛ لا يُصَلَّى خَلْفَه (٤)، قال القاضي وابنُ عَقِيلٍ: فاعْتَبَرَ الكَثْرةَ. وعُقوقُ الوالدَينِ المسلِمَينِ. والصَّغيرةُ: كنَظَرِ مُحرَّمٍ، واسْتِماعِ كَلامِ الأجْنَبِيَّاتِ لغَيرِ ضرورةٍ، والنَّبْزِ باللَّقَب، والتَّجسُّسِ. وفي «الفصول» (٥): والغِيبة، و «المستوعب»: الغيبةُ (٦) والنَّميمةُ من الصَّغائر، وعَكْسُه في «الرِّعاية» وغَيرها. والكَذِبُ من الصَّغائر. وعنه: تردُّ (٧) بكَذْبةٍ، وهو ظاهِرُ «المغْنِي»، واخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٨)؛

стр. 6604

كشَهادةِ الزُّور، وكَذِبٍ على النَّبيِّ ﷺ ، ورَمْيِ فِتَنٍ ونحوِه. ويَجِبُ إنْ تخلَّص (١) به مُسلِم مِنْ القَتْل، ويُباحُ لإصْلاحٍ، وحربٍ (٢)، وزَوجةٍ. وقال ابنُ الجَوزيِّ: وكلِّ مَقصُودٍ محمودٍ لا يُتَوصَّلُ إليه (٣) إلَّا به، وهو التَّورِيَةُ في ظاهِرِ نَقْلِ حنبلٍ (٤). وفي «مُعتَمَدِ القاضي»: مَعْنَى الكبيرةِ: أنَّ عقابها (٥) أعْظَمُ، والصَّغِيرةِ أقل (٦)، ولا يُعلَمانِ إلَّا بتوقيف. وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ تكرَّرَت الصَّغائرُ مِنْ نَوعٍ أوْ أنْواعٍ؛ فظاهِرُ المذْهَبِ: تجتمع وتكون (٧) كبيرةً، وفي كَلَامِ بعضِ الأصْحابِ ما يُخالِفُه. قال أحمدُ: لا تَجُوزُ شَهادةُ قاطِعِ الرحم (٨)، ومَن لا يُؤَدِّي زكاةَ مالِه، وإذا (٩) أخْرَجَ في طريقِ المسْلِمِينَ الأُسْطُوانة، ولا يكون ابنُه عَدْلاً إذا وَرِثَ أباه حتَّى يَرُدَّ ما أخَذَ مِنْ طَريقِ المسْلِمِينِ (١٠). (وَقِيلَ: أَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ (١١) إِلَّا الْخَيْرُ)؛ لِأنَّ ما تقدَّمَ ذِكْرُه في نَفْسِ الأمرِ (١٢)

стр. 6605

فيه مَشَقَّةٌ وحَرَجٌ، وذلك (١) مُنتَفٍ شَرْعًا. وفي «الرِّعاية»: هي (٢) فِعْلُ ما يَجِبُ ويُسْتَحَبُّ، وتَرْكُ ما يَحرُمُ ويُكرَهُ، ومُجانَبَةُ الرِّيَبِ والتُّهَمِ، ومُلازَمَةُ المُروءَةِ. (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ)؛ لِمَا تَقدَّمَ، (سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ أَوِ الاِعْتِقَادِ)، أمَّا مِنْ جِهَةِ الأفْعال: كالزِّنى والقَتْل ونحوهما (٣)؛ فلا خِلافَ في رَدِّ شَهادتِه (٤). وأمَّا مِنْ جِهَةِ الاِعْتِقادِ، وهو اعْتِقادُ البِدْعة؛ يُوجِبُ (٥) ردَّ الشَّهادة؛ لِعُمومِ النصوص (٦)، قال أحمدُ: ما يعجبني (٧) شهادةُ الجَهْمِيَّة، والرَّافِضة، والقَدَرِيَّة المُغْلِية (٨). وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ، وابنُ حَمْدانَ، وغَيرُهما: أنَّه لا تقبل (٩) شهادةُ مَنْ فَسَقَ ببدعةٍ أوْ كَفَرَ بها؛ كالقائلِينَ بخَلْقِ القُرآن، وبنفي (١٠) القَدَرِ، والمشبِّهةِ، والمجسِّمة (١١)، والجَهْمِيَّةِ، واللَّفْظِيَّةِ، والواقِفِيَّة. وذَكَرَ ابنُ البَنَّاء في تكفيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحابةَ والسَّلَفَ مِنْ الرَّافِضة، ومَن

