← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

تضمَّنتها نيَّة (١) الفرض، لكنَّه يكره؛ لكونه أبطل عملَه. وقال القاضي في موضِعٍ: لا يَصحُّ (٢) روايةً واحدةً، كما لو انتقل من فرض إلى آخر. وفي «الجامع»: أنَّه يُخرَّج على روايتَين (٣)، وصحَّح في المذهب: أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّه أبطل عملَه لغير سببٍ ولا فائدةٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَجُوزَ إِلاَّ لِعُذْرٍ)؛ أي: لِغرَضٍ صحيحٍ، (مِثْلَ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا فَيُرِيدَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ)، قدَّمه غير واحِدٍ؛ لأنَّه يَنتقِل إلى أفضل من حاله، وذلك مطلوب في نظر الشَّرع. وهل ذلك أفضل أم تركُه؟ على روايتَين. صرَّح في «الشَّرح» بعدَم الكراهة. وعنه: لا يجوز، حكاها القاضي. وعن أحمدَ فيمن صلَّى ركعةً من فريضةٍ منفرِدًا، ثمَّ حضر الإمام، وأقيمت الصلاةُ: يَقطَع صلاتَه ويدخل معهم (٤)؛ يتخرَّج منه: قَطْعُ النَّافلة بحضور (٥) الجماعة بطريق الأَوْلى. فإن دخل معهم قبل قطعه؛ ففي الإجزاء روايتان. (وَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ؛ بَطَلَتِ الصَّلَاتَانِ)؛ لأنَّه قَطَع نيَّةَ الأُولى، ولم يَنوِ للثَّانية من أوَّلها. وقال ابن حمدانَ: إن قلنا لا تجب نيَّة القضاء؛ صحَّ ما نقله إليه، دون ما

стр. 702

نقله (١) عنه. وفي «الفروع»: أنَّه إذا نوى الثَّاني من أوَّله بتكبيرة الإحرام أنَّه يصحُّ، وفي نفله (٢) الخلافُ. وكذا كلُّ صلاة نواها فرضًا (٣)، واعتقد جوازه بعد إتمامها فرضًا؛ كصلاة الفَذِّ خلف الصَّف، وفي الكعبة، وخلف الصَّبيِّ، والمتنفِّلِ على روايةٍ، والأَقْيَس بقاؤها نفلاً. وإن اعتقد عدَم جوازه؛ فوجهان، وظاهره: البطْلانُ. وقوله: (بطلت الصَّلاتان) فيه تجوُّز؛ لأنَّ الثَّانية (٤) لا تُوصَف (٥) به. (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا)؛ أي: يُشتَرَط أن ينويَ الإمامُ الإمامةَ على الأصحِّ؛ كالجمعة وِفاقًا (٦)، والمأموم لحاله؛ لأنَّ الجماعة تتعلَّق به (٧) أحكام وجوب الاتِّباع، وسقوط السَّهو عن المأموم، وفساد صلاته بصلاة إمامه، وإنَّما يتميَّزان بالنِّيَّة، فكانت شرطًا، رجلاً كان المأمومُ أو امرأةً (٨)، صرَّح به في «المستوعب». وقيل: إن كان المأمومُ امرأةً؛ لم يَصِحَّ ائْتمامُها به إلاَّ بالنِّيَّة؛ لأنَّ صلاته تَفسُد إذا وقفتْ بجنبه.

стр. 703

ونحن نمنعه، ولو سُلِّم؛ فالمأموم مثله، ولا ينوي كونها معه في الجماعة، فلا عِبرة بالفرق. وعنه: يُشترَط في الفرض. وظاهره: أنَّه إذا نوى أحدهما دون الآخَر؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ الجماعة إنَّما تنعقد بالنِّيَّة، فاعتبرت منهما جميعًا. وأنَّه إذا اعتقد كلٌّ منهما أنَّه إمامُ الآخَر، أو مأمومه؛ فسدت صلاتُهما، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّه ائتمَّ بمن ليس بإمام في الصُّورة الثَّانية، وأمَّ من (٢) لم يأتمَّ به في الأُولى. وقيل: تصحُّ (٣) فُرادَى (٤)، جزم به في «الفصول». وإن لم نَعتبِر نيَّةَ الإمامة؛ صحَّت في الأُولى فرضًا فُرادَى، وكذا إذا نوى إمامةَ من لا يصحُّ أن يؤمَّه؛ كامرأةٍ تَؤُمُّ رجلاً. وإن (٥) شكَّ في كونه إمامًا أو مأمومًا؛ لم يَصِحَّ؛ لعدم الجزم (٦) بالنِّيَّة، وفي «المجرد» (٧): ولو بعد الفراغ؛ لا تصحُّ صلاةُ الإمام في الأَشهَر. مسائل الأولى: لا يُشتَرَطُ تعيينُ الإمامِ (٨). وقيل: بلى.

стр. 704

فعلى الأُولى: لو عيَّنه فبان غيرُه؛ بطَلت. وفيه وجهٌ: يُتِمُّها مُنفرِدًا. الثَّانية: لا يُشتَرَطُ تعيينُ المأمومِ. وقيل: بلى. فعلى الأُولى (١): إن عيَّن مأمومًا وأخطأ؛ ففي صحَّة صلاته وجْهان. الثَّالثة: إذا جَهِل ما قرأ به إمامُه؛ لم يَضُرَّ في الأَشهَر. الرَّابعة: إذا أحرم بجماعةٍ، فانفَضُّوا (٢) قبل ركوعهم (٣)؛ بطَلتْ. وقيل: يتمُّها وحده. وكذا إن أحرم ظنًّا أنَّه يأتيه (٤) مأمومٌ، ثمَّ لم يأتِ، وإن فعل ذلك، وهو لا يرجو مجيءَ أحد؛ لم تصحَّ (٥) صلاته في الأصحِّ. وإن نوى زَيدٌ الاقتداءَ بعمْرٍو، ولم يَنْوِ عمرٌو الإمامةَ؛ صحَّتْ صلاةُ عَمْرٍو وحدَه. (وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الاِئْتِمَامَ؛ لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، وهو المذهبُ، وصحَّحه في «الشَّرح» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لم يَنْوِ الائتمامَ في ابتداء الصَّلاة، ولأنَّه نَقَل (٦) نفسه مؤتَمًّا؛ فلم يجزْ؛ كنِيَّة إمامتِه فرضًا. ولا فرق بين أن يصلِّيَ وحده ركعةً أو لا. وفارق نقله إلى الإمامة؛ للحاجة إليه.

стр. 705

والثَّانية: تَصِحُّ (١)؛ كما لو نوى الإمامةَ، ولأنَّه نَقَل نفسَه إلى الجماعة. فعلى هذا يُكرَه. وعنه: لا. ومتى فَرَغ قَبْل إمامِه؛ فارقه وسلَّم، نَصَّ عليه (٢)، وإن انتظره ليسلِّم معه جاز. (وَإِنْ) أحرَم منفرِدًا، ثمَّ (نَوَى الْإِمَامَةَ؛ صَحَّ فِي النَّفْلِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، قال ابنُ تِميمٍ وغيره: وهو المنصوص؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قام يَتهجَّدُ وحدَهُ، فجاء ابنُ عبَّاسٍ فأحرَم معه، فصلَّى به النَّبيُّ ﷺ » متَّفَقٌ عليه (٣). (وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْفَرْضِ) على المذهب؛ لأنَّه لم يَنوِ الإمامةَ في ابتداء الصَّلاةِ، أشْبَه ما لوْ أحرَم يومَ الجمعة بعد الخُطبة وكمال العدد، ثمَّ انفضُّوا، فأحرَم (٤) بالظُّهر، ثمَّ تكامَل العددُ وهو في الصَّلاة فنَوى الجمعةَ. وعنه: لا يَصِحُّ (٥) في فرْضٍ ولا نفْلٍ، قدَّمه في «التَّلخيص»، وقطع به بعضُهم، وفي «الفروع»: اختاره الأكثر؛ لأنَّه لم يَنوِ الإمامةَ في ابتدائها؛ أشْبَه ما لو ائتمَّ بمأمومٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أنْ تَصِحَّ (٦) فيهما، (وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي)، هذا (٧) روايةٌ عنه، واختارها المؤلِّفُ والشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (٨)؛ «لأنَّه ﵇ أحرَم وحدَه، فجاء جابِرٌ وجَبَّارٌ فصلَّى بهِما» رواه أبو داود، قاله في «الشَّرح»، قلتُ: رواه مسلمٌ في

