← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وابنِه (١)، وعليٍّ (٢)، وابنِ مسعودٍ (٣)، وابنِ عبَّاسٍ (٤)، قال أحمدُ: (أكثرُ الأحاديث على هذا) (٥)، قال التِّرمذي: (وعليه العملُ عند (٦) أهل العلم) (٧)، قال أبو الزِّناد: (تلك السُّنَّة) (٨). وفي «الغُنْية»: يُكرَه أن يقدِّم إحدى رِجلَيه، وإنَّه قيل: يقطع الصَّلاة، وكذا في رسالة أحمد: (يُكرَه) (٩).

стр. 772

(وَعَنْهُ: يَجْلِسُ جِلْسَةَ الاِسْتِرَاحَةِ)، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وشيخُه الخلاَّل، وذكر أن أحمد رجع عن الأولى؛ لما روى مالك بن الحُوَيرِث: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجلِس إذا رفع رأسه من السُّجود قبل أن يَنهَض» رواه البخاري (١). وقيل: له ذلك إن كان ضعيفًا، قال المؤلِّف: (وفي هذا جَمعٌ بين الأخبار)، وإلاَّ فمِثلُ هذا لا يخفى على عمرَ وعليٍّ ومن سمَّينا. فيجلِس (عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ)، نَصَّ عليه في رواية المَرُّوذيِّ (٢)، وذكر ابن الجوزي: أنَّه ظاهر المذهب؛ لأنَّه لو جلس مُفترِشًا لم يَأمَنِ السَّهو، وليفارق الجلسة بين السَّجدتين، وعليه يُحمَل قول ابن عبَّاس في الإقعاء على القدَمين: «هو (٣) سنَّةُ نبيِّكم ﷺ » (٤)؛ للاتِّفاق على أنَّه لا يُستحَبُّ في هذه الصُّورة، وذَكَر الآمِديُّ: أنَّ أصحابنا لا يختلِفون في ذلك. وقيل: يَجلِس مُفترِشًا؛ كالجلوس بين السَّجدتَين، قدَّمه في «الشَّرح» و «الفروع»، وذكره القاضي والمؤلِّف في «المغني» احتِمالاً، واحتجَّ بحديث أبي حُمَيدٍ، وقال: هو صحيحٌ صريحٌ لا ينبغي العدولُ عنه. وقال الخَلاَّل: (رُوي عن أحمدَ ما لا أُحصيه كثرةً أنَّه يجلس على أَليتَيه) (٥). وهل هي فصْلٌ بين الرَّكعتين أو من الثَّانية؟ فيه وجهان. (ثُمَّ يَنْهَضُ) بغير تكبير؛ لأنَّه انتهى تكبيره عند انتهاء جلوسه.

стр. 773

وقال أبو الخَطَّاب: يَنهَض مكبِّرًا. وردَّه في «المغني»: بأنَّه يُفضِي إلى أن يُواليَ بين تكبيرتَين (١) في رُكنٍ واحدٍ لم يرد الشَّرع بجمعهما فيه. بُشْرَى: رَوى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ العبدُ يصلِّي أُتِيَ بذنوبه فوُضِعَتْ على رأسِهِ أو عاتقِهِ، فكلَّما ركعَ أو سجدَ تساقطَتْ عنهُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» (٢). (ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى)؛ لقوله ﵇ للمسيء في صلاته لما وصف له الركعة الأولى: «ثمَّ افعَل ذلكَ في صلاتِك كلِّها» (٣)، وفهم منه: مساواة قراءة الثانية للأولى (٤)، وسيأتي. (إِلاَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ)؛ لأنَّها وضعت للدُّخول في الصَّلاة، وهو مُنتفٍ. (وَالاِسْتِفْتَاحِ)، بغير خلاف نعلمُه (٥)؛ لما رَوى أبو هُرَيرةَ، قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا نَهَضَ إلى الرَّكعةِ الثَّانيةِ استَفتحَ القراءةَ ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ولم يَسكُتْ» رواه مسلم (٦). واستَثنَى أبو الخَطَّاب و «المغني» و «الوجيز» و «الفروع»: تجديد النِّيَّة؛ لاستصحابها حُكمًا، ولأنَّها تُراد للعقد، وقد انعقدت. قال المجْدُ: وترك استثنائها أَوْلى؛ لأنَّها شرط لا ركن، ويجوز أن تتقدَّم

стр. 774

الصَّلاة؛ اكتفاءً بالدَّوام الحُكْميِّ. (وَفِي الاِسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المغني»: إحداهما: لا يتعوَّذ من تعوَّذ في الأولى، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وهو قول عَطاءٍ، والحسن، والثَّوريِّ؛ لظاهر خبر أبي هُريرةَ المتقدِّم، ولأنَّ الصَّلاة جملةٌ واحدةٌ، فإذا أتى بالاستعاذة في أوَّلها كفى، فلو تركها في الأولى؛ أتى بها في الثَّانية، قال ابن الجوزي: رواية (١) واحدة (٢)، بخلاف الاستفتاح، نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه يراد (٤) لافتتاح الصَّلاة، وهي للقراءة (٥). وقيل: يَفتَتِح إن وجب (٦). والثَّانية: يستعيذ في كل ركعة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النّحل: ٩٨]، ولحصول الفصل؛ كالصَّلاتين. فعلى هذه؛ يستعيذ المسبوقُ، وعلى الأولى لا (٧) كالاستفتاح، فإذا قام للقضاء استفتح واستعاذ، نَصَّ عليه (٨)؛ لأنَّ ما يدركه المأموم مع الإمام آخر صلاته. (ثُمَّ يَجْلِسُ) للتَّشهُّد إجماعًا (٩)، (مُفْتَرِشًا)؛ كجُلوسه بين السَّجدتَين؛

стр. 775

لحديث أبي حميد (١): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا جلسَ للتَّشهُّد جلسَ على رِجلِه اليُسرى، ونَصَبَ الأخرى، وقعدَ على مَقْعَدَتِه» رواه البخاريُّ (٢). وعنه: إن توَّرك في أثنائه جاز ولا فَضْلَ فيه؛ لما رَوى ابنُ مسعودٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجلِسُ في وسَط الصَّلاة وفي آخرها مُتورِّكًا» (٣). والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ حديثَ أبي حُمَيدٍ مقدَّمٌ على حديثِ ابنِ مسعودٍ، فإنَّ أبا حُمَيدٍ ذكره في عشَرةٍ من الصَّحابة فصدَّقوه، وهو متأخِّرٌ عن ابنِ مسعودٍ، فالأخذ (٤) به مُتعيِّنٌ (٥). (وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى)، وكذا اليُسرى؛ لأنَّه أشهر في الأخبار، لا (٦) يُلْقِمُهما (٧) رُكبتَيه. وفي «الكافي»، واختاره صاحبُ «النَّظم»: التَّخيير، كذا في الأخبار: «يدَيه»، وفيها: «كفَّيه» (٨)، وفي حديث وائل بن حُجْر: «ذراعيه» (٩).