стр. 6606

سَبَّ عَلِيًّا مِنْ الخَوارِج خِلافًا، والَّذي ذَكَرَه القاضِي: عَدَمُ التَّكْفِير. وفي «الرِّعاية»: في تكفيرِ مَنْ قال: إنَّ اللهَ لم يَخلُقِ المعاصِيَ، وتكفيرِ الخَوارِجِ، والواقِفِيَّةِ، وتكفيرِ مَنْ حَكَمْنا بكُفْرِه؛ رِوايَتانِ. ومَن قلَّد في خَلْقِ القرآن، ونَفْيِ الرُّؤية ونحوِها؛ فَسَقَ (١)، اخْتارَه الأكْثَرُ، وظاهِرُ كلامِه: أنَّه (٢) يَكفُرُ؛ كمُجْتَهِدِهِم الدَّاعِيَةِ. وعَنْهُ فِيهِ: لا، اخْتارَه المؤلِّفُ في رسالته إلى صاحِبِ «التَّلخيص»؛ لقَولِ (٣) أحْمَدَ للمُعتَصِمِ: يا أمِيرَ المؤمِنِينَ (٤). (وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادِةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ: قَبُولُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الاِعْتِقَادِ، المُتَدَيِّنِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لمُوَافِقِهِ (٥) عَلَى مُخَالِفِهِ)، قاله أبو الخَطَّاب؛ كالخَطَّابِيَّة؛ لِأنَّه أحْسَنُ حالاً مِنْ الكافِرِ، فإذا قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ كان قَبولُ قَولِ الفاسِقِ مِنْ جِهَةِ الاِعْتِقادِ المُتَدَيِّنِ به أَوْلَى. وعَنْهُ: جَوازُ الرِّوايَةِ عن القَدَرِيِّ إذا لم يكن (٦) داعِيَةً، فكذا الشَّهادةُ. وجَوابُه: أنَّه أحَدُ نَوعَيِ الفِسْقِ، أشْبَهَ الآخَرَ. (وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ (٧) الْفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فِيهَا) بَينَ الأئِمَّةِ خِلَافًا شائعًا، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية»، (فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، أَوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ مَعَ (٨) إِمْكَانِهِ، وَنَحْوِهِ)؛ كما لو أخَّرَ الزَّكاةَ

стр. 6607

مع إمكانه، (مُتَأَوِّلاً)، أوْ مُقلِّدًا لمُتَأَوِّلٍ (١)؛ (فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ)، قدَّمَه السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ، وجَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز» (٢)؛ لِأنَّ الاِخْتِلافَ في الفروعِ (٣) رحمةٌ للعِباد، والتَّأويلُ فيها سائغٌ (٤) جائزٌ، بدليلِ اخْتِلافِ الصَّحابة ومَنْ بعدَهم (٥)، ولم يَعِبْ (٦) بعضهم (٧) على بعضٍ، ولم يُفَسِّقْه؛ لِأنَّه فَعَلَ ما له فِعْلُه، أشْبَهَ المتَّفَقَ عَلَيهِ. وعَنْهُ: يَفسُقُ مُتأوِّلٌ لم (٨) يَسكرْ مِنْ نبيذٍ، اخْتارَه في «الإرشاد» (٩) و «المبهج»؛ كحدِّه (١٠)؛ لِأنَّه يَدعُو إلى المجْمَعِ عَلَيهِ، وللسُّنَّة المستفيضة (١١). وعَنْهُ: أُجِيزُ شهادتَه، ولا أصلي (١٢) خَلْفَه (١٣). ونَقَلَ حنبلٌ (١٤): المُسْكِرُ خمرٌ، ولَيسَ يَقُومُ مَقامَ الخَمْرة بعَينِها، فإنْ شَرِبَها مُستَحِلًّا؛ قُتِلَ، وإنْ لَمْ يجاهر (١٥)، ولم يُعلِنْ، ولم يَستَحِلَّها؛ حُدَّ، وهو الأشْهَرُ فِيهِ. وعَنْهُ: إنْ أخَّر الحجَّ مع قُدْرتِه عَلَيهِ؛ فَسَقَ، وحَمَلَها القاضي على اعْتِقادِ

