← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أصلِّي» (١)، فلو طوَّله؛ لم تَبطُل، قال الحسنُ بن محمَّدٍ الأَنْمَاطِيُّ: رأيتُ أبا عبد الله يُطِيلُ الاعتدالَ والجلوسَ بين السجدتَينِ (٢)؛ لحديث البَرَاءِ، متَّفقٌ عليه (٣). (وَالسُّجُودُ) إجماعًا (٤)، (وَالجُلوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لما رَوتْ عائشةُ قالتْ: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من السُّجود لم يَسجُد حتَّى يَستويَ قاعدًا» رواهُ مسلمٌ (٥). (وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ)؛ لما سبق، ولحديث حُذَيفةَ: أنَّه رأى رجلاً لا يُتمُّ ركوعَه ولا سجودَه، فقال له: «ما صلَّيتَ، ولو متَّ؛ متَّ على غَيرِ الفِطرةِ التي فَطَر الله عليها (٦) محمَّدًا ﷺ » رواه البخاريُّ (٧). وظاهِرُه: أنَّها رُكنٌ واحِدٌ في الكُلِّ؛ لأنَّه يعمُّ القيامَ. وهي السُّكونُ وإن قلَّ، قدَّمه ابن تميم والجَدُّ في «فروعه». وقيل: بقَدْرِ الواجِبِ، وحكاه ابن هُبَيرةَ عن أكثر العلماء. وقيل: بقدر ظنِّه أنَّ (٨) مأمومَه (٩) الضَّعيف وثقيل اللِّسان أتى بما يَلزمه. (وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ)، هذا هو المذهبُ، وهو قولُ

стр. 842

عمرَ (١) وابنِه (٢) وأبي سعيدٍ البدري (٣)؛ لقوله: «إذا قعدَ أحدُكم في صلاتِهِ فليقل: التَّحيَّاتُ لله … » الخبر، متَّفق عليه (٤)، وعن ابن مسعودٍ قال: كنَّا نقول (٥) قبل أن يُفرَضَ (٦) التَّشهُّد: السَّلام على الله، السَّلام على جبريل وميكائيل، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا تَقولوا هكذا، ولكن قولوا: التَّحيَّاتُ لله … » وذكره، رواه النَّسائيُّ، وإسنادُه ثقاتٌ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: (إسنادٌ (٧) صحيحٌ) (٨)، وقال عُمرُ: «لا تُجزِئُ صلاةٌ إلاَّ بتشهُّدٍ» رواهُ سَعيدٌ، والبخاريُّ

стр. 843

في «تاريخه» (١). والرُّكن منه: (اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ) مع ما (٢) يُجزِئ من التَّشهُّد الأوَّل. وعنه: واجِبٌ يَسقُط بالسَّهو، وهو غريبٌ. وعنه: سنَّةٌ. وقال أبو الحسين: لا يختلِف (٣) قولُه: إنَّ الجلوسَ فرضٌ، واختُلِف قوله في الذِّكر فيه، وهو معنى ما حكاه ابن هُبَيرةَ عن أحمدَ. (والتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى)؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليمُ» (٤)، وقالت عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ يَختُمُ صلاتَهُ بالتَّسليمِ» (٥)، وثبت ذلك عنه من غير وجْهٍ، ولأنَّها نُطقٌ مشروعٌ في أحدِ طرَفَيها (٦)، فكان رُكنًا كالطَّرَف الآخَرِ. (وَالتَّرْتِيبُ)؛ أي: بين الأركان؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّيها مرتَّبة، وعلَّمها للمُسيءِ في صلاته مرتِّبًا ب (ثُمَّ)، ولأنَّها عبادةٌ تَبطُل بالحدَث، فكان التَّرتيبُ رُكنًا فيها كغيرها. (وَمَنْ (٧) تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّه ﵇ نفى الصَّلاةَ مع الجهل، وأمَرَه بالإعادةِ، ولم يجعلْه عُذرًا، وإذا انتفى مع الجهل؛ فمع العمْد أولى. وترْكُه سهوًا يأتي. (وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ)، هذا هو القسم الثاني من الواجبات، وسمَّى أبو الفرَج

стр. 844

الواجِبَ: سنَّةً اصطلاحًا، قال ابن شهابٍ: كما سمَّى المبيتَ ورميَ الجمار وطوافَ الصَّدر سُنَّةً، وهو واجِبٌ. (التَّكْبِيرُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) في الأصحِّ؛ لأنَّه ﵇ كان يكبِّر، وقال: «صلُّوا كما رأيْتموني أصلِّي» (١). وعنه: ركنٌ لا يَسقُط (٢) بالسَّهو كتكبيرةِ الإحرام. وعنه: يَسقط (٣) في حقِّ (٤) مأمومٍ فقطْ. وعنه: سنَّة؛ لأنَّه ﵇ لم يعلِّمه (٥) المسيءَ في صلاته، ولا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. قلنا (٦): ولم يعلِّمه (٧) التشهُّدَ، ولا السَّلامَ، ولعلَّه اقتصَر على تعليمه ما أساء فيه. (وَالتَّسْمِيعُ)، وهو قول: سمع الله لمن حمده، في حقِّ إمامٍ ومنفرِدٍ، (وَالتَّحْمِيدُ) وهو قولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، في حقِّ الكُلِّ، (فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ)؛ لما سبق من النُّصوص فعلاً له، وأمْرًا به. (وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَرَّةً مَرَّةً) على المذهب، والزَّائدُ على المرَّةِ سُنَّةٌ. (وَسُؤَالُ المَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً) على المشهور، ولم ينقل تركه. وعنه: سنَّة؛ لأنَّه لم يعلِّمْه المسيءَ في صلاته.

стр. 845

(وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالجُلُوسُ لَهُ)، اختاره الأكثرُ؛ لأنَّه ﵇ فعَله، وداوَم (١) على فعله، وأمر به، وسجد للسَّهو حين نسِيَه، وهذا هو الأصل المعتمد عليه في سائر الواجبات؛ لسقوطها بالسَّهو، وانجِبارِها بالسُّجود؛ كواجبات الحجِّ. ويُستثنَى منه: غيرُ مأمومٍ قام إمامُه عنه سهوًا، فيُتابِعه (٢). (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ في روايةٍ اختارها الخِرَقِيُّ، وفي «المغني»: (هي (٣) ظاهِرُ المذهب)، وصحَّحها في «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزَاب: ٥٦]، والأمر للوجوب، ولا موضع تَجِب فيه الصَّلاةُ (٤) أَوْلى من الصَّلاةِ المفروضةِ. وعنه: ركنٌ، قدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»، وصحَّحها في «المذهب» و «الوسيلة»، وذكر ابن هُبَيرةَ: أنَّها المشهورةُ، وأنَّها اختيار الأكثرِ؛ لحديث كعبٍ (٥). وعنه: سنة، قال المروذي لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلاً ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد بطلت صلاته، فقال: (ما أَجْترئُ أن أقول مثل هذا)، وفي رِوايةٍ: (هذا شُذوذٌ) (٦)؛ لقوله: «إذا فعلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَكَ»، وكخارج الصَّلاة. (فِي مَوْضِعِهَا)؛ أي: في التَّشهُّدِ الأخيرِ بعْد الشَّهادتَين.

стр. 846

(وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ)، قال القاضي: وهي أصحُّ (١)؛ لأنَّه ﵇ كان يُسلِّمُهما (٢)، ولأنَّها عبادةٌ شُرِع لها تحليلان، فكانتْ واجبةً كالأُولى. وعنه: أنَّها رُكنٌ كالأُولى، صحَّحه (٣) في «المذهب»، وقدَّمه في «التَّلخيص» وابنُ تَمِيم وابنُ حَمْدانَ، وهي ظاهر «الهداية» و «المحرَّر»؛ لعُموم قوله: «وتحليلُها التَّسليم»، فعلى هذا: هُما من الصَّلاةِ. وعنه: سنَّةٌ، اختارها المؤلِّفُ، وصحَّحها في «الشَّرح»، وجزم بها في الوجيز (٤)، وحكاه ابنُ المنذِر إجماعَ مَنْ يَحفَظ عنه (٥). وعنه: في النَّفْل. وعنه: هما واجِبتانِ، وذكر ابنُ هُبَيرةَ: أنَّها المشهورةُ، وصحَّحها في «الوسيلة». قال القاضي: الثَّانيةُ سنَّةٌ في الجنازة والنَّافلةِ رِوايةً واحدةً. (مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عمدًا (٦)؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّها واجِبةٌ أشْبَهتِ الأركانَ.

