← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

النِّصفَ، نَصَّ عَلَيهِ (١)، وجَزَمَ به في «الكافي»؛ لأِنَّهما كرجلٍ، فلو شَهِدَ رجلٌ وعَشْرُ نِسوةٍ؛ فَعَلَيهِ السُّدسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ مِنهُنَّ سُدُسٌ. وقِيلَ: مُناصَفَةً؛ لِأنَّ الرَّجلَ نِصفُ البيِّنة. وقِيلَ: هو كأُنثَى. وكذا رَضاعٌ، قال في «التَّرغيب»: إلَّا أنَّه لا تشطير (٢)، وأمَّا (٣) إنْ قُلْنا: لا يَثبُتُ إلَّا بامْرأَتَينِ؛ فالغُرْمُ بالتسديس (٤). (وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ؛ غَرِمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ (٥)؛ لِأنَّهما ثُلُثُ البيِّنة. وقال بعضُ الأئمَّة: لا شَيءَ عَلَيهِما؛ لِأنَّ بيِّنةَ الزِّنى قائمةٌ بغَيرِهما. (وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ؛ لَزِمَتْهُمُ (٦) الدِّيَةُ أَسْدَاسًا)؛ لِأنَّهم سِتَّةٌ، فالغَرامَةُ تُقسَّط (٧) عَلَيهِم. (وَإِنْ شَهِدَ (٨) أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ الْجَمِيعُ)؛ ضَمِنوهُ؛ لِأنَّ قَتْلَه حَصَلَ بمجموعِ (٩) الشَّهادَتَينِ، كما لو شَهِدُوا جميعًا بالزِّنى. (وَلَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (١٠)، قدَّمه في «المحرَّر»

стр. 6687

و «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ كشُهُودِ الزِّنى؛ لِأنَّ القَتْلَ حَصَلَ مِنْ جميعِهم. (وَفِي الآْخَرِ)، وهو رِوايَةٌ: (عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ)، اخْتارَه أبو بكرٍ، ونَصَرَه القاضي؛ لِأنَّ قَتْلَه حَصَلَ بنَوعَينِ من البيِّنة، فتُقْسَمُ الدِّيَةُ عَلَيهِما. وقِيلَ: لا يَضمَنانِ؛ لِأنَّهم شَهِدُوا بالشَّرط لا بالسَّبب المُوجِبِ. فإنْ شَهِدَ بِزِناهُ ثَمانِيَةٌ، فرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ أربعةٌ؛ ضَمِنُوا نِصْفَ دِيَته. وقال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ أنْ لا يَلزَمَهم شَيءٌ. وإنْ رَجَعَ الكلُّ؛ ضَمِنوها أثْمانًا. وإنْ رَجَعَ شُهودُ أحدِ الجِهَتَينِ؛ لزمتهم (١) الدِّيَةُ كلُّها، وقِيلَ: نِصفُها. تنبيهٌ: إذا شَهِدَ بالقَتْل ثلاثةٌ، أوْ بالزِّنى خمسةٌ، ثُمَّ رَجَعَ الزَّائدُ مِنهُم قَبْلَ الحُكمِ أو الاِسْتِيفاءِ؛ لم يَضُرَّ؛ لِأنَّ ما بَقِيَ من البيِّنة كافٍ، ويُحَدُّ الرَّاجِعُ؛ لِأنَّه قاذِفٌ، وقِيلَ: لا يُحَدُّ؛ لِأنَّه قاذِفٌ لمَنْ ثبَتَ أنَّه زانٍ، ذَكَرَه ابن (٢) الزَّاغُونيِّ. وإنِ اسْتُوفِيَ، ثُمَّ رَجَعُوا أوْ بعضُهم؛ فكَشاهِدَيِ القَتْلِ وأربعةِ الزِّنى فِيما ذَكَرْنا، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، وجَزَمَ به الجماعة (٤). فإن رَجَعَ أحدُهم في القَتْلِ؛ فالثُّلُثُ، وفي الزِّنى؛ الخُمُسُ. وقِيلَ: لا يَغرَمُ شَيئًا، وهو أقْيَسُ.

стр. 6688

فلو رَجَعَ مِنْ خمسةِ زِنًى اثْنانِ، فهل عَلَيهِما خُمُسانِ، أوْ رُبُع (١)؟ أو اثْنانِ مِنْ ثَلاثةِ قتلٍ (٢)، فالثُّلُثانِ أو النِّصف؟ فيه الخِلافُ. (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَشَهِدَ اثْنَانِ (٣) مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ؛ صَحَّتِ الشَّهَادَةُ)؛ لِأنَّه لا مانِعَ مِنْ صِحَّتِها، (فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ؛ فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالْإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (٤)، وهو الأشْهَرُ، الثُّلُثُ لشهادتهما (٥) بالإحْصانِ، والثُّلثُ لشهادتهما (٦) بالزِّنى، (وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا)، النِّصفُ لِشَهادَتِهما بالإحْصان، والرُّبُعُ لِشَهادَتِهما بالزِّنى، والباقِي على الآخَرَينِ. وقِيلَ: لا يَجِبُ على شاهَدَيِ الإحْصانِ إلاَّ النِّصفُ؛ لأِنَّهما كأربعة (٧) أنفُسٍ، جَنَى اثْنانِ جِنايَتَينِ، وجَنَى الآخران (٨) أربعَ جِناياتٍ. فرعٌ: لا ضَمانَ برُجوعٍ عن كَفالةٍ بنَفْسٍ، أوْ براءةٍ منها، أوْ أنَّها زَوجَتُه، أوْ أنَّه (٩) عَفَا عن دَمِ عَمْدٍ؛ لِعَدَمِ تضمُّنِه (١٠) مالاً. وفي «المبهج»: قال القاضي (١١): وهذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الكَفالةَ

стр. 6689

متضمِّنة (١) بهَرَبِ المكْفولِ، والقَوَدُ قد يَجِبُ به مالٌ. فرعٌ: إذا شَهِدَ رَجُلانِ على آخَرَ بنكاحِ امرأةٍ بصَداقٍ ذَكَراهُ، وشَهِدَ آخَرانِ بدُخولِه بها، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الحُكْم؛ لَزِمَ شُهودَ النِّكاح الضَّمانُ؛ لِأنَّهم ألْزَمُوهُ المسمَّى. وقِيلَ: عليهم (٢) النِّصفُ، وعلى الآخَرَينِ النِّصفُ. وإنْ شَهِدَ مع هذا شاهِدانِ بالطَّلاق؛ لم يَلزَمْهما شَيءٌ؛ لأِنَّهما لم يُوجِبَا عَلَيهِ شَيئًا لم يكُنْ واجِبًا عَلَيهِ، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ؛ غَرِمَ المَالَ كُلَّهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لِأنَّه حُجَّةُ الدَّعْوَى، فاخْتَصَّ الضَّمانُ به؛ كالشَّاهِدَينِ، يحقِّقُه (٤): أنَّ اليمينَ قَولُ الخَصْم، وقَولُه لَيسَ بحُجةٍ على خَصْمِه، وإنَّما هو شُرْطُ الحُكْم، فجَرَى مَجرَى مُطالَبَتِه للحاكم بالحُكم. وإنْ سلَّمْنا أنَّها حجةٌ (٥)، لكِنْ إنَّما جعلها (٦) حُجَّةً شهادةُ الشَّاهِدِ، ولهذا لم يَجُزْ تَقْدِيمُها على شَهادَتِه، وكيمينِه على بيِّنةِ غائبٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ في «عمد الأدلَّة»: يَجُوزُ في أحَدِ الاِحْتِمالَينِ أنْ تُسمع (٧) يمينُ المدَّعِي قَبْلَ الشَّاهِدِ. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ)؛ لِأنَّه أحدُ حجَّتَي الدَّعْوَى؛ كالشاهدين (٨).

