← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الرَّابعة: أنَّه إذا انتحَبَ من خشية الله تعالى؛ أنَّه لا يضرُّ؛ لما روى (١) مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي، ولصدرِهِ أزيزٌ كأزيزِ المِرجلِ مِنَ البكاءِ» رواه أحمد وأبو داود (٢)، قال أحمد: (كان عمر يبكي حتَّى يُسمَعَ له نَشِيجٌ) (٣)، وذكره (٤) البخاري عن عبد الله بن شدَّاد: «أنَّه سمعه وهو في آخر الصُّفوف» (٥). وظاهره: وإن لم يكن عن غَلَبة، وقاله القاضي وأبو الخطاب، وصحَّحه ابن تميم، وهو ظاهر كلام الأكثر؛ لأنَّ الله تعالى مدح الباكين فقال: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مَريَم: ٥٨]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسرَاء: ١٠٩]، وهو عامٌّ فيما تضمن (٦) حرفًا أو حروفًا؛ ولأنَّه (٧) ذكر ودعاء، ولهذا مدح إبراهيم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١١٤]، وفي التَّفسير: (أنَّه كان يتأوَّه خوفًا من الله تعالى) (٨). والثَّاني: تَبطُل (٩)، ذكر (١٠) المؤلِّف: أنَّه الأشبه بأصول أحمد؛ لعموم

стр. 877

النُّصوص، والمدح على البكاء لا يخصِّصه؛ كردِّ السَّلام، وتشميت العاطس، وكما لو لم يكن من خشية؛ لأنَّه يقع على الهجاء، ويدلُّ بنفسه على المعنى كالكلام. وإن استدعى البكاءَ؛ كُره كالضَّحك، وإلاَّ فلا. فرع: إذا تأوَّه، أو أنَّ؛ فبان حرفان من خوف الله تعالى؛ لم تبطل وإن كان عن غير غلبة؛ لأنَّ الكلام لا ينسب إليه، ولا يتعلَّق به حكم من أحكام الكلام، فدلَّ أنَّهما إذا ظهرا من بُكاءٍ أو بُصاقٍ أو تَثاؤبٍ أو سُعالٍ -لا من خشية الله تعالى-؛ أنَّها تَبطُل. قال في «المستوعب» وغيره: إذا قلنا إنَّ الكلام ناسيًا لا تَبطُل الصَّلاة به؛ فما كان من هذه الأشياء غالبًا؛ لا تَبطُل به وإن بان حرفان. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: هي كالنَّفخ والقَهْقهَة؛ إن بان حرفان فسدت؛ لأنَّه إذ أبانهما كان متكلِّمًا، أشبه ما لو أنَّ. (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ)، نقلها المَرُّوذِيُّ ومُهنَّى (١)، (وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ)، اختارها المؤلِّفُ، ويَعضُده ما رَوى أحمدُ وابن ماجَهْ عن عليٍّ قال: «كان لي مدخلان من (٢) رسولِ الله ﷺ باللَّيل والنَّهار، فإذا دخلتُ عليه وهو يصلِّي يَتَنحنَح لي»، وللنَّسائيِّ معناهُ (٣)، ولأنَّها

стр. 878

صوتٌ لا يدلُّ بنفسه، ولا مع لفظٍ غيرِه على معنًى؛ لكونها حروف غير محقَّقة كصَوتٍ أُعقل (١)، ولا يُسمَّى فاعلُها متكلِّمًا، بخلاف النَّفخ والتَّأوُّه، وأطلق في «المحرَّر» الرِّوايتين. وقيل: إن تنَحنح لضرورةٍ أو حاجةٍ فبان حرفان؛ فوجهان، وحمل (٢) الأصحاب ما روي عن الإمام (٣) أحمدَ: أنَّه لم يأتِ بحرفَين. وردَّه المؤلِّف؛ بأنَّ ظاهر حاله أنَّه لم يعتبر ذلك؛ لأنَّ الحاجة تدعو إليها.

стр. 879

(فَصْلٌ) (وَأَمَّا (١) النَّقْصُ؛ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا) ناسيًا أو ساهيًا - غيرَ تكبيرةِ الإحرامِ، والنِّيَّةِ إذا قلنا بركنيَّتها -؛ (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى؛ بَطَلَتِ) الرَّكعةُ (التِي تَرَكَهُ مِنْهَا) فقط، نَصَّ عليه (٢)، وجزم به الأصحاب؛ لأنَّه ترك رُكنًا (٣)، ولم يُمكِنِ استدراكُه لتلبسه (٤) بالرَّكعة التي بعدها، فلَغَتْ ركعتُه، وصارت التي شرعَ فيها عِوَضًا عنها. ولا يعيد الاِستفتاحَ، نَصَّ عليه في رواية الأثرم (٥)، وقال: إن ذكر الرُّكنَ المتروكَ قبل السُّجود في الثَّانية؛ فإنَّه يعود إلى السَّجدة الأُولى، وإن ذكر بعد سجوده في الثَّانية؛ وقعت عن الأولى؛ لأنَّ الرَّكعة الأولى قد صحَّت، وما فعله في الثَّانية سهوًا لا يُبطِل؛ كما لو ذكر قبل القراءة، وذكر أحمد هذا القول فقرَّبَه، إلاَّ أنَّه اختار الأوَّلَ، وذكره ابنُ تميم وغيرُه وجهًا. والأوَّلُ أقوى؛ لأنَّ المزحوم في الجمعة إذا زال الزِّحامُ والإمام راكع في الثَّانية؛ فإنَّه يتبعه، ويسجد معه، ويكون السُّجود من الثَّانية دون الأولى. فعلى هذا: إن كان التَّرك من الأولى صارت الثَّانيةُ أوَّلَته (٦)، والثَّالثةُ ثانيَته (٧)، والرَّابعةُ ثالثَته (٨)، ويأتي بركعة، وكذا القول في الثَّانية والثَّالثة والرَّابعة.