стр. 847

(وَمَنْ تَرَكَهُ (١) سَهْوًا) أو جهْلاً، نَصَّ عليه (٢)؛ (سَجَدَ لِلسَّهْوِ)؛ «لأنَّه ﵇ لمَّا تَرك التَّشهُّدَ الأوَّلَ سجدَ له قبْلَ أن يُسلِّمَ» متَّفقٌ عليه من حديث عبد الله ابن بُحَيْنَة (٣)، ولولا أنَّه واجِبٌ لما سجد لجَبْره؛ لأنَّه لا يزيد في الصَّلاة زيادةً مُحرَّمةً لجَبْر ما ليس بواجبٍ، وغَيرُ التَّشهُّدِ من الواجِباتِ مَقِيسٌ عليه، ولا يَمتنِع أن يكون للعبادة واجِبٌ يُجبَر (٤) إذا تركه، وإن كانت لا تَصِحُّ (٥) إلاَّ بها؛ كالحجِّ. واقتضى كلامُه: أنَّ الصَّلاةَ صحيحةٌ بترك الواجِبِ سهوًا؛ لأنَّه ﵇ بنَى على صلاته. (وَعَنْهُ: أنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا)؛ لعدَم تعليمِها (٦) للمُسيءِ. تنبيهٌ: إذا ترك شَيئًا ولم يَدرِ أفرضٌ أم سنَّةٌ؛ لم يَسقُط فرضُه للشَّكِّ في صحَّته. وإن اعتقد الفرض سنَّةً، أو بالعكس، فصلاَّها على ذلك؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه بناها على اعتقادٍ فاسدٍ، ذكره ابن الزَّاغُونيِّ. وظاهر كلامِهم خلافُه، قال أبو الخَطَّاب: لا يضرُّه أن لا يعرفَ الرُّكنَ من الشَّرط، والفرضَ من السُّنَّة، وردَّ المجْدُ على من لم يصحِّحِ الاِئتمامَ ممَّن يعتقد أنَّ الفاتحةَ نفلٌ؛ بِفعلِ الصَّحابة فمن بعدهم، مع شدَّة اختلافهم فيما هو

стр. 848

الفرض والسُّنَّة، ولأنَّ اعتقادَ (١) الفرضيَّة والنَّفليَّة يؤثِّر (٢) في (٣) جُملَة الصَّلاةِ لا تفاصيلِها؛ لأنَّ من صلَّى يَعتقِد الصَّلاةَ فريضةً، يأتي بأفعال تصحُّ معها (٤)، بعضُها فرضٌ وبعضُها نفلٌ، وهو يَجهَل الفرضَ من السُّنَّة، أو يعتقِد الجميعَ فرضًا؛ صحَّتْ صلاتُه ع (٥). فرعٌ: الخشوعُ - وهو ما يَتعلَّق بالقلب - سنَّةٌ، ذَكره المؤِّلفُ وجَمْعٌ. وذَكَر الشَّيخُ وجيهُ الدِّين: أنَّه واجِبٌ (٦). قال في «الفروع»: (مرادُه - واللهُ أعلمُ - في بعضها، وإن أراد في كلِّها، فإنْ لم تَبطل بتركِه (٧) فخلافُ قاعدةِ تَرْكِ الواجِبِ، وإن أَبطَل به فخلافُ الإجماعِ، وكِلاهما خلافُ الأخبارِ). فائدة: مَنْ علِم بطلانَ صلاته، ومضى فيها؛ أُدِّب؛ لاستهزائه بها، ذَكَره السَّامَرِّيُّ. ولا يكفر (٨) إذا صلَّى محدِثًا بلا عُذرٍ متعمِّدًا في قول الجماهير؛ لأنَّ الكفرَ بالاعتقاد، وهذا اعتِقاده صحيحٌ. (وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ)، هذا بيانُ القسم الثَّاني أو الثَّالِثِ (٩) (اثْنَا عَشَرَ)، كذا في «الكافي» وغيرِه:

стр. 849

(الاِسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ آمِينَ، وِقِرَاءَةُ السُّورَةِ) وقد سبَق ذِكرُها. (وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ)، حكاه ابن هُبَيرةَ اتِّفاقًا. وقيل: واجِبانِ. وقيل: الإخفاتُ فقطْ. وإنْ نَسِي فجهَر فيما يُسَرُّ فيه (١)؛ بنى على قراءته سرًّا، وإن أسرَّ فيما يُجهَرُ فيه (٢)؛ بنى على قراءته سرًّا. وعنه: يَستأنِفُها جهْرًا وإن كان فرَغ من (٣) القراءة، نَصَّ عليه (٤). والفرْقُ: أنَّ الجهرَ زيادةٌ حصل بها المقصودُ وزيادةٌ، فلا حاجة إلى إعادته، والإسرار نقص فاتَتْ به سنَّةٌ مقصودةٌ؛ وهو إسماعُ المأموم القراءةَ، وقد أمكنه الإتيانُ بها، فينبغي أن يأتيَ بها. (وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ، بَعْدَ التَّحْمِيدِ) لغَير مأمومٍ، (وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤَالِ المَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذِ فِي التَّشَهُّدِ (٥) الْأَخِيرِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ)؛ لما تقدَّم في مواضعه. وعنه: واجبةٌ، وفيه شَيءٌ. وكذا يُسَنُّ الدُّعاءُ في التَّشهُّد الأخيرِ غَير التَّعوُّذ، ذكره أبو الخَطَّاب في «هدايته»، وعدَّ (٦) من سُننِ الأقوال (٧): السُّجودَ على أنفِه، وجَلسةَ

стр. 850

الاِستراحة، والتَّسليمةَ الثَّانيةَ في روايةٍ، ومن سُننِ الأفعال (١): الجهرُ والإخفاتَ بالقراءةِ، وب (آمين)، وهو بعيدٌ. (فَهَذِهِ سُنَنٌ (٢) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا)؛ لأنَّها غَيرُ واجِبةٍ، فلا تَبطُل بتركها؛ كمسنونات الحجِّ، (وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا)؛ لأنَّ فعلَها غيرُ واجِبٍ، فجَبرُها أَوْلى، لكنْ يُكرَه تركُها، (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُشرَع، قدَّمه ابنُ تميمٍ وابنُ حَمدانَ، قال في «الشَّرح»: «لكلِّ سَهوٍ سجدتانِ» رواه أحمدُ من حديثِ ثَوبانَ، ورواه ابنُ ماجَهْ: ثنا هِشامُ بنُ عَمَّارٍ وعثمانُ بن أبي شَيبةَ قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عياش، عن عبيد الله بن عبيد (٣)، عن زُهَير بن سالم العَنسيِّ، عن عبد الرَّحمن بنِ جُبَير بنِ نُفَيرٍ، عن ثَوبانَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): «لكلِّ سهوٍ سجدتانِ بعدما يُسلِّم»، وإسماعيلُ روايتُه عن الشَّامِيِّين حُجَّة، ورواه أحمدُ: ثنا الحَكَم بنُ نافِعٍ، ثنا إسماعيلُ، فذكره (٥)، ولأنَّ السُّجودَ جُبْرانٌ، فشُرِع لينجبرَ ما فاتَ. والثَّانية: لا يُشرَع، وهي ظاهِرُ «الوجيز»؛ لأنَّ تركها عمدًا لا يُبطِل

