← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقد تُكلِّم فيهما من قبل حفظهما. وفي لفظ: «ومحجَّة الطريق» بدل «قارعة»، وهي الطَّريق الجادَّة المسلوكة في السَّفر، وليس المرادُ كلَّ طريق؛ لأنَّه لا يخلو موضع من المشي فيه، ولهذا ذكر ابن تميم وصاحب «الشَّرح»: لا بأس بطُرُق الأبياتِ القليلةِ. تنبيه: أسطِحةُ مواضع النَّهي؛ كهِي عند أحمد وأكثر الأصحاب؛ لأنَّ الهواءَ تابِعٌ للقرار، بدليل الجنب يُمنع من اللُّبث على سطح المسجد، ويحنث بدخول سطح الدَّار إذا حلف لا يدخلها، فيعود الضَّمير إلى الكُلِّ، وهو ظاهر «المغني». وظاهر كلامه هنا: أنَّ الأسطحة لا يكون لها حكم القرار، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لما ذكرنا. قال أبو الوفاء: لا سطح نهر؛ لأنَّ الماء لا يصلَّى عليه، واختار أبو المعالي وغيره الصحَّة؛ كالسَّفينة، قال: ولو جمَد الماءُ؛ فكالطريق (١)، وذكر بعضهم الصحَّة. (وَتصِحُّ (٢) الصَّلَاةُ إِلَيْهَا) مع الكراهة، نَصَّ عليه (٣)، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه جماعة؛ لقوله ﵇: «وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا» (٤). (إِلاَّ الْمُقْبَرَةَ)، اختاره الشَّيخان، قال في «الفروع»: (وهو أظهر)؛ لما روى أبو مرثد الغنوي (٥): أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا تُصلُّوا إلى القبور،

стр. 667

ولا تجلسوا إليها» رواه مسلم (١). (وَالْحَشِّ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ)، وهو رواية عن أحمد، وقيل: وحمَّام، وشرطه: لا حائل ولو كمؤْخِرة الرَّحل، وظاهره: ليس (٢) كسُترة صلاة فيكفي الخطُّ، بل كسُترة المتخلِّي. ولا يضرُّ بُعْد كثير عرفًا. وعنه: لا يكفي حائط المسجد، جزم به جماعة؛ لكراهة السَّلف الصَّلاة في مسجد في قبلته (٣) حَشٌّ (٤). وتأوَّل ابن عقيل النَّصَّ على سراية النَّجاسة تحت مقام المصلِّي، واستحسنه صاحب «التَّلخيص». وعنه: لا يصلَّى إلى ذلك، وقارعة الطَّريق، فإن فعل؛ فقال أبو بكر: في الإعادة قولان (٥)، والصَّحيح: أنْ لا إعادة (٦) على الجميع، قاله ابن تميم وغيره، واختار أبو بكر خلافه.

стр. 668

قال القاضي: يقاس على ذلك سائر مواضع النَّهي إلاَّ الكعبة. وفيه نظر؛ لأنَّ النَّهي عنده تعبُّد (١)، وشرطه (٢) فَهْم المعنى. تذنيب: ما زال اسمُه مما نُهي عنه؛ زال المنعُ منه في الأشهر. والمصلِّي في مسجد بُنِيَ في مقبرة؛ كالمصلي فيها؛ لأنَّه لا يخرج بذلك عن أن يكون مقبرة، لكن إن حدث حول المسجد؛ لم يمنع الصَّلاة فيه، زاد في «الشَّرح»: (بغير خلاف؛ لأنه لم يتبع (٣) ما حدث بعده)، وكذا إن حدث في قبلته فهو كالمصلِّي إليها. مسألة: تصحُّ (٤) الصَّلاة في أرض السِّباخ على الأصحِّ. وفي «الرِّعاية»: يُكرَه كأرض الخسف، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه موضع مسخوط عليه. ولا تصحُّ (٦) في عجَلة سائرةٍ، ولا أُرجوحَةٍ تَحرَّك؛ لأنَّه ليس بمستقرِّ القدمين على الأرض (٧)، كما لو سجد على بعض أعضاء السُّجود وترك الباقي معلَّقًا. وفيه وجه، وقدَّم في «الشَّرح»: أنَّها تصحُّ (٨) على العجلة إذا أمكنه ذلك. والمربوط في الهواء يُومئ. (وَلَا تَصِحُّ (٩) الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا)، هذا هو المشهور،

стр. 669

وجزم به أكثر الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]، وللخبر (١). والمصلِّي فيها أو عليها غير مستقبل لجهتها (٢)، ولأنَّ المصلِّي فيها مستدبر (٣) منها ما يصلح أن يكون قبلة مع القدرة، وذلك يبطل الفرض، والمصلِّي عليها ليس مصلِّيًا، وقد أمر بالصَّلاة إليها. وظاهره: لا فرق بين أن يسجد على منتهى الكعبة أو يقف عليه، أوْ لَا، وذكره ابن هبيرة وصاحب «التَّلخيص». وجزم (٤) في «المحرَّر»، وهو ظاهر كلام أحمد (٥): أنَّه إذا وقف على منتهاها بحيث إنَّه لم يبق وراءه شيء منها، أو قام خارجها وسجد فيها؛ فإنَّه يصح (٦)؛ لأنَّه استقبله، ولم يستدبر منه شيئًا، كما لو صلَّى إلى أحد أركانه، وظاهر كلام الأكثر بخلافه. وعنه: تصحُّ (٧)، وهو ظاهر ما قدَّمه في «الكافي»، واختاره الآجُرِّيُّ؛ كمن نذر الصَّلاة فيها.

стр. 670

وعنه: مع الكراهة. وعنه: إن جهل النَّهي؛ لأنَّه معذور. (وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ) فيها على الأصحِّ، وعليها، لا نعلم فيه خلافًا، قاله في «المغني» و «الشَّرح»؛ لما روى ابن عمر قال: «دخل النَّبيُّ ﷺ البيت (١)، هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب (٢)، فلمَّا فتحوا كنت أوَّلَ من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلَّى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانِيَيْنِ» متفق عليه (٣). لا يقال: فابن (٤) عباس قال: «لم يصلِّ فيها» (٥)؛ لأنَّه نفي، والإثبات مقدَّم عليه، خصوصًا ممَّن كان حاضر القصة، ولأنَّ مبناها على التَّخفيف والمسامحة، بدليل صحَّتها قاعدًا أو إلى غير القبلة على الرَّاحلة. وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه لا يصحُّ نفل فوقها في الأصحِّ، ويصحُّ فيها على الأصحِّ، واقتصر جماعة على الصحَّة هنا. وشرطها: (إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا)؛ ليكون مستقبِلاً بعضَها، فعلى هذا: لو صلَّى إلى جهة الباب أو على ظهرها ولا شاخص متَّصل بها؛ لم يصحَّ، وذكره في «الشَّرح» عن الأصحاب؛ لأنَّه غير مستقبِل لشيء منها. فإن لم يكن شاخِصًا؛ فوجهان. قال في «المغني»: (والأولى أنَّه لا يشترط كون شيء منها بين يديه؛ لأنَّ الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها، بدليل ما لو انهدمت)

стр. 671

والعياذ بالله تعالى، ولهذا تصحُّ (١) على أبي قبيس؛ فإنَّه (٢) أعلى منها. وقيل: لا تصحُّ (٣) على ظهرها. وقيل: لا تصحُّ (٤) فيها إن نُقض البناء وصُلِّي إلى الموضع. والحِجْر منها، نَصَّ عليه (٥)، وهو ستَّةُ أذرُع وشيء، فيصحُّ التوجُّه إليه. وقال ابن حامد وابن عقيل: لا، وقاله أبو المعالي في المكِّي. ويسنُّ النَّفل فيه، والفرض (٦) كداخلها في ظاهر كلامهم، والله أعلم. مسألة: يُستحبُّ نفله فيها. وعنه: لا. ونقل الأثرم: يصلِّي فيها إذا دخل وجاهه، كذا فعل النَّبيُّ ﷺ (٧)، ولا يصلِّي حيث شاء. ونقل أبو طالب: يقوم كما قام ﵇ بين الأسطوانتين (٨).

