← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

وقِيلَ: يَحرُمُ مُطلَقًا. قال أحمد: أكرَهُ التغبير (١)؛ لِأنَّه يُلِذُّ ويُطرِبُ، وقال: لا يَسمعُ (٢) التغبير (٣)، فقِيلَ: هو بدعة (٤)، فقال: حَسْبُكَ (٥). وفي «الكافي»: مَنْ أدْمَنَ على شَيءٍ مِنْ ذلك؛ رُدَّت شَهادتُه؛ لِأنَّه إمَّا مَعصِيَةٌ وإمَّا دناءةٌ. الثَّالِثَةُ: يُباحُ الدُّفُّ؛ لأِنَّه لو كان مُحرَّمًا؛ لمَا أباحَهُ النَّبيُّ ﷺ في العُرس (٦)، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ، ولم يُفرِّقْ. وذَكَرَ أصحابُنا وغَيرُهم: أنَّه مكروهٌ في غَيرِ النِّكاح، رُوِيَ عن عمرَ (٧)، ذَكَرَه في «الشَّرح». قِيلَ: والخِتانِ، وقِيلَ: وسُرورٍ حادِثٍ غَيرِهما. لكِنْ إنْ ضَرَبَ به الرِّجالُ تشبيهًا بالنِّساء؛ كُرِهَ ذلك، ذكره (٨) في «الكافي» و «الشَّرح» و «الرِّعاية».

стр. 6617

الرَّابِعةُ: الحُداءُ - بضمِّ الحاء، وقِيلَ: بكَسْرها -؛ لا بأسَ به. ولذلك (١) ينشد للأعراب (٢)، وسائر أنواع الإنشاد (٣) ما لم يُخرِجْه إلى حدِّ الغِناء، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغَيره. وقِيلَ: هو كالغِناء. الخامِسةُ: قال الشَّافِعِيُّ ﵁: الشِّعرُ كالكلام، حَسَنُه كحَسَنه، وقبيحُه كقَبِيحِه (٤). قال أحمدُ في روايةِ ابنِ منصورٍ: ما يكره (٥) منه؟ قال: الهجاء والرَّقِيقُ الَّذي يُشبِّبُ بالنِّساء، وأمَّا الكلامُ الجاهِلِيُّ؛ فما أنْفَعَه، وسَأَلَه عن الخبر: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوفُ أحدِكم قَيحًا خَيرٌ مِنْ أنْ يَمتَلِئَ شِعْرًا» (٦)، فتلكَّأ (٧)، فذَكَرَ له قَولَ النَّضْر: (لم تمتلئ (٨) أجْوافنا؛ لِأنَّ فيها القُرآنَ وغَيرَه، وهذا (٩) كان في الجاهِلِيَّة، فأمَّا اليَومَ فلا)، فقال: ما أحْسَنَ ما قال (١٠). واخْتارَ جماعةٌ قَولَ أبِي عُبَيدٍ: أنْ يَغلِبَ عَلَيهِ، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ.

стр. 6618

وإنْ أفرط (١) شاعِرٌ بالمدحة (٢) بإعطائه، وعكسه بعكسه، أوْ شبَّبَ بمدح (٣) خمرٍ أوْ بأمْرَدَ (٤)؛ فَسَقَ، لا إنْ شبَّبَ بامرأته أوْ أَمَتِه، ذَكَرَه القاضِي. السَّادِسةُ: تُكرَهُ قِراءةُ الألْحانِ، قاله أحمدُ، وقال: بدعةٌ لا يُسمَعُ، كلُّ شَيءٍ مُحدَثٍ لا يُعجِبُنِي، إلَّا أنْ يكونَ طَبْعَ الرَّجل كأبي مُوسَى (٥)، ونَقَلَ جَمْعٌ: أوْ يُحْسِنُه بلا تكلُّفٍ (٦). وقال جماعةٌ: إنْ غَيَّرَت النَّظْمَ؛ حرمت (٧)، وإلَّا فَوجْهانِ في الكراهة. وفي «الوسيلة»: يَحرُمُ، نَصَّ عَلَيهِ (٨). وعَنْهُ: يُكرَهُ. وقِيلَ: لا (٩)، ولم يُفرِّقْ. (وَاللاَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ) وهو مُحرَّمٌ في قَولِ عليٍّ، قال: «وهو مَيسِرُ العَجَم» (١٠)، وأبي مُوسَى (١١)،

стр. 6619

وأبي سَعِيدٍ (١)، وابنِ عمرَ، وقال (٢): «هو شَرٌّ من النَّرد» (٣)، قال مالِكٌ: (بَلَغَنا أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وَلِيَ مالَ يتيمٍ وهو فِيهَا، فأحْرَقَها) (٤)، ومرَّ عليٌّ على (٥) قومٍ (٦) يَلعَبونَ به فقال: «ما هذه التَّماثِيلُ الَّتي أنتم لها عاكِفونَ!» رواه البَيهَقِيُّ (٧)، وقال: هو الأشْبَهُ بمَذهَبِ الشَّافِعِيِّ. وقال مالكٌ: قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يُونس: ٣٢]، وهذا لَيسَ من الحقِّ فيكُونُ مِنْ الضَّلال (٨).

стр. 6620

ولا نُسلِّمُ على لاعِبٍ به، نَصَّ عَلَيهِ (١). فأمَّا إنْ كان بِعِوَضٍ، أوْ تَرْكِ واجِبٍ، أوْ فِعْلِ مُحرَّمٍ؛ فهو مُحرَّمٌ إجماعًا (٢). (وَالنَّرْدِ)، هو مُحرَّمٌ وإنْ خَلَا عن قِمارٍ؛ لمَا رَوَى بُرَيدةَ مَرفوعًا، قال (٣): «مَنْ لَعِبَ بالنَّردشير (٤) فكأنَّما صبغ (٥) يَدَه في لحمِ خنزيرٍ ودَمِه» رواهُ مسلِمٌ (٦)، والنَّردُ: اسمٌ أعْجَمِيٌّ مُعرَّبٌ، وشير (٧): بمَعْنَى حُلْوٍ، ورَوَى أبو موسى مرفوعًا (٨): «مَنْ لَعِبَ بالنَّرد فقد عصى اللهَ ورسولَه» رواهُ مالِكٌ وأحمدُ وغَيرُهما (٩)، قال أحمدُ: (النَّرْدُ أشدُّ مِنْ الشِّطرنج) (١٠)، قال الأصحابُ: إنَّما شُدِّدَ فِيهِ؛ لِأنَّه لا يَسُوغُ فيه الاِجْتِهادُ. فائدةٌ: ذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ: أنَّ حكمَ اللَّعِب بالأربعةَ عَشَرَ، والصَّدر، وهو

стр. 6621

حُفَرٌ تجعل (١) في الأرض، والكِعاب (٢)؛ حكمُ النَّرد، وعن (٣) أبي موسى مرفوعًا: «مَنْ لَعِبَ بالكِعاب؛ فقد عصى اللهَ ورسولَه» رواه أحمدُ (٤)، ولِأنَّه من المَيْسِرِ. (وَالْحَمَامِ)؛ أي: اللاَّعِبِ بها، فإنْ قَصَدَ المُراهَنةَ وأخْذَ حَمامِ غَيرِه؛ حَرُمَ، وإنْ كان عَبَثًا ولَهْوًا؛ فهو دَناءةٌ وسَفَهٌ. قال أحمدُ: مَنْ لَعِبَ بالحَمَام الطَّيَّارة يراهن (٥) عَلَيها أوْ يُسرِّحُها من المواضِعِ لَعِبًا؛ لم يكُنْ عَدْلاً (٦)؛ لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلاً سرَّحَ حمامًا، ثمَّ أتْبَعَه بَصَرَه، فقال: «شَيطانٌ يَتبَعُ شَيطانًا» (٧). فأمَّا إنْ قَصَدَ بتعليمها (٨) حَمْلَ الكُتُب بما تَدْعُو الحاجةُ إلَيهِ، أو

