← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقيل: لا تصحُّ (١) في غير مسجد مع القدرة عليه؛ وهو بعيدٌ. وفي «المحرَّر»: إنَّ فعلَها في المسجد فرضُ كفايةٍ. وعنه: فرض عينٍ؛ لإرادة التَّحريق. (وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الثَّغْرِ)؛ هو موضع المخافة (٢) من فروج البلدان (٣)، (الاِجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ)؛ لأنَّه أعلى للكلمة، وأوقع للهَيبة، فإذا جاءهم خبر عن عدوِّهم سمعه جميعُهم، وتشاوروا في أمرهم، وإن جاء (٤) عين للكفار؛ رأى كثرتهم فأخبر بها. قال الأوزاعيُّ (٥): (لو كان الأمر إليَّ؛ لسمَّرتُ أبواب المساجد التي للثغور؛ ليجتمع الناس في مسجد واحد) (٦). (وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمُ الصَّلَاةُ فِي المَسْجِدِ الذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الجَمَاعَةُ (٧) إِلاَّ

стр. 982

بِحُضُورِهِ)؛ لأنَّه يحصل به ثواب عمارة المسجد، وتحصيل للجماعة لمن يصلِّي فيه، وذلك معدوم في حقِّ غيره. زاد في «الشَّرح» وابن تميمٍ: وكذلك إن كانت تقام فيه مع (١) غيبته، إلاَّ أنَّ في قصد غيره (٢) كسر قلب جماعته (٣)، فجبر قلوبهم أَولى. (ثُمَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ (٤) جَمَاعَةً)، ذكره في «الكافي» وغيره، وفي «الشَّرح»: (أنَّه الأَولى)، وصحَّحه ابنُ تميمٍ؛ لما روى أُبيُّ بنُ كعبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صلاةُ الرَّجلِ مع الرَّجلِ أزكى من صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُهُ مع الرَّجلينِ أزكى من صلاتِهِ مع الرَّجلِ، وما كان أكثرَ فهو أحبُّ إلى الله» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان (٥). (ثُمَّ) إن (٦) استويا؛ فيكون الأفضلُ فعلَها (فِي المَسْجِدِ الْعَتِيقِ)؛ لأنَّ الطَّاعة فيه أسبق، والمذهب: أنَّه يُقدَّم على الأكثر جماعة، وقيل: إن استويا في القرب والبعد، قال في «الرِّعاية»: (وهو أظهر) (٧)، وفي «الوجيز»: العتيقُ أفضلُ، ثمَّ الأَبعدُ، ثمَّ ما تمَّت جماعتُه. (وَهَلِ الْأَوْلَى قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَوِ الْأَقْرَبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):

стр. 983

إحداهما: قصدُ الأبعدِ أفضلُ، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لما روى أبو موسى مرفوعًا: «إنَّ أعظمَ النَّاسِ في (١) الصَّلاةِ أجرًا؛ أبعدُهم فأبعدهم (٢) مَمْشًى» رواه مسلمٌ (٣)، ولكثرة حسناته بكثرة خُطاه. والثَّانية: قصدُ الأقربِ؛ لما تقدَّم، ولأنَّ له جِوارًا؛ فكان أحقَّ بصلاته؛ كما أنَّ الجار أحقُّ بمعروف جاره، وكما لو تعلَّقت الجماعة بحضوره. وقيل: يقدَّمان على الأكثر جمعًا. مسألة: تُقدَّم الجماعةُ مطلقًا على أوَّل الوقت، ذكروه في كتب الخلاف. وهل فضيلةُ أوَّلِ الوقت أفضل، أم انتظار كثرة الجمع؟ فيه وجهان. (وَلَا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إِمَامِهِ الرَّاتِبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)، قال أحمدُ: ليس لهم ذلك (٤)، وصرَّح في «الكافي» و «المستوعب» و «المحرَّر» و «الفروع»: بأنَّها تَحرُم؛ لأنَّه بمنزلة صاحب البيت، وهو أحقُّ بها؛ لقوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في بيْته إلاَّ بإذنه» (٥)، ولأنَّه يؤدِّي إلى التَّنفير عنه، وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدُّم، ومع الإذن هو نائب عنه. وحيث قلنا: بأنَّه يحرم؛ فظاهره: أنَّها لا تصحُّ، وفي «الرِّعاية»: تصحُّ مع الكراهة. ويُستثنَى منه: ما إذا كان سلطانًا؛ فإنَّه أحقُّ من إمام المسجد.

стр. 984

(إِلاَّ أَنْ يَتَأَخَّرَ لِعُذْرٍ)؛ «لصلاة (١) أبي بكرٍ بالنَّاس حين غاب النَّبيُّ ﷺ في بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم» متَّفقٌ عليه (٢)، وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف مرَّةً؛ فقال النَّبيُّ ﷺ : «أحسنتم» رواه مسلم (٣). وفي «الكافي»: يجوز مع غَيبة الإمامِ الرَّاتبِ، والأشهر: لا، إلاَّ مع تأخُّره وضيق الوقت. (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عُذْرُهُ؛ انْتُظِرَ وَرُوسِلَ)؛ لأنَّ الائتمام به سنَّةٌ وفضيلة؛ فلا يُترك (٤) مع الإمكان، ولما فيه مِنْ الافتيات بنَصْبِ غيرِه، وقيَّده في «الفروع» تَبَعًا لغيره: بما إذا كان قريبًا، ولم يحصُل به مشقَّةٌ، وتأخَّرَ عن وقتِه المعتاد. (مَا لَمْ يُخْشَ خُرُوجُ الْوَقْتِ)؛ فإنَّه يُقدَّم غيرُه؛ لئلاَّ يفوت الوقت، وتصير الصَّلاة قضاءً. وكذا إن (٥) كان بعيدًا، أو لم يغلب على الظَّنِّ حضوره، أو غلب ولا يَكرَه ذلك؛ صلَّوا، قاله ابن تميم والجَدُّ في فروعه. (فَإِنْ صَلَّى (٦) فريضةً، وظاهره: ولو في جماعةٍ، (ثُمَّ أُقِيمَتِ (٧) الصَّلَاةُ) في جماعةٍ (وَهُوَ فِي المَسْجِدِ)، أو جاءه غير (٨) وقت نهي ولم يقصد الإعادة، أو دخل إليهم وهم يصلُّون، قاله في «المغني» و «الشَّرح»؛ (اسْتُحِبَّ لَهُ إِعَادَتُهَا)، ذكره جمعٌ؛ لما تقدَّم، ولئلاَّ يتوهَّم رغبته عنه.