стр. 672

(بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) قال الواحِديُّ: (القِبلة: الوِجهة، وهي الفِعلة من المقابلة، والعرب تقول: ما له قبلة ولا دبرة، إذا لم يهتد (١) لجهة أمره) (٢). وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجِلسة للحال التي يجلس عليها، إلاَّ أنَّها الآن صارت كالعَلَم للجهة التي يستقبلها المصلِّي، وسمِّيت قبلة لإقبال النَّاس عليها. وقيل: لأنَّه يقابلها، وهي تقابله. (وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]، قال علي: «شطره قِبَلَه» (٣)، وقال ابن عمر: «بينما النَّاسُ بقباء في صلاةِ الصُّبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبلَ القبلةَ، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشَّامِ، فاستداروا إلى الكعبةِ» متفق عليه (٤). واختُلف: هل كانت شرعة التوجُّه إلى بيت المقدس بالمدينة بالسُّنَّة أو القرآن؟ على قولين ذكرهما القاضي، وذكر ابن الجوزي عن الحسن وأبي العالية والربيع وعكرمة: أنَّه كان برأيه واجتهاده. قال في «الفروع»: (ولم يصرِّحوا بصلاته قبل الهجرة، وسئل عنها

стр. 673

ابن عقيل فقال: الجواب: ذكر ابن أبي خَيثمة (١) في «تاريخه» أنَّه قيل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى إلى الكعبة قبل الهجرة، وصلَّى إلى بيت المقدس بالمدينة (٢). (إِلاَّ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْه)؛ كالمربوط إلى غير القبلة، والمصلوب ونحوهما؛ لأنَّه شرط عجز عنه، فسقط؛ كالقيام، ومنه: إذا اشتدَّ الخوف عند التحام الحرب، ويأتي. (وَالنَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ)، هو عبارة عن قطع المسافة، وجمعه: أسفار، يسمَّى بذلك؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق الرِّجال، قاله ثعلب (٣). (الطَّوِيلِ)، قال ابن عبد البَرِّ: (أجمعوا على أنَّه جائز لكل من سافر سفَرًا تُقصر (٤) فيه الصَّلاة أن يتطوَّع على دابَّته حيثما توجَّهت به) (٥). (وَالْقَصِيرِ)، هو مغنٍ عن الأوَّل؛ لأنَّه إذا جاز في القصير (٦) جاز في الطَّويل من باب أولى، وجزم به الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٥]، قال ابن عمر: «نزلت في التَّطوُّع خاصَّة» (٧)، ولما روى هو: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يسبِّحُ على ظهرِ راحلتِهِ حيث

стр. 674

كان وجهُهُ، يُومئُ برأسِهِ، وكان ابنُ عمر يفعلُهُ» متفق عليه، وللبخاري: «إلاَّ الفرائض» (١)، ولم يفرِّق بين طويل السَّفر وقصيره، ولأنَّ ذلك تخفيف في التَّطوُّع، لئلاَّ (٢) يؤدِّي إلى تقليله (٣) لو قطعه، فاستويا فيه إذا كان مباحًا. زاد في «التَّلخيص» وابن تميم وغيرهما: إذا كان يقصد جهة معيَّنة، لا من ركب (٤) التعاسيف (٥)، ويومئ (٦) بالرُّكوع والسُّجود، وهو أخفض من ركوعه، هذا إذا كان الرَّاكب يحفظ نفسه بفخذيه وساقيه؛ كراحلة القتَب (٧). فأمَّا إذا كان في الهَودج والعمارية (٨)؛ فإن أمكنه الاستقبال في جميعها والرُّكوع والسُّجود؛ لزمه كراكب السَّفينة؛ لأنَّه ممكن غير مشقٍّ، وإن قدر على الاستقبال دونهما؛ لزمه وأومأ بهما، نَصَّ عليه (٩). وقال أبو الحسن التَّميمي: لا يلزمه ذلك؛ لأنَّ الرُّخصة العامَّة مستوٍ (١٠) فيها (١١) من وجدت فيه المشقَّة وغيره؛ كالقصر والجمع، ولعلَّه موافق لظاهر كلامه.

стр. 675

ويعتبر طهارة محلِّه، نحو سرْج وركاب. ولا فرق في المركوب بين أن يكون بعيرًا أو غيره. وظاهره: أنَّه لا يجوز في الحضر على المذهب؛ لأنَّه لم ينقل عنه ﵇. وعنه: يجوز للسَّائر الرَّاكب خارج المصر، فعله أنس (١)؛ لأنَّه راكب أشبه المسافر. (وَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي) في السَّفر سائرًا؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢): إحداهما: لا يجوز، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ و «الوجيز»؛ لأنَّ الرُّخصة وردت في الرَّاكب، والماشي بخلافه؛ لأنَّه يأتي في الصَّلاة بمشي متتابع وعمل كثير، فلم (٣) يصحَّ الإلحاق. والثَّانية، نقلها المثنَّى بن جامع (٤): يجوز، اختاره القاضي، وجزم به ابن الجوزي، وقدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه ابن تميم. وفي «الفروع»: (لأنَّ الصَّلاة أبيحت للرَّاكب لئلاَّ (٥) ينقطع عن النَّافلة في السَّفر، وهو موجود في الماشي) (٦).

стр. 676

فعلى هذا؛ يلزمه أن يفتتحها إلى القبلة إذا أمكنه روايةً واحدةً، ويركع ويسجد بالأرض إليها (١)؛ لأنَّه ممكن، ويفعل ما سوى ذلك ماشيًا إلى جهة سيره. وقيل: يومئ (٢) بهما إلى جهة سيره. وقيل: ما سوى القيام يفعله إلى القبلة غير ماشٍ. (فَإِنْ أَمْكَنَهُ)؛ أي: الرَّاكب (افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ)؛ أي: بالإحرام (إِلَى الْقِبْلَةِ)، بالدَّابَّة أو بنفسه كراكب راحلة منفرِدة تُطيعه؛ (فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يلزمه بلا مشقَّة (٣)، جزم به في «الوجيز»، ونقله واختاره الأكثر، وذكره (٤) أبو المعالي وغيره المَذْهب؛ لما رَوى أنسٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سافرَ وأرادَ أن يتطوَّعَ؛ استقبل (٥) بناقتِهِ القِبلة، فكبَّر ثمَّ صلَّى حيث كان وِجهةُ رِكابِهِ» رواه أحمد، وأبو داود وهذا لفظه، وهو حديث حسن (٦)، ولأنَّه أمكنه ابتداء الصَّلاة إلى القبلة فلزمه، وكراكب السَّفينة. والثَّانية: لا يلزمه، اختاره أبو بكر، ورجَّحه في «المغني» وغيره؛ لما فيه من المشقَّة، ولحديث ابن عمر (٧)، ولأنَّه جزء من الصَّلاة أشبه سائرها، ويُحمل الخبر الأوَّل على الاستحباب.

стр. 677

وعُلم منه: أنَّه إذا لم يمكنه استقبالها به؛ كراكب راحلة لا تطيعه، أو جمل مقطور (١) لا يمكنه إدارته؛ لم يلزمه؛ لأنَّه عاجز عنه (٢)، أشبه الخائف، وقال القاضي: يحتمل أن يلزمه. ولم يتعرَّض لذكر الرُّكوع والسُّجود، والمذهب: أنَّه يلزمه إذا أمكنه من غير مشقَّة، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه كسفينة، قاله جماعة، فدلَّ أنَّه وفاق. وقيل: لا يلزمه، وذكره في «الرِّعاية» روايةً؛ للتَّساوي في الرُّخص العامَّة، فدلَّ أنَّ السَّفينة كذلك كالمحفَّة. تذنيب: إذا نذر الصَّلاة عليها؛ جاز. وذكر القاضي قولاً: لا، فيتوجَّه مثله (٤) من نذر الصَّلاة في الكعبة. فرع: إذا عذر من عدلت به دابَّته عن جهة سيره، أو عدل هو إلى غير القبلة وطال؛ بطلت. وقيل: لا، فيسجد للسَّهو؛ لأنَّه مغلوب كساهٍ. وإن لم يعذر (٥)؛ بأن عدلت دابَّته وأمكنه ردُّها، أو عدل إلى غيرها مع علمه؛ بطلت. وكذا إن انحرف عن جهة سيره، فصار قفاه إلى القبلة عمدًا، إلاَّ أن يكون ما انحرف إليه جهة القبلة، ذكره القاضي. وإن وقفت دابته تعبًا، أو منتظِرًا رُفقةً، أو لم يسر كسيرهم، أو نوى النُّزول ببلد دخله؛ استقبل القبلة.