стр. 851

الصَّلاةَ، فلم يُشرَع لسهوها سُجودٌ؛ كسُنَن الأفعال (١)، ولأنَّ السُّجودَ زيادةٌ في الصَّلاة، فلم يَجُز إلاَّ بتوقيفٍ. (وَمَا سِوَى هَذَا؛ مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ)، وتُسمَّى (٢) هيئاتِها؛ كرفْع يدَيه عند الإحرام والرُّكوع والرَّفع منه، ووضع اليُمنى على اليُسرى، والنَّظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الرُّكبتين في الرُّكوع، والتَّجافي فيه وفي السُّجود، ومدِّ الظَّهر معتدِلاً، وجعله حِيال رأسه، والبَداءة بوضع الرُّكبتين قبل اليدين في (٣) السُّجود، وعكسه في القيام منه وفي التشهُّد الأوَّل، والتفريق بين ركبتيه في السُّجود، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومةً مستقبلاً بهما القبلة، ونصب قدميه، وفتح أصابعهما في السُّجود والجلوس، والافتراش بين السَّجدتين وفي التشهُّد الأوَّل، والتورُّك في الثَّاني، ووضع اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة (٤) محلَّقةً، والإشارة بالسَّبَّابة، ووضع اليسرى على الفخِذ اليسرى مبسوطةً، والالتفات في السَّلام عن يمينه ويساره، والسُّجود على الأنف، وجِلسة الاستراحة، ونيَّة الخروج منها في سلامه على ما سبق. (لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا)؛ لأنَّها سنَّةٌ، (وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا)، نصره واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه لا يمكن التَّحرُّز من تركها لكثرتها، فلو شرع السُّجود لم تخلُ صلاةٌ من سجود في الغالب، وبه يُفرَّق بينها وبين سنن الأقوال. وذكر جماعةٌ منهم أبو الخَطَّاب الرِّوايتين فيهما، فعلى هذا لا فرق. وقدَّم ابن تميم وابن حمدان: أنَّه يُشرع كالأوَّل.

стр. 852

وإذا (١) قلنا لا يسجد (٢) فسجد؛ لم تَبطُل صلاتُه، نَصَّ عليه (٣).

стр. 853

(بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) قال صاحب «المشارق»: (السَّهو في الصَّلاة: النِّسيان فيها، وقيل: هو الغفلة) (١). وقيل: النِّسيانُ عدمُ ذِكْر ما قد كان مذكورًا، والسَّهوُ: ذُهولٌ وغفلةٌ عمَّا كان مذكورًا، وعمَّا لم يكن، فعلى هذا هو أعمُّ من النِّسيان. ولا مِرْيةَ (٢) في مشروعيَّةِ سجودِ السَّهوِ، قال الإمامُ أحمدُ: (يُحفَظ عن النَّبيِّ ﷺ خمسة أشياء: سلَّم (٣) من اثنتَين فسجد، سلَّم من ثلاث فسجد، وفي الزِّيادة، والنُّقصان، قام (٤) من اثنتين ولم يتشهَّد) (٥). قال (٦) الخطَّابي: (المعتمَد عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة) (٧)؛ يعني حديثي (٨) ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بُحَينةَ (٩).

стр. 854

(وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ)، ذكره الأصحاب؛ لقوله ﵇: «إذا سها أحدُكم فليسجد» (١)، فعلَّق السُّجود على السَّهو، ولأنَّه (٢) شُرع جُبرانًا، والعامِد لا يُعذَر ولا ينجبر خلَلُ صلاته بسجوده، بخلاف السَّاهي، ولذلك أضيف السُّجود إلى السَّهو. وقال ش (٣): يسجد لترك القنوت، والتشهُّد، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ فيه؛ لأنَّ ما تعلَّق الجبر بسهوه؛ تعلَّق بعمده؛ كجُبران الحج.

стр. 855

وجوابه: بأنَّه يَبطُل بزيادة ركن. (وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَشَكٍّ)؛ لأنَّ الشَّرع إنَّما ورد به في ذلك، فدلَّ أنَّ حديث النَّفس لا يُشرع له سجودٌ؛ لعَدَم الاحتراز منه، وهو معفوٌّ عنه. (لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ للأخبارِ الواردةِ فيه، ولأنَّها صلاة ذات ركوعٍ وسجودٍ، فشُرع لها السُّجود؛ كالفريضة. ويُستثنَى منه: صلاة الجنازة؛ لأنَّه (١) لا سجود (٢) في صلبها، ففي جبرها (٣) أَوْلى. ولا في سجدةِ تلاوةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجبر (٤) زائدًا على الأصل. أو شُكرٍ، أو نَظَرٍ إلى شَيءٍ مُلْهٍ (٥). وعنه: يسجد في ذلك كلِّه، ذكره ابن تميم، قال ابن حمدان: استحبابًا. ولا يسجد لسهوٍ في سجدتي السَّهو، نَصَّ عليه (٦)، وهو إجماعٌ حكاه إسحاقُ (٧)؛ لأنَّه يفضي إلى التَّسلسل، وكذا إن سها بعدهما قبل السَّلام. وكثرةِ سهو، حتَّى يصير كوسواس، ذكره ابن أبي موسى. (فَأَمَّا الزِّيَادَةُ)، هذا شُروعٌ في بيان تفصيل الأحوال الثَّلاثة وحكمها، ثمَّ هي تنقسِم إلى قسمين: زيادةُ أقوالٍ، وزيادةُ أفعالٍ. وزيادة الأفعال قسمان:

стр. 856

أحدهما: قوله: (فَمَتَى زَادَ فِعْلاً مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ؛ قِيَامًا) أي: يقوم في موضع جلوس، (أَوْ قُعُودًا) أي: يقعُد في موضع قيامٍ، (أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (١) إجماعًا، قاله في «الشَّرح»؛ لأنَّه بها (٢) يُخلُّ بِنظْمِ الصَّلاة، ويُغيِّر هَيئتها، فلم تكن صلاةً، ولا فاعلُها مصلِّيًا. (وَإِنْ كَانَ سَهْوًا؛ سَجَدَ لَهُ)، قليلاً كان أو كثيرًا؛ لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «فإذا زادَ الرَّجل أو نقصَ في صلاته؛ فليسجُدْ سجدتَينِ» رواه مسلم (٣)، ولأنَّ الزِّيادةَ سهوٌ، فيَدخُل (٤) في قولِ الصَّحابيِّ: «سها رسولُ الله ﷺ فسجد»، بل هي نقصٌ في المعنى، يُشرَع لها السُّجودُ ليَنجَبِر النَّقصُ، لكن متى ذكر عاد إلى ترتيب الصَّلاة بغير تكبير. قال جماعةٌ: إن زاد عُقَيب ركعةٍ جلوسًا يسيرًا، زاد جَمعٌ: بقدر جِلسة الاِستراحة؛ فهل يَسجُد لسهوه، ويُبطِل عمدُه؟ فيه وجهان. وفي «التَّلخيص»: إن جلس عن قيام، ولم يتشهَّد، ثمَّ ذكر؛ سجد للسَّهو، قال القاضي: سواء كان بقدر جِلسة الاستراحة أو أطولَ؛ لأنَّ صفتها تخالف صفة الجلوس للتَّشهُّد. وقياس المذهب: أنَّه إن كان يسيرًا لا يَسجُد؛ لأنَّه لا يُبطِل عمدُه الصَّلاةَ، ولا وجه لما ذكره القاضي إلاَّ إذا قلنا: تُجبَرُ الهيئاتُ بالسُّجود، ولهذا علَّل بتغاير القُعودَين في الكيفيَّة. وقيل: إن قام إلى خامسةٍ في رباعيَّةٍ؛ عاد فسلَّم، وبطل فرضُه، وتصير نفلاً. وفيه نَظَرٌ.

