← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بها صوتَه» رواه أحمد وأبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ وصحَّحه (١)، وقال عَطاءٌ: (كان ابن الزُّبير يؤمِّن ويؤمِّنون حتَّى إنَّ للمسجد للجَّة (٢) رواه الشَّافعيُّ (٣). وعن أحمدَ: تَرْك الجهر. وعلى الأولى، -وهي الأصحُّ-: يقولها المأمومُ بعد الإمام. وذكر جماعةٌ: معًا، فإن (٤) تركه إمامٌ أو أَسرَّه (٥)؛ جهَر به مأمومٌ ليُذكِّرَ النَّاسَ، فإن تركه حتَّى قُرِئ غيرُه؛ لم يقله. ولم يتعرَّض المؤلِّف لذكر المنفرِد، وحكمه (٦): الجهرُ بها؛ قياسًا عليهما. فرع: إذا قال: آمين ربَّ العالَمين؛ فقياسُ قولِ أحمدَ في التَّكبير: اللهُ أكبرُ كبيرًا؛ لا يُستحَبُّ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ)؛ لزمه (٧) تعلُّمها؛ لأنَّها واجبةٌ في الصَّلاة، فلزِمه تحصيلُها إذا أمكنه كشروطها، فإن لم يَفعَلْ مع القُدرة عليه؛ لم تَصِحَّ صلاتُه.

стр. 737

فإن كان عاجِزًا عنه، إمَّا لبُعدِ حفْظه، (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا)؛ سَقَطَ، قال أبو الفرَج: إذا طال زمنه، (قَرَأَ)؛ لما رَوى رفاعة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فإن كان معك قراءة فاقرأ، وإلاَّ فاحمَد الله وهلِّله وكبِّر (١)، ثمَّ اركَعْ» رواه أبو داود والتِّرمذي (٢)، وظاهِرُه: أنَّه لا يَنتقِل إلى الذِّكر إلاَّ عند العجز عن القراءة. ويُعتبَر أن يكون ذلك (قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الحُرُوفِ)، هذا قولٌ في المذهب؛ لأنَّ الثَّوابَ مقدَّرٌ بالحرف (٣)، فكفى اعتباره (٤). (وَقِيلَ: فِي (٥) عَدَدِ الآْيَاتِ) دون عدد الحروف، (مِنْ غَيْرِهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحِجر: ٨٧]، ولأنَّه ﵇ عدَّ الفاتحةَ سبْعًا (٦)، ولأنَّ من فاته صومٌ طويلٌ لم يُعتبَر في القضاء مثلُه. والمذهب: أنَّه يُعتبَر أن يكون بعدد الآي والحروف من غير نقص؛ لأنَّ الحرف مقصود، بدليل تقدير الحسنات (٧) به كالآي، وليكون البدل كالمبدَل حسب الإمكان.

стр. 738

وعنه: يُجزئه قراءة آيةٍ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلاَّ آيَةً؛ كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه (١) بمثابة من قرأها لكونها من جنس الواجب. وظاهره: لو أحسن آيةً منها فقطْ كرَّرها في الأصحِّ؛ لأنَّ الآية منها أقرب شبهًا إلى بقيَّة الفاتحة من غيرها. والثَّاني: يقرؤها مرَّةً، ويَعدِل إلى الذِّكر بقدر بقيَّتها؛ لأنَّه إذا قرأها مرَّة فقد أسقط فرضَها، فيجب أن لا يعيدها؛ كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله؛ فإنَّه يستعمله ثمَّ ينتقل إلى البدَل في الباقي. وذكر بعضُهم: أنَّه إذا كان يحسن آخرَها؛ أتى قبله بالبدل، ثمَّ أتى بما يحسن منها. وعنه: لا يلزمه تَكرار آيةٍ، اختاره ابن أبي موسى. وقيل: يقرأ الآية وشيئًا من غيرها. وظاهر ما سبق: أنَّه إذا أحسَن بعضَ آيةٍ لا يكرِّرها، ذكره في «المغني» وغيره، بل يَعدِل إلى غيرِه. وقيل: هي كآية. والآية الطَّويلة كآية الدَّين؛ لا تحتاج إلى تَكرار، بخلاف القصيرة. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى) في المنصوص (٢)، وصحَّحه ابن تميم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُف: ٢]، و ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٥]، قال أحمدُ: (القرآنُ مُعجِز بنفسه) (٣)؛ أي: في اللَّفظ والمعنى.

стр. 739

قال الأصحاب: ترجمتُه بالفارسيَّة لا تُسمَّى قرآنًا، فلا يَحرُم على الجنب، ولا يَحنَث بها (١) من حلف لا يقرأ. وقيل: يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعَام: ١٩]، وإنَّما يُنذَر كلُّ قوم بلسانهم. وجوابه ما سبق. (وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِله، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)؛ لما رَوى عبد الله بن أبي أَوْفى: «أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : إنِّي لا أستطيع أن آخذ (٢) شيئًا من القرآن، فعلِّمني ما يجزئني، فعلَّمه هؤلاء الخمسَ» (٣) رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسائي، والدَّارَقُطْنِيُّ وزاد: «في صلاتي» بإسنادٍ حسنٍ (٤)، ولم يأمره ﵇ أن يصلِّي خلْفَ قارِئٍ، زاد بعضُهم في الحوقلة: (العليِّ العظيمِ)، ولأنَّ هذا بدَلٌ من غير الجنس أشبه التيمُّم. وعنه: يكرِّره بقدر الفاتحة، وقاله ابن عقيل وابن الجوزي. والمذهبُ: إسقاط الحوقلة، كما ذكره في «المحرَّر» وقدَّمه في «الفروع». وعنه: يزيد على الخمس جُملتَين؛ لتَصيرَ سبْعَ جُمَل بدل آيات الفاتحة من أيِّ ذكرٍ شاء.

стр. 740

فذكر الحُلْوانيُّ: يَحمَد (١) ويكبِّر. وذكر ابنه (٢) في «التَّبصرة»: يسبِّح، ونقله صالِحٌ (٣). ونقل ابن منصور: ويكبِّر (٤). ونقل الميموني: ويهلِّل. ونقل عبد الله: يحَمِد ويكبِّر ويهلِّل (٥)، واحتجَّ بخبر رفاعة، فدلَّ أنَّه لا يُعتبَر الكلُّ، ولا شيء معيَّن. فرعٌ: إذا صلَّى وتلقَّف (٦) القراءةَ من غيره؛ صحَّتْ، ذكره في «النَّوادر» وفي «الفروع». ويتوجَّه على الأشهَر: يلزم (٧) غير حافِظٍ يَقرَأُ من مُصحَفٍ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلاَّ بَعْضَ ذَلِكَ؛ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ)، كما قلنا فيمن يُحسِن بعضَ الفاتحة. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ)، زاد بعضُهم: وعجَز عن قارِئٍ يَؤُمُّه، (وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ)؛ أي: قراءة الفاتحة، ذكره في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ القيامَ مقصودٌ في نفْسِه؛ لأنَّه لو ترَكه مع القدرة عليه؛ لم يُجزئْه. وإن كان أخرسَ؛ فمع القدرة تَجِب القراءةُ والقيامُ بقدرها، فإذا عجز عن أحدِهما؛ لزِمه الآخَرُ؛ لقوله ﵇: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتُم» (٨). مسألة: يُستحَبُّ سُكوتُ الإمام بقدر (٩) الفاتحة، ليقرأ مَنْ خلفَه؛ لئلاَّ