стр. 985

وظاهره: لا فرق في إعادتها مع إمام الحيِّ أو غيرِه. وقال القاضي: يُستحَبُّ (١) مع إمام الحيِّ، وقد سبق. وقد عُلم: أنَّها لا تجب (٢) الإعادة. وعنه: بلى مع إمام الحيِّ بشرطه. (إِلاَّ المَغْرِبَ)، قدَّمه الأكثر؛ لأنَّ التَّطوُّع لا يكون بركعة، ولو كان صلَّى (٣) وحده، ذكره القاضي وغيره. (وَعَنْهُ: يُعِيدُهَا)، صحَّحه (٤) ابن عَقِيل وابن حَمدانَ؛ للعموم؛ ولما روي عن (٥) حُذَيفة: «أنَّه أعاد الظُّهر والعصر والمغرب، وكان قد صلاهنَّ في جماعة» رواه الأثرم (٦)، (وَيَشْفَعُهَا بِرَابِعَةٍ) في المنصوص، يقرأ فيها بالحمد وسورة؛ كالتَّطوُّع، نقله أبو داود (٧). وفيه وجه: لا يشفعُها؛ وهو مبني (٨) على صحَّة التَّطوُّع بفرد (٩)، وإن لم يشفعها صحَّت. والأُولى فرضُه، نَصَّ عليه (١٠)؛ لأنَّها وقعت فريضة، فأسقطت الفرض،

стр. 986

وكإعادتها منفردًا، ذكره القاضي وغيره، ولهذا يَنوِي المُعادةَ نفلاً. وفي مذهب مالكٍ (١): هل ينوي فرضًا، أو نفلاً، أو إكمالَ الفضيلة، أو يفوض (٢) الأمر إلى الله تعالى؟ ومذهب الشافعيِّ (٣): ينوي الفرضَ، ولو كانت الأولى فرضه، قال بعض أصحابه: ينوي ظهرًا أو عصرًا، ولا يتعرَّض للفرض، وعند بعضهم: كلاهما فرض كفرض الكفاية إذا فعله طائفة ثمَّ فعله طائفة أخرى. فرع: المسبوقُ في (٤) ذلك؛ يتمُّه بركعتين من الرُّباعيَّة، نَصَّ عليه (٥)؛ لقوله ﵇: «وما فاتكم فأتمُّوا» (٦). وقيل: يسلِّم معه. (وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ)؛ أي: إذا صلَّى إمام الحيِّ ثمَّ حضر جماعةٌ أخرى؛ استُحبَّ لهم أن يصلُّوا جماعةً، هذا قول ابن مسعود (٧)، وذكره بعضهم روايةً واحدةً؛ لعموم قوله: «تَفْضُلُ صلاةُ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً» (٨)، وقوله: «مَنْ يتصدَّق على هذا فيصلِّي معه؟ فقام رجل من القوم فصلَّى معه» رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد،

стр. 987

وإسنادهُ جيِّد، وحسَّنه التِّرمذيُّ (١). وقال القاضي: يكره؛ لئلاَّ يفضي إلى اختلاف القلوب، ولأنَّه مسجدٌ له إمامٌ راتبٌ، فكُره فيه إعادة الجماعة؛ كالمسجد الحرام. وقيل: من غير مساجد الأسواق، وهو ظاهر. وقيل: المساجد العظام. وقيل: لا يجوز. والأوَّلُ أَولى؛ لأنَّه قادرٌ على الجماعة، فاستُحبَّ له؛ كالمسجد الذي في ممرِّ النَّاس، وحينئذٍ يؤذِّن لها ويقيم، قاله ابن تميم. ويُكرَه قصدُها للإعادة، زاد بعضهم: ولو كان صلَّى فرضه وحده، ولأجل تكبيرة الإحرام لفوتها (٢) له، لا لقصد الجماعة، نصَّ على ذلك (٣). قال في «التَّلخيص»: وفضيلة التَّكبيرة الأُولى لا تحصل إلاَّ بشهود تحريم الإمام. (فِي غَيْرِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ)، فإنَّه يُكره إعادتها فيها، روي عن أحمد (٤)، قال في «الشَّرح»: (وذكره أصحابنا؛ لئلاَّ يتوانى النَّاسُ في حضور الجماعة مع الإمام الرَّاتب فيها)، وتعظيمًا لها. وما ذكره في المسجد الأقصى هو رواية، والمذهب: أنَّه يكره في مسجد مكَّة والمدينة؛ وعلَّله أحمد: بأنَّه أرغب في توقير الجماعة.

стр. 988

وعنه: يكره في مساجد الحِلِّ وغيرها مع كثرة الجَمْع، لا مع ثلاثة أنفس أو أقلَّ، قال في «الرِّعاية»: وفيه بُعدٌ. مسألة: ليس للإمام اعتيادُ الصَّلاة مرَّتين، وجعْلُ الثَّانية عن فائتة أو غيرها، والأمَّة متَّفقون على أنَّه بِدعةٌ مكروهةٌ؛ ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١). («وَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ؛ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ»)، رواه مسلمٌ من حديث أبي هريرة مرفوعًا (٢)، «وكان عمر يضرب على صلاة بعد الإقامة» (٣). وظاهره: أنَّه لا يجوز ابتداء فعل نافلة بعد إقامة (٤) الفريضة، مع أنَّ «صلاة» نكرة في سياق النَّفي فتعُمُّ، لكن فعل الفائتة تجوز بشرطه. (وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ؛ أَتَمَّهَا) خفيفةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣٣]، وظاهره: ولو خارج مسجد، قال ابن تميم وغيره: لا يزيد على ركعتين إلاَّ أن يكون قد شرع في الثَّالثة، نَصَّ عليه (٥)، فإن سلَّم عنها جاز. (إِلاَّ أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ الجَمَاعَةِ؛ فَيَقْطَعُهَا) على المذهب؛ لأنَّ الفرض أهمُّ، وظاهره: أنَّه أراد فوات جميعها، وخصَّ صاحب «النِّهاية» بفوات الرَّكعة الأُولى، قال ابن المنجى: (وكلٌّ متَّجِهٌ)، لكن في حمل كلامه على ما ذكر نظر. (وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا)؛ للآية الكريمة. (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ)، هذا هو المجزوم به في

стр. 989

المذهب؛ لأنَّه أدرك جزءًا من صلاة الإمام، أشبه ما لو أدرك ركعة، وكإدراك المسافر، ولأنَّه يلزم أن يَنويَ الصِّفة التي عليها؛ وهو كونه مأمومًا، فينبغي أن يدرك فضل الجماعة. وشرطه: جلوسه مع الإمام في التَّشهُّد. وقيل: أو قبل سلام الثَّانية. وظاهِرُ كلام ابن أبي موسى: أنَّه لا يكون مدركًا لها إلاَّ بإدراك ركعة معه، وذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين روايةً، واختارها (١)؛ لقوله ﵇ في خبر أبي هريرة: «مَنْ أدركَ ركعةً مِنَ الصَّلاةِ مع الإمامِ فقد أدركَ الصَّلاةَ» متَّفقٌ عليه (٢). (وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ)؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا: «إذا جئتم إلى الصَّلاةِ ونحن سجودٌ فاسجدوا، ولا تعدُّوها شيئًا، ومَنْ أدركَ الرُّكوعَ فقد أدركَ الرَّكعةً» رواه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ (٣)، ولأنَّه لم يَفُته من الأركان غير القيام؛ وهو يأتي به مع التَّكبيرة، ثمَّ يدرك مع الإمام بقيَّة الرَّكعة. وشرط حصولها: إذا اجتمع مع الإمام فيه بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء في الرُّكوع، وإن لم يطمئنَّ. وقيل: إن أدرك معه الطُّمأنينة، حكاه ابن عَقِيل. وفي «التَّلخيص» وجْهٌ: يدركها ولو شكَّ في إدراكه راكعًا؛ لأنَّ الأصل