стр. 857

مسألة: إذا رفَع رأسَه من السُّجود يَجلِس للاستراحة، وكان موضعُ جلوسه للفصل أو التشهُّد، ثمَّ ذكر؛ أتى بذلك، ولا سجود عليه. ولو جلس للتَّشهُّد قبل السُّجود؛ سجد لذلك، وإن جلس للفصل يظنُّه التَّشهُّد وطوَّله؛ لم يَجِبِ السُّجودُ. ولو نوى القصرَ فأتمَّ سهوًا؛ ففرضُه الرَّكعتان، ويسجد للسَّهو. وإن قام أو سجد فيها إكرامًا لإنسانٍ؛ بطلت. (وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً)؛ كخامسةٍ في الرُّباعيَّة، أو رابِعةٍ في المغرب، أو ثالثةٍ في الفجر، (فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؛ سَجَدَ لَهَا)؛ لما روى ابنُ مسعودٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى خمسًا، فلمَّا انفَتَل قالوا: إنَّك صلَّيتَ خمسًا فانفتلَ، ثمَّ سجدَ سجدتَين، ثمَّ سلَّم» متَّفَقٌ عليه، وفي روايةٍ قال: «إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تَنسَون، فإذا نسيَ أحدُكم فليسجُدْ سجْدتي السَّهو» رواه مسلم (١). (وَإِنْ عَلِمَ) بالزِّيادة (فِيهَا) أي: في الرَّكعة؛ (جَلَسَ فِي الْحَالِ) بغير تكبير، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّه لو لم يَجلِسْ لزاد في الصَّلاة عمدًا، وذلك مُبطِلٌ لها، (فَتَشَهَّدَ (٣) إِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ)؛ لأنَّه ركنٌ لم يأتِ به، (وَسَجَدَ) للسَّهو؛ لقوله ﵇: «من زادَ أو نقصَ؛ فليَسجُدْ سجدتَينِ» (٤)، (وَسَلَّمَ) لتَكمُل صلاته. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان قد تشهَّد؛ فإنَّه يسجد ويسلِّم. وفي «الشَّرح» وغيره: إن كان تشهَّد، ولم يصلِّ على النَّبيِّ ﷺ ؛ صلَّى عليه، ثمَّ سجد للسَّهو، ثمَّ سلَّم.

стр. 858

تنبيه: إذا قام إلى ثالثةٍ نهارًا، وقد نوى ركعتين نفلاً؛ رجع إن شاء، وسجد للسَّهو، وله أن يُتِمَّها أربعًا، ذكره في «الشَّرح»، ولا يَسجُد، وهو أفضلُ. وإن كان ليلاً؛ فكما (١) لو قام إلى ثالثةٍ في الفجر، نَصَّ عليه (٢)؛ لأنَّها صلاة شُرعت ركعتَين أشبهت الفجرَ. (وَإِنْ سَبَّحَ)، وفي «الفروع»: (نبَّه)، وهو أَولى؛ لشموله، (اثْنَانِ (٣) ثِقَتانِ فأكثرُ، ويلزمهم تنبيهه، وذكر صاحب «النَّظم» احتمالاً في الفاسق كأذانه، وفيه نظَرٌ، وفي المميِّز خلافٌ؛ (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) إليهما، وظاهره: سواء سبَّحا به إلى زيادةٍ (٤) أو نُقصانٍ، وسواء قلنا: يعمل بغلبة ظنِّه أوْ لا، وسواء غلب على ظنِّه صوابُهما أو خطؤهما، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّه ﵇ رجع إلى قول أبي بكرٍ وعمرَ، وأمر ﵇ بتذكيره (٦). وعنه: يستحَبُّ، ذكرها القاضي، وعليها يعمل بيقينه أو التَّحرِّي، لا أنَّه لا يرجع. وظاهره: أنَّه لا يرجع إلى ثقة، نَصَّ عليه (٧)؛ لأنَّه ﵇ لم يرجِع إلى قول ذي اليدين (٨) وحده.

стр. 859

وقيل: يرجع إليه في زيادة، لا مطلقًا. واختار أبو محمَّد الجوزي: يرجع إلى واحد يظنُّ صدقَه. قال في «الفروع»: (ولعلَّ المرادَ ما ذكره الشَّيخُ: إن ظنَّ صدقه عمل بظنِّه، لا بتسبيحه، لكن أطلق أحمد أنَّه لا يرجع إليه (١). وظاهر ما ذكروه: أنَّ المرأة كالرَّجل في هذا، وإلاَّ لم يكن في تنبيهها فائدةٌ، ولَمَا كُرِه تنبيهُها بالتَّسبيح ونحوه. وظاهره: أنَّه يلزمه الرُّجوع إليهما ولو تيقَّن صوابَ نفسه، وهو قول أبي الخطَّاب، وذكره الحُلْواني روايةً؛ كالحاكم يحكم بالشاهدين ويترك يقين نفسه. والمذهب: أنَّه لا يلزمه الرُّجوع إليهما حينئذٍ؛ لأنَّ قولهما إنَّما يفيد الظَّنَّ، واليقين مقدَّمٌ عليه. وأجاب في «المغني» و «الشَّرح»: بأنَّه علِم خطأهما، فلا يرجع إليهما فيه، وكذا نقول في الشَّاهدين: متى علم الحاكم كذبهما أو غلطهما؛ لم يجز الحكم بشهادتهما، ولا أظنُّ أبا الخطَّاب يمنع من ذلك. ومراده ما قاله القاضي: يترك الإمام اليقين، ومراده الأصل، قال: كالحاكم (٢) يرجع إلى الشُّهود، ويترك الأصلَ واليقين، وهو براءةُ الذِّمم، وكذا شهادتهما برؤية الهلال يرجع إليهما ويترك الأصل واليقين، وهو بقاءُ الشَّهر. فرع: إذا اختَلَف الجماعةُ عليه؛ سقط قولهم؛ كالبيِّنتَين إذا تعارضتا، ويعمل بغلبة ظنِّه.

стр. 860

وفي وجه - وذكر (١) في «الوسيلة» أنَّه أشبه بالمذهب -: أنَّه يَرجِع إلى مَنْ وافقه. وقال ابن حامد: يرجع إلى قول من أثبت الخطأ. ويرجع منفردًا إلى ثقتين (٢)، وقيل: لا؛ لأنَّ من في الصَّلاة أشدُّ تحفُّظًا. قال القاضي: والأوَّل أشبه بكلام أحمد في الطَّواف (٣). (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) الإمامُ في موضع يَلزَمه الرُّجوع؛ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) نَصَّ عليه (٤)، وجزم به الأصحابُ؛ لأنَّه ترك الواجب عمدًا، (وَصَلَاةُ مَنِ اتَّبَعَهُ عَالِمًا) على الأصحِّ فيهما؛ لأنَّه اقتدى بمن يَعلم بطلانَ صلاته؛ كما لو اقتدى بمن يَعلمُ حدثَه. (فَإِنْ فَارَقَهُ) وسلَّم؛ صحَّت صلاتُه في أصحِّ الرِّوايات، واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه فارقه لعذر، أشبه من فارق إمامَه إذا سبقه الحدث. وعنه: ينتظره ليسلِّم معه وجوبًا. وعنه: استحبابًا. وعنه: يجب متابعتُه فيها (٥). وعنه: يخير (٦) المأموم في انتظاره أو اتِّباعه.

стр. 861

وعنه: تبطل في الكلِّ، ومعنى الإبطال: أنَّها تخرج أن تكون فرضًا، بل يُسلِّم عقب (١) الرَّابعة، وتكون (٢) لهم نفلاً، ذكره في «الفصول» عن الأصحاب. (أَوْ كَانَ) متَّبِعه (جَاهِلاً) وساهيًا (٣)؛ (لَمْ تَبْطُلْ) على الأصحِّ؛ لأنَّ الصَّحابة تابعوا النَّبيَّ ﷺ في الخامسة في حديث ابن مسعود (٤)، ولم تَبطُل صلاتُهم، وتابعوه أيضًا في حديث ذي اليدَين، ولم يأمرهم بالإعادة. تنبيهٌ: إذا أدركه مسبوقٌ فيها؛ انعقدت صلاته، واعتدَّ بها، قدَّمه ابن تميم، وقاله القاضي، بناءً على اقتداء المفترِض بالمتنفِّل. والمذهبُ المنصوصُ عليه: أنَّه لا يعتدُّ بها؛ لأنَّها سهوٌ وغلطٌ. وعنه: الوقفُ، نقلها أبو الحارث (٥). والأوَّل نصره المؤلِّف، وهذا إذا لم يَعلَم بأنَّها زائدة، فإن علم؛ لم يدخل معه مفترِض، وكذا لا يدخل معه في سجود سهو بعد السَّلام على الأصحِّ. (وَالْعَمَلُ المُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ)، هذا شُروعٌ في بيان القسم الثَّاني من (٦) زيادة الأفعال، (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ) لغير حاجةٍ؛ كالمشي والتروُّح ونحوهما، (يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ)؛ لما فيه من قطع الموالاة بين الأركان، ما لم يكن ضرورة، (وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ)؛ كحَمْل أُمامةَ، وفتْحِ الباب لعائشةَ (٧). وقد عُلم منه: أنَّ المرجع فيهما إلى العُرْف، وذكره في «المستوعب» و «الشَّرح».