стр. 706

«صحيحه» (١)، ولأنَّ الأصلَ مساواةُ الفرض للنَّفل في النِّيَّة، والحاجةُ داعيةٌ إلى ذلك، فصحَّ؛ كحالة الاِستِخْلاف. (فَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا، ثُمَّ نَوَى الاِنْفِرَادَ لِعُذْرٍ)؛ كمرض، وغَلَبةِ نُعاسٍ، وتطويلِ إمامٍ، وغير ذلك؛ جاز (٢)؛ لما رَوى جابِرٌ قال: «صلَّى معاذٌ بقومه، فقرأ سورةَ البقرة، فتأخَّرَ رجلٌ فصلَّى وحدَه، فقيل له، فقال: لآتِيَنَّ رسولَ الله ﷺ فأُخبِرَه، فأتاه فأَخبَرَه، فقال: أفتَّانٌ أنتَ يا مُعاذُ؟! مرَّتَينِ» متَّفقٌ عليه (٣)، ولم يأمُرْه بالإعادةِ، وكالطَّائفةِ الأُولى في (٤) صلاة الخوف. فلو زال عذرُه وهو يصلِّي؛ فله الدُّخولُ معه، ولا يَلزَمُه، وكمسبوقٍ مُستخلَفٍ أتمَّ مَنْ خلْفَه صلاتَهم. فعلى هذا: إن فارقه في ثانيةِ الجمعة لعذر؛ أتمَّها جُمعةً كمسبوقٍ، وإن فارقه في الأُولى؛ فكمَزحومٍ فيها حتَّى (٥) تفوتَه (٦) الرَّكعتان. وإن قلنا: لا تَصِحُّ (٧) الظُّهرُ قبْل الجمعةِ؛ أتمَّ نفلاً. وإن فارقه في قيامٍ؛ أتى ببقيَّة القراءة، وبعدها؛ له الرُّكوعُ في الحال. وإن ظنَّ في صلاة سرٍّ أنَّ الإمام قرأ؛ لم يقرأ. وعنه: بلى؛ لأنَّه لم يُدرك معه الرُّكوع. فرع: لو سلَّم من له عُذرٌ، ثمَّ صلَّى وحدَه؛ فظاهِرُ كلامهم: لا يجوز، فيُحمَل فِعلُ مَنْ فارق معاذًا على ظنِّ الجواز، لكن لم يُنكَر عليه، فدلَّ على

стр. 707

جوازه، وذكره في «شرح مسلمٍ» (١). (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لَمْ يَجُزْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي (٢) الأصحُّ، كما لو ترك متابَعةَ إمامِه بغَيرِ نيَّةِ المفارَقةِ. والثَّانية: يجوز ولا تَبطُل (٣)، كما إذا نوى المنفردُ الإمامةَ، بل ههنا أَوْلى، فإنَّ المأمومَ قد يصير منفرِدًا بغَير نيَّةٍ، وهو المسبوقُ إذا سلَّم إمامُه، والمنفرِدُ لا يصير مأمومًا بغير نيَّةٍ بحال، قال ابن تميم: والإمامُ كالمأمومِ في ذلك. فرع: تَبطُل صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاةِ إمامِه لعُذرٍ أو غيرِه (٤)، اختاره الأكثرُ، لا عكسُه في الأظهر، ويتمُّها منفرِدًا. وعنه: لا تَبطُل صلاةُ مأمومٍ، ويتمُّونها فُرادَى، والأشهرُ: أو جماعةً، اختاره جمعٌ. وقال القاضي وصاحب «التَّلخيص»: إن فسَدت صلاتُه بِتركِ رُكنٍ؛ فسَدتْ صلاتُهم روايةً واحدةً، وإن كان بِفِعلِ مَنهِيٍّ عنه؛ كالحدَثِ والكلامِ؛ فروايتان. واستثنى في «المستوعب»: إذا صلَّى بهم محدِثًا، ولم يَذْكُرْ حتَّى سلَّم، فإنَّه لا تَبطُل صلاتُهم روايةً واحدةً استحسانًا. (وَإِنْ) أحرَم مأمومًا، ثمَّ (نَوَى الْإِمَامَةَ لاِسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ؛ صَحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو المنصورُ عند أصحابنا؛ لما رُوي: «أنَّ عمرَ لمَّا طُعن أخذ بِيدِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ فقدَّمه، فأتمَّ بهم الصَّلاةَ»

стр. 708

رواهُ البخاريُّ (١)، فما عابَهُ عائِبٌ، ولا أنكرَه منكِرٌ، فكان كالإجماع، ولفِعْل (٢) عليٍّ، رواهُ سَعيدٌ (٣). وظاهره: سواءٌ قلنا ببُطلانِ صلاةِ الإمام أو لَا، وبالجملة فقد اختَلَفتِ الرِّوايةُ فيها، والأصحُّ أنَّها باطِلةٌ؛ كتعمُّده، ولقوله ﵇: «إذا فَسا أحدُكم في صلاتِهِ فلينصرِفْ فليَتوضَّأ (٤)، وليُعِدِ الصَّلاةَ» رواه أبو داودَ بإسنادٍ جيِّدٍ، من حديثِ عليِّ بن طَلْقٍ (٥). وعنه: إن كان من السَّبِيلَينِ ابتدأ (٦)، ومن غيرهما يَبنِي؛ لأنَّ نجاستَهما أغلظُ. وعنه: يَبنِي مطلقًا، اختاره الآجُرِّيُّ؛ لخَبَرٍ رواهُ ابنُ ماجَهْ والدَّارَقُطْنِيُّ عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أصابَهُ قيءٌ أو رُعافٌ أو قَلَسٌ أو مَذْيٌ فليَنصرِفْ فليَتوضَّأ، ثمَّ ليَبْنِ على صَلاتِه، وهو في ذلك لا يَتكلَّمُ» (٧). فعلى هذا: إذا احتاج إلى عملٍ كثيرٍ؛ فوجهانِ، أصحُّهما: البِناءُ، قاله

стр. 709

ابن تميم، وعنه: يُخيَّر، والأوَّل أَولى. وحديث عائشة فيه إسماعيل بن عيَّاش عن ابن جُرَيجٍ، وهو حِجازيٌّ، وروايته عن الحجازيِّين ضعيفةٌ عند أكثر المحدِّثين. وإن سبَق الإمامَ الحدثُ، فجهِل هو والمأمومُ حتَّى فرَغوا من الصَّلاة؛ فصلاةُ المأموم صحيحةٌ. تنبيه: إذا لم يَستخلِف الإمامُ، فاستخلَف الجماعةُ أحدَهم، أو مسبوقًا منهم، أو من غيرهم، أو استخلف كلُّ طائفةٍ رجلاً، أو صلَّى بعضُهم فُرادَى، أو كلُّهم، أو تطهَّر الإمامُ وأتمَّ بهم قريبًا وبنى؛ صحَّ الكلُّ على المذهب. وله أن يَستخلِف لحدوثِ مرضٍ، أو خوفٍ، أو حَصْرٍ عن قراءةٍ واجبةٍ، أو قصرٍ ونحوه. وظاهِرُه (١): وجُنونٍ، وإغماءٍ، واحتلامٍ، ولو مسبوقًا، نَصَّ عليه (٢)، ويَستخلِف من يسلِّم بهم. وله استخلافُ من لم يَدخُل معه نصًّا (٣)، ويَبنِي على ترتيبِ الأوَّلِ في الأصحِّ. فإن استخلف في الرُّكوع؛ لَغَتْ تلك الرَّكعةُ. وقال ابن حامِدٍ: إن استخْلَفه فيه أو بعده؛ قرأ لنفسه، وانتظره المأمومُ، ثمَّ ركع ولَحِقَ المأمومُ. وإن استَخْلَف امرأةً وفيهم رجلٌ، أو أمِّيًّا وفيهم قارِئٌ؛ صحَّت صلاةُ الثَّاني بالنِّساء والأمِّيِّين فقطْ. وقال في «الرِّعاية»: ومن استَخلف فيما لا يُعتَدُّ له به (٤)؛ لم يَمنَع اعتدادَ

