← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ، فَتُرَدَّ (١)، ثُمَّ يَتُوبَ وَيُعِيدَهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ)، جَزَمَ به «المحرَّر» و «الوجيز» و «السَّامَرِّيُّ»، وزاد: وَجْهًا واحِدًا؛ (لِلتُّهَمَةِ) في أدائها؛ لكَونِه يُعيَّرُ برَدِّها، فربَّما قَصَدَ بأدائها أنْ يقبل (٢) لِإزالةِ العار الَّذي لَحِقَه بِرَدِّها، ولِأنَّها رُدَّتْ باجْتِهادٍ، فقبولها (٣) نقضٌ (٤) لذلك الاِجْتِهادِ. وعَنْهُ: تُقبَلُ، حكاها في «الرِّعاية»، وقاله أبو ثَورٍ والمزني، قال ابنُ المنذِرِ: والنَّظَرُ يَدُلُّ على هذا (٥)؛ كغَيرِ هذه الشَّهادة، وكما لو شَهِدَ وهو كافِرٌ، فرُدَّتْ، ثُمَّ أسْلَمَ. (وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَى (٦) صَارَ عَدْلاً؛ قُبِلَتْ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٧)؛ لِأنَّ التُّهمةَ إنَّما كانَتْ مِنْ أجْلِ العار الَّذي يَلحَقُه في الرَّدِّ، وهو مُنتَفٍ هنا. وهكذا الصَّبِيُّ والكافِرُ إذا شَهِدَ بَعْدَ الإسلام والبُلوغ؛ لِأنَّ الصِّبيانَ في زَمَنِه ﷺ كانُوا يروُون (٨) بَعْدَما كَبِرُوا؛ كابْنِ جَعْفَرٍ وابنِ الزُّبَيرِ (٩)، والشَّهادةُ

стр. 6652

في مَعْنَى الرِّوايةِ؛ لِأنَّ التُّهمةَ هنا مُنتَفِيَةٌ. وكذا العَبْدُ إذا شَهِدَ بَعْدَ العِتْق. (وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا بَعْدَ زَوَالِ (١) الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالصِّبَا) - وعبارةُ بعضِهم: بَعْدَ زَوالِ المانِعِ، وهي أَوْلَى -؛ (قُبِلَتْ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المحرَّر» و «المستوعب»؛ لِأنَّ ردَّ الشَّهادةِ في الأحْوالِ المذكورةِ لا غَضاضةَ فيها، فلا (٢) تَقَعُ تُهمةٌ في الإعادة، بخِلافِ الَّتي قَبْلَها، ولِأنَّ البُلوغَ والحُرِّيَّةَ لَيسَا مِنْ فِعْلِه، ويَظهَرانِ، بخِلافِ الفِسْقِ. والثَّانِيَةُ: لا تُقبَلُ، اخْتارَها أبو بكرٍ وابنُ أبي مُوسَى؛ كالفاسق، ولِأنَّ شَهادةَ العبد مُجتَهَدٌ فِيهَا، فإذا ردَّت؛ لم تُقبَلْ كالفاسِقِ. وكذا إذا ردَّت لِجُنونٍ أوْ خَرَسٍ، ثُمَّ أعادَها بَعْدَ زَوالِ المانِعِ؛ فإنَّها تُقبَلُ على الأصحِّ. (وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ لِمَوْرُوثِهِ بِجُرْحٍ (٣) قَبْلَ بُرْئِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادَهَا (٤) بَعْدَ عِتْقِ المُكَاتَبِ، وَبُرْءِ الْجَرِيحِ؛ فَفِي رَدِّهَا وَجْهَانِ): أحدُهما: تُقبَلُ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المُغْنِي»؛ لِأنَّ زَوالَ المانِعِ لَيسَ مِنْ فِعْلِه، أشْبَهَ زَوالَ الصِّبا، ولِأنَّ ردَّها بسببٍ لا عارَ فِيهِ، فلا (٥) يُتَّهَمُ في قَصْدِ نَفْيِ العار بإعادتها، بخِلافِ الفِسْقِ.

стр. 6653

والثَّاني (١): لا تُقبَلُ، صحَّحه في «المحرَّر»، وذَكَرَ في «الكافي»: أنَّه الأَولَى، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّ ردَّها باجتهاده (٢)، فلا يُنقَضُ ذلك باجْتهاده، ولِأنَّها رُدَّتْ للتُّهمة؛ كالمرْدُودةِ للفِسْقِ. ونَصَرَ المؤلِّفُ الأوَّلَ، فإنَّ (٣) الأصْلَ قَبولُ شَهادةِ العَدْل، ولا يَصِحُّ القِياسُ، وأمَّا نَقْضُ الِاجْتِهاد بالِاجْتِهاد؛ فهو جائزٌ بالنِّسبة إلى المستَقْبَل، غَيرُ جائزٍ بالنسبة (٤) إلى الماضي، بدليلِ: أنَّ عمرَ ﵁ قَضَى في قَضِيَّةٍ بقَضايَا مُختَلِفَةٍ (٥)، وقَبولُ الشَّهادةِ هُنا مِنْ النَّقْض في المسْتَقْبَلِ. فرعٌ: الخِلافُ جارٍ (٦) في كلِّ مَوضِعٍ رُدَّتْ لِتُهمةِ رَحِمٍ، أوْ زَوجِيَّةٍ، أوْ عَدَاوةٍ، أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، ثُمَّ زَالَ المانِعُ، ثُمَّ أعادَها. وقِيلَ: إنْ زَالَ المانِعُ باخْتِيارِ الشَّاهِدِ؛ كإعْتاقِ العَبْد، وتَطْلِيقِ الزَّوجة؛ رُدَّتْ، وإلَّا فَلَا. (وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا، فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ

стр. 6654

عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ؛ لَمْ يُقْبَلْ (١)، ذَكَرَهُ الْقَاضِي (٢)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِأنَّه مُتَّهَمٌ، أشْبَهَ الفاسِقَ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُقْبَلَ (٣)، هذا وَجْهٌ؛ لِزَوالِ المانِعِ. والأَولَى: أنْ يُخرَّجَ على الوَجْهَينِ في الَّتي قَبْلَها؛ لِأنَّها إنَّما رُدَّتْ؛ لِكَونه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نفعًا (٤)، وقد زال ذلك بعَفوِه. مسألةٌ: قال في «التَّرغيب»: مِنْ مَوانِعِها الحِرْصُ على أدائها قَبْلَ اسْتِشْهادِ مَنْ يَعلَمُ بها، قَبْلَ الدَّعْوَى أوْ بَعدَها، فَتُرَدُّ، وهل يَصِيرُ مَجْروحًا؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ. قال: ومِن مَوانِعِها العَصَبِيَّةُ، فلا شَهادةَ لمَنْ عُرِفَ بها، وبالإفراطِ (٥) في الحَمِيَّةِ، كتعصُّب (٦) قبيلة على قبيلةٍ، وإنْ لم يبلغ (٧) رُتْبةَ العَداوةِ. فرعٌ: إذا شَهِدَ عِنْدَ حاكِمٍ، فقال آخَرُ: أشْهَدُ بمِثْلِ ما شَهِدَ به، أوْ بذلك، أو كذلك، أوْ بما وَضَعْتُ به خَطِّي؛ فقال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ أوْجُهًا، ثالِثُها: يصح في (٨): وبذلك، وكذلك فقطْ، وهو أشْهَرُ. وفي «نُكَتِ المحرَّر»: أنَّ القَولَ بالصِّحَّة في الجَميعِ أَوْلَى.

стр. 6655

(بَابُ أَقْسَامِ المَشْهُودِ بِهِ)، وعددِ شُهودِه (وَالمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ (١) خَمْسَةَ أَقْسَامٍ)، يَأتِي بَيانُها. (أَحَدُهَا: الزِّنَى، وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ)؛ كاللِّواط، (فَلَا يُقْبَلُ (٢) فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةُ (٣) رِجَالٍ، أَحْرَارٍ (٤)، عُدُولٍ، وتَقدَّمَ في بابِ حدِّ الزِّنى. (وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهُما: لا يثبتُ (٥) إلَّا بأربعةٍ (٦)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنى، فأشبه (٧) الفِعْلَ، والمرادُ: الإقْرارُ المعْتَبَرُ، وهو أرْبَعٌ. الثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ عَدْلانِ؛ كسائرِ الأقارير. فإنْ كان المُقِرُّ أعْجَمِيًّا؛ ففي التَّرجمة وجْهانِ؛ كالشَّهادة على الإقْرارِ، وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يُقبَلُ فيه (٨) تُرْجُمانانِ. ومَن عُزِّرَ بِوَطْءِ فرجٍ (٩)؛ ثَبَتَ برَجُلَينِ، قدَّمه أكثرُ الأصْحاب، وقِيلَ:

стр. 6656

أربعةٍ، قال ابنُ حَمْدانَ: مع البيِّنة، واثْنَينِ مع الإقرار. وتَثْبُتُ المباشَرةُ دُونَ الفَرْجِ، وما أوجب (١) تعزيرًا بعَدْلَينِ، أشْبَهَ ظُلْمَ النَّاس. (الثَّانِي: الْقِصَاصُ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ؛ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ (٢)، اقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الكافي» و «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفُروع». وعَنهُ: لا يُقبَلُ في القَتْلِ العَمْدِ إلاَّ أربعةُ رجالٍ، وبه قال الحَسَنُ. وعن (٣) عطاءٍ وحمَّادٍ: يُقبَلُ في ذلك كلِّه رجلٌ وامْرأتانِ؛ كالشَّهادة على الأمْوالِ. ولنا: أنَّه أحَدُ نَوعَيِ القِصاصِ، فيُقبَلُ فِيهِ اثْنانِ؛ كقَطْعِ الطَّرَف، بخِلافِ الزِّنى، وهذا مِمَّا يُحتاطُ لِدَرْئه، ويَندَرِئُ بالشُّبُهات، ولا تَدْعُو الحاجةُ إلى إثباته (٤). لا يُقالُ: القَتْلُ أعْظَمُ مِنْ الزِّنى، واشْتُرِطَ فيه أربعةٌ؛ كان القتل (٥) أَوْلَى؛ لِأنَّ القَتْلَ فِيهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، وفي اشْتِراطِ الأربعةِ إسْقاطٌ له، بخِلافِ الزِّنى، وفي شهَادةِ النِّساء شُبْهةٌ، رَوَى الزُّهْرِيُّ قال: «مضَتِ السُّنَّةُ على عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ أنْ لا تُقبَلَ شهادةُ النِّساء في الحُدودِ» (٦). وعَنهُ: جَوازُ شهادةِ النِّساء على الاِنْفِراد بَينَهُنَّ في الحَمَّامات.

стр. 6657

وفي اشْتِراطِ الحُرِّيَّة خِلافٌ سَبَقَ. وإنْ أقرَّ بقَتْلِ عَمْدٍ؛ ثَبَتَ إقْرارُه بمَرَّةٍ. وعَنْهُ: أربعٍ، نَقَلَ حنبل: يُردِّدُه ويَسألُ عنه، لَعَلَّ به (١) جُنونًا أوْ غَيرَ ذلك (٢). (الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ (٣)، وَالْوَكَالَةِ فِي غَيْرِ المَالِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ)؛ كالظِّهار، والاِسْتِيلادِ، والنِّكاح؛ (فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية» و «الفروع»، وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ: أنَّه (٤) المشْهورُ في المذْهَبِ، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، قاله (٥) في الرَّجْعة، والباقِي قِياسًا؛ ولِأنَّه لَيسَ بمالٍ ولا يُقصَدُ به المالُ، أشْبَهَ العُقوباتِ، ولِأنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلى عَدَمِ الطَّلاق والنِّكاح. (وَعَنْهُ: فِي النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْعِتْقِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ)؛ لِأنَّه لا يَسقُطُ بالشُّبهة، أشْبَهَ المالَ، ولِأنَّ العبدَ (٦) مالٌ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لِأنَّ إلْحاقَ النِّكاح بالطَّلاق أَوْلَى مِنْ إلْحاقِه بالمال، ولذلك (٧) قال القاضِي: لا يَثبُتانِ إلَّا بشهادةِ رَجُلَينِ، رِوايةٌ واحدةٌ.

стр. 6658

(وَعَنْهُ فِي الْعِتْقِ (١): أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ (٢) شَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي)، اخْتارَها أبو بكرٍ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣)، قال في «الفروع»: (ولم أجِدْ مُسْتَنَدَها عن أحمدَ)؛ لِأنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلى العِتْق، وفي قَبولِ شاهِدٍ ويمينِ المعْتَق تَوسِعةٌ في ثُبوتِ العِتْق. (وَقَالَ الْقَاضِي: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ؛ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ؛ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لِأنَّه يُحتاطُ لها، بخِلافِ غَيرِها، (وَالْوَكَالَةُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْكِتَابَةُ، وَنَحْوُهَا يُخَرَّجُ (٤) عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، ما خَلَا العُقوباتِ البَدَنِيَّةَ، ذَكَرَه في «الشَّرح». وعَنْهُ: لا يُقبَلُ أنَّه (٥) وَصِيٌّ حتَّى يَشهَدَ له رَجُلانِ، أوْ رَجُلٌ عَدْلٌ، فظاهر (٦) هذا: أنَّه يُقبَلُ في الوصيَّة شَهادةُ رجلٍ واحدٍ. ونَصَّ في الإعْسارِ: أنَّه لا يَثبُتُ إلَّا بثلاثةٍ (٧)؛ لحديثِ قَبَيصَةَ (٨)، قال القاضي: هو في حِلِّ (٩) المسألة، لا في الإعْسارِ. ونَقَلَ عنه أبو طالبٍ، وأبو الحارث، ويعقوبُ بنُ بُخْتانَ، في الأسير يَدَّعِي أنَّه كان مُسلِمًا قَبْلَ الأَسْر؛ لِيَدْرَأَ عنه الرِّقَّ: إنْ شَهِد له بذلك رجلٌ من

стр. 6659

الأسرى؛ قُبِلَتْ شَهادتُه مع يمينه، وكذا إنْ شَهِدَتْ له امرأةٌ واحِدةٌ (١)، فنَصَّ على قَبولِ شَهادَتِها في الإسْلامِ. قال القاضي: فيُخرَّجُ مِنْ هذا: أنَّ كلَّ عقدٍ (٢) لَيسَ مِنْ شَرْطِ صحته (٣) الشَّهادةُ؛ يثبت (٤) بشاهِدٍ وامْرَأَتَينِ أوْ يمينٍ. وفي «المحرَّر»: هل يُقبَلُ الرَّجُلانِ والمرأتانِ، أو الشَّاهِدُ واليمينُ في دَعْوَى قتلِ الكافِرِ لِاسْتِحْقاقِ سَلَبِه؟ ودَعْوَى الأسير (٥) إسْلامًا سابِقًا؟ على رِوايتَينِ. فرعٌ: يُقبَلُ طبيبٌ وبَيطارٌ واحِدٌ في مَعرفةِ داءٍ ومُوضِحةٍ إنْ تعذَّرَ آخَرُ، نَصَّ عَلَيهِ (٦)؛ لِأنَّه مِمَّا يعسر (٧) عَلَيهِ إشْهادُ اثْنَينِ، فكَفَى الواحِدُ؛ كالرَّضاعِ، وإنْ أمْكَنَ إشْهادُ اثْنَينِ لم يُكتَفَ بدونِهما؛ لِأنَّه الأصلُ. وأطْلَقَ في «الرَّوضة» قَبولَ الواحِدِ. فإن اخْتَلَفا؛ قُدِّمَ قَولُ المثْبِتِ. (قَالَ (٨) أَحْمَدُ ﵀ فِي (٩) الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلاً (١٠) وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِي المُطَالَبَةِ بِدَيْنٍ)؛ صحَّ (١١)؛ لِأنَّ الوكالةَ في اقْتِضاء

стр. 6660

الدَّين يُقصَدُ منها (١) المالُ؛ كالحَوالةِ، (فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا)؛ لمَا سَبَقَ. (الرَّابِعُ: المَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ؛ كَالْبَيْعِ)، والأجلِ، والخِيارِ فِيهِ، (وَالْقَرْضِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ)؛ أيْ: لمُعَيَّنٍ، والوقفِ (٢) عَلَيهِ، وقِيلَ: إنْ مَلَكَه، وتسميةِ مهرٍ، ورِقِّ مَجْهولِ النَّسَب، (وَجِنَايَةِ الْخَطَأِ: يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ (٣) رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي)، قدَّمه في «الكافي» و «المستوعب» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين … ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٤)، نَصَّ على المُدايَنةِ، وقِسْنا عَلَيهِ سائرَ ما ذَكَرْنا، ولِأنَّ المقصودَ منها المالُ، أشْبَهَت الشَّهادةَ بنفْسِ المالِ. ولا خِلافَ أنَّ المالَ يَثبُتُ بشهادةِ النِّساء مع الرِّجال (٥)؛ للنَّصِّ. وأكْثَرُ العلماء يَرَونَ ثُبوتَ المال لمُدَّعِيهِ بشاهدٍ ويمينٍ؛ لمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، وأحمدُ، ومسلمٌ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى بيمينٍ وشاهِد»، زاد الشافعي: قال (٦) عَمْرو (٧): «في الأموال»،

