← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فكان مكروهًا، وحينئذ (١) لا تَبطُل به. وقال ابن حامِدٍ، والقاضي في «شرحه الصَّغير»: تَبطُل به. وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه يُكرَه الإقعاءُ من غير حاجةٍ. وعنه: هو (٢) جائزٌ، روى مهنَّى عنه: (لا أفعله، ولا أَعِيبُ على من يفعله، العبادلة (٣) كانوا يفعلونه) (٤). (وَهُوَ أَنْ يَفْرُشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ كذا فسَّره الإمامُ أحمدُ (٥)، واقتصر عليه في «المغني» و «الفروع».

стр. 807

قال أبو عُبَيدٍ: (هو (١) قول أهل الحديث، فأمَّا عند العرب: فهو جلوس الرَّجل على أَليتَيه ناصبًا فخِذَيه مثل إقعاء الكلب) (٢)، قال في «المغني»: (ولا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصِّفة). وقيل: هو ألا يَمُدَّ ظَهرَيْ قدمَيه ويجلسُ على عقبيه أو بينهما على أَليتَيه، أو يَنصبُ قدمَيه ويجلِس بينهما، أو عليهما، أو يَفرشُهما (٣) ويجلِس عليهما، أو يجلس (٤) على ركبتيه وأليتيه مع نصب ركبتيه أو فخِذَيه. وذكر في «الرِّعاية» روايةً: أنَّ هذا كلَّه يُسنُّ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ)؛ لقول طاوس لابن عبَّاس في الإقعاء على القدمَينِ فقال: «هي السُّنَّةُ»، قال: قلنا: إنَّا لنراه جَفاءً بالرَّجل، فقال: «هي سنَّةُ نبيِّك ﷺ » رواه مسلم (٥). (٦) مسألة: يُكرَه أن يَعتمدَ على يده أو غيرها وهو جالسٌ؛ لقول ابن عمر: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن يجلسَ الرَّجلُ في الصَّلاةِ وهو معتمدٌ (٧) على يدِهِ» رواه أحمدُ وأبو داود (٨). وأن يَستَنِد إلى الجدار ونحوه؛ لأنَّه يزيل مشقَّة القيام إلاَّ من حاجة؛ «لأنَّه ﵇ لمَّا أسنَّ وأخذه اللَّحم؛ اتَّخذ عَمودًا في مصلاَّه يَعتمِد عليه» رواه أبو داود (٩).

стр. 808

فإن كان يَسقُط لو أزيل؛ لم يصحَّ، ونقل الميموني: (لا بأس بالاستناد إليه) (١)، وحُمل على الحاجة. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ)؛ أي: بوله (٢) سواءٌ خاف فَوتَ الجماعة أو لا، لا نعلم فيه خِلافًا (٣)؛ لما روتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا صلاةَ بِحضْرةِ طعامٍ، ولا وهو يُدافِعُهُ الأَخبثانِ» رواه مسلمٌ (٤). (٥) والمرادُ به: أن يَبتدِئَ بها مع المُدافَعة، ولأنَّه يَشغَله عن خشوع (٦) الصَّلاة، وحضور قلبه فيها، فإن فعل صحَّت على المذهب، كما لو صلَّى وقلبُه مشغولٌ بشَيء من الدُّنيا. وعنه: يُعيد. وعنه: إن أزعجه، وقاله ابن أبي موسى. ويتوجَّه: أنه (٧) إذا خاف فوت الوقت؛ فإنَّه يصلِّي معها من غير كراهة. وفي معناه الحاقِب، وهو الذي احتبس غائطُه، وعبارتُه في «الفروع» أشملُ، قال ابن أبي الفتح: وفي معناهما من به ريح محتبسة (٨)، فتجيءُ الرِّوايات.

стр. 809

وحكم الجوع المُفرِط والعطش المُفرِط كذلك، قاله بعض أصحابنا، قال ابن عَقيل: إنَّما جمع بينهما الشَّارع؛ لاستوائهما في المعنى. وكذا (١) قال: يُكرَه ما يَمنَعه من إتمام الصَّلاة بخشوعها؛ كحرٍّ وبرْد؛ لأنَّه يُقلِقه (٢). (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ)، جزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، قال التِّرمذيُّ: (هو أشبه بالاتِّباع) (٣)، وهو يروى (٤) عن أبي بكر (٥) وعمرَ (٦) وابنِه؛ لقوله ﵇: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ»، ولحديث ابن عمر، وهو في الصَّحيحين (٧)، وللبخاريِّ: «كان ابن عمر يُوضَع له الطَّعامُ، وتُقامُ الصَّلاةُ، فلا يأتيها حتَّى يَفرُغَ، وإنَّه يَسمَع قراءة الإمام» (٨). وهذا ما لم يَضِقِ الوقتُ، فإن ضاق؛ فلا يُكرَه بل يَجِبُ. وظاهره: أنَّه إذا لم تَتُقْ نفسُه إليه أنَّه يبدأ بالصَّلاة من غير كراهة.

стр. 810

وقدَّم في «الفروع» وغيره: أنَّه يُكرَه ابتداؤها تائقًا لطعام، والمعنى يقتضيه. وظاهره: سواءٌ كان بحضرته أوْ لا؛ لقول أبي الدرداء: «من فِقْه الرَّجل إقبالُه على حاجته، حتَّى يُقبِل على صلاته وقلبُه فارِغٌ» رواه أحمدُ في «الزُّهد»، والبخاريُّ في «تاريخه» (١). لكنَّ الأوَّلَ (٢) هو ظاهر الأخبار، وعلى هذا إن بدأ بالصَّلاة؛ صحَّت إجماعًا، حكاه ابن المنذر (٣)؛ لأنَّ البَداءة بالطَّعام رُخصةٌ، فإذا لم يفعلها صحَّت كسائر الرُّخص. (وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ)؛ لأنَّه ﵇ رأى رجلاً يَعبَثُ في صلاته فقال: «لو خَشَعَ قلبُ هذا لخضعت (٤) جوارحُهُ» (٥)، قال في «الهداية» (٦) للحنفية (٧): (لأنَّ العبَثَ حرامٌ خارجَ الصَّلاة، فما ظنُّك به فيها؟!)، وخالَفه غيره.

стр. 811

(وَالتَّخَصُّرُ)، وهو (١) وَضْع يده على خاصرَتِه؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يصلِّي الرَّجلُ مُختَصِرًا» متَّفَقٌ عليه (٢)، ولأنَّه يَمنَع الخضوعَ والخشوعَ، ويَمنَع من وضْع اليمين على الشِّمال. ويُكرَه صلاة الحازِق (٣) من ضيق الخُفِّ، ومن لا يَعقِل غالبًا؛ كخوف أو غضب أو إزعاج وتخبيط ونحوه. (وَالتَّرَوُّحُ) بمِروحةٍ ونحوها، وقاله جماعةٌ منهم عَطاءٌ؛ لأنَّه من العبَث، زاد في «الشَّرح» و «الفروع»: إلاَّ لحاجة كغَمٍّ شديدٍ، نَصَّ عليه (٤). ومُراوحتُه بين رِجلَيه مستحبَّةٌ، وتُكرَه (٥) كثرتُه؛ لأنَّه فعل اليهود. (وَفَرْقَعَةُ (٦) الْأَصَابِعِ)؛ لما رَوى الحارثُ عن عليٍّ قال: «لا تُقَعْقع (٧) أصابعَك، وأنت في الصَّلاة» رواه ابن ماجه (٨).