стр. 710

المأموم به. (وَإِنْ (١) سُبِقَ اثْنَانِ) أو أكثرُ (بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي قَضَاءِ مَا بَقِيَ (٢)، أو ائتم مقيم بمثله إذا سلم إمام مسافر (٣)؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يصحُّ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه انتِقال من جماعةٍ إلى جماعةٍ لعذر، فجاز كالاِستِخلاف، واستدلَّ في «الشَّرح» بقضيَّة أبي بكر حين تأخَّر وتقدَّم النَّبيُّ ﷺ (٤)، وفيه نَظَرٌ. والثَّاني: لا يصحُّ؛ لأنَّه ثبت لكلٍّ منهما حكمُ الانفراد بسلام إمامه (٥)، فصار كالمنفرِد ابتداءً، وبناه في «الشَّرح» على عدَم الاِستخلاف. وعنه: لا يَصِحُّ هنا وإن صحَّ في التي قبلها، اختاره المجْدُ. وعلى الأوَّل: محلُّه في غَيرِ الجمعة، كما جزم به في «الوجيز» وصرَّح به القاضي؛ لأنَّها إذا أُقيمَتْ بمسجدٍ مرَّةً؛ لم تُقَم فيه ثانيةً. (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْر) السَّبقِ؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ كاستِخْلاف إمامٍ بلا عذرٍ؛ لأنَّ مقتضى الدَّليل منعُه، وإنَّما ثبَت جوازُه في محلِّ العُذْرِ؛ لقضيَّة عمرَ (٦)، فيَبقَى فيما (٧) عداه على مقتضاه. وظاهر كلامه في «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ هذا راجِعٌ إلى المسألة قبلَها. وظاهر كلامه في «التَّلخيص»: أنَّ في جواز ذلك من غَيرِ عذرٍ رِوايتَينِ.

стр. 711

(وَإِنْ أَحْرَمَ إِمَامًا لِغَيْبَةِ إِمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَأَحْرَمَ بِهِمْ، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أشهرهما: أنَّه يَصِحُّ ويجوز؛ لما رَوى سهلُ بن سعدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذهب إلى بني عمْرو بنِ عَوفٍ ليُصلِح بينهم، فحانتِ الصَّلاةُ، فصلَّى أبو بكرٍ، وجاء النَّبيُّ ﷺ والنَّاس في الصَّلاة، فتخلَّصَ حتَّى وقَف في الصَّفِّ، وتقدَّم (١) فصلَّى بهم» متَّفقٌ عليه (٢). والثَّاني: لا، صحَّحه في «الوسيلة»، وذكر أنَّه اختيار أبي بكرٍ؛ لعدم الحاجة إليه، وفِعْلُه ﵇ يحتمل أن يكون خاصًّا له؛ لأنَّ أحدًا لا يُساوِيه في الفضلِ، ولا ينبغي لأحدٍ أن يتقدَّم عليه بخلافِ غَيرِه، كما قال أبو بكرٍ: «ما كان لابنِ أبي قُحافةَ أن يتقدَّم بين يَدَيْ رسول الله ﷺ » (٣). وقيل: يجوز ذلك للإمامِ الأعظمِ فقطْ (٤).

стр. 712

(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) يُسَنُّ الخروجُ إليها بسكينةٍ ووَقَارٍ؛ لخبر أبي هريرة في الصَّحيحين (١)، ويقارِب خُطاه، ويقول ما ورد، فمنها: ما رواه أحمدُ عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ خرجَ من بيتِهِ إلى الصَّلاةِ فقال: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بحقِّ السَّائلينَ عليك، وأسألُكَ بحقِّ مَمْشايَ هذا، فإنِّي لم أخرُج أشَرًا، ولا بَطَرًا، ولا رِياءً، ولا سُمعةً، خرجتُ اتِّقاءَ سخطِكَ، وابتغاءَ مرْضاتِكَ، فأسألك أن تُنقِذني مِنَ النَّار، وأن تَغفِرَ لي ذنوبي، إنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنتَ؛ أقبل اللهُ إليه بوجهِهِ، واستغفرَ له سبعونَ ألفَ ملَكٍ» (٢). فإذا وصل (٣) المسجدَ؛ قدَّم رِجلَه اليُمنَى في الدُّخول، واليُسرَى في عكْسه، ويقول ما ورد، ولا يُشبِّك أصابعَه، ولا يخوض في حديث الدُّنيا، ويجلِس مستقبِل القِبلةِ. وإن سَمِع الإقامةَ؛ لم يَسْعَ إليها إذا كان خارجَه، ونصُّه: (لا بأْسَ به يسيرًا إن طمِع أنَّه يدرك التَّكبيرةَ الأُولى)، واحتجَّ بأنَّه جاء عن الصَّحابة، وهم مختلِفون (٤).

стр. 713

(السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)، كذا في «الكافي» وغيرِه؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَفعَل ذلك» رواه ابن أبي أَوْفَى (١)، ولأنَّه دُعاءٌ إلى الصَّلاةِ، فاستُحبَّ المبادرةُ إليها، قال ابن المنذر: (أجمع على هذا أهلُ الحرمَين) (٢). وهذا إنْ رأى الإمامَ، وإلاَّ قام عند رُؤيته. وقيل: إن كان الإمام غائبًا لم يَصِلْ إلى المسجد. وقيل: أو في المسجد؛ لم يقوموا حتَّى يرَوه. وذكر في «الشَّرح»: أنَّه إن كان في المسجد أو قريبًا منه؛ قاموا قبل رُؤيته، وإلاَّ فلا. وعنه: ينبغي أن تُقام (٣) الصُّفوف قبل أن يدخل الإمام.

стр. 714

وذكر بعض أصحابنا: الأَوْلى أن يقوم إمامٌ، ثمَّ مأمومٌ. ولا يُحرِم الإمامُ حتَّى تَفرُغَ الإقامةُ، نَصَّ عليه (١)، وهو قول جلِّ أئمَّة الأمصار. وعُلم منه: جوازُ إقامةِ المقيمِ قبل ذلك. والمراد بالقيام إليها: هو التَّوجُّه إليها؛ ليَشمَل العاجِزَ عنه. (ثُمَّ يُسَوِّي الْإِمَامُ الصُّفُوفَ) بالمناكِبِ والأَكعُبِ استحبابًا، فيَلتَفِت عن يمينه فيقول: استوُوا رحمكم الله، وعن يساره كذلك، وفي «الرِّعاية»: يقول عن يساره: اعتدِلوا رحمَكم اللهُ. ويُكمَل الأوَّلُ فالأوَّلُ، ويَتراصُّون، قال أَنَسٌ: «كانَّ النَّبيُّ ﷺ يُقبِل علينا بوجهه قبل أن يكبِّرَ فيقول: تراصُّوا واعتَدِلوا» متَّفقٌ عليه، زاد البخاريُّ: «فإنِّي أراكُم من وراءِ ظَهْري» (٢)، ورُوي عن عمرَ وعُثمانَ (٣). قال في «الفروع»: (ويتوجَّه: يجبُ تسويةُ الصُّفوف، وهو ظاهِر كلام شيخنا؛ «لأنَّه ﵇ رأى رجلاً بادِيًا صدرُه، فقال: لتُسَوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالِفَنَّ اللهُ بين وُجوهِكم» (٤)، ومَن ذَكَر الإجماعَ على استحبابه؛ فمرادُه ثبوتُ استحبابه، لا نَفيُ وجوبِه).