стр. 6622

استفراخَها (١)، أوْ للأُنْس بأصْواتِها؛ جازَ. (وَالَّذِي يَتَغَدَّى فِي السُّوقِ) والنَّاسُ يَرَونَه، وألْحَقَ به في «الغُنْية»: أكْلَه على الطَّريق، فأمَّا (٢) إنْ أكَلَ كِسْرةً ونَحوَها؛ لم يَضُرَّ. (وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ)، وكذا نَومُه بَينَ جالِسِينَ، وخُروجُه عن مُسْتَوَى الجُلوس بلا عُذر. وكذا طُفيليٌّ (٣)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤). (وَيُحَدِّثُ (٥) بِمُبَاضَعَتِهِ (٦) أَهْلَهُ وَأَمَتَهُ)، ومُخاطَبَتُهما بخِطابٍ فاحِشٍ بَينَ النَّاس. (وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ)؛ أي: يَكشِفُ عَورتَه في حمَّامٍ وغَيرِه؛ لِأنَّ فِعْلَ ذلك حرامٌ؛ لِأنَّ فيه كَشْفًا لعَورَتِه المأمورِ بسَتْرِها. (وَنَحْوِ ذَلِكِ)؛ كمَنْ بَنَى حمَّامًا للنِّساء، نَقَلَه ابنُ الحكم (٧). (فَأَمَّا (٨) الشَّيْنُ فِي الصِّنَاعَةِ؛ كَالْحَجَّامِ، وَالْحَائِكِ، وَالنَّخَّالِ): الَّذي يُغرْبِلُ في الطَّريق على فُلوسٍ وغَيرِها، (وَالنَّفَّاطِ): الَّذي يَلعَبُ بالنِّفط، مِثْلَ لَبَّانٍ وتَمَّارٍ، (وَالْقَمَّامِ): الكَنَّاس، يُقالُ: قَمَّ البَيتَ: إذا كَنَسَه، (وَالزَّبَّالِ): وهو الَّذي صِناعَتُه الزِّبْلُ، كَنْسًا وجَمْعًا ونَقْلاً، (وَالمُشَعْوِذِ)، قال ابنُ فارِسٍ: لَيستْ في كلامِ أهلِ البادية، وهو خِفَّةٌ في اليدين كالسِّحر (٩)، (وَالدَّبَّاغِ،

стр. 6623

وَالْحَارِسِ)، والحَدَّادِ، والصَّباغ، (وَالْقَرَّادِ): الَّذي يَلعَبُ بالقِرد (١)، ويَطُوفُ به الأسْواقَ وغَيرَها مكتسِبًا (٢) به، (وَالْكَبَّاشِ): الَّذي يَلعَبُ بالكِباش ويُناطِحُ بها، وهو مِنْ أفْعالِ السُّفَهاء والسَّفِلةِ، (فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِذَا حَسُنَتْ طَرَائِقُهُمْ (٣)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: تُقبَلُ، زاد في «المحرَّر» و «الوجيز» (٤): لا مَسْتورُ الحال منهم، وإنْ قَبِلْناهُ مِنْ غَيرِهم؛ لِأنَّ بالنَّاس حاجةً إلَيهم، فبردِّ (٥) شهادةِ فاعِلِه؛ يَمنَعُ مِنْ تَعاطِيهِ، فيُؤدِّي إلى ضَرَرٍ عظيمٍ بالخَلْق، وذلك مُنتَفٍ شرعًا. والثَّانِي: لا؛ لِأنَّ تعاطيَ ذلك يتجنَّبُه (٦) أهلُ المروءات. وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ الأَوْلَى قَبولُ شهادةِ الحائك والحارِس والدَّبَّاغ؛ لِأنَّه تَوَلَّى ذلك (٧) كثيرٌ من الصَّالِحِينَ وأهلِ المُروءات، واخْتاره في «التَّرغيب» قال: أوْ يَقُولُ: تُرَدُّ ببلدٍ يُستَزْرَى بهم (٨) فيه، وفي «الفنون»: وكذا خَيَّاطٌ. وهو غريبٌ. فرعٌ: الصَّيرَفيُّ ونحوُه إنْ لم يَتَّقِ الرِّبا؛ رُدَّتْ شهادتُه، ذَكَرَه المؤلِّفُ، قال أحمدُ: أكْرَهُ الصَّرْفَ (٩). ويُكرَهُ كسبُ مَنْ (١٠) صَنْعَتُه دَنِيئَةٌ، والمرادُ: مع إمْكانِ أصْلَحَ منها، ومَن

стр. 6624

يُباشِرُ النَّجاسةَ؛ كجَزَّارٍ، ذَكَرَه جماعةٌ؛ لأِنَّه يُوجِبُ قَساوةَ قَلْبِه، وفاصِدٍ، ومُزَيِّنٍ، وجرائحي (١)، قال بعضُهم: وبَيطارٍ، وظاهِرُ «المغْنِي»: لا يُكرَهُ كَسْبُ فاصِدٍ. أفْضَلُ المعايِش: التِّجارةُ، قاله (٢) بعضُهم، وقال الأَزَجِيُّ: الزِّراعةُ، واخْتارَ في «الفروع»: الصَّنعةَ باليَدِ، وفي «الرِّعاية»: أفْضَلُ الصَّنائع الخِياطةُ. ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ: (أنَّه سُئِلَ عنها وعن عَمَلِ الخُوصِ، أيُّهما أفْضَلُ؟ قال: كلَّما نَصَحَ فيه فهو حَسَنٌ) (٣)، وكان إدريسُ خَيَّاطًا (٤)، وكذا لُقْمانُ (٥). ويُستَحَبُّ الغَرْسُ والحَرْثُ، واتِّخاذُ الغَنَم، قال المروذي: حثَّني (٦) أبو عبد الله على لُزُومِ الصَّنعة (٧)، وكان زَكَرِيَّا نَجَّارًا، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٨).

стр. 6625

(فَصْلٌ) (وَمَتَى زَالَتِ المَوَانِعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ المَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ)؛ لِأنَّ المُقْتَضِيَ مَوجُودٌ، وإنَّما رُدَّتْ لمانِعٍ، وقد زَالَ. ولا يُشتَرَطُ الإقْرارُ به. وذَكَرَ القاضِي: أنَّ الإقْرارَ به أَوْلَى إذا كان معصيةً مشهورةً. وشَرْطُها: نَدَمٌ، وإقْلاعٌ، وعَزْمٌ ألَّا يَعودَ، وأنْ يكُونَ ذلك خالِصًا لوجهه تعالَى. فإنْ تابَ مِنْ حقِّ آدَمِيٍّ؛ لم تُقبَلْ شهادتُه حتَّى يُبرِئَه منه، أوْ يُؤخِّرَه برضاه (١)، أوْ يَنوِيَ ردَّه إذا قَدَرَ. وقِيلَ: يَسقُطُ بالتَّوبة، ويُعَوِّضُ اللهَ المظلومَ بما شاء، فتقبل (٢) إذَنْ. وإنْ كان من حقٍّ لله (٣)؛ كزكاةٍ وصلاةٍ، فلا بُدَّ مِنْ فِعْلِه سريعًا بحَسبِ طاقته. ويُعتَبَرُ ردُّ مَظلَمةٍ، أوْ يَستَحِلُّه، ويستمهلُه (٤) مُعْسِرٌ. (وَلَا يُعْتَبَرُ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لقوله ﵇: «التَّائبُ مِنْ الذَّنْب كمَنْ لا ذَنْبَ له» (٥)، ولِأنَّ شهادةَ

стр. 6626

الكافِرِ تُقبَلُ بمجرَّدِ الإسْلامِ، فلأن تُقبَلَ شهادةُ الفاسِقِ بمُجرَّدِ التَّوبةِ بطَريقِ الأَولَى، ولقولِ عمرَ ﵁ لِأبِي ذرٍّ (١): «تُبْ، أقْبَلُ شَهادتَك» (٢)، ولِحُصولِ المغْفِرة بها. (وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ فِي التَّائِبِ إِصْلَاحُ الْعَمَلِ سَنَةً)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النُّور: ٥]، فنهى عن قَبُولِ الشَّهادةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبَ المصلِح (٣)، ولِأنَّ عمرَ لمَّا أَمَرَ بضَرْبِ صَبيغ (٤)، وأَمَرَ بهُجْرانه حتَّى بَلَغَه تَوبَتُه، فأَمَرَ أنْ لا يُكلَّمَ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ (٥). وقِيلَ: إنْ فَسَقَ بفِعْلٍ، وإلاَّ لم يُعتَبَرْ، ذَكَرَه في «التَّبصِرة» رِوايَةً. وعَنْهُ: في مُبتَدِعٍ، جَزَمَ به القاضي والحُلْوانيُّ. وقِيلَ: يُعتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يُعلَمُ حالُه فِيها. وعَنْهُ: ومُجانَبَةُ قَرِينِه فِيهِ. وفي كِتابِ ابنِ حامِدٍ: أنَّه يَجِيءُ عَلى قَولِ بعض (٦) أصحابِنا: مِنْ شَرْطِ