стр. 812

(وَتَشْبِيكُهَا)؛ لما رَوى كعبُ بنُ عُجرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلاً قد شَبَّك أصابعَه في الصَّلاة، ففرَّج بين أصابعِهِ» رواه التِّرمذيُّ وابن ماجَهْ، وإسنادُه ثِقاتٌ (١)، وقال ابن عمر في الذي يصلِّي وهو مشبِّكٌ أصابعَه: «تلك صلاة المغضوب عليهم» رواه ابن ماجَهْ (٢). مسائل: يُكرَه أن يُصلِّي وبين يدَيه ما يُلهِيه، أو يَنظُر في كتابٍ. وأن يَكفَّ شعْره أو ثوبه أو يُصلِّي وهو معقوص الشَّعر، ولو فعلهما (٣) لِعَمَلٍ قبل صلاته، أو مكتوفُ اليدَين. ومسُّ لِحيتِه. وأن يَمسَح أثَر السُّجود، وفي «المغني»: إكثاره منه، ولو بعْدَ التَّشهُّد، وعنه: وبعد الصَّلاة.

стр. 813

وأن يَنفُخ فيها، ويحرِّك (١) الحصى. وأن يَخُصَّ موضِع جبهته بما يسجد عليه؛ لأنَّه من شعار الرَّافضة. وأن يُعلِّق في قِبلته شيئًا من مصحفٍ وغيرِه، ولا بأس بكونه على الأرض، وأن يكتب في القِبلة، وأن يصلِّيَ وبين يديه نجاسةٌ أو بابٌ مفتوحٌ، أو إلى نارٍ من قِنديلٍ وشَمْعةٍ. والرَّمزُ بالعين، والإشارة لغير حاجةٍ، وإخراجُ لسانه، وفتحُ فمِه، ووضعه فيه شيئًا لا بيده، نَصَّ عليه (٢). وأن يَستصحِب ما فيه صورةٌ من فصٍّ أو ثوبٍ. وصلاتُه إلى متحدِّثٍ أو نائمٍ، نَصَّ عليه (٣)، وعنه: لا يُكرَه النَّفل. وإلى كافِرٍ، وصورةٍ منصوبةٍ، نَصَّ عليهما (٤)، وظاهره: ولو كانت صغيرةً لا تبدو للنَّاظِرِ إليها، وأنَّه لا يكره إلى غير منصوبةٍ (٥)، ولا سجوده على صورةٍ، ولا صورة خلفه في البيت، ولا فوق رأسه في سقف، أو عن أحد جانِبَيه، وإلى وجه آدمي، نَصَّ عليه (٦). وفي «الرِّعاية»: أو حيوانٍ غيرِه. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه كان ﵇ يَعرِض راحلتَه ويصلِّي إليها (٧). وإلى امرأةٍ تُصلِّي بين يدَيه.

стр. 814

وإن غلَبه تثاؤبٌ في صلاته؛ كَظَمَ، فإن أبى استُحبَّ وضعُ يده على فيه على الأصحِّ؛ للخبر (١). ولا يقال: تثاوُبٌ، بل تثاؤُبٌ. (وَ) يُستحَبُّ (لَهُ رَدُّ المَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»، وهو قولُ أكثرِ العلماء (٢)؛ لما رَوى أبو سعيدٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «إذا صلَّى أحدُكم إلى شَيءٍ يَستُرُه من النَّاسِ، فأرادَ أحدٌ أن يَجتازَ بين يدَيه؛ فلْيَدفَعْهُ، فإنْ أبى فلْيُقاتِلْهُ، فإنَّما هو شَيطانٌ» متَّفَقٌ عليه (٣)، وعن ابن عمر مرفوعًا: «إذا كان أحدُكم يُصلِّي فلا يَدَعَنَّ أحدًا يَمُرُّ بين يدَيه، فإن أبى فليقاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرينَ» رواه مسلمٌ (٤). وعنه: يَجبُ ردُّه، آدميًّا كان أو غيرَه، في الفرض والنَّفل في ظاهِرِ كلامِهم؛ لظاهر الأخبار. وعنه: يَختصُّ بالفرض (٥). وظاهِرُ كلامِهم: سواءٌ كان بين يدَيه سُترةٌ فمرَّ دونها، أو لم يكن فمرَّ قريبًا منه. وقيل: قدر خطوتَين بحيث لو مشى وردَّه؛ لم تَبطُل، وصرَّح به في «الكافي»؛ لأنَّه موضِعُ سجوده، أشْبه مَنْ نصب سُترةً، ولأنَّ المراد بنصبها الإعلامُ بأنَّه في الصَّلاة، وفي الدَّفع إعلامٌ صريحٌ.

стр. 815

وقيل: هو يَختصُّ (١) بمن بين يدَيه سُترةٌ إذا مرَّ دونها، وهو ظاهِرُ «الرِّعاية» وغيرِها، والنَّصُّ شاهِدٌ له. وهذا ما لم يَغلِبْه أو يَكنْ محتاجًا، بأن كان الطَّريقُ ضيِّقًا، أو تتعيَّنُ (٢) طريقًا، ويُكرَه (٣) الصَّلاةُ هناك، ذكره في «المذهب»، ولا يَحرُمُ. أو في مكَّةَ المشرَّفةِ في روايةٍ، قدَّمها ابن تميمٍ؛ لأنَّه ﵇ «صلَّى بمكَّةَ والنَّاسُ يَمُرُّون بين يدَيه، وليس بينهما سُتْرةٌ» رواه أحمد وغيره (٤). وأَلْحقَ في «المغني»: الحرَم بمكَّةَ. وظاهِرُه: لا فرْقَ بين مكَّةَ وغيرِها، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وأطلق في «الفروع» الخلافَ. فإن تركه يَمُرُّ؛ نَقَصَتْ صلاتُه، نَصَّ عليه (٥)، وحمله القاضي: إن تركه قادرًا. فإن أبى؛ دفعه، فإن أصرَّ؛ فله قتاله على الأصحِّ ولو مشى، فإن خاف فسادَها؛ لم يكرِّر دَفعَه (٦)، ويَضمَنه (٧) على الأصحِّ فيهما.

стр. 816

والمذهبُ: يَحرُم مرورُه بين مُصلٍّ وسُتْرتِه، وظاهِرُه: ولو بَعُدَ منها؛ لما روى أبو جُهَيمٍ عبدُ الله بن الحارث بن الصِّمَّةِ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلمُ المارُّ بين يدَيِ المصلِّي ماذا عليه؛ لكانَ أن يقفَ أربعينَ خيرًا له من أن يَمُرَّ بين يدَيه»، قال أبو النَّضر أحدُ رواته: لا أدري؛ أقال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنَةً، متَّفَقٌ عليه (١). وكذا يَحرُم بين يدَيه قريبًا منها إذا لم يكن سُتْرةٌ في الأصحِّ، وهو ثلاثةُ أذرُعٍ، وقيل: العُرْفُ، لا مَوضِعُ (٢) سجودِه. وفي «الفصول» و «التَّرغيب»: يكره. وقيل: النَّهيُ مختصٌّ بما بينه وبين سُتْرتِه، وحكى ابنُ حَزم الاتِّفاقَ على إثمه في هذه الصُّورة (٣). فرع: للمصلِّي دفْع العدوِّ من سَيلٍ أو سَبُعٍ (٤) أو سقوطِ جدارٍ ونحوِه، وإن كثُر لم تَبطُل (٥) في الأشهر. (وَ) له (عَدُّ الآيِ)، زاد ابن تَميمٍ والجَدُّ: بأصابِعه؛ لما روى أنَسٌ قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَعقِدُ الآيَ بأصابعِهِ» رواه محمَّد بن خَلَف (٦)، وكتكبيرات العيد.