стр. 741

ينازَع فيها، كنصِّه على السُّكوت قبلها. ونقل عبدُ الله (١): يسكت قبل القراءة وبعدها. وقيل: ظاهر كلام أحمد: أنَّ السَّكتةَ إذا فرغ من القراءة كلِّها؛ لئلاَّ يَصلَ القراءةَ بتكبيرةِ الرُّكوع، ولا يسنُّ السُّكوتُ ليقرأ المأموم. (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً) كاملةً نَدْبًا، يَبتدِئُها بالبسملة، نَصَّ عليه سِرًّا (٢)، وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ الخلاف في الجهر هنا كالخلاف في أول الفاتحة. (تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ)، وهو من «قافْ»، وفي الفنون (٣): من «الحجرات»، وقيل: من «القتال»، وقيل: من «والضُّحى»، وهو غريب. (وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ)؛ لما رَوى سُليمان بن يَسَار عن أبي هريرة قال: «ما رأيتُ رجلاً أشبهَ صلاةً برسولِ الله ﷺ من فُلانٍ، قال سليمان: فصلَّيتُ خلفَهُ فكان يقرأُ في الغداةِ بطوالِ المفصَّل، وفي المغربِ بقصارِهِ، وفي العشاءِ بوسَطِ المفصَّل» رواه أحمد، والنَّسائي ولفظه له، ورُواته ثقاتٌ (٤). وإن قرأ على خلاف ذلك؛ فظاهر كلام جماعةٍ: أنَّه يُكرَه، وصرَّح به في «الواضح» في المغرب. وهذا إن لم يكن عُذْرٌ، فإن كان عُذْرٌ؛ لم يُكرَه بأقصرَ من ذلك؛ كمرضٍ، وسفرٍ ونحوهما، وإن لم يكن عُذْرٌ كُرِه بقصاره في فجر، لا بطواله في

стр. 742

مغرب، نَصَّ عليهما (١). وعنه: يجب بعدها قراءة شيء، فظاهره: ولو بعض آية؛ لظاهر الخبر. وعلى المذهب: تُكرَه الفاتحة فقط، وقراءة السُّورة -وإن قصرت- أفضل من بعضها. قال القاضي وغيره: تجوز آيةٌ، إلاَّ أنَّ أحمد استحبَّ كونَها طويلةً (٢)؛ كآية الدَّين والكرسِيِّ. ونصَّ أحمد على جواز تفريق السُّورة في ركعتين (٣)؛ لفعله ﵇ (٤). وإن قرأ السُّورة قبل الفاتحة؛ لم تقَع موقعها. فائدة: ذكر جماعةٌ أنَّه يقرأ في الثَّانية أقلَّ من الأولى، وفي الظُّهر أكثرَ من العصر، وذكر الخِرَقِيُّ وتبعه ابن الجوزي والسَّامَرِّيُّ: أنَّه يقرأ في الأولى من الظُّهر بنحو ثلاثين آيةً، وفي الأولى من العصر على النِّصف؛ لفعله ﵇، رواه مسلم من حديث أبي سعيد (٥)، ونَصَّ عليه في رواية حرب (٦)، قاله القاضي في «الجامع». (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ (٧) فِي الصُّبْحِ وَالْأُولَيَيْنِ (٨) مِنَ المَغْرِبِ

стр. 743

والعِشَاءِ)، وهو مُجمَعٌ على استحبابه (١)؛ لفعله ﵇، وقد ثبت ذلك بنقل الخلَف عن السَّلف. وظاهره: أنَّه لا يُشرع للمأموم بغير خلاف (٢)؛ لأنَّه مأمورٌ بالإنصات، وصرَّح (٣) غيرُ واحِدٍ بالكراهة. وقيل: يجهر في صلاة الجهر بالحمد. ولا للمنفرِد، والأشهَر: أنَّه يُخيَّر؛ لأنَّه لا يُراد سماع غيره، أشبه المأمومَ في سكتات الإمام بخلاف الإمام. وعنه: يسنُّ له؛ لأنَّه غير مأمورٍ بالإنصات، أشبه الإمام. ونقل الأثرمُ: تركُه أفضلُ (٤). وقيل: يجهر في غير بدل الجمعة. وأمَّا المرأةُ: فإذا لم يَسمَعها أجنبِيٌّ؛ فقيل: تجهَر كالرَّجل. وقيل: يَحرُم. قال أحمد: لا ترفع صوتها (٥)، قال القاضي: أطلَق المنعَ (٦). فرع: يُخيَّر القائمُ لقضاء ما فاته بين جهر وإخفاتٍ، ويُسِرُّ (٧) في قضاء صلاةِ جَهْرٍ نهارًا مطلقًا، ويَجهَرُ بها ليلاً في جماعةٍ. مسألة: يُكرَه جهْرُ إمامٍ أو منفرِدٍ نهارًا في نفل، زاد بعضهم: لا يُسنُّ (٨) له الجماعةُ، وقيل: لا، ويُخيَّر ليلاً. والأَوْلى تركُه إذا كان فيه ضرَرٌ، وفعلُه إذا كان فيه نفعٌ.

стр. 744

(وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ)؛ كقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ) (١)؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وذكر ابن المُنَجَّى (٢) أنَّه المذهبُ؛ لأنَّ القرآن ثبت بطريقٍ مقطوعٍ به، وهو التَّواتر، ولا تَواتُرَ فيها، بل أجمعت الصَّحابة على خلاف ذلك. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ (٣)، جزم به في «المغني»، وقدَّمه ابنُ تميمٍ، وفي «الفروع»: مع الكراهة (٤)، وذكر الشَّيخ تقي الدين (٥) أنَّها أنصُّهما (٦)؛ لصلاة الصَّحابة بعضهم خلف بعض، وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ أحبَّ أن يقرأ (٧) القرآنَ غَضًّا كما أُنزِلَ؛ فليقرأْ بقراءةِ ابنِ (٨) أمِّ عَبدٍ» رواه أحمدُ، وفي ابن المُنَجَّى: رواه البخاريُّ، وهو وهَمٌ (٩)، وقال أئمَّةٌ من السَّلف: مصحفُ عثمان أحد الحروف السَّبعة، وشرْطُه اتصال سنده.