стр. 990

بقاء الرُّكوع. فإن كبَّر والإمام في الرُّكوع، ثمَّ لم يستطع حتَّى رفع إمامُه؛ لم يدركه، نَصَّ عليه (١)، ولو أحرم قبل رفعه (٢) لم يدركه، ولو أدرك ركوع المأمومين. (وَأَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ)، وهي تكبيرة الإحرام، وتسقط تكبيرة الرُّكوع، نَصَّ عليه (٣)، واحتجَّ بأنَّه فعلُ زيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ عمرَ (٤)، ولا يُعرَف لهما مخالِفٌ في الصَّحابة، ولأنَّه اجتمع عبادتان من جنسٍ واحدٍ في محلٍّ، فأجزأ الرُّكن عن الواجب؛ كطواف الزِّيارة والوداع. قيل للقاضي: لو كانت تكبيرةُ الرُّكوع واجبةً؛ لم تسقط، فأجاب: بأنَّ الشَّافعيَّ أوجب القراءة، وأسقطها إذا أدركه راكعًا. وعنه: يجب معها تكبيرة الرُّكوع، صحَّحه ابن عَقِيل وابن الجوزي؛ وهو ظاهر كلام جماعة؛ لوجوبها. ويتوجَّه: أنَّه لا بدَّ من قيام بعد تكبيرة الإحرام. فإن نواهما بتكبيرةٍ لم تَنعقِد، ذكر (٥) القاضي أنَّه الظَّاهر من قول أحمدَ؛ لأنَّه لو شرَّك بين الواجب وغيره في النِّيَّة، أشبه ما لو عطس عند رفع رأسه فقال: (ربَّنا ولك الحمد) عنهما. وعنه: بلى، اختاره الشَّيخان، ورجَّحه في «الشَّرح»؛ لأنَّ نية (٦) الرُّكوع لا

стр. 991

تنافي نيَّة الافتتاح؛ لأنَّهما من جملة العبادة. وإن نوى بتكبيره الرُّكوع؛ لم يجزئه؛ لأنَّ تكبيرة الإحرام ركن، ولم يأت بها. (وَالْأَفْضَلُ اثْنَتَانِ)؛ خُروجًا من الخلاف، قال أبو داود: قلت لأحمدَ: يكبِّر مرَّتين أحبُّ إليك؟ قال: إن كبَّر تكبيرتَين ليس فيه اختلافٌ (١). فَرْع: إذا أدركه في غير ركوع؛ سُنَّ (٢) دخوله معه ندبًا؛ للخبر (٣)، وظاهره مطلقًا، وينحطُّ معه عن قيام بلا تكبير، نَصَّ عليه (٤)؛ لأنَّه لا يعتدُّ (٥) له به، وقد فاته محلُّ التَّكبير. ويقوم مسبوقٌ بتكبير نصًّا (٦)، ولو لم تكن ثانيتَه، وإن قام قبل سلام الثَّانية، ولم يرجع؛ انقلبت نفلاً في الأصحِّ. (وَمَا أَدْرَكَ) المسبوقُ (مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا)، هذا هو المشهور في المذهب، وصحَّحه وجزم به جماعةٌ؛ لما روى أحمد عن ابن عُيَينةَ، عن الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فاقضوا»، ورواه النَّسائيُّ من حديث ابن عيينة كذلك، قال مسلمٌ: أخطأ ابن عُيَينةَ في هذه اللَّفظة: «فاقضوا»، ولا أعلم رواها عن الزُّهري غيرُه، وفيه نَظَرٌ؛ فقد رواها أحمد عن عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهري، وقد رُويت عن أبي هريرة من غير وجه، وذكر صاحب

стр. 992

«التَّحقيق» والمؤلِّف أنَّه متَّفقٌ عليه من حديث أبي هريرة، وفيه نَظَرٌ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «واقضِ ما سبقك» (١)، والمَقْضِيُّ: هو الفائت؛ فيكون على صفته. (فَيَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ) مع الفاتحة؛ لأنَّه أوَّل صلاته. فعلى هذا؛ لو أدرك من رباعيَّةٍ أو مغرب ركعة (٢)؛ تشهَّد عُقَيب قضاء ركعة على المذهب؛ كالرِّواية الثَّانية. وعنه: في المغرب فقط. وعنه: يتشهَّد عقيب ركعتَين، قدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأنَّ المَقْضِيَّ أوَّل صلاته، وهذه صفة أولها، قال في «الكافي» و «الشَّرح»: لأنَّهما ركعتان يقرأ فيهما الفاتحة والسُّورة، وهما متواليتان؛ كغير المسبوق. وعنه: ما يدركه أوَّلُ صلاته، وما يقضيه آخرُها؛ لقوله ﵇: «ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فأتمُّوا» متَّفقٌ عليه من حديث أبي قتادة وأبي هريرة (٣).

стр. 993

وأُجِيب بأنَّ المعنى: فأتمُّوا قضاءً؛ للجمع بينهما، وعليها: يتشهَّد عقَيب ركعة. وذكر المؤلِّف: إن تشهَّد عقَيب ركعة أو ركعتين جاز؛ لأنَّ مسروقًا وجُندُبًا ذكرا ذلك عند ابن مسعود، فصوَّب فعل مسروق، ولم يُنكِر فعل جُندُبٍ، ولم يأمره بالإعادة (١). ويستفتح ويستعيذ، ويقرأ السُّورة فيما يدركه فقط، وقيل: يقرأ السُّورة مطلقًا، وذكر ابن أبي موسى أنَّه المنصوص عليه. قال المؤِّلف: (لا أعلم فيه خلافًا بين الأئمَّة الأربعة)، لكن بنى ابن هُبَيرة وجماعة قراءتها على الخلاف، وهو ظاهر رواية الأثرم (٢). ويُخرَّج عليه: الجهرُ، والقنوتُ، وتكبيرُ العيد، وكذا التورُّك والافتراش. وقال صاحب «المحرَّر»: لا يحتسب له تشهُّد الإمام الأخير إجماعًا، لا من أوَّل صلاته (٣)، ولا من آخرها، ويأتي بالتَّشهُّدِ الأوَّلِ، ويكرِّره حتَّى يسلِّم إمامُه. ويتوجَّه فيمن قنَت مع إمامه: لا يقنُت ثانيًا؛ كمن سجد معه للسَّهو لا يعيده على الأصحِّ. ويلزمه القراءةُ فيما يقضيه، قال المجْدُ: لا أعلم فيه خلافًا. (وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ)؛ أي: قراءة الفاتحة (عَلَى المَأْمُومِ)، روي ذلك عن عليٍّ، وابن عبَّاسٍ، وابن مسعودٍ، وجابِرٍ، وابنِ عمرَ (٤)، وهو قولُ الأكثرِ؛

стр. 994

لما روى أحمد: ثنا أسود (١) بن عامر، ثنا الحسَنُ بن صالحٍ، عن أبي الزُّبَير، عن جابِرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كان له إمامٌ فقراءتُهُ له قراءةٌ»، قال في «الشَّرح»: هذا إسناد (٢) متَّصِلٌ صحيحٌ، وضعَّفه جماعةٌ؛ لأنَّ فيه لَيثَ بنَ أبي سُلَيمٍ وجابرًا الجُعْفيَّ، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ عن عبد الله بن شدَّادٍ مرسَلاً، قال في «الأحكام»: هو الصَّحيح، وصوَّبه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). والمراد بأنَّه لا قراءة على مأمومٍ: أي: يحملها الإمامُ عنه، وإلاَّ فهي