стр. 678

وإن نزل في أثنائها؛ نزل مستقبلاً وأتمَّها، نَصَّ عليه (١). وإن أقام في أثنائها؛ أتمَّ صلاة مقيم، وإن ركب ماش فيها؛ أتمَّها، والمقدَّم بطلانها. (وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ؛ إِصَابَةُ الْعَيْنِ)؛ أي: عين الكعبة (لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا)، وهو من كان معاينًا لها، أو ناشئًا بمكة، أو كثُر (٢) مقامُه فيها، فيلزمه بحيث لا يخرج شيء من بدنه عنها، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه قادر على التوجُّه إلى عينها قطعًا، فلم يجز العدول عنه والتوجُّه إليها ظنًّا. فعلى هذا: لو خرج ببعض بدنه عن مُسامَتِها (٤)؛ لم تصحَّ (٥)، وقيل: بلى. فإن كان ثمَّ حائل أصليٌّ من جبل ونحوه، وتعذَّر عليه اليقين؛ اجتهد إلى عينها، وعنه: أو إلى جهتها، وذكر جماعة: إن تعذَّر فكبعيد. ولا يضرُّ علُوٌّ عليها، ولا نزول عنها إذا أخرجه ذلك عن بنائها ولم يخرج عن موضعها؛ لأنَّ الواجب استقبالها. تنبيه: حكم من كان بالمدينة في استقبال قبلة النَّبيِّ ﷺ ؛ حكم من كان بمكة (٦)؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ. وقال صاحب «النَّظم»: وكذا مسجد الكوفة؛ لاتِّفاق الصَّحابة عليه. لكن قال في «الشَّرح»: (في قول الأصحاب نظَرٌ، فإنَّ صلاة الصَّف

стр. 679

المستطيل في مسجده ﵇ صحيحةٌ، مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة؛ لكون الصَّف أطول منها، وقولهم: "إنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ" صحيح، لكن إنَّما الواجب عليه استقبال الجهة، وقد فعله). (وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا)، جزم به في «الكافي» و «الوجيز»، وقدَّمه في «التَّلخيص» (١) و «المحرر» و «الفروع»، وهو المذهب؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما بينَ المشرقِ والمغربِ قِبلةٌ» رواه ابن ماجه، والتِّرمذي وصحَّحه (٢)، وحكاه عن عمر (٣) وابنه (٤) وعلي (٥) وابن عباس (٦)، ولأنَّ الإجماع انعقد على صحَّة صلاة الاثنين المتباعدَين يستقبلان قِبلةً واحدةً، وعلى صحَّة صلاة الصَّف الطَّويل على خطٍّ مُستَوٍ. لا يقال: مع البعد يتَّسع المحاذي (٧)؛ لأنَّه إنَّما يتَّسع (٨) مع التَّقوُّس، أمَّا مع عدمه فلا. فعلى هذا؛ لا يضرُّ التَّيامن والتَّياسر في الجهة.

стр. 680

والبعيد هنا: من لم يقدر على المعايَنة، ولا على من يخبره عن علم. وعنه: يلزمه إصابة عينها، اختاره أبو الخَطَّاب، وذكر أبو المعالي: أنَّه المشهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]، وقياسًا على القريب، والخبر الأوَّل لا يُمكن حمله على عموم الأمكنة، بل هو خاصٌّ بالمدينة وما شابهها، فعلى هذا: إن تيامن أو تياسر بطلت. وفي «الرِّعاية»: عليها: إن رفع رأسه نحو السَّماء فخرج بوجهه عن القبلة؛ منع، وكذا ذكره ابن عبدوس، وجعلاه فائدة الخلاف، وفيه نظَرٌ، بل إنَّما يظهر في صورة يخرج فيها المصلي عن استقبال العين إلى استقبال الجهة، وهذا لم يخرج عن العين إلى الجهة، وإنَّما خرج وجهه خاصَّة. (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ)؛ أي: معرفة القِبلة (بِخَبَرِ ثِقَةٍ) عدْلٍ ظاهرًا وباطنًا، وقيل: أو مستور أو مميِّز، (عَنْ يَقِينٍ)؛ أي: عن علم؛ لزمه تقليده في الأصحِّ، وليس له (١) الاجتهاد؛ كالحاكم يقبل النَّصَّ من الثِّقة، ولا يجتهد. وقال في «التَّلخيص»: القادِر على معرفة القِبلة ليس له متابَعة المخبِر. وظاهره: أنَّه لا يقبل خبر فاسق، لكن يصحُّ التوجُّه إلى قِبلته في بيته، فلو شكَّ في حاله؛ قُبِلَ قوله في الأصحِّ، وإن شكَّ في إسلامه فلا. وأنَّه إذا أخبره عن اجتهاد؛ أنَّه لا يجوز تقليده في الأصحِّ. وقيل: مع ضيق الوقت، ذكره القاضي ظاهر كلام أحمد، واختاره جماعة. وقيل: إن كان أعلم منه قلَّده. وفي «التَّمهيد»: يصلِّيها على حسب حاله، ثمَّ يعيد إذا قدر، فلا (٢)

стр. 681

ضرورة إلى التَّقليد؛ كعادم الطَّهورين يصلِّي ويعيد. ويلزمه السُّؤال، فظاهره: يقصد المنزل في اللَّيل ليستخبِر (١). (أَوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبَ)، واحدها: محراب، وهو صدر المجلس، ومنه: محراب المسجد، وهو الغرفة، وقال المُبَرِّد: لا يكون محرابًا إلاَّ أن يُرتقى إليه بدرج، (لِلْمُسْلِمِينَ (٢)، عدولاً كانوا أو فُسَّاقًا؛ (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) إذا علمها لهم؛ لأنَّ اتِّفاقهم عليها مع تكرُّر الأعصار إجماع عليها، ولا يجوز مخالفتها. وعنه: يجتهد، فإن أخطأ فوجهان، وعنه: ولو بالمدينة. والمذهب الأوَّل. ولا ينحرِف؛ لأنَّ دوام التَّوجُّه إليه كالقطع؛ كالحرمين. (وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ) ببلدٍ خرابٍ (لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا؛ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا)؛ لأنَّه لا دلالة فيها؛ لاحتمال كونها لغير المسلمين، وإن كان عليها آثار الإسلام، لجواز أن يكون الباني مشركًا (٣) عملها ليغرَّ بها المسلمين. وعُلم منه: أنه (٤) إذا علم أنَّها للكفَّار؛ لا يجوز له التَّقليد؛ لأنَّ قولهم لا يُرجع إليه، فمحاريبهم (٥) أَوْلى. وفي «المغني»: (إذا عُلمت قبلتهم؛ كالنَّصارى إذا رأى محاريبهم (٦) في