стр. 6690

فرعٌ: رُجوعُ شُهودِ تَزْكِيَةٍ؛ كرُجُوعِ مَنْ زَكَّوهُمْ. ومَن شَهِدَ بَعْدَ الحُكم بِمُنافٍ للأولة (١)؛ فكرُجُوعِه وأَوْلَى، قاله (٢) الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين (٣). (إِذَا (٤) بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ؛ نُقِضَ (٥)؛ أي (٦): إذا (٧) بَانَ بَعْدَ الحُكم كُفْرُ الشُّهود؛ نُقِضَ بغَيرِ خِلافٍ (٨)؛ لِأنَّ شَرْطَ الحُكْم: كَونُ الشَّاهِدِ مُسلِمًا، ولم يُوجَدْ. وكذا إذا بَانَ فِسْقُهم على المذْهَبِ. (وَيُرْجَعُ بِالمَالِ، أَوْ بِبَدَلِهِ (٩) عَلَى المَحْكُومِ لَهُ (١٠)، قدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الحُكْمَ قد نُقِضَ، فيَجِبُ أنْ يَرجِعَ الحقُّ إلى مُستَحِقِّه. وقد عُلِمَ منه: أنَّه إذا كان مَوجُودًا؛ أُلْزِمَ بِرَدِّه بعَينِه، وهو ظاهِرٌ. (وَإِنْ (١١) كَانَ المَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا)؛ كقَتْلٍ، أوْ كان الحُكْمُ لله بإتْلافٍ حِسِّيٍّ، أو بما (١٢) سَرَى إلَيهِ؛ (فَالضَّمَانُ عَلَى المُزَكِّينَ)؛ لِأنَّ المحْكومَ به قد

стр. 6691

تَعَذَّر ردُّه، وشُهُودُ التَّزْكِيَة ألْجَؤُوا الحاكِمَ إلى الفِعْل، فَلَزِمَهم الضَّمانُ؛ كما لو شَهِدَ عَدْلانِ بحَقٍّ، ثُمَّ حَكَمَ حاكِمٌ بها، ثُمَّ رَجَعَا، ولِأنَّ الحاكِمَ أتَى بما عَلَيهِ، والشُّهودُ لم يَعتَرِفُوا بِبُطْلانِ شَهادتِهم، وإنَّما التَّفْريطُ مِنْ المزَكِّينَ. وقال القاضي: الضَّمانُ على الحاكم، وهذا الَّذي ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ؛ لِأنَّه فرَّطَ في الحُكْمِ (١) بمَنْ لا يَجُوزُ الحُكْمُ بشَهادَتِه. وقال أبو الخَطَّاب: الضَّمانُ على الشُّهود؛ لِأنَّهم فَوَّتُوا الحقَّ على مستحقِّه (٢) بشَهادَتِهم الباطِلةِ؛ كما لو رَجَعُوا. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ؛ فَعَلَى الْحَاكِمِ)؛ لِأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بفعله (٣) أوْ بأمْرِه، فَلَزِمَه الضَّمانُ؛ لِتَفْريطِه، وكذا إنْ كان مُزَكُّونَ فَماتُوا، ذَكَرَه في «الكافي» و «الرِّعاية»، ولا قَوَدَ؛ لِأنَّه مُخطِئٌ، وتَجِبُ الدِّيَةُ في بَيتِ المال، وعَنْهُ: على عاقِلَتِه. فإنْ قِيلَ: إذا كان الوليُّ قد اسْتَوفَى حقَّه، فيصيرُ (٤) الضَّمانُ عَلَيهِ؛ كما لو حُكِمَ له بمالٍ فَقَبَضَه، ثُمَّ بانَ فِسْقُ الشُّهود. قُلْنا: ثَمَّ حَصَلَ في يَدِ المسْتَوفِي مالُ المحْكُومِ عَلَيهِ بغَيرِ حقٍّ، فَوَجَبَ عَلَيهِ ردُّه وضَمانُه إنْ تَلِفَ، وهُنا لم يَحصُلْ في يَدِه شَيءٍ، وإنَّما أتْلَفَ شَيئًا بخَطَأِ الإمامِ وتَسْلِيطِه عَلَيهِ؛ فافْتَرَقَا.

стр. 6692

(وَعَنْهُ: لَا يُنْقَضُ (١) إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ)؛ لِأنَّ شَرْطَ الحُكْم أن (٢) لا يَظهَرَ للقاضي فِسْقُ الشهود (٣)، وذلك موجودٌ (٤)، والكُفْرُ لا يَخفَى غالِبًا. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّهما لم يَعتَرِفَا ببُطْلانِ شَهادَتِهما، لكِنْ تَبَيَّنَ فَقْدُ شَرْطِ الحُكْمِ، فَوَجَبَ أنْ يُقْضَى بنَقْضه، كما لو تبيَّنَ أنَّه (٥) حَكَمَ بالقياس، وهو مُخالِفٌ للنَّصِّ. وإنْ ظَهَرُوا عَبِيدًا، أوْ وَلَدًا، أوْ والدًا (٦)، أوْ عَدُوًّا؛ فإنْ كان الَّذي حَكَمَ يَرَى الحكمَ به؛ لم يُنقَضْ؛ لأِنَّه لم يُخالِفْ نَصًّا ولا إجْماعًا، وإلاَّ نُقِضَ. فرعٌ: إذا جَلَدَ الإمامُ إنسانًا ببيِّنة قامَتْ عِندَه، ثُمَّ بَانَ فِسْقُهم، أوْ كُفْرُهم، أوْ أنَّهم عَبِيدٌ؛ ضَمِنَ الإمامُ ما حَصَلَ بسببِ الضَّرْب؛ كما لو قَطَعَ أوْ قَتَلَ، وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ (٧). وقال مالِكٌ: يَضمَنُ في الكُفْر والرِّقِّ (٨). وقال أبو حَنِيفةَ: لا ضَمانَ عَلَيهِ (٩). (وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الحَاكِمِ بِحَقٍّ (١٠)، ثُمَّ مَاتُوا؛ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ)؛ لِأنَّ المَوتَ لا يُؤثِّرُ في الشَّهادة، ولا يَدُلُّ على الكَذِب فِيها، ولا يَحتَمِلُ أنْ يكونَ مَوجودًا حالَ أداءِ الشَّهادة، بخِلافِ الفِسْقِ؛ فإنَّه يَحتَمِلُ ذلك، وكذا إنْ

стр. 6693

جُنُّوا، (إِذَا ثَبَتَتْ (١) عَدَالَتُهُمْ)؛ لِحُصولِ الثِّقة للحاكم بقَولِ الشَّاهِد، وذلك مَوجُودٌ مع الموت؛ كالحياة. (وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ)، بإقْرارِه (٢) أوْ عَلِمَ كَذِبَه وتَعمُّدَه، وفي «الكافي»: يَثبُتُ بأحَدِ أُمورٍ ثلاثةٍ: أنْ يُقِرَّ بذلك، أوْ تقوم (٣) البيِّنةُ به، أوْ يَشهَدَ بما يَقطَعُ بكَذِبه، (عَزَّرَهُ) في قَولِ أكثرِ العلماء، ورَواهُ سعيدٌ عن عمرَ، ولم يُعرَفْ له مُخالِفٌ (٤)، ولأِنَّه قَولٌ مُحرَّمٌ يَضُرُّ به النَّاسَ، أشْبَهَ السبَّ (٥) والقَذْفَ؛ ولِأنَّ في ذلك زَجْرًا له ولِغَيرِه عن ارْتكابِ مِثْلِ فِعلِه. وظاهِرُه: ولو تَابَ، وهو وَجْهٌ ذَكَرَه القاضِي في «خِلافِه». والثَّانِي: لا تعزيرَ. وهما في كلِّ تائبٍ (٦) بَعْدَ وُجوبِ التَّعزير.

стр. 6694

وتعزيرُه بما يَراهُ الحاكِمُ، نقله (١) حنبلٌ (٢)، ما لم يُخالِفْ نَصًّا، وفي «المغْنِي»: أو مَعْنَى نَصٍّ. قال ابنُ عَقِيلٍ وغَيرُه: وأنْ يَجمَعَ بَينَ عُقوباتٍ إنْ لم يرتدع (٣) إلَّا به. وقال في «الشَّرح»: لا يَزِيدُ على عَشْرِ جَلَداتٍ. ونَقَلَ مُهَنَّى: كراهةَ تَسْويدِ الوَجْهِ (٤). (وَطَافَ بِهِ فِي المَوَاضِعِ (٥) الَّتِي (٦) يَشْتَهِرُ فِيهَا (٧)؛ لِيَشتَهِرَ أمْرُه، فيُجْتَنَب (٨)، (فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا (٩) شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوهُ)؛ لِيَحصُلَ إعْلامُ النَّاس بذلك، فإذا تاب؛ قُبِلَتْ شَهادتُه كسائرِ التَّائِبِينَ. ولا يعزَّر (١٠) بتَعارُضِ البيِّنة، ولا بغَلَطِه (١١) في شَهادَتِه أوْ رُجوعِه، ذَكَرَه في «المغْنِي»؛ لِأنَّ التَّعارُضَ لا يُعلَمُ به كَذِبُ إحدى (١٢) البيِّنتَينِ بعَينها، والغَلَطُ قد يَعْرِض (١٣) للصَّادِق العَدْل ولا يَتعمَّدُه، فعُفِيَ عنه. وكذا إذا ظَهَرَ فِسْقُه؛ لِأنَّ الفِسْقَ لا يَمنَعُ الصِّدْقَ.