стр. 995

واجبةٌ عليه، نبَّه عليه القاضي، كما يحمل عنه سجود سهو (١) وسُترة، وكذا تشهُّدٌ أوَّلُ إذا سبقه بركعة، وسجدة تلاوة، ودعاء قنوتٍ، قاله في «التَّلخيص» وغيره. وعنه: تجب، ذكرها التِّرمذيُّ والبَيهَقيُّ (٢)، واختارها الآجُرِّيُّ. ونقل الأثرم: لا بدَّ للمأموم من قراءة الفاتحة (٣)، ذكره ابن الزَّاغوني؛ لما رُوي عن عُبادةَ مرفوعًا: «إنِّي أراكُم تقرؤون وراءَ إمامِكم، لا تفعلوا إلاَّ بأمِّ القرآن؛ فإنَّه لا صلاةَ لمن لم يَقرأ بها» رواه أبو داود والتِّرمذيُّ وحسَّنه، وفيه ابنُ إسحاقَ، وهو مدلِّسٌ (٤). وقيل: في صلاة السِّرِّ، ذكره في «النَّوادر». والأوَّلُ أصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعرَاف: ٢٠٤]، قال أحمد: أجْمَع النَّاسُ على أنَّ هذه الآية في الصَّلاة (٥)، قال ابنُ مسعودٍ: «لا أعلمُ في السُّنَّة القراءةَ خَلف الإمامِ» (٦)،

стр. 996

وقال ابن عمرَ: «قراءتُه تَكفيك» (١)، وقال عليٌّ: «ليس على الفطرة من قرأ خلف الإمام» (٢)، وقال ابن مسعودٍ: «وَدِدْتُ من قرأ خلف الإمام أن أملأ فاه ترابًا»، روى ذلك سعيدٌ (٣).

стр. 997

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ) الفاتحةَ (فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ)، ولو لتنفُّسٍ؛ نقله ابن هانئ (١)، ولا يضرُّ (٢) تفريقها. وظاهره: أنَّ للإمام سَكتاتٍ بعد تكبيرة (٣) الإحرام وفراغ الفاتحة، ويُستحَبُّ أن يكون قدرها، وفراغ القراءة (٤). وقال (٥) المجْدُ: هما سكتتان على سبيل الاستحباب: إحداهما: تختصُّ بأوَّل ركعة؛ للاِستفتاح. والثَّانية: عند فراغه من القراءة كلها؛ ليردَّ (٦) إليه نفَسه. (ومَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ)؛ لأنَّ القراءة مشروعةٌ فيها (٧)؛ وإنَّما ترك لأجل التَّشويش، وهذا المعنى مفقودٌ هنا. وفي «المستوعب»: يقرأ الفاتحة وسورةً. وفي «الشَّرح»: يقرأ في الجهر في سكتات الإمام بالفاتحة، وفي السِّرِّ يقرأ بها وسورة؛ كالإمام والمنفرِد. وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (هل الأفضلُ قراءة الفاتحة للاختلاف في وجوبها أم غيرها؛ لأنَّه استمعها؟ ومقتضى نص أحمد وأكثر أصحابه (٨) الثَّاني) (٩)، وفيه شيء.

стр. 998

فلو قرأ حال جهر إمامه؛ كُره. وقيل: يُستحَبُّ بالفاتحة. وقيل: يحرم، وروي عن تسعة من الصَّحابة (١). (أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ)؛ أي: يُستحَبُّ له أن يقرأ، نَصَّ عليه (٢)؛ فإن سمع قراءته؛ فالمذهب: يكره. وقيل: يعيد، أومأ إليه أحمد. فإن سمع هَمْهَمَة الإمام، ولم يَفهَم قراءتَه؛ لم يَقرَأ، نَصَّ عليه في رواية الجماعة (٣). وعنه: بلى، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٤)، قال في «الفروع»: وهي أظهرُ. (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِطَرَشٍ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وكذا في «الفروع»، وسئل أحمد عن الأطرش هل يقرأ؟ قال: لا أدري (٥)، فظاهره التَّوقُّف، لكن إن كان بعيدًا؛ قرأ، وإن كان قريبًا، وهي مسألة المتن؛ فوجهان: أحدهما: يستحبُّ؛ لأنَّه لا يسمع، فلا يكون مأمورًا بالإنصات، ومحلُّه ما لم يَشغَل (٦) غيرَه عن الاستماع، ولا يُخلِّط على من يقرب منه، قاله في «المغني» و «الشَّرح».

стр. 999

والثَّاني: يُكرَه، جزم به في «الوجيز»؛ لما (١) فيه من التَّشويش على المصلِّين. (وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُستحَبُّ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ سماعَه لقراءة إمامِه قَامت مقامَ قراءتِه، بخلاف الاستفتاحِ والتعوُّذِ. ومحلُّه ما لم يَسمع قراءةَ إمامه، قاله في «الشَّرح» وغيره. والثَّانية: يُكرَهان، وذكر ابن المُنَجَّى أنَّها هي الصَّحيحة؛ لأنَّ ذلك يَشغَله عن القراءة، وهي أهمُّ. وعنه: يكره التعوُّذ فقط، اختاره القاضي؛ لأنَّ التَّعوُّذ إنَّما شرع من أجل (٢) القراءة، فإذا سقطت؛ سقط التَّبَع، بخلاف الاستفتاح؛ لأنَّه أمكن من غير اشتغال عن الإنصات. وظاهِرُه (٣): أنَّهما يسنَّان في صلاة السِّرِّ، نَصَّ عليه (٤). فرع: إذا جهل ما قرأ به إمامه؛ لم يَضرَّ. وقيل: يتمُّها وحده. وقيل: تبطل. نقل ابن أصرم (٥): يعيد (٦)، فقال أبو إسحاقَ: لأنَّه لم يدرِ هل قرأ الحمد أم لا؟ ولا مانع من السَّماع، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: بل لتركه الإنصات الواجب (٧).

стр. 1000

(وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ إِمَامِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ بَعْدَهُ)، الأَولى أن يشرع في أفعال الصَّلاة بعد شُروع الإمام؛ لقوله ﵇: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّروا، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سجدَ فاسجدوا»، وقال البَراء: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا قال: سمعَ الله لمن حمدَه، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَهُ حتَّى يَقَع رسول الله ﷺ ساجِدًا، ثمَّ نَقَعُ سُجودًا بعدَه» متَّفقٌ عليهما (١). فإن كبَّر معه للإحرام؛ لم تَنعقِد صلاته؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمن لم تَنعقِد صلاتُه. وإن سلَّم معه؛ كره وصحَّ. وقيل: لا؛ كسلامه قبله بلا عذر عمدًا، وسهوًا يعيده بعده، وإلاَّ بطلت. وإن فعل الباقيَ معه؛ كُرِه (٢)؛ لمخالفة السُّنَّة، ولم تَفسُد صلاتُه؛ لأنَّه اجتمع معه في الرُّكن، ذكره السَّامَرِّيُّ وجماعةٌ. وقال في «المبهج»: تبطل، وبعَّده في «الرِّعاية». وقيل: إن ساوقه (٣) بالرُّكوع بطلت، لا بغيره. ولا يجوز أن يسبقه، جزم به الأكثر؛ لقوله ﵇: «أما يخشى أحدُكم إذا