стр. 682

كنائسهم؛ علم (١) أنَّها مستقبلة للمشرق). (وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ)، ولم يمكنه معرفتُها؛ (اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا)؛ لأنَّ ما وجب اتِّباعه عند وجوده؛ وجب الاستدلال عليه عند خَفائه؛ كالحكم في الحادثة. والمجتهد في القِبلة: هو العالِم بأدلَّتها؛ لأنَّ من علم أدلَّة شيء كان مجتهِدًا فيه، والجاهل الذي لا يعرف أدلَّتها وإن كان فقيهًا، وكذا الأعمى؛ فهذان فرضهما التَّقليد. ويجب على من يريد السَّفر تعلُّم ذلك. ومنعه قوم؛ لأنَّ جهة القِبلة ممَّا يندر التباسه، والمكلَّف يجب عليه تعلُّم ما يعمُّ لا ما يَندُر. (بِالدَّلَائِلِ) جمع دليل، وهو أمور؛ منها: النجوم، قال الله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النّحل: ١٦]، (وَأَثْبَتُهَا الْقُطْبُ)؛ لأنَّه لا يزول عن مكانه إلاَّ قليلاً، ويمكن كل أحد معرفته، قال جماعةٌ: وأصحُّها وأقواها القطب، بتثليث القاف، حكاه ابن سِيدَهْ (٢)، وهو نجم خفِيٌّ شماليٌّ، وذكر السَّامَرِّيُّ: أنَّه الجَدْيُ، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرَّحى، في أحد طرفيها الجدْي، والآخر الفَرقدان، وبين ذلك ثلاثة أنجم من فوق، وثلاثة (٣) من أسفل، تدور هذه الفراشة حول القطب دوران فراشة الرَّحى حول سفُّودها في كل يوم وليلة دورة، وعليه تدور (٤) بنات نعش، وهي سبعة أنجُم متفرِّقة (٥) مضيئة ممَّا يلي

стр. 683

الفرقدين، وهو خفيٌّ جدًّا يراه حَدِيد النظر إذا لم يكن القمرُ طالعًا، (فَإِذَا (١) جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلاً (٢) للْقِبْلَةِ (٣) بالشَّام والعراق والجزيرة؛ لأنَّه قد أخبر بذلك ثقاتٌ عن يقين. وقيل: ينحرف في الشَّام إلى الشَّرق قليلاً، وبالعراق يجعله حِذاء أذنه اليمنى على علوها، ذكره المؤلِّف. وذكر ابن تميم: أنَّه إذا جعل القطب أو الجَدي أو الفَرقدَين أو بنات نَعْش وراءه؛ فقد استقبلها فيما ذكرنا. وفيه وجْهٌ: لا يَجتهد، وعليه أن يصلِّي إلى أربع جهات. (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمَنَازِلُهُمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا وَيُقَارِبُهَا؛ وَكُلُّهَا (٤) تَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ (٥)، وَتَغْرُبُ فِي المَغْرِبِ (٦) عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي)، وذلك معلوم، لكن الشَّمس تختلِف مطالِعها ومغاربها على حسَب اختلاف منازلها، فتطلع قرب الجنوب شتاءً، وقرب الصَّبا صَيفًا، وهي في الطُّلوع والغروب كما ذكره. والقمر يبدو أول ليلة هلالاً في المغرب عن يمين المصلِّي، ثمَّ يتأخَّر كل ليلة منزلاً، حتَّى يكون في السَّابع وقت المغرب في قِبلة المصلِّي مائلاً عنها قليلاً إلى المغرب، ثمَّ يطلع ليلة الرَّابع عشر (٧) من المشرق قبل غروب الشَّمس بدْرًا، فيكون مراده عند التَّكامل، وليلة إحدى وعشرين يكون في قِبلة

стр. 684

المصلِّي أو قريبًا منها وقت الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق. وتختلِف مطالعه بحسب اختلاف منازله، وهي ثمانيةٌ وعشرون منزلاً، ينزل في كل ليلة واحدًا منها، والشَّمس تنزل (١) في كل منزل منها ثلاثة عشر يومًا، فيكون عَودُها إلى المنزل الذي نزلت فيه عند تمام حول كامل من أحوال السَّنة الشَّمسية. والمنازل (٢) منها ما بين طلوعها إلى غروبها؛ أربعة عشر منزلاً، ومن غروبها إلى طلوعها كذلك، فوقت الفجر منها منزلان، والمغرب منزل، وهو نصف (٣) سواد اللَّيل، وسواد اللَّيل اثنا عشر منزلاً. (وَالرِّيَاحُ)، وأمَّهاتُها أربعٌ (٤)، لكن قال أبو المعالي: الاستدلال بها ضعيف: (الْجَنُوبُ (٥) تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً لِبَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ) في الزَّاوية التي بين المشرق والقِبلة، فإذا استقبلها المصلِّي كانت القبلة بالعراق عن يمينه، والمشرق على (٦) يساره، وفي الشَّام من مطلع سُهَيل إلى مطلع الشَّمس في الشِّتاء. (وَالشَّمَالُ مُقَابِلُهَا (٧) تهبُّ من ظهر المصلِّي؛ لأنَّ مهبَّها من القطب إلى

стр. 685

مغرب الشَّمس في الصَّيف، (تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ)، فإذا استقبلها تكون على يمينه، والمغرب على يساره (١). (وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ) من (٢) الزَّاوية التي بين القبلة والمغرب، فإذا استقبلها يكون القطب على يساره، والمشرق على يمينه. (وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا (٣) تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّهَا)؛ فهي تهبُّ يَسْرَةَ المتوجِّه إلى قِبلة الشَّام؛ لأنَّ مهبَّها من مطلع الشَّمس في الصَّيف إلى مطلع العَيُّوق، فإذا استقبلها كانت القبلة بالعراق على يساره، والمغرب على يمينه. وتُسمَّى (٤) القبَول؛ لأنَّ باب الكعبة وعادة أثواب القرب (٥) إلى مطلع الشمس فتقابلهم، وبقيَّة الرِّياح عن جنوبهم وشمائلهم ومن ورائهم. فوائد: قال جماعة من أصحابنا: يستدلُّ بالأنهار الكبار غير المجدَّدة، فكلُّها بخلقة الأصل تجري من مهبِّ الشَّمال من يَمنة المصلِّي إلى يَسرته على انحراف (٦) قليل، إلاَّ نهرين؛ أحدهما (٧): بخُراسان، ويُسمَّى المقلوب، والآخر (٨) بالشَّام، ويسمَّى العاصي، فإنَّهما يجريان عكس ذلك.

стр. 686

قال في «المغني»: (وهذا لا ينضبط؛ لأنَّ الأردن بالشَّام يجري نحو القِبلة، وكثير منها يجري نحو البحر يصبُّ فيه). وبالجبال، فإنَّ غالب وجوهها إلى القبلة خلقة (١) يعرفه أهله. وبالمجرَّة في السَّماء، وهي أول اللَّيل ممتدَّة على كتِف المصلِّي الأيسر إلى القِبلة، وفي آخره على الأيمن في الصَّيف، وفي الاستدلال بها فيه نَظَر، ولهذا لم يذكرها الأكثر، منهم المؤلِّف. مسألة: يُستحبُّ أن يتعلَّم أدلَّة القِبلة والوقت، ويتوجَّه وجوبُه، فإن دخل الوقت وخفيت (٢) عليه؛ لزمه قولاً واحدًا؛ لقصر زمنه، ويقلِّد لضيق الوقت؛ لأنَّ القبلة يجوز تركها للضَّرورة، وهي شدَّة الخوف، ولا يعيد، بخلاف الطَّهارة. والأعمى يقلِّد فيه، وله العمل (٣) بلمس محراب ونحوه. فإن قلَّد غيره، ثمَّ أبصر في الصَّلاة، وفرضه قبول الخبر؛ أتمَّها، وكذا إن كان فرضه الاجتهاد ورأى ما يدلُّ على صوابه، وإن (٤) لم يرَ شيئًا، أو كان قلَّد غيره لعَماه؛ بطلت في الأشهر. ومن صلَّى باجتهاد أو بيقين (٥)، ثمَّ عَمِيَ فيها؛ بنى فقط. (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ؛ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)؛ لأنَّ فرض كل واحد ما يؤدِّي إليه اجتهاده، فلا يجوز له تقليد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالِمَين يختلفان في الحادثة.