стр. 776

(يَقْبِضُ (١) مِنْهَا الْخِنْصِرَ والبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى)، كذا ذكره السَّامَرِّي وابنُ الجوزي، وجزم به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «التَّلخيص» و «الفروع»؛ لما رَوى وائِلُ بنُ حُجْرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضعَ مِرفَقَهُ الأيمنَ على فخذِهِ اليمنى، ثمَّ عقدَ من أصابعه الخِنصِرَ والتي تليها، وحلَّقَ حلْقةً بأصبعه الوسطى على الإبهام، ورفع السَّبَّابةَ يشيرُ بها» رواه أحمد وأبو داود (٢). وعنه: يَبسُطُهما، ويحلِّق الإبهام مع الوسطى، وهي ظاهر الخِرَقيِّ. وعنه: يَقبِض أصابعَه الثَّلاثَ، ويَعقِد إبهامَه كخَمسِين، قدَّمه ابن تميم، واختاره المجْدُ في «شرح الهداية»؛ لخبر ابن عمر (٣). وعنه: هي كيُسراه، فيَضَعُ أصابعَها مضمومةً مستقبِلاً بها القِبلةَ لا مُفرَّجةً. (وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ)؛ سمِّيت به لأنَّهم كانوا يُشيرون بها إلى السَّبِّ، وسَبَّاحةً لأنَّه يُشار بها للتَّوحيد (٤)، والمراد سبَّابة اليمنى؛ لفعله ﵇، وظاهره: لا بغيرها ولو عُدِمت، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ؛ لأنَّ علته (٥) التَّنبيه على التَّوحيد).

стр. 777

(فِي تَشَهُّدِه مِرَارًا)، وكذا في «المستوعب»، وظاهره: أنَّه يشير بها في كلِّ تشهُّده، وهو رواية. والأشهر: أنَّ موضِعَ الإشارة بها عند ذكر الله؛ لينبِّه (١) على الوحدانية، زاد ابن تميم: وذِكْرِ (٢) رسولِه (٣). وقدَّم في «التَّلخيص»: أنَّه يَرفعُها (٤) في تشهُّده مرَّتَين أو ثلاثًا. وذكر جماعةٌ: أنَّه يشير بها، ولم يقولوا مِرارًا، وظاهره: ولو مرَّةً، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ (٥) والأخبارِ. وعلى كل حال؛ لا يحرِّكها في الأصحِّ؛ لفعله ﵇ (٦). قال في «الغُنية»: (ويُديم نظرَه إليها كلَّ تشهُّده)؛ لخبر ابن الزُّبَير، رواه أحمد (٧). فائدة: يشير بالسَّبَّاحة إذا دعا في صلاته أو غيرها، نَصَّ عليه (٨)؛ لحديث

стр. 778

وائلٍ قال: «فرأيته يحرِّكها يدعو بها» رواه (١) أبو داود (٢). (وَيَبْسُطُ (٣) الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ (٤) الْيُسْرَى)؛ لما رَوى ابنُ عمرَ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا جلس في الصَّلاة وضع يدَيه على رُكبتَيه، ورفع أصبعَه (٥) التي تلي الإبهامَ فدعا بها، ويدُه اليسرى على رُكبتِه (٦) باسطَها عليها» رواه مسلمٌ (٧). قوله: (على فخذه (٨) اليسرى)؛ أي: لا يخرج بها عنها، بل يجعل أطراف أصابعه مُسامِتَةً لركبته. زاد في «المحرَّر» وغيره: مضمومةَ الأصابِعِ، زاد في «المغني» وغيره: مستقبِلاً بأطراف أصابعها القِبلة، قال في «التَّلخيص»: (قريبًا من الركبة)، وفي (٩) «الكافي»: أو يُلْقِمُها (١٠) ركبتَه (١١)، وقال ابن تميم: (إن قبض بها على ركبته فلا بأس). (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) سرًّا؛ لخبر ابن مسعودٍ، وهو في الصَّحيحَين وغيرِهما،

стр. 779

(فَيَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»)، ولفظُه: كنَّا إذا جلسْنا مع النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة قلنا: السَّلام على الله من عباده، السَّلام على جبريل، السَّلام على ميكائيل، السَّلام على فلانٍ، فسمعَنا رسولُ الله ﷺ فقال: «إنَّ الله هو السَّلام، فإذا جلس أحدُكم فلْيقُل: التَّحيَّات لله … » إلى آخره، قال (١): «ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء أعجبَهُ إليه فيدعُو»، وفي (٢) لفظ: «علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهُّد، كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمني السُّورةَ من القرآن»، قال التِّرمذيُّ: (هو أصحُّ حديث في التشهُّد، والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين) (٣)، وليس في المتَّفَقِ عليه حديث غيره، ورواه أيضًا ابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وعائشة (٤)، ويترجَّح: بأنَّه اختصَّ بأنَّه ﵇ أمره بأن (٥) يُعلِّمه (٦) النَّاس، رواه أحمد (٧). وليس تشهُّد ابن عبَّاس أفضلَ، وهو: «التَّحيَّاتُ المباركاتُ، الصَّلواتُ

стр. 780

الطَّيِّبات لله … » إلى آخره، ولفظ مسلم: «وأشهد أنَّ محمَّدًا رسولُ الله» (١). ولا تشهُّد عمر، وهو: «التَّحيَّاتُ لله، الزَّاكياتُ لله (٢)، الطَّيِّبات الصَّلواتُ لله، سلام عليك … » إلى آخره (٣). فإن تشهَّد بأحدها؛ أجزأه، حكاه ابن هُبَيرة اتِّفاقًا، لكن قال بعض أصحابنا، وهو الذي في «التَّلخيص»: إنَّه لا يُجزِئُ غير (٤) تشهُّد ابن مسعود، فعلى هذا لو ترك منه حرفًا؛ لم يُجزِئْه. وقد ذكر المؤلِّفُ، وصحَّحه هو وغيرُه: أنَّه متى أخلَّ بلفظةٍ ساقطةٍ في بعض التَّشهُّدات؛ فلا بأس، وقدَّمه جماعةٌ، كما إذا أسقط لفظًا لا يَسقُط المعنى به. فعلى هذا: الواجبُ خمسُ كلماتٍ، وهي: «التَّحيَّاتُ لله، سلامٌ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله (٥)، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله»، أو: «رسول الله»؛ لأنَّ هذا يأتي على معنى الجميع، وهو المتَّفَقُ عليه في الرِّوايات. وظاهره: أنَّه لا يُسمِّي في أوَّله، وصرَّح (٦) القاضي بالكراهة، وأنَّه يرتِّب (٧) الجُمَل، وهو وجهٌ؛ لأنَّه إذا لم يرتِّب؛ فقد أخلَّ به في ذكر مشروعٍ،