стр. 6627

صِحَّتِها وُجودُ أعمالٍ صالحةٍ؛ لِظاهِرِ الآية: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفُرقان: ٧٠]. فرعٌ: إذا علَّقَ تَوبَتَه بشَرطٍ؛ فإنَّه غَيرُ تائبٍ حالاً، ولا عِنْدَ وُجودِه. (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ اَلْقَاذِفِ (١)؛ أيْ: تَسقُطُ شَهادَتُه بالقذف إذا لم يُحقِّقْه؛ لِلآية، والمرادُ بالقاذِفِ: المردودُ الشَّهادة، وهو (٢) الَّذي لم يأتِ بما يحقِّق (٣) قَذْفَه؛ كالزَّوج يَقذِفُ زَوجَتَه ويَتحَقَّقُ عدمه (٤) بالبيِّنة أو اللِّعان، وكالأجنبيِّ يَقذِفُ أجنبيَّةً ويَتحقَّقُ قَذْفُه بالبيِّنة، فهذا لا تُرَدُّ شهادتُه. (حَتَّى يَتُوبَ)، فتُقبَلُ شَهادتُه، سواءٌ حُدَّ أوْ لا، جَزَمَ به الأصْحابُ، وبه قال أكثرُهم، وكسائرِ الذُّنوب، بَلْ هذا أَوْلَى، ولِقَولِ عمرَ لِأبِي ذرٍّ (٥): «إنْ تُبْتَ قَبِلْتُ شَهادَتَكَ» رواهُ أحمدُ وغَيرُه (٦)، واحْتَجُّوا به مع اتِّفاقِ المسْلِمِينَ على الرِّواية عن أبي بَكْرَةَ، مع أنَّ عُمَرَ لم يَقبَلْ شهادتَه؛ لِعَدَمِ تَوبَتِه مِنْ ذلك، ولم يُنكر (٧) ذلك. قال في «الفروع»: وهذا فيه نَظَرٌ؛ لِأنَّ الآيةَ إنْ تَنَاوَلَتْهُ؛ لم تُقبَلْ رِوَايَتُه لِفِسْقِه، وإلَّا قُبِلَتْ شهادتُه؛ كرِوايَتِه؛ لِوُجودِ المقْتَضِي وانْتِفاءِ المانِعِ.

стр. 6628

(وَتَوْبَتُهُ: أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (١)، جَزَمَ به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لقوله ﵇ في قَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥]: «توبتُه (٢) أنْ يُكْذِبَ نَفْسَه» (٣)، ولِكَذِبِه حُكْمًا. (وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ (٤): قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ)؛ لِأنَّ المقصودَ يَحصُلُ بذلك، ولِأنَّ النَّدَمَ تَوبَةٌ؛ للخبر (٥)، وإنَّما اعْتُبِرَ القَولُ؛ لِيُعلَمَ تحقُّقُ النَّدم. وقِيلَ: إنْ كان سَبًّا؛ فالتَّوبةُ منه إكْذابُ نَفْسه، وإنْ كان شهادةً؛ فبِأَنْ يَقُولَ: القَذْفُ حرامٌ باطِلٌ، ولن أَعُودَ إلى ما قُلْتُ، اخْتارَهُ القاضِي وصاحِبُ «التَّرغيب»، قال القاضِي: هو المذْهَبُ؛ لأِنَّه قد يكُونُ صادِقًا، فلا يُؤمَرُ بالكَذِبِ، وهو قَولُ السَّامَرِّيِّ، إلَّا أنَّه قال: يَقُولُ: نَدِمْتُ على ما كان مِنِّي، ولا أَعُودُ إلى ما أُتَّهَم فيه، ولا أَعُودُ إلى مِثْلَ ما كان مِنِّي؛ لِأنَّ في ذلك ألَّا يَشهَدَ.

стр. 6629

(فَصْلٌ (١) (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، اخْتارَهُ ابنُ حامِدٍ وأبو الخَطَّاب وابنُ عَقِيلٍ، وقدَّمَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، قال أحمدُ: كان أَنَسٌ يُجِيزُ شَهادةَ العبد، لَيسَ شيء (٣) يَدفَعُه (٤)، ولِأنَّه تعالى أَمَرَ بإشْهادِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا، ومَن فَقَدَ الحُرِّيَّةَ؛ فهو عَدْلٌ، بدليلِ قَبُولِ رِوايَتِه وفُتْياهُ، ولِأنَّ العَبْدَ عَدْلٌ غَيرُ مُتَّهَمٍ، فقُبِلَتْ شَهادَتُه؛ كالحرِّ. (بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ)، ذكره (٥) ابنُ هُبَيرةَ: أنَّه المشْهورُ، وهو ظاهِرُ المذْهَبِ، وقاله جماعةٌ مِنهُم أبو ثَورٍ، ورَواهُ الخَلاَّلُ بإسْنادِه عن أَنَسٍ، وهو إسْنادٌ جيِّدٌ (٦)، ورَواهُ أيْضًا مِنْ رِوايَةِ الحَسَنِ عن عليٍّ (٧)؛ لِعُمومِ الآياتِ، ولِحَديثِ عُقْبةَ بنِ الحارِثِ في الرَّضاع (٨)، ولقوله: «يَحمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كلِّ خلفٍ عُدُولُه» (٩)، وقد كان كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ هذه الأمَّةِ وعُلمائها

стр. 6630

وصلحائها مَوالِيَ، ولم يَحدُثْ فِيهِمْ بالإعْتاقِ إلَّا الحُرِّيَّةُ، وهِي لا تُحدِثُ عِلْمًا ولا دِينًا. (إِلَّا فِي (١) الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي (٢) إِحْدَى (٣) الرِّوَايَتَيْنِ)، فإنَّها لا تُقبَلُ فِيهِما؛ لمَا في شَهادَتِه من الخلاف؛ إذْ أكْثَرُ الفُقَهاء - ونَقَلَه أبو طالِبٍ (٤) - أنَّه يُشْتَرَطُ لها الحُرِّيَّةُ، وذلك شُبْهةٌ، والحُدودُ والقِصاصُ تدرأ (٥) بالشُّبهة. والثَّانِيَةُ (٦): تُقبَلُ، اخْتارَها القاضِي يَعقُوبُ، وإلَيهِ مَيلُ ابنِ عَقِيلٍ في «التَّذكرة»، فإنَّه قال: لَيسَ عن (٧) أحمدَ مَنْعٌ في الحدود، وذلك لمَا تَقدَّمَ مِنْ العُموم. وظاهِرُ رِوايَةِ المَيمُونيِّ: أنَّها تُعتَبَرُ في حدٍّ لا قِصاصٍ (٨)؛ لِأنَّه حقٌّ لآِدَمِيٍّ مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق، بخِلافِ الأوَّلِ، فإنَّها مَبْنِيَّةٌ على المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ وأبي الفَرَجِ وصاحِبِ «الرَّوضة». وفي «الكافي»: أنَّها لا تقبل (٩) في الحدِّ، وفي القَوَدِ احْتِمالانِ. فرعٌ: متى تعيَّنَتْ؛ حَرُم مَنْعُه، ونَقَلَ المَرُّوذِيُّ: مَنْ أجَازَ شَهادتَه؛ لم يَجُزْ لِسَيِّدِه مَنْعُه مِنْ قِيامِها (١٠)، فلو عَتَقَ بمَجْلِسِ الحُكْمِ، فَشَهِدَ؛ حَرُمَ رَدُّه، قال