стр. 817

(وَالتَّسْبِيحِ)؛ لأنَّه في معنى عدِّ الآي، قاله أبو بكر، وصحَّحه ابن أبي موسى، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ، وجزم به في «المحرَّر». ونصَّ أحمدُ: أنَّه يُكرَه (١)؛ لأنَّ المنقولَ عن السَّلف عدُّ الآي دون التَّسبيح؛ لأنَّه يتوالى لقصره، فتتوالى حسناته (٢)، فيكثر العمل، بخلاف عدِّ الآي، وأطلق ابن الجوزي والجَدُّ الخلافَ. (وَقَتْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ) في قول أكثرهم؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتل الأسودَين في الصَّلاة؛ الحيَّةِ والعقربِ» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذيُّ (٣). وكرهه النَّخَعيُّ، والأوَّلُ أَوْلى. (وَالْقَمْلَةِ)؛ لأنَّ عمرَ (٤) وأنَسًا (٥) والحسنَ البصريَّ كانوا يفعلونه (٦)، ولأنَّ

стр. 818

في تركها أذًى له إن تركها على جسده، ولغيره إن ألقاها، وهو عملٌ يسيرٌ، فلم يُكرَه. وعنه: بلى. وقال القاضي: التَّغافُل عنها أَوْلى. وفي جواز دفنها في مسجد وجهان (١). وظاهِرُه: أنَّه يباح (٢) قتلُها فيه، وهو المنصوص (٣)، وعليه أن يُخرجَها أو يَدفِنها، قيل للقاضي: يكره قتْلُها ودفنُها فيه كالنُّخامة؟ فقال: دفْنُ (٤) النُّخامة كفَّارة لها، فإذا دفنها كأنه (٥) لم يتنخَّم، فكذا القَملة. وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ أعماقَه تَجِب صيانتُه عن النَّجاسة كظاهره، بخلافها (٦). وفي معناه البُرغوثُ، نقل المَرُّوذِيُّ أنَّه سئل عن قتل القملة والبُرغوث (٧) في المسجد؛ فقال: أرجو ألا يكون به بأس (٨). فائدة: له حكُّ جسده يسيرًا. وقيل: ضرورةً. ويجب ردُّ كافرٍ عُصِم دمُه عن بئر في الأصحِّ؛ كمسلم؛ فيقطع (٩)، وقيل: يتم (١٠).

стр. 819

وكذا إن فرَّ منه غريمُه؛ يخرُج في طلَبِه، وكإنقاذِ غريقٍ. (وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَ) لَفُّ (الْعِمَامَةِ)؛ لما روى وائلُ بنُ حُجْرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ الْتَحف بإزاره وهو في الصَّلاة» (١)، وكذا إن سقط رداؤه فله رفعُه، ولأنَّه عَمَلٌ يسيرٌ أشبهَ حملَ أُمامةَ (٢)، وفَتْح البابِ لعائشةَ (٣). (مَا لَمْ يَطُلْ)، راجِعٌ إلى قوله: (وله ردُّ المارِّ … ) إلى آخره؛ لأنَّه قد صحَّ عنه جوازُ أكثرِ هذه الأفعالِ. (فَإِنْ طَالَ)؛ أي: كثُرَ (الْفِعْلُ (٤) عُرفًا بلا ضرورةٍ، وقيل: ثلاثًا، وقيل: ما ظُنَّ فاعلُه لا في صلاةٍ، (فِي الصَّلَاةِ) مُتوالِيًا؛ (أَبْطَلَهَا) إجماعًا (٥)، (عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا)، إذا كان من غير جنس الصَّلاة؛ لأنَّه يَقطع الموالاةَ، ويَمنَع مُتابعة (٦) الأذكار، ويُذهب الخشوعَ فيها، ويغلب على الظَّنِّ أنَّه ليس فيها، وكلُّ ذلك منافٍ لها، أشبه ما لو قطعها. فإن كان لضرورةٍ؛ لم يقطعْها، وكان حكمُه حكمَ الخائفِ، جزم به في «الشَّرح» وغيرِه.

стр. 820

وعُلم منه (١): أنَّه لا فرق بين العمد والسَّهو؛ كما جزم به الأصحابُ؛ لوجود المبطِل. وعنه: لا تَبطُل (٢) بالسَّهو، اختاره المجْدُ. وعلى الأوَّل: يحتاج إلى الفرق بين الأقوال والأفعال؛ لأنَّه إذا تكلم ساهيًا؛ فيه الخلافُ، بخلاف الفعل؛ إذ القول أخفُّ من الفعل، بدليل أنَّها تَبطُل بتَكرار السُّجود دون تَكرار الفاتحة. (إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا)؛ فلا تَبطُل به (٣) ولو طال المجموعُ، لا كلُّ عَمَلٍ منها، «لأنَّه ﵇ أمَّ النَّاسَ في المسجد، فكان إذا قامَ حملَ أمامةَ بنتَ زينبَ، وإذا سجدَ وضعَها» رواه مسلمٌ، وللبخاريِّ نحوُه (٤)، «وصلَّى ﵇ على المنبر، وتكرَّر صعودُه ونزولُه عنه» متَّفَقٌ عليه (٥)، وأخَذَ الحسنَ والحُسينَ في كلِّ الرَّكعات متفرِّقًا (٦).

стр. 821

وقيل: تَبطُل (١) به، ذكره ابن تميم. فرع: إشارةُ أخرسَ، مفهومةً أو لا؛ كفعلٍ (٢). ولا تَبطُل (٣) بعمل القلب في ظاهِرِ المذهب، ولا بإطالةِ نَظَرٍ في كتاب في الأصحِّ. (وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ)؛ لعدم نقل (٤) ذلك، وهي ركن، واختُلف في تكرارها، وأقلُّ أحواله الكراهة. (وَالْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فِي الْفَرْضِ) في روايةٍ؛ لأنَّه خلافُ السُّنَّةِ المأثورةِ. والثَّانية: لا يُكرَه، وهي الصَّحيحةُ؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «لقد عرفتُ النَّظائرَ التي كان رسول الله ﷺ يقرن (٥) بينهنَّ، فذكر عِشرينَ سُورةً من المفصَّلِ، سورتَين في كل (٦) ركعة» متَّفَقٌ عليه (٧)، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يقرأ في المكتوبةِ بالسُّورتَين في ركعةٍ (٨)» رواهُ مالِكٌ (٩)، وكتَكرار سورةٍ في ركعةٍ، وتفريقِ سورةٍ في ركعتَين، نَصَّ عليهما (١٠). لكن لا تُستحَبُّ (١١) الزِّيادةُ على سورةٍ في ركعةٍ، ذَكَره جماعةٌ؛ لفعله ﵇.