стр. 715

فائدة: يمينُه والصَّفُّ الأوَّل، وهو ما يقطعه المنبر، وعنه: ما يليه للرِّجال؛ أفضل، وله ثوابه وثواب من وراءه ما اتَّصلت الصُّفوف، وكلَّما قرُب منه فهو أفضل، وظاهر ما حكاه أحمد عن عبد الرَّزَّاق: أنَّ بقربه أفضل (١)، ومرادُهم: أنَّ بُعْدَ يمينه ليس أفضلَ من قُرْبِ يَساره. وللأفضلِ تأخيرُ المفضولِ والصَّلاةُ مكانَه، فتُستثنَى (٢). وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا. وفي كراهة ترك الصَّف الأوَّل لقادِرٍ وجهان. والصَّفُّ الأخيرُ للنِّساءِ أفضلُ. (ثُمَّ يَقُولُ) قائمًا في فرض مع القدْرة: (اللهُ أَكْبَرُ)، فلا تَنعَقِد (٣) إلاَّ بها نُطقًا، وما رُوي عن بعضهم أنَّه سنَّةٌ، وأنَّ الدُّخول فيها يكفي فيه مجرَّد النِّيَّة؛ فقال النَّوَوِيُّ: (إنَّه لا يصحُّ عنهم مع هذه الأحاديث) (٤). (لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا)، نَصَّ عليه؛ لما رَوى عليٌّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مفتاحُ الصَّلاةِ الطُّهورُ، وتحريمُها التَّكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، ورُوي مرسَلاً، قال التِّرمذي: (هذا أصحُّ شَيء في هذا الباب، والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم) (٥)، وقال النَّبيُّ

стр. 716

ﷺ : «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ امرئٍ حتَّى يضعَ الطُّهورَ مواضِعَهُ، ثمَّ يستقبِلَ القِبلةَ، ويقول: اللهُ أكبرُ» رواه أبو داود من حديثِ رِفاعة (١)، وقال ﵇ للمسيء في صلاته: «إذا قمتَ فكبِّرْ» متَّفقٌ عليه (٢)، ولم يُنقَل أنَّه كان يستفتِحها بغير ذلك. فلا تنعقِد (٣) بقول (٤): اللهُ الأكبر (٥)، أو الكبيرُ، أو الجليل، ولا: (الله أقبر) بالقاف، ولا: (الله) فقط. وقيل: يكره، ويصحُّ في الأُوليين (٦). وظاهره: أنَّه إذا نَكَّسه لا يصحُّ، وهو المشهور. مسألة: إذا مدَّ همزةَ (اللهُ) لم تنعقِد (٧)؛ لأنَّه غيَّر المعنى، فصار استفهامًا، وكذا إن قال: أكْبار؛ لأنَّه بقي (٨) جمع كَبَرٍ، وهو الطَّبْل، وإن مطَّطه (٩)؛ كُرِه مع بقاء المعنى وصحَّت. فرع: إذا تمَّمه راكعًا، أو أتى به فيه، أو كبَّر قاعدًا، أو أتمَّه قائمًا؛ انعقد (١٠) في الأصحِّ نفلاً؛ لسقوط القيام فيه، ويدرك الرَّكعة إن كان الإمام

стр. 717

في نفل، ذكره القاضي. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا؛ لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا)؛ لأنَّها ركن في الصَّلاة، فلزمه تعلُّمها كالفاتحة، زاد في «الرِّعاية»: في مكانه أو فيما قرُب منه. وقال في «التَّلخيص»: إن كان في البادية؛ لزِمه قصدُ البلد لتعلُّمه، ولا يكفيه التَّرْجمة بدلاً، بخلاف التيمُّم. (فَإِنْ) عجَز، أو (خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ؛ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ)، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه، وصحَّحه ابن تميم، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّه عجَز عن اللفظ، فلزمه الإتيانُ بمعناه؛ كلفظة النِّكاح. وعنه: لا يكبِّر إلاَّ بالعربيَّة، اختاره الشَّريف؛ لأنَّه ذِكرٌ تعيَّنتْ صيغته، فلم يترجم عنه؛ كالقراءة، وكالقادر، فيُحرِم بقلبه، وقيل: يجب تحريك لسانه، وإن قدر على البعض قاله. وحكم الذِّكر الواجبِ؛ كالتَّكبير في ذلك، بخلاف المسنون، فإنَّه لا يَأتِي به بغير العربيَّة، نَصَّ عليه، فإن ترجم عنه؛ بطلت. فرعان: الأوَّل: إذا عرف لسانًا فارسيًّا وسريانيًّا؛ فثالثها: يخيَّر، ويقدَّمان على التُّركي، وقيل: يخيَّر كما يخيَّر بين التُّركي والهنديِّ. الثَّاني: يَلزَم الأخرسَ ومن سقط عنه النُّطقُ؛ تحريكُ لسانه بقدر الواجب من القراءة ونحوِها، ذكره القاضي وصاحب «التَّلخيص» وغيرُهما؛ لأنَّ الصَّحيحَ يَلزَمه النُّطقُ بتحريك لسانه، فإذا عجَز عن أحدهما لزِمه الآخَرُ. واختار المؤلِّف، ورجَّحه في «الشَّرح»: لا، كمن سقط عنه القيامُ سقط عنه النُّهوضُ إليه وإن قدَر عليه؛ لأنَّه عبَثٌ، ولم يَرِدِ الشَّرع به؛ كالعبَثِ بسائر جوارحه، وإنَّما لزم القادر ضرورةً. (وَ) يُستحبُّ أن (يَجْهَرَ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ) بحيث يُسمِع مَنْ خلفَه، وأدناه

стр. 718

سماعُ غيره، وذلك مطلوبٌ؛ لما فيه مِنْ متابَعة المأمومين لإمامهم، وكذا جهره بتسميعٍ وسلامٍ وقراءةٍ في جهرية، فإن لم يمكنه إسماعهم؛ جهَر به بعضهم ليُسمِعهم؛ لما في الصَّحيح عن جابر قال: «صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ وأبو بكر خلفَه، فإذا (١) كبَّر رسولُ الله ﷺ كبَّر أبو بكرٍ ليُسمِعَنا (٢)» (٣). وكذا حكم جهرِه (٤) بتحميدٍ وسلامٍ لحاجةٍ، فيُسنُّ. (وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ)؛ أي: بالتَّكبير (وَبِالْقِرَاءَةِ)؛ لأنَّه لا حاجة إليه، وربَّما لبَّس على المأمومِين، وإنَّما سُنَّ له الإسرارُ بها في حال إخفاء الإمام لا في حال جهره؛ لأنَّه يُسنُّ له الإنصاتُ، والجمعُ بين مسنونيَّة الإسرارِ والإنصاتِ متناقِضٌ. (بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ)؛ لأنَّه يجب على كل مصلٍّ أن يجهَر بكلِّ (٥) قولٍ واجب بقدر ما يُسمِعُ نفسَه؛ لأنَّه لا يكون كلامًا بدون الصَّوت، وهو ما يتأتَّى سماعُه، وأقرب السَّامعين إليه نفسه، وهذا ليس يفيد في مسنونية ذلك؛ لأنَّه لو رفع صوتَه بحيث يُسمِعُ من يليه فقط؛ لكان مُسِرًّا آتيًا بالمقصود. وهذا إن (٦) لم يَمنَع مانِعٌ من سماع نفسه، فإن كان؛ فبحيث يحصل السَّماع مع عدمه. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) ندبًا بغير خلاف نعلمه (٧) عند افتِتاحها، وليس بواجب اتِّفاقًا، ويقال لتاركه: تارك السُّنَّة، وقال القاضي: لا بأس أن يقال: هو مبتدِعٌ.