стр. 862

(وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ (١)؛ لعدم سجوده ﵇ له. (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ)؛ لأنَّه عمَلٌ من غير جنس الصَّلاة، فاستوى كثيرُه وقليلُه؛ كالجماع. وظاهره: لا فرق بين الفرض والنَّفل، وهو إجماع من يُحفَظ عنه في الفرض (٢)؛ لأنَّهما ينافيان الصَّلاة، إلاَّ ما حكاه في «الرِّعاية» قولاً: أنَّها لا تَبطُل بيسير شربٍ، لكنَّه غير معروفٍ. وكذا النَّفل، قدَّمه جماعةٌ، وذكر في «الشَّرح»: أنَّه الصَّحيح من المذهب، وبه قال أكثرهم؛ لأنَّ ما أبطل الفرضَ أبطل النَّفلَ؛ كسائر المبطلات. وعنه: لا، إذا كان يسيرًا؛ كغيرهما. وعنه: لا تَبطُل بالشُّرب فقط؛ لما رُوي: «أنَّ ابن الزَّبير وسعيد بن جُبَيرٍ شرِبا في التَّطوُّع» (٣). قال الخلاَّل: سهَّل أبو عبد الله في ذلك (٤)، وذكر ابن هُبَيرة: أنَّه المشهورُ عنه؛ لأنَّ مدَّ النَّفلِ وإطالتَه مستحبَّةٌ مطلوبةٌ، فيَحتاج معه كثيرًا إلى جُرعة ماءٍ لدفع العطش، كما سومح به جالسًا، وعلى الرَّاحلة. (وَإِنْ كَانَ) الأكلُ أو الشربُ (سَهْوًا) أو جهلاً، ولم يذكرْه جماعةٌ؛ (لَمْ تَبْطُلْ إِذَا كَانَ يَسِيرًا) (٥)، كذا ذكره معظم الأصحاب؛ لأنَّ تركهما عمادُ

стр. 863

الصَّوم، وركنُه الأصليُّ، وفواتُه اقتِضاءٌ لإبطاله من إبطاله (١) الصَّلاة، فإذا لم يؤثِّر فيه حالة السهو؛ فالصَّلاة أَولى، وكالسَّلام. قال في «الكافي»: (فعلى هذا يَسجُد؛ لأنَّه يُبطِل الصَّلاةَ بعمده، وعُفي عن سهوه، فيسجد له كجنس الصَّلاة). وعنه: تَبطُل (٢) به، وهو قول الأوزاعي، وقدَّمه في «الكافي»؛ لأنَّه من غير جنس الصَّلاة، فاستوى سهوُه وعمدُه، كالكثير. وقيل: تَبطُل بالأكل فقط. وظاهِرُه: أنَّها تَبطُل به إذا كان كثيرًا بغير خلاف، قاله في «الشَّرح»؛ لأنَّ غيرهما يُبطِلُها إذا كثُر، فهما أولى. وقيل: الفرض وحدَه، قاله في «الرِّعاية». والمذهبُ: أنَّها لا تَبطُل بيسير شُرْبٍ عُرفًا في نفل، ولو عمدًا (٣). وظاهر ما في «المستوعب» و «التَّلخيص»: أنَّ الفرض والنَّفل لا يَبطُل بكثير ذلك سهوًا. تنبيه: إذا ترك بفيه سُكَّرًا ونحوَه، وبلع ما ذاب؛ فهو كالأكل، وكما لو فتح فاه فنزل فيه ماء المطر فابتلعه. وقيل: لا تبطل فيهما. وإن بَقِيَ بين أسنانه بقيَّة طعام يجري به ريقه فبلعه، أو ازدَرَدَه بلا مَضْغٍ، أو ترك بِفمِه لُقْمةً لم يَمضغها ولم يبتلعْها؛ لم تَبطُل؛ للمشقَّة، ولأنَّه عمل يسيرٌ، لكنه يكره، ذكره جمعٌ؛ لأنَّه يَشغَله عن خشوع الصَّلاة.

стр. 864

فإن لاكَها؛ فهو كالعمل؛ إن كثُر بطَل (١)، وإلاَّ فلا، ذكره في «الكافي» و «الرِّعاية»، وقال في «الرَّوضة»: ما أمكن إزالتُه بطلت بابتلاعه. (وَإِنْ أَتَى)، شرع في بيان زيادة الأقوال، وهي قسمان: أحدهما: ما يُبطل عمدُه الصَّلاةَ؛ كالسَّلامِ وكلامِ الآدميين، وسيأتي. والثاني: ما لا يبطلها مطلقًا، وهو المراد بقوله: (بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ) عمْدًا، سوى السَّلام، قاله في «الوجيز» و «الفروع»، وهو مرادُ من أَطلَق؛ (كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لَمْ تَبْطُلْ (٢) بِهِ) نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّه مشروعٌ في الصَّلاة في الجملة. وقيل: تَبطُل به، ذكره ابن الجَوزي في «مسبوكه»، وقاله ابن حامد وأبو الفرَج في قراءته راكعًا أو ساجدًا، فعلى هذا؛ يجب السُّجود لسهوه. (وَ) على الأوَّل: (لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ)؛ كسائر ما لا يُبطِل عمدُه (٤) الصَّلاةَ، (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُشرع، صحَّحه (٥) في «الوسيلة» و «الرِّعاية» و «الفروع»، ونصره جماعةٌ، فعلى هذا هو مستحَبٌّ، وجزم به في «الوجيز»؛ لعموم قوله ﵇: «إذا نسيَ أحدُكم؛ فليَسجُدْ سجدتَينِ» (٦). والثَّانية: لا يُشرع، قدَّمها في «المغني»؛ لأنَّها لا تَبطُل بعمده، فلم يشرع السُّجود لسهوه؛ كترك سنن الأفعال.

стр. 865

وظاهِرُه: أنَّه إذا أتى بذكر أو دعاء متعمِّدًا؛ لم يَرِد الشَّرعُ به فيها؛ كقول: آمين ربَّ العالمين، وفي التَّكبير: الله أكبر كبيرًا، أنَّه لا يُشرع له سجود (١)، وجزم به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّه رُوي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمع رجلاً يقول فيها: الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويَرضَى، فلم يأمرْه بالسُّجود» (٢). وفيه وجْهٌ: أنَّها تَبطُل به، ذكره ابن الجَوزيِّ. وفيه بُعدٌ. (وَإِنْ (٣) سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا؛ أَبْطَلَهَا)؛ لأنَّه تكلَّم فيها، والباقي منها إمَّا ركنٌ أو واجبٌ، وكلاهما تَبطُل الصَّلاةُ بتركه عمدًا. (وَإِنْ كَانَ) السَّلامُ (سَهْوًا)؛ لم تَبطُل به روايةً واحدةً، قاله في «المغني»؛ لأنَّه ﵇ هو وأصحابُه فعلوه، وبنَوا على صلاتهم (٤)؛ لأنَّ جنسَه مشروعٌ فيها، أشبه الزِّيادة فيها من جنسها. (ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا؛ أَتَمَّهَا)، زاد غيرُ واحدٍ: وإن انحرف عن القبلة أو خرج من المسجد، نَصَّ عليه (٥)، (وَسَجَدَ)؛ لما رَوى ابنُ سِيرِينَ عن أبي هريرة قال: «صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيِّ - قال ابن سيرين: قد سمَّاها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا - فصلَّى بنا ركعتين، ثمَّ سلَّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتَّكأ عليها كأنَّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبَّك بين أصابعه، ووضع خدَّه الأيمن على ظهر كفِّه اليسرى، وخرجت السَّرَعانُ من أبواب المسجد، فقالوا: قُصرت الصَّلاة، وفي القوم