стр. 880

فإن رجع عمدًا مع علمه؛ بطَلت صلاتُه، نَصَّ عليه (١)؛ كتركه الواجب عمدًا. وظاهِرُه: أنَّه لا يَبطُل ما مضى من الرَّكعات قبل المتروكِ ركنُها. وقال ابن الزَّاغوني: بلى، وبعَّده ابنُ تميمٍ وغيرُه. (وَإِنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أي: قبل القراءة؛ (عَادَ) لُزومًا (فَأَتَى بِهِ)؛ أي: بالمتروك، نَصَّ عليه (٢)؛ لكون القيام غير مقصود في نفسه؛ لأنَّه يلزمه منه قدرُ القراءة الواجبة، وهي المقصودة، ولأنَّه أيضًا ذكره في موضعه، كما لو ترك سجدةً من الرَّكعةِ الأخيرةِ، فذكرها قبل السَّلام، فإنَّه يأتي بها في الحال. وقال في «المبهج»: من ترك ركنًا ناسيًا فلم يَذكُرْ حتَّى شرع في رُكنٍ آخرَ؛ بطلت تلك الرَّكعة، وذكره بعضهم روايةً. فعلى الأوَّل: إن لم يَعُدْ مع علمه؛ بطلت صلاتُه، وإن كان سهوًا أو جهلاً؛ لم تَبطُل؛ لأنَّه فعلٌ غير متعمَّد، أشبه ما لو مضى قبل ذكر المتروك، وتَبطُل تلك الرَّكعةُ. وقال أبو الخَطَّاب: إذا لم يُعِده؛ لا يعتدُّ بما يفعله بعد المتروك. فإن ذكر الرُّكوع وقد جلس (٣)؛ أتى به وبما بعده. فإن (٤) ذكر بعد أن قام من السَّجدة الثَّانية، وكان جلس للفصل؛ أتى بالسَّجدة فقط، ولم يجلس؛ لأنَّه لم يتركه. وقيل: بلى، ثمَّ يسجد، وإلاَّ جلس للفصل، ثمَّ يسجد. (وَ) يأتي معه (بِمَا بَعْدَهُ)؛ لوجوب التَّرتيب.

стр. 881

(وَإِنْ كَانَ) ذكره (١) (بَعْدَ السَّلَامِ؛ فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ)، كذا ذكره جماعة منهم في «المحرَّر»؛ لأنَّ الرَّكعة التي لَغَتْ بترك ركنها؛ غير معتدٍّ بها، فوجودها كعدمها، فإذا سلَّم قبل ذِكرها؛ فقدْ سلَّم من نقصٍ. فإن طال الفصلُ أو أحدث؛ بطلَت لفواتِ المُوالاة، كما لو ذكره في يوم آخر. وإن لم يَطُل بل كان عن قُرْبٍ عُرفًا؛ لم تَبطُل، وأتى بركعةٍ، وظاهره: لو (٢) انحرف عن القبلةِ أو خرَجَ من المسجد، نَصَّ عليه (٣)، ويسجد له قبل السَّلام، نقله حرب (٤) بخلاف ترك الرَّكعة بتمامها. وقال أبو الخطَّاب، وجزم به في «التَّبصرة» و «التَّلخيص»: تَبطُل، ونقله الأثرمُ (٥) وغيرُه؛ لأنَّه تركَ ركنَ الصَّلاة، ولم يمكنْه استدراكُه؛ لكونِه خرجَ منها بالسَّلام. والأوَّل (٦) أَولى، كما لو كان المتروكُ ركعةً، فإنَّه إجماعٌ؛ لخبرِ ذي اليدين (٧). لكن ذكر في «المغني» و «الشَّرح»: (إن كان المتروكُ سلامًا؛ أتى به فحسْبُ، وإن كان تشهُّدًا؛ أتى به وبالسَّلام، وإن كان غيرَهما أتى بركعةٍ كاملةٍ)، وهو المنصوص (٨).

стр. 882

وقيل: يأتي بالرَّكن وبما بعده، قال ابن تميم: (وهو أحسن). وإن (١) لم يعلم حتَّى شرع في صلاةٍ؛ فقد سبق. تنبيه: إذا ترك رُكنًا لا يَعلَم موضعَه، أو جهل عَين الرُّكن المتروك؛ بنى على الأحوط؛ لئلاَّ يخرج من الصَّلاة وهو شاكٌّ فيها، فتكون مُغَرَّرًا بها؛ لقوله ﵇: «لا غِرارَ في صلاةٍ، ولا تسليمٍ» رواه أبو داود (٢)، قال الأثرمُ: سألتُ أبا عبد الله عن تفسيره (٣): (أمَّا أنا فأرى أن لا يخرج منها إلاَّ على يقين أنَّها قد تمَّت) (٤). فعلى هذا: إذا ترك سجدةً لا يَعلَم مِنْ الأولى أو (٥) الثَّانية؛ جعَلَها مِنْ الأولى وأتى بركعة، وإن تركَ سجدتين لا يَعلَم مِنْ ركعة أو ركعتين؛ سجدَ سجدةً، وحصلت له ركعةٌ، وإن ذَكَر بعد شروعه في قراءة الثَّالثة لغَت الأُولَيان، فإن (٦) ترك ركنًا لا يَعلَم هل هو ركوعٌ أو سجودٌ، جعلَه رُكوعًا، وإن شكَّ في القراءة والرُّكوع؛ جعله قراءةً، وإن ترك اثنتَين متواليتَين من الفاتحة؛ جعلهما من ركعة، وإن لم يعلم تواليهما؛ جعلهما من ركعتين. (وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ؛ سَجَدَ سَجْدَةً، فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ) نقله الجماعةُ (٧)، وصحَّحه في

стр. 883

«التَّلخيص» وهو المذهبُ؛ لأنَّه قد بطل كل واحدة من الثَّلاث بشروعه في التي بعدها، وبقيت الرَّابعةُ ناقصةً، فيتمُّها بسجدة فتصحُّ، وتصير أولاه، ويأتي بالثَّلاث الباقية، ثمَّ يتشهَّد، ويسجد للسَّهو ويسلِّم. وعنه: تصحُّ (١) له ركعتانِ، ويأتي بركعتَينِ، قال المؤلِّفُ: ويحتمل أن يكون هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ أحمد حكاه عن الشافعي، وقال: هو أشبه من قول هـ (٢). وعنه: لا يصحُّ (٣) له سوى تكبيرة الإحرام، فيَبنِي عليها. (وَعَنْهُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ)، وقاله إسحاقُ (٤)؛ لأنَّه يؤدِّي إلى التَّلاعب في الصَّلاة، ويُفضِي إلى عملٍ كثيرٍ غيرِ معتدٍّ به، وهو ما بين التَّحريمة والرَّكعة الرَّابعة، وبناهُ جماعةٌ منهم صاحب «الشَّرح» على المسألة قبلَها. فإن لم يذكُر حتَّى سلَّم؛ بطلَت، نَصَّ عليه (٥)، وذكره في «المُذهب» و «التَّلخيص» روايةً واحدةً؛ لأنَّ الرَّكعةَ الأخيرةَ بطلت بسلامه. وفيه وجْهٌ: كما لو لم يُسلِّمْ. وإن ذكَر، وقد قرأ في الخامسة؛ فهي أُولاه، ولغا ما قبلها، ذكره في «التَّلخيص» وغيره، ولا يُعيد الافتتاح، وتشهُّده قبل سجدتَي الأخيرةِ زيادةٌ فِعليَّة، وقبل السَّجدة الثَّانية زيادةٌ قوليَّة. (وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ؛ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا)، كذا ذكره جماعةٌ منهم صاحب «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لما رَوى المغيرةُ بنُ شُعبةَ:

стр. 884

أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ أحدُكم من الرَّكعتَين فلم يَسْتَتِمَّ قائمًا فليَجلِسْ، وإذا اسْتَتَمَّ قائمًا فلا يجلسْ، ويَسجد سجدتيِ (١) السَّهو» رواه أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجَهْ من روايةِ جابِرٍ الجُعْفي، وقد تُكُلِّم فيه، (٢) ولأنَّه أخلَّ بواجبٍ، وذكره قبل الشَّروع في ركن، فلزمه الإتيان به، كما لو لم تُفارِقْ ألْيَتاهُ الأرضَ. وظاهِرُه: أنَّه يلزمه الرُّجوعُ سواء فارقت ألْيَتاهُ الأرض أو كان إلى القيام أقرب، ويَجبُ على مأمومٍ اعتدل مُتابعتُه. (وَإِنِ (٣) اسْتَتَمَّ قَائِمًا) ولم يَقرَأْ؛ (لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ) نَصَّ عليه (٤)، وهو معنى ما في «المحرَّر» و «المذهب» و «التَّلخيص» و «الكافي»، وذَكَر أنَّه قولُ الأصحاب (٥)؛ كما لو ذكره قبل الاعتدال، ولأنَّه لم يتلبَّس بركن مقصود؛ لأنَّ القيام ليس بمقصود في نفسه، ولهذا جاز تركه عند العجز، بخلاف غيره من الأركان.

стр. 885

والأَشهَرُ: يُكرَه رجوعُه، جزم به في «الوجيز»، وذكره في «الفروع». وعنه: يَمضِي وجوبًا، صحَّحه المؤلِّف؛ لما تقدَّم من حديثِ المغيرةِ، ولأنَّ القيام ركن، فلم يَجُز الرُّجوعُ بعد الشُّروع فيه كالقراءة. وعنه: يلزمه الرُّجوعُ، وقاله النَّخَعيُّ. ويتبعه المأموم. (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ (١) الرُّجُوعُ)؛ لحديث المغيرةِ، ولأنَّه شرع في ركن مقصود، كما لو شرع في الرُّكوع. وظاهِرُه: أنَّها تبطل صلاةُ الإمام إذا رجع بعد شروعه فيها، إلاَّ أن يكون جاهلاً أو ناسيًا، وكذا حال المأمومين (٢) إن تبِعوه، وإن سبَّحوا به قبل أن يعتدِل فلم يَرجِع؛ تشهَّدوا لأنفسهم وتبِعوه. وقيل: بل يفارقونه، ويُتمُّون صلاتهم. (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ)، جزم به أكثر الأصحاب؛ لحديث المغيرة، ولعموم قوله ﵇: «إذا سها أحدُكم فليسجد سجدتين» (٣). وعنه: إن كثر نهوضه، وإن قلَّ (٤)، قدَّمه ابن تميم. وفي «التَّلخيص»: إن بلغ حدَّ الرُّكوع سجد؛ لأنَّه زاد ما يُبطِل عمدُه الصَّلاةَ. وقال القاضي في موضع: إذا لم يَعتدِل قائمًا فلا سجود، وحكاه في

стр. 886

«شرح المذهب» عن شيخه؛ لخبرٍ رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (١). مسألة (٢): حُكمُ تركِ الذِّكرِ فيه كتركهما، فلو نسي تسبيح ركوع، فذكره بعد زواله عن حدِّ الرُّكوع حتَّى انتصب قائمًا؛ فوجهان: أحدهما: لا يرجع، جزم به في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنه (٣) يزيد ركوعًا، ويأتي بالتَّسبيح في ركوع غير مشروع. فعلى هذا: إن رجع بطلَت، لا سهوًا، بل يسجد له، فإن أدركه مسبوقٌ في هذا الرُّكوع لم يُدرِكها، ذكره المؤلِّف. والثَّاني: يجوز له الرُّجوعُ، اقتصر عليه في «المحرَّر»، وذكره القاضي قياسًا على القيام في ترك التَّشهُّد، وليس مثلَه؛ لأنَّ التَّشهُّدَ واجبٌ في نفسه غير متعلِّق بغيره، بخلاف بقيَّة الواجبات؛ لأنَّها تجب في غيرها، كالتَّسبيح، مع أنَّ الأَولى في التَّشهُّد لا يرجع؛ إمَّا جزمًا كما في «المغني»، أو استحبابًا كالمشهور. وقياس بقيَّة الواجبات مثله، قاله في «المحرر» وغيره.

стр. 887

(فَصْلٌ) (وَأَمَّا الشَّكُّ)، هذا هو القسم الثَّالثُ ممَّا يشرع له سجود السَّهو. (فَمَنْ (١) شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)، اختاره الأكثرُ، منهم أبو بكر، ورُوي عن عمرَ (٢) وابنِه (٣) وابنِ عبَّاس (٤)؛ لما روى أبو سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلم يدرِ كم صلَّى؛ فليطرح الشَّكَّ، وليَبْنِ على ما استيقنَ، ثمَّ يسجدُ سجدتين قبل أن يسلِّمَ» رواه مسلم (٥)، وكطهارة (٦) وطواف، ذكره ابن شهاب، ولأنَّ الأصل عدم ما شكَّ

стр. 888

فيه، وكما لو شكَّ في أصل الصَّلاة، وسواء تكرَّر ذلك منه أوْ لا، قاله في «المستوعب» وغيره. (وَعَنْهُ: يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ)، نقلها الأثرم (١)، وذكر الشَّريف وأبو الخطَّاب: أنَّها اختيار الخِرَقِي، وروي عن عليٍّ (٢) وابن مسعود (٣)؛ لما روى ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِهِ؛ فليَتَحرَّ الصَّوابَ فليتمَّ عليه، ثمَّ لِيسجد سجدتَين» متَّفقٌ عليه، وللبخاريِّ: «بعد التَّسليم»، وفي لفظٍ لمسلمٍ: «فليتحرَّ أقربَ ذلك إلى الصَّوابِ» (٤). واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه يستأنفها من يعرض له أولاً (٥)، وقال: على