стр. 781

فلم يصحَّ كالأذان. فائدة: إذا قال: (السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين)؛ يَنوي به النِّساءَ ومن لا شركة له (١) في صلاته في ظاهر كلامهم (٢)؛ لقوله ﵇: «أصابت كلَّ عبدٍ لله صالحٍ في السَّماءِ والأرضِ». مُهمَّات: التَّحيَّات جمع تحيَّة، وهي العظمة، وقال أبو عمرو: الملك، وقال ابن الأنباري: السَّلام، وقيل: البقاء (٣). والصَّلوات: هي الخمسُ، وقيل: الرَّحمة، وقيل: الأدعية، وقيل: العبادات. والطَّيِّبات: هي الأعمال الصَّالحة، وقال ابن الأنباري: (الطَّيِّبات من الكلام) (٤). ومن (٥) خواصِّ الهَيللة (٦): أنَّ حروفها كلها مُهمَلة؛ تنبيهًا على التَّجرُّد من كل معبودٍ سوى الله تعالى، وجوفيةٌ (٧) ليس فيها شيء من (٨) الشَّفوية؛ إشارة إلى أنَّها تخرج من القلب. (هَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ)، وظاهره: تخفيفه، وأنَّه لا يُستحَبُّ الزِّيادة عليه، ونصُّه فيها: أساء (٩)، ذكره القاضي في «الجامع».

стр. 782

واختار ابن هُبَيرة: تُسنُّ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ، واختاره الآجُرِّيُّ، وزاد: (وعلى آله). وذكر جماعةٌ: لا بأس بزيادة: (وحده لا شريك له). وقيل: قولها أَولى. ويكرِّره مسبوقٌ، نَصَّ عليه (١)، فإن سلَّم قبل تمامه؛ قام ولم يُتِمَّه. (ثُمَّ يَقُولُ) في التَّشهُّد الذي يعقبه السَّلام: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ (٢) إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)، هذا هو المشهورُ في المذهب، واقتصر عليه أكثرُ أصحابنا؛ لما رَوى كعْب بن عُجْرَةَ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلِّمُ عليك، فكيف نصلِّي عليك؟ قال: «قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلَّيتَ على آل (٣) إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركتَ على آل (٤) إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد» متَّفَقٌ عليه (٥). قال جَدِّي: (في «الانتصار» (٦): إلاَّ أنَّ البخاريَّ قال: «وآل محمَّد» بإسقاط على)، وليس كذلك، فإنَّه رواه في كتاب «بدء الخلق»: «وعلى آل محمَّد» بإثباتها (٧).

стр. 783

(وَإِنْ شَاءَ قَالَ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ)؛ لما روى أحمد والنَّسائي والتِّرمذي، وصحَّحه من حديث كعْبٍ، وقال فيه: «اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد وآل محمَّد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ على محمَّد وآل محمَّد، كما باركتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مَجيدٌ» (١)، قلتُ: ورواه البخاريُّ من حديثه أيضًا (٢). وظاهره: أنَّه مخيَّرٌ بينهما، وهو رواية؛ لورود الرِّواية بهما (٣). وعنه: يقتَصِر على الأخير (٤) فقط، اختاره ابن عقيل، وقدَّمه في «المذهب». والأوَّل أَوْلى؛ لأنَّها وردت بألفاظ مختلِفة، فوجب أن يجزِئَ منها ما اجتمعت عليه الأحاديث، وهو الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ حَسْبُ، اختاره القاضي والشَّيخانِ، وصحَّحه ابن تميم والجَدُّ في «فروعه». وقال ابن حامد وأبو الخَطَّاب: تَجب (٥) الصَّلاةُ على ما في خبر كعْبٍ، وهو ظاهر كلامه في «التَّلخيص» و «المذهب»؛ لظاهر الأمر به (٦). مسائل: الأولى: أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، فكيف تُطلَب صلاة النَّبيِّ ﷺ وتُشَبَّه

стр. 784

بالصَّلاة على إبراهيم وآله؟! (١). وجوابُه: بأنَّه يحتمل أنَّ مراده أصلُ الصَّلاة بأصلها، لا (٢) القدْرُ بالقدر؛ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … ﴾ [البَقَرَة: ١٨٣]. ويَحتمِل: أنَّ التَّشبيه وقع في الصَّلاة على الآل (٣)، لا على النَّبيِّ ﷺ ، فيكون (وعلى آل محمَّد) متَّصل بما بعده، ويقدَّر له ما يتعلَّق به، والأوَّل مقطوعٌ عن التَّشبيه. وفيهما نَظر. ويَحتمِل - وهو أحسنها -: أنَّ المشبَّه الصَّلاة على النَّبيِّ وآله بالصَّلاة على إبراهيم وآله، فتقابلت الجملتان، وتعذَّر (٤) أن يكون لآل الرَّسول ما لآل (٥) إبراهيم الذين هم الأنبياء، فكان ما يوفر (٦) من ذلك حاصلاً للرَّسول ﷺ ، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرَّحمة والرِّضوان، ومن كانت في حقِّه أكثرَ كان أفضلَ. الثَّانية: السُّنَّة تقديمُ (٧) التَّشهُّد على الصَّلاة، فإن لم يفعل من غير تغيير المعنى ولا إخلال (٨) بشيء من الواجبات؛ فالأصحُّ عدَم الإجزاء.

стр. 785

وكذا لو أبدل (آلَ) ب (أهل)، وقال القاضي: يجزئه. الثَّالثة: كان يلزمه ﵇ أن يقول في تشهُّده: (وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد … ) إلى آخره، والشَّهادتين في الأذان، ذكره ابن عقيل، وفيه وجْهٌ ذكره ابن حمدان. الرَّابعة: لا تَجِبُ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ خارج الصَّلاة. وقيل: بلى، اختاره أبو جعْفرٍ الطَّحاويُّ، وأبو عبد الله الحَلِيمِيُّ (١)، واللَّخْمِيُّ (٢)، وأبو عبد الله بن بَطَّة. والقائلون به؛ قيل: تجب في العمر مرَّةً واحدةً. وقيل: كلَّما ذُكر، ودليلُه ظاهِرٌ. وله الصَّلاة على غيره منفرِدًا، نَصَّ عليه (٣)، وكرهها جماعةٌ، وحرَّمها آخرون، وقاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين مع الشِّعار (٤). الخامسة: آل محمَّد (٥) ﵇: أتباعُه على دينه، ذكره القاضي؛ لقوله تعالى: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عِمرَان: ١١]؛ يعني: أتباعه على دينه. وقيل: كلُّ تقيٍّ؛ للخبر، رواه تَمَّامٌ في «فوائده» (٦).