стр. 745

وفي تعليق الأحكام به (١) الرِّوايتان، وظاهر كلام ابن تميم: أنَّ الأحكام لا تتعلَّق بذلك عليهما. واختار المجْدُ: لا تَبطُل الصَّلاةُ به (٢)، ولا تُجزئ عن ركن القراءة. تنبيه: ظاهِر ما سبق: أنَّها تصحُّ بما وافق مصحف عثمان، زاد بعضهم: على الأصحِّ، وصحَّ سندُه، وإن لم يكن من قراءة العشرة، نَصَّ عليه (٣)، وفي تعليق (٤) الأحكام به روايتان. واختار أحمدُ قراءةَ نافع (٥)، قال في «المغني» و «الشَّرح»: من طريقِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ. وعنه: قراءةُ أهلِ المدينةِ كلُّها سواءٌ، ثمَّ قراءة عاصم من طريق أبي بكر بن عيَّاش، ثمَّ قراءة ابن عامر. وأثنى أحمدُ على قراءة أبي عمرو (٦)، غير أنَّه كَرِه إدغامَه الكبيرَ. وعنه: يحرم. وعنه: تُكرَه قراءةُ حمزةَ والكِسائيِّ؛ لما فيهما من الكسر والإدْغام الشَّديدَيْن، وزيادة المدِّ، فعلى هذا: إن أظهرَ ولم يُدغِم، وفتح ولم يُمِل (٧)؛ فلا كراهةَ. والصَّلاة بجميع ذلك صحيحةٌ، نَصَّ عليه (٨)، وذكر في «الشَّرح»: أنَّ

стр. 746

أحمد لم يَكره قراءة أحد من العشرة إلاَّ ما ذكر عن حمزة والكسائيِّ. وإن كان في القراءة زيادةُ حرف؛ فهي أَوْلى؛ لأجل العشرِ حسناتٍ، واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: أنَّ الحرفَ الكلمةُ (١). وفي المذهب: يُكرَه (٢) بما خالف عُرْفَ البلد. (ثُمَّ) إذا فرغ من قراءته ثبت قائمًا، وسكت حتَّى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يَصِلُ قراءتَه بتكبيرة الرُّكوع، قاله أحمدُ (٣)؛ لحديث سَمُرةَ: «فإذا فرغَ مِنَ القراءةِ سكتَ» رواه أبو داود (٤). (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) مع ابتداء الرُّكوع، وذلك مستحَبٌّ في قول خلائق من الصَّحابة ومن بعدهم؛ لما روى ابن عمر قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا استفتحَ الصَّلاةَ رفعَ يديه حتَّى يُحاذيَ منكبَيهِ، وإذا أراد أن يركعَ، وبعد ما (٥) يَرفع رأسَه» متَّفَقٌ عليه (٦)، وروى أحمد بإسنادٍ جيِّدٍ عن الحسن: «أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا يفعلون ذلك» (٧)، «وكان ابن عمر إذا رأى رجلاً لا يَرفع يدَيه؛ حَصَبَه، وأمره أن يَرفعَ» (٨)، ومضى عمَلُ السَّلف على هذا.

стр. 747

(وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا)، وهو مشروعٌ في كل خفضٍ ورفْعٍ في قول عامَّتهم؛ لما روى أبو هريرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يكبِّر إذا قام إلى الصَّلاة، ثمَّ يكبِّر حين يَركَعُ» متَّفقٌ عليه (١). (فَيَضَعُ يَدَيْهِ) مفرَّجتي الأصابعِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) استحبابًا في قول الأكثر. وذهب قومٌ إلى التَّطبيق، وهو أن يجعل المصلِّي إحدى كفَّيه على الأخرى، ثمَّ يجعلهما بين ركبتَيه إذا ركع، وهذا كان في أوَّل الإسلام ثمَّ نُسِخ، وقد فعله مُصعَب بن سعد فنهاه أبوه، وقال: «كنَّا نفعل ذلك، فأُمرنا أن نضعَ أيديَنا على الرُّكب» متَّفقٌ عليه (٢)، وفي حديث رفاعة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «وإذا ركعتَ فضعْ راحتَيكَ على ركبَتيكَ (٣)» رواه أبو داود (٤). والمذهبُ: أن يفرِّج بين أصابِعِه؛ «لأنَّه ﵇ فرَّج أصابعَه من وراء ركبتَيه» رواه أحمد من حديث ابن مسعود (٥). وذكر ابن الجوزي وفي «الكافي»: أنَّه يكون قابِضًا لرُكبتَيه. (وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا، وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ) اتِّفاقًا، (وَلَا يَرْفَعُهُ، وَلَا

стр. 748

يَخْفِضُهُ)؛ لما روتْ عائشةُ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا ركع لم يرفع رأسَه، ولم يصوِّبْه، ولكن بين ذلك» متَّفقٌ عليه (١)، ورُوي «أنَّه ﵇ كان إذا ركَع لو كان قَدَحُ ماءٍ على ظهره ما تحرَّك؛ لاستِواء ظهره» ذَكَره في «المغني» و «الشَّرح» (٢)، والمحفوظ ما رواه ابن ماجَهْ عن وابِصةَ بنِ مَعبَدٍ قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي، وكان إذا ركعَ سوَّى ظهرَهُ حتَّى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ» (٣). (وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ)؛ لما رَوى أبو حُمَيْدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ركع فوضع يدَيه على ركبتَيه كأنَّه قابضٌ عليهما، ووتَّر يدَيه فنحَّاهما عن جنبَيه» رواه أبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه (٤). (وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ فِي رُكُوعٍ (٥): الاِنْحِنَاءُ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ (٦) رُكْبَتَيْهِ) بيدَيه، كذا ذكره السَّامَرِّيُّ وجماعةٌ؛ لأنَّه لا يُسمَّى راكعًا بدونه، ولا يخرج عن حدِّ القيام إلى الرُّكوع إلاَّ به، والاعتبار بمتوسِّطي النَّاس، لا بطويل اليدَين، ولا بقصيرهما، قاله (٧) ابن تميم. وفي «الفروع»: (أو قدره من غيره، وقيل: في أقلَّ منه احتمالان). وفي «التَّلخيص» وغيرِه: أدناه الانحناءُ بحيث يَنالُ كفَّاه رُكبتَيه، وفي

стр. 749

«الوسيلة»: نَصَّ عليه (١)، وذكر ابن هُبَيرة: أنَّهم اتَّفقوا على أنَّ هذا مشروع. وقال المجْد: وضابط الإجزاء الذي لا يختلف: أن يكون انحناؤه إلى الرُّكوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدِل. فإن كانتا (٢) عليلتين لا يمكنه وضعهما؛ انحنى ولم يضعهما، فإن كانت إحداهما عليلة وضع (٣) الأخرى، ذكره في «المغني». فرع: إذا سقط من قيامٍ أو ركوعٍ، ولم يطمئنَّ؛ عاد إلى الرُّكوع فاطمأنَّ، ولا يلزمه أن يقوم ثمَّ يركع، وإن اطمأنَّ في ركوعه ثمَّ سقط؛ انتصب قائمًا ثمَّ سجد، ولا يعيد الرُّكوع؛ لأنَّ فرضه قد سقط، والاعتدال عنه قد سقط بقيامه. وإن ركع، ثمَّ عجَز عن القيام؛ سجد عن الرُّكوع، فإن قدَر على القيام قبل سجوده؛ عاد إليه، وإن (٤) كان بعده؛ لم يلزمه العَود إلى (٥) القيام؛ لأنَّ السُّجود قد صحَّ وأجزأ (٦)، فسقط ما قبله. قال في «الشَّرح»: (فإن (٧) قام من سجوده عالِمًا بتحريم ذلك؛ بطلت؛ لأنَّه زاد فعلاً، وإن كان جاهلاً أو ناسيًا فلَا، ويعود إلى جِلسة الفَصْل، ويسجد للسَّهو). (وَيَقُولُ) في ركوعه: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)؛ لما رَوى حُذَيفةُ قال:

стр. 750

«صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ فكان يقولُ في ركوعه: سبحان ربِّي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربِّي الأعلى» رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ (١)، وعن عُقبةَ بنِ عامِرٍ قال: لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقِعَة: ٧٤] قال النَّبيُّ ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم»، فلمَّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وأبو داود (٢). والاقتصارُ عليها أفضلُ من غير زيادةٍ. وعنه: الأفضل وبِحمده، اختاره المجْد، قال أحمد: (جاء هذا وهذا) (٣). والواجب مرَّة. (ثَلَاثًا)، وهو أدنى (الْكَمَالِ)؛ لما روى أبو داود والتِّرمذي من حديث عَون عن ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ركعَ أحدُكم فقالَ في ركوعِهِ: سبحانَ ربِّيَ العظيم (٤) ثلاثَ مرَّاتٍ؛ فقد تمَّ ركوعُهُ، وإذا سجدَ قالَ مثلَ ذلك»، هذا مرسَلٌ؛ لأنَّ عَونًا لم يلقَ ابن مسعود (٥). (٦)

стр. 751

فالكمال (١) للمنفرد: العرف (٢). وقيل: ما لم يخف سهوًا. وقيل: بقدر قيامه. وقيل: سبع، وهو ظاهر كلامه. وقيل: عشر. والإمام إلى عشر. وقيل: ثلاث ما لم يُؤْثر مأموم. وقيل: ما لم يشقَّ. وظاهر «الواضح»: قدر قراءته. وقال الآجُرِّيُّ: خمس؛ ليدرك المأموم ثلاثًا. وأمَّا الوسَط؛ فقال أحمد (٣): (جاء عن الحسن أنَّه قال: التَّسبيح التَّامُّ سبعٌ، والوسَطُ خمسٌ، وأدناه ثلاثٌ). (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) إن كان إمامًا أو منفردًا؛ لأنَّه ﵇ كان يقول ذلك، ورَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبريدةَ: «يا بريدةُ! إذا رفعتَ رأسَكَ من الرُّكوع فقل: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ، ربَّنا ولكَ الحمدُ» (٤). وظاهره: أنَّ ترتيب هذا الذِّكرَ واجبٌ، فلو قال: من حمد الله سمع له؛ لم يُجزئْه؛ لتغيُّر المعنى، فإنَّ الأول صيغة تصلح للدُّعاء، ومعنى سمع: أجاب، والثاني صيغة شرط وجزاء، فافترقا، أشبه ما لو نكس التَّكبير. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ)؛ لحديث ابن عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من الرُّكوع رفعهما» متَّفقٌ عليه (٥). فيرفعهما (٦) مع رفع رأسه في رواية؛ لما تقدَّم.

стр. 752

وعنه: بعد اعتداله، نقل أحمد بن الحسين (١) أنَّه رأى أحمد يفعله (٢). وقيل: يرفعهما المأموم مع رأسه روايةً واحدةً؛ لأنَّه ليس في حقِّه ذكر بعد الاعتدال، والرَّفع إنَّما جُعل هيئةً للذِّكر. وكذا المنفرِد إن قلنا: لا يقول بعد الرَّفع شيئًا. (فَإِذَا قَامَ)؛ أي: اعتدل قائمًا (قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)، هذا مشروع في حقِّ كلِّ مصلٍّ في قول أكثر أهل العلم؛ لما روى أبو هريرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقول: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ؛ حين يرفعُ صلبَهُ من الرُّكوع، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: ربَّنا ولكَ الحمدُ» متَّفقٌ عليه (٣). ويُخيَّر بين إثبات الواو وحذفها، وبها أفضل، نَصَّ عليه (٤)، وهو الأصحُّ؛ للاتِّفاق عليه من رواية ابن عمر وأنس وأبي هريرة (٥)، ويكون أكثر حروفًا، ويتضمَّن الحمدَ مقدَّرًا ومظهَرًا، فإنَّ التَّقدير: ربَّنا حمدناك، ولك الحمد؛ لأنَّ الواو لمَّا كانت للعطف، ولا شيء ههنا يعطف عليه ظاهرًا؛ دلَّ أنَّ في الكلام مقدَّرًا. وله قول: اللَّهمَّ ربَّنا ولك الحمدُ، وبلا (وَاوٍ) أفضل، نَصَّ عليه (٦)؛ لأنَّه متَّفقٌ عليه من حديث أبي هريرة، وأكثر فعله ﵇: «اللهمَّ ربَّنا لك الحمدُ». وعنه: يقول: ربَّنا ولك الحمدُ، ولا يَتخيَّر.

стр. 753

قال في «المغني» و «الشَّرح»: (وكيفما قال جاز وكان حسنًا؛ لأنَّ السُّنَّة وردت به). فرع: إذا عطَس حال رفعه، فحمد الله لهما؛ لا يجزئه، نَصَّ عليه (١)؛ لأنَّه لم يخلصه للرَّفع. وصحَّح المؤلِّف الإجزاء؛ كما لو قاله ذاهلاً. وإن نوى أحدهما تعيَّن، ولم يجزئه عن الآخر. (مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ (٢) الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)؛ أي: حمدًا لو كان (٣) أجسامًا لملأ (٤) ذلك، ولمسلم وغيره: «وملء (٥) ما بينهما»، والأوَّل أشهر في الأخبار، واقتصر عليه الإمام (٦) والأصحاب؛ لما روى ابن أبي أوفى قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ ظهرَهُ (٧) من الرُّكوعِ قالَ: سمعَ الله لمن حمدَهُ، ربَّنا لك الحمدُ ملءَ السَّماءِ، وملءَ الأرضِ، وملءَ ما شئتَ مِنْ شيءٍ بعدُ» رواه أحمدُ ومسلمٌ (٨). والمعروف (٩) في الأخبار (السَّماوات)؛ لما روى عليٌّ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من الرُّكوعِ قال: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ، ربَّنا ولك الحمدُ ملءَ السَّماواتِ، وملءَ الأرضِ، وملءَ ما شئتَ مِنْ شيءٍ بعدُ» رواه

стр. 754

أحمدُ، ومسلمٌ، والتِّرمذي (١) وصحَّحه (٢). وفي «المحرَّر» و «الوجيز» ك «المقنع»: وهذا في حقِّ الإمام والمنفرِد؛ كسائر الأذكار، وهو اختيار الأصحاب؛ إذ الأصل التَّأسِّي بالنَّبيِّ ﷺ ، لا سيما وقد عضَده قوله ﵇: «صلُّوا كما رأيْتموني أصلِّي». وعنه: يَقتصِر المنفرِد على التَّسميعِ والتَّحميدِ فقطْ؛ حطًّا له عن رتبة الإمام، ورفعًا له عن رتبة المأموم؛ لأنَّه أكمل منه؛ لعدَم تبَعِيَّته. وعنه: يسمِّع فقط. وعنه: عكسُه. وظاهِرُه: أنَّه لا يستحبُّ الزِّيادةُ على ذلك في روايةٍ، وخصَّها في «المغني» و «الشَّرح» بالفريضة، وكلام (٣) أحمد عامٌّ. ونقل عنه أبو الحارث: إن شاء قال: أهلَ الثَّناءِ والمجْدِ؟ قال أحمدُ: (وأنا أقوله) (٤)، فظاهره: يُستحَبُّ، واختاره أبو حفْصٍ، وصحَّحه في «المغني» و «الشَّرح». (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا؛ لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) في ظاهر المذهب؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قالَ الإمامُ: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ؛ فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ» متَّفقٌ عليه (٥)، واقتصارُه على أمرهم بذلك يدلُّ على أنَّه لا يُشرع في حقِّهم سواه.