стр. 866

أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلِّماه، وفي القومرجل في يده (١) طُولٌ، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيتَ أم قُصِرت الصَّلاةُ؟ فقال: لم أنسَ، ولم تُقصَر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدَّم فصلَّى ما ترك، ثمَّ سلَّم، ثمَّ كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمَّ رفع رأسه (٢) وكبَّر، فربَّما سألوه: ثمَّ سلَّم؟ فيقول: نُبِّئتُ أنَّ عمران بن حصين قال: ثمَّ سلَّم» متَّفق عليه، ولفظُه للبخاري (٣). لكن إن لم يذكر حتَّى قام؛ فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عليه عن جلوس؛ لأنَّ هذا القيام واجب للصَّلاة، فلزمه الإتيان به مع النِّيَّة. وشرط الإتمام: استمرار الطَّهارة، فلو أحدث استأنفها. (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ)؛ بطَلت في قول الجمهور؛ لأنَّها صلاةٌ واحدةٌ، فلم يَجُز بناءُ بعضها على بعض مع طول الفصل، ولتعذُّر البناء معه. ويُرجَعُ فيه إلى العُرف، قال في «المغني» و «الشرح»: (والمقاربة لمثل حاله ﵇ في خبر ذي اليدين؛ إذ لم يَرِدْ بتحديده نصٌّ). وقيل: قدر ركعةٍ طويلةٍ، قاله القاضي في «الجامع». وقيل: قدر الصَّلاة التي هو فيها. وقيل: ما دام في المسجد؛ لأنَّه محلٌّ للصَّلاة. تنبيه: إذا لم يذكر المتروك حتَّى شرع في صلاة غيرها: فإن طال الفصل؛ بطَلت، وإن لم يطل؛ عاد إلى الأولى وأتمَّها. وعنه: يستأنفها، اقتصر عليه في «الكافي»؛ لتضمُّن عمله قطع نيَّتها. وعنه: يستأنفها إن كان ما شرع فيه نفلاً.

стр. 867

وذكر في «المبهِج»: يُكمِّل الأولى من الثَّانية، نفلاً كانت أو فرضًا؛ لأنَّه سهوٌ معذورٌ فيه. وفي «الفصول»: فيما إذا كانت صلاتَي جمعٍ أتمَّها (١)، ثمَّ سجد عقيبها للسَّهو عن الأولى؛ لأنَّهما كصلاة واحدة، ولم يخرج من المسجد. والأوَّل المذهب؛ لأنَّه عمل عملاً من جنس الصَّلاة سهوًا، فلم تَبطُل، كما لو زاد ركعة. وأمَّا إتمام الأولى بالثَّانية؛ فلا يصحُّ؛ لأنَّه قد خرج من الأولى بالسَّلام ونيَّةِ الخروج منها، ولم ينوها بعد ذلك، ونيَّة غيرها لا تجزئ عن نيَّتها؛ كحالة (٢) الابتداء. (أَوْ تَكَلَّمَ) في هذه الحال؛ أي: إذا سلَّم (٣) يظنُّ أنَّ صلاته قد تمَّت، (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ)؛ كقوله: يا غلامُ اسقني ماءً، ونحوه؛ (بَطَلَتْ)، نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ (٤)، وهو المذهب؛ لما رَوى مُعاويةُ بن الحَكَم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ صلاتَنا هذه لا يَصلُح فيها شيءٌ من كلام النَّاس» رواه مسلم وأبو داود، وقال: «لا يَحلُّ» مكان «لا يصلح» (٥). وعنه (٦): لا تَفسُد بالكلام في هذه الحال؛ لأنَّه نوع من النِّسيان، أشبه المتكلِّم جاهلاً. وأطلق جمعٌ الخلاف. (وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا؛ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ):

стр. 868

(إِحْدَاهُنَّ: تَبْطُلُ) مُطلَقًا، اختارها الخلاَّل وصاحبُه، وقدَّمها في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وصحَّحها جماعةٌ، وهي اختيارُ أكثرِ الأصحاب؛ لما رَوى زيدُ ابنُ أرقمَ قال: «كنَّا نتكلَّم في الصَّلاة، يكلِّم الرَّجل منَّا صاحبَه، وهو إلى جنبه في الصَّلاة، حتَّى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسُّكوت، ونهينا عن الكلام» متَّفق عليه، وللتِّرمذيِّ فيه: «كنَّا نتكلَّم خَلْف رسول الله ﷺ في الصَّلاة» (١)، وزَيدٌ مدَنيٌّ، وهو يدلُّ على أنَّ نسخَ الكلام كان بالمدينة، ويعضُده حديثُ معاويةَ (٢). (وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ) مطلقًا، نَصَّ عليه في رواية جماعة (٣)، وقدَّمه ابن تميم، وذكر المؤلِّف أنَّه الأَولى، وصحَّحه في «الشَّرح» (٤)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلَّموا، وبنَوا على صلاتهم». فعلى هذا: إن أمكنه استِصلاحُ الصَّلاة بإشارةٍ ونحوها، فتكلَّم؛ فذكر في «المذهب» وغيره: أنَّها تبطُل. وعنه: إن تكلَّم لمصلحتها سهوًا؛ لم تَبطُل، وإلاَّ بطَلت، قال في «المحرَّر»: وهو أصحُّ عندي؛ لأنَّ النَّهيَ عامٌّ، وإنَّما ورد في حال السَّهو فيختصُّ به، ويبقى في غيره على الأصل. (وَالثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ المَأْمُومِ)؛ لأنَّه لا يمكنه التَّأسِّي بالخليفَتين، فإنَّهما كانا مجِيبَين للنَّبيِّ ﷺ ، وإجابتُه واجبةٌ بالنَّصِّ (٥)، ولا بذي اليدين؛ لأنَّه تكلَّم

стр. 869

سائلاً عن قَصْر الصَّلاة في وقت يمكن ذلك فيه، فعذر (١)، بخلاف غيره، (دُونَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهَا الخِرَقِيُّ)؛ لأنَّ له أسوةً بالنَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه كان إمامًا وتكلَّم وبنى على صلاته، فعلى هذه: المنفرِدُ كالمأموم، ذكره في «الرِّعاية»، وهو ظاهر «المحرَّر». وظاهره: أنَّ الخلاف جارٍ بمن ظنَّ تمام صلاته، فسلَّم ثمَّ تكلَّم، واختاره جمعٌ. وقال القاضي والمجْد: هو على الإطلاق، وصحَّحه ابن تميم، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأنَّ الكلام هنا قد يكون أشدَّ؛ كإمامٍ نسي القراءة ونحوها، فإنَّه يحتاج أن يأتي بركعة، فلا بدَّ له (٢) من إعلام المأموم. والكلامُ غيرُ المبطل: ما كان يسيرًا، فإن كثر وطال؛ أبطل، اختاره الشَّيخانِ، والقاضي زاعمًا أنَّه روايةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الأحاديث المانِعة من الكلام عامَّة، تُركت في اليسير؛ للأخبار، فيبقى ما عداه على مقتضى العموم. وقيل: لا تَبطُل، وهو ظاهر كلامه، واختاره القاضي في «الجامع الكبير»؛ لأنَّ ما عُفي عنه بالنِّسيان استوى قليلُه وكثيرُه (٣)؛ كالأكل في الصَّوم. مسألة: لا بأس بالسَّلام على المصلِّي، نَصَّ عليه (٤)، وفعله ابن عمر (٥)؛

стр. 870

لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النُّور: ٦١]؛ أي: على أهل دينكم. وعنه: يُكرَه، وهي (١) قول ابن عقيل، وقدَّمها في «الرِّعاية»، وقاله الشَّعبيُّ وعطاءٌ وأبو مِجْلَزٍ؛ لأنَّه ربَّما غلِط فردَّ بالكلام. وعنه: يُكره في فرض. وقيل: لا يكره إن عرف كيفيَّة الرَّدِّ، وإن كثر ذلك عرفًا بلا ضرورة. فإن ردَّه لفظًا؛ بطلت؛ لأنَّه كلام آدمي أشبه تشميت العاطس. ويردُّه إشارةً لفعله ﵇، رواه أبو داود والتِّرمذي وصحَّحه (٢)، ولا يجب في الأصحِّ. وعنه: يكره، وعنه: في فرض. ولا يردُّه في نفسه، بل يستحبُّ بعدها؛ لردِّه (٣) ﵇ على ابن مسعود بعد السَّلام (٤). ولو صافح إنسانًا يريد السَّلام عليه؛ لم تبطل.