стр. 6608

تحريمِ التَّأْخِير، فأمَّا إن اعْتَقَدَ الجَوازَ؛ فَلَا، صحَّحه في «الرِّعاية»، وكذا حملها (١) في «الشَّرح»، ثُمَّ قال: وقِيلَ: تُرَدُّ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بقَولِ عمرَ: «ما هُمْ مُسْلِمِينَ» (٢). (وَإِنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ؛ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، زاد في «الشَّرح»: إذا (٤) تكرَّر؛ لِأنَّه فَعَلَ ما يَعتَقِدُ تحريمَه، أشْبَهَ فِعْلَ المحرَّمِ إجْماعًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا تُرَدَّ)؛ كالمتَّفَقِ على حلِّه (٥)، ولِأنَّ لِفِعْلِه مسَاغًا في الجملة. وفي «الإرشاد»: إلَّا أنْ يُجِيزَ رِبَا الفَضْلِ، أوْ يَرَى الماءَ من الماء؛ لتحريمهما (٦) الآنَ، وذَكَرَهما الشَّيخُ تقيُّ الدِّين مما (٧) خَالَفَ النَّصَّ مِنْ جِنسِ ما يُنقَضُ فيه حُكْمُ الحاكِمِ. وفي «التَّبصرة» فيمن (٨) تَزَوَّجَ بلا وَلِيٍّ، أوْ أكَلَ مَتْروكَ التَّسمِيَةِ، أوْ تَزوَّجَ

стр. 6609

بنتَه مِنْ الزِّنى، أوْ أُمَّ (١) مَنْ زَنَى بها: احْتَمَلَ أنْ تُرَدَّ. تنبيهٌ (٢): مَنْ أَخَذَ بالرُّخَص فَسقَ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، وذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا (٤)، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: كَرِهَه العُلَماء (٥)، وذَكَرَ القاضِي: غَيرَ مُتأَوِّلٍ ولا مُقلِّد. ويَتَوَجَّهُ تخريجٌ مِمَّنْ تَرَكَ شرطًا أوْ رُكْنًا (٦) مُختَلَفًا فيه: لا يُعِيدُ في رِوَايَةٍ. ويَتَوَجَّهُ تقييده (٧): بما لم يُنقَضْ فِيهِ حُكْمُ حاكِمٍ. وقِيلَ: لا يُفسَّقُ إلَّا العالِمُ، مع ضعْفِ الدَّليل. والتَّمذهُبُ (٨) بمَذهَبٍ مُعَيَّنٍ، وامتناع (٩) انتقاله عنه إلى غَيرِه في مسألةٍ؛ ففيها (١٠) وَجْهانِ، وعَدَمُه أشْهَرُ. ومَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إِمَامٍ بعَينِه؛ اسْتُتِيبَ، فإنْ تابَ وإلاَّ قُتِلَ، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١١). قال: واخْتُلِفَ في دُخولِ الفُقَهاء في أهْلِ الأهْواء، فأدْخَلَهم القاضِي، وأخْرَجَهم ابنُ عَقِيلٍ (١٢).

