البكاء على الميت، بمعنى أَن ذلك كان في واقعة خاصة لا على العموم فإن قيل: فإن غيرها من الصحابة يروي الإثبات وعائشة نافية، والإثبات مقدم على النفي، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأَهل العلم لا يرون الإنكار علمًا ولا النفي شهادة ولا خبرا" وقد أَخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر بأَلفاظ، ومنها: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأَة والفرس والدار" وأَخرجاه أَيضًا من حديث سهل بن سعد وأَخرجه مسلم عن جابر. وقال الترمذي بعد أَن أَخرج حديث ابن عمر، وفي الثاني عن سهل بن سعد وعائشة وأَنس: قلنا: ليس هذا من باب تعارض النفي والإثبات، بل من باب الزيادة المفيدة في الحكم فتقبل باتفاق. لكن كلام الترمذي يقتضي أَن عائشة روته أَيضًا، فعلى هذا روايتها مع الجماعة أَولى من روايتها على الانفراد كما رجحوا بذلك في مواضع. على أَنه قد جاءَ عن أَبي هريرة خلاف ما سبق، قال أَحمد في مسنده: حدثنا خلف بن الوليد ثنا أَبو معشر عن محمد بن قيس قال: سئل أَبو هريرة: "هل سمعت من رسول الله ﷺ : الطيرة في ثلاث في المسكن والفرس والمرأَة؟ " قال: "فكنت إذن أَقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَصدق الطيرة الفأْل، والعين حق.
وأَما ابن الجوزي في المشكل فأَنكر على عائشة هذا الرد وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها." والصحيح أَن المعنى:
стр. 107
إن خيف من شيء أَن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأَشياءُ لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأَسباب تأْثيرا. وقال الخطابي: "لما كان الإنسان في غالب أَحواله لا يستغني عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه، أُضيف اليمن والشؤم إلى هذه الأَشياء إضافة محل وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله." قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأَة أَلَّا تلد وشؤم الفرس أَلَّا يحمل عليها في سبيل الله وشؤم الدار سوءُ الجوار."
(١) (الحديث الثالث): قال أَبو بكر البزار في مسنده: حدثنا هلال بن بشر: ثنا سهل بن حماد قال: ثنا أَبو عامر الجزار، وثناه محمد بن معمر قال: ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا أَبو عامر الجزار عن سيّار عن الشعبي عن علقمة قال: قيل لعائشة رحمة الله عليها: "إن أَبا هريرة يروي عن النبي ﷺ : أَن امرأَة عذبت في هرة" قال: فقالت عائشة: "إن المرأَة كانت كافرة" قال: "ولا نعلم روى علقمة عن أَبي هريرة إلا هذا الحديث"، وأبو عامر الجزار صالح بن رستم قال فيه أَحمد بن حنبل: "صالح الحديث."
ورواه أَبو محمد قاسم بن ثابت السرْقسطي في كتاب غريب الحديث:
стр. 108
نا محمد بن جعفر قال: نا أَبو أَحمد محمود بن غيلان المروزي: نا أَبو داوود الطيالسي قال: نا أَبو عامر صالح بن رستم قال: نا سيّار أَبو الحكم عن الشعبي عن علقمة بن قيس قال: "كنا عند عائشة ومعنا أَبو هريرة فقالت: "يا أَبا هريرة أَنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ : "أَن امرأة عذبت بالنار من جرى (١) هوة لا هي أَطعمتها ولا سقتها ولا هي تركتها تأْكل من خشاش الأَرض شيئًا حتى ماتت؟ " قال أَبو هريرة: "سمعته من رسول الله ﷺ "، قالت عائشة: المؤمن أَكرم عند الله من أَن يعذبه من جرّى هرة، أَي إن المرأَة مع ذلك كانت كافرة؛ يا أَبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث" قولها من جرّى هرة تعني من أجلها. اهـ