стр. 719

فإن عجَز عن رفع إحدى يديه؛ رفع الأخرى، فإن (١) كانتا في كُمَّيه رفعهما؛ لخبر وائل بن حجر (٢). (مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ)؛ أي: يكون ابتداءُ الرَّفع مع ابتداء التَّكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، نَصَّ عليه (٣)، وهو الصَّحيح؛ لما رَوى وائلُ بنُ حُجْر: «أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ يرفع يدَيه مع التَّكبير» (٤)، ولأنَّ الرَّفع للتَّكبير فكان معه. وعنه: يرفعهما قبل التَّكبير (٥)، ثمَّ يحطُّهما بعده؛ لأنَّه يَنفِي الكبرياءَ عن غير الله، وبالتَّكبير يُثبِتُها لله، والنَّفي مقدَّم؛ ككلمة الشَّهادة. وقيل: يُخَيَّر، قال في «الفروع»: (وهو أظهر). فإن ترك الرَّفع حتَّى فَرَغ من التَّكبير؛ لم يرفَع؛ لأنَّها سنَّةٌ فات محلُّها. (مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ)؛ لقول أبي هريرة: «كان النَّبيُّ ﷺ يرفَع يدَيه مدًّا» رواه

стр. 720

أحمد وأبو داود والتِّرمذيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (١). (مَضْمُومًا بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)، هذا هو المذهبُ؛ لأنَّ الأصابع إذا ضُمَّت تَمتدُّ. وعنه: مُفرَّقَةً (٢)؛ لما روى أبو هريرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كبَّرَ نَشَر أصابعَهُ» ذكره أحمدُ، ورواه التِّرمذي، وقال: (إنَّه خطأٌ) (٣)، ثمَّ لو صحَّ كان معناه المدُّ؛ لأنَّ النَّشر لا يقتضي التَّفريق؛ كنشر الثَّوب. ويكون مستقبِلاً ببطونهما القِبلة، ذكره ابن تميم و «المبهج» و «الفروع»، ولم يذكرْه آخرون منهم المؤلِّف. وقيل: قائمةً حال الرَّفع والحطِّ. (إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ)، ذكره في «التَّلخيص» وغيرِه، واختاره الخِرَقِيُّ، قال في «الفروع»: (وهي أشهر)؛ لما روى ابن عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة رفع يدَيه حتَّى يكونا حَذوَ منكبَيه، ثمَّ يكبِّر» متفق عليه (٤)، وعن مالك بن الحُوَيْرِث: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يرفع إلى فروع

стр. 721

أذنَيه» رواه مسلم (١)، وظاهره التَّخيير؛ لصحَّة الرِّواية بهما. وعنه: يرفعهما إلى منكبَيه، اختاره الأكثرُ، وذكر في «الشَّرح»: أنَّ مَيلَ أبي عبد الله إلى هذا أكثرُ؛ لكثرة رُواته من الصَّحابة، وقربِهم. وعنه: إلى فروع أذنيه، اختاره (٢) الخلاَّل وصاحبُه. وعنه: إلى صدره. ونقل أبو الحارِث: يجاوِز بهما أذنيه (٣)؛ لأنَّه ﵇ فَعَلَه. وقال أبو حفص: يجعل يدَيه حذوَ منكبَيه، وإبهامَيه عند شحمة أذنيه؛ جمعًا بين الأخبار، وقاله في التَّعليق. ومن لم يقدِر على الرَّفع المسنون؛ رفع حسبَ إمكانه، وإن لم يمكن رفعهما إلاَّ بزيادة على أذنيه؛ رفعهما؛ لأنَّه يأتي بالسُّنَّة وزيادةٍ، ويسقط بفراغ التَّكبير كلِّه (٤). فائدة: كشْفُ يدَيه هنا وفي الدُّعاء أفضلُ، ورفعُهما إشارةً إلى رفع الحجاب بينه وبين ربِّه، كما أنَّ السَّبَّابةَ إشارةٌ إلى الوحدانية، ذكره ابن شهاب. (ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ (٥) الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى)، نَصَّ عليه (٦)؛ «لأنَّ

стр. 722

النَّبيَّ ﷺ وضَع اليمنى على اليسرى» رواه مسلم من حديث وائل، وفي رواية لأحمد وأبي داود: «ثمَّ وضَع يدَه اليُمنى على كفِّه اليُسرى (١) والرُّسْغِ والسَّاعِدِ» (٢). (٣) ونقل أبو طالب (٤): بعضُها على الكفِّ، وبعضُها على الذِّراع، لا بطنها على ظاهر كفِّه اليسرى، وجزم بمثله القاضي في «الجامع». ومعناه: ذُلٌّ بين يدَيْ عِزٍّ، نقله أحمد بن يحيى الرَّقِّي (٥). وعنه: يخيَّر. وعنه: يرسلهما في صلاة الجنازة. وعنه: في صلاة التطوُّع. (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) في أشهر الرِّوايات، وصحَّحها ابن الجوزي وغيره؛ لقول عليٍّ: «من السُّنَّة وضع اليمنى على الشِّمال تحت السرَّة» رواه أحمد وأبو داود، وذكر في «التَّحقيق»: أنَّه لا يصحُّ (٦). قيل للقاضي: هو عورة فلا يضعهما عليه كالعانة والفخذ؛ فأجاب: بأنَّ العورة أولى وأبلغ بالوضع عليه لحفظه. وعنه: تحت صدره، وفوق سرَّته.

стр. 723

وعنه: يُخيَّر، اختاره في «الإرشاد»؛ لأنَّ كلًّا منهما مأثورٌ. وظاهره: يكره وضعهما على صدره، نصَّ عليه (١) مع أنَّه رواه (٢). (وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ)؛ لما روى أحمدُ في «النَّاسخ والمنسوخ» عن ابن سيرين: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقلِّبُ بصرَهُ إلى السَّماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]، فطأطأ رأسَه» (٣)، ورواه سعيد، حدثنا حمَّاد بن زيد، حدثنا أيُّوب، عن ابن سيرين، وزاد فيه، قال: «كانوا يستحبُّون للرَّجل أن لا يجاوِز بصرُه مصلاَّه» (٤)، ولأنَّه أخشعُ وأكفُّ لنظره. إلاَّ في: صلاة الخوف عند الحاجة، وحال إشارته في التَّشهُّد؛ فإنَّه يَنظُر إلى سبَّابته (٥)؛ لخبر ابن (٦) الزُّبَير، وصلاته تجاه الكعبة؛ فإنَّه ينظر إليها (٧). وفي «الغُنية»: يُكرَه إلصاقُ الحَنَك بالصَّدر وعلى الثَّوب، وأنَّه (٨) يُروى عن الحسن: أنَّ العلماء من الصَّحابة كرهَتْه (٩).

стр. 724

(ثُمَّ يَقُولُ) سِرًّا: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)، ذكره مُعظَم الأصحابِ، قال التِّرمذيُّ: (العملُ عليه عند أهل العلم من التَّابعين وغيرِهم) (١)، ونَصَّ عليه (٢)؛ «لأنَّه ﵇ كان يَستفتِح بذلك» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي ولفظه له، من حديث أبي سعيدٍ، وهو من رواية عليِّ بن عليٍّ الرِّفاعيِّ، وقد وثَّقه أبو زُرعةَ وابن مَعينٍ، وتَكلَّم فيه بعضُهم (٣)، وصحَّح أحمدُ قولَ عمرَ بمحضَرٍ من الصَّحابة، وهو من رواية عَبدةَ عن عمر، ولم يدركه، وبأنَّه رُوي عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ لَيستْ بذاك.