стр. 786

وقيل: أزواجه، ومن آمن به من عشيرته (١). وقيل: هم بنو هاشم المؤمنون. ونصَّ أحمد على أنَّهم أهل بيته (٢)، فمنهم بنو هاشم، وفي بني المطَّلِب روايتا زكاةٍ. وأفضل أهل بيته: عليٌّ، وفاطمةُ، وحسنٌ، وحسَينٌ (٣)، وظاهر كلامه في موضع (٤): أنَّ حمزة أفضل من حسن وحسين. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ، فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا فرغَ أحدُكم من التشهُّدِ الأخيرِ فليستَعِذْ بالله من أربعٍ»، وذكرهنَّ، رواه مسلم، وكان النَّبيُّ ﷺ يدعو بذلك، متَّفَقٌ عليه (٥). وذكر ابن الجوزي وابن تميم: تَكرار (أعوذ بالله) في كل جملة. وحكى القاضي وجوب ذلك، وذكره في «الرِّعاية» روايةً؛ لظاهر الأمر به. (وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ)؛ أي: أخبارِ النَّبيِّ ﷺ وأخبار أصحابه، زاد في «المغني» و «الشَّرح»: وأخبارِ السَّلف، وبأمر الآخرة، ولو لم يُشبِه ما ورد؛ (فَلَا بَأْسَ)، وكذا ذكر الخِرَقِيُّ والسَّامَرِّي؛ لقوله: «ثمَّ ليتخيَّر (٦) من

стр. 787

الدُّعاء أعجبَهُ إليه فيدعو» (١). وذكر ابنُ تميم: أنَّه يدعو بما ورد، وجزم به في «الوجيز» و «الفروع (٢)»؛ لما رُوي عن أبي بكر الصِّدِّيق أنَّه قال: يا رسولَ الله! علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللَّهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا (٣)، ولا يغفرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» متَّفَقٌ عليه (٤)، وعن عليٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلنْتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّمُ والمؤخِّر (٥)، لا إله إلاَّ أنت» رواه التِّرمذِيُّ، وصحَّحه (٦)، وعن معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أوصيكَ بكلماتٍ تقولهنَّ في كلِّ صلاة: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكركَ، وشُكركَ، وحسنِ عبادتكَ» رواه أحمدُ (٧)، وقال عبد الله: سمعت أبي يقول في سجوده: (اللَّهمَّ كما صُنتَ وجهي عن السجود لغيرك؛ فصُنْ وجهي عن المسألة لغيرك)، قال: (وكان عبد الرَّحمن يقوله)، وقال (٨): (سمعت الثَّوريَّ يقوله) (٩).

стр. 788

ومحلُّه: ما لم يَشُقَّ على مأموم، أو يخفْ سهوًا إن كان منفرِدًا. وظاهره: أنَّه لا يدعو بغير ذلك. وعنه: لا بأس أن يدعو بجميع حوائج دنياه وآخرته، اختاره في «المغني»، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لظواهر الأخبار. وظاهِرُ كلام جماعةٍ: جوازُ الدُّعاءِ بما كان قربةً إلى الله تعالى وإن لم يَرِدْ (١) به أثَرٌ، وقَطع به في «المحرَّر». فأمَّا ما يُقصَد به ملاذُّ الدُّنيا وشهواتُها؛ كقوله: اللَّهمَّ ارزقني جاريةً حسناءَ، وحُلَّةً خضراءَ؛ لم يَجُزْ؛ لأنَّه من (٢) كلام الآدميين. وعنه: يجوز؛ لقوله: «ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء (٣) … » إلى آخره. وأجيب: بحمله على الدُّعاء المأثور. فرع: يجوز الدُّعاء لمعيَّنٍ على الأصحِّ، رُوي عن عليٍّ (٤) وأبي الدَّرداء (٥). وقيل: في نفل. وعنه: يكره. والمراد: بغير (٦) كاف الخطاب، ذَكره جماعةٌ، وإلاَّ بطلت؛ لخبر تشميت

стр. 789

العاطِس (١)، وقوله ﵇ لإبليس: «ألعنُكَ بلعنةِ الله» (٢)؛ قبل التَّحريم، أو مُؤوَّل. ولا تَبطُل (٣) بقوله: (لعنه (٤) الله) عند اسمه على الأصحِّ، ولا من عوَّذ نفسه بقرآنٍ لِحُمَّى ونحوها، ولا من لدغته (٥) عقربٌ فقال: باسم الله، ولا بالحَوقلة في أمر الدُّنيا. (ثُمَّ يُسَلِّمُ) وهو جالِس بلا نزاعٍ، وأنَّه تحليلُها، وهو منها؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليم»، وليس لها تحليلٌ سواه. (عَنْ يَمِينِهِ)، فيقول مطلقًا؛ لأنَّه أحد طرفيها، فاشترط (٦) له كالأوَّل: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ)، رُوي ذلك عن أبي بكرٍ (٧)، وعمرَ (٨)، وعليٍّ (٩)،

стр. 790

وعمَّارٍ (١)، وابنِ مسعودٍ (٢)؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُسلِّمُ عن يمينه وعن يساره: السَّلامُ عليكم ورحمة الله، السَّلام عليكم ورحمة الله، حتَّى يُرى بياضُ خدِّه» رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ وقال: (حسَنٌ صحيحٌ، والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدهم) (٣). وأصحُّ الرِّوايات عنه ﵇ أنَّها تسليمتانِ، فعن سعد قال: «كنتُ أرى النَّبيَّ ﷺ يسلِّمُ عن يمينه ويساره حتَّى يُرى بياضُ خدِّه» رواه مسلمٌ (٤). ويُسنُّ التفاتُه فيهما، قال أحمد: (ثبت عندنا من غير وجه أنَّه كان ﵇ يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتَّى يُرى بياض خدِّه) (٥). ويكون التِفاتُه في الثَّانية أكثرَ، قاله المؤلِّف؛ لفعله ﵇، رواه ابن صاعِدٍ (٦).