стр. 6695

وفي «التَّرغيب»: إنِ ادَّعَى شُهودُ القَوَد الخَطَأَ؛ عُزِّرُوا. (وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»، قال في «الشَّرح»: ولا أعْلَمُ فيه خلافًا (١)؛ لِأنَّ الشَّهادةَ مَصدَرٌ، فلا بدَّ من الإتْيان بفِعْلِها المشْتَقِّ منها (٢)، ولِأنَّ فِيها مَعْنًى لا يَحصُلُ في غَيرِها، بدليلِ: أنَّها تُستَعْمَلُ في اللِّعانِ، ولا يَحصُلُ ذلك من (٣) غَيرِها. (فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أُحِقُّ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ (٤)؛ لِأنَّ الحُكْمَ يَعتَمِدُ لَفْظَ الشَّهادة، ولم يُوجَدْ. والثَّانِيَةُ: يُقبَلُ، اخْتارَه أبو الخَطَّاب، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين، قال: (ولا نَعلَمُ عن صَحابيٍّ ولا تابعِيٍّ لَفْظَ الشَّهادة، قال عليُّ بنُ المَدِينيِّ: أقولُ: إنَّ العَشرةَ في الجَنَّة، ولا أشْهَدُ، فقال له (٥) أحمدُ: متى قلتَ فقد شَهِدتَ، ونَقَلَ الْمَيمُونيُّ عنه أنَّه قال: وهل مَعْنَى القَولِ والشَّهادةِ إلاَّ واحِدٌ؟ ونَقَلَ أبو طالِبٍ عنه أنَّه قال: العِلْمُ شَهادةٌ) (٦). فرعٌ: لا يَلزَمُه أنْ يَشهَدَ أنَّ الدَّينَ باقٍ في ذِمَّتِه إلى الآن، بل يَحكُمُ الحاكِمُ باسْتِصْحابِ الحالِ. واللهُ أعلم (٧).

стр. 6696

(بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى) اليَمِينُ تَقطَعُ الخصومةَ (١) في الحالِ، ولا تُسقِطُ الحقَّ. وتَصِحُّ يمينُ كلِّ مُكلَّفٍ، مُختارٍ، تَوَجَّهَتْ عَلَيهِ دَعْوَى صحيحةٌ، فِيمَا يَصِحُّ بَذْلُه. ومَن أنْكَرَ بُلوغَه بَعْدَ إقْراره، أوِ ادَّعاه لِتِسْعِ سِنِينَ؛ صُدِّقَ بلا يَمِينٍ، فإذا (٢) بلغ حَلَفَ. وقِيلَ: إنِ ادَّعاه بالسِّنِّ؛ احْتاجَ بيِّنةً، فلا يَحْلِفُه. ولا يَحلِفُ وصيٌّ على نَفْيِ الدَّين على المُوصِي، قال ابنُ حَمْدانَ: بل (٣) على نَفْيِ لُزومِه من التَّرِكة إلى المدَّعِي، ولا شاهِدٌ على صِدْقه إلاَّ المرضعة (٤)، ولا حاكِمٌ على حُكْمِه، أوْ نَفْيِه، أوْ عَدْلِه، أوْ نَفْيِ جَوره وظُلْمِه، ولو مَعْزولاً. ولا المدَّعِي إذا طَلَبَ يمينَ خَصْمِه، فقال: لِيحْلِفْ أنَّه ما أحْلفَنِي. وقِيلَ: بل يَحلِفُ المدَّعِي أنَّه لم يَحلِفْه، فإنْ أبَى حَلَفَ المدَّعَى عَلَيهِ يَمِينَ الرَّدِّ. ولا المدَّعَى عَلَيهِ إذا قال المدَّعِي: ليحْلِفْ أنَّه ما أحْلَفَنِي. ولا مَنْ حُكِمَ له بشَيءٍ، فقال خَصمُه: إنَّه لا يَستَحِقُّه. وإنِ ادَّعَى الوصيُّ أنَّ الميِّتَ وصَّى للفقراء بشَيءٍ، فأنكره (٥) الوَرَثَةُ،

стр. 6697

ونَكَلُوا عن اليمينِ؛ حُبِسُوا حتَّى يَحلِفُوا أوْ يُقِرُّوا. وقِيلَ: يُحكَمُ بذلك، ولا يَحلِفُ الوصيُّ (١). وإنْ رأى الحاكِمُ في دفْتره دَينًا على رجلٍ لميِّتٍ لا (٢) وَارِثَ له ولم يَحلِفْ؛ حُبِسَ حتَّى يَحلِفَ أوْ يقرَّ (٣)، ولا يَحلِفُ الحاكِمُ في الأصحِّ. (وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ المُنْكِرِ فِي كُلِّ حَقٍّ لآِدَمِيٍّ)، في رِوايَةٍ اخْتارَها المؤلِّفُ، وجَزَمَ بها أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، وقدَّمها ابنُ رَزِينٍ، وذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّها أَوْلَى؛ لقوله ﵇: «لَو يُعطَى النَّاسُ بدَعْواهُم؛ لَادَّعَى قَومٌ دِماءَ رِجالٍ وأمْوالَهم، ولكِنَّ اليمينَ على المدَّعَى عَلَيهِ» (٤)، فجَعَلَ اليمينَ على المدَّعَى عليه (٥) بعد (٦) ذِكْرِ الدِّماء، وذلك ظاهِرٌ في أنَّ الدَّعْوَى بالدَّمِ (٧) تُشرع (٨) فيها اليمينُ، وسائرُ الحقوق إمَّا مِثْلُه أوْ دُونَه، فَوَجَبَ مشروعيَّةُ اليمين في ذلك كلِّه؛ لِعُمومِ الأخْبارِ، ولِأنَّها دَعْوَى صحيحةٌ في حقِّ آدَمِيٍّ؛ كدَعْوَى المالِ. وظاهِرُ المذهب (٩): أنَّها تُشرَعُ في كلِّ حقِّ آدَمِيٍّ، غَيرِ العَشَرة المسْتَثْناةِ، وسَيأْتِي؛ لِأنَّه إمَّا مالٌ، أو ما يُقصَدُ منه المالُ، ولا خِلافَ بَينَ العلماء في مشروعيَّة اليمين في ذلك إذا لم يكُنْ للمدَّعِي بيِّنةٌ (١٠).

стр. 6698

(قَالَ (١) أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ)، فإنَّه لا يُسْتَحْلَفُ فِيهِما، قال (٢): وهو الغالِبُ على قَولِ أبي عبدِ الله؛ لِأنَّ أمْرَهما أشَدُّ، ولا يدخلُهُما (٣) البَدَلُ. (وَقَالَ (٤) أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، والرَّجْعَةِ (٥)، وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ، وَالاسْتِيلَادِ (٦)، وَالنَّسَبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز» والأدَمِيُّ، وزادوا: الإِيلاءَ؛ لِأنَّ ذلك لا يَثبُتُ إلَّا بشاهِدَينِ، فلا تُشرع (٧) فيها اليمينُ؛ كالحدودِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الطَّلَاقِ (٨)، وَالْقِصَاصِ، وَالْقَذْفِ؛ رِوَايَتَانِ)؛ لِأنَّه بالنَّظَر إلى تأكُّدِها (٩) يَنبَغِي ألَّا تُشرع (١٠) اليمينُ فيها، وبالنَّظَر إلى أنَّها حقُّ آدَمِيٍّ؛ فتُشرَع (١١) فيها، (وَسَائِرُ السِّتَّةِ)؛ أيْ: جميعُها، (لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لِتأكُّدِها، وعَدَمِ مُساواةِ غَيرِها لها. وعَنْهُ: يُستَحْلَفُ إلَّا في طلاقٍ (١٢)، وإِيلاءٍ، وقَوَدٍ، وقَذْفٍ. وعَنْهُ: يُستَحْلَفُ فِيمَا يُقضَى فِيهِ بالنُّكول.

стр. 6699

وفي «الجامِعِ الصَّغيرِ»: ما لا يَجُوزُ بَذْلُه (١)، وهو ما ثَبَتَ بشاهِدَينِ؛ لا يُستَحْلَفُ فيه. وفسَّرَ القاضي الاِسْتِيلادَ: بأنْ يَدَّعِيَ اسْتِيلادَ أَمَةٍ، فينكره (٢)، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: هي المدَّعية (٣). وذَكَرَ القاضِي والسَّامَرِّيُّ: أنَّ الوَصِيَّة إلَيهِ والوكالةَ (٤) لا (٥) يُستحْلَفُ فِيهِما. وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يُستَحْلَفُ في إيلاءٍ ولا فَيئةٍ، قال السَّامَرِّيُّ: لِأنَّهما مِنْ حُقوقِ الله تعالَى؛ لِأنَّ حكمهما (٦) وُجوبُ الكَفَّارة إذا ادَّعَيَا على (٧) الرجل، فإنِ ادَّعاهما الرَّجُلُ؛ فلا يمين (٨) على المرأة؛ لِأنَّه إقْرارٌ على نفسه، لا دَعْوَى على غَيرِه. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحَلَّفُ فِي الْقِصَاصِ)؛ لِأنَّه يُدرَأُ بالشُّبهة، (وَلَا المَرْأَةُ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكاحَ)؛ لِأنَّه لا يَصِحُّ بَذْلُها (٩)، (وَتُحَلَّفُ (١٠) إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا)؛ لمَا فِيهِ مِنْ الاِحْتِياطِ لبُضْعِهَا (١١). وإذا أحْلَفْناهُ في ذلك؛ قَضَينا فيه بالنُّكول، إلَّا في قَوَدِ النَّفْس خاصَّةً، قال