стр. 6661

ولأِحمدَ في روايةٍ: «إنَّما كان ذلك في الأموال» (١)، ولِأنَّ اليمينَ تُشرَع (٢) في حقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُه، ولذلك شُرِعَتْ في حقِّ صاحِبِ اليد، وفي حقِّ المنكِرِ، والمدَّعِي هُنا ظَهَرَ صِدْقُه بشاهده (٣)، فَوَجَبَ أنْ تُشرَعَ اليمينُ في حقِّه. وقِيلَ: تُقبَلُ امْرأتانِ ويمينٌ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لو قُبِلَ امرأةٌ ويمينٌ تَوَجَّهَ (٤)؛ لِأنَّهما إنَّما أُقِيما مَقامَ رجلٍ في التَّحمُّل، وكخَبَرِ (٥) الدِّيانة. وسواءٌ كان المدَّعِي مُسلِمًا أوْ كافِرًا، عَدْلاً أوْ فاسِقًا، رجلاً أو امرأةً، نَصَّ عَلَيهِ (٦). قال مالِكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّه يُقضَى باليمين مع الشَّاهد (٧). ولا يُشتَرَطُ أنْ يقولَ المدَّعِي: شاهِدِي صادِقٌ في شهادته. وقِيلَ: بَلَى، جَزَمَ به في «التَّرغيب». وإنْ نَكَلَ؛ حَلَفَ المدَّعَى عَلَيهِ، وسَقَطَ الحقُّ، وإنْ نَكَلَ؛ حُكِمَ عليه (٨)، نَصَّ عَلَيهِ (٩). وهل تُرَدُّ اليمينُ هنا؟ فيه وَجْهانِ:

стр. 6662

أشْهَرُهما: لا تُرَدُّ؛ لِأنَّها كانَتْ في جَنَبَتِه، وقد أسَقَطَها بنُكوله عنها، وصارتْ في جَنَبَةِ غَيرِه، فلم تَعُد (١) إلَيهِ؛ كالمدَّعَى عَلَيهِ إذا نَكَلَ عَنها، فرُدَّتْ على المدَّعِي، فنَكَلَ عنها. والثَّانِي: تُرَدُّ؛ لِأنَّ سببها (٢) نكولُ المدَّعَى عَلَيهِ. فإذا حَلَفَ واحدٌ من الجماعة؛ أخذَ (٣) نصيبَه، ولا يُشارِكُه ناكِلٌ، ولا يَحلِفُ وَرَثَةُ ناكِلٍ، إلَّا أنْ يَمُوتَ قَبْلَ نكولِه. وعَنْهُ في الوصيَّة: يَكفِي واحِدٌ. وعَنْهُ: إنْ لم يَحضُرْه (٤) إلَّا نِساءٌ؛ فامرأةٌ. وسأله ابنُ صدقةَ: الرَّجلُ يُوصِي ويُعتِقُ، ولا يَحضُرُه إلَّا النِّساءُ، تَجُوزُ شهادتهن (٥)؟ قال: نَعَمْ، في الحقوق (٦). ونَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: الشَّاهِدُ واليمينُ في الحقوق، فأمَّا (٧) المواريثُ؛ فيُقرَعُ (٨). وعَنْهُ: لا يُقبَلُ في جنايةِ الخَطأِ إلَّا رَجُلانِ، واخْتارَه أبو بكرٍ. (وَهَلْ تُقْبَلُ (٩) فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ - كَالْهَاشِمَةِ، وَالمُنَقِّلَةِ - شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ).

стр. 6663

نَقُولُ في جِنايَةِ العمد الَّتي لا تُوجِبُ قَوَدًا؛ كجائفةٍ، وجِنايَةِ أبٍ، وقَتْلِ مُسلِمٍ لكافرٍ، وحرٍّ بِعَبدٍ؛ رِوايَتانِ: ظاهِرُ المذْهَبِ (١): أنَّه يُقبَلُ فِيهِ رجلٌ وامْرأتانِ، وشاهِدٌ ويمينٌ؛ لِأنَّه لا يُوجِبُ إلَّا المالَ، أشْبَهَ البَيعَ. والثَّانية: لا يُقبَلُ فيه (٢) إلَّا رجُلانِ، اخْتارَه أبو بكرٍ وابنُ أبي موسى؛ لِأنَّها جِنايةُ عَمْدٍ، أشْبَهَت المُوضِحةَ. فَعَلَى الأول (٣): إنْ كانَ القَوَدُ في (٤) بَعضِها؛ كمَأْمُومةٍ وهاشِمةٍ، هل يَثبُتُ المالُ فقطْ؟ فيه (٥) رِوايَتانِ، والمذْهَبُ - كما قاله في «المغْنِي» و «التَّرغيب»، وجَزَمَ به في «الوجيز» -: أنَّه يقبل (٦)؛ لِأنَّ مُوجَبَها المالُ؛ كجِنايَةِ الخَطَأِ. مسألةٌ: إذا رَمَى سَهْمًا على (٧) إنْسانٍ فتعدَّى منه إلى آخَرَ، فماتا؛ ثَبَتَ الثَّانِي بشاهِدٍ ويمينٍ، وكذا الأوَّلُ إنْ كان مُوجَبُه القَوَدَ، والشَّاهِدُ لَوثٌ، حَلَفَ معه خمسينَ يمينًا (٨)، وثبتت (٩) الدِّيَةُ، وقِيلَ: والقَوَدُ أيضًا. (الْخَامِسُ: مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَالرَّضَاعِ)، وعَنْهُ: وتَحلِفُ فيه، (وَالاِسْتِهْلَالِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، وَنَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ (١٠) شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ)، قدَّمه في «الكافي»،

стр. 6664

و «المحرَّر»، و «الرِّعاية»، و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لمَا تقدَّم في الرَّضاع، وعن عليٍّ: «أنَّه أجاز شهادةَ القابِلة وحْدَها في الاِسْتِهْلال» رواهُ أحمدُ وسعيدٌ من رِوايَةِ جابِرٍ الجُعْفِيِّ (١). ويُشتَرَطُ فِيها: العدالةُ، جَزَمَ به في «الوجيز». وفي «الفروع»: يُقبَلُ فِيهِ امرأةٌ، لا ذِمِّيَّةٌ، نَقَلَه الشَّالَنْجِيُّ وغَيرُه (٢). وفي «الاِنْتِصار»: فيَجِبُ أن لا (٣) يُلتَفَتَ إلى لَفْظِ الشَّهادة، ولا مَجلِسِ الحكم؛ كالخَبَر، ولا أَعْرِفُ عن إمامِنا ما يَرُدُّه. (وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنِ امْرَأَتَيْنِ)؛ لِأنَّ كلَّ جنسٍ لم يَثبُت الحقُّ فيه (٤)؛ لم يَثبُتْ إلَّا باثْنَينِ؛ كالرِّجالِ (٥). (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ)؛ كان كالمرأة، و (كَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِهِ)؛ لِأنَّه (٦) أكمَلُ منها، ولأنَّ (٧) ما قُبِلَ فِيهِ قَولُ المرأةِ؛ قُبِلَ فِيهِ قَولُ الرَّجل؛ كالرِّوايَةِ. تنبيهٌ: ظاهِرُه: أنَّ الجِراحةَ وغَيرَها في الحَمَّام والعُرْس ونحوِهما مِمَّا لا

стр. 6665

يحضرُه (١) الرِّجالُ؛ أنَّه يقبل (٢) فِيهِ امرأةٌ واحِدةٌ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، خِلافًا لاِبْنِ عَقِيلٍ وغَيرِه. ولو ادَّعَتْ إقْرارَ زَوجِها بأُخُوَّةِ رَضاعةٍ (٤)، فأنْكَرَ، قال في «الَّترغيب»: وقُلْنا تُسمَعُ الدَّعْوَى بالإقْرارِ؛ لم يُقبَلْ فِيهِ نساءٌ فقطْ. وتَرْكُ القابِلةِ ونَحوِها الأُجْرةَ لحاجةِ المقْبولةِ أفْضَلُ، وإلَّا دَفَعَتها (٥) إلى مُحتاجٍ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦).