стр. 6610

(الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ)، وهِيَ بالهمز (١)، بوزن سُهولَةٍ: الإنسانية، قال الجَوهَرِيُّ: ولك أنْ تُشَدِّدَ (٢)، (وَهُوَ: فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُه وَيَشِينُهُ) عادةً؛ لِأنَّ مَنْ فقدها؛ فقد اتَّصَفَ بالدَّناءة والسَّقاطة، وكَلامُه لا تَحصُلُ الثِّقَةُ به. (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ المُصَافِعِ)، قال الجوهري (٣): (الصَّفْعُ كلمةٌ مُوَلَّدَةٌ) (٤)، فالمصافِع (٥) إذِنْ: مَنْ يَصفَعُ غَيرَه، ويُمَكِّنُ غَيرَه مِنْ قَفاهُ فيَصْفَعُه، (وَالمُتَمَسْخِرِ (٦)، وَالمُغَنِّي، وَالرَّقَّاصِ)؛ أيْ: كثيرِ الرَّقْص؛ لِأنَّ ذلك سُخْفٌ ودَناءةٌ، فمَنْ رَضِيَه لِنَفْسِه واسْتَحْسَنَه؛ فلَيسَتْ له مُروءةٌ، ولا تَحصُلُ الثِّقةُ بقَولِه. وحاصِلُه: أنَّ كَلامَ المؤلِّفِ مُشْعِرٌ بأنَّ شهادةَ مَنْ ذُكِرَ لا تُقبَلُ؛ لِعَدَمِ المُروءة. قال ابنُ المنَجَّى: وفيه نَظَرٌ، وهو أنَّ المتَّصِفَ بخَصْلةٍ مِمَّا ذُكِرَ يَنبَغِي أنْ يُنظَرَ فِيما اتَّصَفَ به، فإنْ كان مُحرَّمًا؛ كان المانِعُ مِنْ قَبولِ شَهادَتِه كونَه (٧) فاعِلاً للمُحرَّمِ. لا يُقالُ: فِعْلُ المُحرَّمِ مَرَّةً لا يَمنَعُ مِنْ قَبولِ شهادته؛ لِأنَّ الكلامَ مَفْروضٌ فِيمَنْ هو مُتَّصِفٌ بذلك، مُستَمِرٌّ عَلَيهِ مَشْهورٌ به، وذلك يَقتَضِي المداوَمَةَ عَلَيهِ،

стр. 6611

والمُداوَمَةُ على الصَّغيرة كالكبيرة في رَدِّ الشَّهادة. وإنْ كان ما اتَّصَفَ به غَيرَ مُحرَّمٍ؛ كان المانِعُ مِنْ قَبولِ شَهادتِه؛ كَونَه فَعَلَ دَناءَةً وسَفَهًا، وذلك مِنْ فَقْدِ المُروءةِ. فقَولُه: «لا تُقبَلُ شَهادَةُ المصافِع (١) … » إلى آخِرِه، فَفِعْلُ كلِّ واحِدٍ منها دناءةٌ وسَفَهٌ مِنْ غَيرِ تحريمٍ؛ لِأنَّها من (٢) الشَّرع، ولم تَرِد (٣). ويَلتَحِقُ بما ذَكَرَه المؤلِّفُ: حِكايَةُ ما يُضحِكُ به النَّاسَ، ونارِنْجِيَّاتٌ (٤)، وتعزيمُه (٥)، وبَولُه في شارعٍ، وكَشْفُ رأسِه أوْ بطنِه أوْ صَدْرِه أوْ ظَهْرِه في مَوضِعٍ لم تَجْرِ العادةُ بكَشْفِه فِيهِ، وتحريشُ البهائم والجَوارِحِ للصَّيد، ودَوامُ اللَّعِبِ والمعالَجة بشَيْل (٦) الأحْجارِ والخَشَب الثِّقال، وما عَدَّه النَّاسُ سَفَهًا؛ كمُتَزَيٍّ بِزِيٍّ يُسخَرُ منه. تنبيهٌ: يُكرَهُ غِناءٌ، قاله الخَلاَّلُ وصاحِبُه، واختاره القاضِي؛ لحديثِ عائشةَ: «وعِندِي جارِيَتانِ تغنِّيانِ … » الخَبَرَ (٧)، وقال عمرُ: «الغناء (٨) زاد الرَّاكِبُ» (٩).