стр. 1001

رفعَ رأسَهُ قبلَ الإمامِ أن يحوِّلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ حمارٍ، أو يجعلَ صورتَهُ صورةَ حمارٍ» متفق عليه (١)، ونقل مُهنَّى: تبطل (٢)، وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّه ظاهر كلامه، والصَّحيح: أنَّها لا تبطل. فعلى هذا: متى سبقه بالرُّكوع؛ وجب عليه العَود ليركع (٣) معه؛ وهو المراد بقوله: (ليأتي به بعده). (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا)؛ أي: لم يَعُدْ حتَّى لَحِق الإمامُ فيه؛ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا)، حكاه في «المحرَّر» قولاً؛ لأنَّه ترك الواجب عمدًا. (إِلاَّ الْقَاضِيَ) فإنَّها لا تَبطل عنده، صحَّحه (٤) في «المذهب»، وذكر في «التَّلخيص» أنَّه المشهور، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّه سبْقٌ يسيرٌ، وقد اجتمع معه في الرُّكن المقصود، وعلى هذا (٥): إن عاد بطلت في وجه (٦)، وبعَّده ابن حَمدانَ. وظاهره: أنَّه إذا فعل ذلك سهوًا أو جهلاً؛ أنَّها تصحُّ في الأصحِّ (٧). (فَإِنْ) سبقه بركنٍ، مثل: إن (رَكَعَ وَرَفَعَ (٨) قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا؛ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وكذا ذكره أبو الخطَّاب، وذكر السَّامَرِّيُّ وجماعةٌ أنَّهما روايتان:

стр. 1002

إحداهما: تَبطُل، نَصَّ عليه (١)، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه سبقه بركنٍ كاملٍ؛ وهو مُعظَمُ الرَّكعة، أشبه ما لو سبقه بالسَّلام، وللنَّهي. والثَّانية: لا تَبطُل، ذكر (٢) في «التَّلخيص» أنَّه المشهور؛ لأنَّه سبقه بركنٍ واحدٍ، أشبه التي قبلها، فعلى هذه: لا يُعتدُّ له بتلك الرَّكعةِ في أصحِّ الرِّوايتين، قاله في «المذهب». والأصحُّ: أنَّ الرُّكوعَ ركنٌ، وعنه: كاثنين. (وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا؛ لَمْ تَبْطُلْ)؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ (٣) لأمَّتي عن الخطأ والنِّسيان» (٤). (وَهَلْ تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ) إذا فاته ذلك مع إمامه؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): المذهب: أنَّها تبطل إن لم يأت بما فاته مع إمامه؛ لأنَّه لم يَقتَدِ بإمامه في الرُّكوع، أشبه ما لم يدركه. والثَّانية: لا تُلغَى، بل يُعتدُّ بها؛ لأنَّه معذور بجهله أو نسيانه، قال ابنُ تميمٍ: وكما لو كان عامدًا، وقلنا بصحَّة صلاته بالسَّبق برُكنٍ غير الرُّكوع. قال في «المحرَّر»: وخرَّج منها الأصحابُ صحَّة الصَّلاة مع العمْد؛ لأنَّ الجاهلَ عامدٌ، والجهل بالحظر لا يبيح المحظور. (فَإِنْ) سبقه بركنين؛ بأن (رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ) عمدًا؛ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)، جزم به الأصحابُ؛ لأنَّه لم يَقتدِ بإمامه في أكثر الرَّكعة، (إِلاَّ الْجَاهِلَ وَالنَّاسِيَ؛ تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا)؛ لأنَّ التَّحريم بالصَّلاة

стр. 1003

صحيحٌ، ولم يوجد ما يُبطِله (١)؛ لأنَّ فعلَ الجاهلِ والنَّاسِي يُعذَران فيهِ؛ للخبر. (وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ)؛ لأنَّه لم يقتدِ بإمامه فيها، وهذا إذا لم يأتِ بذلك مع إمامه، قاله (٢) ابنُ تميمٍ وابنُ حمدانَ والجدُّ. وأمَّا السَّبق بالأقوال؛ فإنَّه لا يَضُرُّ سوى تكبيرة الإحرام والسَّلام كما تقدَّم. قال في «المستوعب»: إذا سبق إمامَه في جميع الأقوال؛ لم يَضُرَّ إلاَّ تكبيرة الإحرام؛ فإنَّه يُشترَط أن يأتيَ بها بعده، والمستحَبُّ أن يتأخَّر بما عداها. وحكم التَّخلف عن الإمام بركنٍ أو أكثرَ يأتي في صلاة الجمعة. فرع: إذا تَرك متابعةَ إمامِه مع عِلمه بالتَّحريم؛ بطلت، فإن تخلَّف عنه بركعةٍ فأكثرَ لعُذرٍ؛ تابَعَه وقضَى كمسبوقٍ (٣). (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إِتْمَامِهَا)؛ لما في الصَّحيحين من حديث ابن (٤) مسعود مرفوعًا قال: «يا أيُّها النَّاسُ إنَّ منكم منفِّرين، فأيُّكم صلَّى بالنَّاسِ فليتجوَّز؛ فإنَّ فيهم الضَّعيفَ والكبير وذا الحاجة» (٥)، ولحديثِ

стр. 1004

معاذٍ (١)، ومعناه: أن يَقتصِر على أدنى الكمال من التَّسبيح وسائر أجزاء الصَّلاة، إلاَّ أن يؤثر المأموم التَّطويل وعددهم منحصِر، وهو عامٌّ في كلِّ الصلوات، مع أنَّه سبق أنَّه يستحب أن (٢) يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل. ويُكرَه سرعةٌ تمنَع المأموم فعل ما يُسنَّ، قاله السَّامَرِّيُّ وغيرُه. وظاهره: أنَّ المنفردَ لا يكون كذلك؛ لقوله ﵇: «إذا صلَّى (٣) لنفسه؛ فليطوِّل ما شاء». (وَتَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) من كلِّ صلاةٍ (أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ)؛ لما روى أبو قَتادة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يُطوِّلُ في الرَّكعة الأُولى» متَّفقٌ عليه (٤)، وقال أبو سعيدٍ: «كانت صلاة الظُّهر تقام (٥)، فيذهب الذَّاهب إلى البقيع، فيقضي حاجتَه ثمَّ يتوضَّأ، ثمَّ يأتي رسولَ الله ﷺ في الرَّكعة الأولى ممَّا يُطوِّلها» رواه مسلم (٦)، وليلْحَقه القاصِدُ إليها؛ لئلاَّ يفوته من الجماعة شيءٌ. فإن طوَّل الثَّانية عنها، فإن كان يسيرًا كالغاشية مع ﴿سَبِّحِ﴾؛ فلا أثَر له. قال الإمامُ أحمدُ فيمن طوَّل قراءةَ الثَّانية على الأولى: يُجزئه، وينبغي ألا يفعل (٧). فإن (٨) كان في صلاة خوف في الوجه الثَّاني؛ كانت الثَّانيةُ أطولَ.