стр. 6666

(فَصْلٌ (١) (وَإِذَا شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، أوْ شاهِدٌ ويَمِينٌ؛ (لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ)، اقْتَصَرَ علَيهِ في «الكافي» و «الشَّرح» و «الوجيز»؛ لِأنَّ القَتْلَ يُوجِبُ القِصاصَ، والمالُ بَدَلٌ منه، فإذا لم يَثبُت الأصلُ؛ لم يجب (٢) بَدَلُه، وإنْ قُلْنا: مُوجَبُه أحدُ شَيئَينِ؛ لم يَتَعَيَّنْ أحدُهما إلَّا بالاختيار (٣)، فلو أوْجَبْنا الدِّيَةَ وَحْدَها؛ أوْجَبْنا مُعَيَّنًا. ونَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ عنه: أنَّه يَثبُتُ المالُ إنْ كان المجْنِيُّ عَلَيهِ عبدًا (٤)، زاد في «الرِّعاية الكبرى»: أوْ حُرًّا. (وَإِنْ شَهِدُوا (٥) بِالسَّرِقَةِ؛ ثَبَتَ المَالُ)؛ لِكَمالِ بيِّنتِه (٦)، (دُونَ الْقَطْعِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لِأنَّ السَّرِقةَ تُوجِبُهما؛ أي (٧): المالَ والقَطْعَ، فإذا قَصَرَتْ عن أحدهما؛ ثَبَتَ الآخَرُ. واخْتارَ في «الإرشاد» و «المبهج»: لا يثبت (٨) المالُ؛ كالقَطْع؛ لأنَّها شهادةٌ لا توجِبُ (٩) الحَدَّ، وهو أحَدُ موجَبَيْها (١٠)، فإذا بَطَلَتْ في أحدهما؛

стр. 6667

بَطَلَتْ في الآخَر. وبَنَى في «التَّرغيب» عَلَيهِما: القَضاءَ بالغُرْم على ناكِلٍ. (وَإِنِ ادَّعَى رَجَلٌ الْخُلْعَ؛ قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)؛ لِأنَّه يَدَّعِي المالَ الَّذي خالَعَتْه به، فأمَّا البَيْنونةُ؛ فتَحصُلُ بمُجرَّدِ دَعْواهُ، ذَكَرَه أصْحابُنا. (وَإِنِ ادَّعَتْهُ المَرْأَةُ؛ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ)؛ لِأنَّها لا تَقصِدُ بذلك إلَّا الفَسخَ، ولا يثبت (١) إلَّا بعَدْلَينِ. فأمَّا إنِ اخْتَلَفا في عِوَضِ الخُلْع أوِ الصَّداقِ؛ ثَبَتَ بشاهِدٍ ويمينٍ؛ لِأنَّه مَالٌ. (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، أوْ شاهِدٌ ويَمِينٌ، (لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُا مِنْهُ (٢)؛ قُضِيَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ (٣)؛ لِأنَّه يَدَّعِي مِلْكِها، وقد أقامَ بيِّنةً كافيةً فيه، ويَثبُتُ لها حُكمُ الاِسْتِيلاد بإقْراره؛ لِأنَّ إقْرارَه ثَبَتَ في ملْكِه، والملْكُ ثبت (٤) بشاهِدٍ ويمينٍ. وظاهِرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه حَصَلَ بقَولِ البيِّنة، ولَيسَ هو بمُرادٍ، بل مُرادُه الحُكْمُ بأنَّها أمُّ ولده (٥)، مع قَطْعِ النَّظَر عن علَّةِ ذلك، وعِلَّتُه: أنَّ المدَّعِيَ مقرٌّ (٦) بأنَّ وَطْأَها كان في مِلْكِه. (وَهَلْ تَثْبُتُ (٧) حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في

стр. 6668

«المحرَّر» و «الفروع»: الأشهر (١)، كما نَصَرَه في «الشَّرح»: أنَّه لا يَثبُتُ حُرِّيَّةُ الولدِ ولا نَسَبُه؛ لِأنَّ البيِّنةَ لا تَصلُحُ لِإثْباتِ ذلك، فَعَلَى هذا: يَبْقَى الولدُ في يَدِ المُنكِرِ مَمْلوكًا له. والثَّانيةُ: بَلَى، يَثبُتانِ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الوَلَدَ نَماءُ الجارِيَةِ وقد ثبتت (٢) له، فتبعها (٣) الولدُ في الحُكْم، ثُمَّ يَثبُتُ نَسَبُه وحُرِّيَّتُه بإقْرارِه. وقِيلَ: يَثبُتُ نَسَبُه مِنْ أبِيهِ بدَعْواهُ وإنْ بَقِيَ عبدًا لمَن هو بيده (٤). فإنِ ادَّعَى أنَّها كانت في (٥) مِلْكِه فأعْتَقَها؛ لم يَثبُتْ ذلك برجلٍ وامْرأتَينِ، قدَّمه في «الكافي» و «الشَّرح» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّ البيِّنةَ شَهِدَتْ بمِلْكٍ قديم، فلم يَثبُتْ، والحُرِّيَّةُ لا تَثْبُتُ برجلٍ وامرأتين (٦). وقِيلَ: تثبت (٧)؛ كالَّتي قَبْلَها. مسألةٌ: يَجوزُ الحَلِفُ بمعرفةِ الخَطِّ؛ كمَنْ رَأَى خَطَّ مورُوثه (٨) بأنَّ له على زَيدٍ شَيئًا، أوْ أنَّه أبْرَأَه منه؛ حَلَفَ إذا وثِقَ (٩) بدِينِه وأمانَتِه. وإنْ رَأَى زيدٌ (١٠) بخَطِّه: أنَّ له دَينًا على عَمْرٍو، أوْ أنَّه قَضَاهُ، وعَلِمَ صحَّةَ

стр. 6669

ذلك؛ حَلَفَ عَلَيهِ. وإنْ أخْبَرَه ثِقَةٌ: أنَّ زَيدًا قَتَلَ أباهُ، أوْ غَصَبَه شَيئًا؛ حَلَفَ عَلَيهِ، وضَمَّنَه إيَّاه. ولا تَجُوزُ الشَّهادةُ في هذه المسائلِ، والفرق (١) بَينَهما: أنَّ الشَّهادةَ لغَيرِه، فيَحتَمِلُ أنَّ مَنْ له الشَّهادةُ قد زَوَّرَ على خَطِّه، ولا يَحتَمِلُ هذا فِيما يَحلِفُ عَلَيهِ؛ لِأنَّ الحقَّ إنَّما هو للحالِفِ، فلا يُزَوِّرُ أحدٌ (٢) عَلَيهِ، ولأنَّ (٣) ما يَكتُبُه الإنسانُ مِنْ حُقوقه يَكثُرُ فيَنسَى بعضَه، بخِلافِ الشَّهادة، والأَولَى التَّوَرُّعُ عن (٤) ذلك. واللهُ أعلم (٥).

стр. 6670

(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ) قال جعفرُ بنُ محمَّدٍ: سمِعْتُ أحمدَ يُسألُ عن الشَّهادة على الشَّهادة، فقال: هي جائزةٌ، وكان قَومٌ يُسَمُّونَها التَّأْوِيلَ (١). والأصْلُ فِيهَا الإجْماعُ، قال أبو عُبَيدٍ: أجْمَعَت العلماءُ من أهل الحجاز والعراق على إمْضاءِ الشَّهادة على الشَّهادة في الأمْوالِ (٢). والمعْنَى شاهِدٌ بذلك؛ لِأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إلَيها، فإنَّها لو لم تُقبَلْ؛ لَبَطَلَت الشَّهادةُ على الوُقوفِ، وما يَتأخَّرُ إثْباتُه عِنْدَ الحاكِمِ لو مَاتَتْ شُهودُه، وفي ذلك ضررٌ على النَّاس، ومَشقَّةٌ شديدةٌ، فَوَجَبَ قَبولُها؛ كشهادةِ الأصل. (تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ)؛ لِأنَّها في مَعْناهُ؛ لاِشْتِراكِهما في كَونِهما فَرْعًا لأِصلٍ. وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ: أنَّ قَبولَها في كلِّ شَيءٍ حتَّى القِصاص والحدود (٣)، في قَولِ مالِكٍ (٤) وأحمدَ في (٥) روايةٍ، وقد سبق (٦) ذِكْرُ ذلك في مَوضِعِه. (وَلَا يُقْبَلُ (٧)؛ أيْ: لا يُحكَمُ بها، قالَهُ في «المحرَّر» و «الوجيز»، (إِلَّا أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الأَصْلِ بِمَوْتٍ)، وعلى الأصحِّ: (أَوْ مَرَضٍ)، أوْ خَوفٍ مِنْ

стр. 6671

سُلْطانٍ أوْ غَيرِه، (أَوْ غَيْبَةٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ)؛ لِأنَّ شهادةَ الأصْلِ أقْوَى؛ لِأنَّها تُثْبِتُ نفْسَ الحقِّ، وهذه لا تُثبِتُه؛ لِأنَّ سماعَ القاضِي منهما (١) مُتَيَقَّنٌ، وصِدْقَ شاهِدَي الفَرْعِ عليهما (٢) مَظْنونٌ، فلم يُقبَل الأدنى (٣) مع القُدْرة على الأقْوَى، وكسائر الأبْدالِ. والغَيبةُ هُنا: مَسافَةُ القَصْر، ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحاب؛ لِأنَّ ما دُونَ ذلك في حُكْمِ الحاضِرِ. واخْتارَ القاضِي: أنَّها (٤) ما لا يَتَّسِعُ الذَّهابُ والعَودُ في يَومٍ، وقاله (٥) أبو يُوسُفَ وأبو حامِدٍ الشَّافِعِيُّ (٦)؛ للمَشَقَّة، بخِلافِ ما دُونَ اليوم. (وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ (٧) إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ)، هذا رِوايَةٌ: أنَّه لا يُحكَمُ بشَهادةِ فَرعٍ في حياةِ أصْلٍ؛ لِأنَّه إذا كان حَيًّا؛ رُجِيَ حُضورُه، فكان كالحاضر. والمذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأِنَّه قد تعذَّرتْ شهادةُ الأصْل؛ فقُبل (٨)؛ كما لو ماتَ شاهِدُ الأصْلِ. (وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ)، قال أحمدُ: (لا تكُونُ شهادةٌ إلاَّ أنْ يُشهِدَك) (٩)؛ لِأنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادة فِيهَا مَعْنَى النِّيابةِ، والنِّيابَةُ بِغَيرِ إذْنٍ لا تجوز (١٠).