стр. 6700

أحمدُ في رِوايَةِ الكَوسَجِ في رجلٍ ادَّعَى على آخَرَ أنَّه قَذَفَه فأنكر (١): يَحلِفُ له، فإنْ نَكَلَ أُقِيمَ عَلَيهِ (٢)، قال أبو بكرٍ: هذا قَولٌ قديمٌ، والمذْهَبُ خِلافُه. وعَنْهُ: لا يُقْضَى بالقَوَدِ فِيما دُونَ النَّفس، قال ابنُ حَمْدانَ: وهي (٣) أصحُّ. وعَنْهُ: لا يُقضَى بالنُّكول إلاَّ في الأموال خاصَّةً، قدَّمه في «الكافي». ومَتَى لم يَثبُتِ القَوَدُ بنكوله؛ فهل يَلزَمُ النَّاكِلَ الدِّيَةُ؟ على رِوايَتَينِ، نَصَّ عَلَيهِما في القَسامة (٤). وكلُّ ناكِلٍ قُلْنا لا يُقْضَى عَلَيهِ؛ فهل يُخَلَّى سبيلُه، أوْ يُحبَسُ حتَّى يُقِرَّ أوْ يحلف (٥)؟ على وَجْهَينِ، أصلهما (٦): إذا نَكَلَتِ الزَّوجةُ عن اللِّعان. وفي رَدِّ اليمينِ خِلافٌ سَبَقَ، فإنْ قُلْنا: تردُّ (٧) اليمينِ، فتعذَّرَ ردُّها؛ قُضِيَ بالنُّكول على الأصحِّ. وقِيلَ: بل يَحلِفُ وليُّ صغيرٍ ومجنونٍ. وقِيلَ: إنْ باشر (٨) ما ادَّعاه. وقِيلَ: بل يحلفان إذا زال المانِعُ، ولا يُقْضَى بالنُّكول قَبْلَ ذلك. (وَإِذَا أَنْكَرَ المُولِي (٩) مُضِيَّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؛ حَلَفَ)؛ لِأنَّه إذا لم يَحلِفْ؛ أدَّى ذلك إلى تَضَرُّرِ المرأة، وهو مُنتَفٍ شَرعًا.

стр. 6701

(وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدًا بِعِتْقِهِ؛ حَلَفَ مَعَهُ)؛ لِأنَّ عِتْقَه نَقْلُ مِلْكٍ، أشْبَهَ البَيعَ. (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى؛ كَالْحُدُودِ، وَالْعِبَادَاتِ)، أمَّا الحُدودُ؛ فلا نَعلَمُ فِيهَا خِلافًا (١)؛ لِأنَّه لو أقرَّ ثُمَّ رَجَعَ عن إقراره؛ قُبِلَ منه مِنْ غَيرِ يمينٍ، وخلي (٢)، فلَأن لا يُسْتَحْلَفَ مع عدم (٣) الإقرار أَوْلَى. وأمَّا الحُقوقُ الماليَّةُ؛ كدَعْوَى السَّاعِي الزَّكاةَ على ربِّ المال؛ فقال أحمدُ: القَولُ قَولُ ربِّ المال بغَيرِ يمينٍ (٤)؛ كالحدود وكالصَّلاة. وكذا لو ادَّعَى عَلَيهِ كفَّارةَ يمينٍ، أوْ ظِهارٍ، أوْ نَذْرٍ، أوْ صَدقةٍ؛ قُبِلَ قَولُه في نَفْيِ ذلك بغَيرِ يمينٍ؛ لِأنَّه لا حقَّ للمُدَّعِي فِيهِ، ولا وِلايَةَ له عَلَيهِ؛ كما لو ادَّعى عَلَيهِ حقًّا بغَيرِ إذْنِه، ولا وِلايَةَ له (٥) عَلَيهِ. فإنْ تَضَمَّنتْ دَعْواهُ حقًّا له، مِثْلَ: أنْ يَدَّعِيَ سَرِقةَ مالِه، أو الزِّنى بجارِيَته لِيَأخُذَ مَهْرَها؛ سُمِعَتْ دَعْواهُ، وتَجِبُ اليمينُ مع الإنكار وعَدَمِ البيِّنة، ويُقْضَى بالنُّكول في الغُرم (٦). (وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِي المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ: بِشَاهِدٍ (٧) وَيَمِينِ المُدَّعِي)، تَقدَّمَ في بابِ المشْهُودِ به.

стр. 6702

(وَلَا تُقْبَلُ (١) فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ (٢) وَيَمِينٍ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّ شهادةَ النِّساء ناقِصةٌ، وإنَّما انْجَبَرَتْ بانْضِمامِ الذَّكر إليهنَّ (٣). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُقْبَلَ)، هذا وَجْهٌ؛ لِأنَّ المرأتَينِ في المال يقُومانِ مَقامَ رجلٍ، ويَبطُلُ ذلك (٤) بشهادةِ أربعِ نِسْوةٍ، فإنَّه لا يقبل (٥) إجْماعًا (٦). (وَلَا يُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ: شَاهِدٌ وَيَمِينُ) المُدَّعِي (٧)، وقد سَبَقَ ذكر (٨) ذلك. (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ)، مِثْلَ: أنْ يَدَّعِيَ مائةً (٩) على (١٠) شخصٍ، ويُقِيمَ شاهِدًا، ويُرِيدُ أنْ يَحلِفَ معه، (أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ)، مِثْلَ: أنْ يُدَّعَى عَلَيهِ بمائة (١١)، فيَقُولَ: ما يَسْتَحِقُّ عليَّ شيئًا؛ (حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ)، ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحاب؛ لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَحْلَفَ رجلاً، فقال: «قُلْ: واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هُوَ ما لَه عليك (١٢) حقٌّ» (١٣)، (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْيِ؛ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ).

стр. 6703

وفي «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»: يَحلِفُ في إثْباتٍ ونَفْيٍ على البتِّ، إلَّا لنفي (١) فِعْلِ غَيرِه. ونَقَلَ الجماعةُ: أوْ نَفْيِ دَعْوَى على غَيرِه، فيَكفِيهِ نَفْيُ العِلْم (٢). (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ)، مِثْلَ: أنْ يَدَّعِيَ أنَّ غَيرَه غَصَبَه ثَوبَه: (أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ؛ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ)، اخْتارَه ابنُ أبي مُوسَى، وقدَّمه في «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِحدِيثِ الحَضْرَمِيِّ: «ولكِنْ أحْلِفْهُ (٣) واللهِ ما يَعلَمُ أنَّها أرْضِي غَصَبنيها (٤) أَبُوهُ» رواهُ أبو داودَ (٥)، ولِأنَّه لا يُمكِنُه الإحاطةُ بفِعْلِ غَيرِه، بخِلافِ فِعْلِ نَفْسِه، وكالشَّهادة، فإنَّها تَكُونُ بالقَطْع فِيمَا يُمكِنُ القَطْعُ فِيهِ مِنْ العقود (٦)، وعلى الظَّنِّ فِيمَا لا يُمكِنُ فِيهِ القَطْعُ من الأمْلاكِ والأَنْسابِ، وعلى نَفْيِ العِلْم فِيما لا يُمكِنُ الإحاطةُ بانْتِفائه؛ كالشَّهادة على أنَّه لا وَارِثَ له إلاَّ فُلانٌ وفُلانٌ.

стр. 6704

وعَنْهُ: يمينُ النَّفْي على نَفْيِ العِلْم في كلِّ شَيءٍ. وعَنْهُ: وغَيرُها على العِلْم، اخْتارَه أبو بكرٍ، واحْتَجَّ بالخبر الَّذي ذَكَرَه أحمدُ، عن الشَّيبانيِّ، عن القاسِمِ بنِ عبدِ الرَّحمن مرفوعًا: «لَا تَضطرُّوا (١) النَّاس في أيْمانهم أنْ يَحلِفُوا على (٢) ما لا يَعلَمونَ» (٣). وفي «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يمينُه بَتٌّ على فعله (٤)، ونَفْيٌ على فِعْلِ غَيرِه. وعبدُه (٥) كأجنبيٍّ في حَلِفِه على البتِّ. وأمَّا بهيمتُه؛ فما (٦) يُنسَبُ إلى تفريطٍ وتقصيرٍ؛ فَعَلَى البَتِّ، وإلَّا فَعَلَى نَفْيِ العِلْم، ذَكَرَه في «الرِّعاية» و «الفُروع». (وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُمْ (٧) يَمِينًا وَاحِدَةً، فَرَضُوا؛ جَازَ)، ذَكَرَه أكثرُ الأصحاب؛ لِأنَّ الحقَّ لهم، ولا يَلزَمُ أنْ يكونَ لكلِّ واحِدٍ بعضُ اليمين، كما أنَّ الحقوقَ إذا قامَتْ بها البيِّنةُ الواحِدةُ لا يكُونُ