стр. 822

وعنه: تُكرَه (١) المداومةُ. (وَلَا يُكْرَهُ (٢)؛ أي: الجمعُ بين سُوَرٍ (فِي النَّفْلِ)؛ قال في «الشَّرح»: روايةً واحدةً؛ «لأنَّه ﵇ قرأ في ركعةٍ سورةَ (٣) البقرة وآل عمران والنِّساء» (٤)، و «كان عثمانُ يَختِم القرآنَ في ركعةٍ» (٥)، وقال أحمد: صلَّيتُ ركعتَين ختَمتُ فيهما القرآن (٦). وقيل: يُكرَه، وهو بعيدٌ. (وَلَا تُكْرَهُ (٧) قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا)، وهو المشهور عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المُزّمل: ٢٠]، ولقول أبي سعيدٍ: «أُمِرنا أن نقرأ الفاتحةَ وما تيسَّر» رواه أبو داودَ (٨)، وعن ابنِ مسعودٍ: «أنَّه كان يقرأ في الآخِرة (٩) من صلاة الصُّبح آخر آل عمران وآخر الفرقان» رواه الخلاَّلُ (١٠)،

стр. 823

قال الحسنُ: (غزوتُ مع ثلاثمائةٍ من الصَّحابة، فكان أحدُهم يقرأ إذا أمَّ أصحابَه بخاتِمةِ البقرة وبخاتِمةِ الفرقان وبخاتِمةِ الحشر، وكان لا يُنكِر بعضُهم على بعضٍ) (١). (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) في الفرض، نقلها المَرُّوذِيُّ، وقال: (سورةٌ أعجب إليَّ) (٢). قال المَرُّوذِيُّ: كان لأبي عبد الله قَرابةٌ يُصلِّي به، فكان يقرأ في الثَّانية من الفجر بآخِرِ السُّورة، فلمَّا أكثر؛ قال أبو عبد الله: تقدَّم أنت فصلِّ، فقلت له: هذا يصلِّي بكم منذ كم؟ قال: دعْنا منه، يَجيء بآخِرِ السُّورة، وكرهه (٣). قال المؤلِّف: (ولعلَّ أحمدَ إنَّما أحبَّ اتِّباعَ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ المنقولَ عنه قراءةُ السُّورةِ أو بعضِها من أوَّلِها). وعنه: تُكرَه (٤) المداومةُ. وعنه: قراءةُ الأوساطِ لا الأواخِرِ؛ لعدَم نقله. وظاهره: جواز قراءة أوائل السور، وصرَّح به بعضهم. وتُكرَه (٥) قراءةُ كلِّ القرآن في فرضٍ. وعنه: لا؛ كفرائضَ. تذنيبٌ: يُستحَبُّ أن يقرأ كما في المُصحف، ويُكرَه تنكيسُ السُّوَر في ركعةٍ أو ركعتَين؛ كالآيات. وعنه: لا، اختاره المجْدُ وغيرُه؛ للأخبار، واحتجَّ أحمدُ بأنَّه ﵇

стр. 824

تَعلَّم (١) على ذلك (٢)، فدلَّ على التَّسوية. وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: (ترتيب الآيات واجِبٌ؛ لأنَّ ترتيبَها بالنَّصِّ، وترتيب السُّوَر بالاجتهاد في قول الجماهير، فتجوز قراءةُ هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوَّعت مصاحفُ الصَّحابة في كتابتها، لكن لمَّا اتَّفَقوا على المُصحف زمنَ عثمانَ؛ صار هذا ممَّا سنَّه الخلفاءُ الرَّاشدون) (٣). وعلَّل المجْدُ كراهةَ تنكيسِ الآيات: بأنَّه مظنَّةُ تغييرِ المعنى بخلاف السُّوَر، إلاَّ ما ارتبطتْ وتعلَّقتْ (٤) بالأُولى؛ كسورةِ قرَيش مع الفيل على رأيٍ، فحينئذٍ يُكرَه، ولا يبعد (٥) تحريمه عمدًا؛ لأنَّه تغييرٌ لموضِعِ السُّورة. فإن نكَّس الكلماتِ؛ حرُم وبطَلتْ. (وَ) يُشرَع (لَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ)؛ قاله عامَّةُ الأصحاب، ورُوي عن عثمانَ (٦) وابنِ عُمرَ (٧)، ورواه البَيهَقِيُّ بإسنادٍ حسَنٍ عن عليٍّ (٨).

стр. 825

وظاهِرُه: لا فرْقَ بين الفرض والنَّفل في القراءة الواجبة أو غيرها. وعنه: إن طال. وعنه: في نفل. وقيل: إن سكت. وقيل: يجوز في الفرض في الحمد (١) وفي النَّفل مطلقًا. وعنه: تَبطُل (٢) به؛ لقوله ﵇: «يا عليُّ لا تَفتَح على الإمامِ» رواه أبو داودَ بإسنادٍ فيه ضعفٌ، قال الشَّعْبيُّ: فيه الحارِثُ، وكان كذَّابًا (٣). وقيل: تَبطُل بتجرُّده للتَّفهيم. والأوَّل أصحُّ؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى صلاةً فَلُبِسَ عليه، فلمَّا انصرف قال لأُبَي: «صلَّيتَ (٤) معنا؟» قال: نَعمْ، قال: «فما مَنَعك؟» رواه أبو داود، وقال الخَطَّابيُّ: (إسنادُه جيِّدٌ) (٥)، ولأنَّه تنبيهٌ فيها بما هو مشروع، أشبه التَّسبيح. فعلى هذا: يجب في الفاتحة؛ كما لو نَسيَ سجدةً. وقيل: لا يَجِب فيها كغيرها. وظاهِرُه: أنَّها لا تَبطُل، ولو فتَح بعد أخذه في قراءة غيرها.

стр. 826

فإن عجز عن إتمام ما أُرْتِج عليه؛ فقال ابن عَقيل: يَسقُط وتصحُّ (١) صلاتُه، وصلاةُ الأمِّيِّ خلفه دون القارئ؛ فإنَّه يُفارِقُه، ويُتمُّ لنفسه. وقيل: عليه أن يخرج. ثمَّ إن استخلف من يُتمُّ بهم وصلَّى معه؛ جاز، وإلاَّ تعلَّم ما أُرْتِجَ عليه ثمَّ صلَّى، صحَّحه المؤلِّف، قال ابنُ تميمٍ وغيرُه: وهو أظهر. وظاهره: أنَّه لا يَفتَح على غير إمامه، نَصَّ عليه؛ لأنَّ ذلك يشغَله عن صلاته، فإن فعل؛ لم تَبطُل، قاله (٢) في «الشَّرح»، وكما لو فتح (٣) غير المصلِّي عليه. تنبيه: إذا عطَس، أو بُشِّر بما يَسُرُّه، فقال: الحمدُ لله، أو أَخبَره بما يغمُّه فقال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله، أو خاطَب بشَيءٍ من القرآن؛ لم تَبطُل (٤) على الأصحِّ؛ للأخبار. لكنْ يُكرَه لعاطِس الحمدُ (٥)، ونقل أبو داودَ: (يَحمَد في نفسِه، ولا يُحرِّك لسانَه) (٦)، فلو عطَس حال شروعه في الحمد، فنوى القراءةَ لمَّا عطَس؛ فهل يجزئ عن فرض؟ على وجهين.