стр. 1005

(وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتِظَارُ دَاخِلٍ (١) فِي الرُّكُوعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، بل يُكرَه؛ لأنَّ انتظاره تشريكٌ في العبادة، فلم يُشرَع كالرِّياء، ويتخرَّج بطلانها من تشريكه في نيَّة خروجه منها. والثَّانية: يستحبُّ، قدَّمه في «المستوعب» و «المحرَّر» و «الفروع»، ونصره المؤلِّفُ، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه انتظار ينفع ولا يشقُّ، فشرع كتطويل الرَّكعة الأولى، وتخفيف الصَّلاة، وكالانتظار في صلاة الخوف، ما لم يشقَّ على متابعيه، نَصَّ عليه (٢)، وجزم به الأكثر، زاد الشَّيخان: أو يَكثُر (٣) الجمعُ؛ لأنَّه يَبعد ألا يكون فيهم من يشقُّ عليه، زاد جماعة: أو طال ذلك. وقيل: يُستحبُّ لمن جرت عادته بالصَّلاة معه، لكن قال صاحب «التَّلخيص» وجَمعٌ: ولا يميِّز بين داخِلٍ وداخِلٍ. وقال القاضي: هو جائزٌ، وليس بمستحَبٍّ. وإنَّما يَنتظِر من كان ذا حرمةٍ؛ كأهل العلم، ونظرائهم من أهل الفضل. فلو أحسَّ بداخلٍ حال القيام؛ فكالرُّكوع، ذكره في «الشَّرح» وغيره، وفي حال تشهده وجهان، وظاهر «الوجيز» و «الفروع»: مطلقًا، وفي «الخلاف»: لا في السُّجود؛ لأنَّ المأموم لا يَعتدُّ به. (وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ المَرْأَةُ إِلَى (٤) المَسْجِدِ؛ كُرِهَ مَنْعُهَا)، صرَّح به جماعةٌ؛ لقوله ﵇: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ، وبيوتُهنَّ خيرٌ لهنَّ، وليخرجنَ تَفِلاتٍ (٥)» رواه أحمد وأبو داود (٦)، وتَخرُج غير متطيِّبة؛ لهذا الخبر، وقال

стр. 1006

﵇: «إذا استأذنَكم نساؤُكم باللَّيلِ إلى المسجدِ فأْذَنوا لهنَّ» متَّفق عليه (١)، وأمتُه كامرأته. وظاهره: أنَّ لها حضور صلاة الرِّجال جماعة؛ للخبر. وعنه: الفرض. وكرهه القاضي وابن عقيل للشَّابَّة، وذكره ابن هُبَيرة اتِّفاقًا، والمراد للمستحسَنة خوف الفتنة بها. قال بعض الحنفيَّة (٢): والفتوى اليوم على الكراهة في كل الصَّلوات؛ لظهور الفساد. واستحبَّه ابن هُبَيرة. وقيل: يَحرُم في الجمعة، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه في غيرِها مثلُها، وأنَّ مجالس الوعظ كذلك وأَولى (٣). (وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا)، أطلقه الأصحاب؛ وهو مرادٌ، وجزم به المجْدُ وغيرُه؛

стр. 1007

للأخبار الخاصَّة في النِّساء بالنِّسبة إلى مسجده ﵇، وروى أحمدُ: ثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، ثنا داود بن قَيس، عن عبد الله بن سُويد الأنصاريِّ، عن عمَّته أمِّ حُمَيدٍ امرأة أبي حُمَيد السَّاعِديِّ: أنَّها جاءت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إنِّي أحبُّ الصَّلاةَ معك، قال: «قد علمتُ أنَّكِ تُحبِّينَ الصَّلاةَ معي، وصلاتُكِ في بيتِكِ خيرٌ من صلاتِكِ في حُجرتِكِ، وصلاتُكِ في حجرتِكِ خيرٌ من صلاتِكِ في دارِكِ (١)، وصلاتُكِ في مسجد قومِكِ خير من صلاتِكِ في مسجدي»، قالت (٢): فأمرَتْ فبُنِيَ لها مسجدٌ في أقصى بيتٍ من بيتها والله (٣)، فكانت تصلِّي فيه حتَّى لقِيَتِ الله »، وهو حديثٌ حسَنٌ إن شاء الله تعالى (٤). وأطلق في «عيون المسائل» و «المستوعب» و «الرِّعاية»: أنَّ الصَّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة (٥)، وبالمدينة (٦) بخمسين ألفًا، وبالأقصى نصفُه؛ لخبر أنس (٧)،

стр. 1008

فيكون المراد غير صلاة المرأة في بيتها، فلا تعارض (١). وكذا مضاعفة النَّفل على غيرها، لكنَّ كلامَ الأصحاب: أنَّ النَّافلة بالبيت (٢) أفضل للأخبار (٣). ومسجد المدينة مراد؛ لأنَّه السَّبب، وهذا أظهر. ويحتمل أنَّ مرادهم التَّفضيل المذكور بالنِّسبة إلى سائر المساجد، أو إلى غير البيوت، فلم تدخل البيوت، فلا تعارض. مسائل: الجنُّ مكلَّفون في الجملة؛ يدخل كافرهم النَّار، ومؤمنهم الجنَّة، لا أنَّه يصير ترابًا كالبهائم، وثوابه النَّجاة من النَّار، وهم في الجنَّة كغيرهم بقدر ثوابهم، خلافًا لمن قال: لا يأكلون ولا يشربون فيها، أو أنَّهم في رَبَض الجنَّة. ولم يبعث إليهم نبيٌّ قبل نبيِّنا، وليس منهم رسولٌ، ذكره القاضي وغيره. وقيل: بلى؛ وهو قول الضَّحاك. وقال (٤) ابن (٥) حامد: هم كالإنس في التَّكليف (٦) والعبادات. وفي «النَّوادر»: تنعقد الجمعة والجماعة بالملائكة وبمسلم الجن، وهو موجود زمن النُّبوَّة.

стр. 1009

والمراد في الجمعة: من لزمته؛ كما هو ظاهر كلام ابن حامد، فإنَّ المذهب: لا تنعقد (١) بآدميٍّ لا تلزمه (٢)؛ كمسافر وصبيٍّ، فهنا أولى. وذكر الشّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّهم ليسوا (٣) كالإنس في الحدِّ والحقيقة، فلا يكون تكليفُهم مساويًا لما على الإنس، لكن يشاركوهم في جنس التَّكليف بالأمر والنَّهي، والتَّحليل والتَّحريم بلا نزاعٍ (٤). فقد يدلُّ على مناكحتهم (٥) وغيرها، ويقتضيه (٦) إطلاق الأصحاب، وفي «المغني»: لا تصحُّ الوصيَّة لجنِّيٍّ؛ لأنَّه لا يملك بالتَّمليك كالهبة. قال في «الفروع»: (فيتوجَّه من انتِفاء التَّمليك منَّا؛ منْعُ الوطْءِ؛ لأنَّه في مقابَلةِ مالٍ). وإذا صحَّ نكاحُ جِنِّيَّةٍ؛ فهي في الحقوق كآدميَّةٍ؛ لظاهر الشَّرع، إلاَّ ما خصَّه الدَّليل، وأنَّه لا بدَّ من شروط صحَّة ذلك. ويُقبَل قولهم: إنَّ ما بيدهم ملكهم مع إسلامهم، وكافرهم كالحربيِّ، ويَجرِي التَّوارث الشَّرْعيُّ، وأنَّه يعتبر لصحَّة صلاتهم ما يعتبر لصحَّة صلاة الآدَميِّ. وظاهر ما سبق: أنَّهم في الزَّكاة والصَّوم والحجِّ كذلك. ويحرم عليهم ظلمُ الإنس، وظلمُ بعضِهم بعضًا. ويسقط فرض غسل ميت بغسلهم، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه مثلُه كل فرضِ كفايةٍ إلاَّ الأذان).