стр. 889

هذا عامَّة أمور الشَّرع، وأنَّ مثله يقال في طواف، وسعي، ورمي جمار، وغير ذلك (١). (وَظَاهِرُ المَذْهَبِ: أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ)، جزم به في «الكافي» و «الوجيز»، وذكر في «الشَّرح»: أنَّه المشهور عن أحمدَ، وأنَّه (٢) اختيار الخِرَقِيِّ؛ جمعًا بين الأخبار، ولأنَّ للإمام من ينبِّهه ويذكِّره إذا أخطأ الصَّواب، بخلاف المنفرِد. ومرادهم: ما لم يكن المأمومُ واحدًا، فإن كان؛ فباليقين؛ لأنَّه لا يرجع إليه، بدليل المأموم الواحد لا يرجع إلى فعل إمامه، ويبني على اليقين للمعنى المذكور، ويُعايا بها. وذكر في «المُذهب»: أنَّ المنفرد يَبنِي على الأقلِّ روايةً واحدةً، وكذا الإمام في الأصحِّ. (فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)، وهو الأقلُّ بغير خلاف (٣)؛ لأنَّه الأصل، وهو شامِلٌ للإمام والمنفرد، وأمَّا المأموم فيَتبَعُ إمامَه مع عدم الجزم بخطئه، وإن جزم بخطئه؛ لم يتبعه، ولم يسلِّم قبله. وإن تيقَّن الإمامُ أنَّه مصيبٌ فيما فعله؛ لم يسجد للسَّهو في الأَشهَر، وسواءٌ بنى على اليقين أو غلبة الظَّنِّ. (وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ؛ فَهُوَ كَتَرْكِهِ)، ويعمل باليقين؛ لأنَّ الأصل عدمه. وقيل: هو كركعة قياسًا.

стр. 890

قال أبو الفرَج: التَّحرِّي سائغٌ في الأقوال والأفعال، ومحلُّه في غير تكبيرة الإحرام والنِّيَّة على ما مرَّ. (وَإِنْ (١) شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وكذا في «الفروع»: أحدهما: يلزمه السُّجود، قدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه في «الشَّرح» (٢)؛ لأنَّ الأصل عدمه. والثَّاني: لا (٣)، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»، وذكر في «المُذهب» أنَّه قولُ أكثر أصحابنا؛ لأنَّ الأصل عدم وجوبه، فلا يَجِب بالشَّكِّ. (وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ؛ لَمْ يَسْجُدْ)؛ لأنَّ الأصلَ عدمُها. وعنه: يسجد، اختاره القاضي، كشكِّه فيها وقت فعلها، فلو بان صوابُه، أو سجد ثمَّ بان أنه (٤) لم يَسْهُ، أو سها بعده قبل سلامه في سجوده قبل السَّلام؛ فوجهان. وقيل: يسجد في النَّقص لا الزِّيادة، قال في «الرِّعاية»: وهو أظهر. فإن كان شكُّه بعد السَّلام؛ لم يَلتفِت إليه، نَصَّ عليه (٥)؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه أتى بها على الوجه المشروع. وقيل: بلى مع قِصَر الزَّمن.

стр. 891

فإن طال فلا، وجهًا واحدًا. فرع: إذا شكَّ هل سهوه ممَّا يُسجَدُ له أم لا، أو ظنَّ أنَّ له سهوًا فسجد (١) له؛ فبان سجوده له سهوًا؛ فهل يسجد؟ فيه وجهان. فإن كثر السَّهو حتَّى صار وسواسًا؛ لم يَلتفِتْ إليه. (وَلَيْسَ عَلَى المَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ (٢) في قول عامَّة العلماء؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليس على من خَلْفَ الإمامَ سهوٌ، فإن سها الإمامُ فعليه وعلى من خلفه» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). وظاهِرُه: ولو أتى بما تركه بعد السَّلام، لكن إن سها فسلَّم معه، أو سها معه أو فيما انفرد به (٤)؛ سجد، وكذا إن سها بعد مُفارَقة إمامِه روايةً واحدةً. (إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ فَيَسْجُدُ مَعَهُ)، وحكاه إسحاق وابن المنذر إجماعًا (٥)؛ لعموم قوله: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا سجدَ فاسجدوا» (٦)، وسواءٌ كان السُّجودُ قبل السَّلام أو بعده.

стр. 892

وظاهِرُه: أنَّه يسجد مسبوقٌ مع إمامه إن سها إمامه فيما أدركه، وكذا فيما لم يدركه (١). وعنه: لا يَلحَقه حكمُه، فلا يسجد معه، بل يقضي، ثمَّ يسجد إن سجد بعد السَّلام، وإن سجد قبله تبعه. وعنه: يخيَّر بين متابَعةِ إمامه وتأخير السُّجود إلى آخر صلاته. وإذا تبع المسبوق إمامه، ثمَّ قضى هل يعيد السُّجودَ (٢)؟ فيه روايتان: إحداهما: يعيده (٣)؛ لأنَّ محلَّه آخر صلاته، وإنَّما سجد مع إمامه تبعًا. والثَّانية: لا؛ لأنَّه قد سجد وانجبرت صلاته. فإذا (٤) لم يسجد معه؛ سجد وجهًا واحدًا. وظاهره: أنَّه يسجد مع إمامه ولو لم يُكْمِل التَّشهُّدَ، ثمَّ يتمُّه. وقيل: ثمَّ يعيد السُّجود إذا سلَّم. تنبيهٌ: إذا قام مأموم لقضاء ما فاته، فسجد إمامه بعد السَّلام، وقلنا: يجب عليه متابعة إمامه؛ فهو كالقائم عن التَّشهُّد الأوَّل، نَصَّ عليه (٥). وهل يعود، أو لا، أو يخيَّر؟ فيه رواياتٌ. فإن كان قرأ؛ لم يرجع على المذهب.

стр. 893

فإن أدركه في إحدى سجدتي السَّهو؛ سجد معه، فإذا سلَّم أتى بالثَّانية، ثم قضى (١) صلاتَه، نَصَّ عليه (٢). وقيل: لا يأتِي بها، بل يقضي صلاتَه بعد سلام إمامه، ثمَّ يسجد. وإن أدركه بعد سجود السَّهو وقبل السَّلام؛ لم يسجد، قاله في «المُذهب». (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ؛ فَهَلْ يَسْجُدُ المَأْمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يَسجد، اختارها الأكثرُ؛ لأنَّها نقصت بسهو إمامه؛ فلزمه جبرها، وكما (٣) لو انفرد لعذرٍ؛ ولعموم (٤) قوله: «فعليه (٥) وعلى من خلفه» (٦). والثَّانية: لا، قدَّمها في «المحرَّر»، وهي ظاهر «الوجيز»، وقاله جماعةٌ؛ لأنَّه إنَّما يَسجُد تَبَعًا، ولم يوجد. قال في «التَّلخيص»: وأصلهما؛ هل سجود المأموم تَبَعًا، أو لسهو إمامه؟ فيه (٧) روايتان. وهذا فيما إذا تركهما الإمام سهوًا (٨)، فإن ترك سجود السَّهو الواجب قبل

стр. 894

السَّلام عمدًا؛ بطلت صلاةُ الإمام، وفي صلاتهم روايتان. والمرادُ بالمأموم: غير المسبوق ببعضها، فإنَّه لا يسجد لذلك في قول أكثرهم.