стр. 725

ولَيستْ: (وجَّهت وجهي) والآية بعدها أفضل؛ لخبر عليٍّ (١). واختار الآجُرِّيُّ: قَولَ ما في خبر عليٍّ كلِّه. واختار ابن هُبَيرة والشَّيخ تقِيُّ الدِّين: أنَّ جمعَهما أفضلُ (٢). ويجوز ما ورد، نَصَّ عليه (٣). قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (الأفضل أن يأتي بكلِّ نوع أحيانًا، وكذا صلاة الخوف) (٤). ولا يجهر به إمامٌ، وإنَّما جهَر به ليعلِّم النَّاسَ. (ثُمَّ يَقُولُ) سِرًّا قبل القراءة، نَصَّ عليه (٥): (أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ذكره في «الكافي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، واختاره القاضي في «الجامع»؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النّحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت القراءة، وكان النبي ﷺ يقولها قبل القراءة. وعنه: (أعوذ بالله السميع العليم (٦) من الشيطان الرجيم)، جزم به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «التَّلخيص»؛ لحديث أبي سعيدٍ المرفوعِ (٧)، قال التِّرمذيُّ: (هو أشهر حديث في الباب) (٨)، وهو متضمِّن للزِّيادة، والأخذُ بها

стр. 726

أَولى، لكن ضعَّفه أحمدُ (١). وعنه - بعد كمالها -: إنَّ الله هو السَّميعُ العليمُ، اختارها في «التَّنبيه»، والقاضي في «المجرد»، وابن عَقيل والسَّامَرِّيُّ؛ جمعًا بين الأدِلَّة. وكيفما تعوَّذ فحسَنٌ، وهذا كلُّه واسِعٌ. مسألة: الاستِفتاحُ والتَّعوُّذ سنَّتانِ، نَصَّ عليه (٢). وعنه: واجبان، اختاره ابن بَطَّة. وعنه: التعوُّذ. ويَسقُطان بفوات محلِّهما، وكالبسملة (٣). واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: التَّعوُّذَ أوَّل كل قُربةٍ (٤). (ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في (٥) أوَّل الفاتحة، وأوَّل كلِّ سورة في قول أكثرهم؛ لما رَوى نُعَيمٌ المُجْمِرُ قال: «صلَّيت وراءَ أبي هريرة فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ (١)﴾، ثمَّ قرأ بأمِّ القرآن حتَّى بلغ: ﴿ولا الضالين﴾ … » الحديث، ثمَّ قال: «والذي نفسي بيده إنِّي لأَشْبهكم صلاةً برسول الله ﷺ » رواه النَّسائي، وفي لفظٍ لابنِ خُزَيمةَ والدَّارَقُطْنِيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُسرُّ ببِسم الله الرَّحمن الرَّحيم، وأبو بكرٍ، وعمرُ» وزاد ابن خُزَيمة: «في الصَّلاة» (٦). (وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ)، جزم به أكثرُ الأصحاب، وصحَّحه ابنُ الجَوْزيِّ وابنُ تَميم والجَدُّ، وحكاه القاضي إجماعًا سابقًا، وكغيرها؛ لما روى

стр. 727

أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نِصفَين، فإذا قال العبد:، قال الله تعالى (١): حمِدني عبدي» رواه مسلم (٢)، ولو كانتْ آيةً لعدَّها (٣) وبدأ بها، ولما تحقَّق التَّنصيف؛ لأنَّ ما هو ثناء وتمجيد أربعُ آياتٍ ونصفٌ، وما هو للآدمي آيتان ونصفٌ؛ لأنَّها سبع آيات إجماعًا (٤)، لكن حكى الرَّازي عن الحسن البَصريِّ: أنَّها ثمان آيات (٥)، وقال النَّبيُّ ﷺ في (٦) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك: ١]: «إنَّها ثلاثون آيةً» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (٧)، ولا يختلِف العادُّون أنَّها ثلاثون آيةً بدون (٨) البسملة. وهي قرآن على الأصحِّ، آية منه، وكانت تنزل فصلاً بين السُّور غير «براءة».

стр. 728

وعنه: ليست من القرآن إلاَّ في «النَّمل»، فإنَّها بعض آية فيها إجماعًا (١)، فلهذا نقل ابن الحكم: لا تكتب (٢) أمام الشِّعر (٣) ولا معه، وذكر الشَّعبي: أنَّهم كانوا يكرهونه، قال القاضي: لأنَّه يَشوبُه الكذب والهجو (٤) غالبًا. (وَعَنْهُ: أنَّهَا مِنْهَا)، اختارها ابن بَطَّة وأبو حفص، وصحَّحه ابن شهاب (٥)؛ لما روى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُنْزِلَ عليَّ سورةٌ، فقرأ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾» رواه مسلمٌ (٦)، و «كان النَّبيُّ ﷺ أمر (٧) بقراءتها مع الفاتحة» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ (٨)، واحتجَّ أحمدُ: بأنَّ الصحابة أجمعوا على كتابتها في المصاحف. ثمَّ اعلم: أنَّ مسألة البسملة عظيمةٌ صنَّف فيها الأئمَّة، منهم الخطيب البغداديُّ، قال الأصوليُّون: وقوَّة الشبهة في (٩) (بسم الله الرحمن الرحيم) منعت التَّكفير من الجانبين، فدلَّ على أنَّها ليست من المسائل القطعيَّة، خلافًا للقاضي أبي بكر. فائدة: تُكتب (١٠) أوائل الكتب (١١)، كما كتبها سليمان والنَّبيُّ ﷺ في

стр. 729

صلح الحُدَيبيَة، وإلى قَيصَرَ وغيرِه (١)، نَصَّ عليه، فتُذكرُ في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل، والخروج منه للتَّبرُّك، وهي تطرد الشَّيطان، وإنَّما يُستحبُّ إذا ابتدأ فعلاً تبَعًا لغيرها لا مستقلَّةً، فلم تُجعل كالحمدلة، ونحوها. (وَلَا يُجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ)، قد مضى شرحه، والآن لا يجهر بالبسملة وإن قلنا هي من الفاتحة، قال في «الشَّرح»: (لا خلاف عنه فيه)، وحكى التِّرمذيُّ أنَّه قولُ أكثرِ العلماء من الصَّحابة والتَّابعين، منهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ (٢)، وقد روى أحمد والنَّسائي على شرط الصَّحيح: «لا يجهرون ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وفي لفظ البخاريِّ عن أنَسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمرَ كانوا يفتتحون الصَّلاة ب: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾»، وفي رواية مسلمٍ: «لا يذكرون بسم الله الرَّحمن الرَّحيم في أوَّل قراءةٍ، ولا في آخرها» (٣).

стр. 730

وعنه: يجهر (١)؛ لأخبارٍ منها ما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أمَّ النَّاسَ قرأ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، قال الدَّارَقُطْني: إسنادُه كلُّهم ثقاتُ (٢). (٣) وعنه: بالمدينة؛ ليتبيَّن أنَّها سنَّةٌ؛ لأنَّ أهل المدينة ينكرونها، كما جهر ابن عبَّاس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة (٤). وعنه: يجهَر في نفل. وقيل: إن قلنا: هي من الفاتحة جهَر بها. واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: يجهَر بها وبالتَّعوُّذ وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانًا؛ فإنَّه المنصوص عن أحمد؛ تعليمًا للسُّنَّة، وللتَّأليف (٥).

стр. 731

ويخيَّر في غير صلاة في الجهر بها، نقله الجماعةُ (١)، وكالقراءة والتعوُّذ. وعنه: يجهر. وعنه: لا. (ثمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ)، وهي ركنٌ في كلِّ ركعة (٢) في ظاهر المذهب (٣)؛ لما روى عُبادةُ مرفوعًا: «لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتاب» متفق عليه (٤)، وفي لفظ: «لا تُجزئُ صلاةٌ لمن لم يقرأ بفاتحةِ (٥) الكتاب» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ، (وقال: إسناده صحيحٌ)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِداجٌ»، يقوله ثلاثًا رواه مسلم (٦)، والخِداجُ: النُّقصان في الذَّات نقصَ فساد وبطلانٍ، تقول العرب: أخدجت النَّاقة ولدها؛ أي: ألقته وهو دم لم يَتمَّ خَلْقُه. فإن نسيها في ركعة؛ لم يَعتدَّ بها، وذكر ابن عَقيل أنَّه يأتي بها فيما بعدها مرَّتين، ويعتدُّ بها، ويسجد للسَّهو. وعنه: في الأُوليَين (٧). وعنه: يكفي آيةٌ من غيرها، وظاهره: ولو قصُرت، ولو كانت كلمةً. وعنه: سبع. وعنه: ما تيسَّر. وعنه: لا تجب قراءة في غير الأُوليَين والفجر؛ لقول عليٍّ (٨).