стр. 1010

وكذا تَحِلُّ ذبيحتُه؛ لوجود المقتضي وعدم المانِع، ولعدم اعتبار التَّكليف فيه. وقال ابنُ مسعود: ذكر عند النَّبيِّ ﷺ رجلٌ نام ليلةً حتَّى أصبح، قال: «ذلك رجلٌ بال الشَّيطان في أذنه» متَّفَقٌ عليه (١)، خصَّ الأُذن لأنَّها حاسَّةُ الانتباه، قيل: ظهر عليه وسخِر منه، ويتوجَّه: أنَّه على ظاهره؛ كقَيئه، فيكون بَولُه وقَيؤه طاهِرًا، وهو غريبٌ.

стр. 1011

(فَصْلٌ فِي الإِمَامَةِ) (السُّنَّةُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ)، هذا ظاهر «المذهب»، وجزم به مُعظَم الأصحاب؛ لما روى أبو سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامةِ أقرؤهم» رواه أحمدُ ومسلمٌ (١)، وعن أبي مسعودٍ (٢): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله، فإن (٣) كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواءً فأقْدَمُهم هِجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقْدَمُهم سِنًّا - وفي لفظٍ: سلمًا -، ولا يؤمَّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في سلطانِهِ، ولا يَقعُد في بيته على تَكرمتِهِ إلاَّ بإذنِهِ» رواه مسلمٌ (٤)، قال الطَّبري (٥): لمَّا استخلَف ﵇ أبا بكرٍ بعد قوله: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم»؛ صحَّ أنَّ أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنَّهم لم يكونوا يتعلَّمون شيئًا من القرآن حتَّى يتعلَّموا معانيَه وما يراد به، كما قال ابن مسعود: «كان الرَّجل منَّا إذا علم عشر آيات لم يتجاوزهنَّ حتَّى يعلم (٦) معانيَهنَّ، والعملَ بهنَّ» (٧).

стр. 1012

لكنْ أجاب أحمد عن حديث أبي بكر في تقديمه مع تقدُّم قوله: «أقرؤكم أُبَيٌّ» (١): أراد به الخلافة (٢). ومراده بالأَقرَأ: أجودُه؛ كما جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لقوله ﵇: «من قرأ القرآنَ فأعربَهُ؛ فله بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومن قرأه (٣) ولحنَ فيه؛ فله بكلِّ حرفٍ حسنةٌ» رواه التِّرمذيُّ، وقال: صحيحٌ حسَنٌ (٤)، ولأنَّه أعظمُ في الأجر. وقيل: يقدَّم الأكثرُ قُرآنًا؛ لقوله ﵇: «ليؤمَّكم أكثرُكُم قُرآنًا» (٥). وعليهما (٦): إذا عرف واجب الصَّلاة، وما يحتاجه فيها، وقيل: وسجود

стр. 1013

السَّهو، وقيل: وجاهل يأتي بها عادةً، والمنصوص خلافه (١). وعنه: يُقدَّم الأَفْقه عليه، اختاره ابن عَقِيل، إذا كان يَقرَأ ما يكفي في الصَّلاة؛ لأنَّه قد ينوبُه في الصَّلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلاَّ بالفقه، فقُدِّم كالإمامة الكبرى والحُكم. (ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ)؛ للخبر السَّابق، فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أفقه أو أقرأ؛ قُدِّم، فإن كانا قارئين؛ قُدِّم أجودُهما قراءةً، أو أكثرهما (٢). ويقدَّم قارئٌ لا يعرف أحكامَ الصلاة (٣) على فقيه أُمِّيٍّ، فإن اجتمع فقيهان أحدُهما أعلمُ بأحكام الصَّلاة؛ قُدِّم؛ لأنَّ علمه يُؤثِّر في تكميل الصَّلاة. (ثُمَّ أَسَنُّهُمْ)، اختاره الخِرَقيُّ، وذكره (٤) السَّامَرِّيُّ، وصحَّحه في «المذهب»، وفي «الرِّعاية»: أنَّه أشهر، وجزم به في «الوجيز»؛ لقوله ﵇ لِمالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ: «إذا حضرَتِ الصَّلاةُ؛ فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم» متَّفقٌ عليه (٥)، ولأنَّه أقربُ إلى الخشوع وإجابةِ الدُّعاء. (ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً)؛ للخبر، ومعناه: أن يكون أحدُهما أسبقَ هِجرةً من دار الحرب إلى دار الإسلام، قيل: بنفسه، وقيل: بآبائه، وقيل: بكلٍّ منهما؛ لأنَّه قُربةٌ وطاعةٌ؛ فقُدِّم به، وسَبْقُ الإسلام كالهجرة، قاله في «الشَّرح» و «الفروع». (ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ)؛ لقوله ﵇: «الأئمَّةُ من قريشٍ» (٦)، وقال: «قَدِّموا قريشًا،

стр. 1014

ولا تَقدَّموها» (١)، والشَّرف (٢) يكون بعلوِّ النَّسب، ذكره في «المغني» و «الشَّرح»، فعليه تُقدَّم بنو هاشم ثمَّ قريشٌ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ (٣): يُقدَّم الأقدمُ هِجرةً، ثمَّ الأسنُّ، ثمَّ الأشرَفُ، وقدَّمه في «المحرَّر». وقال الخِرَقيُّ: يُقدَّم الأسنُّ، ثمَّ الأَشرَفُ، ثمَّ الأقدمُ هِجرةً، وقدَّمه في «الفروع». وقال ابن حامد: الأشرف ثمَّ الأقدم هجرةً ثمَّ الأسنُّ، عكس ما في المتن. (ثُمَّ الْأَتْقَى)، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه أقربُ إلى الإجابة، وقد ورد: «إذا أمَّ الرَّجلُ القومَ، وفيهم من هو خَيرٌ منه؛ لم يزالوا في سَفالٍ» (٤)، ذكره

стр. 1015

الإمامُ أحمدُ في رسالته (١). وقال جماعةٌ: ثمَّ الأتقى والأوْرع. وقيل: يقدَّمان على الأشرف، وذكره في «الشَّرح» احتمالاً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجرَات: ١٣]، ولأنَّ شرف الدِّين خيرٌ من شرَف الدُّنيا. (ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ)، ذكره في «المذهب» و «التَّلخيص»، وجزم به في «الوجيز»؛ وهو روايةٌ؛ لأنَّ سعد بن أبي وقَّاص أقرعَ بين النَّاس في الأذان يومَ القادسية (٢)، فالإمامةُ أَوْلى، ولأنَّهم تساوَوْا في الاِستِحقاق، وتعذَّر الجمعُ، فأُقرع بينهم كسائر الحقوق. ثمَّ اختيار الجماعة في روايةٍ. وقيل: يقدَّم القائمُ بعِمَارة المسجد، وجزم به في «الفصول». فإن اختلف الجماعةُ؛ عُمِل بالأكثر، فإن استوَوْا؛ قيل: يُقرَع، وقيل: يختار السُّلطان الأَوْلى، وقيل: يقدَّم بحُسْن الخُلق وه م (٣)، وقيل: والخِلْقة، وفاقًا لمالك (٤) وزاد: وبحُسْن اللِّباس، وهذا كلُّه على سبيل الاستحباب بغير خلاف علمناه. (وَصَاحِبُ الْبَيْتِ) بشرطه (٥)، (وَإِمَامُ المَسْجِدُ؛ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ)، من الكلِّ بغير خلاف نعلمه (٦)؛ لما رُوي أنَّ ابن عمر أتى أرضًا له وعندها مسجد