(الحديث الرابع): قال الحاكم في مستدركه في كتاب العتق: أَخبرنا أَبو بكر أَحمد بن إسحاق: أَنا محمد بن غالب: ثنا الحسن بن عمر بن شفيق: ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة قال: بلغ عائشة أَن أَبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" وأَن رسول الله ﷺ قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" و "إن الميت يعذب ببكاء الحي" فقالت عائشة: رحم الله أَبا هريرة أَساءَ سمعًا فأَساءَ إجابة: أَما قوله: "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" فإنها (٢) لما نزلت (٣) ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ
стр. 109
رَقَبَةٍ﴾ قيل: "يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أَن أَحدنا له الجارية السوداءُ تخدمه وتسعى عليه، فلو أَمرناهُن فزنين فجئن بأَولاد فأَعتقناهم." فقال رسول الله ﷺ "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن آمر بالزنى ثم أُعتق الولد"، وأَما قوله: "ولد الزنى شر الثلاثة" فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يعذرني من فلان؟ " قيل: "يا رسول الله إنه مع ما ما به ولد زني" فقال: "هو شر الثلاثة" والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وأَما قوله: "إن الميت يعذب ببكاء الحي" فلم يكن الحديث على هذا ولكن رسول الله ﷺ مرّ بدار رجل من اليهود قد مات وأَهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعن الحاكم: أَخرجه البيهقي في سننه في كتاب الأَيمان في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمة الأَبرش يروي مناكير". قال الذهبي في مختصره: هو مختلف فيه، وقد وثقه أَبو داوود. قال البيهقي: وروي عن أَبي سليمان الشامي برد بن سنان عن الزهري عن عائشة في إعتاق ولد الزنى. وأَخرج عن سفيان عن هشام عن أَبيه عن عائشة قالت في ولد الزنى: "ليس عليه من وزر أبويه شيء، لَا تَزِرُ وازِرةٌ وزر أُخْرى"، قال: وروي مرفوعًا ولم يصح. ثم أَخرج عن إسحاق السلولي: ثنا إسرائيل عن إبراهيم عن محمد بن قيس عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "ولد
стр. 110
الزنى شر الثلاثة إذا عمل بعمل أَبويه" وقال: ليس بالقوي. وقد روي مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس. وقال صاحب الاستذكار: قد أَنكر ابن عباس على من روى في ولد الزنى "أَنه شر الثلاثة" وقال: "لو كان شر الثلاثة ما استؤني بأُمه أَن ترجم حتى تضعه" رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أَبي طلحة عن ابن عباس، وقد ذكرناه في التمهيد بإسناده. وقال في باب حد الزنى: وقول أُم سلمة: "يا رسول الله أَنهلك وفينا الصالحون؟ " قال: "نعم إذا كثر الخبث" الخبث في هذا الحديث عند أَهل العلم أولاد الزنى وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره. هذا لفظه وهو غريب.
وأَخرج النسائي من حديث شعبة عن منصور عن سالم عن نبيط بن شريط عن جابان عن عبد الله بن مسعود: أَن رسول الله د: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية". وأَخرجه ابن حبان في صحيحه. قال الحافظ أَبو الحجاج المزي في الأَطراف: قال البخاري: لا يعرف لجابان سماع من عبد الله ولا لسالم من جابان ولا نبيط قال: وقد روى عن عبد الله بن عمرو قوله.
(الحديث الخامس): قال الطبراني في الأَوسط: حدثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا عبد الله بن أَبي رومان الإسكندراني، ثنا عيسى بن واقد، نا محمد بن عمرو عن أَبي سلمة عن أَبي هريرة: أَن رسول الله ﷺ قال: "مَن لم يوتر فلا صلاة له" فبلغ ذلك عائشة فقالت: "مَنْ سَمع هذا من أَبي القاسم ﷺ ؟ ما بَعُدَ الْعَهْد وما نسينا، إنما قال أَبو القاسم ﷺ :
стр. 111
"من جاءَ بصلوات الخمس يوم القيامة حافَظ على وُضوئها ومواقيتِها وركوعها وسجودها لم ينتقص منهن شيئًا، كان له عند الله عهد أَلَّا شاء يعذبه، ومن جاءَ وقد أَنقص منهن شيئًا، فليس له عهد عند الله، إن رحمه وإن شاءَ عذَّبه" ثم قال: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عيسى، تفرد به عبد الله بن أَبي رومان.