стр. 895

(فَصْلٌ) (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ؛ وَاجِبٌ) في ظاهِرِ المذهب (١). وعنه: شرط لصحَّتها، حكاه (٢) ابن تميم وغيرُه. وعنه: سنَّةٌ، وتأوَّلها بعضهم (٣). والأوَّل: هو المشهور عن أحمد، قاله ابن هُبَيرةَ، سوى نفْس سجود سهوٍ قبل سلام، فإنَّها تصحُّ مع سهوه، وتبطل بتركه عمدًا، ولا يجب السُّجود له. (وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إِلاَّ فِي السَّلَامِ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إِذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) (٤)، هذا هو (٥) المذهب، واختاره الأكثرُ؛ لحديث ابن مسعود وذي اليدَين (٦)، ولأنَّه من تمامها، فكان قبل السَّلام؛ كسجود صُلْبِها. وظاهِرُه: لا فرق بين أن يسلِّم عن نقص ركعة أو أقلَّ. وقال في «الخلاف» و «المحرَّر» وغيرهما: عن نقصِ ركعةٍ، وإلاَّ قبْلَه، نَصَّ عليه (٧).

стр. 896

(وَعَنْهُ: أَنَّ الْجَمِيعَ قَبْلَ السَّلَامِ) (١)، اختاره أبو محمَّد الجَوزي وابنه أبو الفرَج، قال في «الخلاف»: وهو القياس؛ لحديث ابن بُحَينَةَ وغيره (٢)، قال الزُّهريُّ: (كان آخر الأمرَين السُّجودَ قبل السَّلام) (٣). وعنه: عكسه؛ لحديث ثَوبان: «لكلِّ سهوٍ سجدتان بعدَ التَّسليمِ» رواه سعيدٌ من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن الشاميِّين (٤). (وَعَنْهُ (٥): مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَانَ قَبْلَهُ)، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأنَّه ﵇ سجد في حديث ابن بُحَينةَ قبل السَّلام، وكان من نقص. والصَّحيح: أنَّ كلَّ سجود سجده ﵇ بعد السَّلامِ (٦)؛ فهو بعد السَّلام، وسائر السُّجود قبله. وعنه: عكسه. وهذا الخلافُ في محلِّ وجوبه، وهو ظاهر «المستوعب» و «التَّلخيص»، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧)، ويدلُّ عليه كلامُ أحمدَ.

стр. 897

والثَّاني: أنَّه في محل الفضل (١)، ذكره القاضي وأبو الخطَّاب، وجزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»، قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرَين، وإنَّما الكلام في الأَوْلى والأفضل، فلا معنى لادِّعاء النَّسخ. (وَإِنْ نَسِيَهُ (٢) قَبْلَ السَّلَامِ؛ قَضَاهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ) عُرفًا (أَوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ)، نَصَّ عليه (٣)، وقدَّمه في «المستوعب» و «التَّلخيص» و «المحرَّر» وغيرهم؛ لما روى ابن مسعود: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجدَ بعدَ السَّلامِ والكلام» رواه مسلمٌ (٤)، ولأنَّه لتكميل الصَّلاة، فلا يأتي به بعد طول الفصل؛ كركنٍ من أركانها، ولأنَّ المسجد محلُّ الصَّلاة، فاعتبرت فيه المدَّة؛ كخِيَار المجلس. وظاهِرُه: أنَّه إذا طال أو خرج أو أحدث؛ لم يسجد وصحَّت، وأنَّه يأتي به ولو تكلَّم، صرَّح به في «المحرَّر»؛ للخبر. وعنه: متى تكلَّم امتنع من السُّجود، ولو كان في المسجد (٥). وقيل: إن تكلَّم لا (٦) لمصلحة الصَّلاة لم يسجد. وقيل: إن طال الفصل وهو في المسجد؛ لم يَمنَع، وهو ظاهر الخِرَقي؛ لأنَّ حكم المسجد حكم البقعة الواحدة، فكأنَّه باقٍ في مصلاَّه؛ بدليل الاقتداء.

стр. 898

وقيل: يسجد وإن خرج من المسجد ما لم يَطُلِ الفصلُ، صحَّحه ابن تميمٍ (١)، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لأنَّه ﵇ رجع إلى المسجد بعد خروجه منه لإتمام الصَّلاة (٢)، فالسُّجود أَوْلى. وعنه: يَسجُد وإن خرج وطال الفصلُ؛ كجُبرانات الحجِّ (٣). وعنه: لا يسجد مطلقًا. وفيه وجه: إذا أحدث بعد صلاته وتوضَّأ أنَّه يسجد. تنبيه: إذا ذكره وهو في صلاةٍ أخرى؛ سجد إذا سلَّم. وقيل: إن قرب الزَّمن. ولا يجب بترك سجود السَّهو ساهيًا سجود آخر، ولا تَبطُل به؛ لأنَّه جابِرٌ للعبادة كجُبْراناتِ الحجِّ. وعنه: متى تعذَّر السُّجودُ الواجبُ بطلتْ. (وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ) إذا لم يَختَلف محلُّهما، بغير خلاف (٤)، (إِلاَّ أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهُمَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ): أحدهما: يكفيه سجدتان، نَصَّ عليه (٥)، ونصره المؤلِّفُ، وهو ظاهر

стр. 899

«الوجيز» وقول الأكثر (١)؛ لأنَّه ﵇ سها فسلَّم، وتكلَّم بعد سلامه، وسجد لهما سجودًا واحدًا (٢)، ولأنَّه شُرِع للجبر، فكفى فيه سجود واحد؛ كما لو كان من جنسٍ، ولأنَّه إنَّما أُخِّر ليجمع السَّهو كلَّه. والثَّاني (٣): يتعدد، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لعموم حديث ثَوبانَ: «لكلِّ سهوٍ سجدتان بعد السَّلام» (٤)، ولأنَّ كل سهو يقتضي سجودًا، وإنَّما يتداخلان في الجنس الواحد. وجوابُه: بأنَّ السَّهو اسم جنسٍ، فيكون التَّقدير: لكلِّ صلاةٍ فيها سهوٌ سجدتان، يدلُّ عليه قوله: «بعد السَّلام»، ولا يلزمه بعد السَّلام سجودان. والجنسان (٥) ما كان قبل السَّلام وبعده. وقيل: ما كان من زيادةٍ ونقصٍ. والأَوَّل أَوْلى، قاله المؤلف. وإذا قيل بالتداخل؛ سجد قبل السَّلام؛ لأنَّه الأصل. وقيل: بعده. وقيل: الحكم للأسبق. فرع: إذا شكَّ في محلِّ سجوده؛ سجد قبل السَّلام. ومن شكَّ هل سجد لسهوه أو لا؛ سجد مرَّةً في الأَشهَر. فلو فارق إمامه لعذرٍ، وقد سها الإمام، ثمَّ سها المأموم فيما انفرد به؛ فالمنصوصُ عنه: أنَّهما جنس واحد، ويكفيه في الأصحِّ سجودٌ لسهوَين (٦)، أحدهما جماعةً، والآخَرُ منفرِدًا.