стр. 6612

وقال جماعةٌ مِنهم صاحِبُ «المغْنِي»: هو حَرامٌ، قال في «التَّرغيب»: اختاره (١) الأكثرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحَجّ: ٣٠]، قال (٢) ابن الحَنَفِيَّة: (هو الغِناءُ)، وقال (٣) ابنُ مَسْعودٍ وابنُ عبَّاسٍ في قوله تعالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمَان: ٦]: «هو الغِناءُ» (٤)، وعن أَبِي أُمامَةَ مرفوعًا: «أنَّه نَهَى عن شِراءِ المغنِّيات، وبَيعِهِنَّ، والتِّجارةِ فِيهِنَّ، وأكْلِ أثْمانِهِنَّ» رواهُ التِّرمذِيُّ (٥).

стр. 6613

فَعَلَى هذا: تُرَدُّ شَهادتُه؛ لفعله (١) المحرَّمِ. وعلى الأوَّلِ: فِعْلُه دناءة (٢) وسَفَهٌ. وقال أحمدُ: (يَبِيعُ الوصيُّ جارِيَةَ الطِّفْل على أنَّها غَيرُ مُغنِّيَةٍ) (٣)، قال أحمد (٤) أيضًا: (الغناء (٥) ينبت (٦) النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يعجبني (٧). وذَكَرَ في «الشِّفا»: الإجماعَ على كُفْرِ مَنْ اسْتَحَلَّه (٨). وفي «المستوعب» و «التَّرغيب» وغَيرِهما: يَحرُمُ مع آلة (٩) بلا خلافٍ بَينَنا. وكذا قالوا هم وابنُ عَقِيلٍ: إنَّ اسْتِماعَه مِنْ النِّساء الأجانِبِ يَحرُمُ قَولاً واحِدًا. وإنْ داوَمَه، أو اتخذه (١٠) صِناعةً يُقْصَدُ له (١١)، أو اتَّخَذَ غُلامًا أوْ جارِيَةً يَجمَعُ عَلَيهِما؛ رُدَّتْ شهادتُه (١٢) مُطلَقًا.

стр. 6614

مَسائِلُ: الأُولَى: يَحرُمُ مِزْمارٌ وطُنْبُورٌ ونَحوُهما، نَصَّ عَلَيهِ (١)، فَمَنْ أدام (٢) اسْتِعْمالَها؛ رُدَّتْ شَهادَتُه، وكذا عُودٌ وجَنْكٌ (٣)؛ لِأنَّها تُطرِبُ وتَفعَلُ في طِباعِ غالِبِ النَّاس ما يَفعَلُه المسْكِراتُ، وقال ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أمَّتِي أُناسٌ يَستَحِلُّونَ الخمرَ والمعازف»، مُختَصَرٌ من (٤) «البخاريِّ» (٥)، والمعازف: المَلَاهِي، قالَهُ الجَوهَرِيُّ (٦) وغَيرُه.