стр. 6631

في «المفردات»: فلو ردَّه مع ثُبوتِ عَدالَتِه؛ فسق (١). والمكاتَبُ (٢)، والمُدَبَّرُ، وأمُّ الوَلَد، والمُعْتَقُ بعْضُه؛ كالقِنِّ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ (٣) فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ) الأحرارِ؛ لِدُخولها في قَولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، مع حديثِ عُقْبَةَ المتقدِّمِ ذِكْرُه (٤). (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ عَلَى (٥) مَا يَرَاهُ)؛ لِأنَّه فِيمَا رآه (٦) كغَيرِه، (وَعَلَى (٧) المَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ)؛ لِأنَّه في ذلك كمَنْ لَيسَ به صَمَمٌ. (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي المَسْمُوعَاتِ) إذا تَيَقَّنَ الصَّوتَ؛ أيْ: صَوتَ المشْهودِ عَلَيهِ، والمرادُ بالجَواز: القَبول (٨)، فإذا حَصَلَ ذلك للأعْمَى؛ وَجَبَ قَبولُ شَهادَته كالبصير، ولِأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ: «أنَّهما أجَازَا شَهادَةَ الأعمى» (٩)، ولا يُعرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابة؛ لِحُصولِ العِلْمِ له بذلك؛

стр. 6632

كاستمتاعِه بزَوجَتِه (١)، وهذا بخِلافِ ما طَرِيقُه الرُّؤيةُ؛ لِأنَّه لا رُؤيَةَ له. (وَبِالاِسْتِفَاضَةِ)؛ لِأنَّه يَعتَمِدُ القَولَ، وشَهادَتُه جائزةٌ، وقاله الشَّافِعِيُّ (٢)، وزادَ: والترجمة (٣)، وإذا أقرَّ عِنْدَ أُذُنِه ويَدُ الأعْمَى على رأسه، ثُمَّ ضَبَطَه حتَّى حَضَرَ عِنْدَ الحاكِمِ فَشَهِدَ عَلَيهِ، ولم يُجِزْها في غَيرِ ذلك؛ لِأنَّ مَنْ لا تجوز (٤) شهادتُه على الأفعال؛ لا تجوز (٥) على الأقوال؛ كالصَّبِيِّ، ولِأنَّ الأصْواتَ تَشْتَبِهُ. (وَتَجُوزُ (٦) فِي المَرْئِيَّاتِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذا عَرَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ)؛ لِأنَّ العَمَى فَقْدُ حاسَّةٍ لا تُخلُّ (٧) بالتَّكْلِيفِ، فلا تَمنع (٨) قَبولَ الشَّهادة؛ كالصَّمَم، ورَوَى الخَلاَّلُ في «جامعه» عن

стр. 6633

إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: سَأَلْتُ أحمدَ عن شَهادةِ الأعْمَى فِيمَا قد (١) عَرَفَهُ قَبْلَ أنْ يَعْمَى، فقال: جائزٌ في كلِّ ما ظَنَّه نحو النَّسَب، ولا يَجُوزُ في الحدود (٢). وقال أبو حَنِيفةَ: لا تُقبَلُ مُطلَقًا، وذَكَرَ أحمدُ أنَّ أصحابَه جوَّزوا ذلك (٣)، ذَكَرَه الخَلاَّلُ. (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا بِعَيْنِهِ؛ فَقَالَ الْقَاضِي)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المنصوصُ: (تُقْبَلُ (٤) شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ (٥) لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ)؛ لِعُمومِ الأدِلَّةِ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وكذا إنْ تَعَذَّرَ رُؤْيَةُ العَينِ المشْهودِ لها أوْ عَلَيها أوْ بها؛ لمَوتٍ أوْ غَيبةٍ (٦). (وَيَحْتَمِلُ) - هذا وَجْهٌ -: (أَلَّا يَجُوزَ (٧)؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا (٨) يَنْضَبِطُ غَالِبًا)، وعلَّلَه المؤلِّفُ هُنا. وفي «المحرَّر» و «الفُروع» الوَجْهانِ مِنْ غَيرِ ترجيحٍ، وهما أيضًا فِيما إذا عَرَفَه بصَوتِه. (وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ (٩)، ثُمَّ عَمِيَ)، أوْ خَرِسَ، أَوْ جُنَّ، أوْ مات؛ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ)، وهو قَولُ أكثرِ العلماء، والمرادُ به: الحُكْمُ بها (١٠)؛ لِأنَّ

стр. 6634

المانِعَ طَرَأَ بَعْدَ أداءِ الشَّهادةِ، فلا يورِّث (١) تهمةً في حالِ الشَّهادة، فلم يَمنَع الحُكْمَ بها؛ كما لو شَهِدَ ثُمَّ ماتَ. وقال أبو حَنِيفةَ: لا تُقبَلُ؛ كما لو طَرَأَ الفِسْقُ (٢). وفرَّقَ في «الشَّرح»: بأنَّ الفِسْقَ يُورِثُ تهمةً في حالِ الشَّهادة، بخِلافِ غَيرِه. لكِنْ لو حَدَثَ بَعْدَ الشَّهادة ما لا يجوز (٣) معه شهادةٌ؛ لم يُحكَمْ بها؛ لِأنَّ العادةَ أنَّ الإنْسانَ يَستَبْطِنُ الفِسْقَ ويُظْهِرُ العداوة (٤)، فلا يَأمَنُ أنْ يكونَ فاسِقًا حِينَ أداءِ الشَّهادة، فلم يَجُز الحُكْمُ بها (٥) مع الشَّكِّ. إلَّا عداوةً ابتدأها (٦) المشْهودُ عَلَيهِ، بأن (٧) قذَفَ (٨) البيِّنة؛ لِأنَّها لا تَمنَعُ؛ لأنَّنا (٩) لو أبْطَلْناها بهذا؛ لتمكَّن (١٠) كلُّ مشهودٍ عَلَيهِ بإبطالِ شهادةِ الشَّاهِد بقَذْفِه. وكذا المنازَعةُ والمقاوَلةُ وَقْتَ غَضَبِه ومُحاكَمَتِه بِدُونِ عداوةٍ ظاهِرةٍ سابِقةٍ، قال في «التَّرغيب»: ما لم يَصِلْ إلى حدِّ العَداوة أو الفِسْقِ. فإنْ حَدَثَ بعضُ ما يَمنَعُ الحكمَ بها بَعْدَ الحكم وقَبْلَ الاِسْتِيفاء؛ فإنْ كان ذلك حَدًّا لله؛ لم يُسْتَوْفَ؛ لِأنَّ هذا شبهةٌ، وهو يُدرأُ بها، وإنْ كان مالاً؛

стр. 6635

اسْتُوفِيَ؛ لِأنَّ الحكمَ قد تمَّ (١)، وإنْ كان قَودًا أوْ حَدَّ قَذَفَ؛ فَوَجْهانِ. (وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ، فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لِعُمومِ الأدِلَّة، وأنَّه عَدْلٌ مَقْبولُ الرِّواية والشَّهادةِ في غَيرِ الزِّنى، فتُقبل (٢) فيه كغَيره، وَوَلَدُ الزِّنى لم يَفعَلْ فِعْلاً قبيحًا يَجِبُ أنْ يكُونَ له نظير (٣)؛ لِأنَّ الزَّانِيَ لو تاب (٤)؛ لَقُبِلَتْ شَهادَتُه، وهو الَّذي فَعَلَ الفِعْلَ القَبيحَ، فإذا قُبِلَتْ شهادتُه مع ما ذُكِرَ؛ فغَيرُه أَوْلَى. قال ابنُ المنذِر: وما رُوِيَ عن عُثْمانَ أنَّه قال: «ودَّتِ الزَّانِيَةُ أنَّ النِّساءَ كلَّهنَّ يَزْنِينَ» (٥)، لا أعْلَمُه ثابِتًا عنه، وكَيفَ يَجُوزُ أنْ يُثْبِتَ عُثْمانُ كلامًا بالظَّنِّ عن ضمير (٦) امرأةٍ لم يَسمَعْها تذكره (٧) (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الإْنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كَالمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ (٨)، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ (٩)، وَالْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ)، ذكره (١٠) الأصحابُ؛ لحديثِ عُقْبةَ في الرَّضاع، والباقي (١١) بالقِياس عَلَيهِ. وفي «المستوعب»: تُقبَلُ شَهادةُ القاسِمِ على القِسْمة بَعْدَ فَراغِه إذا كان بغَيرِ عِوَضٍ، وسَبَقَه إلَيهِ القاضِي وأصْحابُه، وجَزَمَ به في «المغْنِي».