стр. 687

وظاهره: لا فرق بين اختلافهما في جهتين أو جهة، والأول المذهب، والثَّاني قُوَيل. ولا يصحُّ اقتداؤه به - نَصَّ عليه (١)، لظنِّه خطأه - بإجماع. وذكر في «المغني»: أنَّ قياس المذهب صحَّة الاقتداء مع اختلافهما في جهتين، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لأنَّ كلًّا منهما يعتقد صحَّة صلاة الآخَر، وأنَّ فرضه التوجُّه إلى ما توجَّه إليه، فلم يمنع الاقتداء به؛ كالمصلِّين (٢) حول الكعبة. وقيل: تبطل صلاة المأموم فقط. وظاهر كلامهم: يصحُّ ائتمامه به إذا لم يعلم حاله. فإن (٣) كان اختلافهما في جهة، فتيامن (٤) أحدهما وتياسَر (٥) الآخَر؛ وفي (٦) صحَّة اقتداء أحدهما بالآخر وجهان، ذكرهما القاضي. وذكر في «الشَّرح»: أنَّه لا يختلف المذهب في صحَّة الاقتداء؛ لاتِّفاقهما في الجهة (٧) الواجب استقبالها. وظاهره: ولو ضاق الوقت؛ كالحاكم ليس له تقليده (٨) غيره، وكما لو كان متَّسعًا. وفيه وجه، وهو الذي في «التَّلخيص»، وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد؛

стр. 688

لأنَّه قال فيمن هو في مدينة فتحرَّى فصلَّى لغير القبلة في بيت: يعيد؛ لأنَّ عليه أن يسأل (١). وردَّه المؤلِّف: بأنَّ مقتضاه المنع من (٢) الاجتهاد في المصر؛ لأنَّه يمكنه التَّوصُّل بطريق الخبر عن يقين. فإن اتَّفق اجتهادهما فائتمَّ أحدهما بالآخَر، فمن بان له الخطأ؛ انحرف وأتمَّ، وينوي (٣) المأموم المفارقة للعذر ويُتِمُّ، ويتبعه من قلَّده في الأصحِّ. تنبيه: إذا صلَّى بلا اجتهاد ولا تقليد، أو ظنَّ جهةً باجتهاده فخالفها؛ أعاد، وإن تعذَّر الأمران لخفاء الأدلَّة، أو عدم من يقلِّده لجهله (٤)؛ صحَّت صلاته بتحرٍّ في الأشهر. وإن صلَّى بلا تحرٍّ؛ أعاد. وعنه: يعيد إن تعذَّر التحرِّي. وقيل: ويعيد في الكلِّ إن أخطأ، وإلاَّ فلا. (وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى) وجوبًا (أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ)، ذكره السَّامَرِّيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه ابن تميم، والمراد به: أعلمهما عنده، وأصدقهما قولاً، وأشدُّهما تحرِّيًا لدينه؛ لأنَّ الصَّواب إليه أقرب. وظاهره: أنَّه إذا قلَّد المفضول لا يصحُّ، وهو ظاهر «الخِرَقي» وغيره؛ لأنَّه يترك ما يغلب على ظنِّه أنَّه الصَّواب، فلم يجز؛ كالمجتهد ترك اجتهاده. وقيل: يستحبُّ، فعلى هذا: له تقليد من شاء منهما، ذكر في «الشَّرح»:

стр. 689

أنَّه الأَوْلى كما لو استويا، وكعاميٍّ في الفُتيا على الأصحِّ. وعلى الأوَّل: لا عِبرة بظنِّه، فلو غلب على ظنِّه إصابةُ المفضولِ؛ لم يَمنعْه من تقليد الفاضِلِ. فإن (١) كان أحدُهما أَدْينَ، والآخَرُ أعلمَ؛ فوجْهانِ، فلو تَساوَيا؛ فمَن شاء. وقال أبو الوَفاء: إن اختَلَفا فإلى الجِهتَين. تذنيب: إذا قلَّد اثْنَين؛ لم يَرجِع برجوع أحدِهما؛ لأنَّه دخل فيها بظاهِرٍ، فلا يَزول إلاَّ بمثله. والمقلِّد إذا أخبر فيها بالخطأ عن يَقِينٍ؛ لزِمه الرجوعُ إليه؛ لأنَّه لو أَخبر بذلك المجتهد الذي قلَّده؛ فالجاهل والأعمى أَوْلى. وإن كان عن اجتهاد، أو لم (٢) يتبيَّن له؛ لم يلزمْه؛ لأنَّه شرع فيها بدليلٍ يقينًا، فلا يزول عنه بالشَّكِّ. وذكر في «الشَّرح»: (أنَّ الثَّانيَ إنْ كان أَوْثقَ من الأوَّل، وقلنا: يلزمه تقليد الأفضل؛ فإنَّه يَرجِع إلى قوله؛ كالمجتهِد إذا تغيَّر (٣) اجتهاده في أثنائها). (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ (٤) فَأَخْطَأَ)؛ أعاد، ذَكَرَه معظَمُهم، وجزم به في «المحرَّر»، وصحَّحه ابنُ تميمٍ؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلاَّ لتَفريطٍ؛ لأنَّ الحضَرَ ليْس بمحلٍّ (٥) للاجتهاد؛ لقدرةِ (٦) مَنْ فيه على الاستدلال بمحاريبِ المسلمين.

стр. 690

ولا فرق في ظاهر كلامهم بين أن يصلِّي باجتهادٍ أو غيره. وعنه: لا إعادةَ عليه إذا (١) صلَّى باجتهادٍ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وهو ظاهِرُ «المستوعِب»؛ لأنَّه أتى بما أُمر به، فخرج عن العُهدة كالمُصِيب، واحتجَّ أحمدُ بقضيَّة أهلِ قُباءَ (٢). وفي ثالِثةٍ: ما لم يُخْطِ جزمًا. وظاهره: أنَّ المَكِّيَّ كغيره، وهو ظاهِرٌ في رواية صالح (٣). وأنَّه لا يعيد مع الإصابة؛ لأنَّه مأمورٌ بها إلى القِبلة، وقد وجدت. وقيل: يعيد؛ لأنَّه ترك فرضَه وهو السُّؤال. فإذا أخبره ثقةٌ عدلٌ في الحضر بالقِبلة فصلَّى إليها، وبان خطؤه؛ أعاد، ذكره في «المغني» و «الشَّرح» وغيرهما؛ لأنَّه قد تبيَّن أنَّ خبره ليس بدليل. ويُستثنى من كلامه: ما إذا كان محبوسًا فيه، ولا (٤) يَجِد من يخبره (٥)؛ فإنَّه يصلِّي بالتَّحرِّي، ولا يعيد، قاله أبو الحسن التَّميميُّ؛ أشبه المسافِر. (أَوْ صَلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ؛ أَعَادَا)؛ كترْكه الواجِبَ عليه؛ لأنَّه في الحضر بمنزلة البصير؛ لقدرته على الاستدلال بالخبر (٦) ولمس المحاريب، ويَعلم أيضًا بأنَّ (٧) باب المسجد إلى المغرب وغيره. وظاهره: أنَّه يعيد ولو أصاب؛ لأنَّه ترك فرضه مع أنَّه يغلِب على ظنِّه عدم إصابته.