стр. 827

وقال القاضي: إذا قصد (١) بالحمد الذِّكرَ أو القرآنَ؛ لم تَبطُل، فإن قصد خطابَ آدَمِيٍّ؛ بطَلتْ، وإن قصدهما؛ فوجهان. (وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ)؛ أي: أمْرٌ (مِثْلُ سَهْوِ إِمَامِهِ)؛ كما لو أتى بفعلٍ في غيرِ محلِّه؛ لزِم المأمومَ تنبيهُه، (أَوِ اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ) داخِلٍ (عَلَيْهِ؛ سَبَّحَ إِنْ كَانَ رَجُلاً)، ولو كثُر، ويجوز بقراءةٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ في الأظهرِ. (وَإِنْ (٢) كَانَتِ امْرَأَةً؛ صَفَّحَتْ)، وفي «المحرَّر» و «الوجيز»: صفَّقتْ، وهما سواءٌ، ومعناهما متقارِبٌ. وقيل: التَّصفيحُ: الضَّربُ بظاهر إحداهما على باطن الأخرى. وقيل: بأصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى. والتَّصفيق: الضَّربُ بجميع إحدى الصَّفحتَين على الأخرى، نقله القاضي عِيَاضٌ (٣). (بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى)؛ لقوله ﵇ في خبر سَهْلٍ: «إذا نابَكُم شيءٌ في صلاتِكم فليسبِّح الرِّجالُ، وليصفِّحِ النِّساءُ»، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «التَّسبيحُ للرِّجالِ، والتَّصفيقُ للنِّساءِ» متَّفق عليهما (٤). وظاهِرُه: أنَّها لا تُسبِّح، بل هو مكروهٌ، نَصَّ عليه (٥)؛ كتصفيقه وتطبيقٍ (٦) وصفيرٍ، ويُكرَه بنَحنحةٍ (٧) في الأصحِّ. وشرط التَّصفيق: ما لم يَطُلْ، قاله في «الفروع»، وهو مُرادٌ.

стр. 828

وظاهِرُ ذلك: لا تَبطُل (١) بتصفيقها على جهة اللَّعب، قال في «الفروع»: (ولعلَّه غير مراد، وتَبطُل به لمنافاته الصَّلاة (٢)، والخُنثى كامرأةٍ. فرع: إجابةُ النَّبيِّ ﷺ كان (٣) واجبةً في الصَّلاة مطلَقًا، نَصَّ عليه (٤)، وإن قرأ آية فيها اسمه صلَّى عليه في نفل نصًّا، وأطلقه بعضُهم. ولا يُجيب (٥) الوالدَ في نفل إن لزِم (٦) بالشروع، وسأله المَرُّوذيُّ عنها، فقال: (يُروى عن ابنِ المُنكَدِر (٧): إذا دعتك أمُّك فيها فأجِبْها، وأبوك لا (٨) تُجِبْه) (٩)، وكذا (١٠) الصَّوم. (وَإِنْ بَدَرَهُ البُصَاقُ)، ويقال بالسِّين والزَّاي أيضًا، أو المُخاطُ، أو النُّخامةُ؛ (بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ)، وحكَّ بعضَه ببعضٍ؛ إذهابًا لصورته إن كان في المسجد؛ لما روى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ أحدُكم في صلاتِهِ فإنَّه يناجِي ربَّهُ، فلا يَبزُقنَّ قِبَلَ قِبلتِهِ، ولكنْ عن يسارِهِ أو تحت قدمه، ثمَّ أخذ طرفَ ردائِهِ فبزَقَ فيه، ثمَّ ردَّ بعضَه على بعضٍ» رواه البخاري (١١)، ولمسلمٍ

стр. 829

معناه من حديث أبي هُرَيرةَ (١)، ولما فيه من صيانة المسجد عن البُصاق فيه (٢)، قال أحمد: (البُزاق في المسجد خطيئةٌ، وكفَّارتُه دفْنُه؛ للخبر (٣) (٤)، قال أبو الوفاء: لأنَّ بدفنِه تزولُ القذارةُ. واختار المجْدُ: يجوز في بقعةٍ يدفن فيها ويُخَلَّقُ موضعُها استحبابًا. ويَلزَم غيرَه إزالتُها إن لم يُزِلها فاعلُها؛ لخبر أبي ذرٍّ (٥). (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ المَسْجِدِ؛ بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)، قاله جماعةٌ؛ لقوله ﵇: «لِيَبصُق عن يسارِهِ أو تحتَ قدمِهِ اليُسرى» (٦). وظاهِرُه: أنَّه يُكرَه أن يَبصُق أمامه أو عن يمينه؛ لخبر أبي هريرة: «وليَبصُق عن يسارِهِ أو تحت قدمِهِ (٧) فيَدفِنُها» رواه البخاريُّ (٨)، ولأبي داود بإسنادٍ جيِّدٍ عن حُذَيفةَ مرفوعًا: «مَنْ تفلَ تُجاهَ القبلةِ؛ جاءَ يومَ القيامةِ وتفلُهُ بين عَينَيه» (٩). وفي «الوجيز»: ويَبصُق في الصَّلاة أو المسجد في ثوبه، وفي غيرهما يَسرةً. وفيه نَظَرٌ.

стр. 830

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ) مع القُدْرة عليها؛ بغير خلاف نعلمه (١). وظاهِرُه: لا فرق بين الحضر والسَّفر، ولو لم يخشَ مارًّا؛ لقوله ﵇: «إذا صلَّى أحدُكم؛ فليصلِّ إلى سُترةٍ، وليَدنُ منها» رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد (٢). وفي «الواضح»: (يَجِب)، وهو بعيدٌ، ويشهد له ما رواه ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في فضاءٍ ليس بين يدَيه شَيءٌ» رواه أحمدُ وأبو داود (٣).