стр. 6636

(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ (١)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه جماعةٌ. (وَعَنْهُ فِي شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ: أَخْشَى أَنْ لا تُقْبَلَ (٢)، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا تُقبَلُ، وقالَهُ جمعٌ مِنْ أصْحابِنا، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ؛ لمَا رَوَى أبو داودَ وابنُ ماجَهْ بإسْنادٍ جيِّدٍ عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تَجُوزُ شَهادةُ بَدَوِيٍّ على صاحِبِ قَريَةٍ» (٣)، ولمَا فِيهِ مِنْ الجفاء في الدِّين. والثَّانِي (٤): تُقبَلُ، صحَّحه في «المستوعب» وابنُ المنجَّى؛ لِأنَّ مَنْ قُبِلَتْ شهادتُه على أهْلِ البدو؛ قُبلت شهادتُه (٥) على أهْلِ القُرَى، دليلُه شهادةُ القَرَوِيِّ على البَدَوِيِّ، والحديثُ محمولٌ على أنَّ شهادةَ البَدَوِيِّ لا تُقبَلُ للجَهْل بعدالته (٦) الباطِنَةِ، وخَصَّه بهذا؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يكُونُ مَنْ يسأله (٧) الحاكِمُ عنه (٨).

стр. 6637

(بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ) المَوانِع: جَمْعُ مانِعٍ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنْ مَنَعَ الشَّيءَ، إذا حال بَينَه وبَينَ مَقصودِه، فهذه الموانِعُ تَحُولُ بَينَ الشَّهادة ومَقْصودها، فإنَّ المقصودَ منها: قَبولُها والحُكْمُ بها. (وَيَمْنَعُ (١) قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ)، يَأْتِي عدُّها (٢). (أَحَدُهَا: قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ)، وهِيَ بمَعْنَى: لا تُقبَلُ لِعَمُودَيْ نسبِه (٣)، (فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ) مِنْ قِبَلِ (٤) البَنينَ والبنات، (وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ) نَقَلَه الجَماعةُ عنه (٥)، وسَواءٌ في ذلك الآباءُ والأمّهاتُ، وآباؤهما وأمَّهاتُهما، وذكر (٦) «التِّرمذِيُّ»: أنَّه قَولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ (٧)؛ لمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تَجُوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذِي غِمْرٍ على أخِيه، ولا ظَنِينٍ في قَرابةٍ ولَا وَلَاءٍ»، وفي إسْنادِه يَزِيدُ بنُ زِيادٍ، وهو ضعيفٌ، قال التِّرمذِيُّ: (لا يَصِحُّ عِندَنا مِنْ قِبَلِ إسْنادِه) (٨)، ورواهُ الخَلاَّلُ بنَحوِه مِنْ حديثِ عُمَرَ (٩)،

стр. 6638

وأبي هُرَيرةَ (١)، والظَّنِينُ: المُتَّهَمُ، وكلٌّ منهما (٢) مُتَّهَمٌ في حقِّ صاحِبِه؛ لِأنَّه يَمِيلُ إلَيهِ بطَبْعِه، بدليلِ قَولِه ﵇: «فاطِمَةُ بَضْعةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها» (٣)، وسَواءٌ اتَّفَقَ دِينُهما أو اخْتَلَفَ. لكِنْ قال القاضي، وأصحابُه، والمؤلِّفُ، وصاحِبُ «التَّرغيب»: لَا مِنْ زِنًى ورَضاعٍ، فإنَّها تُقبَلُ؛ لِعَدَمِ وُجوبِ الإنْفاقِ والصِّلة، وعِتْقِ أحدِهما على صاحبه، والتَّبَسُّطِ في المالِ. (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ (٤) نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ قَذْفٍ)؛ لِأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَنتَفِعُ بما يَحصُلُ لِلآخَر، فتَنْتَفِي التُّهمةُ عنه في شَهادَتِه، قال في «الفروع»: كشَهادتِه له بمالٍ وكلٌّ منهما غَنِيٌّ؛ لِأنَّه لا تُهمةَ في حقِّه؛ لِعَدَمِ وجوبِ النَّفقة. (وَعَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ)؛ لِدُخوله في العُموم، (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ)؛ لِأنَّ مالَ ابْنِه كمَالِه؛ للخَبَر (٥)، فكانَتْ شهادته (٦) لنفسه. ونَقَلَ حنبلٌ: تُقبَلُ مُطلَقًا (٧)، ذَكَرَها في «المبهج» و «الواضح»؛ لِأنَّهما

стр. 6639

عَدْلانِ، فيَدخُلانِ فِيهِ، روي (١) ذلك عن عمرَ وشُرَيحٍ، وقاله عمرُ بنُ عبد العزيز، وأبو ثَورٍ، والمزنيُّ، وغَيرُهم. فرعٌ: إذا شَهِدَا على أبِيهِما بقَذْفِ ضرَّة أمِّهما وهي تحتَه، أوْ طلاقها (٢)؛ فاحْتِمالانِ في «المنتخب». (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فيِ أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النِّسَاء: ١٣٥]، ولِأنَّ شهادةَ كلِّ واحِدٍ مِنهما على الآخَر لا تُهمةَ فِيها، فشَهادَتُه عَلَيهِ أبْلَغُ في الصِّدْق؛ كشَهادته على نَفْسِه. والثَّانِيَةُ: لا تُقبَلُ؛ لِأنَّ مَنْ لم تُقبَلْ شَهادتُه له؛ لم تُقبل (٣) عَلَيهِ؛ كغَيرِ العَدْلِ. وقال ابنُ هُبَيرةَ: لا أرى شهادةَ الولد على والده في حدٍّ ولا قِصاصٍ؛ لِاتِّهامه في المِيراث. ومُكاتَبُ والِدَيهِ وَوَلَدِه؛ كهُما، ذَكَرَه في «الرِّعاية الكبرى» (٤). فرعٌ: إذا شَهِدَ لِوَلدِه أوْ غَيرِه ممن (٥) تُرَدُّ شَهادَتُه له، وأجنبيٍّ (٦) بألْفٍ، أوْ بِحَقِّ آخَرَ مُشْتَرَكٍ؛ بَطَلَتْ في الكلِّ، نَصَّ عَلَيهِ (٧)، وذَكَرَ جماعةٌ: تصحُّ (٨) في حقِّ الأجنبيِّ فقطْ.

стр. 6640

(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَيْنِ)، نَقَلَها الجماعةُ (٢)، واختارَها الأكثرُ، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرةَ وصاحِبُ «الوجيز»؛ لأنَّه (٣) يَنتَفِعُ بشَهادته ليَنْبَسِط (٤) كلُّ واحِدٍ في مالِ الآخَر، واتِّساعه بسَعَتِه، وإضافةِ مالِ كلِّ واحِدٍ إلى الآخَرِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزَاب: ٣٣]، و ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزَاب: ٥٣]، ولِأنَّ يَسارَ الرَّجل يَزِيدُ في نَفَقةِ امْرأتِه، ويَسارَها يَزِيدُ في قِيمةِ بُضْعِها المملوكِ لِزَوجها، ولِأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرِثُ الآخَرَ مِنْ غَيرِ حَجْبٍ، فأوجبَ (٥) التُّهمة في شهادتِه، وظاهِرُه: ولو بَعْدَ الفِراق. والأخرى (٦): يَجوزُ؛ لِأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ على منفعةٍ، فلا يَتضَمَّنُ ردَّ الشَّهادة؛ كالإجارة. وظاهِرُه: أنَّ شهادةَ أحدهما على الآخَرِ مَقْبولةٌ، صرَّح به في «المستوعب» و «المحرَّر». وقِيلَ: في قَبولِها رِوايَتانِ. (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ)، لا نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا (٧)؛ لأِنَّ مالَ العبد لِسَيِّده، فشهادتُه (٨) له؛ شهادةٌ لنفسه، قال في «الشَّرح»: لا تُقبَلُ شهادتُه لِعَبْده