стр. 691

وفيه وجه: أنَّه يعيد مع الخطأ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى) والمقلِّد في السَّفَر (مَنْ يُقَلِّدُهُ)؛ تحرَّى، فإن صلَّى بدونه مع القدرة عليه؛ قضى. وقيل: إن أخطأ. فإن عُدِم التَّحرِّي؛ (صَلَّى) على حسَب حاله، قاله أبو بكر؛ لأنَّه لو لم يصلِّ لأدَّى إلى خلوِّ الوقت عن صلاة في الجملة، وهو غير جائز؛ كعادِم الطَّهورين. (وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ)، وقيل: روايتان، حكاهما في «الشَّرح» وغيرِه: إحداهما: يعيد مطلقًا، وهو ظاهر الخِرَقي؛ لأنَّه صلَّى بغير دليل. والثَّانية: لا؛ لأنَّه أتى بما أُمر به، وعادِمٌ للدَّليل. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْطَأَ أَعَادَ)؛ لفوات الشَّرط، وهو عدم الإصابة والصَّلاة بغير دليل. (وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا يعيد؛ لأنَّه استقبل القِبلة فيها، وهو (١) إن كان فرضه السُّؤال؛ فقد سقط بعدم المسؤول. والثَّاني: بلى؛ لأنَّها وقعت في الوقت على نوع من الخلَل؛ استدراكًا لما حصل. (وَمَنْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ)، ثمَّ شكَّ في اجتهاده؛ لم يلتفِت وبنَى (٢)، لأنه (٣) دخل فيها بظاهر، فلا يزول عنه (٤) بالشَّكِّ، وكذا إن زال ظنُّه، ولم يبن (٥) له

стр. 692

الخطأُ، ولا ظهر له جهة أخرى، (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ؛ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ)؛ لما رَوى عامِر بن ربيعة قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في سفرٍ في (١) ليلةٍ مُظلِمةِ، فلم نَدرِ أين القِبلةُ؛ فصلَّى كلُّ رجلٍ منَّا على حِياله، فلمَّا أصبحنا فذكرنا ذلك للنَّبيِّ ﷺ ؛ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٥]» رواه ابن ماجَهْ، والتِّرمذيُّ وقال: (لَيس إسنادُه بِذاك) (٢)، ولأنَّه شرْط عجز عنه، أشبه (٣) سائر الشُّروط. ولا فرق بين كون الأدلَّة ظاهِرةً فاشتبهتْ عليه، أو مستورةً بِغَيمٍ أو ما يسترها عنه، وكذا إذا قلَّد فأخطأ مقلَّدُه. (فَإِنْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى؛ اجْتَهَدَ لَهَا)؛ لأنَّها واقِعةٌ متجدِّدةٌ، فتَستدعِي (٤) طلَبًا جديدًا؛ كطلَب الماء في التَّيمُّم، وكالحادثة في الأصحِّ فيها؛ كمُفْتٍ ومُستَفْتٍ، وألزمه (٥) فيها أبو الخَطَّاب وأبو الوفاء إن لم يَذكُر طريقَ الاجتهاد. (فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ؛ عَمِلَ بِالثَّانِي)؛ أي: بالآخِر؛ لأنَّه تَرجَّح في ظنِّه، والعملُ به واجبٌ. وظاهِرُه (٦): ولو كان في صلاةٍ؛ فإنَّهُ يَبنِي، نقله الجماعةُ، وهو الأصحُّ

стр. 693

ش (١)؛ لقصَّة أهل قُباءَ، والصَّلاةُ تَتَّسِعُ لاجتهادَين لطولها، بخلاف حكم الحاكِم. وعنه: تَبطُل (٢). وقال ابن أبي موسى: يلزمه جهته (٣) الأولة؛ لئلاَّ يُنقض الاجتهادُ بالاجتهاد. (وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ)؛ لأنَّها لو وجبت الإعادةُ لكان نقضًا للاجتهاد بمثله (٤)، وذلك غير جائزٍ؛ لعدم تناهيه، وكالحاكم بغير خلاف نعلمه (٥). فرع: إذا ظنَّ الخطأَ فيها؛ بطَلتْ، وقال أبو المعالي: إن بان له صحَّةُ ما كان عليه، ولم يَطُل زمنُه؛ استمرَّ وصحَّت. وإن بان له الخطأُ فيها؛ بنى، نَصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه مجتهِدٌ أدَّاه اجتهادُه إلى جهةٍ أخرى فلم يَجُز له تركُها، ولأنَّ ما مضى منها كان صحيحًا، فجاز البناءُ عليه. ومن أخبر فيها بالخطأ يقينًا؛ لزِمه قَبولُه، وإلاَّ لم يَجُز، وذكر جماعةٌ: إلاَّ أن يكونَ الثَّاني يَلزَمُه تقليدُه؛ فكمَنْ تغيَّر اجتهادُه. وخرَّج أبو الخطَّاب وغيرُه على منصوصه في الثِّيابِ المشْتبِهةِ: وجوبَ الصَّلاةِ إلى أَربَعِ جِهاتٍ، وهو رِوايةٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 694

(بَابُ النِّيَّةِ) النِّيَّة مُشدَّدةٌ، وحُكي فيها التَّخفيف، يقال: نويت نيَّة، ونَواة، وأنْويْت كنَويْت، قاله الزَّجَّاجُ (١)، وانْتوَيْت كذلك، حكاها الجَوهَريُّ (٢). وهي في اللُّغة: القصدُ، وهو (٣) عزْمُ القلب على الشَّيء، يقال: نواك الله بخير؛ أي: قصَدك به. وفي الشَّرع: العزمُ على فعل الشَّيء تقرُّبًا إلى الله تعالى. ومحلُّها القلبُ، والتَّلفُّظ لَيس بشرطٍ؛ إذ الغرضُ جعْلُ العبادةِ لله تعالى، وذلك حاصِلٌ بالنِّيَّة، لكن ذكر ابنُ الجَوزيِّ وغيرُه: أنَّه يُستَحَبُّ أن يَلفِظ بما نَواه. وإن سبق لسانُه إلى غيرِ ما نَواه؛ لم يَضُرَّ، فإن تلفَّظ بما نَواه كان تأكيدًا، ذكره في «الشَّرح» (٤). (وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ لِلصَّلَاةِ (٥)؛ أي: لا تَصِحُّ (٦) إلاَّ بها بغير

стр. 695

خلافٍ (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيّنَة: ٥]، والإخلاصُ عمَلُ القلبِ، وهو أن يَقصِد بعمَلِه اللهَ وحدَه، ولقوله ﵇: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لاِمْرئٍ (٢) ما نَوَى» (٣)، ولأنَّها قُرْبةٌ مَحْضةٌ، فاشتُرطتْ لها النِّيَّةُ كالصَّومِ. وقيل: فرْضٌ. وقيل: رُكنٌ، وعدَّها في «التَّلخيص» مع الأركان؛ لاتِّصالها بها، وإلاَّ فهي بالشَّروط أشْبهُ. وقال سيِّدُنا الشَّيخُ عبدُ القادِرِ: هي قبل الصَّلاة شَرطٌ، وفيها رُكنٌ، قال صاحِبُ «النَّظم»: فيَلزَمُ في بقيَّة الشُّروط مثلها، وفيه نَظَر. (عَلَى كُلِّ حَالٍ)؛ أي: لا تَسقُط (٤) بوجْهٍ، فهي شَرطٌ مع العِلم والجَهْل، والذِّكرِ والنِّسيانِ، وغيرِها. (وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً)، فرضًا كانت كالظُّهر والعصر، أو نفلاً كالوتر والسُّنَّةِ الرَّاتبةِ ونحوِها، نَصَّ عليه (٥)، وجزم به الأصحابُ؛ لعموم الخبَرِ، فيَلزَمُه نيَّةُ الفِعل والتَّعْيينِ؛ لِتتميَّزَ عن غيرِها. وقيل: نيَّة الفرض تُغنِي عن تَعيِينه، ويحتمله كلامُ الخِرَقِيِّ. وقيل: إذا نوى فرضَ الوقت فيه، أو ما عليه في (٦) رُباعيَّة جَهِلها؛ صحَّ وكفى، وأَوْمَأ إليه أحمدُ (٧).

стр. 696

وقيل: يكفي نيَّةُ الصَّلاة في نفْلٍ معيَّنٍ، ذَكَره في التَّرغيب. (وَإِلاَّ أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ) مطلَقِ (الصَّلَاةِ) إذا كانت نافلةً مطلَقةً؛ كصلاة اللَّيل؛ لعدَم التَّعيينِ فيها. (وَهَلْ تُشْتَرَطُ (١) نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، قيل: هما رِوايتانِ: إحداهما: لا تُشترَطُ، جزمَ به مُعظَمُ الأصحاب، وصحَّحه ابنُ تميمٍ وغيرُه؛ لأنَّ التَّعيينَ يُغنِي (٢) عنها؛ لكون الظُّهر لا يَقَعُ من المكلَّف إلاَّ فرضًا، كما أغنى عن نيَّة عدد الرَّكعات. والثَّانية: تُشترَط، وهو قول ابن حامد، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِيتميَّز عن ظُهر الصَّبيِّ، وعن المُعادة، فعلى هذا: يحتاج إلى نيَّة الفعل والتَّعيينِ والفرْضيَّة. وكذا الخلافُ في اشتراط نيَّة الأداء في الحاضِرة. ويصحُّ القضاءُ بنيَّة الأداء (٣)، وعكسه إذا بان خلاف ظنِّه، ذكره الأصحابُ، قالوا: ولا يصحُّ القضاءُ بنيَّة الأداء، وعكسُه؛ أي: مع العِلْم. وظاهره (٤): أنَّه لا يُشترَط إضافةُ الفعل إلى الله تعالى فيها (٥)، وكذا في جميع العبادات في قول الأصحاب. وقال أبو الفرَج: الأشبَهُ اشتراطُه. وقيل: يُشترَط فيما يُقصَد لعينه؛ كالصَّلاة والصِّيام، دون الطَّهارة.