стр. 732

وحكى أبو الخَطَّاب عن بعض العلماء: أنَّ الفاتحة تتعيَّن في ركعة. ويأتي حكم المأموم في قراءتها. بديعةٌ: سُمِّيت بالفاتحة؛ لأنَّه يُفتتَح بقراءتها في الصَّلاة، وبكتابتها في المصاحف، وتسمَّى الحمدَ، والسَّبعَ المثاني، وأمَّ الكتاب، والواقية، والشَّافية، والأساسَ، والصَّلاةَ، وأمَّ القرآن؛ لأنَّ المقصود منه تقرير أمور الإلهيات والمعاد والنُّبوَّات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، ف ﴿الحمد لله﴾ الى ﴿الرحيم﴾: يدلُّ على الإلهيات (١)، و ﴿مالك يوم الدين﴾: يدل (٢) على المعاد، و ﴿اياك نعبد واياك نستعين﴾: يدلُّ على نفي الجَبر والقدر، وعلى إثبات أنَّ الكلَّ بقضاء الله تعالى، و ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلى آخرها: يدلُّ على النبوات (٣). وتُسمَّى: الشِّفاء، والشَّافية، والسُّؤال، والدُّعاء. وقال الحسنُ: (أودع الله تعالى فيها (٤) معانيَ القرآن كما أَوْدع فيه (٥) معنى الكتبِ السَّابقةِ).

стр. 733

وهي أفضل سورة، قاله ابن شهاب (١) وغيره. وهي مكِّيَّة، وقال مجاهد: (مدنيَّة)، وخُطِّئَ في ذلك، وقيل: نزلت مرَّتين، فهي مكِّيَّةٌ مدنيَّةٌ. (وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) بغير خلاف (٢)، وهذا على المذهب، وعلى أنَّ البسملة آية منها فيصير فيها أربعة عشرة (٣) تشديدةً؛ لأنَّ فيها ثلاثة، ويلزمه أن يأتي بقراءتها مرتَّبة (٤) مشدَّدة، غير ملحون فيها لحنًا يُحيل المعنى، مثل كسر كاف ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفَاتِحَة: ٥]، أو ضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾ [الفَاتِحَة: ٧]، أو فتح همزة الوصل في ﴿اهْدِنَا﴾ [الفَاتِحَة: ٦]. (فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا أَوْ تَشْدِيدَةً مِنْهَا، أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ؛ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا)، وفيه مسائل: الأولى: إذا ترك ترتيبَ الفاتحة؛ ابتدأها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرؤها مرتَّبة متوالية، وقال: «صلُّوا كما رأَيْتُموني أصلِّي» (٥)، ولأنَّ القرآن مُعجِز، والإعجاز يتعلَّق بالنَّظم والتَّرتيب، وهي ركن، فلم يَجُز تنكيسها؛ كتكبيرة الإحرام. الثانية: إذا ترك شَدَّةً منها؛ لزِمه استئنافُها؛ لأنَّ الشَّدَّةَ (٦) أُقِيمت مقامَ حرف، ومن ترك (٧) حرفًا منها؛ فكأنَّه لم يقرأها؛ لأنَّ المُركَّب ينعدِم بعدَم جزءٍ من أجزائه. وذكر القاضي في «الجامع»: أنَّها لا تَبطُل بترك شَدَّةٍ؛ لأنَّها غير ثابتة في

стр. 734

خطِّ المُصحف، وإنَّما هي صفة للحرف، ويُسمَّى تاركُها قارئًا للفاتحة، ولا يختلِف المذهب أنَّه إذا ليَّنها ولم يحقِّقها على الكمال؛ أنَّه لا يعيد الصَّلاة؛ لأنَّ ذلك لا يُحيل المعنى، ويختلِف باختلاف الناس. قال في «المغني» و «الشَّرح»: ولعلَّه إنَّما أراد في «الجامع» هذا المعنى، فيكون قوله متَّفِقًا، وفيه نَظَرٌ. الثَّالثة: إذا أطال قطْعَها بذِكرٍ كثيرٍ، أو سُكوتٍ طويلٍ غيرُ مأموم؛ لزِمه استئْنافُها؛ لأنَّه يعدُّ مُعرِضًا عن الفاتحة بذلك، وهو على أضرُبٍ: أحدها: قطْعٌ بذِكرٍ أو سُكوتٍ مشروعٍ؛ كالتَّأمين، وسجود التِّلاوة، والتَّسبيح بالتَّنبيه، واستماع قراءة الإمام، فإنَّه لا يؤثِّر وإن طال، ذكره ابن تميم، وكذا إذا سمع آيةَ رحمةٍ فسأل؛ أنَّه لا يُعدُّ مُعرِضًا، وفي «الشَّرح»: أنَّه إذا كثُر استأنَفَها. الثَّاني: قطْعٌ غيرُ مشروعٍ؛ كالتَّهليل والتَّسبيح، فذكر القاضي أنَّ ذلك مُبطِل لها، والأصحُّ أنَّ الكثيرَ مُبطِلٌ؛ لأنَّه أخلَّ بالموالاة، بخلاف اليسير فإنَّه يُعفى عنه. الثَّالث: قطعٌ بسكوتٍ طويلٍ غيرِ مشروعٍ، فهذا مُبطِل لها في ظاهر كلام الجماعة، وسواءٌ كان باختيار أو مانِعٍ من عقله، أو أُرْتِجَ عليه، لكن إن كان يسيرًا جرت العادةُ به؛ لم يقطع قراءتَها، سواءٌ نوى قطْعها أو لا (١)؛ لأنَّه يسيرٌ فعُفِي عنه. وقال القاضي: يكون قطعًا (٢) مع النِّيَّة؛ لتحقُّق الإعراض. ولو نوى قطْعَ القراءة لم تنقطع؛ لأنَّ القراءة باللِّسان، فلم تنقطع، بخلاف نيَّة الصَّلاة. وقيل: إن سكت مع ذلك يسيرًا؛ انقطعت.

стр. 735

الرَّابع: قطْعٌ بسكوتٍ طويلٍ مشروعٍ؛ كالمأموم يَشرَع في القراءة، ثمَّ يَسمع قراءةَ الإمام فينصِتُ، ثمَّ يُتِمُّها بعد فراغ إمامه، فهذا لا يؤثِّر؛ لأنَّه مشروع كالذِّكر. مسألة: يُستَحبُّ أن يقرأها مرتَّلةً مُعرَبةً، يقف عند كل آية؛ كقراءته ﵇، ويُكرَه الإفراطُ في التَّشديد والمدِّ والتَّرجيع، وإن أحال منها معنًى بلحن يَقدِر على إصلاحه؛ لم يعتدَّ به، وإن لم يُحِلْ صحَّ، ذكره جماعة، فإن قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفَاتِحَة: ٧] بظاء قائمة؛ فأوجُهٌ، ثالثها: إن عرف الفرق بينهما بطلت (١)، وإلاَّ فلا. (فَإِذَا (٢) قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: آمِينَ)، بعد سكتةٍ لطيفةٍ؛ ليُعلم أنَّها ليست من القرآن، وإنَّما هي طابِع الدُّعاء، ومعناه: اللَّهم استجِبْ، وقيل: اسم من أسمائه تعالى. ويَحرُم تشديدُ الميمِ، لأنه يصير بمعنى (٣) قاصدين، ويخيَّر في مدِّ همزته وقصرها، والمدُّ أَوْلى، ذكره القاضي (٤). (يَجْهَرُ بِهَا الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الجَهْرِ)؛ لما رَوى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنَّه مَنْ وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له» متَّفَقٌ عليه (٥)، وروى أبو وائلٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقولُ: آمينَ، يمدُّ