стр. 6672

وعَنْهُ: تجوز (١) مُطلَقًا، ذَكَرَها ابنُ عَقِيلٍ، وقدَّمها في «التَّبصرة». (فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْتَهُ بِعَيْنِهِ (٢) وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي (٣) عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا (٤) بِكَذَا، أَوْ شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا (٥)، هذا وَجْهُ تعداد (٦) الشَّهادة. وظاهِرُه: أنَّه إذا اسْتَرْعَى غَيرَه؛ لم يَجُزْ أنْ يَشهَدَ حتَّى يَستَرْعِيَه بعَينه. ورجَّح في «المغْنِي»، وقدَّمه في «الكافي» و «الشَّرح» (٧): أنَّه يَجُوزُ أنْ يَشْهَدَ؛ لحصولِ (٨) الاِسْتِرْعاءِ. (وَإِنْ (٩) سَمِعَهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ) مِنْ غَيرِ ذِكْرِ سببٍ ولا شهادةٍ عِنْدَ الحاكم؛ لِأنَّ شاهد (١٠) الأصْلِ لم يَسْتَرْعِه الشَّهادةَ؛ لِأنَّه يَحتَمِلُ أنَّ ذلك وَعْدٌ، ويَحتَمِلُ أنْ يريد (١١) بالشَّهادة العِلْمَ، فلم يَجُزْ أنْ يَشهَدَ مع الاِحْتِمالِ، بخِلافِ ما إذا اسْتَرْعاهُ؛ لِأنَّه لا يَستَرْعِيهِ إلاَّ على واجِبٍ. فإنْ قِيلَ: لو سَمِعَ رجلاً يقُولُ: لِفُلانٍ عليَّ ألْفُ دِرْهَمٍ؛ جازَ أنْ يَشهَدَ

стр. 6673

بذلك، فكذا هذا (١)! قُلْنا: الفَرْقُ بَينَهما: أنَّ الشَّهادةَ تَحتَمِلُ العِلْمَ، ولا تحتمل (٢) الإقْرارَ؛ لأنَّ (٣) الإقْرارَ أوْسَعُ في لُزُومِه من الشَّهادة، بدليلِ صِحَّتِه في (٤) المجْهولِ، وأنَّه لا يُراعَى فِيهِ العَدَدُ؛ لِأنَّ الإقْرارَ قَولُ الإنسانِ على نَفْسِه وهو غَيرُ مُتَّهَمٍ عليها (٥). فلو قال: أشْهَدَنِي فُلانٌ بكذا، أوْ عِنْدِي شَهادةٌ عَلَيهِ بكذا، أوْ لِفُلانٍ على فلانٍ كذا (٦)، أوْ شهدتُ (٧)، أوْ أقرَّ عِنْدِي به؛ فوَجْهانِ، أقواهما (٨): المنْعُ، قاله في «الرِّعاية». (إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزُوهُ إِلَى سَبَبٍ؛ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ قَرْضٍ، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما رِوايَتانِ عن أحمدَ: إحداهما: لا يَجوزُ إلَّا أنْ يَسْتَرْعِيَه، نَصَرَه القاضي وغَيرُه؛ لمَا تَقدَّمَ. والثَّانية: الجَوازُ، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وفي «الرِّعاية»: أنَّه الأَشْهَرُ (٩)؛ لِأنَّه بالشَّهادة عِنْدَ الحاكِمِ ونسبته (١٠) الحقَّ (١١)

стр. 6674

إلى سببِه يَزُولُ الاِحْتِمالُ، أشْبَهَ ما لو اسْتَرْعاهُ. ويُؤدِّيها الفَرْعُ بصِفةِ تَحمُّلِه، ذَكَرَه جماعةٌ، قال في «المنتخب» وغَيره: وإلَّا لم يَحكُمْ بها. وفي «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: أنَّه يَكْفِي العارِفَ: أشْهَدُ على شهادةِ فُلانٍ بكذا. ويشترطُ (١): أنْ يُعيِّنا شاهِدَي الأصلِ، ويسميانهما (٢). تنبيهٌ: إذا سَمِعَه خارِجَ مَجلِسِ الحاكِمِ يَقُولُ: عِنْدِي شَهادةٌ لِزَيدٍ، أوْ أشْهَدُ بكذا؛ لم يَصِرْ فَرعًا، فلو شَهِدَ عِنْدَ الحاكم، فعُزِلَ؛ فهل (٣) يَصِيرُ الحاكِمُ المعزولُ فَرعًا على الشَّاهِد؟ قال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ وَجْهَينِ. (وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ (٤) الْأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ (٥) عَلَيْهِمَا)، قال الإمامُ أحمدُ: لم يَزَل النَّاس على هذا (٦)، (سَوَاءٌ شَهِدَا (٧) عَلَى كُلِّ (٨) وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٩) شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ)، نَصَّ عَلَيهِ (١٠)، وقدَّمه الجَماعةُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقِيلَ: هو إجماعٌ؛ كما لو شَهِدَا بنَفْسِ الحقِّ، ولِأنَّ شهودَ الفَرْع بَدَلٌ من (١١) شُهودِ الأصْل، فاكْتُفِيَ بمِثْلِ عَدَدِهم.

стр. 6675

(وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ: لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا (١) فَرْعٍ)، اختاره المُزَنِيُّ؛ لِأنَّ شاهِدَي الفرعِ يُثبِتانِ شَهادةَ شاهِدَي الأصْلِ، فلا (٢) يَثبُتُ شهادةُ كلٍّ منهما بواحدٍ، كما لا يَثبُتُ إقْرارُ مُقِرَّيْنِ بشَهادةِ اثنَينِ يَشهَدُ كلٌّ منهما على واحِدٍ. وفي «المحرَّر» تخريجٌ: أنَّه يكفي (٣) شهادةُ فَرعَينِ بشَرطِ أن (٤) يشهَدَ (٥) على كلِّ واحِدٍ من الأصلَينِ. وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ هذا قَولُ ابنِ بطَّةَ، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ؛ لِأنَّه إثْباتُ قَولِ اثْنَين، فَجَازَ بشاهِدَينِ؛ كالشَّهادة على إقْرارِ نَفْسَينِ. وعَنهُ: يكفي (٦) شهادة رجلٍ على اثنَينِ، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه. فرعٌ: يتحمَّلُ (٧) فرعٌ على فرعٍ، ولا يَجُوزُ لشاهِدِ أصْلٍ أنْ يكونَ فَرعًا على أصلٍ آخَرَ معه، ولا أنْ يُزَكِّيَ أصلَ رَفيقِه في الشَّهادة (٨). (وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ)، نَصَرَه القاضِي وأصحابُه، وقدَّمه في

стр. 6676

«المحرَّر»، وهو قَولُ أكثرِ العلماء؛ لِأنَّ شهادتَهم على شهادةِ شاهِدَينِ، ولَيسَ ذلك بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجالُ، أشْبَهَ القَوَدَ والنِّكاحَ. ومُقتَضاهُ: أنَّ لهنَّ مَدخَلاً في شَهادةِ الأصل، وهو كذلك في رِوايةٍ قدَّمها في «الكافي» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّها شهادةٌ بمالٍ، وصحَّحها في «المحرَّر». (وَعَنْهُ (١): لَهُنَّ مَدْخَلٌ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّ المقصودَ مِنْ شَهادتِهنَّ إثْباتُ الحقِّ الَّذي يَشهَدُ به شُهودُ الأصل، فكان لهنَّ مَدخَلٌ في ذلك؛ كالبَيعِ. وعَنْهُ: لا مَدخَلَ لهنَّ في الأصول؛ لِأنَّ في الشَّهادة على الشَّهادة ضعفًا، فاعتُبِرَ تقويتُها (٢) بالذُّكُوريَّة. وفي «التَّرغيب»: المشهورُ: أنَّه لا مَدخَلَ لهنَّ في (٣) الأصل. وفي «الفروع»: رِوايَتانِ. (فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ)؛ لِدُخولهنَّ فيه. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَجُوزُ (٤) شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀؛ لِأنَّ في شَهادةِ النِّساء ضعفًا، فلا يُضَمُّ ضعفٌ إلى ضعْفٍ. (قَالَ (٥) أَبُو الْخَطَّابِ: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا)؛ لِأنَّه إذا قُبِلَ شهادةُ امرأةٍ على مِثْلِها؛ فلأن (٦) تُقبَلَ شهادةُ رجلٍ على امرأةٍ بطريقِ الأَوْلَى؛