стр. 6705

لكلِّ حقٍّ بعضُ البيِّنة. وقال القاضِي: ويَحتَمِلُ أنْ لا يصحَّ (١)؛ لِأنَّ اليمينَ حُجَّةٌ في حقِّ الواحِدِ، فإذا رَضِيَ بها اثْنانِ؛ صارَت الحُجَّةُ في حقِّ كلِّ واحِدٍ منهما ناقِصَةً، والحُجَّةُ الناقصةُ (٢) لا تَكمُلُ بِرِضَا الخَصْمِ؛ كما لو رَضِيَ أنْ يَحكُمَ بشاهِدٍ واحِدٍ. (وَإِنْ أَبَوْا؛ حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لِأنَّه مُنكِرٌ لكلِّ واحِدٍ منهم. وحَكَى الإصْطَخْرِيُّ: أنَّ إسماعيلَ بنَ إسْحاقَ القاضِيَ حلَّف رجلاً بحقٍّ لِرَجُلَينِ يمينًا واحِدةً، فخَطَّأَه أهلُ عَصْرِه. فرعٌ: إذا تَوَكَّلَ لجماعةٍ (٤) في دَعْوى واحِدةٍ في حُقوقٍ؛ صحَّ دَعْواهُ بالكلِّ دَفْعةً واحِدةً، وهل تَكفِي يمينٌ للكُلِّ، أوْ أيْمانٌ؟ فِيهِ وَجْهانِ. ومَن ادَّعَى على زَيدٍ شَيئًا بدَعاوى في مَجلِسٍ واحدٍ؛ فلِكلِّ دَعْوى يمينٌ. وقِيلَ: ضِدُّه. وإنِ ادَّعَى الكلَّ دَعْوى واحدةً؛ فيمينٌ واحِدةٌ. وإنِ ادَّعَى ربُّ الماشِيَةِ أنَّه كان باعَها في حَولها، ثُمَّ اشْتَراها، أوْ أخْرَجَ الفَرْضَ إلى ساعٍ آخر (٥)؛ فهل يَحلِفُ وُجوبًا، أو اسْتِحْبابًا؟ على وَجْهَينِ.

стр. 6706

فإن (١) وَجَبَ، فنَكَلَ؛ حُكِمَ عَلَيهِ بالحقِّ، وإن (٢) سُنَّ (٣)؛ فَلَا. وكذا الجِراحُ.

стр. 6707

(فَصْلٌ) (وَالْيَمِينُ المَشْرُوعَةُ: هِيَ (١) الْيَمِينُ بِاللهِ تَعَالَى)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعَام: ١٠٩]، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النُّور: ٦]، ولأخبارٍ (٢)، وهذا (٣) قَولُ عامَّةِ العلماء. (وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ (٤) تَغْلِيظَهَا بِلَفْظٍ، أَوْ زَمَنٍ، أَوْ مَكَانٍ؛ جَازَ)، ولم يُستَحَبَّ، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّه أرْدَعُ للمُنكَر. وقِيلَ: يُكرَهُ، قدَّمه في «الرِّعاية» في غَيرِ لِعانٍ وقَسامةٍ. وعَنْهُ: لا يَجُوزُ، ذَكَرَها في «التَّبصرة»، واختارها (٥) أبو بكرٍ والحُلْوانيُّ؛ لِعَدَمِ ورودِه (٦). ونَصَرَ القاضِي، وأبو الخَطَّاب قال: وأَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ: أنَّها تُغلَّظُ؛ لِأنَّها حُجَّةُ أحدِهما، فَوَجَبَ مَوضِعَ الدَّعْوَى؛ كالبيِّنة. وعَنْهُ: يُستَحَبُّ، وذَكَرَه الخِرَقِيُّ في أهْلِ الذِّمَّة. (فَفِي اللَّفْظِ يَقُولُ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، الطَّالِبُ: اسْمُ فاعِلٍ مِنْ طَلَبَ الشَّيءَ؛ أي (٧): قَصَدَه،

стр. 6708

والغالِبُ: اسْمُ فاعِلٍ مِنْ غَلَبَ يَغْلِبُ، بمَعْنَى: قَهَرَ، والضَّارُّ النَّافِعُ: مِنْ أسماءِ (١) الحُسْنَى؛ أيْ: هو (٢) قادِرٌ على ضُرِّ مَنْ شاءَ ونَفْعِ مَنْ شاء (٣)، وخائنةُ الأَعْيُنِ: تُفسَّر (٤) بأنَّه يُضمِرُ في نَفْسه شَيئًا، ويكف (٥) لِسانَه، ويُومِئُ بعَينِه، فإذا ظَهَرَ ذلك (٦)؛ سُمِّيَتْ خائنةَ الأعْيُنِ. ولم يَذكُر الحَلِفَ بالمصحف، قال ابنُ المنْذِر: لا أعْلَمُ أحدًا أوْجَبَ اليمينَ على المصحف (٧). وقال الشَّافِعِيُّ: رَأيْتُهم يُؤكِّدُونَ اليمينَ بالمصحف، ورَأيْتُ ابنَ مازِنٍ قاضِيَ صَنْعاءَ (٨) يُغلِّظُ اليمينَ به (٩)، قال أصْحابُه: فتغلظ (١٠) عَلَيهِم بإحْضارِ المصحف (١١). قال ابنُ المنْذِر: لا تترك (١٢) سنَّةُ النَّبيِّ ﷺ لِفِعْلِ ابنِ مازِنٍ ولا غَيرِه (١٣).

стр. 6709

(وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ: وَاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَفَلَقَ لَهُ (١) الْبَحْرَ، وَأَنْجَاهُ مِنْ فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ)؛ لمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لليهود (٢): «نَشَدْتُكُم بالله الَّذي أنْزَلَ التَّوراةَ على مُوسَى: ما تَجِدُونَ في التَّوراة على مَنْ زَنَى؟» رواهُ أبو داودَ (٣). (وَالنَّصْرَانِيُّ يَقُولُ: وَاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَجَعَلَهُ يُحْيِي المَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ)؛ لِأنَّه لَفْظٌ تتأكَّد (٤) به يمينُه، أشْبَهَ اليَهوديَّ. وظاهِرُه: أنَّها تُغلَّظُ في حقِّ كلِّ نَصْرانيٍّ بذلك، وفيه (٥) إشْكالٌ؛ لِأنَّ مِنهُمْ مَنْ لا يَعتَقِدُ أنَّ عيسى (٦) رسولُ الله، وإنَّما يَعتَقِدونَه ابْنًا لله، تعالى (٧) الله عن

стр. 6710

ذلك، فتغليظُ اليمين بما ذُكِرَ؛ يُؤدِّي إلى خُروجِ اليمين عن أنْ تكون (١) يمينًا، فضلاً عن أنْ تكُونَ مُغلَّظةً. (وَالمَجُوسِيُّ يَقُولُ (٢): وَاللهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَصَوَّرَنِي (٣)؛ لِأنَّه يُعظِّمُ خالِقَه ورازِقَه، أشْبَهَ كلمةَ التَّوحيد (٤) عِنْدَ المسلِم. وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى: أنَّه يَحلِفُ مع ذلك بما يُعظِّمُه من الأنوار وغَيرِها. والوَثَنِيُّ كالمجوسيِّ، قدَّمَه في «الرِّعاية» وغَيرِها. وذَكَرَ في «الشَّرح» - وهو الأشهر (٥) -: أنَّه يَحلِفُ هو ومَن يَعبُدُ غَيرَ الله تعالَى بالله وَحْدَه. (وَالزَّمَانُ؛ يُحَلِّفُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ (٦)؛ لقوله تعالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المَائدة: ١٠٦]، قِيلَ: المرادُ صلاةَ العَصْر، (أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ)؛ أيْ: بَينَ الأذان والإقامةِ؛ لِأنَّه وَقْتٌ تُرجى (٧) فيه إجابَةُ الدُّعاء (٨)، فتُرجى فِيهِ مُعاجلة (٩) الكاذِبِ. (وَالْمَكَانِ؛ يُحَلِّفُهُ بِمَكَّةَ (١٠) بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ)؛ لِأنَّه مَقامٌ شريفٌ زائدٌ على غَيرِه في الفضيلةِ، (وَفِي الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ)، وقد وَرَدَ في «سُنَن

стр. 6711

ابنِ ماجَهْ»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هِيَ من الجَنَّة» (١). (وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ)؛ كمَدينةِ النَّبيِّ ﷺ : (عِنْدَ المِنْبَرِ)؛ قِياسًا على الخبر الوارِدِ في مِنبَرِ النَّبيِّ ﷺ ، رواهُ مالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأحمدُ، مِنْ حديثِ جابِرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ على مِنبَرِي هذا بيمينٍ (٢) آثِمَةٍ؛ فليتبوأْ مَقْعَدَه من النَّار» (٣). وفي «الواضِحِ»: هل يَرْقَى مُتلاعِنانِ المنبرَ؟ الجَوازُ، وعَدَمُه. وقيل: إنْ قلَّ النَّاسُ؛ لم يَجُز الصُّعودُ، وذَكَرَ أبو الفَرَجِ: يَرْقَيَانهِ (٤)، وفي «الاِنْتِصار»: يشترط (٥) قِيامُه عَلَيهِ؛ لِأنَّه أبْلَغُ. (وَيَحْلِفُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا)؛ لِأنَّ اليمينَ تُغلَّظُ في