стр. 755

ويأتي به حين يرفع؛ لأنَّه يأخذ في الرَّفع عُقَيبَ تسميع الإمام، فيحمَد (١) حينئذٍ (٢)، وأمَّا الإمامُ (٣) والمنفرِدُ؛ فيقولان ذلك بعد الاعتدال من الرُّكوع؛ لأنَّهما في حال الرَّفع يَشرَعان في التَّسميع. (إِلاَّ عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ)، فإنَّه يزيد على ذلك: (مِلْءَ السَّماء … ) إلى آخره، وهو رِوايةٌ نقلها الأثرم (٤)، واختارها صاحب «النَّصيحة» والشَّيخ تقِيُّ الدِّين (٥)؛ لأنَّه ذِكرٌ مشروعٌ في الصَّلاة، أشبه بقيَّة الأذكار. وظاهره: اختصاص الزِّيادة عنده بما بعد التَّحميد، وفي «المغني»: (لا أعلم فيه خلافًا أنَّ المُؤتَمَّ لا يُسمِّع)؛ لأنَّه أُمِر بالتَّحميد عُقَيبَ تسميع إمامه. وعنه: ويُسمِّع، وحكاه في «المحرَّر» قولاً؛ كالإمام والمنفرِد، ولأنَّه ذِكرٌ مشروعٌ لهما، فشُرع للمأموم؛ كسائر الأذكار. وجوابُنا: بأنَّ حديثنا خاصٌّ بالمأموم، وحديث بُرَيدةَ عامٌّ، وتقديم الصَّحيح الخاصِّ أَوْلى، مع أنَّ إسناد حديث بُرَيدةَ فيه جابر الجُعفِيُّ وعمْرُو بن شَمِر، وهما ضعيفان عند أكثر المحدِّثين. مسألة: لم يتعرَّض المؤلِّف لهيئة اليدين بعد الرَّفع، والمنصوص عنه: إن شاء أرسلهما، وإن شاء وضع يمينه على شماله (٦). وفي المذهب و «التَّلخيص»: يرسلهما. (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا)؛ للنُّصوصِ، (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) في ظاهر المذهب؛

стр. 756

لقول ابن عمر: «وكان لا يَفعل ذلك في السُّجود» متَّفقٌ عليه (١). وعنه: بلى. وعنه: في كل خفض ورفع، وفيه عن ابن عمر وأبي حُمَيدٍ أحاديث صحاح (٢).

стр. 757

وحيث استُحبَّ رفعُهما؛ فقال أحمد: هو من تمام الصَّلاة، من رفع أتمُّ صلاةً (١). وعنه: لا أدري (٢)، قال القاضي: إنَّما توقَّف على نحو ما يقوله ابن سيرين: إنَّ الرَّفع من تمام صحَّتها (٣)؛ لأنَّه قد حكي عنه: أنَّ من تركه يعيد، ولم يتوقَّف أحمد عن (٤) التَّمام الذي هو تمام فضيلة وسنَّة، ومن تركه فقد ترك السُّنَّة. (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ)، على المشهور في المذهب، وهو قول عامَّتهم؛ لما روى وائلُ بن حُجْر قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا سجدَ وضعَ ركبتيه قبلَ يدَيه، وإذا نهضَ رفعَ يديه قبلَ ركبتَيه» رواه النَّسائي، وابن ماجه، والتِّرمذي وقال: (حسن غريب لا نعرف (٥) أحدًا رواه غير (٦) شَريك، والعملُ عليه عند أكثرهم)، ورواه أبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ من غير (٧) طريق شَرِيكٍ (٨)، ولأنَّه أرْفق بالمصلِّي، وأحسن في الشَّكل ورأيِ العَين.

стр. 758

وعنه: عكسه؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا سجدَ أحدُكم فليَضَعْ يدَيه قبلَ رُكبتَيه، ولا يَبْرُك بُروكَ البعيرِ» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي، لكن قال الخَطَّابي: (حديثُ وائلٍ أصحُّ)، وقال الحاكم: (هو على شرط مسلم) (١)، وبتقدير (٢) مساواته؛ فهو منسوخ بما روى ابن خُزَيمة عن أبي سعيد قال: «كنَّا نضعُ اليدَين قبلَ الرُّكبتين، فأُمرنا بوضع الرُّكبتين قبل اليدَين»، لكنَّه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وقد تَكلَّم فيه ابن مَعينٍ والبخاريُّ (٣). والمراد باليدين (٤) ههنا: الكفَّان. (ثَمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) بغير خلاف (٥)؛ لما روى أبو حميد (٦) السَّاعدي قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا سجدَ أمكنَ جبهتَهُ وأنفَهُ من الأرضِ» رواه التِّرمذي، وصحَّحه (٧).

стр. 759

(وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ)؛ أي: أصابع رِجلَيه، ويَثْنِيهما إلى القِبلة، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»؛ لقوله ﵇: «أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أعْظُمٍ» (١)، ذكر منها أطراف القدمين، وفي الصَّحيح: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجدَ غيرَ مفترِشٍ، ولا قابضِهما، واستقبلَ بأطرافِ رجلَيه القِبلةَ»، وفي رواية: «وفتخَ (٢) أصابعَ رجلَيه» (٣). وفي «المستوعب»: أنَّه يقيم قدميه، ويجعل بطون أصابعهما على الأرض، وقال في «التَّلخيص»: يجب جعل باطن أطرافها إلى القِبلة، إلاَّ أن يكون بهما (٤) نَعل أو خُف، وقيل: يجب فتحها إن أمكن، قاله في «الرِّعاية». ويُكرَه أن يلصق كعبه في سجوده، قاله في «المستوعب». فرع: إذا سقط على جنبه بعد قيامه من الرُّكوع، ثمَّ انقلب ساجدًا؛ لم يُجزئْه سجوده حتَّى ينويَه؛ لأنَّه خرج عن سَنن الصَّلاة وهيْئتها. وإن سقط منه ساجدًا؛ أجزأه بغير نيَّة؛ لأنَّه على هَيئتها، فلو قطع النِّيَّة عن ذلك؛ لم يجزئه، قال ابن تميم وغيره: ولا تبطل صلاته. (وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ)؛ أي: ركن مع القدرة، اختاره الأكثر، وذكره ابن الجوزي قولاً واحدًا. وعنه: لا يجب على غير الجبهة، ذكرها الآمِديُّ؛ لقوله ﵇: «سجدَ وجْهِي» (٥)، فدلَّ على أنَّ السُّجود على الوجه، وبه يسمَّى ساجدًا، لا بوضع