стр. 697

تنبيه: إذا نوى مَنْ عليه ظُهران فائتتان ظُهرًا منهما؛ لم (١) يُجزِئْه عن واحدةٍ منهما حتَّى يُعيِّنَ السَّابقةَ؛ لأجل التَّرتيب. وقيل: بلى كصلاتَيْ نَذْرٍ؛ لأنَّه مخيَّر هنا في التَّرتيب. وإن قصد بالفائتة أنَّها ظُهرُ أمسِه، وبالحاضرة أنَّها ظهر يومه؛ لم يحتج إلى وصفهما بالقضاء والأداء. فإن كانتا عليه وحاضرة، فترك شرطًا في واحدة؛ لزمه إعادةُ واحدةٍ في الأشْهَر. فإذا ظنَّ أنَّ عليه فائتة فنواها في وقت حاضرة مثلها، ثمَّ بان أنَّها لم تكن عليه؛ لم تجزئه عن الحاضرة في الأظهر، قاله ابن تميم. والثَّاني: تجزئه كما لو نوى ظهر أمسِ، وعليه ظُهر يومٍ قبلَه. (وَيَأْتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ)؛ لأنَّه أوَّل الصَّلاة؛ لتكون النِّيَّةُ مقارِنةً للعبادة، ويُشترَط أن يدخل فيها بنيَّةٍ (٢) جازِمةٍ، فإن دخل بنيَّة متردِّدةٍ؛ لم يصحَّ. (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ) عُرْفًا؛ (جَازَ)، هذا ظاهِرُ ما في «التَّلخيص» و «المحرَّر»، وقدَّمه ابن تميم والجَدُّ؛ لأنَّها عبادة، فجاز تقديم نيَّتها عليها كالصَّوم، ولأنَّ أولها من أجزائها، فكفَى استصحابُ النِّيَّة فيها كسائر أجزائها. وذكر السَّامَرِّيُّ وابن الجَوزيِّ: أنَّه لا يجوز (٣) تقديمُها إلاَّ بعد دخول الوقت بالزَّمن اليسيرِ (٤)، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»، وعليه

стр. 698

شرَحَ ابن الزَّاغوني كلامَ الخِرَقي؛ معلِّلاً بأنَّها ركن، فلا يفعل (١) قبل الوقت كبقيَّة الأركان. وقال الآمِدِي: يجوز بالزَّمن الطَّويل كالصَّوم، ويَحتمِله كلامُ الخِرَقي. واشترط الآجُرِّيُّ مقارنتها للتَّكبير؛ كالشَّافعِيِّ (٢). وهذا كلُّه ما لم يَفسَخْها؛ أي: يقطعها، وبقاء (٣) إسلامه، قال في «الوسيلة» و «التَّعليق»: أو يَشتَغل بعمل ونحوه؛ كعمل من سلَّم (٤) عن نقص. وقيل: أو يتكلَّم، وكذا الحكم في سائر العبادات. فرعٌ: تَصحُّ (٥) النِّيَّةُ للفرض من القاعد. وفي «التَّلخيص»: لا، وعليه لا يَنعقِد نفلاً. (وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حُكْمَهَا إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ)؛ لأنَّ كلَّ عبادة يُشترَط لها النِّيَّة؛ فيشترط استصحابها كالصَّوم. ومعنى الاستصحاب: أن لا ينويَ قطعَها، فدلَّ على أنَّها إذا ذَهِل عنها (٦) أو عَزَبت عنه في أثنائها؛ أنَّها لا تَبطُل؛ لأنَّ التَّحرُّز من هذا غير ممكن. (فَإِنْ قَطَعَهَا فِي أَثْنَائِهَا؛ بَطَلَتْ)، نَصَّ عليه (٧)؛ لأنَّ النِّيَّةَ شرطٌ في

стр. 699

جميعها، وقد قطعَها، أشبَه ما لو سَلَّم يَنوي (١) الخروج منها. وفي ثانية: لا تبطل كالحجِّ. وفرَّق في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّ الحجَّ لا يخرج منه بمحظوراته، بخلاف الصَّلاة. وقيل: لا تَبطُل إن أعادها قريبًا، وهو بعيدٌ. (وَإِنْ تَرَدَّد (٢) فِي قَطْعِهَا)، أو عزم على الفسخ؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا تَبطُل، وهو قول ابن حامد؛ لأنَّه دخل بنيَّة متيقَّنة، فلا تزول (٣) بالشَّكِّ كسائر العبادات. والثَّاني: تَبطُل (٤)، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ استدامةَ النِّيَّة شرط، ومع التَّردُّد لا يَبقَى مستديمًا. وكذا إن علَّق قطعَها على شرطٍ، وصحَّح في «الرِّعاية»: أنَّها لا تَبطُل. وظاهره: أنَّه إذا عزم على فعل محظور كالحدث (٥)؛ أنَّها لا تَبطل، وصرَّح به جمع. أصلٌ: إذا شكَّ فيها في النِّيَّة، أو في تكبيرةِ الإحرام؛ استأنفها؛ لأنَّ الأصل عدمُها. فإن ذكر ما شكَّ فيه قبل قطعها؛ فقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه إن أطال

стр. 700

استأنفها، وإلاَّ فلا. وقال جماعةٌ: إن لم يكن أتى بشيءٍ من أفعال الصَّلاة بنى؛ لأنَّه لم يوجد مُبطِل لها. وإن كان قد عمِل فيها عمَلاً مع الشَّكِّ؛ بنى في قول ابن حامد، وقاله في «التَّلخيص»؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزيل حكم النِّيَّة. وقال القاضي: تَبطُل، وجزم به في «الكافي»؛ لخلوِّه عن نيَّة معتبَرة. وقال المجْدُ: إن كان العملُ قولاً؛ لم تبطُل (١)؛ كتعمُّد (٢) زيادتِه، ولا يَعتدُّ به، وإن كان فعلاً كركوع وسجود؛ بطلت؛ لعدم جوازه؛ كتعمُّده في غير موضعه، وحسَّنه ابن تميم. (فَإِنْ (٣) أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ)، أو بان عدمُه، أو بفائتةٍ فلم تكن؛ (انْقَلَبَ (٤) نَفْلاً)؛ لأنَّ نيَّة الفرض تَشمَل نيَّة النَّفل، فإذا بطلت نيَّة الفرْضيَّة؛ بقيت (٥) نيَّة مطلَقِ الصَّلاةِ. وعنه: لا تَنعقِد (٦)؛ لأنَّه لم يَنْوِهِ. وظاهره: أنَّه إذا أحرم به قبل وقته مع علمه؛ أنَّها لا تنعقد، وهو كذلك في الأصحِّ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلاً؛ جَازَ)، قدَّمه جماعةٌ، وهو المذهبُ؛ لأنَّه إكمال في المعنى؛ كنقض المسجد للإصلاح، ولأنَّ نيَّة النَّفل