стр. 871

(وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ؛ بَطَلَتْ)، اعلم أنَّ الكلام فيها ينقسم إلى أقسام: أحدها: أن يتكلَّم عمدًا عالِمًا أنَّه فيها، مع علمه بتحريم ذلك، لغير مصلحة الصَّلاة، ولا لأمر يوجب ذلك؛ بطلت إجماعًا، حكاه ابن المنذر (١)؛ لما روى ابن مسعود قال: كنَّا نسلِّم على النَّبيِّ ﷺ وهو في الصَّلاة فيردُّ علينا، ثمَّ قال: «إن في الصَّلاة لشُغلاً» متَّفق عليه، وفي لفظ لأبي داود قال: فلمَّا قضى رسولُ الله ﷺ الصَّلاة؛ قال: «إنَّ الله يحدث (٢) من (٣) أمره ما يشاء، وإنَّ الله قد أحدَث أن لا تَكلَّموا فيها» (٤). وأبعد في «الرِّعاية»، فحكى قولاً: أنَّها لا تَبطُل بكلامٍ يسيرٍ. والثَّاني: أن يتكلَّم ساهيًا، وهو مُبطِلٌ لها في قول الأكثر؛ للعموم. (وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ سَاهِيًا)، قدَّمه أبو الحسين وابن تميم، ونصره في «التَّحقيق»، ولا فرق بين أن يتكلَّم ساهيًا أنَّه في صلاة أو يَظنَّ أنَّ صلاته قد تمَّت فيسلِّم ويتكلَّم (٥). (أَوْ جَاهِلاً)، ذكره المؤلِّف وصاحب «التَّلخيص»؛ لأنَّه ﵇ لم يأمُر معاويةَ حين شمَّت العاطس جَهْلاً بتحريمه بالإعادة، والسَّاهي مثلُه؛ لأنَّ ما عُذر فيه بالجهل عُذر فيه بالنِّسيان. وظاهِرُه: أنَّه لا فرْقَ بين الجاهل بتحريم الكلام (٦) أو الإبطال به. قال القاضي في «الجامع»: لا أعرف عن أحمدَ نصًّا في الجاهل بتحريم

стр. 872

الكلام (١)، وألْحَق بعضُ أصحابنا الحديثَ العهدِ بالإسلام به. وفيه وجْهٌ: لا تَبطُل بحال، ذكره في «المغني» احتمالاً؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ أعرابيًّا قال وهو في الصَّلاة: اللَّهمَّ ارحمني ومحمَّدًا، ولا ترحَمْ معنا أحدًا»، فلم يأمرْه النَّبيُّ ﷺ بالإعادة، رواه البخاري (٢). ثمَّ قال: والأَولى أن يُخرَّج هذا على الرِّوايتين في النَّاسي؛ لأنَّه معذورٌ بمثله. الثَّالث (٣): أن يتكلَّم جاهلاً، وقد ذُكِر. (وَيَسْجُدُ لَهُ)؛ لعموم الأحاديث، ولأنَّ عمدَه يُبطِلُها، فوجب السُّجود لسهوه؛ كترك الواجبات. لا يقال: لم يؤمر معاوية بالسُّجود فكيف يسجد؛ لأنَّه كان مأمومًا، والإمام يتحمَّل عنه سهوه. الرَّابع: أن يتكلَّم مغلوبًا عليه، وهو أنواع: أحدُها: أن تخرج الحروف بغير اختيارِه؛ كما لو غلبه سُعال أو عُطاس أو تَثاؤبٌ، فبان حرفان، أو سبق لسانه حال قراءته إلى كلمة أخرى غير القرآن؛ لم تبطل، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّه لا يمكنه التَّحرُّز منه، وقيل: هو كالنَّاسي. الثَّاني: أن ينام فيتكلَّم، فقد توقَّف أحمدُ عن الجواب عنه (٥)، والأَولى: أنَّها لا تبطل به؛ لرفع القلم عنه، ولعدم صحَّة إقراره وعتقه.

стр. 873

الثَّالث: أن يُكرَهَ على الكلام، فصحَّح في «المغني»: الإبطالَ به، وذكره ابن شهاب، كما لو أُكرِه على زيادة ركن أو ركعة (١). وذكر في «التَّلخيص» أنَّه كالنَّاسي؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ، والنِّسيانُ، وما اسْتُكرِهوا عليه» (٢)، قال القاضي: هو أَولى منه بالعفو وصحَّة الصَّلاة، نصره (٣) في «التَّحقيق»؛ لأنَّ الفعل غير منسوبٍ إليه، بدليل أنَّه لو أُكره على إتلافِ مال؛ لم يضمنه، والنَّاسي يضمن ما أتلفه. والأوَّل أولى؛ لأنَّ النِّسيان يكثر، بخلاف الإكراه. الرَّابع: أن يتكلَّم بكلام واجب، مثل أن يخشى على ضرير أو صبيٍّ الوقوعَ في هلكة، أو يرى (٤) حيَّةً تقصِد غافلاً، أو نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ولا يمكنه التَّنبيه بالتَّسبيح، فقال أصحابنا: تَبطُل به؛ لما سبق. وقيل: لا، وهو ظاهر كلام أحمد، وصحَّحه في «الرِّعاية»؛ لقصَّة (٥) ذي اليدين. وقيل: هو كالنَّاسي. وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه متى أمكن استغناؤه بإشارةٍ؛ لم يَجُز أن يتكلَّم، ولا يتكلَّم بزيادة على حاجته. وحاصلُه: أنَّ المبطل منه ما كان على حرفَين؛ كقوله: أب، ودم؛ أي: ظاهرًا؛ لأنَّه لا تنتظم كلمة من أقلَّ منهما، فلو قال: لا، فسدَت صلاتُه؛ لأنَّها (٦) لام وألف.

стр. 874

(وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ (١) أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ؛ فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى)، وفيه مسائل: الأولى: إذا قهقه، وهي ضِحْكة معروفة، بأن قال: قَه قَه، فالأظهر: أنَّها تَبطُل به، وإن لم يَبِن حرفان، ذكره في «المغني»، وقدَّمه الأكثر، كالمتن، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (٢)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «القَهقهةُ تَنقُض الصَّلاةَ، ولا تَنقُضُ الوضوءَ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ (٣)، ولأنَّه تعمَّد فيها بما ينافيها، أشبه خطاب الآدمي. وظاهره: أنَّها لا تَفسُد بالتَّبسُّم، وهو قول الأكثر، حكاه ابن المنذر (٤). الثَّانية: إذا نفَخ فيها؛ فهو كالكلام إذا بانَ حرفان، ذكره في «المذهب» و «المحرَّر» و «الوجيز» وصحَّحه المؤلف؛ لما روي عن ابن عبَّاس قال: «من نفَخَ في صلاته فقد تكلَّم» رواه سعيد (٥)، وعن أبي هريرة نحوه (٦)، لكن قال ابن المنذر: (لا يَثبُت عنهما) (٧).

стр. 875

وعنه: تَبطُل مطلقًا؛ لظاهِرِ ما ذكرنا. وعنه: عكسها؛ رُوي (١) عن جماعة منهم ابن مسعود (٢)، وقيل لقدامة بن عبد الله: نتأذَّى بريش الحمام إذا سجدنا، فقال: «انفخوا» رواه البيهقي بإسناد حسن (٣)، وقدامة صحابيٌّ، وعن عبد الله بن عمرو: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نفخ في صلاة الكسوف» رواه أحمد، وأبو داود بإسناد حسن، والبخاري تعليقًا (٤)، وكالحرفِ الواحدِ. والأَولى حملُه على ما إذا لم ينتظِم حرفان، فإن انتظمَ بطَلَت. الثَّالثة: إذا انتحبَ؛ بأن رفع صوتَه بالبكاء من غير خشية، كالكلام إذا بان حرفان؛ لأنَّه من جنس كلام الآدميين. وظاهره: لا فرق بين ما غلب صاحبَه، وما (٥) لم يغلبه، لكن قال في «المغني» و «النِّهاية»: أنَّه إذا غلب صاحبَه لم يضرُّه؛ لكونه غير داخل في وسعه، ولم يحكيا فيه خلافًا. قوله (٦): (فهو كالكلام)؛ أي: يبطل إن كان عمدًا، وإن كان ساهيًا أو جاهلاً؛ خُرِّج على الرِّوايتين.