стр. 791

وذكر ابن عَقيل وابن الجوزي والسَّامَرِّيُّ: أنَّه يَبتدِئُ بقوله: (السَّلام عليكم) إلى القِبلة، ثمَّ يَلتفِتُ عن يمينه ويساره في قوله: (ورحمة الله)؛ جمْعًا بين الأحاديث. ويَجهَر بالأولى، ويُسِرُّ بالثَّانية (١)، نَصَّ عليه (٢)، لتقدُّمها (٣)، أو لحصول التحلُّل بها. واختار ابن حامِدٍ، وقدَّمه في «الرِّعاية»: خلافَها؛ لئلاَّ يُسابِقَه المأمومُ في السَّلام، أو في القيام للقضاء إن كان مسبوقًا. وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّه يَجهَر، وبالأولى (٤) أكثرَ. وقيل: يسرُّهما؛ كمأمومٍ (٥)، قال في «المذهب»: ومنفرِدٍ. ويُستحبُّ حذفه، ويَجزِمُه، ولا يُعرِبُه. فرعٌ: إذا نكَّس السَّلامَ مطلقًا؛ لم يُجزِئْهُ. وقيل: بلى، وبعَّده المؤلِّف. فإن نكَّره؛ فأوْجُهٌ، ثالثُها: يُجزِئُ مع التَّنوين؛ لإقامته مقام الألف واللاَّم، وقيل: تنكيره أفضل، وفيه ضَعْفٌ. (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللهِ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)، اختاره أبو الخَطَّاب وابن عَقيل

стр. 792

وصحَّحه، وقدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية»؛ لأنَّه ﵇ كان يقوله، وهو سلامٌ في صلاةٍ، فيَرِدُ (١) مقرونًا بالرَّحمة، فلم يُجزِئْه بدونها؛ كالسَّلام في التَّشهُّد، فعلى هذا: هي ركنٌ، وصحَّحه في «المذهب». (وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ)، قال: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليمُ»، وهو حاصِلٌ بدون ذكر الرَّحمة، وجعله في شرح «المحرَّر» دليلاً للأول (٢)، وحمله على السَّلام المعهود، وفيه نَظَرٌ، وعن عليٍّ: «أنَّه كان يسلِّم عن يمينه وعن يساره السَّلام عليكم، السَّلام عليكم» رواه سعيدٌ في «سننه» (٣)، ولأنَّ ذِكر الرَّحمة تكريرٌ للثَّناء، فعلى هذا: هي سنَّة. (وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ (٤)، من حيث إنَّها صلاةٌ مفروضةٌ، واقتصر فيها على السَّلام من غير ذِكر الرَّحمة، لكنَّ الفرقَ ظاهِرٌ. وفي «التَّلخيص» و «المحرَّر»: في وجوبها روايتانِ. تَتِمَّة: إذا زاد: (وبركاتُه (٥)؛ فلا بأْسَ؛ لفِعلِ النَّبيِّ ﷺ ، رواه أبو داود من حديثِ وائِلٍ (٦)، وتركُها أفضل. (وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ)، هذا الأَوْلى؛ لتكونَ النِّيَّةُ شامِلةٌ لطرَفَيِ الصَّلاة. (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ جَازَ)، نَصَّ عليه (٧)، وقدَّمه ابن تمِيمٍ والجَدُّ، وجزم به في

стр. 793

«الوجيز»، ونَصَره في «الشَّرح»؛ لأنَّ نيَّةَ الصَّلاة قد شَمِلت جميعَها، والسَّلامُ من جملتها، فاكتفى فيه بالنِّيَّة المستصحَب حكمُها، وكتكبيرة الإحرام، ولأنَّها عبادةٌ فلم تَجِب النِّيَّةُ للخروج منها؛ كسائر العبادات. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ)، هو روايةٌ عن أحمدَ، وصحَّحه في «المذهب»، واقتصر عليه ابن هُبَيرةَ؛ لأنَّه أحدُ طرَفَيِ الصَّلاة، فوجبتْ فيه النِّيَّةُ؛ كالطَّرَفِ الأَوَّلِ، فعلى هذا: هي رُكْنٌ. وقيل: إن سها عنها سجد (١) للسَّهو. فإن نوى الخروجَ منها مع الحفَظَةِ والإمامِ والمأمومِ؛ جاز، نَصَّ عليه (٢)؛ لما رَوى سَمُرةُ بن جُندَبٍ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نَرُدَّ على الإمام، وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعضٍ» رواه أبو داود، وإسناده ثقات (٣). وقيل: تَبطُل للتَّشريك. وقيل: يُستحَبُّ. وقال أبو حَفْصٍ: السُّنَّةُ أن يَنوِيَ بالأولى الخروجَ، وبالثَّانية على الحَفَظَة ومن معه إن كان في جماعةٍ. وإن نوى بسلامه الحاضرين، ولم ينوِ الخروجَ؛ فقال ابن حامِدٍ: تبطل وجهًا واحدًا؛ لتمحُّضه خطابَ آدمِيٍّ. والأشهر: يجوز. وعنه: لا يترك السَّلام على إمامه. وإن وجبت الثَّانية؛ اعتبر نية (٤) الخروجِ منها. (وَإِنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ؛ نَهَضَ مُكَبِّرًا إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ)؛

стр. 794

كنهوضه من السُّجود، قائمًا على صدور قدمَيه كما تقدَّم. وظاهره: أنَّه لا يرفع يدَيه، وحكاه بعضهم وِفاقًا (١). وعنه: بلى، اختاره المجْدُ وحفيدُه (٢)، وهي أظهر، وقد صحَّحه أحمد وغيره عن النَّبيِّ ﷺ (٣)، قال الخَطَّابيُّ: (وهو قولُ جماعةٍ من أهل الحديثِ) (٤). (وَصَلَّى الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ مِثْلَ الثَّانِيَةِ)؛ لقوله: «ثمَّ افعل ذلك في صلاتِكَ كلِّها» (٥). واقتضى كلامُه: مساواةَ الثَّالثةِ للرَّابِعةِ في عدَم التَّطويل؛ لأنَّها مثلُها. (إِلاَّ أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ) فيهما بغير خلاف نعلمه (٦). (وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، قال ابن سيرين: «لا أعلَمُهم يختلِفون (٧) فيه» (٨)؛ لحديث أبي قَتادةَ: «أنَّه كان ﵇ يَقرَأ (٩) في الرَّكعتين الأُخرَيَين (١٠) بأمِّ الكتاب» (١١)، «وكتب عمرُ إلى شُرَيحٍ يأمرُه بذلك» (١٢).