стр. 6677

لأِنَّ الرَّجُلَ أحْسَنُ حالاً منها (١)، ولِأنَّ ناقِلَ هذه الرِّوايةَ قال فِيها: أقْبَلُ شهادةَ رجل على شَهادةِ رَجُلَينِ، وهذا مِمَّا لا وَجْهَ له (٢)، فإنَّ رجلاً واحِدًا لو كان أصْلاً، فَشَهِدَ في القتل العمدِ، ومعه مِائَةُ امرأةٍ؛ لم يُقبَلْ، فكَيفَ يُقبَلُ إذا شَهِدَ بها وحْدَه وهو فرعٌ ويُحكَمُ بها. قال: ولو أنَّ أحمدَ قال ذلك؛ حملناه (٣) على أنَّه لا تقبل (٤) شهادةُ (٥) الرَّجل حتَّى ينضمَّ (٦) إلَيهِ غَيرُه، فيُخرَّجُ مِنْ هذه الرِّوايةِ: أنَّه لا يَكفِي شاهِدٌ واحِدٌ على شاهِدٍ واحِدٍ، كما يَقُولُه أكثرُ الفقهاء. (وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ، حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُمَا، وَعَدَالَةُ (٧) شَاهِدَيِ الْأَصْلِ)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَنبَنِي على شَهادَتِهما، فإنْ عَدَّلَ شُهودُ الفرع شُهودَ الأصْلِ؛ كَفَى بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٨). وفي «الرِّعاية»: وفِيهِ نَظَرٌ، ولَيسَ بشَيء؛ لِأنَّ شَهادَتَهما بالحقِّ مَقْبولةٌ، فكذا في العدالة، ولا يَجِبُ عَلَيهم ذلك. فإن (٩) لم يَشهَدُوا بعَدالَتِهم؛ تَوَلَّى الحاكِمُ ذلك. وقال الثَّوريُّ: إنْ لم يُعدِّلْ شاهدا (١٠) الفرعِ شاهِدَي الأصْلِ؛ لم يُحكَمْ

стр. 6678

بها؛ لِأنَّ تَرْكَ تعديلهما (١) يرتاب به الحاكِمُ، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّه يَجوزُ أنْ لا (٢) يَعرِفَا ذلك، ويَجُوزُ أنْ يَعرِفَا عَدالَتَهما ويَتركانها اكْتِفاءً بما ثَبَتَ عِنْدَ الحاكِمِ مِنْ عَدالتِهما. (وَإِنْ شَهِدَا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ؛ وُقِفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ)؛ لِأنَّه قَدَرَ على الأصل قَبْلَ العَمَل بالبَدَل، كالمُتَيَمِّمِ يَقدِرُ على الماء، وكفسقِ (٣) بعضِهم. وظاهره (٤): أنَّه إذا كان حُضورُهم بَعْدَ الحكم؛ أنَّه (٥) لا يُؤثِّرُ فِيهِ، وهو كذلك. (وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ (٦) قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ)؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَنبَنِي عَلَيها، أشْبَهَ ما لو فَسَقَ شُهُودُ الفرع أوْ رَجَعُوا. (وَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ؛ لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ)؛ لِأنَّ الإتْلافَ كان بشهادتِهم؛ كما لو (٧) أتْلَفُوا بأيْدِيهم. فإنْ قالوا: بانَ لنا (٨) كَذِبُ الأصْلِ، أوْ غَلَطُهم؛ لم يَضمَنُوا، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع». (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ)؛ أيْ: بَعْدَ الحُكم؛ (لَمْ يَضْمَنُوا)، قدَّمه عامَّةُ الأَصْحابِ؛ كالمُتَسَبِّبِ مع المباشِرِ، ولِأنَّهم لم يُلجِئُوا الحاكِمَ إلى الحُكْمِ.

стр. 6679

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَضْمَنُوا)، هذا قَولٌ في المذهب قدَّمه في «المغْنِي» ونَصَرَه؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُضافُ إلَيهِم، بدليلِ: أنَّه يعتبر (١) عَدالتُهم، ولأنَّهم (٢) سببٌ في الحُكْم، فضَمِنُوا؛ كالمُزَكِّينَ. فإنْ قال شاهدا (٣) الأصْلِ: كَذَبْنا، أوْ غَلِطْنا؛ ضَمِنُوا. وقِيلَ: لا. وإنْ قالوا بَعْدَ الحُكم: ما أشهدناهم (٤) بشَيءٍ؛ لم يَضمَن الفريقانِ شَيئًا. فرعٌ: إذا شَهِدَ شاهدا (٥) فرعٍ على أصْلٍ، وتَعذَّرَ الآخَرُ؛ حَلَفَ واسْتَحَقَّ، ذَكَرَه في «التَّبصرة»، واقْتَصَر عَلَيهِ في «الفروع». وقال جمعٌ: إذا أنْكَرَ الأصلُ شهادةَ الفرع؛ لم يُعمَلْ بها؛ لِتَأكُّدِ الشَّهادةِ، بخِلافِ الرِّوايَةِ. مسألةٌ: إذا غَيَّرَ العَدْلُ شَهادتَه بحضْرةِ الحاكِمِ، فزاد فِيهَا أوْ نَقَصَ قَبْلَ الحُكْم، أوْ أدَّى بَعْدَ إنْكارِها؛ قُبِلَتْ، نَصَّ عَلَيهِما (٦)؛ كقوله: لا أعْرِفُ الشَّهادةَ. وقِيلَ: لَا؛ كبَعْدِ الحُكْم. وقِيلَ: يُؤخَذُ بقَولِه المتقدِّمِ. وإنْ رَجَعَ قَبْلَ الحُكم، قاله في «الرِّعاية»؛ لَغَتْ، ولا حُكْمَ، ولم يَضمَنْ. وإنْ لم يُصرِّحْ بالرُّجوع، بل قال للحاكِمِ: تَوَقَّفْ، فتَوَقَّفَ، ثُمَّ أعادها إلَيها؛ قُبِلَتْ في الأصحِّ، وفي وُجوبِ إعادتِها احْتِمالانِ.

стр. 6680

وإنِ ادَّعَى عَلَيهِ شهادةً، فأنكر (١)، ثُمَّ شَهِدَ بها، وقال: كنت (٢) أُنْسِيتُها؛ قُبِلَتْ، قال في «المستوعب»: ولا تُقبَلُ الشهادة (٣) إلَّا في مَجلِسِ الحُكْم، ولهذا قال ابنُ البَنَّاء: لا تَتِمُّ الشَّهادةُ إلَّا بخمسةِ أشْياءَ: شاهِدٍ، ومَشْهودٍ به، ومَشهودٍ له، ومَشْهودٍ عَلَيهِ، ومَشْهودٍ فِيهِ؛ يَعْنِي: مَجلِسَ الحُكْم.

стр. 6681

(فَصْلٌ) (وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ المَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لَزِمَهُمْ)؛ أي: الشُّهودَ (الضَّمَانُ (١)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لِأنَّهما قد اعْتَرَفا بأنَّهما قد أخْرَجَا مالَه مِنْ يَدِه بغَيرِ حقٍّ، فلزمهما (٢) الضَّمانُ؛ كما لو شهدا (٣) بعِتْقِه، ولِأنَّهما تسبَّبَا إلى إتْلافِ حقِّه بشَهادَتِهما بالزُّور عَلَيهِ، فضَمِنَا؛ كشَاهِدَي القِصاصِ، بل وُجوبُ المال أَوْلَى؛ لِأنَّ القِصاصَ يُدْرَأ بالشُّبهة. ويُسْتَثْنَى منه: ما لم يُصدِّقْهم مَشْهودٌ له. فأمَّا (٤) المُزَكُّونَ؛ فلا يَغْرَمُونَ شَيئًا، ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحابِ. واقْتَضَى ذلك: أنَّه لا يُرجَعُ على المحْكومِ له بشَيءٍ، وهو كذلك، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٥). (وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ) في قَولِ أكثر (٦) أهلِ الفُتْيا من علماء الأمصار. وقال ابنُ المسيِّبِ، والأوزاعيُّ: يُنقَضُ وإنِ اسْتَوْفَى الحقَّ؛ كما لو تبيَّنَ أنَّهما كانَا كافِرَينِ. وجَوابُه: أنَّ (٧) حقَّ المشْهودِ له وَجَبَ، فلا يَسقُطُ؛ كما لو ادَّعَياهُ