стр. 760

غيره من الأعضاء، ولأنَّه لو وجب السُّجود على هذه الأعضاء؛ لوجب كشفها كالجبهة. قال القاضي في «الجامع»: هذا ظاهر كلام أحمدَ، فإنَّه قد نصَّ في المريض يرفع شيئًا يسجد (١) عليه (٢)، ومعلوم أنَّه قد أخلَّ بالسُّجود على يدَيه، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»، فعلى هذه؛ فيكون السُّجود على البقيَّة سُنَّة. والأوَّل أَوْلى؛ لما روى ابن عبَّاس مرفوعًا: «أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أَعظُمٍ: على الجبهةِ - وأشار بيده إلى أنفه - واليدَين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين» متَّفقٌ عليه (٣)، وقال: «إذا سجدَ أحدُكم سجدَ معه سبعةُ آرابٍ: وجهه، وكفَّاه، ورُكبتاه، وقدماه» رواه مسلم (٤). وأجاب في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّ سجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السُّجود، فإنَّا نمنع (٥) في الجبهة على روايةٍ، ولو سُلِّم فالجبهة هي الأصل في السُّجود، وهي تُكشَف عادة بخلاف غيرها. (إِلاَّ الْأَنْفَ)؛ فإنَّه لا يَجِبُ السُّجود عليه (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اختارها جماعةٌ، وهي ظاهر «الوجيز»، وصحَّحها القاضي، قاله (٦) في «الوسيلة»؛ لأنَّه ﵇ لم يَذكُر الأنفَ منها، وعن جابر قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ سجدَ بأعلى

стр. 761

جبهتِهِ على قُصاصِ الشَّعرِ» رواه تَمَّامٌ في «فوائده» (١)، وإذا سجد بأعلى الجبهة؛ لم يَسجُد على الأنف. والثَّانية: ركن، ذكر ابن هُبَيرة أنَّها المشهورة، وقدَّمها ابن تميم والجَدُّ، وصحَّحها ابن منجَّى وغيرُه؛ لما تقدَّم، فمتى أخلَّ بالسُّجود على عُضوٍ من هذه؛ لم تَصحَّ (٢). تنبيه: إذا عجز عن السُّجود بغير الجبهة؛ سجد بما يَقدِر عليه ما أمكنه، ولا يجب أن يرفع إليه شيئًا يَسجُد عليه؛ لأنَّه هو الهبوط (٣)، ولا يحصل بالرَّفع. وإن عجز عن الجبهة لعارِض من مرَض أو غيرِه؛ سقط عنه السُّجود بما يَقدِر عليه، قال أحمدُ في المريض يرفع إلى جبهته شيئًا يَسجُد عليه: إنَّه يجزئه (٤)، حكاه في «المغني» و «الشَّرح»، وصحَّحه ابن تَمِيم. وقيل: لا يَسقُط، جزم به القاضي في «التَّعليق»؛ لأنَّه لا يمكن وضعه بدون بعضها، ويمكن رفعه بدون شيءٍ منها. ويجزئه بعض كل عضو منها، وذكر في «التَّلخيص»: أنَّه يجب سجوده بباطن كفِّه أو بعضه، وفي «الرِّعاية»: وقيل: وأصابعه، وهو قول ابنِ حامِدٍ. ولا يُجزِئُ سجودُه على أنفه عن جَبهتِه وِفاقًا، وحكى ابن المنذر عن هـ الإجزاء، قال: (ولا أعلم أحدًا سبَقه إلى هذا) (٥)، قلت: ولعلَّه ذهب إلى أنَّ

стр. 762

الجبهةَ والأنفَ عُضوٌ واحِدٌ، لإشارته ﵇ إليه، والعُضوُ الواحِدُ يُجزِئُ (١) السُّجودُ على بعضِه. (وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا)؛ أي: من أعضاء السُّجود، وهو إجماعٌ في القدَمَين (٢)؛ لصحَّة صلاة لابِس الخُفَّين، وفي الرُّكبتَين؛ لاتِّصالهما بالعورة أو منها عند بعض، وقول الجمهور في اليدَين؛ لما روى عبد الله بن عبد الرَّحمن قال: «جاءنا النَّبيُّ ﷺ فصلَّى بنا في مسجد بني عبدِ الأشْهَل، فرأيته واضعًا يدَيه في ثوبه إذا سجد» رواه أحمد وابن ماجه (٣). (إِلاَّ الجَبْهَةَ)؛ فإنَّه يَجِب عليه مباشرةُ المصلَّى بها (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، ذكرها أبو الخَطَّاب؛ لقول خَبَّابٍ: «شكَوْنا إلى رسول الله ﷺ حرَّ الرَّمضاءِ في جِباهِنا وأَكُفِّنا؛ فلم يُشكِنا» رواه البَيْهَقِيُّ، ومُسلِمٌ وليس فيه: «جِباهنا وأكفِّنا» (٤)، وعن عليٍّ قال: «إذا سجد أحدُكم فليَحسِر العِمامةَ عن جَبهتِه» رواه البَيْهَقِيُّ (٥)،

стр. 763

وكان (١) ابن عمر يَكرَه السُّجود على كَوْرِ العِمامة (٢)، ولأنَّه سجد على ما هو حائِلٌ له، أشبه ما لو سجد على يديه. والثَّانية: لا يَجِب، وهي الأصحُّ في المذهب، ونصرها في «المغني» و «الشَّرح»، وقدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لما رَوى أنَسٌ قال: «كنَّا نُصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ ؛ فيَضَعُ أحدُنا طرَفَ الثَّوبِ من شدَّةِ الحرِّ في مكانِ السُّجودِ» متَّفقٌ عليه (٣)، قال البخاري: قال الحسن: «كان القوم يسجدون على العِمامة والقَلَنسُوَة، ويداه في كُمَّيه» (٤)، وروى البَيهَقيُّ عن الحسن قال (٥): «كان أصحاب النَّبيِّ ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم وعلى عمائمهم» (٦). وذكر القاضي: أنَّه لو سجد على كَور العمامة، أو كمِّه، أو ذَيله؛ صحَّت صلاتُه روايةً واحدةً. والجواب عن حديث خبَّاب: أنَّهم طلبوا منه ما يُزيل عنهم ضرر الرَّمضاء في جباههم وأكفِّهم بتأخير الصَّلاة أو تسقيف المسجد أو نحوه، لا أنَّهم

стр. 764

طلبوا الرُّخصة في السُّجود على العمائم والأكمام؛ لأنَّه إنَّما طلبه الفقراء، ولم يكن لهم عمائم ولا أكمام طوال يتَّقون بها الرَّمضاء. وعلى الصِّحَّة؛ ففي كراهة حائل متَّصل - حتَّى طين كثير- روايتان، ولا يكره لعذر، نقله صالح وغيره (١). وذكر السَّامَرِّيُّ: أنَّ ظاهر ما نقله أكثر الأصحاب لا فرق، قال في «الفروع»: (وليس بمرادٍ، بل قال جماعةٌ: يُكرَه بمكانٍ شديدِ الحرِّ والبرد، قال ابن شهاب: لترك الخشوع؛ كمُدافَعة الأخبثين). مسألتان: الأولى: إذا سجد على يدَيه؛ لم يُجزِئْه قولاً واحدًا؛ لأنَّ السُّجود عليها يفضي إلى تداخُل أعضاء السُّجود، قال القاضي في «الجامع»: لم أجِدْ عن أحمد نصًّا فيها، ويُجزئُه إن قلنا: لا يجب السُّجود على غير الجبهة، وإن قلنا بالوجوب فلا؛ لئلاَّ يتداخَل محلُّ السُّجود بعضه في بعض. الثَّانية: إذا علا موضِعُ رأسه على موضع قدمَيه، فلم يستعلِ (٢) الأسافِل بلا حاجة؛ جاز. وقيل: يُكرَه. وقيل: تبطل. وقيل: إن كثر (٣). وقال في «التَّلخيص»: التَّنكيس في السُّجود - وهو استعلاء الأسافل-؛ واجب، والصَّحيح: أنَّ اليسير لا بأس به دون الكثير. ولم يَذكُر جماعةٌ التَّنكيس في الواجبات والسُّنن. (وَ) يسنُّ أن (يُجَافِي (٤) عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ)، وفخذَيه عن ساقَيه؛ لما في الصَّحيح: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجد يُجَنِّحُ حتَّى يُرى