стр. 1016

يصلِّي فيه مولًى له، فصلَّى ابن عمر معهم، فسألوه أن يؤمَّهم فأبى، وقال: «صاحب المسجد أحقُّ» (١)، ولأنَّ في تقديم غيره افتِياتًا وكَسْرًا لقلْبِه (٢). وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يكون أَوْلى مع التَّساوي. والأوَّلُ أَولى. ويُستحَبُّ تقديمُهما للأفضل (٣) منهما. ويُستثنى من الأولى: أنَّ السَّيِّد يقدَّم على عبده في بيت العبد؛ لفعل الصَّحابة، رواه صالِحٌ (٤)، ولعموم ولايته. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ)، فهو أولى في المنصوص (٥)؛ «لأنَّه ﵇ أَمَّ عِتْبانَ بنَ مالِكٍ وأَنَسًا في بيوتهما» (٦)، ولأنَّ له ولايةً عامَّةً، وكذا

стр. 1017

الوالي مِنْ قِبَله، زاد في «الكافي»: ونائبهما. واقتضى ذلك: أنَّ السلطان مقدَّمٌ على خليفته. وذكر أبو الخطَّاب وجهًا: أنَّهما يقدَّمان عليه؛ لعموم قوله ﵇: «مَنْ زارَ قَومًا فلا يَؤمّهم» (١)، ولأنَّ ولايةَ صاحبِ البيتِ والمسجد خاصَّة، وإمامة السلطان عامَّة، ولذلك لا يتصرَّف السلطان إلاَّ بالغبطة؛ كالوكيل، بخلاف المالك، فافترقا. وقال ابن حامِدٍ: صاحِبُ البيت وحده أحقُّ بها، وهو أَولى. فرع: مُعيرٌ ومستأجِرٌ أَولى في الأصح (٢) من مستعيرٍ ومؤجِرٍ، وفي «الوجيز»: وساكن (٣) البيت أحقُّ، ومقتضاه: أنَّ المستعيرَ مقدَّمٌ على المالك، وفيه نَظَر على المذهب. (وَالحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ)، ذكره الأصحاب؛ لأنَّه أكملُ في أحكامه وأشرفُ، ويَصلُح إمامًا في الجمعة والعيد، ولو مبعَّض. وعنه: العبدُ أَوْلى إن كان أفضلَ أو أَدْينَ؛ لما ذكرناه (٤). واقتضى ذلك: صحَّةَ إمامته في قول الجمهور؛ «لأنَّ عائشة كان يؤمُّها

стр. 1018

غلامٌ لها» (١)، وفيه شَيءٌ، ولعموم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم» (٢)، «وصلَّى ابنُ مسعود وحذيفةُ وأبو ذرٍّ وراءَ أبي سعيدٍ مولى أبي أسيد وهو عبدٌ» رواه صالح في مسائله (٣)، ولأنَّه من أهل الأذان، فصحَّ أن يكون إمامًا كالحرِّ. فعلى هذا: لا يُكرَه، جزم به غير واحد. (وَالحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ المُسَافِرِ)، ذكره معظم الأصحاب؛ لأنَّه إذا أمَّ حصَّل جميع الصَّلاة في جماعةٍ بخلافه. وقال القاضي: إن كان إمامًا فهو أحقُّ، جزم به ابن تميم؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّي بهم عام الفتح، ويقول لأهل البلد: «صَلُّوا أربعًا فإنَّا سَفْرٌ» رواه أبو داود (٤). فعلى هذا: يُتمُّها المقيمُ بعد السَّلام كمسبوق، فإن أتمَّ المسافر؛ فروايتا متنفِّلٍ بمفترِضٍ. وقال ابن عَقِيلٍ: ليس بجيِّد؛ لأنَّه الأصل، فليس بمتنفِّلٍ.

стр. 1019

وصحَّح في «الشَّرح»: الصِّحَّةَ؛ لأنَّ المسافرَ إذا نوى الإتمامَ لزمه، فيصير المجموعُ فرضًا، فعلى هذا؛ لا تُكره (١) إمامتُه بمسافِرٍ؛ كعكسه. وفي «الفصول»: إن نوى المسافِرُ القصرَ؛ احتمل ألا يجزئه؛ وهو أصحُّ؛ لوقوع الأخيرتَين منه بلا نيَّةٍ، ولأنَّ المأموم إذا لزمه حكم المتابعة؛ لزمه نيَّة (٢) المتابعة كنيَّة (٣) الجمعة، واحتمل أن يجزئه؛ لأنَّ الائتمام لزمه حكمًا. (وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذكره غيرُ واحدٍ، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» (٤)؛ لأنه أقدرُ على تَوقِّي النَّجاساتِ، واستقبالِ القِبلة باجتهاده. والثَّاني: يقدَّم الأعمى؛ وهو روايةٌ؛ لأنَّه أخشع؛ لكونه لا يشتغِل في الصَّلاة بما يُلهيهِ. وعنه (٥): هما سواءٌ، وقاله القاضي؛ لأنَّ الخشوع مع توقِّي النَّجاسة يتقابلان (٦)، فيتساويان. قال المؤلف: (والأَوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّ البصير لو غمَّض عينَيه كُرِه له ذلك، ولو كان فضيلةً لكان مستحَبًّا؛ لأنَّه يحصِّل بتغميضه ما يحصِّله الأعمى). فإن كان الأعمى أصمَّ؛ ففي صحَّة إمامته وجهان (٧). وظاهره: أنَّها لا تكره (٨) إمامتُه؛ «لأنَّه ﵇ استخلَف ابنَ أمِّ مكتومٍ على

стр. 1020

المدينة، فصلَّى بهم وهو أعمى» رواه أحمد وغيره من حديث أنس (١). تنبيه: لم يَتعرَّض المؤلِّفُ لإمامة البَدَوِيِّ، والأصحُّ: أنَّها لا تُكرَه إمامتُه، ويُقدَّم الحَضَرِيُّ عليه. وقال جماعةٌ: ويقدَّم حَسَن الخُلق، وقيل: الخِلقة على غيره (٢). وتُكرَه (٣) إمامةُ من يُصرَعُ، نَصَّ عليه (٤). قال جماعةٌ: ومن يُضحِك (٥) صوتُه أو رؤيتُه، وقيل: والأمْرد. وفي «المذهب» وغيره: وإمامةُ من اختُلِف في صحَّة إمامته. قال في «الفروع»: (فيؤخذ منه: يُكره إمامةُ المُوسوِس؛ وهو متَّجه؛ لئلاَّ يَقتدِيَ به عامِّيٌّ، وظاهر كلامهم: لا). قال في «المذهب»: والمتوضِّئُ أَوْلى من المتَيمِّم. (وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا تصحُّ إمامةُ الفاسق مطلقًا، قاله أكثر الأصحاب، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحب «الفروع»، وذكر ابن هُبَيرةَ أنَّها الأشهَر، قال ابنُ الزَّاغُونيِّ: وهي اختيار المشايخ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ
следующие страницы →