стр. 701

تضمَّنتها نيَّة (١) الفرض، لكنَّه يكره؛ لكونه أبطل عملَه. وقال القاضي في موضِعٍ: لا يَصحُّ (٢) روايةً واحدةً، كما لو انتقل من فرض إلى آخر. وفي «الجامع»: أنَّه يُخرَّج على روايتَين (٣)، وصحَّح في المذهب: أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّه أبطل عملَه لغير سببٍ ولا فائدةٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَجُوزَ إِلاَّ لِعُذْرٍ)؛ أي: لِغرَضٍ صحيحٍ، (مِثْلَ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا فَيُرِيدَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ)، قدَّمه غير واحِدٍ؛ لأنَّه يَنتقِل إلى أفضل من حاله، وذلك مطلوب في نظر الشَّرع. وهل ذلك أفضل أم تركُه؟ على روايتَين. صرَّح في «الشَّرح» بعدَم الكراهة. وعنه: لا يجوز، حكاها القاضي. وعن أحمدَ فيمن صلَّى ركعةً من فريضةٍ منفرِدًا، ثمَّ حضر الإمام، وأقيمت الصلاةُ: يَقطَع صلاتَه ويدخل معهم (٤)؛ يتخرَّج منه: قَطْعُ النَّافلة بحضور (٥) الجماعة بطريق الأَوْلى. فإن دخل معهم قبل قطعه؛ ففي الإجزاء روايتان. (وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ؛ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ)؛ لأنَّه قَطَع نيَّةَ الأُولى، ولم يَنوِ للثَّانية من أوَّلها. وقال ابن حمدانَ: إن قلنا لا تجب نيَّة القضاء؛ صحَّ ما نقله إليه، دون ما

стр. 702

نقله (١) عنه. وفي «الفروع»: أنَّه إذا نوى الثَّاني من أوَّله بتكبيرة الإحرام أنَّه يصحُّ، وفي نفله (٢) الخلافُ. وكذا كلُّ صلاة نواها فرضًا (٣)، واعتقد جوازه بعد إتمامها فرضًا؛ كصلاة الفَذِّ خلف الصَّف، وفي الكعبة، وخلف الصَّبيِّ، والمتنفِّلِ على روايةٍ، والأَقْيَس بقاؤها نفلاً. وإن اعتقد عدَم جوازه؛ فوجهان، وظاهره: البطْلانُ. وقوله: (بطلت الصَّلاتان) فيه تجوُّز؛ لأنَّ الثَّانية (٤) لا تُوصَف (٥) به. (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا)؛ أي: يُشتَرَط أن ينويَ الإمامُ الإمامةَ على الأصحِّ؛ كالجمعة وِفاقًا (٦)، والمأموم لحاله؛ لأنَّ الجماعة تتعلَّق به (٧) أحكام وجوب الاتِّباع، وسقوط السَّهو عن المأموم، وفساد صلاته بصلاة إمامه، وإنَّما يتميَّزان بالنِّيَّة، فكانت شرطًا، رجلاً كان المأمومُ أو امرأةً (٨)، صرَّح به في «المستوعب». وقيل: إن كان المأمومُ امرأةً؛ لم يَصِحَّ ائْتمامُها به إلاَّ بالنِّيَّة؛ لأنَّ صلاته تَفسُد إذا وقفتْ بجنبه.

стр. 703

ونحن نمنعه، ولو سُلِّم؛ فالمأموم مثله، ولا ينوي كونها معه في الجماعة، فلا عِبرة بالفرق. وعنه: يُشترَط في الفرض. وظاهره: أنَّه إذا نوى أحدهما دون الآخَر؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ الجماعة إنَّما تنعقد بالنِّيَّة، فاعتبرت منهما جميعًا. وأنَّه إذا اعتقد كلٌّ منهما أنَّه إمامُ الآخَر، أو مأمومه؛ فسدت صلاتُهما، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّه ائتمَّ بمن ليس بإمام في الصُّورة الثَّانية، وأمَّ من (٢) لم يأتمَّ به في الأُولى. وقيل: تصحُّ (٣) فُرادَى (٤)، جزم به في «الفصول». وإن لم نَعتبِر نيَّةَ الإمامة؛ صحَّت في الأُولى فرضًا فُرادَى، وكذا إذا نوى إمامةَ من لا يصحُّ أن يؤمَّه؛ كامرأةٍ تَؤُمُّ رجلاً. وإن (٥) شكَّ في كونه إمامًا أو مأمومًا؛ لم يَصِحَّ؛ لعدم الجزم (٦) بالنِّيَّة، وفي «المجرد» (٧): ولو بعد الفراغ؛ لا تصحُّ صلاةُ الإمام في الأَشهَر. مسائل الأولى: لا يُشتَرَطُ تعيينُ الإمامِ (٨). وقيل: بلى.

стр. 704

فعلى الأُولى: لو عيَّنه فبان غيرُه؛ بطَلت. وفيه وجهٌ: يُتِمُّها مُنفرِدًا. الثَّانية: لا يُشتَرَطُ تعيينُ المأمومِ. وقيل: بلى. فعلى الأُولى (١): إن عيَّن مأمومًا وأخطأ؛ ففي صحَّة صلاته وجْهان. الثَّالثة: إذا جَهِل ما قرأ به إمامُه؛ لم يَضُرَّ في الأَشهَر. الرَّابعة: إذا أحرم بجماعةٍ، فانفَضُّوا (٢) قبل ركوعهم (٣)؛ بطَلتْ. وقيل: يتمُّها وحده. وكذا إن أحرم ظنًّا أنَّه يأتيه (٤) مأمومٌ، ثمَّ لم يأتِ، وإن فعل ذلك، وهو لا يرجو مجيءَ أحد؛ لم تصحَّ (٥) صلاته في الأصحِّ. وإن نوى زَيدٌ الاقتداءَ بعمْرٍو، ولم يَنْوِ عمرٌو الإمامةَ؛ صحَّتْ صلاةُ عَمْرٍو وحدَه. (وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الاِئْتِمَامَ؛ لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، وهو المذهبُ، وصحَّحه في «الشَّرح» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لم يَنْوِ الائتمامَ في ابتداء الصَّلاة، ولأنَّه نَقَل (٦) نفسه مؤتَمًّا؛ فلم يجزْ؛ كنِيَّة إمامتِه فرضًا. ولا فرق بين أن يصلِّيَ وحده ركعةً أو لا. وفارق نقله إلى الإمامة؛ للحاجة إليه.

стр. 705

والثَّانية: تَصِحُّ (١)؛ كما لو نوى الإمامةَ، ولأنَّه نَقَل نفسَه إلى الجماعة. فعلى هذا يُكرَه. وعنه: لا. ومتى فَرَغ قَبْل إمامِه؛ فارقه وسلَّم، نَصَّ عليه (٢)، وإن انتظره ليسلِّم معه جاز. (وَإِنْ) أحرَم منفرِدًا، ثمَّ (نَوَى الْإِمَامَةَ؛ صَحَّ فِي النَّفْلِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، قال ابنُ تِميمٍ وغيره: وهو المنصوص؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قام يَتهجَّدُ وحدَهُ، فجاء ابنُ عبَّاسٍ فأحرَم معه، فصلَّى به النَّبيُّ ﷺ » متَّفَقٌ عليه (٣). (وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْفَرْضِ) على المذهب؛ لأنَّه لم يَنوِ الإمامةَ في ابتداء الصَّلاةِ، أشْبَه ما لوْ أحرَم يومَ الجمعة بعد الخُطبة وكمال العدد، ثمَّ انفضُّوا، فأحرَم (٤) بالظُّهر، ثمَّ تكامَل العددُ وهو في الصَّلاة فنَوى الجمعةَ. وعنه: لا يَصِحُّ (٥) في فرْضٍ ولا نفْلٍ، قدَّمه في «التَّلخيص»، وقطع به بعضُهم، وفي «الفروع»: اختاره الأكثر؛ لأنَّه لم يَنوِ الإمامةَ في ابتدائها؛ أشْبَه ما لو ائتمَّ بمأمومٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أنْ تَصِحَّ (٦) فيهما، (وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي)، هذا (٧) روايةٌ عنه، واختارها المؤلِّفُ والشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٨)؛ «لأنَّه ﵇ أحرَم وحدَه، فجاء جابِرٌ وجَبَّارٌ فصلَّى بهِما» رواه أبو داود، قاله في «الشَّرح»، قلتُ: رواه مسلمٌ في
следующие страницы →