стр. 6641

بنكاحٍ (١)، ولا لِأَمَتِه بطَلاقٍ. (وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ)؛ لِأنَّه يَنبَسِطُ في ماله، وتَجِبُ نَفَقَتُه، فهو (٢) كالأب (٣) مع ابْنِه، زادَ في «الرِّعاية الكبرى»: بمال (٤). (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لْأَخِيهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، وذكره (٦) التِّرْمذِيُّ وابنُ المنذِرِ إجْماعًا (٧)، قال أحمدُ: (قد أجاز ابنُ الزُّبَير شهادةَ الأخ لأِخِيهِ) رواه الخلال (٨)، ولِأنَّه غَيرُ مُتَّهَمٍ، فيَدخُلُ في العُمومات، ولا يَصِحُّ قِياسُه على عَمُودَيِ النَّسَبِ؛ لمَا بَينَهما من التَّفاوُت. (وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ)؛ أيْ: تُقبَلُ شَهادةُ بعضِهم لِبعضٍ؛ كالأخ، بَلْ هذا أَوْلَى منه. (وَالصَّدِيقِ) الملاطِف (٩) (لِصَدِيقِهِ)، وهو قَولُ عامَّتِهم، وهو الأَشْهَرُ،

стр. 6642

قاله (١) في «الرِّعاية». وردَّه ابنُ عَقِيلٍ بصَداقَةٍ وَكِيدةٍ، وعاشِقٍ لِمَعْشوقِهِ؛ لِأنَّ العِشْقَ يُطِيشُ. (وَالمَوْلَى لِعَتِيقِهِ)؛ كالأخ لأِخِيهِ، بَلْ هذا أَوْلَى؛ لِأنَّه لا تُهمةَ فِيهِ، أشْبَهَ الأجنبيَّ، وعَكْسُه، ولِغَيرِ سيِّده. لكِنْ لو أعْتَقَ عَبْدَينِ، وادَّعى رجلٌ أنَّ المُعْتِقَ غَصَبَهُما منه، فشَهِدَ العَتِيقانِ بصِدْقِ المدَّعِي؛ لم تُقبَلْ شهادتُهما؛ لِعَودهِما إلى الرِّقِّ، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه (٢). وكذا لو شَهِدا بَعْدَ عِتْقِهما أنَّ (٣) مُعتِقَهما غَيرُ بالِغٍ حالَ العِتْق، أوْ جَرَحَا الشَّاهِدَينِ بحُرِّيَّتِهما. ولو عَتَقَا بتدبيرٍ أو وصيَّةٍ، فشَهِدَا بِدَينٍ أوْ وَصِيَّةٍ مُؤثِّرَةٍ في الرِّقِّ؛ لم يُقبل (٤)؛ لِإقْرارِهما بَعْدَ الحُرِّيَّة بِرِقِّهِما لِغَيرِ سيِّدٍ. فرعٌ: إذا حَلَفَ الشَّاهِدُ مع شَهادَتِه؛ لم تُرَدَّ في ظاهِرِ كلامهم، ومع النَّهي عنه يَتوجَّهُ على كلامه في «التَّرغيب»: تُرَدُّ.

стр. 6643

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ)؛ لِأنَّ فاعِلَه مُتَّهَمٌ في الشَّهادة، والتُّهمةُ تمنع (١) مِنْ قَبولها؛ (كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ) بمالٍ، (وَالْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ (٢) بِالْجُرْحِ قَبْلَ الاِنْدِمَالِ)؛ لِأنَّه قد يَسْرِي، فتَجِبُ الدِّيةُ له ابتِداءً، ويقبل (٣) له بِدَينٍ في مَرَضِه في الأَشْهَر، فلو حَكَمَ بهذه الشَّهادةِ؛ لم يَتغَيَّر الحكمُ بَعْدَ مَوتِه. تنبيهٌ: لو شَهِدَ غَيرُ وارِثٍ، فصار عِنْدَ المَوت وارِثًا؛ سُمِعَتْ، دُونَ عَكْسِه، والمانِعُ ما يَحصُلُ له به نَفْعٌ حالَ الشَّهادة، فلهذا جازَ شهادةُ الوارِثِ لموروثه (٤)، مع أنَّه إذا ماتَ وَرِثَه، وشَهادتُه لاِمرأةٍ يَحتَمِلُ أنْ يَتزَوَّجَها، وشَهادتُه لغريمٍ له يَحتَمِلُ أنْ يُوَفِّيَه منه، أوْ يُفلِسَ فيتعلَّقَ حقُّه به. ومُنعت (٥) الشَّهادةُ لمَورُوثِه بالجُرح قَبْلَ الاِنْدِمالِ وإنْ لم يكُنْ له حقٌّ في الحال؛ لِأنَّه ربَّما أفْضَى إلى المَوت به، فتَجِبُ الدِّيَةُ للوارِث الشَّاهِدِ به ابْتِداءً، فيكُونُ شاهِدًا لنفسه، مُوجِبًا له به حقًّا ابتداءً. وهذا بخِلافِ الشَّاهِد لمُوروثه المريضِ بحقٍّ، فإنَّها (٦) تُقبَلُ؛ لِأنَّه إنَّما يجب (٧) للمَشْهود له، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَنتَقِلَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَنتَقِلَ، فلم يمنع (٨)

стр. 6644

الشَّهادةَ له؛ كالشَّهادة للغريم. فإنِ قِيلَ: فقد أجزتُم (١) شهادةَ الغَرِيم لغَريمِه بالجُرح قَبْلَ الاِنْدِمال، كما أجزتُم (٢) شهادتَه له (٣) بمالٍ. قُلْنا: إنَّما جاز ذلك؛ لِأنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ للشَّاهِد ابْتِداءً، إنَّما تَجِبُ للقَتِيلِ أو الوَرَثةِ، ثُمَّ يستوفي (٤) الغريم منها، فأشْبَهت الشَّهادةَ له بمالٍ، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَالْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ)؛ لِأنَّه يَثبُتُ له فيه حقُّ التَّصرُّف، فهو مُتَّهَمٌ فيها. وأجاز شريحٌ وأبو ثَورٍ شَهادتَه للمُوصَى عليهم (٥) إذا كان الخصمُ (٦) غَيرَه؛ لِأنَّه أجنبيٌّ مِنهُم، فقُبِلَتْ؛ كما بَعْدَ زَوالِ الوصيَّةِ. (وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ (٧) بِمَا (٨) هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ)، وعبَّر السَّامَرِّيُّ عنه: بالقانِع، ثُمَّ فسره بالوكيل. وتُرَدُّ مِنْ وَصِيٍّ ووكيلٍ ولو بَعْدَ العَزل، وقِيلَ: وكان خاصَمَ فيه. وجزم (٩) في «المغْنِي» وغَيره: أنَّها تُقبَلُ بَعدَ عَزْلِه، لكِنْ نَقَلَ ابنُ منصورٍ: إن خاصَمَ في خُصومةٍ مرَّةً، ثُمَّ نَزَعَ، ثُمَّ شهد (١٠): لم تُقبَلْ (١١).

стр. 6645

وتُقبَلُ شهادتُه (١) على مُوَكِّلِه، ويتيمٍ في حِجْره. (وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ) بما (٢) هو شَريكٌ فيه، لا نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا (٣)؛ لِاتِّهامه. وكذا المضارِبُ بمالِ المُضارَبَة. (وَالْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ) المحْجُورِ عَلَيهِ (بِمَالٍ)، سواءٌ كان المفْلِسُ حيًّا أوْ مَيِّتًا؛ لِأنَّ حقوقَهم تتعلَّقُ به، وأمَّا قَبْلَ الحَجْرِ؛ فتُقبَلُ؛ لِأنَّ حقَّهم إنَّما يتعلَّقُ بذِمَّته. وقال ابنُ حَمْدانَ: لا تُقبَلُ قَبْلَ الحَجْرِ مع إعْسارِهِ. (وَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الآْخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ (٤)؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ، فإنْ شَهِدَ بَعْدَ إسْقاطِ شُفْعَتِهِ؛ قُبِلَتْ؛ لِانْتِفاءِ التُّهمة. مسائلُ: لا تُقبَلُ شهادةُ أجِيرٍ لمَن اسْتأْجَرَه، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، وفي (٦) «المستوعب» وغَيره: فيما اسْتَأْجَرَه فِيهِ. وذَكَرَ الخَلاَّلُ في «جامِعه»: أنَّ أحمدَ قال في رِوايَةِ عبدِ الملِكِ: كَيفَ لا يَجُوزُ، ولكن (٧) النَّاسَ تكلَّمُوا فِيهِ، فرأيْتُه يغلِبُ (٨) على قَلْبِه جَوازُه (٩).