стр. 765

وَضَحُ إبْطَيهِ» (١)، وعن أبي حُمَيدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجدَ أمكنَ أنفَهُ وجبهتَهُ من (٢) الأرض، ونحَّى يدَيه عن جنْبَيه، ووضعَ كفَّيه حذوَ منكبَيه» رواه أبو داود (٣)، وقال (٤) أبو عبد الله في «رسالته»: (جاء عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه كان إذا سجدَ لو مرَّت بهيمةٌ لنفذت (٥) (٦)، وذلك لشدَّةِ رفعِ مِرفَقَيه وعَضُدَيه») (٧)، وهذا ما لم يؤذِ جارَه. (وَيَضَعُ يَدَيْهِ) يعني: راحتَيه على (٨) الأرض مبسوطتَين مضمومتَي الأصابِع، مستقبِلاً بهما القِبلة؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجدَ ضَمَّ أصابِعَه» رواه أبو حاتِمٍ والبَيهَقيُّ (٩)، (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ)؛ لما تقدَّم، ونقل عبدُ الله: حذاء أذنَيه (١٠)، ونقل أبو طالِبٍ: قريبةً من أذنيه (١١). (وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) ورِجْلَيه؛ «لأنَّه ﵇ كان إذا سجدَ (١٢) فرَّج بين فخِذَيه» (١٣)، وذكر ابن تميم وغيرُه: أنَّه يَجمَع بين عَقِبَيه.

стр. 766

ويُكرَه افتراشُ الذِّراع في السُّجود؛ للنَّهي المتِّفَقِ عليه من حديث أنَسٍ (١). مسألة: له أن يَعتمِد بمِرفَقَيه على فخذَيه إن طال، ولم يقيِّده جماعةٌ؛ لخبر أبي هريرة: أنَّ الصَّحابة شَكَوْا إلى رسول الله ﷺ مشقَّة السُّجود عليهم، فقال (٢): «استعينوا بالرُّكَب» (٣)، قال ابن عَجْلانَ: (هو أن يَضَع مِرفَقَيه على رُكبتَيه إذا طال (٤) السُّجود) (٥)، وقيل: في نفلٍ، وعنه: يُكرَه. قال في «الفروع»: (وظاهر المسألة: لو وضَع جبهتَه بالأرض ولم يَعتمِد عليها؛ يُجزئُه، وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بأمره ﵇ بتمكين الجبهة من الأرض، وبفعله (٦)، ووجوب الرُّجوع إليه، وهذا يقتضي الوجوب، فهذان

стр. 767

وجهان، وقد ذكروا لو سجد على حَشِيش أو قُطن أو ثلْج وبرَد، ولم يَجِد حجمه؛ لم يصحَّ (١)؛ لعدم المكان المستقَرِّ عليه). (وَيَقُولُ: سَبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا)؛ كالتَّسبيح في الرُّكوع على ما مرَّ. وفي «المغني»: أنَّه يُستحَبُّ الدُّعاء بما ورد؛ لقوله ﵇: «وأمَّا السُّجودُ فأكثِروا فيه من الدُّعاءِ، فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم» رواه مسلمٌ (٢)، ومعناه: حَقِيقٌ وجَدِيرٌ. وقال القاضي: لا تُستحَبُّ (٣) الزِّيادة عليه في الفرض، وفي النَّفل روايتان. وردَّه المؤلِّف بما صحَّ من الأخبار (٤)، وسنَّتُه ﵇ أحقُّ بالاتِّباع. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) إذا قضى سُجودَه (مُكَبِّرًا)، ويكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه.

стр. 768

(وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى)، ويَفتَح أصابِعَه نحو القِبلة؛ لقول أبي حُمَيد في صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ : «ثمَّ ثَنَى رجلَه (١) اليسرى، وقَعَد عليها، واعتَدَل حتَّى رجع كلُّ عظمٍ في موضعه» (٢)، وفي حديث عائشةَ: «وكان يَفرُش (٣) رجلَه اليسرى، ويَنصِب اليمنى» متَّفَقٌ عليه (٤). قال جماعةٌ منهم الجَدُّ: ويَبسُط يدَيه على فخِذَيه مضمومةَ الأصابِعِ، زاد في «التَّلخيص»: ويَضُمُّ الإبهامَ، ولم يَذكُره آخرون. (ثُمَّ يَقُولُ) بين السَّجدَتينِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ثَلَاثًا)، ذكره السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» و «الفروع» وغيرُهم؛ لما رَوى حُذَيفةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول بين السَّجدتين: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» رواه النَّسائيُّ وابن ماجَهْ، وإسنادُه ثِقاتٌ (٥). وقال ابن أبي موسى: مرَّتَين، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ؛ للخبر. وفي «الرِّعاية»: يقول (٦): ربِّ اغفر لي أو لنا، ثلاثًا. وفي «الشَّرح»: إن قال: ربِّ اغفر لنا؛ فلا بأس. ولم يُعيِّن (٧) أحمدُ في رواية جماعةٍ ثلاثًا، بل قال: يقول: ربِّ اغفر لي (٨). قال حَرْبٌ: (ومذهبُه: إن قال (٩)؛

стр. 769

جاز (١)، وإن لم يقل؛ جاز، والأمر عنده واسعٌ) (٢)، والأصحُّ خلافه. ولا يُكرَه في الأصحِّ ما ورد عن ابن عبَّاس قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقول بين السَّجدتَين: اللهمَّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني» رواه أبو داود (٣). وعنه: يُستحَبُّ في نفل. واختار المؤلِّف: وفَرْضٍ. (ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى)، من التَّكبير والتَّسبيح والهيئة (٤)؛ لأنَّه ﵇ كان يفعل ذلك. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا)؛ لأنَّه «﵇ كان يُكبِّر في كلِّ رفعٍ وخفضٍ» (٥). (وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ)؛ نَصَّ عليه (٦)؛ لحديث وائِل ابنِ حُجْرٍ (٧)، وعن ابن عمر قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن يَعتمِد الرَّجل على يدَيه إذا

стр. 770

نهض في الصَّلاة» رواه أبو داود (١)، ولأنَّه أشقُّ، فكان أفضل كالتَّجافي. قال القاضي: لا يَختلِف قولُه أنَّه لا يَعتمِد على الأرض، سواءٌ قلنا يَجلِس للاستراحة أو لا. (إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ؛ فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ)؛ لما رَوى الأثرمُ عن عليٍّ قال: «من السُّنَّة في الصَّلاة المكتوبةِ إذا نَهَض؛ ألاَّ يَعتمِد بيدَيه على الأرض، إلاَّ أن يكون شَيخًا كبيرًا لا يَستطيعُ» (٢)، وذكر في «الشَّرح»: (أنَّه إذا شقَّ عليه؛ اعتمد على الأرض، لا نعلم فيه خلافًا). واقتضى كلامُه: أنَّه لا يَجلِس جِلسة الاِستراحةِ، وهو المذهب المنصور عند أصحابنا؛ لما رَوى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنهَضُ على صدورِ قدميه» رواه التِّرمذيُّ بإسنادٍ فيه ضعف (٣) (٤)، ورُوي ذلك عن عمرَ (٥)،

стр. 771

وابنِه (١)، وعليٍّ (٢)، وابنِ مسعودٍ (٣)، وابنِ عبَّاسٍ (٤)، قال أحمدُ: (أكثرُ الأحاديث على هذا) (٥)، قال التِّرمذي: (وعليه العملُ عند (٦) أهل العلم) (٧)، قال أبو الزِّناد: (تلك السُّنَّة) (٨). وفي «الغُنْية»: يُكرَه أن يقدِّم إحدى رِجلَيه، وإنَّه قيل: يقطع الصَّلاة، وكذا في رسالة أحمد: (يُكرَه) (٩).