стр. 831

والسُّترةُ: ما يستَتر (١) به، ولو بخيط مطلقًا. (مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ (٢)؛ لقوله ﵇: «إذا وضعَ أحدُكم بين يدَيه مثلَ مُؤْخرةِ الرَّحْلِ (٣)؛ فليصلِّ، ولا يُبالِ من (٤) يَمُرُّ وراءَ ذلك (٥)» رواه مسلمٌ (٦)، «وصلَّى في الكعبةِ وبينه (٧) وبين الجدارِ نحوٌ من ثلاثةِ أذرع» رواه أحمد والبخاري (٨). فإن كان في مسجدٍ ونحوِه؛ قرُب من الجدار، أو فضاء؛ فإلى شَيءٍ شاخِصٍ من شجرةٍ أو بعيرٍ أو ظهرِ إنسانٍ أو عصًا؛ «لأنَّه ﵇ صلَّى إلى حَرْبةٍ وإلى بعيرٍ» رواه البخاري (٩). ويلقي (١٠) العصا بين يدَيه عَرضًا؛ لأنَّها في معنى الخطِّ، ويُستحَبُّ انحرافُه عنها قليلاً؛ لفعله ﵇، رواه أحمد وأبو داود من حديث المقداد بإسناد ليِّن، قال عبد الحقِّ: وليس إسنادُه بقويٍّ (١١)، لكنْ عليه جماعة من

стр. 832

العلماء على ما ذكر (١) ابن عبد البَرِّ (٢). ويكون بينه وبينها ثلاثةُ أذرُعٍ، نَصَّ عليه (٣)، وكلَّما دنا فهو أفضل؛ للنَّصِّ (٤)، ولأنَّه أصونُ لصلاته. وطولها ذراعٌ، نَصَّ عليه (٥). وعنه: مثل عظم الذِّراع. وهذا على سبيل التَّقريب؛ لأنَّه ﵇ قدَّرها بمُؤخرةِ الرَّحل (٦)، وهو عُود في مؤخَّره - ضدُّ قادمته (٧) - والمرادُ به: رحْلُ البعير، وهو أصغر من القتَب، والمؤخرة تختلِف؛ فتارةً تكون ذراعًا، وتارةً أقلَّ، وعلى كلِّ حال يُجزِئُ الاِستِتارُ بها. وعَرضُها لا حدَّ له؛ لأنَّها قد تكون غليظةً كالحائط، ودقيقةً كالسَّهم، لكن قال أحمد: (ما كان أعرضَ فهو أعجبُ إليَّ) (٨). (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا)، نَصَّ عليه (٩)، وهو المذهب؛ لقوله ﵇: «إذا صلَّى أحدُكم فلْيَجعَلْ تِلْقاءَ وجهِهِ شَيئًا، فإن لم يجدْ؛ فلينصبْ عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليَخُطَّ خَطًّا، ولا يضرُّه ما مرَّ بين يدَيه» رواه أحمدُ وأبو داود من حديث أبي هُريرة، وذكر الطَّحاويُّ أنَّ فيه رجلاً مجهولاً، وقال البَيْهَقِيُّ:

стр. 833

(لا بأس به في مثل هذا) (١). وصِفتُه كالهلال، لا طولاً، لكنْ قال في «الشَّرح»: (وكيفما خطَّ أجزأه). وعنه: يُكرَه الخطُّ. (فَإذَا مَرَّ منْ وَرَائِهَا شَيْءٌ (٢)؛ لَمْ يُكْرَهْ)؛ للأخبارِ السَّابِقةِ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ (٣) سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) قريبًا - ومرادُهم ثلاثةُ أذرُعٍ فأقلُّ من قدمه (٤) -، أو كانت فمرَّ بينه وبينها (٥) (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) بغير خلاف نعلمه (٦) في المذهب؛ لقوله ﵇: «إذا قامَ أحدُكم يُصلِّي فإنَّه يَستُرُهُ إذا كان بين يدَيه مثلُ مؤخرة الرَّحلِ، فإن لم يكن فإنَّه يَقطعُ صلاتَهُ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ» رواهُ أحمدُ من حديث أبي ذرٍّ (٧). والأسودُ البَهيمُ: الذي لا لَون فيه سوى السَّواد، ذكره جماعةٌ. وعنه: أو بين عيْنَيه بياضٌ، وصحَّحه ابن تميم، فإن كان فيه بياضٌ في (٨) غير هذا

стр. 834

الموضع؛ فليس بِبَهيمٍ روايةً واحدةً، وخُصَّ البهيم به مع أنَّه لَيس في الخبر؛ لأنَّه شَيطانٌ. مسألة: يُباح قتلُ البَهِيمِ، ذكره المؤلِّف وغيرُه؛ لقوله ﵇: «لولا أنَّ الكِلابَ أمَّةٌ من الأُممِ؛ لأمرتُ بقتلِها، فاقتلوا منها كلَّ أسودَ بَهيم؛ فإنَّه شيطانٌ» (١). وذكر ابن تميم وغيرُه: أنَّه يحرم اقتناؤه. (وَفِي المَرْأَة، وَالْحِمَارِ) الأهليِّ (روَايَتَانِ)، كذا أطلقهما في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: لا تَبطُل (٢)، نقلها الجماعةُ (٣)، وهي ظاهر «الوجيز»؛ لما رُوي: «أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ مرَّت بين يدَيْ رسولِ الله ﷺ ، فلم تَقطَع (٤) صلاتَهُ» رواهُ أحمد وابنُ ماجَهْ بإسنادٍ حسَنٍ (٥)، وعن ابنِ عبَّاس قال: «أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أتانٍ والنَّبيُّ ﷺ يُصلِّي بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بين يدَيْ

стр. 835

بعضِ الصَّفِّ فنزلتُ، وأرسلتُ الأَتانَ تَرتَعُ، فدخلتُ في الصَّفِّ فلم يُنكِرْ عليَّ أحَدٌ» (١)، وعن عائشةَ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي باللَّيل وأنا مُعتَرِضةٌ بينه وبين القِبلة» مُتَّفَقٌ علَيهما (٢). والثَّانية: تَبطُل، قدَّمه السَّامَرِّي وابنُ تَمِيمٍ، ورجَّحه في «الشَّرح»؛ للنَّصِّ السَّابق، وحديثُ عائشةَ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ حكمَ الوُقوف يخالف (٣) حكمَ المرورِ، وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ لَيس فيه إلاَّ أنَّه مرَّ بين يدَي بعض الصَّفِّ، وسُترةُ الإمام سُترةٌ لمن خلفه. وظاهِرُه: أنَّه لا يَقطَعُها غيرُ ما ذُكِر، وهو المذهب. وعنه: يقطعها (٤) شَيطانٌ، قدَّمه ابن تميمٍ وغيرُه. وعنه: وسِنَّوْرٌ أسودُ. وفي الصَّغيرة (٥) وجْهٌ. وظاهِرُه: لا فرق بين الفرض والنَّفل. وعنه: لا يَبطُل النَّفلُ. وعنه: والجنازةُ. فرع: وسُترةٌ مغصوبةٌ ونجِسةٌ كغيرِها، قدَّمه في «الرِّعاية». وفيه وجْهٌ: كالصَّلاة إليها؛ كالقبر. قال صاحب «النَّظم»: وعلى قياسِه سُترةُ الذَّهب، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه منها: لو وضع المارُّ سُترةً أو تَستَّرَ بدابَّةٍ؛ جاز). تذنيب: سُترةُ الإمامِ سُترةٌ لمَنْ خلفَه، ذكره (٦) الأصحابُ، وهو قول