стр. 900

(وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ)، زاد المؤلِّف وغيرُه: سواءٌ كان محلُّه بعد السَّلام، أو قبله فنسيه إلى ما بعده؛ (جَلَسَ فَتَشَهَّدَ)؛ أي: التَّشهُّدَ الأخيرَ وجوبًا، (ثمَّ سلَّم)، وهو قولُ جماعةٍ منهم ابنُ مسعودٍ (١)؛ لما روى عِمرانُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سها فسجدَ سجدتَين، ثمَّ تشهَّدَ، ثمَّ سلَّمَ» رواه أبو داود والتِّرمذي وحسَّنه (٢)، ولأنَّه سجود يُسلَّم له، فكان معه تشهُّد يعقبه سلام؛ كسجود الصُّلب. وفي تورُّكه في ثنائية (٣) وجهان. ويكبِّر للسُّجود والرَّفعِ منه؛ لفعله ﵇ (٤). وقيل: إن سجد بعد السَّلام؛ كبَّر واحدةً، ذكره ابنُ تميمٍ.

стр. 901

وصفته، وما يقول فيه وبعد الرَّفع منه؛ كسجود الصُّلب. وقيل: لا يتشهَّد، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)؛ كسجوده قبل السَّلام، ذكره في «الخلاف» إجماعًا، ولأنَّه سجودٌ مفردٌ أشبهَ سجدةَ التِّلاوة. (وَمَنْ (٢) تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا؛ بَطَلَتْ الصَلَاةُ) بما قبل السَّلام؛ لأنَّه ترك الواجب عمدًا. وعنه: لا، ذكره في «المحرَّر» قولاً، مع قطعه بوجوبه كواجبات الحجِّ. (وَإِنْ تَرَكَ المَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لَمْ تَبْطُلْ) في ظاهر المذهب؛ لأنَّه جبرٌ للعبادة خارجٌ منها، فلم تَبطُل بتركها، كجُبرانات الحجِّ، وسواء تركه عمدًا أو سهوًا. وعنه: تَبطُل؛ قياسًا على المشروع قبل السَّلام. ويُفرَّق بين الواجب في الصَّلاة والواجب (٣) لها؛ لأنَّ الأذان والجماعة واجبٌ لها، ولا تَبطُل بترك شيء (٤) من ذلك. وفي صلاة المأمومين عليهما الرِّوايتان.

стр. 902

(بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) التَّطوُّع في الأصل: فِعلُ الطَّاعة، وشرعًا وعُرفًا: طاعةٌ غيرُ واجبةٍ. والنَّفْل والنَّافلة: الزِّيادة. والتَّنفُّلُ: التَّطوُّعُ. (وَهِيَ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ)؛ لما روى سالمُ بنُ أبي الجَعد عن ثوبانَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اسْتقِيموا ولن تُحْصُوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصَّلاةُ» رواه ابن ماجَهْ، وإسنادُه ثِقاتٌ إلى سالم، قال أحمدُ: سالم (١) لم يَلقَ ثوبانَ، بينهما مَعْدانُ بن أبي (٢) طلحةَ، ولَيستْ هذه الأحاديثُ صِحاحًا، ورواه البَيْهَقِيُّ في «سننه»، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، ومالكٌ في «موطَّئه» بلاغًا، وله طُرُقٌ فيها ضعفٌ (٣)، ولأنَّ فرضَها آكَدُ الفروضِ، فتطوُّعها آكد التَّطوُّعات، ولأنَّها تَجمع أنواعًا من العبادة: الإخلاص، والقراءة، والرُّكوع، والسُّجود، ومناجاةِ الرَّبِّ، والتوجُّه إلى القِبلة، والتَّسبيح، والتَّكبير، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ . لكنْ أطلق أحمدُ والأصحابُ: أنَّ الجهادَ أفضلُ الأعمال المتطوَّع (٤) بها، قال أحمد: (لا أعلم شَيئًا بعد الفرائض أفضلَ من الجهاد) (٥).

стр. 903

وذكر أكثر أصحابنا: ثمَّ العِلْم، ثمَّ الصَّلاة. وعلى ما ذكره في الجهاد: أنَّه أفضل الأعمال المتطوَّع بها، والصَّلاة أفضل تطوُّع بَدَنِيٍّ محْض. وذَكَر جماعةٌ: أنَّ النَّفقة فيه أفضلُ. وجزم آخرون: بأنَّ الرِّباط أفضل من الجهاد. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: استِيعابُ عشرِ ذي الحجة بالعبادة ليلاً ونهارًا أفضلُ من جهاد لم يذهب فيه نفسُه ومالُه (١). ونقل مُهنَّى: (طلبُ العلم أفضلُ الأعمال لمن صحَّت نيَّته)، قيل: فأيُّ شيء تصحيح النِّيَّة؟ قال: (ينوي (٢) يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل) (٣). وقيل: بل الصَّوم أفضل؛ لقوله ﵇ لأبي أمامةَ: «عليك بالصَّومِ؛ فإنَّه لا مثلَ له» رواه النَّسائيُّ، وفيه لِينٌ (٤). وقيل: ما تعدَّى نفعُه؛ كعيادةِ مريضٍ، واتِّباعِ جنازةٍ. وظاهر كلام ابن الجَوزي: أنَّ الطَّواف أفضل من الصَّلاة فيه، وقاله (٥) الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وذكره عن الجمهور (٦). وقيل: الحجُّ أفضل؛ لأنَّه جهادٌ؛ فإنَّ فيه مشهدًا ليس في الإسلام مثلُه؛