стр. 772

(وَعَنْهُ: يَجْلِسُ جِلْسَةَ الاِسْتِرَاحَةِ)، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وشيخُه الخلاَّل، وذكر أن أحمد رجع عن الأولى؛ لما روى مالك بن الحُوَيرِث: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجلِس إذا رفع رأسه من السُّجود قبل أن يَنهَض» رواه البخاري (١). وقيل: له ذلك إن كان ضعيفًا، قال المؤلِّف: (وفي هذا جَمعٌ بين الأخبار)، وإلاَّ فمِثلُ هذا لا يخفى على عمرَ وعليٍّ ومن سمَّينا. فيجلِس (عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ)، نَصَّ عليه في رواية المَرُّوذيِّ (٢)، وذكر ابن الجوزي: أنَّه ظاهر المذهب؛ لأنَّه لو جلس مُفترِشًا لم يَأمَنِ السَّهو، وليفارق الجلسة بين السَّجدتين، وعليه يُحمَل قول ابن عبَّاس في الإقعاء على القدَمين: «هو (٣) سنَّةُ نبيِّكم ﷺ » (٤)؛ للاتِّفاق على أنَّه لا يُستحَبُّ في هذه الصُّورة، وذَكَر الآمِديُّ: أنَّ أصحابنا لا يختلِفون في ذلك. وقيل: يَجلِس مُفترِشًا؛ كالجلوس بين السَّجدتَين، قدَّمه في «الشَّرح» و «الفروع»، وذكره القاضي والمؤلِّف في «المغني» احتِمالاً، واحتجَّ بحديث أبي حُمَيدٍ، وقال: هو صحيحٌ صريحٌ لا ينبغي العدولُ عنه. وقال الخَلاَّل: (رُوي عن أحمدَ ما لا أُحصيه كثرةً أنَّه يجلس على أَليتَيه) (٥). وهل هي فصْلٌ بين الرَّكعتين أو من الثَّانية؟ فيه وجهان. (ثُمَّ يَنْهَضُ) بغير تكبير؛ لأنَّه انتهى تكبيره عند انتهاء جلوسه.

стр. 773

وقال أبو الخَطَّاب: يَنهَض مكبِّرًا. وردَّه في «المغني»: بأنَّه يُفضِي إلى أن يُواليَ بين تكبيرتَين (١) في رُكنٍ واحدٍ لم يرد الشَّرع بجمعهما فيه. بُشْرَى: رَوى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ العبدُ يصلِّي أُتِيَ بذنوبه فوُضِعَتْ على رأسِهِ أو عاتقِهِ، فكلَّما ركعَ أو سجدَ تساقطَتْ عنهُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» (٢). (ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى)؛ لقوله ﵇ للمسيء في صلاته لما وصف له الركعة الأولى: «ثمَّ افعَل ذلكَ في صلاتِك كلِّها» (٣)، وفهم منه: مساواة قراءة الثانية للأولى (٤)، وسيأتي. (إِلاَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ)؛ لأنَّها وضعت للدُّخول في الصَّلاة، وهو مُنتفٍ. (وَالاِسْتِفْتَاحِ)، بغير خلاف نعلمُه (٥)؛ لما رَوى أبو هُرَيرةَ، قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا نَهَضَ إلى الرَّكعةِ الثَّانيةِ استَفتحَ القراءةَ ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ولم يَسكُتْ» رواه مسلم (٦). واستَثنَى أبو الخَطَّاب و «المغني» و «الوجيز» و «الفروع»: تجديد النِّيَّة؛ لاستصحابها حُكمًا، ولأنَّها تُراد للعقد، وقد انعقدت. قال المجْدُ: وترك استثنائها أَوْلى؛ لأنَّها شرط لا ركن، ويجوز أن تتقدَّم

стр. 774

الصَّلاة؛ اكتفاءً بالدَّوام الحُكْميِّ. (وَفِي الاِسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المغني»: إحداهما: لا يتعوَّذ من تعوَّذ في الأولى، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وهو قول عَطاءٍ، والحسن، والثَّوريِّ؛ لظاهر خبر أبي هُريرةَ المتقدِّم، ولأنَّ الصَّلاة جملةٌ واحدةٌ، فإذا أتى بالاستعاذة في أوَّلها كفى، فلو تركها في الأولى؛ أتى بها في الثَّانية، قال ابن الجوزي: رواية (١) واحدة (٢)، بخلاف الاستفتاح، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه يراد (٤) لافتتاح الصَّلاة، وهي للقراءة (٥). وقيل: يَفتَتِح إن وجب (٦). والثَّانية: يستعيذ في كل ركعة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النّحل: ٩٨]، ولحصول الفصل؛ كالصَّلاتين. فعلى هذه؛ يستعيذ المسبوقُ، وعلى الأولى لا (٧) كالاستفتاح، فإذا قام للقضاء استفتح واستعاذ، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّ ما يدركه المأموم مع الإمام آخر صلاته. (ثُمَّ يَجْلِسُ) للتَّشهُّد إجماعًا (٩)، (مُفْتَرِشًا)؛ كجُلوسه بين السَّجدتَين؛

стр. 775

لحديث أبي حميد (١): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا جلسَ للتَّشهُّد جلسَ على رِجلِه اليُسرى، ونَصَبَ الأخرى، وقعدَ على مَقْعَدَتِه» رواه البخاريُّ (٢). وعنه: إن توَّرك في أثنائه جاز ولا فَضْلَ فيه؛ لما رَوى ابنُ مسعودٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجلِسُ في وسَط الصَّلاة وفي آخرها مُتورِّكًا» (٣). والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ حديثَ أبي حُمَيدٍ مقدَّمٌ على حديثِ ابنِ مسعودٍ، فإنَّ أبا حُمَيدٍ ذكره في عشَرةٍ من الصَّحابة فصدَّقوه، وهو متأخِّرٌ عن ابنِ مسعودٍ، فالأخذ (٤) به مُتعيِّنٌ (٥). (وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى)، وكذا اليُسرى؛ لأنَّه أشهر في الأخبار، لا (٦) يُلْقِمُهما (٧) رُكبتَيه. وفي «الكافي»، واختاره صاحبُ «النَّظم»: التَّخيير، كذا في الأخبار: «يدَيه»، وفيها: «كفَّيه» (٨)، وفي حديث وائل بن حُجْر: «ذراعيه» (٩).
следующие страницы →