стр. 6646

ولا حاكِمٍ لمَن في حِجْرِه، قاله في «الإرشاد» و «الرَّوضة» (١). وتقبل (٢) عَلَيهِ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٣)؛ لِأنَّه لا يُتَّهَمُ، وفِيهِ رِوايَةٌ. ولا لمَن له كلامٌ أو استحقاقٌ (٤) في شَيءٍ، وإنْ قلَّ؛ كرباطٍ (٥) ومدرسةٍ في ظاهِرِ كَلامِهم. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في قَومٍ في دِيوانٍ آجَرُوا شَيئًا: لا تقبل (٦) شهادةُ أحدٍ مِنهُم على مستأجرٍ (٧)؛ لِأنَّهم وُكَلاءُ أوْ ولاةٌ (٨)، قال: ولا شَهادةُ دِيوانِ الأمْوال السُّلْطانِيَّةِ على الخُصوم (٩).

стр. 6647

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا؛ كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ)؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ لمَا فيه (١) مِنْ دفع (٢) الدِّيَةِ عن أنْفُسِهم. فإنْ كان الجارِحُ فَقِيرًا أوْ بعيدًا؛ فاحتِمالانِ: أحدُهما: يُقبَلُ؛ لِأنَّه لا يَحمِلُ شَيئًا مِنْ الدِّيَةِ. والثَّانِي: لَا؛ لِجَوازِ أنْ يُوسِرَ أوْ يموت (٣) مَنْ هُوَ أقْرَبُ منه قَبْلَ الحَول، فيحملها. (وَالْغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ (٤) عَلَى المُفْلِسِ)؛ لمَا فِيهِ مِنْ تَوفِيرِ المال عَلَيهم. (وَالسَّيِّدِ بِجَرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ)؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ فِيهَا؛ لمَا يَحصُلُ بها مِنْ دَفْعِ الضَّرَر عن نَفْسِه، فكأنَّه شَهِدَ لِنَفْسِه، قال الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّة في الإسلام: لا تَجُوزُ شهادةُ خَصْمٍ ولا ظَنِينٍ» (٥)، والظَّنِينُ: المتَّهَمُ. يؤُيِّدُه: ما رَوَى سعيدٌ، ثنا عبدُ العزيز بنُ محمَّدٍ، أخبرني (٦) محمَّدُ بنُ زَيدِ بنِ المهاجر (٧)، عن طَلحةَ بنِ عبدِ الله بنِ عَوفِ، قال: «قَضَى رسولُ الله ﷺ : أنَّ اليمينَ على المدَّعَى عَلَيهِ، ولا تَجُوزُ شهادةُ خَصْمٍ ولا

стр. 6648

ظَنِينٍ»، وهو مُرسَلٌ (١). ويَلتَحِقُ بذلك: أنَّ شهادةَ الضَّامِنِ بإبْراءِ المضْمُونِ عنه، أوْ قَضائه؛ غَيرُ مَقْبولةٍ؛ لمَا ذَكَرْنا. (وَالوَصِيِّ (٢) بِجَرْحِ (٣) الشَّاهِدِ عَلَى الْأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجَرْحِ (٤) الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ)؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ، وهو ظاهِرٌ. (وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإِنْسَانٍ إِذَا شَهِدَ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ)؛ كالوصيِّ، والوكيلِ، والشَّريكِ، وغَرِيمِ المفْلِسِ المحجورِ (٥) عَلَيهِ ونَحوِهم؛ لأِنَّهم مُتَّهَمُونَ في دَفْعِ الضَّرَر عَنهُم في ثُبوتِ الحقِّ الَّذي يتضمَّن (٦) إزالةَ حُقوقِهم مِنْ المشْهُودِ به.

стр. 6649

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: الْعَدَاوَةُ)؛ لمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تجوز (١) شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا زَانٍ ولا زانِيَةٍ، ولا ذِي غِمْرٍ على أخِيهِ» رواه أبو داودَ (٢)، والغِمْر: الحِقْد، ولِأنَّ العداوة (٣) تُورِثُ تُهمةً شديدةً، فمَنَعَت الشَّهادةَ؛ كالقَرابَة القريبة (٤)، ويُعتَبَرُ كَونُها لِغَيرِ الله تعالَى، مَورُوثةً أوْ مُكتَسَبَةً. وفي «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: ظاهِرةٌ، بحَيثُ يُعلَمُ أنَّ كلًّا مِنهُما يُسَرُّ بمَساءَةِ الآخَرِ ويَغتَمُّ بفَرَحِه، ويَطلُبُ له الشرَّ (٥). زادَ ابنُ حَمْدانَ: أوْ حاسِدٍ، لكِنْ في الخبر: «ثلاثةٌ لا يَنجُو مِنهُنَّ أحدٌ: الحَسَدُ والظَّنُّ والطِّيَرةُ، وسأحدِّثُكم بالمخرَجِ مِنْ ذلك، إذا حَسَدْتَ فلا تَبْغِ (٦)، وإذا ظنَنْتَ (٧) فلا تَتَحقَّقْ، وإذا تَطَيَّرْتَ فامْضِ» (٨).

стр. 6650

وعِبارةُ الخِرَقِيِّ، و «المستوعب»، و «الرِّعاية»: لا تُقبَلُ شَهادةُ خَصْمٍ، فيَدخُلُ فيه: كلُّ مَنْ خاصَمَ في حقٍّ؛ كالوكيل والشَّريك فِيما هُوَ وكيلٌ أوْ شَرِيكٌ فيه. (كَشَهَادَةِ المَقْذُوفِ عَلَى قَاذِفِهِ، وَالمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى قَاطِعِهِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. فَعَلَى هذا: لا تُقبَلُ شهادتُهم إنْ شَهِدَتْ أنَّ هؤلاء قَطَعُوا الطَّريقَ عَلَينا أو على القافلة، بل على هؤلاء، ولَيس للحاكِمِ أنْ يَسأَلَ: هل قَطَعوها عَلَيكم معهم؟ لِأنَّه لا يَبحَثُ عمَّا شهدت (١) به الشُّهودُ. وإنْ شَهِدَتْ أنَّهم عَرَضُوا لنا، وقَطَعُوا الطَّريقَ على غَيرِنا؛ ففي «الفصول»: تُقَبلُ، قال: وعِندِي لَا. (وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ)، في قَولِ أكْثَرِ العُلَماء؛ للخبر، ولِأنَّ ذلك يُورِثُ تهمةً، بخِلافِ الصَّداقة، فإنَّ شهادةَ الصَّديق لصديقِه بالزُّور نَفْعُ غَيرِه بما ضرَّ به نَفْسَه، وبَيعُ آخِرتِه بدُنْيَا غَيرِه، وشهادةُ العدوِّ على عَدُوِّه يَقصِدُ بها نَفْعَ نفسه مِنْ التَّشَفِّي بعَدُوِّه، فافْتَرَقَا. وأمَّا المُحاكَمَةُ في الأمْوالِ؛ فَلَيستْ عَداوةً تَمنَعُ الشَّهادةَ في غَيرِ ما حاكَمَ (٢) فِيهِ؛ لِأنَّها لو لم تُقبَلْ؛ لَاتَّخَذَ النَّاسُ ذلك وسيلةً إلى إبْطالِ الشَّهادات والحُقوقِ. وظاهرُ (٣) كلامهم: أنَّها تُقبَلُ لِعَدوِّه؛ لِانْتِفاءِ التُّهمة. وعَنْهُ: لا، كما لا تُقبَلُ عَلَيهِ.