стр. 904

وهو يوم عرفة، وإن مات به فقد خرج من ذنوبه. ونقل عنه مثنَّى (١) أفضليةَ الفِكر (٢) على الصَّلاة والصَّوم. قال في «الفروع»: فيتوجَّه أنَّ عملَ القلب أفضلُ من عمل الجوارح. وحاصله: أنَّ أفضلَها جهادٌ، ثمَّ توابعه، ثمَّ علم؛ تعلُّمه وتعليمه (٣)، ثمَّ صلاة. ونصَّ: أنَّ الطَّواف لغريب أفضل منها فيه (٤)، والوقوفُ بعرفة أفضلُ منه في الصَّحيح. ثمَّ ما تعدَّى نفعُه، فصدقةٌ على قريب محتاج أفضل من عتق، وعتق أفضل من صدقة على أجنبيٍّ، إلاَّ (٥) زمن (٦) حاجة، ثمَّ حجٌّ، ثمَّ عتقٌ، ثمَّ صوم. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ الذِّكر بقلب أفضل من القراءة بلا قلب (٧)، وهو معنى كلام ابن الجوزي. (وَآكَدُهَا: صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ)؛ لأنَّه يُشرَع لهما الجماعةُ مطلقًا، أشبها الفرائض. وظاهره: أنّ صلاة الكسوف آكد من صلاة الاستسقاء؛ لأنَّه ﵇ لم يتركها عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنَّه كان يستسقي تارةً (٨)، ويترك أخرى.

стр. 905

ويلحَق بهما في الآكدية: ما تسنُّ له الجماعةُ؛ كالتَّراويح، ذكره في «المذهب» و «المستوعب»؛ وهو معنى ما في «الفروع». (ثُمَّ الْوَتْرُ)، قدَّمه جماعةٌ، منهم صاحبُ «التَّلخيص»، وجزم به في «الوجيز» وغيره. وذكر ابنُ تميمٍ وجهًا: أنَّه آكد ممَّا تسنُّ له الجماعة. وهذا على المشهور؛ أنَّه ليس بواجب. وقال القاضي: ركعتا الفجر آكدُ منه؛ لاختصاصها بعدد مخصوص، وهو روايةٌ. وذكر المؤلِّفُ: أنَّ السُّننَ الرَّاتبةَ آكدُ من التَّراويحِ. ونقل حنبلٌ: ليس بعد المكتوبة أفضلُ من قيام الليل (١). (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) نَصَّ عليه (٢)؛ وهو الصَّحيح من المذهب؛ لقوله ﵇ للأعرابيِّ حين سأله عمَّا فرض الله عليه من الصَّلاة، قال: «خَمسُ صلواتٍ»، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلاَّ أن تطَّوَّعَ» متَّفقٌ عليه (٣)، وكذَّب عُبادةُ رجلاً يقول (٤): الوتر واجب، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خَمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ على العبد في اليوم واللَّيلة» الخبر (٥)، وعن عليٍّ قال: «الوتر ليس بحتمٍ كهيئةِ الصَّلاةِ المكتوبةِ، ولكنَّه سنَّةٌ سنَّها رسول الله ﷺ » رواه

стр. 906

أحمد والتِّرمذيُّ وحسَّنه (١) ولأنَّه يَجوز فعله على الرَّاحلة من غير ضرورة، أشبه السُّنن. وعنه: هو واجب (٢)، اختاره أبو بكر؛ لقول النبي ﵇: «من لم يوتر فليس منَّا» رواه أحمد وأبو داود، وفيه ضعفٌ (٣)، وعن أبي أيوب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الوتر حقٌّ؛ فمن أحبَّ أن يوترَ بخمسٍ فليفعل، ومن أحبَّ أن يوترَ بثلاثٍ فليفعل، ومن أحبَّ أن يوترَ بواحدةٍ فليفعل» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، ورواته ثقات، والنَّسائي، وقال: (الموقوف (٤) أَولى بالصَّواب) (٥)، وكان ﵇ يواظِب عليه حضَرًا وسفرًا (٦).

стр. 907

وقال أحمدُ: (من ترك الوتر عمدًا فهو رجلُ سوءٍ، ولا ينبغي أن تُقبَل له شهادةٌ) (١). وأجيب: بأنَّه محمولٌ على تأكيد الاستحباب. (وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّاني، جزم به في «المغني» و «التَّلخيص» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لقوله ﷺ في حديث خارجةَ بن حذافةَ: «لقد أمدَّكم الله بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمْرِ النَّعم؛ وهي الوتر فيما بين العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ» رواه أحمد وغيره، وفيه ضعف (٢)، وعن معاذٍ معناه مرفوعًا، رواه أحمدُ من رواية عبد (٣) الله بن زَحْر؛ وهو ضعيفٌ (٤)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «أوتِرُوا قبلَ أن تُصبِحُوا» رواه مسلمٌ (٥). وعنه: إلى صلاة الفجر، جزم به في «الكافي»، ورواه البَيهَقيُّ عن ابن مسعود، وإسناده ثقات (٦)، وعن أبي بصرةَ مرفوعًا: «إنَّ اللهَ زادكم

стр. 908

صلاةً، فصلُّوها (١) ما بين العشاء إلى صلاة الصُّبح» رواه أحمد من رواية ابن لَهِيعة (٢)، ويحمل على حذف المضاف، بدليل الرِّواية الأُولى. ويدخل في كلامه: ما لو جَمَع العشاء جَمْع تقديم. وظاهرُه: أنَّه إذا أوتر قبل العشاء أنَّه لا يصحُّ، وأنَّه إذا أخَّره حتَّى يطلع الفجر يكون قضاءً، وصحَّحه في «المغني». وذكر في «الشَّرح» احتمالاً: أنَّه يكون أداءً؛ لحديث أبي بصرةَ. والأفضلُ فعلُه آخرَ اللَّيل لمن وَثِق، لا مطلقًا. وقال القاضي: وقتُه المختارُ كوقت العشاء المختار. وقيل: كلُّ اللَّيل سواءٌ. ومن له تهجُّد؛ جعله بعده. فإن أوتر أول اللَّيل؛ لم يكره، نَصَّ عليه (٣). (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ)؛ لحديث أبي أيُّوب (٤)؛ وهو قولُ كثير من الصَّحابة (٥).

стр. 909

(وَأَكْثَرُهُ) وفي «الوجيز»: وأفضلُه: (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ (١)، نَصَّ عليه (٢)، وذَكَره جماعةٌ؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «صلاةُ اللَّيلِ مثنى مثنى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ فأَوتِر بواحدةٍ» متَّفقٌ عليه (٣)، وعن عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي فيما بين أن يَفرُغ العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعةً، يسلِّم من كلِّ ركعتين، ويُوتِرُ بواحدةٍ»، رواه مسلم (٤). وظاهره: أنَّه لا يكره فعله بواحدة وإن لم يتقدَّمها صلاة، حتَّى في حقِّ المسافر. وعنه: يركع ركعتين، ثمَّ يوتر. قال أحمدُ: الأحاديث الَّتي جاءت عنه ﵇ أنَّه أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدِّمةٌ (٥). وقال أبو بكرٍ: لا بأس بالوتر بركعة لعذر من مرض أو سفر أو نحوه. وقيل: له سَرْد عشرة، ثمَّ يجلس فيتشهَّد، ثمَّ يوتر بالأخيرة، ويتشهَّد ويسلِّم، نَصَّ عليه (٦).