стр. 876

الرَّابعة: أنَّه إذا انتحَبَ من خشية الله تعالى؛ أنَّه لا يضرُّ؛ لما روى (١) مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي، ولصدرِهِ أزيزٌ كأزيزِ المِرجلِ مِنَ البكاءِ» رواه أحمد وأبو داود (٢)، قال أحمد: (كان عمر يبكي حتَّى يُسمَعَ له نَشِيجٌ) (٣)، وذكره (٤) البخاري عن عبد الله بن شدَّاد: «أنَّه سمعه وهو في آخر الصُّفوف» (٥). وظاهره: وإن لم يكن عن غَلَبة، وقاله القاضي وأبو الخطاب، وصحَّحه ابن تميم، وهو ظاهر كلام الأكثر؛ لأنَّ الله تعالى مدح الباكين فقال: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مَريَم: ٥٨]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسرَاء: ١٠٩]، وهو عامٌّ فيما تضمن (٦) حرفًا أو حروفًا؛ ولأنَّه (٧) ذكر ودعاء، ولهذا مدح إبراهيم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١١٤]، وفي التَّفسير: (أنَّه كان يتأوَّه خوفًا من الله تعالى) (٨). والثَّاني: تَبطُل (٩)، ذكر (١٠) المؤلِّف: أنَّه الأشبه بأصول أحمد؛ لعموم

стр. 877

النُّصوص، والمدح على البكاء لا يخصِّصه؛ كردِّ السَّلام، وتشميت العاطس، وكما لو لم يكن من خشية؛ لأنَّه يقع على الهجاء، ويدلُّ بنفسه على المعنى كالكلام. وإن استدعى البكاءَ؛ كُره كالضَّحك، وإلاَّ فلا. فرع: إذا تأوَّه، أو أنَّ؛ فبان حرفان من خوف الله تعالى؛ لم تبطل وإن كان عن غير غلبة؛ لأنَّ الكلام لا ينسب إليه، ولا يتعلَّق به حكم من أحكام الكلام، فدلَّ أنَّهما إذا ظهرا من بُكاءٍ أو بُصاقٍ أو تَثاؤبٍ أو سُعالٍ -لا من خشية الله تعالى-؛ أنَّها تَبطُل. قال في «المستوعب» وغيره: إذا قلنا إنَّ الكلام ناسيًا لا تَبطُل الصَّلاة به؛ فما كان من هذه الأشياء غالبًا؛ لا تَبطُل به وإن بان حرفان. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: هي كالنَّفخ والقَهْقهَة؛ إن بان حرفان فسدت؛ لأنَّه إذ أبانهما كان متكلِّمًا، أشبه ما لو أنَّ. (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ)، نقلها المَرُّوذِيُّ ومُهنَّى (١)، (وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ)، اختارها المؤلِّفُ، ويَعضُده ما رَوى أحمدُ وابن ماجَهْ عن عليٍّ قال: «كان لي مدخلان من (٢) رسولِ الله ﷺ باللَّيل والنَّهار، فإذا دخلتُ عليه وهو يصلِّي يَتَنحنَح لي»، وللنَّسائيِّ معناهُ (٣)، ولأنَّها

стр. 878

صوتٌ لا يدلُّ بنفسه، ولا مع لفظٍ غيرِه على معنًى؛ لكونها حروف غير محقَّقة كصَوتٍ أُعقل (١)، ولا يُسمَّى فاعلُها متكلِّمًا، بخلاف النَّفخ والتَّأوُّه، وأطلق في «المحرَّر» الرِّوايتين. وقيل: إن تنَحنح لضرورةٍ أو حاجةٍ فبان حرفان؛ فوجهان، وحمل (٢) الأصحاب ما روي عن الإمام (٣) أحمدَ: أنَّه لم يأتِ بحرفَين. وردَّه المؤلِّف؛ بأنَّ ظاهر حاله أنَّه لم يعتبر ذلك؛ لأنَّ الحاجة تدعو إليها.

стр. 879

(فَصْلٌ) (وَأَمَّا (١) النَّقْصُ؛ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا) ناسيًا أو ساهيًا - غيرَ تكبيرةِ الإحرامِ، والنِّيَّةِ إذا قلنا بركنيَّتها -؛ (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى؛ بَطَلَتِ) الرَّكعةُ (التِي تَرَكَهُ مِنْهَا) فقط، نَصَّ عليه (٢)، وجزم به الأصحاب؛ لأنَّه ترك رُكنًا (٣)، ولم يُمكِنِ استدراكُه لتلبسه (٤) بالرَّكعة التي بعدها، فلَغَتْ ركعتُه، وصارت التي شرعَ فيها عِوَضًا عنها. ولا يعيد الاِستفتاحَ، نَصَّ عليه في رواية الأثرم (٥)، وقال: إن ذكر الرُّكنَ المتروكَ قبل السُّجود في الثَّانية؛ فإنَّه يعود إلى السَّجدة الأُولى، وإن ذكر بعد سجوده في الثَّانية؛ وقعت عن الأولى؛ لأنَّ الرَّكعة الأولى قد صحَّت، وما فعله في الثَّانية سهوًا لا يُبطِل؛ كما لو ذكر قبل القراءة، وذكر أحمد هذا القول فقرَّبَه، إلاَّ أنَّه اختار الأوَّلَ، وذكره ابنُ تميم وغيرُه وجهًا. والأوَّلُ أقوى؛ لأنَّ المزحوم في الجمعة إذا زال الزِّحامُ والإمام راكع في الثَّانية؛ فإنَّه يتبعه، ويسجد معه، ويكون السُّجود من الثَّانية دون الأولى. فعلى هذا: إن كان التَّرك من الأولى صارت الثَّانيةُ أوَّلَته (٦)، والثَّالثةُ ثانيَته (٧)، والرَّابعةُ ثالثَته (٨)، ويأتي بركعة، وكذا القول في الثَّانية والثَّالثة والرَّابعة.

стр. 880

فإن رجع عمدًا مع علمه؛ بطَلت صلاتُه، نَصَّ عليه (١)؛ كتركه الواجب عمدًا. وظاهِرُه: أنَّه لا يَبطُل ما مضى من الرَّكعات قبل المتروكِ ركنُها. وقال ابن الزَّاغوني: بلى، وبعَّده ابنُ تميمٍ وغيرُه. (وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أي: قبل القراءة؛ (عَادَ) لُزومًا (فَأَتَى بِهِ)؛ أي: بالمتروك، نَصَّ عليه (٢)؛ لكون القيام غير مقصود في نفسه؛ لأنَّه يلزمه منه قدرُ القراءة الواجبة، وهي المقصودة، ولأنَّه أيضًا ذكره في موضعه، كما لو ترك سجدةً من الرَّكعةِ الأخيرةِ، فذكرها قبل السَّلام، فإنَّه يأتي بها في الحال. وقال في «المبهج»: من ترك ركنًا ناسيًا فلم يَذكُرْ حتَّى شرع في رُكنٍ آخرَ؛ بطلت تلك الرَّكعة، وذكره بعضهم روايةً. فعلى الأوَّل: إن لم يَعُدْ مع علمه؛ بطلت صلاتُه، وإن كان سهوًا أو جهلاً؛ لم تَبطُل؛ لأنَّه فعلٌ غير متعمَّد، أشبه ما لو مضى قبل ذكر المتروك، وتَبطُل تلك الرَّكعةُ. وقال أبو الخَطَّاب: إذا لم يُعِده؛ لا يعتدُّ بما يفعله بعد المتروك. فإن ذكر الرُّكوع وقد جلس (٣)؛ أتى به وبما بعده. فإن (٤) ذكر بعد أن قام من السَّجدة الثَّانية، وكان جلس للفصل؛ أتى بالسَّجدة فقط، ولم يجلس؛ لأنَّه لم يتركه. وقيل: بلى، ثمَّ يسجد، وإلاَّ جلس للفصل، ثمَّ يسجد. (وَ) يأتي معه (بِمَا بَعْدَهُ)؛ لوجوب التَّرتيب.
следующие страницы →