стр. 6682

لِأنْفُسِهما، يُحقِّقُ هذا: أنَّ حقَّ الإنسانِ لا يزول (١) إلَّا ببيِّنةٍ أوْ إقرارٍ، ولَيسَ هذا واحدًا مِنهُما. وفارَقَ الكافِرَ؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ الحُكْم، وهو شهادةُ العُدولِ، وهنا (٢) يَجُوزُ أنْ يكُونَا عَدْلَينِ صادِقَينِ في شَهادَتِهما، وإنَّما كذبا (٣) في رُجوعِهما. وتُفارِقُ العُقوباتِ؛ حَيثُ لا تستوفى (٤)؛ لأنَّها (٥) تُدْرَأُ بالشُّبُهات. (سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ المَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا)؛ لِأنَّ وُجوبَ الحقِّ مُتعلِّقٌ بالحُكْم، وهو مَوجُودٌ - فِيمَا ذَكَرَ - على السَّواء، لكِنْ ذَكَرَ في «المغْنِي»: أنَّه إذا شهدا (٦) بدَينٍ، فأبرأ (٧) منه مُستَحِقُّه، ثُمَّ رَجَعَا؛ لم يغرماه (٨) للمَشْهُودِ عَلَيهِ. (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ) بَعْدَ الحُكم؛ (غَرِمُوا الْقِيمَةَ)؛ لِأنَّهما أزالَا يَدَه عن عبده بشَهادَتِهما المَرجوعِ عنها، أشْبَهَ ما لو شَهِدا بحُرِّيَّته، وإنَّما غَرِمُوا القِيمةَ؛ لِأنَّ العَبدَ مِنْ المتقَوِّمات، ومَحلُّه: ما لم يُصدِّقهم (٩) المشْهُودُ له. فإنْ قالا: أعْتَقَه على مائةٍ، وقِيمَتُه مِائةٌ، ثُمَّ رَجَعَا؛ لم يَغرَما شَيئًا. (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) وبَعْدَ الحكم (١٠)؛ (غَرِمُوا نِصْفَ

стр. 6683

المُسَمَّى)، أوْ بَدَلَه، لا مَهْرَ المِثْل أوْ نِصْفَه؛ لِأنَّ خُروجَ البُضْع مِنْ مِلْكِ الزَّوج غَيرُ مُتقوِّمٍ، بدليلِ ما لو أخرجته (١) مِنْ مِلْكه بِرِدَّةٍ أوْ رَضاعٍ، وإنَّما يَجِبُ نِصْفُ المسمَّى؛ لِأنَّهما ألْزَماهُ للزَّوج بشَهادَتِهما؛ كما يَرجِعُ به زوجٌ (٢) على مَنْ فَسَخَ نِكاحَه، وكما لو شَهِدَا بالنِّصف. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ)؛ أيْ: بَعْدَ الدُّخول؛ (لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا)، جَزَمَ به الأصْحابُ، واخْتارَه القاضِي؛ لِأنَّهما لم يُقرِّرا عَلَيهِ شَيئًا، ولَم يُخرِجَا مِنْ مِلْكه مُتقَوِّمًا، أشْبَهَ ما (٣) لو أخْرَجاهُ مِنْ مِلْكه بقَتْلِها أوْ رَضاعٍ. وعَنْهُ: يُضمَنُ المسمَّى كلُّه، وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وَجْهًا: أنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ (٤). تنبيهٌ: إذا شَهِدَ قَومٌ بتعليقِ طلاقٍ أوْ عِتْقٍ، وآخَرُونَ بوُجودِ شَرْطِه، ثُمَّ رَجَعُوا؛ فالغُرْم على عَدَدِهم. وقِيلَ: على كلِّ جهةٍ نِصفُه. وقِيلَ: يَغرَمُ الكلَّ (٥) شُهودُ التَّعليق. قال ابنُ حَمْدانَ: إذا شَهِدَ اثْنانِ بالعَقْد، واثْنانِ بالدُّخول، واثْنانِ بالطَّلاق، ثُمَّ رَجَعُوا؛ فالغُرْمُ على شاهَدَيِ الطَّلاق. وإنْ شَهِدَا بطَلاقٍ، أوْ رَضاعٍ، أوْ لِعانٍ، ثُمَّ رَجَعَا؛ غَرِمَا مَهْرَ المِثْل مُطلَقًا. وقِيلَ: بل نِصفَه قَبْلَ الدُّخول.

стр. 6684

وإنْ رَجَعَا، ثُمَّ قامَتْ بيِّنةٌ بأنَّ بَينَهما رَضاعًا؛ لم يَضمَنَا شَيئًا. وإنْ رَجَعَ شُهودٌ بكِتابةٍ؛ غَرِمُوا ما بَينَ قِيمَتِه سَلِيمًا ومُكاتَبًا، فإنْ عَتَقَ؛ فما بين (١) قِيمَتِه ومالِ الكتابة. وقِيلَ: كلَّ قيمته (٢). وكذا شُهودٌ باسْتِيلادٍ. (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقِصَاصِ، أَوِ الْحَدِّ) بَعْدَ الحُكم (قَبْلَ الاِسْتِيفَاءِ؛ لَمْ يُسْتَوْفَ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الكافي» و «الشَّرح» و «الوجيز»؛ لِأنَّه يُدْرَأ بالشُّبهة، والمالُ يُمكِنُ جَبْرُه، والقِصاصُ شُرِعَ للتَّشَفِّي، لا للجبر (٣). فَعَلَى هذا: تَجِبُ دِيَةُ القودِ (٤)، فإنْ وَجَبَ عَينًا؛ فَلَا، قاله (٥) في «الواضح»، واقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الفروع». وقِيلَ: يُستَوْفَى إنْ كان لآِدَمِيٍّ؛ كالفسق الطَّارِئِ، والفَرْقُ واضِحٌ. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ)؛ أيْ: بَعْدَ الاِسْتِيفاء، (وَقَالُوا: أَخْطَأْنَا؛ فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ)، أوْ أرْشُ الضَّرْب، نَقَلَه أبو طالِب (٦)، ولا تَحمِلُه العاقِلةُ، ويُعزَّرانِ ولا قَوَدَ؛ لِأنَّ بإقْرارِهم حَصَلَ التَّلَفُ بسَبَبِهم، لكِنْ على طَرِيقِ الخطأ، فلزمهم (٧) الدِّيَةُ مُخفَّفةً.

стр. 6685

فإنْ قال أحدُهما: عَمَدتُ، وقال الآخَرُ: أخْطَأْتُ؛ فَعَلَى العامِدِ نِصفُ الدِّيَة مُغلَّظًا، وعلى الآخَرِ نِصفُها مُخفَّفًا، ولا قَودَ في الأصحِّ. وإنْ قال أحدُهما: عَمَدْنا، وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا؛ قُتل (١) المعْتَرِفُ بالعَمْد - زاد في «الرِّعاية»: في رِوايَةٍ - أوْ غَرِم نِصْفَ الدِّيَة مُغلَّظًا، والمخْطِئُ نِصفَها مخفَّفًا (٢)؛ لِأنَّ كلَّ واحِدٍ يؤاخذ (٣) بإقْرارِه. وإنْ قال كلُّ واحِد: عَمَدْتُ، ولا أدْرِي ما فَعَلَ غَيرِي؛ قُتِلَا، جَزَمَ به في «الكافي» و «الرِّعاية». وقِيلَ: لا قَوَدَ عَلَيهما؛ لِأنَّ إقْرارَ كلٍّ منهما لو انْفَرَدَ؛ لم يَجِبْ عَلَيهِ قَوَدٌ. (وَيَتَقَسَّطُ (٤) الْغُرْمُ (٥) عَلَى عَدَدِهِمْ)؛ لأِنَّ التَّفْوِيتَ حَصَلَ منهم كلِّهم، فَوَجَبَ تقسيطُ الغَرامة عليهم (٦) كلِّهم؛ كما لو اتَّفَقَ جماعةٌ وأتْلَفُوا مِلْكًا لِإنسانٍ، فَعَلَى هذا: لو رَجَعَ شاهِدٌ مِنْ عشَرَةٍ؛ غَرِمَ العُشْرَ. (فَإِنْ (٧) رَجَعَ أَحَدُهُمْ؛ غَرِمَ بِقِسْطِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، كما لو رَجَعَا جميعًا. وقِيلَ: يَجِبُ الكلُّ على الرَّاجِع؛ لِأنَّ الحقَّ ثبت (٩) به، ذَكَرَه في «الواضِح». فرعٌ: إذا شَهِدَ رجلٌ وامرأتانِ بمالٍ، ثُمَّ رَجَعُوا؛ غَرِمَ الرَّجُلُ النِّصفَ وهما