стр. 910

وقيل: له سَرْد إحدى عشرةَ بتشهُّدٍ واحدٍ وسلامٍ. وقيل: أكثره ثلاث عشرة ركعةً؛ لما روى أحمد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يُوتِر بثلاثَ عشرةَ، فلمَّا كبر وضعف أوتر بسبعٍ» (١). ويحتمل أنَّهما الرَّكعتان اللَّتان كان يصلِّيهما جالسًا بعد الوتر، أو ركعتا الفجر، وفيه بُعد. واستحبَّ أحمد أن تكون (٢) الرَّكعة عقيب الشَّفع، ولا يؤخِّرها عنه (٣)، وليس كالمغرب حتمًا هـ (٤)، ولا أنَّه ركعة قبله شفع لا حدَّ له م (٥)، وتمسَّكا بأخبار فيها ضعف، على أنَّه لا حجَّة فيها (٦).

стр. 911

(وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ؛ سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ)؛ لما روت عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يفعل ذلك» رواه مسلم (١). وقيل: كإحدى عشرة؛ يسلِّم من كلِّ ركعتَين، ويوتر بركعةٍ. قال في «الخلاف» عن فعله ﵇: قصد بيان الجواز، وإن كان الأفضل غيره، وقد نَصَّ أحمد على جواز هذا (٢). (وَكَذَلِكَ السَّبْعُ)؛ أي: يَسْرُد سِتًّا، ويجلس ولم يسلِّم، ثمَّ يصلِّي السَّابعة، ويتشهَّد، ويسلِّم، نَصَّ عليه (٣)، وجزم به في «الكافي»؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ ، رواه أحمد وأبو داود، وإسنادُه ثقات من حديث عائشة (٤). والأشهر في المذهب، ونصَّ عليه أحمد: أنَّ السَّبع كالخمس (٥)؛ لفعل النبي ﷺ ، رواه النَّسائي من حديث عائشة، وإسناده ثقات (٦).

стр. 912

(وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ؛ لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ)، هذا المذهب؛ لقول عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي من اللَّيل ثلاثَ عشْرةَ ركعةً، يوتر من ذلك بخمسٍ، لا يجلس في شيء إلاَّ في آخرهنَّ» متَّفَقٌ عليه (١). وحكى ابن عَقِيل في جميع ذلك وجهين: أحدهما: أنَّه (٢) يسلِّم من كلِّ ركعتين، ويوتر بواحدة، قال: وهذا أصحُّ. والثَّاني: يصلِّي الجميع بسلام، فيجلس عُقَيب الشَّفع، ويتشهَّد ثمَّ يقوم، فيأتي بركعةٍ، ثمَّ يتشهَّد ويسلِّم. (وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ)، ذكره الجماعة (٣)؛ منهم أبو الخطَّاب، وجزم به في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «افصل بين الواحدةِ والثِّنتينِ بالتَّسليم» رواه الأثرم بسنده عن نافع عن ابن عمرَ (٤)، وهو قول جماعة من الصَّحابة ومن بعدهم (٥)، ولأنَّ الواحدةَ

стр. 913

المفردة اختلف في كراهتها، والأفضل أن يتقدَّمها شفع، فلذلك كانت الثَّلاث أدنى الكمال. لكن إن سردهنَّ بسلام جاز، ذكره جماعةٌ. وقال القاضي: إذا صلَّى الثَّلاثَ بسلام، ولم يكن جلس عُقَيب الثَّانية؛ جاز، وإن كان جلس؛ فوجهان: أصحُّهما: لا يكون وترًا. (يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ: ﴿قل هو الله أحد﴾)؛ لما رَوى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقرأُ ذلك» رواه أحمد والتِّرمذي (١)، ورواه أبو داود وغيرُه من حديث أُبيِّ بنِ كَعب، زاد أحمدُ (٢) والنَّسائيُّ: «فإذا سلَّم قال: سُبحان الملكِ القدوس (٣) ثلاثًا»، ولهما في روايةٍ: «ورفع صوتَه بالأخيرة (٤)» (٥). وعنه: يضيف مع الإخلاص المعوِّذَتَين؛ «لأنَّه ﵇ كان يقرأ بذلك» رواه

стр. 914

ابن ماجَهْ والدَّارَقُطْنيُّ من حديثِ عائشةَ، لكنْ فيه ضعفٌ، وذكر في «التَّحقيق»: أنَّه لا يَصحُّ، وقد أنكر أحمدُ وابن معينٍ زيادتهما (١). (وَيَقْنُتُ فِيهَا)؛ أي: في الرَّكعةِ الآخرةِ في جميع السَّنَة على الأصحِّ؛ لأنَّه ﵇ كان يقول في وتره أشياء تأتي (٢)، و (كان) للدَّوام، ولأنَّ ما شُرِع في رمضان شُرِع في غيره؛ كعدده. وعنه: لا يَقنُت إلاَّ في النِّصف الأخير من رمضان، اختاره الأثرم؛ «لأنَّ أُبيًّا كان يفعل ذلك حين يصلِّي التَّراويح» رواه أبو داود والبيهقيُّ، وفيه انقطاع (٣)، ثمَّ هو رأي أُبيٍّ.

стр. 915

وعنه: أنَّه رجع عنها. وخيَّر الشَّيخ تقيُّ الدِّين في دعاء (١) القنوت بين فعلِه وتركِه، وأنَّه إن صلَّى بهم قيام رمضان، فإن قنَت جميع الشَّهر، أو نصفه الأخير، أو لم يقنت بحال؛ فحسن (٢). (بَعْدَ الرُّكُوعِ) نَصَّ عليه (٣)، روي عن الخلفاء الرَّاشدين (٤)؛ لما روى أبو هريرة وأنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنَت بعد الرُّكوع» متَّفق عليه (٥). وعنه: يسنُّ قبله، لكن يكبِّر، ثمَّ يَقنُت، نَصَّ عليه (٦)، روي عن جمع من الصَّحابة (٧). قال الخطيب: (الأحاديث الَّتي جاء فيها قبل الرُّكوع كلُّها معلولة).
следующие страницы →