стр. 836

الفقهاء السَّبعة؛ للأخبار، ولا عكس، فلا يُستحَبُّ لمأمومٍ سُترةٌ، ولَيست سُترَةً له. ومعناه: إذا مرَّ ما يُبطِلها؛ فظاهره: أنَّ هذا فيما يُبطِلها خاصَّةً، وأنَّ كلامهم في نهي الآدمي عن المرور على ظاهره، وكذا المصلِّي لا يدع شيئًا يَمُرُّ بين يدَيه؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّي إلى سُترةٍ دون أصحابه. وقال صاحب «النَّظم»: لم أرَ أحدًا تعرَّض لجواز مرور الإنسان بين يدَي المأمومِين، فيحتمل (١) جوازُه؛ اعتبارًا بسُترةِ الإمام له حكمًا، ويحتمل اختصاص ذلك بعدم الإبطال؛ لما فيه من المشقَّة على الجميع. قال القاضي عِيَاضٌ (٢): اختلفوا هل سُتْرة الإمام سُتْرةٌ لمن خلفه، أم هي سُتْرة له خاصَّةً وهو سُتْرةٌ لمن خلفه؟ مع الاتِّفاق على أنَّهم يصلُّون إلى سُتْرةٍ. ولمسلمٍ من حديثِ أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّما الإمامُ جُنَّةٌ» (٣)؛ أي: يَمنَعُ من نقص صلاة المأموم، لا أنَّه (٤) يجوز المرورُ قُدَّام المأموم. (وَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي المُصْحَفِ)، والقراءةُ منه فيها، جزم به مُعظَمُ الأصحاب؛ لما رَوى الأثرمُ: «أنَّ عائشةَ كان يؤمُّها عبدٌ لها في المُصحف» (٥)، وقال الزَّهري: «كان خيارُنا يَقرؤون في المصاحف (٦)» (٧)،

стр. 837

وهو قولُ عَطاءٍ، ولأنَّه لَيس بعملٍ كثيرٍ. والفرضُ والنَّفلُ سواءٌ، قاله ابن حامد. وعنه: يجوز في النَّفل، وحمل في «الشَّرح» كلامَ المؤلِّف عليه. وعنه: لغير الحافِظ. وعنه: يَبطُل فرضٌ؛ لقول ابن عبَّاس: «نهانا أن نَؤمَّ من المصاحف» رواه أبو بكر بن أبي داود (١). وقيل: ونفلٌ أيضًا؛ لأنَّه اعتَمد في فرض القراءة على غيره؛ كاعتماده بحَبْلٍ في قيامه. (وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ (٢) آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا)؛ أي: يَسأل الرَّحمةَ من الله تعالى، (وَآيَةُ عَذابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا) على المذهب؛ لما رَوى حُذَيفةُ قال: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فافْتتح البقرة، فقلتُ: يركَع عند المائة، ثمَّ مضى»، إلى أن قال: «إذا مرَّ بآية فيها تَسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسُؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ» مُختصَرٌ رواه مسلمٌ (٣)، ولأنَّه دُعاءٌ وخيرٌ. وعنه: يُستحَبُّ، قاله القاضي وغيرُه. وظاهرُه: لكلِّ مُصلٍّ.

стр. 838

وسبق: إذا تلَى آيةً فيها ذِكرُ النَّبيِّ ﷺ . (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ)؛ لأنَّ المنقول عنه ﵇ في النَّفل، فيُقتصر عليه. وعنه: يَفعَلُه إن صلَّى وحدَه، ونقل الفضْلُ: لا بأْسَ أن (١) يقولَه مأمومٌ، ويَخفِضُ صوتَه (٢). وقال أبو بكرٍ الدِّينَوَرِي وابنُ الجوزي: معنى ذلك تَكرارُ الآيةِ، قال ابنُ تميم: وليس بشيءٍ. قال أحمدُ: (إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القِيَامَة: ٤٠] في صلاةٍ وغيرِها قال: سبحانك فبلى) (٣)، في فرضٍ ونفلٍ، ومنع منه ابنُ عَقيلٍ فيهما. فائدة: سُئل بعضُ أصحابنا عن القراءة بما فيه دُعاءٌ، هل يحصلان له؟ فتوقَّف، ويتوجَّه الحصولُ؛ لخبر (٤) أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إن الله (٥) ختَم سورةَ البقرة بآيتَين أعطانِيهما من كنزِه (٦) الذي تحتَ العرشِ، فتعلَّموهنَّ، وعلِّموهنَّ نساءَكم وأبناءَكم؛ فإنَّها صَلاةٌ وقُرآنٌ ودُعاءٌ» رواه الحاكِمُ، وقال: على شرط البخاريِّ (٧).

стр. 839

(فَصْلٌ) (أَرْكَانُ الصَّلَاةِ): جمع رُكنٍ، وهو جانب الشَّيْء الأقوى، وهو ما كان فيها، ولا يَسقط عمدًا ولا سهوًا، وسمَّاها بعضهم فروضًا، وهو لَفْظيٌّ؛ (اثْنَا عَشَرَ) كذا في «الوجيز» وغيرِه، وجعلها في «البُلغة» عشرةً، وعدَّ منها النِّيَّةَ؛ لأنَّ المشروع فيها قسمان: واجبٌ، ومسنونٌ، والأول: قسمان: ما لا يَسقُط مطلقًا، وهي الأركان. (الْقِيَامُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، ولحديث عمرانَ: «صلِّ قائمًا» (١)، ومحلُّه في الفرض لقادِرٍ، وهو قدر التَّحريمة؛ لأنَّ المسبوق يدرك به فرض القيام، ذكره في «الخلاف» (٢) وغيره، ولا يضرُّه مَيلُ رأسه، قال أبو المعالي وغيرُه: (وحدُّه ما لم يَصِرْ راكعًا). ويُستثنَى منه: العُريان، والخائف، ولمداواةٍ، وقِصَرُ سقفٍ لعاجز عن الخروج، ومأموم خلف إمام الحيِّ العاجز عنه بشرطه. فإن قام على رِجْلٍ؛ لم يجزئه، ذكره في «المذهب»، وظاهر كلامهم يخالفه، ونقل خطَّاب بن بشر: لا أدري (٣).

стр. 840

(وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ)؛ لحديث عليٍّ: «تحريمُها التَّكبيرُ» (١). (وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ)؛ أي: في حقِّ الإمامِ والمنفردِ، ويتحمَّلها إمامٌ عن مأموم، وكذا بدلها. (وَالرُّكُوعُ) إجماعًا (٢)، وسندُه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحَجّ: ٧٧]، وحديثُ المسيءِ في صلاته، وهو ما رواه أبو هريرةَ: «أنَّ رجلاً دخلَ المسجدَ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ على النَّبيِّ ﷺ فردَّ عليه، ثمَّ قال: ارجع فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ، فعلَ ذلك ثلاثًا، ثمَّ قال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُحسِنُ غَيرَه، فعلِّمني، فقال: إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ فكبِّر، ثمَّ اقرأ ما تيسَّرَ معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفع حتَّى تعتدلَ قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تَطمئِنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا (٣)، ثمَّ افعل ذلك في صلاتِك كلِّها» رواه الجماعةُ، ولمسلمٍ، وعزاه عبدُ الحقِّ إلى البخاريِّ: «إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ فأسبِغ الوضوءَ، ثمَّ استقبلِ القبلةَ، فكبِّر» (٤)، فدلَّ على أنَّ المسمَّاةَ في الحديث لا تَسقُط (٥) بحال، فإنَّها لو سقطت لسقطت عن الأعرابيِّ؛ لجهله بها. (وَالاِعْتِدَالُ عَنْهُ)؛ لأنَّه ﵇ داوَم على فعله، وقال: «صلُّوا كما رأيتموني