стр. 6712

حقِّهم زَمانًا، فكذا مَكانًا، قال الشَّعبيُّ لِنَصْرانيٍّ: «اذْهَبْ إلى البِيعةِ» (١)، وقال كعبُ بنُ سُور (٢) في نَصْرانيٍّ: «اذْهَبُوا به إلى المذبح» (٣). (وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إِلاَّ فِيمَا لَهُ خَطَرٌ؛ كَالْجِنَايَاتِ، وَالْعِتَاقِ، وَالطَّلَاقِ (٤)، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ المَالِ)، قدَّمَه السَّامَرِّيُّ، وجَزَمَ به في «الكافي» وغَيرِه؛ لِأنَّ التَّغليظَ للتَّأكِيدِ، وما لا خَطَرَ فِيهِ؛ لا يَحتاجُ إلى تأكيدٍ. (وَقِيلَ: مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ)؛ لِأنَّ قَطْعَه يَدُلُّ على الاِهْتِمام به، والتأكيدُ يناسبه. وقال ابنُ حَزْمٍ: تُغلَّظ (٥) في القليل والكثير (٦). (وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَرْكَ (٧) التَّغْلِيظِ، فَتَرَكَهُ؛ كَانَ مُصِيبًا)؛ لمُوافَقَته مُطلَقَ النَّصِّ، وقال في «المستوعب»: جَازَ، ولم يكُنْ تارِكًا للسُّنَّة. وتَرْكُ التَّغليظ أَوْلَى، اختاره المؤلِّفُ ونَصَرَه؛ لِظَواهِر النُّصوص (٨)، إلَّا في مَوضِعٍ وَرَدَ الشَّرعُ به وصحَّ؛ كتَحْلِيفِ النَّبيِّ ﷺ اليهودَ بقَولِه: «نَشَدْتُكُم بالله الَّذي لا إلهَ إلَّا هُوَ» (٩). ومَن بَذَلَ اليمينَ دُونَ التَّغليظ؛ لم يكُنْ ناكِلاً، جزمَ (١٠) به في «المحرَّر» و «الفروع».

стр. 6713

وعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لا يُحلَفُ بطلاقٍ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وِفاقًا (١)، وابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا (٢). وفي «الأحكام السُّلْطانِيَّة»: للوالِي إحْلافُ المُتَّهَم بطَلاقٍ وعِتْق وصَدَقَةٍ؛ اسْتِبْراءً وتغليظًا في حقِّ الله تعالَى وحقِّ آدَمِيٍّ. فرعٌ: إذا ادَّعَى حقًّا على مُعْسِرٍ عاجِزٍ عنه وعن بعضه؛ لم يَجُزْ أنْ يَحلِفَ أنَّه لا يَستَحِقُّ عَلَيهِ شَيئًا، ولو نَوَى السَّاعةَ، نَقَلَه الجماعةُ (٣)، وسَواءٌ خاف حَبْسًا أوْ لَا. وجوَّزه صاحِبُ «الرِّعاية» بالنِّيَّة، وهو قَولُ الكرابيسي (٤) وأبِي ثَورٍ، قال في «الفُروعِ»: وهو مُتَّجِهٌ. فإنْ عَلِمَ صاحِبُ الحقِّ بعُسْرته؛ لَزِمَه إنْظارُه، قال في «المستوعب»: ولا يَحِلُّ لمَنْ عَلَيهِ حقٌّ وهو قادِرٌ عَلَيهِ مَنْعُه، إذا الْتَمَسَه مَنْ يَستحِقُّ المُطالَبَةَ به (٥). مسائلُ: الأولى (٦): إذا ادَّعى جماعةٌ مالاً لهم (٧) بشاهد (٨)، أوْ أقَامَ الورثة (٩) شاهِدًا بدَينٍ للميِّت وغَيرِه، وحلفوا (١٠)؛ اسْتَحَقُّوا، ومَنْ نَكَلَ عنها لم يَأخُذْ

стр. 6714

شَيئًا، وإذا مات؛ لم يحلف (١) وَرَثَتُه، وإنْ ماتَ ولم يَنكُلْ؛ حَلَفُوا. ولو كان في الوَرَثة غائبٌ فحضرَ (٢)، أوْ مَجْنونٌ فأَفاقَ؛ حَلَفَ وأخَذَ حَقَّه، ولا يَحتاجُ إلى إعادةِ الشهادة (٣). وقِيلَ: إنْ كان المخلَّفُ دارًا، فَحَلَفَ أحَدُهم؛ اشْتَرَكُوا فِيمَا أَخَذَه، فلو (٤) وَصَّى لِاثْنَينِ مع شاهِدٍ، والآخَرُ مَجْنونٌ أوْ غائبٌ، ثُمَّ زَالَ المانِعُ؛ أُعيدت (٥) الشَّهادةُ مع يَمِينِه، ولا يُجزِئُ يمينٌ قَبْلَ الشَّهادة والتَّزكِيَة. الثَّانِيَةُ: إذا كان لمَيِّتٍ دَينٌ بشاهِدٍ، وعَلَيهِ دَينٌ، فلم يَحلِف الوارِثُ مع الشَّاهِدِ؛ فهل للغريم أنْ يَحلِفَ؟ قال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ وَجْهَينِ، والأصحُّ: إنْ قُلْنا التَّرِكة للوارِث، وتُوفَّى (٦) مِنْ حَيثُ شاء (٧): لم يَحلِفِ الغَريمُ، وإنْ قُلْنا: لا تَنتَقِلُ التَّرِكةُ إلَيهِ قَبْلَ الوفاء؛ حَلَفَ الغَريمُ: أنِّي أسْتَحِقُّ مِنْ دَينِي على الميِّت، أوْ أنَّ له عَلَيهِ دَينَ كَذَا. الثَّالِثَةُ: إذا ادَّعَى الإمامُ أوْ نائبُه حقًّا لِبَيتِ المالِ، أو ادَّعى (٨) وَكِيلُ الفقراء حَقًّا لهم مِنْ وصيَّةٍ ونَحوِها، أوِ ادَّعَى ناظرُ (٩) وَقْفٍ أوْ قَيِّمَ مَسجِدٍ حقًّا لهما، فأنْكَرَهما المدَّعَى عَلَيهِ، ولم يَحلِفْ؛ قُضِيَ عَلَيهِ بالنُّكول، وأُخِذَ منه المدَّعَى به (١٠).

стр. 6715

وقِيلَ: يُحْبَسُ حتَّى يُقِرَّ أوْ يحلف (١). وقِيلَ: بَلْ يَحلِفُ المدَّعِي منهم ويَأخُذُ ما ادَّعاهُ. وقال ابنُ حَمْدانَ: ولا يَحلِفُ إمامٌ ولا حاكِمٌ. وإنْ قُلْنا: يحَلِف أحدُهم، فأقامَ شاهِدًا بما ادَّعاهُ؛ حَلَفَ لِإتْمامِ البيِّنة.

стр. 6716

(كِتَابُ الْإِقْرَارِ) الإقْرارُ: الاِعْتِرافُ، وهو: إظْهارُ الحقِّ لَفْظًا. وقِيلَ: تصديق (١) المدَّعِي حقيقةً أوْ تقديرًا. وشَرْعًا: إظْهارُ المكلَّفِ الرَّشِيدِ المخْتارِ ما عَلَيهِ، لَفْظًا، أوْ كِتابَةً في الأقْيَس، أوْ إشارةِ أخرسَ (٢)، أوْ على مُوكِّلِه، أوْ مَورُوثه، أوْ مُوَلِّيه، بما يُمكِنُ صِدْقُه فيه (٣)، ولَيسَ بإنْشاءٍ. وهو ثابِتٌ بالإجماع (٤)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ … (٨١)﴾ الآيةَ [آل عِمرَان: ٨١] الآيةَ [آل عِمرَان: ٨١]، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التّوبَة: ١٠٢]، و ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعرَاف: ١٧٢]، ورَجَمَ النَّبيُّ ﷺ ماعِزًا والغامِدِيَّةَ به (٥)، وقال لِأَنَيسٍ: «اغْدُ على امْرأةِ هذا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» (٦)، ولِأنَّه إخْبارٌ على وَجْهٍ تَنتَفِي عنه التُّهمةُ والرِّيبةُ، ولهذا كان آكَدَ من الشَّهادة، فإنَّ المدَّعَى عَلَيهِ إذا اعْتَرَفَ؛ لا تُسمَعُ عَلَيهِ الشَّهادةُ، وإنْ كَذَّبَ المدَّعِي بيِّنتَه؛ لم تُسمع، فلو كَذَّب المقِرَّ ثمَّ صدَّقه؛ سُمِع (٧). (يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ، مُخْتَارٍ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ)، كذا في