стр. 6615

وقال بعضُ العُلَماء: المزْمارُ مُباحٌ؛ لحديثِ نافِعٍ عن ابنِ عمرَ (١). وجَوابُه: الفَرْقُ بَينَ السَّماعُ والاِسْتِماع، بدليلِ سَجْدةِ التِّلاوة، والمحرَّمُ إنَّما هو الاِسْتِماعُ، مع أنَّ أبا داودَ قال: الحديثُ مُنكَرٌ. وحاصِلُه: أنَّه يَحرُمُ استماع (٢) صَوتِ كلِّ مَلْهاةٍ، مع غِناءٍ وغَيرِه، في سُرورٍ وغَيرِه. وكره (٣) أحمدُ الطبل (٤)، قاله (٥) في «الرِّعاية»؛ لغَيرِ حَرْبٍ. الثَّانيةُ: الضَّرْب بالقضيب (٦) مكروهٌ إذا انْضَمَّ إلَيهِ تصفيقٌ ورقصٌ، وإنْ خَلَا عن ذلك لم يُكرَهْ؛ لِأنَّه لَيسَ بآلةِ لهوٍ، ولا يُطرِب (٧)، ولا يُسمَعُ مُنفَرِدًا، ذَكَرَه في «الشَّرح» و «الرِّعاية». والتَّغْبِيرُ (٨) يتبع الغِناء الَّذي معه؛ إنْ حَرُم حَرُمَ، وإنْ كُرِهَ كُرِهَ.

стр. 6616

وقِيلَ: يَحرُمُ مُطلَقًا. قال أحمد: أكرَهُ التغبير (١)؛ لِأنَّه يُلِذُّ ويُطرِبُ، وقال: لا يَسمعُ (٢) التغبير (٣)، فقِيلَ: هو بدعة (٤)، فقال: حَسْبُكَ (٥). وفي «الكافي»: مَنْ أدْمَنَ على شَيءٍ مِنْ ذلك؛ رُدَّت شَهادتُه؛ لِأنَّه إمَّا مَعصِيَةٌ وإمَّا دناءةٌ. الثَّالِثَةُ: يُباحُ الدُّفُّ؛ لأِنَّه لو كان مُحرَّمًا؛ لمَا أباحَهُ النَّبيُّ ﷺ في العُرس (٦)، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ، ولم يُفرِّقْ. وذَكَرَ أصحابُنا وغَيرُهم: أنَّه مكروهٌ في غَيرِ النِّكاح، رُوِيَ عن عمرَ (٧)، ذَكَرَه في «الشَّرح». قِيلَ: والخِتانِ، وقِيلَ: وسُرورٍ حادِثٍ غَيرِهما. لكِنْ إنْ ضَرَبَ به الرِّجالُ تشبيهًا بالنِّساء؛ كُرِهَ ذلك، ذكره (٨) في «الكافي» و «الشَّرح» و «الرِّعاية».

стр. 6617

الرَّابِعةُ: الحُداءُ - بضمِّ الحاء، وقِيلَ: بكَسْرها -؛ لا بأسَ به. ولذلك (١) ينشد للأعراب (٢)، وسائر أنواع الإنشاد (٣) ما لم يُخرِجْه إلى حدِّ الغِناء، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغَيره. وقِيلَ: هو كالغِناء. الخامِسةُ: قال الشَّافِعِيُّ ﵁: الشِّعرُ كالكلام، حَسَنُه كحَسَنه، وقبيحُه كقَبِيحِه (٤). قال أحمدُ في روايةِ ابنِ منصورٍ: ما يكره (٥) منه؟ قال: الهجاء والرَّقِيقُ الَّذي يُشبِّبُ بالنِّساء، وأمَّا الكلامُ الجاهِلِيُّ؛ فما أنْفَعَه، وسَأَلَه عن الخبر: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوفُ أحدِكم قَيحًا خَيرٌ مِنْ أنْ يَمتَلِئَ شِعْرًا» (٦)، فتلكَّأ (٧)، فذَكَرَ له قَولَ النَّضْر: (لم تمتلئ (٨) أجْوافنا؛ لِأنَّ فيها القُرآنَ وغَيرَه، وهذا (٩) كان في الجاهِلِيَّة، فأمَّا اليَومَ فلا)، فقال: ما أحْسَنَ ما قال (١٠). واخْتارَ جماعةٌ قَولَ أبِي عُبَيدٍ: أنْ يَغلِبَ عَلَيهِ، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ.