стр. 795

ويُستثنَى: الإمامُ في صلاة الخوف إذا قلنا: يَنتظِر الطَّائفةَ الثَّانيةَ في الرَّكعة الثَّالثة، فيَقرَأُ سورةً معها. وعنه: يُستحَبُّ؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ ، رواه مسلمٌ من حديث أبي سعيدٍ (١). وظاهِرُ كلامِهم: لا فرْقَ بين الفرض والنَّفل. (ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا)؛ لحديث أبي حُمَيدٍ، فإنَّه وصف جلوسَه في التَّشهُّد الأوَّل مُفترِشًا، والثَّاني مُتورِّكًا، وهذا بيانُ الفرق بينهما، وزيادةٌ يَجِب الأخذُ بها والمصير إليها، وحينئذٍ لا يُسَنُّ التَّورُّكُ إلاَّ في صلاةٍ فيها تشهُّدان أصليَّان، في الأخير منهما. وعنه: لا تورُّكَ في المغرب، والأوَّلُ المذهبُ. وصِفتُه كما رواه الأثرمُ عن الإمامِ (٢): (يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ)، واختاره أبو الخَطَّاب، وجزم به في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لقول أبي حُمَيدٍ: «فإذا كان في الرَّابعة؛ أفْضَى بوَرِكه اليُسرى إلى الأرض، وأخرَج قدمَيه من ناحيةٍ واحدةٍ» رواه أبو داود، وفي لفظ: «جلس على أليتَيه، ونصَب قدَمه اليمنى» (٣). وذكر الخِرَقِيُّ والقاضي والسَّامَرِّيُّ: أنَّه يَجعل باطنَ قدمِه اليسرى تحت فخِذِه اليمنى، وقدَّمه ابن تمِيمٍ، وصحَّحه (٤) المجْدُ في «شرح الهداية»؛ لأنَّه ﵇ كان يَفعلُه، رواه مسلمٌ من حديث ابن الزُّبَير (٥).

стр. 796

وعنه: يُخرِج قدمَه الأَيسرَ من تحت ساقِه الأيمنِ؛ لحديث أبي حُمَيد أيضًا. وأيَّها فعل جاز. فرعٌ: سُئل أحمدُ: هل يُتورَّك في تشهُّد سجود السَّهو؟ قال: نعم، هو من بقيَّة الصَّلاة (١)، وحمله في «الشَّرح» على ما إذا كان السَّهوُ في صلاة (٢) فيها تشهُّدان (٣)، وعلَّله: بأنَّ تشهُّدها (٤) يُتورَّك فيه، وهذا تابِعٌ له. وفيه نَظَر؛ فإنَّ مقتضى هذا أنَّه يتورَّك في كل تشهُّدٍ؛ كسجود (٥) السَّهو بعد السَّلام في الرُّباعيَّة وغيرِها، وقاله القاضي؛ لأنَّه تشهُّد ثانٍ في الصَّلاة، فيحتاج (٦) إلى الفرق. (وَالمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ لشُمولِ الخِطاب لهما (٧)؛ لقوله: «صلُّوا كما رأيْتُموني أُصلِّي»، (إِلاَّ أَنَّهَا تَجْمَعُ (٨) نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)؛ أي: لا يُسنُّ لها التَّجافِي؛ لما رَوى يزيدُ بن أبي حَبِيب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتَين تُصلِّيانِ (٩) فقال: «إذا سجدتُما فضمَّا بعضَ اللَّحمِ إلى بعضٍ، فإنَّ المرأةَ لَيستْ في ذلك كالرَّجُلِ» رواه أبو داود في «مراسيله» (١٠)، ولأنَّها

стр. 797

عورةٌ، فكان الألْيَقُ بها الاِنضمامَ. وذَكَر في «المستوعب» وغيره: أنَّها تَجمع نفسَها في جميع أحوال الصَّلاة؛ لقول عليٍّ ﵁ (١). (وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً)؛ لأنَّ ابنَ عمر كان يأمر النِّساء أن يتربَّعْنَ في الصَّلاة (٢). (أَوْ تَسْدِلُ (٣) رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا)، وكذا في «الخِرَقِيِّ» و «المحرَّر» و «المذهب»، ونَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّه غالِبُ فعل عائشةَ (٥)، وأشْبهُ

стр. 798

بجِلسة الرَّجل، وأبلَغُ في الإكمال والضَّمِّ، وأسهلُ عليها. وظاهره (١): أنَّها مخيَّرة بين الجلوس متربِّعةً أو السَّدلِ؛ لاستوائهما، ولكن السَّدل أفضل، نَصَّ عليه (٢)، واختاره في «شرح الهداية». ولا تَجهَر بقراءة إن سمعها أجنَبِيٌّ، وإلاَّ جَهَرت كذِكْرٍ. (وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٣): يُسنُّ، قدَّمه ابنُ تميمٍ والجَدُّ، وهو عُمومُ كلامِ الأصحابِ؛ «لأنَّ أمَّ سلمة كانت تَرفَع يدَيها (٤)، ورواه (٥) سعيدٌ عن أمِّ الدَّرداء (٦)، ورواه الخلاَّلُ عن حفصةَ بنتِ سِيرِينَ (٧)، وقياسًا على الرَّجل. والثَّانيةُ: لا يُسنُّ، جزم بها في «الوجيز»، قال القاضي، وتبعه في «الشَّرح»: لأنَّه في معنى التَّجافِي. فعلى هذا: هل (٨) يُكرَه أو يجوز؟ على روايتَين.

стр. 799

والثَّالثة: تَرفَع (١) دونه (٢)، قاله أبو بكر، وهو أوسط الأقوال، قاله المجْدُ. فائدةٌ: لم يتعرَّض المؤلِّف لذِكر الخُنثى المُشكِلِ، وحكمُه: كامرأةٍ، قاله ابن تميمٍ وابنُ حمدانَ وغيرُهما.

стр. 800

(فَصْلٌ) يُستحَبُّ الذِّكْرُ والاستغفارُ ثلاثًا؛ كما ورد في الأخبار (١)، ذكره في «الشَّرح» وغيرِه. قال في «المستوعب» و «الرِّعاية»: ويَقرأُ آيةَ الكرسِيِّ، وكذا المعوِّذتَين، زاد بعضهم: و ﴿قل هو الله أحد﴾، ولم يذكره الأكثر. ويُسبِّح ثلاثًا وثلاثين، ويَحمَد كذلك، ويكبِّر أربعًا وثلاثين؛ للخبر (٢)، ذكره في «المستوعب» و «المذهب» وغيرهما، قالوا: ويقول لا إله إلاَّ الله وحده لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ يحيي ويميت (٣)، وهو على كلِّ شَيءٍ قديرٌ. وفي «المستوعب» وغيره: وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير. كذا قالوا، واتِّباعُ السُّنَّة أَوْلى. ويَفرُغ من عدد ذلك معًا؛ قاله أحمدُ في رواية أبي داود (٤)؛ للنَّصِّ (٥). وعنه: يخيَّر بينه وبين إفراد كلِّ جملة.