стр. 6686

النِّصفَ، نَصَّ عَلَيهِ (١)، وجَزَمَ به في «الكافي»؛ لأِنَّهما كرجلٍ، فلو شَهِدَ رجلٌ وعَشْرُ نِسوةٍ؛ فَعَلَيهِ السُّدسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ مِنهُنَّ سُدُسٌ. وقِيلَ: مُناصَفَةً؛ لِأنَّ الرَّجلَ نِصفُ البيِّنة. وقِيلَ: هو كأُنثَى. وكذا رَضاعٌ، قال في «التَّرغيب»: إلَّا أنَّه لا تشطير (٢)، وأمَّا (٣) إنْ قُلْنا: لا يَثبُتُ إلَّا بامْرأَتَينِ؛ فالغُرْمُ بالتسديس (٤). (وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ؛ غَرِمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ (٥)؛ لِأنَّهما ثُلُثُ البيِّنة. وقال بعضُ الأئمَّة: لا شَيءَ عَلَيهِما؛ لِأنَّ بيِّنةَ الزِّنى قائمةٌ بغَيرِهما. (وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ؛ لَزِمَتْهُمُ (٦) الدِّيَةُ أَسْدَاسًا)؛ لِأنَّهم سِتَّةٌ، فالغَرامَةُ تُقسَّط (٧) عَلَيهِم. (وَإِنْ شَهِدَ (٨) أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ)؛ ضَمِنوهُ؛ لِأنَّ قَتْلَه حَصَلَ بمجموعِ (٩) الشَّهادَتَينِ، كما لو شَهِدُوا جميعًا بالزِّنى. (وَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (١٠)، قدَّمه في «المحرَّر»

стр. 6687

و «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ كشُهُودِ الزِّنى؛ لِأنَّ القَتْلَ حَصَلَ مِنْ جميعِهم. (وَفِي الآْخَرِ)، وهو رِوايَةٌ: (عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ)، اخْتارَه أبو بكرٍ، ونَصَرَه القاضي؛ لِأنَّ قَتْلَه حَصَلَ بنَوعَينِ من البيِّنة، فتُقْسَمُ الدِّيَةُ عَلَيهِما. وقِيلَ: لا يَضمَنانِ؛ لِأنَّهم شَهِدُوا بالشَّرط لا بالسَّبب المُوجِبِ. فإنْ شَهِدَ بِزِناهُ ثَمانِيَةٌ، فرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ أربعةٌ؛ ضَمِنُوا نِصْفَ دِيَته. وقال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ أنْ لا يَلزَمَهم شَيءٌ. وإنْ رَجَعَ الكلُّ؛ ضَمِنوها أثْمانًا. وإنْ رَجَعَ شُهودُ أحدِ الجِهَتَينِ؛ لزمتهم (١) الدِّيَةُ كلُّها، وقِيلَ: نِصفُها. تنبيهٌ: إذا شَهِدَ بالقَتْل ثلاثةٌ، أوْ بالزِّنى خمسةٌ، ثُمَّ رَجَعَ الزَّائدُ مِنهُم قَبْلَ الحُكمِ أو الاِسْتِيفاءِ؛ لم يَضُرَّ؛ لِأنَّ ما بَقِيَ من البيِّنة كافٍ، ويُحَدُّ الرَّاجِعُ؛ لِأنَّه قاذِفٌ، وقِيلَ: لا يُحَدُّ؛ لِأنَّه قاذِفٌ لمَنْ ثبَتَ أنَّه زانٍ، ذَكَرَه ابن (٢) الزَّاغُونيِّ. وإنِ اسْتُوفِيَ، ثُمَّ رَجَعُوا أوْ بعضُهم؛ فكَشاهِدَيِ القَتْلِ وأربعةِ الزِّنى فِيما ذَكَرْنا، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، وجَزَمَ به الجماعة (٤). فإن رَجَعَ أحدُهم في القَتْلِ؛ فالثُّلُثُ، وفي الزِّنى؛ الخُمُسُ. وقِيلَ: لا يَغرَمُ شَيئًا، وهو أقْيَسُ.

стр. 6688

فلو رَجَعَ مِنْ خمسةِ زِنًى اثْنانِ، فهل عَلَيهِما خُمُسانِ، أوْ رُبُع (١)؟ أو اثْنانِ مِنْ ثَلاثةِ قتلٍ (٢)، فالثُّلُثانِ أو النِّصف؟ فيه الخِلافُ. (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَشَهِدَ اثْنَانِ (٣) مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ؛ صَحَّتِ الشَّهَادَةُ)؛ لِأنَّه لا مانِعَ مِنْ صِحَّتِها، (فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ؛ فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (٤)، وهو الأشْهَرُ، الثُّلُثُ لشهادتهما (٥) بالإحْصانِ، والثُّلثُ لشهادتهما (٦) بالزِّنى، (وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا)، النِّصفُ لِشَهادَتِهما بالإحْصان، والرُّبُعُ لِشَهادَتِهما بالزِّنى، والباقِي على الآخَرَينِ. وقِيلَ: لا يَجِبُ على شاهَدَيِ الإحْصانِ إلاَّ النِّصفُ؛ لأِنَّهما كأربعة (٧) أنفُسٍ، جَنَى اثْنانِ جِنايَتَينِ، وجَنَى الآخران (٨) أربعَ جِناياتٍ. فرعٌ: لا ضَمانَ برُجوعٍ عن كَفالةٍ بنَفْسٍ، أوْ براءةٍ منها، أوْ أنَّها زَوجَتُه، أوْ أنَّه (٩) عَفَا عن دَمِ عَمْدٍ؛ لِعَدَمِ تضمُّنِه (١٠) مالاً. وفي «المبهج»: قال القاضي (١١): وهذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الكَفالةَ

стр. 6689

متضمِّنة (١) بهَرَبِ المكْفولِ، والقَوَدُ قد يَجِبُ به مالٌ. فرعٌ: إذا شَهِدَ رَجُلانِ على آخَرَ بنكاحِ امرأةٍ بصَداقٍ ذَكَراهُ، وشَهِدَ آخَرانِ بدُخولِه بها، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الحُكْم؛ لَزِمَ شُهودَ النِّكاح الضَّمانُ؛ لِأنَّهم ألْزَمُوهُ المسمَّى. وقِيلَ: عليهم (٢) النِّصفُ، وعلى الآخَرَينِ النِّصفُ. وإنْ شَهِدَ مع هذا شاهِدانِ بالطَّلاق؛ لم يَلزَمْهما شَيءٌ؛ لأِنَّهما لم يُوجِبَا عَلَيهِ شَيئًا لم يكُنْ واجِبًا عَلَيهِ، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ؛ غَرِمَ المَالَ كُلَّهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لِأنَّه حُجَّةُ الدَّعْوَى، فاخْتَصَّ الضَّمانُ به؛ كالشَّاهِدَينِ، يحقِّقُه (٤): أنَّ اليمينَ قَولُ الخَصْم، وقَولُه لَيسَ بحُجةٍ على خَصْمِه، وإنَّما هو شُرْطُ الحُكْم، فجَرَى مَجرَى مُطالَبَتِه للحاكم بالحُكم. وإنْ سلَّمْنا أنَّها حجةٌ (٥)، لكِنْ إنَّما جعلها (٦) حُجَّةً شهادةُ الشَّاهِدِ، ولهذا لم يَجُزْ تَقْدِيمُها على شَهادَتِه، وكيمينِه على بيِّنةِ غائبٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ في «عمد الأدلَّة»: يَجُوزُ في أحَدِ الاِحْتِمالَينِ أنْ تُسمع (٧) يمينُ المدَّعِي قَبْلَ الشَّاهِدِ. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ)؛ لِأنَّه أحدُ حجَّتَي الدَّعْوَى؛ كالشاهدين (٨).

стр. 6690

فرعٌ: رُجوعُ شُهودِ تَزْكِيَةٍ؛ كرُجُوعِ مَنْ زَكَّوهُمْ. ومَن شَهِدَ بَعْدَ الحُكم بِمُنافٍ للأولة (١)؛ فكرُجُوعِه وأَوْلَى، قاله (٢) الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين (٣). (إِذَا (٤) بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ؛ نُقِضَ (٥)؛ أي (٦): إذا (٧) بَانَ بَعْدَ الحُكم كُفْرُ الشُّهود؛ نُقِضَ بغَيرِ خِلافٍ (٨)؛ لِأنَّ شَرْطَ الحُكْم: كَونُ الشَّاهِدِ مُسلِمًا، ولم يُوجَدْ. وكذا إذا بَانَ فِسْقُهم على المذْهَبِ. (وَيُرْجَعُ بِالمَالِ، أَوْ بِبَدَلِهِ (٩) عَلَى المَحْكُومِ لَهُ (١٠)، قدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الحُكْمَ قد نُقِضَ، فيَجِبُ أنْ يَرجِعَ الحقُّ إلى مُستَحِقِّه. وقد عُلِمَ منه: أنَّه إذا كان مَوجُودًا؛ أُلْزِمَ بِرَدِّه بعَينِه، وهو ظاهِرٌ. (وَإِنْ (١١) كَانَ المَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا)؛ كقَتْلٍ، أوْ كان الحُكْمُ لله بإتْلافٍ حِسِّيٍّ، أو بما (١٢) سَرَى إلَيهِ؛ (فَالضَّمَانُ عَلَى المُزَكِّينَ)؛ لِأنَّ المحْكومَ به قد
следующие страницы →