стр. 6618

وإنْ أفرط (١) شاعِرٌ بالمدحة (٢) بإعطائه، وعكسه بعكسه، أوْ شبَّبَ بمدح (٣) خمرٍ أوْ بأمْرَدَ (٤)؛ فَسَقَ، لا إنْ شبَّبَ بامرأته أوْ أَمَتِه، ذَكَرَه القاضِي. السَّادِسةُ: تُكرَهُ قِراءةُ الألْحانِ، قاله أحمدُ، وقال: بدعةٌ لا يُسمَعُ، كلُّ شَيءٍ مُحدَثٍ لا يُعجِبُنِي، إلَّا أنْ يكونَ طَبْعَ الرَّجل كأبي مُوسَى (٥)، ونَقَلَ جَمْعٌ: أوْ يُحْسِنُه بلا تكلُّفٍ (٦). وقال جماعةٌ: إنْ غَيَّرَت النَّظْمَ؛ حرمت (٧)، وإلَّا فَوجْهانِ في الكراهة. وفي «الوسيلة»: يَحرُمُ، نَصَّ عَلَيهِ (٨). وعَنْهُ: يُكرَهُ. وقِيلَ: لا (٩)، ولم يُفرِّقْ. (وَاللاَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ) وهو مُحرَّمٌ في قَولِ عليٍّ، قال: «وهو مَيسِرُ العَجَم» (١٠)، وأبي مُوسَى (١١)،

стр. 6619

وأبي سَعِيدٍ (١)، وابنِ عمرَ، وقال (٢): «هو شَرٌّ من النَّرد» (٣)، قال مالِكٌ: (بَلَغَنا أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وَلِيَ مالَ يتيمٍ وهو فِيهَا، فأحْرَقَها) (٤)، ومرَّ عليٌّ على (٥) قومٍ (٦) يَلعَبونَ به فقال: «ما هذه التَّماثِيلُ الَّتي أنتم لها عاكِفونَ!» رواه البَيهَقِيُّ (٧)، وقال: هو الأشْبَهُ بمَذهَبِ الشَّافِعِيِّ. وقال مالكٌ: قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يُونس: ٣٢]، وهذا لَيسَ من الحقِّ فيكُونُ مِنْ الضَّلال (٨).

стр. 6620

ولا نُسلِّمُ على لاعِبٍ به، نَصَّ عَلَيهِ (١). فأمَّا إنْ كان بِعِوَضٍ، أوْ تَرْكِ واجِبٍ، أوْ فِعْلِ مُحرَّمٍ؛ فهو مُحرَّمٌ إجماعًا (٢). (وَالنَّرْدِ)، هو مُحرَّمٌ وإنْ خَلَا عن قِمارٍ؛ لمَا رَوَى بُرَيدةَ مَرفوعًا، قال (٣): «مَنْ لَعِبَ بالنَّردشير (٤) فكأنَّما صبغ (٥) يَدَه في لحمِ خنزيرٍ ودَمِه» رواهُ مسلِمٌ (٦)، والنَّردُ: اسمٌ أعْجَمِيٌّ مُعرَّبٌ، وشير (٧): بمَعْنَى حُلْوٍ، ورَوَى أبو موسى مرفوعًا (٨): «مَنْ لَعِبَ بالنَّرد فقد عصى اللهَ ورسولَه» رواهُ مالِكٌ وأحمدُ وغَيرُهما (٩)، قال أحمدُ: (النَّرْدُ أشدُّ مِنْ الشِّطرنج) (١٠)، قال الأصحابُ: إنَّما شُدِّدَ فِيهِ؛ لِأنَّه لا يَسُوغُ فيه الاِجْتِهادُ. فائدةٌ: ذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ: أنَّ حكمَ اللَّعِب بالأربعةَ عَشَرَ، والصَّدر، وهو
следующие страницы →