стр. 801

واختار القاضي الإفراد. ويُستحَبُّ الجهرُ بذلك، وحكى ابن بَطَّالٍ (١) عن أهل المذاهبِ المتبوعةِ خلافَه، وكلام أصحابنا مختلِف، قاله في «الفروع»، قال: (ويتوجَّه: يجهر لقصد (٢) التَّعليم فقط، ثمَّ يتركه). والمقصود من العدد: ألا يَنقُص منه، وأمَّا الزِّيادة فلا تَضُرُّ شيئًا، لا سيما من غير قصد؛ لأنَّ الذِّكرَ مشروعٌ في الجملة، فهو يُشبِه (٣) المقدَّر في الزَّكاة إذا زاد عليه. ويُشرَع للإمام أن يدعوَ بعد الفجر والعصر؛ لحضور الملائكة فيهما، فيؤمِّنون على الدُّعاء، والأصحُّ: وغيرِهما، جزم به جماعةٌ، ويستقبِل المأموم، ذكره السَّامَرِّيُّ. ولا (٤) يَخُصُّ نفسَه بدعوةٍ، وإن فَعَل فلا بأسَ، نَصَّ عليه (٥). وقيل: يُكرَه، وهو قول إسحاقَ. ويُشِير إلى السَّماء في دعائه بأُصبُعه، ويُسمِعُه المأمومَ. وقيل: إن قصد تَعليمه (٦)، وإلاَّ خَفَضَ صوته كالمأموم والمنفرِدِ. وعنه: يُكرَه الجهرُ مطلقًا. ولا يَجِبُ الإنصاتُ، خلافًا لابنِ عَقيل. قال ابنُ تميم: (ويُستحَبُّ للمأموم (٧) ألا ينصرِف قبل إمامه، إلاَّ أن يُطيل

стр. 802

الجلوسَ، فإن كان رجالٌ ونساءٌ؛ استُحبَّ أن يَقُمْنَ عُقَيْبَ سلامِه، ويَثبُتُ الرِّجالُ قليلاً). ويَنصرِف كيف شاء عن يمينه وشماله، وهو في الصَّحيح، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وقال: (العملُ عليه عند أهل العلم) (١). وفي «الرِّعاية»: ينصرِف عن يمينه. وقيل: أو عن يساره إن سَهُل. قال القاضي: يمينُه أَوْلى إلاَّ أن يكونَ جِهةُ انصرافه غيرها. ومن أَدَبِ الدُّعاء: بَسْطُ يدَيه، ورفعُهما إلى صدره، وكشفُهما أَوْلى. وذَكَر جماعةٌ: أنَّ الدُّعاء للرَّهْبة بظَهْر الكَفِّ؛ كدُعائه ﵇ في الاِستسقاء (٢). والبَداءة بحمد الله تعالى، والثَّناء عليه، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (٣): وخَتْمُه به، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ أوَّلَه وآخِرَه، قال الآجُرِّيُّ: ووسَطه. وسؤالُه بأسمائه وصفاته بدعاءٍ جامِعٍ مأثورٍ، ويكون متطهِّرًا مستقبِلَ

стр. 803

القِبلة، ويلحُّ، ويكرِّره (١) ثلاثًا، ولا يَسأَم من تَكراره في أوقاتٍ، ولا يَعجَل، ويَنتَظِرُ الفرَج من الله تعالى، ويَجتنِب السَّجع. وسُئل ابن عَقيل: هل يجوز أن يقال: في القرآن سَجْعٌ؟ فأجاب (٢) بالجواز، قال ابن الصيرفي: لو سكت عن هذا كان أحسنَ. ولا يَعْتَدِ (٣) فيه. ويَبدأ بنفسه، ويَعُمُّ، ويؤمِّن المستمِع، وتأمينُه في أثناء دعائه وخَتْمه به (٤) متَّجِه. ويُكرَه رفع بصره، وظاهر كلامِ جماعةٍ خلافه (٥). وشرْطُه الإخلاصُ، قال الآجُرِّيُّ: واجتناب الحرام، وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: أنَّه من الأدب، وقال الشّيخ تقِيُّ الدِّين: تَبعُد إجابتُه إلاَّ مُضْطَرًّا أو مظلومًا (٦). «وكان النَّبيُّ ﷺ إذا اجتهد في الدُّعاء قال: يا حيُّ يا قيُّوم» رواه التِّرمذي من رواية إبراهيم بن الفضل، وهو ضعيفٌ (٧).

стр. 804

(فَصْلٌ) (وَيُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ)، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز» وغيرهما؛ لما روتْ عائشةُ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الاِلتفاتِ في الصَّلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشَّيطانُ من صلاة العبدِ» رواه البخاري (١)، وعن أنَسٍ مرفوعًا قال: «إيَّاكَ والاِلتفاتَ في الصَّلاة؛ فإنَّ الاِلتفاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فإن كان لا بدَّ ففي التَّطوُّع لا الفريضة» (٢)، ولأنَّه يكون به خارِجًا وجهُه عن جهة الكعبة، وأقلُّ ما فيه الكراهة. ويُستثنَى منه: ما إذا كان لحاجةٍ فإنَّه لا يُكرَه؛ لما رَوى ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى وهو يَلتفِتُ إلى الشِّعبِ» رواه أبو داود، ورواه النَّسائي، وفيه: «وكان أرسل فارسًا إليه يَحرُسُ» (٣). وعلى الأوَّل: لا تَبطل الصَّلاةُ به إلاَّ أن يَستَدِيرَ عن القِبلة بجُملته أو يَستَدبِرها، ما لم يكُنْ في الكعبة، أو يختلِف اجتهادُه فيها، أو في شدَّة خوفٍ، فإن استدار بصدره مع وجهه؛ لم تَبطُل، ذكره ابن عقيل والمؤلِّف،

стр. 805

خلافًا لابن تميمٍ وغيرِه. (وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ) وِفاقًا (١)؛ لما رَوى أنَسٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما بالُ أقوامٍ يَرفَعونَ أبصارَهم إلى السَّماءِ في صلاتِهم؟!» فاشتدَّ قولُهُ في ذلك حتَّى قال: «ليَنتَهُنَّ عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم» رواه البخاري (٢). وكذا يُكرَه تغميضُه، نَصَّ عليه، واحتجَّ بأنَّه فعل اليهود (٣)، ولأنَّه يغير هَيئةَ المصلِّي، وربِّما كان سببًا للنَّوم، فأمَّا مع الحاجة فلا. وقد نقل أبو داود: إِنْ نظر أمَتَه عُريانة غمَّض عينيه (٤). (وَافْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ فِي السُّجُودِ)؛ أي: يَمُدُّهما على الأرض مُلصِقًا لهما بها؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «اعتَدِلوا في السُّجودِ، ولا يَبسُط أحدُكم ذراعَيهِ انبِساطَ الكلبِ» متَّفَقٌ عليه من حديث أنس (٥)، قال التِّرمذِيُّ: (وأهل العلم يختارونه) (٦). (وَالْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ)، ذكره معظم الأصحاب، وفي «الشَّرح»: أنَّه الأَوْلى؛ لما روت عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَفرشُ رجلَهُ، وينصبُ اليُمنى، ويَقْعُدُ على مقعَدتِهِ» متَّفقٌ عليه (٧)، وعن أبي هريرة قال: «نهاني النَّبيُّ ﷺ عن ثلاثٍ: عن نَقرةٍ كنقرةِ الدِّيكِ، وإقْعاءٍ كإقعاءِ الكلبِ، والْتِفاتٍ كالْتِفاتِ الثَّعلَبِ» رواه أحمد (٨)، ولأنَّه يَتضمَّن ترك الافتراشِ المسنون فعلاً وقولاً،