стр. 736

بها صوتَه» رواه أحمد وأبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ وصحَّحه (١)، وقال عَطاءٌ: (كان ابن الزُّبير يؤمِّن ويؤمِّنون حتَّى إنَّ للمسجد للجَّة (٢) رواه الشَّافعيُّ (٣). وعن أحمدَ: تَرْك الجهر. وعلى الأولى، -وهي الأصحُّ-: يقولها المأمومُ بعد الإمام. وذكر جماعةٌ: معًا، فإن (٤) تركه إمامٌ أو أَسرَّه (٥)؛ جهَر به مأمومٌ ليُذكِّرَ النَّاسَ، فإن تركه حتَّى قُرِئ غيرُه؛ لم يقله. ولم يتعرَّض المؤلِّف لذكر المنفرِد، وحكمه (٦): الجهرُ بها؛ قياسًا عليهما. فرع: إذا قال: آمين ربَّ العالَمين؛ فقياسُ قولِ أحمدَ في التَّكبير: اللهُ أكبرُ كبيرًا؛ لا يُستحَبُّ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ)؛ لزمه (٧) تعلُّمها؛ لأنَّها واجبةٌ في الصَّلاة، فلزِمه تحصيلُها إذا أمكنه كشروطها، فإن لم يَفعَلْ مع القُدرة عليه؛ لم تَصِحَّ صلاتُه.

стр. 737

فإن كان عاجِزًا عنه، إمَّا لبُعدِ حفْظه، (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا)؛ سَقَطَ، قال أبو الفرَج: إذا طال زمنه، (قَرَأَ)؛ لما رَوى رفاعة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فإن كان معك قراءة فاقرأ، وإلاَّ فاحمَد الله وهلِّله وكبِّر (١)، ثمَّ اركَعْ» رواه أبو داود والتِّرمذي (٢)، وظاهِرُه: أنَّه لا يَنتقِل إلى الذِّكر إلاَّ عند العجز عن القراءة. ويُعتبَر أن يكون ذلك (قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الحُرُوفِ)، هذا قولٌ في المذهب؛ لأنَّ الثَّوابَ مقدَّرٌ بالحرف (٣)، فكفى اعتباره (٤). (وَقِيلَ: فِي (٥) عَدَدِ الآْيَاتِ) دون عدد الحروف، (مِنْ غَيْرِهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحِجر: ٨٧]، ولأنَّه ﵇ عدَّ الفاتحةَ سبْعًا (٦)، ولأنَّ من فاته صومٌ طويلٌ لم يُعتبَر في القضاء مثلُه. والمذهب: أنَّه يُعتبَر أن يكون بعدد الآي والحروف من غير نقص؛ لأنَّ الحرف مقصود، بدليل تقدير الحسنات (٧) به كالآي، وليكون البدل كالمبدَل حسب الإمكان.

стр. 738

وعنه: يُجزئه قراءة آيةٍ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلاَّ آيَةً؛ كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه (١) بمثابة من قرأها لكونها من جنس الواجب. وظاهره: لو أحسن آيةً منها فقطْ كرَّرها في الأصحِّ؛ لأنَّ الآية منها أقرب شبهًا إلى بقيَّة الفاتحة من غيرها. والثَّاني: يقرؤها مرَّةً، ويَعدِل إلى الذِّكر بقدر بقيَّتها؛ لأنَّه إذا قرأها مرَّة فقد أسقط فرضَها، فيجب أن لا يعيدها؛ كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله؛ فإنَّه يستعمله ثمَّ ينتقل إلى البدَل في الباقي. وذكر بعضُهم: أنَّه إذا كان يحسن آخرَها؛ أتى قبله بالبدل، ثمَّ أتى بما يحسن منها. وعنه: لا يلزمه تَكرار آيةٍ، اختاره ابن أبي موسى. وقيل: يقرأ الآية وشيئًا من غيرها. وظاهر ما سبق: أنَّه إذا أحسَن بعضَ آيةٍ لا يكرِّرها، ذكره في «المغني» وغيره، بل يَعدِل إلى غيرِه. وقيل: هي كآية. والآية الطَّويلة كآية الدَّين؛ لا تحتاج إلى تَكرار، بخلاف القصيرة. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى) في المنصوص (٢)، وصحَّحه ابن تميم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُف: ٢]، و ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٥]، قال أحمدُ: (القرآنُ مُعجِز بنفسه) (٣)؛ أي: في اللَّفظ والمعنى.

стр. 739

قال الأصحاب: ترجمتُه بالفارسيَّة لا تُسمَّى قرآنًا، فلا يَحرُم على الجنب، ولا يَحنَث بها (١) من حلف لا يقرأ. وقيل: يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعَام: ١٩]، وإنَّما يُنذَر كلُّ قوم بلسانهم. وجوابه ما سبق. (وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِله، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)؛ لما رَوى عبد الله بن أبي أَوْفى: «أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : إنِّي لا أستطيع أن آخذ (٢) شيئًا من القرآن، فعلِّمني ما يجزئني، فعلَّمه هؤلاء الخمسَ» (٣) رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسائي، والدَّارَقُطْنِيُّ وزاد: «في صلاتي» بإسنادٍ حسنٍ (٤)، ولم يأمره ﵇ أن يصلِّي خلْفَ قارِئٍ، زاد بعضُهم في الحوقلة: (العليِّ العظيمِ)، ولأنَّ هذا بدَلٌ من غير الجنس أشبه التيمُّم. وعنه: يكرِّره بقدر الفاتحة، وقاله ابن عقيل وابن الجوزي. والمذهبُ: إسقاط الحوقلة، كما ذكره في «المحرَّر» وقدَّمه في «الفروع». وعنه: يزيد على الخمس جُملتَين؛ لتَصيرَ سبْعَ جُمَل بدل آيات الفاتحة من أيِّ ذكرٍ شاء.

стр. 740

فذكر الحُلْوانيُّ: يَحمَد (١) ويكبِّر. وذكر ابنه (٢) في «التَّبصرة»: يسبِّح، ونقله صالِحٌ (٣). ونقل ابن منصور: ويكبِّر (٤). ونقل الميموني: ويهلِّل. ونقل عبد الله: يحَمِد ويكبِّر ويهلِّل (٥)، واحتجَّ بخبر رفاعة، فدلَّ أنَّه لا يُعتبَر الكلُّ، ولا شيء معيَّن. فرعٌ: إذا صلَّى وتلقَّف (٦) القراءةَ من غيره؛ صحَّتْ، ذكره في «النَّوادر» وفي «الفروع». ويتوجَّه على الأشهَر: يلزم (٧) غير حافِظٍ يَقرَأُ من مُصحَفٍ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلاَّ بَعْضَ ذَلِكَ؛ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ)، كما قلنا فيمن يُحسِن بعضَ الفاتحة. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ)، زاد بعضُهم: وعجَز عن قارِئٍ يَؤُمُّه، (وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ)؛ أي: قراءة الفاتحة، ذكره في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ القيامَ مقصودٌ في نفْسِه؛ لأنَّه لو ترَكه مع القدرة عليه؛ لم يُجزئْه. وإن كان أخرسَ؛ فمع القدرة تَجِب القراءةُ والقيامُ بقدرها، فإذا عجز عن أحدِهما؛ لزِمه الآخَرُ؛ لقوله ﵇: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتُم» (٨). مسألة: يُستحَبُّ سُكوتُ الإمام بقدر (٩) الفاتحة، ليقرأ مَنْ خلفَه؛ لئلاَّ
следующие страницы →