стр. 6651

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ، فَتُرَدَّ (١)، ثُمَّ يَتُوبَ وَيُعِيدَهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ)، جَزَمَ به «المحرَّر» و «الوجيز» و «السَّامَرِّيُّ»، وزاد: وَجْهًا واحِدًا؛ (لِلتُّهَمَةِ) في أدائها؛ لكَونِه يُعيَّرُ برَدِّها، فربَّما قَصَدَ بأدائها أنْ يقبل (٢) لِإزالةِ العار الَّذي لَحِقَه بِرَدِّها، ولِأنَّها رُدَّتْ باجْتِهادٍ، فقبولها (٣) نقضٌ (٤) لذلك الاِجْتِهادِ. وعَنْهُ: تُقبَلُ، حكاها في «الرِّعاية»، وقاله أبو ثَورٍ والمزني، قال ابنُ المنذِرِ: والنَّظَرُ يَدُلُّ على هذا (٥)؛ كغَيرِ هذه الشَّهادة، وكما لو شَهِدَ وهو كافِرٌ، فرُدَّتْ، ثُمَّ أسْلَمَ. (وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَى (٦) صَارَ عَدْلاً؛ قُبِلَتْ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٧)؛ لِأنَّ التُّهمةَ إنَّما كانَتْ مِنْ أجْلِ العار الَّذي يَلحَقُه في الرَّدِّ، وهو مُنتَفٍ هنا. وهكذا الصَّبِيُّ والكافِرُ إذا شَهِدَ بَعْدَ الإسلام والبُلوغ؛ لِأنَّ الصِّبيانَ في زَمَنِه ﷺ كانُوا يروُون (٨) بَعْدَما كَبِرُوا؛ كابْنِ جَعْفَرٍ وابنِ الزُّبَيرِ (٩)، والشَّهادةُ

стр. 6652

في مَعْنَى الرِّوايةِ؛ لِأنَّ التُّهمةَ هنا مُنتَفِيَةٌ. وكذا العَبْدُ إذا شَهِدَ بَعْدَ العِتْق. (وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ زَوَالِ (١) الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّبَا) - وعبارةُ بعضِهم: بَعْدَ زَوالِ المانِعِ، وهي أَوْلَى -؛ (قُبِلَتْ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المحرَّر» و «المستوعب»؛ لِأنَّ ردَّ الشَّهادةِ في الأحْوالِ المذكورةِ لا غَضاضةَ فيها، فلا (٢) تَقَعُ تُهمةٌ في الإعادة، بخِلافِ الَّتي قَبْلَها، ولِأنَّ البُلوغَ والحُرِّيَّةَ لَيسَا مِنْ فِعْلِه، ويَظهَرانِ، بخِلافِ الفِسْقِ. والثَّانِيَةُ: لا تُقبَلُ، اخْتارَها أبو بكرٍ وابنُ أبي مُوسَى؛ كالفاسق، ولِأنَّ شَهادةَ العبد مُجتَهَدٌ فِيهَا، فإذا ردَّت؛ لم تُقبَلْ كالفاسِقِ. وكذا إذا ردَّت لِجُنونٍ أوْ خَرَسٍ، ثُمَّ أعادَها بَعْدَ زَوالِ المانِعِ؛ فإنَّها تُقبَلُ على الأصحِّ. (وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ بِجُرْحٍ (٣) قَبْلَ بُرْئِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادَهَا (٤) بَعْدَ عِتْقِ المُكَاتَبِ، وَبُرْءِ الْجَرِيحِ؛ فَفِي رَدِّهَا وَجْهَانِ): أحدُهما: تُقبَلُ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المُغْنِي»؛ لِأنَّ زَوالَ المانِعِ لَيسَ مِنْ فِعْلِه، أشْبَهَ زَوالَ الصِّبا، ولِأنَّ ردَّها بسببٍ لا عارَ فِيهِ، فلا (٥) يُتَّهَمُ في قَصْدِ نَفْيِ العار بإعادتها، بخِلافِ الفِسْقِ.

стр. 6653

والثَّاني (١): لا تُقبَلُ، صحَّحه في «المحرَّر»، وذَكَرَ في «الكافي»: أنَّه الأَولَى، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ ردَّها باجتهاده (٢)، فلا يُنقَضُ ذلك باجْتهاده، ولِأنَّها رُدَّتْ للتُّهمة؛ كالمرْدُودةِ للفِسْقِ. ونَصَرَ المؤلِّفُ الأوَّلَ، فإنَّ (٣) الأصْلَ قَبولُ شَهادةِ العَدْل، ولا يَصِحُّ القِياسُ، وأمَّا نَقْضُ الِاجْتِهاد بالِاجْتِهاد؛ فهو جائزٌ بالنِّسبة إلى المستَقْبَل، غَيرُ جائزٍ بالنسبة (٤) إلى الماضي، بدليلِ: أنَّ عمرَ ﵁ قَضَى في قَضِيَّةٍ بقَضايَا مُختَلِفَةٍ (٥)، وقَبولُ الشَّهادةِ هُنا مِنْ النَّقْض في المسْتَقْبَلِ. فرعٌ: الخِلافُ جارٍ (٦) في كلِّ مَوضِعٍ رُدَّتْ لِتُهمةِ رَحِمٍ، أوْ زَوجِيَّةٍ، أوْ عَدَاوةٍ، أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، ثُمَّ زَالَ المانِعُ، ثُمَّ أعادَها. وقِيلَ: إنْ زَالَ المانِعُ باخْتِيارِ الشَّاهِدِ؛ كإعْتاقِ العَبْد، وتَطْلِيقِ الزَّوجة؛ رُدَّتْ، وإلَّا فَلَا. (وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا، فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ

стр. 6654

عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ؛ لَمْ يُقْبَلْ (١)، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (٢)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ، أشْبَهَ الفاسِقَ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُقْبَلَ (٣)، هذا وَجْهٌ؛ لِزَوالِ المانِعِ. والأَولَى: أنْ يُخرَّجَ على الوَجْهَينِ في الَّتي قَبْلَها؛ لِأنَّها إنَّما رُدَّتْ؛ لِكَونه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نفعًا (٤)، وقد زال ذلك بعَفوِه. مسألةٌ: قال في «التَّرغيب»: مِنْ مَوانِعِها الحِرْصُ على أدائها قَبْلَ اسْتِشْهادِ مَنْ يَعلَمُ بها، قَبْلَ الدَّعْوَى أوْ بَعدَها، فَتُرَدُّ، وهل يَصِيرُ مَجْروحًا؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ. قال: ومِن مَوانِعِها العَصَبِيَّةُ، فلا شَهادةَ لمَنْ عُرِفَ بها، وبالإفراطِ (٥) في الحَمِيَّةِ، كتعصُّب (٦) قبيلة على قبيلةٍ، وإنْ لم يبلغ (٧) رُتْبةَ العَداوةِ. فرعٌ: إذا شَهِدَ عِنْدَ حاكِمٍ، فقال آخَرُ: أشْهَدُ بمِثْلِ ما شَهِدَ به، أوْ بذلك، أو كذلك، أوْ بما وَضَعْتُ به خَطِّي؛ فقال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ أوْجُهًا، ثالِثُها: يصح في (٨): وبذلك، وكذلك فقطْ، وهو أشْهَرُ. وفي «نُكَتِ المحرَّر»: أنَّ القَولَ بالصِّحَّة في الجَميعِ أَوْلَى.

стр. 6655

(بَابُ أَقْسَامِ المَشْهُودِ بِهِ)، وعددِ شُهودِه (وَالمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ (١) خَمْسَةَ أَقْسَامٍ)، يَأتِي بَيانُها. (أَحَدُهَا: الزِّنَى، وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ)؛ كاللِّواط، (فَلَا يُقْبَلُ (٢) فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةُ (٣) رِجَالٍ، أَحْرَارٍ (٤)، عُدُولٍ، وتَقدَّمَ في بابِ حدِّ الزِّنى. (وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهُما: لا يثبتُ (٥) إلَّا بأربعةٍ (٦)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنى، فأشبه (٧) الفِعْلَ، والمرادُ: الإقْرارُ المعْتَبَرُ، وهو أرْبَعٌ. الثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ عَدْلانِ؛ كسائرِ الأقارير. فإنْ كان المُقِرُّ أعْجَمِيًّا؛ ففي التَّرجمة وجْهانِ؛ كالشَّهادة على الإقْرارِ، وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يُقبَلُ فيه (٨) تُرْجُمانانِ. ومَن عُزِّرَ بِوَطْءِ فرجٍ (٩)؛ ثَبَتَ برَجُلَينِ، قدَّمه أكثرُ الأصْحاب، وقِيلَ:
следующие страницы →