стр. 6717

«الوجيز»؛ أي (١): يَصِحُّ بما يُتصَوَّرُ مِنه الْتِزامُه؛ كحقِّ آدَمِيٍّ، وحقِّ الله (٢) تعالَى لا يَسقُطُ بالشُّبهةِ؛ كزكاةٍ وكفَّارةٍ، بشَرْطِ كَونِه بِيَدِه ووِلايَتِه واخْتِصاصِه، لا مَعْلومًا، ولا ما هُوَ مِلْكُه حِينَ الإقْرارِ به على الأَشْهَر، ولا ما (٣) يَستَحِيلُ مِنهُ، ولا لِمَنْ لا يَصِحُّ أنْ يَثبُتَ ذلك له بحالٍ. وأمَّا إقْرارُه على ما في يَدِ غَيرِه وتَصرُّفه شَرعًا؛ فدعْوى أوْ شَهادةٌ، فإذا صارَتْ بيده وتَصرُّفِه شرعًا؛ لَزِمَه حُكمُ إقْرارِه، وتصحُّ (٤) مع إضافةِ الملْك إلَيهِ؛ كدَارِي، على الأصحِّ. (فَأَمَّا الصَّبِيُّ، وَالمَجْنُونُ؛ فَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُمَا)؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثٍ … » الخبرَ (٥)، وكذا حُكمُ المُبَرْسَمِ، والمُغْمَى عَلَيهِ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)؛ ولِأنَّه التزام (٧) حقٍّ بالقَولِ؛ فلم يَصِحَّ منه (٨) كالبَيعِ. وهذا إذا كان الجنون (٩) مُطبِقًا، فإنْ كان غَيرَ مُطبِقٍ؛ فيَصِحُّ إقْرارُه في إفاقَتِه. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ)؛ كالبالِغِ، نَصَّ عَلَيهِ في رِوايَةِ مُهَنَّى (١٠)، ذَكَرَه في «المستوعب»

стр. 6718

و «المحرَّر»، وصحَّحه في «الكافي»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كعَبْدٍ قَبْلَ حَجْرِ سيِّدِه عَلَيهِ. وذَكَرَه في «الرِّعاية»، وزاد: مع اخْتِلافِ الدِّين واتِّفاقِه. وقِيلَ: يَصِحُّ في الشَّيء اليسيرِ. ومَنَعَ في «الاِنْتِصار» عَدَمَ صِحَّتِه، ثُمَّ سَلَّم؛ لِعَدَمِ مصلحتِه فِيهِ. وكذا الدَّعْوَى، وإقامةُ البيِّنة، والتَّحْليفُ، ونَحوُه. وأطْلَقَ في «الرَّوضة» صحة (١) إقْرارِ مُمَيِّزٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: في إقْرارِه رِوايَتانِ؛ أصَحُّهما وأنَصُّهما: يَصِحُّ إذا أقرَّ في قَدْرِ إذْنِه. والثَّانِيَةُ: لا يَصِحُّ حتَّى يَبلُغَ؛ لِعُمومِ الخَبَر، وكالطفل (٢)، وحَمَلَها القاضي على غَير المأذون، قال الأَزَجِيُّ: هو (٣) حَمْلٌ بلا دليلٍ. (دُونَ مَا زَادَ)؛ لِأنَّ مُقتَضَى الدَّليل: عَدَمُ صِحَّةِ إقْرارِه، تُرِكَ العَمَلُ به فِيما أُذِنَ له فيه، فيَبقَى ما عَداهُ على مُقتَضاهُ. تنبيهٌ: إذا أقرَّ مَنْ شُكَّ في بُلوغِه، فأنْكَرَه؛ صُدِّقَ بلا يمينٍ، قاله الشَّيخانِ؛ لحكمنا (٤) بِعَدَمِ يمينِه؛ أيْ: بِعَدَمِ يمينِ الصَّبيِّ، ولو ادَّعاه بالسنِّ؛ قُبِلَ ببيِّنةٍ. وفي (٥) «التَّرغيب»: يُصدَّقُ صبيٌّ ادَّعَى البُلوغَ بلا يمينٍ. وإنْ قال: أنا صبِيٌّ؛ لم يُحلَّفْ، ويُنتظَرُ بُلوغُه.

стр. 6719

وفي (١) «عُيونِ المسائل»: يُصدَّقُ في (٢) سِنٍّ يَبلُغُ في مِثْلِه، وهو تِسْعُ سِنِينَ، ويَلزَمُه بهذا البُلوغِ ما أَقَرَّ به، قال: وعلى قِياسِه الجارِيَةُ. فإن ادَّعى أنَّه أنْبَتَ بعِلاجٍ أوْ دَواءٍ، لا بالبُلوغِ؛ لم يُقبَلْ، ذَكَرَه المؤلِّفُ في «فَتاوِيهِ». أمَّا لو قال بَعْدَ البُلوغ: لم أكُنْ بالِغًا وَقْتَ الإقرار؛ قُبِلَ قَولُه مع يمينه، جَزَمَ به في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لِأنَّ الأصْلَ الصِّغَرُ. والثَّاني: لا يُقبَلُ؛ لِتَعلُّقِ الحقِّ بذِمَّتِه ظاهِرًا. ولو ادَّعَى أنَّه كان زائلَ العَقْل؛ لم يُقبل (٣) إلَّا ببيِّنةٍ؛ لِأنَّ الأصلَ السَّلامةُ. وذَكَرَ الأَزَجِيُّ: يُقبل (٤) إذا كان عُهِدَ منه جُنونٌ في بعض أوْقاته، قال في «الفروع»: ويتوجَّه قَبولُه ممَّن غَلَبَ عَلَيهِ. (وَكَذَلِكَ العَبْدُ المَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ)؛ قِياسًا عَلَيهِ، بل (٥) هذا أَوْلَى؛ لأِنَّه مُكلَّفٌ، ولا يُحبَسُ به. وفي «الموجز» و «التَّبصرة»: يَصِحُّ بَعْدَ حَجْرِ سيِّدِه، نَقَلَ ابنُ مَنصُور: إذا أَذِنَ لِعَبده فأَقَرَّ؛ جَازَ (٦)، وإنْ حَجَرَ عَلَيهِ وفي يَدِه مالٌ، ثُمَّ أَذِنَ فأقرَّ به؛ صَحَّ، ذَكَرَه الأَزَجِيُّ وصاحِبُ «الترغيب» وغَيرُهما. (وَلِا يَصِحُّ إِقْرَارُ السَّكْرَانِ)؛ أيْ: في حالِ غَيرِ إفاقَتِه، نَصَرَه في

стр. 6720

«الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز» وغَيره؛ لِأنَّه غَيرُ عاقِلٍ فلم يَصِحَّ منه كالمجْنونِ، ولِأنَّه لا يُوثَقُ بصِحَّة قولِه (١). (وَيَتَخَرَّجُ: صِحَّتُهُ (٢)، بِنَاءً عَلَى طَلَاقِهِ)؛ لِأنَّ أفْعالَه تَجْرِي مَجْرَى أفْعالِ الصَّاحِي. وقال في «الكافي»: السَّكرانُ بمَعْصِيةٍ؛ حُكْمُ إقْرارِه حُكْمُ طَلاقِه. قال في «الشَّرح»: أمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُه بسببٍ مُباحٍ؛ فلا يَصِحُّ إقراره (٣) بغَيرِ خِلافٍ (٤). (وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ المُكْرَهِ)؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٥)، ولِأنَّه قَولٌ أُكْرِهَ عَلَيهِ بغَيرِ حقٍّ، فلم يَصِحَّ منه (٦)؛ كالبيع. فَعَلَى هذا: تَحرُمُ الشَّهادةُ عَلَيهِ، وكَتْبُ حجَّةٍ (٧) عَلَيهِ، قاله في «النُّكَت». (إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ (٨)، مِثْلَ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لإِنْسَانٍ (٩)، فَيُقِرَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ، فَيُقِرَّ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ، فَيُقِرَّ بِدَرَاهِمَ؛ فَيَصِحُّ) إقْرارُه؛ لِأنَّه أَقَرَّ بما (١٠) لم يُكرَهْ عَلَيهِ،

стр. 6721

فصحَّ (١) منه؛ كما لو أَقَرَّ به ابتداء (٢). وَذَكَرَ في «الرِّعاية»: أنَّه إذا أُكْرِهَ أنْ يُقِرَّ بألْفٍ، فأَقَرَّ ببعضها؛ لم يَصِحَّ. فإن (٣) ادَّعَى أنَّه كان مُكرَهًا؛ لم يُقبَلْ منه؛ لِأنَّ الأصْلَ السَّلامةُ، لكِنْ إنْ ثَبَتَ أنَّه كانَ مُقَيَّدًا، أوْ مَحْبوسًا، أوْ مُوَكَّلاً به، أوْ هدَّدَه قادِرٌ؛ قُبِلَ قَولُه مع يمينه؛ لِأنَّ هذا دلالة على (٤) الإكْراهِ. قال الأَزَجِيُّ: لو أقام بيِّنةً بأَمارةِ الإكْراه اسْتَفادَ بها أنَّ الظَّاهِرَ معه، فيَحلِفُ ويُقبَلُ قَولُه، ولم يَرتَضِه في «الفروع». فرعٌ: تُقدَّمُ بيِّنةُ الإكْراه على بيِّنة (٥) الطَّواعِيَةِ، وقِيلَ: يَتعارَضانِ، وتَبقَى الطَّواعِيَةُ فلا يُقضَى بها. ولو قال مَنْ (٦) ظاهِرُه الإكراه (٧): عَلِمْتُ لو لم أُقِرَّ - أيْضًا - أُطْلِقْتُ، فلم أكُنْ مُكرَهًا؛ لم يَصِحَّ؛ لِأنَّه ظَنٌّ منه، فلا يُعارِض (٨) يقينَ الإكْراهِ. (وَإِنْ (٩) أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ ثَمَنٍ، فَبَاعَ دَارَهُ فِي ذَلِكَ؛ صَحَّ)، وكُرِهَ شِراؤه، نَصَّ عَلَيهِ (١٠)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرعاية» (١١)، وجَزَمَ به في «الشَّرح» و «الوجيز»؛ لِأنَّه لم يُكرَهْ على البَيع، أشْبَهَ ما لو لم يُكرَهْ أصْلاً.