стр. 806

فكان مكروهًا، وحينئذ (١) لا تَبطُل به. وقال ابن حامِدٍ، والقاضي في «شرحه الصَّغير»: تَبطُل به. وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه يُكرَه الإقعاءُ من غير حاجةٍ. وعنه: هو (٢) جائزٌ، روى مهنَّى عنه: (لا أفعله، ولا أَعِيبُ على من يفعله، العبادلة (٣) كانوا يفعلونه) (٤). (وَهُوَ أَنْ يَفْرُشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ كذا فسَّره الإمامُ أحمدُ (٥)، واقتصر عليه في «المغني» و «الفروع».

стр. 807

قال أبو عُبَيدٍ: (هو (١) قول أهل الحديث، فأمَّا عند العرب: فهو جلوس الرَّجل على أَليتَيه ناصبًا فخِذَيه مثل إقعاء الكلب) (٢)، قال في «المغني»: (ولا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصِّفة). وقيل: هو ألا يَمُدَّ ظَهرَيْ قدمَيه ويجلسُ على عقبيه أو بينهما على أَليتَيه، أو يَنصبُ قدمَيه ويجلِس بينهما، أو عليهما، أو يَفرشُهما (٣) ويجلِس عليهما، أو يجلس (٤) على ركبتيه وأليتيه مع نصب ركبتيه أو فخِذَيه. وذكر في «الرِّعاية» روايةً: أنَّ هذا كلَّه يُسنُّ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ)؛ لقول طاوس لابن عبَّاس في الإقعاء على القدمَينِ فقال: «هي السُّنَّةُ»، قال: قلنا: إنَّا لنراه جَفاءً بالرَّجل، فقال: «هي سنَّةُ نبيِّك ﷺ » رواه مسلم (٥). (٦) مسألة: يُكرَه أن يَعتمدَ على يده أو غيرها وهو جالسٌ؛ لقول ابن عمر: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن يجلسَ الرَّجلُ في الصَّلاةِ وهو معتمدٌ (٧) على يدِهِ» رواه أحمدُ وأبو داود (٨). وأن يَستَنِد إلى الجدار ونحوه؛ لأنَّه يزيل مشقَّة القيام إلاَّ من حاجة؛ «لأنَّه ﵇ لمَّا أسنَّ وأخذه اللَّحم؛ اتَّخذ عَمودًا في مصلاَّه يَعتمِد عليه» رواه أبو داود (٩).

стр. 808

فإن كان يَسقُط لو أزيل؛ لم يصحَّ، ونقل الميموني: (لا بأس بالاستناد إليه) (١)، وحُمل على الحاجة. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ)؛ أي: بوله (٢) سواءٌ خاف فَوتَ الجماعة أو لا، لا نعلم فيه خِلافًا (٣)؛ لما روتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا صلاةَ بِحضْرةِ طعامٍ، ولا وهو يُدافِعُهُ الأَخبثانِ» رواه مسلمٌ (٤). (٥) والمرادُ به: أن يَبتدِئَ بها مع المُدافَعة، ولأنَّه يَشغَله عن خشوع (٦) الصَّلاة، وحضور قلبه فيها، فإن فعل صحَّت على المذهب، كما لو صلَّى وقلبُه مشغولٌ بشَيء من الدُّنيا. وعنه: يُعيد. وعنه: إن أزعجه، وقاله ابن أبي موسى. ويتوجَّه: أنه (٧) إذا خاف فوت الوقت؛ فإنَّه يصلِّي معها من غير كراهة. وفي معناه الحاقِب، وهو الذي احتبس غائطُه، وعبارتُه في «الفروع» أشملُ، قال ابن أبي الفتح: وفي معناهما من به ريح محتبسة (٨)، فتجيءُ الرِّوايات.

стр. 809

وحكم الجوع المُفرِط والعطش المُفرِط كذلك، قاله بعض أصحابنا، قال ابن عَقيل: إنَّما جمع بينهما الشَّارع؛ لاستوائهما في المعنى. وكذا (١) قال: يُكرَه ما يَمنَعه من إتمام الصَّلاة بخشوعها؛ كحرٍّ وبرْد؛ لأنَّه يُقلِقه (٢). (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ)، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، قال التِّرمذيُّ: (هو أشبه بالاتِّباع) (٣)، وهو يروى (٤) عن أبي بكر (٥) وعمرَ (٦) وابنِه؛ لقوله ﵇: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ»، ولحديث ابن عمر، وهو في الصَّحيحين (٧)، وللبخاريِّ: «كان ابن عمر يُوضَع له الطَّعامُ، وتُقامُ الصَّلاةُ، فلا يأتيها حتَّى يَفرُغَ، وإنَّه يَسمَع قراءة الإمام» (٨). وهذا ما لم يَضِقِ الوقتُ، فإن ضاق؛ فلا يُكرَه بل يَجِبُ. وظاهره: أنَّه إذا لم تَتُقْ نفسُه إليه أنَّه يبدأ بالصَّلاة من غير كراهة.

стр. 810

وقدَّم في «الفروع» وغيره: أنَّه يُكرَه ابتداؤها تائقًا لطعام، والمعنى يقتضيه. وظاهره: سواءٌ كان بحضرته أوْ لا؛ لقول أبي الدرداء: «من فِقْه الرَّجل إقبالُه على حاجته، حتَّى يُقبِل على صلاته وقلبُه فارِغٌ» رواه أحمدُ في «الزُّهد»، والبخاريُّ في «تاريخه» (١). لكنَّ الأوَّلَ (٢) هو ظاهر الأخبار، وعلى هذا إن بدأ بالصَّلاة؛ صحَّت إجماعًا، حكاه ابن المنذر (٣)؛ لأنَّ البَداءة بالطَّعام رُخصةٌ، فإذا لم يفعلها صحَّت كسائر الرُّخص. (وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ)؛ لأنَّه ﵇ رأى رجلاً يَعبَثُ في صلاته فقال: «لو خَشَعَ قلبُ هذا لخضعت (٤) جوارحُهُ» (٥)، قال في «الهداية» (٦) للحنفية (٧): (لأنَّ العبَثَ حرامٌ خارجَ الصَّلاة، فما ظنُّك به فيها؟!)، وخالَفه غيره.
следующие страницы →