стр. 841

أصلِّي» (١)، فلو طوَّله؛ لم تَبطُل، قال الحسنُ بن محمَّدٍ الأَنْمَاطِيُّ: رأيتُ أبا عبد الله يُطِيلُ الاعتدالَ والجلوسَ بين السجدتَينِ (٢)؛ لحديث البَرَاءِ، متَّفقٌ عليه (٣). (وَالسُّجُودُ) إجماعًا (٤)، (وَالجُلوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لما رَوتْ عائشةُ قالتْ: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من السُّجود لم يَسجُد حتَّى يَستويَ قاعدًا» رواهُ مسلمٌ (٥). (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ)؛ لما سبق، ولحديث حُذَيفةَ: أنَّه رأى رجلاً لا يُتمُّ ركوعَه ولا سجودَه، فقال له: «ما صلَّيتَ، ولو متَّ؛ متَّ على غَيرِ الفِطرةِ التي فَطَر الله عليها (٦) محمَّدًا ﷺ » رواه البخاريُّ (٧). وظاهِرُه: أنَّها رُكنٌ واحِدٌ في الكُلِّ؛ لأنَّه يعمُّ القيامَ. وهي السُّكونُ وإن قلَّ، قدَّمه ابن تميم والجَدُّ في «فروعه». وقيل: بقَدْرِ الواجِبِ، وحكاه ابن هُبَيرةَ عن أكثر العلماء. وقيل: بقدر ظنِّه أنَّ (٨) مأمومَه (٩) الضَّعيف وثقيل اللِّسان أتى بما يَلزمه. (وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ)، هذا هو المذهبُ، وهو قولُ

стр. 842

عمرَ (١) وابنِه (٢) وأبي سعيدٍ البدري (٣)؛ لقوله: «إذا قعدَ أحدُكم في صلاتِهِ فليقل: التَّحيَّاتُ لله … » الخبر، متَّفق عليه (٤)، وعن ابن مسعودٍ قال: كنَّا نقول (٥) قبل أن يُفرَضَ (٦) التَّشهُّد: السَّلام على الله، السَّلام على جبريل وميكائيل، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا تَقولوا هكذا، ولكن قولوا: التَّحيَّاتُ لله … » وذكره، رواه النَّسائيُّ، وإسنادُه ثقاتٌ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: (إسنادٌ (٧) صحيحٌ) (٨)، وقال عُمرُ: «لا تُجزِئُ صلاةٌ إلاَّ بتشهُّدٍ» رواهُ سَعيدٌ، والبخاريُّ

стр. 843

في «تاريخه» (١). والرُّكن منه: (اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ) مع ما (٢) يُجزِئ من التَّشهُّد الأوَّل. وعنه: واجِبٌ يَسقُط بالسَّهو، وهو غريبٌ. وعنه: سنَّةٌ. وقال أبو الحسين: لا يختلِف (٣) قولُه: إنَّ الجلوسَ فرضٌ، واختُلِف قوله في الذِّكر فيه، وهو معنى ما حكاه ابن هُبَيرةَ عن أحمدَ. (والتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى)؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليمُ» (٤)، وقالت عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ يَختُمُ صلاتَهُ بالتَّسليمِ» (٥)، وثبت ذلك عنه من غير وجْهٍ، ولأنَّها نُطقٌ مشروعٌ في أحدِ طرَفَيها (٦)، فكان رُكنًا كالطَّرَف الآخَرِ. (وَالتَّرْتِيبُ)؛ أي: بين الأركان؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّيها مرتَّبة، وعلَّمها للمُسيءِ في صلاته مرتِّبًا ب (ثُمَّ)، ولأنَّها عبادةٌ تَبطُل بالحدَث، فكان التَّرتيبُ رُكنًا فيها كغيرها. (وَمَنْ (٧) تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّه ﵇ نفى الصَّلاةَ مع الجهل، وأمَرَه بالإعادةِ، ولم يجعلْه عُذرًا، وإذا انتفى مع الجهل؛ فمع العمْد أولى. وترْكُه سهوًا يأتي. (وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ)، هذا هو القسم الثاني من الواجبات، وسمَّى أبو الفرَج

стр. 844

الواجِبَ: سنَّةً اصطلاحًا، قال ابن شهابٍ: كما سمَّى المبيتَ ورميَ الجمار وطوافَ الصَّدر سُنَّةً، وهو واجِبٌ. (التَّكْبِيرُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) في الأصحِّ؛ لأنَّه ﵇ كان يكبِّر، وقال: «صلُّوا كما رأيْتموني أصلِّي» (١). وعنه: ركنٌ لا يَسقُط (٢) بالسَّهو كتكبيرةِ الإحرام. وعنه: يَسقط (٣) في حقِّ (٤) مأمومٍ فقطْ. وعنه: سنَّة؛ لأنَّه ﵇ لم يعلِّمه (٥) المسيءَ في صلاته، ولا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. قلنا (٦): ولم يعلِّمه (٧) التشهُّدَ، ولا السَّلامَ، ولعلَّه اقتصَر على تعليمه ما أساء فيه. (وَالتَّسْمِيعُ)، وهو قول: سمع الله لمن حمده، في حقِّ إمامٍ ومنفرِدٍ، (وَالتَّحْمِيدُ) وهو قولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، في حقِّ الكُلِّ، (فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ)؛ لما سبق من النُّصوص فعلاً له، وأمْرًا به. (وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَرَّةً مَرَّةً) على المذهب، والزَّائدُ على المرَّةِ سُنَّةٌ. (وَسُؤَالُ المَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً) على المشهور، ولم ينقل تركه. وعنه: سنَّة؛ لأنَّه لم يعلِّمْه المسيءَ في صلاته.

стр. 845

(وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالجُلُوسُ لَهُ)، اختاره الأكثرُ؛ لأنَّه ﵇ فعَله، وداوَم (١) على فعله، وأمر به، وسجد للسَّهو حين نسِيَه، وهذا هو الأصل المعتمد عليه في سائر الواجبات؛ لسقوطها بالسَّهو، وانجِبارِها بالسُّجود؛ كواجبات الحجِّ. ويُستثنَى منه: غيرُ مأمومٍ قام إمامُه عنه سهوًا، فيُتابِعه (٢). (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ في روايةٍ اختارها الخِرَقِيُّ، وفي «المغني»: (هي (٣) ظاهِرُ المذهب)، وصحَّحها في «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزَاب: ٥٦]، والأمر للوجوب، ولا موضع تَجِب فيه الصَّلاةُ (٤) أَوْلى من الصَّلاةِ المفروضةِ. وعنه: ركنٌ، قدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»، وصحَّحها في «المذهب» و «الوسيلة»، وذكر ابن هُبَيرةَ: أنَّها المشهورةُ، وأنَّها اختيار الأكثرِ؛ لحديث كعبٍ (٥). وعنه: سنة، قال المروذي لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلاً ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد بطلت صلاته، فقال: (ما أَجْترئُ أن أقول مثل هذا)، وفي رِوايةٍ: (هذا شُذوذٌ) (٦)؛ لقوله: «إذا فعلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَكَ»، وكخارج الصَّلاة. (فِي مَوْضِعِهَا)؛ أي: في التَّشهُّدِ الأخيرِ بعْد الشَّهادتَين.
следующие страницы →