стр. 6722

والثَّانِيَةُ: لا يَصِحُّ؛ لمَا سَبَقَ. مسألةٌ: إذا أَقَرَّ بغَيرِ حدٍّ خالِصٍ لله تعالَى، ثُمَّ رَجَعَ عن إقْرارِه؛ لم يُقبَلْ، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح»، زَادَ: ولا نَعلَمُ فِيهِ خِلافًا (١)؛ لِأنَّه حقٌّ ثَبَتَ لغَيرِه، فلم يُقبَلْ رُجوعُه عنه. وقدَّمَ أبو بكرٍ في «التَّنبيه»: أنَّ مَنْ أَقَرَّ بمالٍ أوْ حدٍّ؛ أنَّه يُقبَل رُجوعُه. قال السَّامَرِّيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يكُونَ هذا مَذهَبًا، ولَيسَ له وَجْهٌ، وهو مُسلَّمٌ في الأوَّل لا الثَّاني. وإنْ أقرَّ المحْجُورُ عَلَيهِ بمالٍ؛ لم يَلزَمْه في حالِ حَجْرِه، تَقدَّمَ في بابِه. (وَأَمَّا المَرِيضُ مَرَضَ (٢) المَوْتِ المَخُوفِ؛ فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ المَالِ)؛ لِعَدَمِ التُّهمة. (وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ؛ صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، كذا صحَّحه في «المحرَّر»، وفي «الكافي» (٣): أنَّه ظاهِرُ المذْهَب، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّه غَيرُ متَّهم في حقِّه (٤)، بخِلافِ الوارِثِ، وهذا قَولُ أكْثَرِهم، وذَكَرَ ابنُ المنْذِر أنَّه إجْماعُ مَنْ يُحفَظُ عَنْهُ (٥)، فهو كالإقْرارِ في الصِّحَّة. (وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ (٦) بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ)؛ لِأنَّه مَمْنوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ ذلك للأجنبِيِّ، بخِلافِ الثُّلث فما دُونُ.

стр. 6723

وعَنْهُ: لا يَصِحُّ مُطلَقًا، ذَكَرَها في «الكافي» و «الشَّرح»؛ كالإقْرارِ لِوارِثٍ، ولِأنَّ حقَّ الوَرَثَة تَعلَّقَ بمالِه، أشْبَهَ المفْلِسَ. (وَلَا يُحَاصُّ المُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ (١)، قال القاضِي: هو قِياسُ المذْهَبِ، وصحَّحه السَّامَرِّيُّ، سَواءٌ أخبر (٢) بِلُزومِه قَبْلَ المرض أوْ بَعْدَه؛ لِأنَّه أَقَرَّ بَعْدَ تَعلُّقِ الحقِّ بتَرِكَتِه؛ كما لو أَقَرَّ بَعْدَ الفَلَس. (وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالقَاضِي (٣)، وهو ظاهِرُ «الخِرَقِيِّ»، واخْتارَه ابنُ أبي مُوسَى، وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ: (يُحَاصُّهُمْ) إذا لم يكُنْ في التَّرِكة وَفاءٌ للجميع؛ لِأنَّهما حَقَّانِ يَجِبُ قَضاؤهما مِنْ رأسِ المال، فَتَسَاوَيَا؛ كدَينِ الصِّحَّة، وكما لو ثَبَتَا بالبيِّنة. وعلى الثَّانية التي (٤) نَقُولُ: لا تَصِحُّ بزيادةٍ على الثُّلث؛ لا يحاص (٥). فإن (٦) أَقَرَّ لهما جميعًا في المرضِ؛ تساويا (٧)؛ لِأنَّهما تساويا (٨) في الحالِ؛ كغَرِيمَيِ الصِّحَّة. فرعٌ: إذا أَقَرَّ المريضُ بعَينٍ ثُمَّ بدَينٍ، أوْ عَكْسِه: فَرَبُّ العَينِ أحقُّ. وفي الثَّانية: احْتِمالٌ في «نِهايَةِ الأَزَجِيِّ»؛ كإقْرارِه بدَينٍ. فإنْ أقرَّ بعَينٍ؛ لَزِمَه في حقِّه، ولم يَنفَرِدْ بها المُقَرُّ له حتَّى يَسْتَوْفِيَ الغُرَماءُ في الأَشْهَر.

стр. 6724

(وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ (١)؛ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا (٢) بِبَيِّنَةٍ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، قال جماعةٌ: أوْ أجازَهُ بقيَّةُ الوَرَثةِ. وظاهِرُ نصِّه: لا (٤)، وهو ظاهِرُ «الاِنْتِصار». والأوَّلُ: أَوْلَى؛ لِأنَّه إيصالُ (٥) المالِ إلى وَارِثه بقَولِه، فلم يصح (٦) كالهِبَة والوصيَّة، بخِلافِ ما إذا كان له بيِّنةٌ، أوْ أجازَ الوارثُ (٧)؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ. واخْتارَ بعضُهم: يَصِحُّ إذا (٨) لم يُتَّهَمْ؛ كمَنْ له بِنْتٌ وابنُ عمٍّ، فَأَقَرَّ لِابْنَتِه؛ لم يُقبَلْ، وإنْ أَقَرَّ لاِبْنِ عمِّه؛ قُبِلَ. وجَوابُه: أنَّ التُّهمةَ لا يُمكِنُ اعْتِبارُها بنَفْسِها، فَوَجَبَ اعْتِبارُها بمَظِنَّتها، وهو الإرْثُ. وعنه (٩): يَصِحُّ مُطلَقًا، وقاله الحَسَنُ وعَطاءٌ وإِسْحاقُ؛ لِأنَّ مَنْ صَحَّ الإقْرارُ له في الصِّحَّة؛ صَحَّ في المرض؛ كالأجنبيِّ. وعلى الأوَّلِ: (إِلَّا أَنْ يُقِرَّ لاِمْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، فَيَصِحُّ)، نَصَّ عَلَيهِ (١٠)، بالزَّوجِيَّةِ لا بإقراره (١١)، جَزَمَ به في «الكافي» و «الشَّرح» و «الوجيز»، وقدَّمه

стр. 6725

في «الفروع»؛ لِأنَّه إقْرارٌ بما تحقَّقَ سبَبُه، وعُلِمَ وُجُوبُه، ولم تُعلم (١) البراءةُ منه، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى عبدًا فأَقَرَّ للبائع بثَمَنِ مِثْلِه، نَقَلَ أبو طالِبٍ: يكُونُ مِنْ الثُّلث (٢). وفي «التَّبصرة»، و «نِهايَةِ الأَزَجِيِّ»، و «المغْنِي»، و «التَّرغيب»: يَصِحُّ بمهرِ (٣) مِثْلِها، فظاهِرُه: أنَّهم جَعَلُوهُ لها بالإقرار، لا بالزَّوجِيَّة. وعَنْهُ: لا يَصِحُّ، وهو قَولُ الشَّعبِيِّ؛ لمَا تَقدَّمَ. فلو أَقَرَّتْ أنَّه لا مَهْرَ لها عَلَيهِ؛ لم يَجُزْ إلَّا أنْ يقيم (٤) بيِّنةً أنَّها أَخَذَتْه منه، نَقَلَه مُهَنَّى (٥). (وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ) بِمالٍ؛ (فَهَلْ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يَصِحُّ، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ كما لو أَقَرَّ بلَفْظَينِ. والثَّانِي: لا يَصِحُّ؛ كما لو شَهِدَ لاِبْنِه وأجنبيٍّ بشَيءٍ. وفَرَّقَ في «الشَّرح» بَينَهما: بأنَّ الإقْرارَ أقْوَى، ولذلك لا تعتبر (٦) فيه العدالةُ. وقِيلَ: لا يَصِحُّ إنْ عَزاهُ إلى سببٍ واحِدٍ. فرعٌ: يَصِحُّ إقْرارُه بأخْذِ دَينِ صحَّةٍ ومَرَضٍ مِنْ أجنبيٍّ، في ظاهِرِ كلامِه،
следующие страницы →