(الحديث السادس): قال الحافظ أَبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه في النوع التاسع والمئة من القسم الثاني: أَخبرنا عمر بن محمد الهمداني، ثنا أَبو الطاهر بن السرح، ثنا ابن وهب قال: أَخبرني يونس عن ابن شهاب أَن عروة بن الزبير حدثه أَن عائشة قالت: "ألا يعجبك أَبو هريرة جاءَ فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ ، يسمعني ذلك وكنت أُسبِّح فقام قبل أَن أَقضي سبحتي، ولو أَدركته لرددت عليه: أَن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم". قال أَبو حاتم: قول عائشة: "لرددت عليه " أَرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه، وترجم عليه ما يستحب للمرء من ترك سرد الأَحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها. أَخرجه مسلم في الصحيح في الفضائل عن حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب به سندًا ومَتنًا.
(الحديث السابع): ذكر أَبو منصور البغدادي بإسناده إلى أَبي عروبة الحسين بن محمد الحراني قال: ثنا جدي عمرو بن أَبي عمرو قال: ثنا أَبو يوسف يعقوب بن إبراهيم مولى الأَنصار قال: ثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أَبي هريرة:
стр. 112
أَنه قال: "مَنْ غَسَّلَ ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأَ" فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: "أَو نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودًا؟)، واعلم أَن جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث ولم يذكروا فيه الوضوء من حمله، منهم عائشة. أَخرجه أَبو داوود، ومنهم حذيفة: أَخرجه البيهقي، وهو يقوي إنكار عائشة. لكن قال البيهقي: "الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أَبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم" والصحيح أَنه موقوف على أَبي هريرة.
(الثامن): قال أَبو عروبة أَيضًا: حدثنا جدي عمرو بن أَبي عمرو قال، ثنا أَبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قال، ثنا الكلبي عن أَبي صالح عن أَبي هريرة قال: "لأنْ يمتلئَ جوف أَحدكم قيْحًا ودمًا خير له من أَن يمتلئَ شعرًا) فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله ﷺ : "لأَن يمتلئَ جوف أَحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيتُ به" وقد أَخرج الشيخان حديث أَبي هريرة من جهة الأَعمش عن أَبي صالح عنه. وأَخرجه مسلم من حديث سعد بن أَبي وقاص، وأَخرجه البزار من حديث عمر.
قلت: وقد تابع عائشة على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله، أَخرجه أَبو يعلى الموصلي في مسنده من جهة أَحمد بن محرز الأَزدي عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا بلفظ: "خير له من أَن ممتلئَ شعرًا هجيت به" قال السهيلي في الروض: وذكر ابن وهب في جامعه: "أَن عائشة ﵂ تأَولت هذا الحديث في الأَشعار التي هُجِي بها النبي ﷺ
стр. 113
وأَنكرت قول مَن حمله على العموم في جميع الشعر" قال السهيلي: "وإذا قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيب: "امتلأَ الجوف منه" وأَما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة فلم يدخل في النهي. " قال: وقد رد أَبو عبيدة على من تأَول الحديث في الشعر الذي هُجي به النبي ﷺ وقال: "رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالدم؟ قال السهيلي: "وعائشة أعلم منه، فإن البيت والبيتين والأَبيات من تلك الأَشعار على جهة الحكاية، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ ، لا فرق" وجعل ذلك عذرا لابن إسحاق في ذكر بعض أَشعار الكَفَرة من الهجو. انتهى. والصواب: تحريم حكاية هجو النبي ﷺ قليله وكثيره، والحديث لعله خرج على من امتلأَ بذلك، فلا يكون له مفهوم في عدم ذم القليل. وأيضًا فالمحذور في الكثير موجود في القليل بعينه، فتاويل عائشة مستقيم إن شاءَ الله ولا يرد ما فهمه أَبو عبيدة ولا السهيلي.
(التاسع): أَخرج مسلم والنسائي عن شريح بن هاني عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءه" قال شريح: فأَتيت عائشة فقلت: "يا أُم المؤمنين سمعت أَبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا "فقالت: إن الهالك من هلك، وما ذاك؟ [قلت] قال: "قال رسول الله ﷺ : من أَحبَّ لقاءَ اللهُ أَحبَّ الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ اللهِ كره الله لقاءَه. وليس منا أَحد إلا وهو يكره الموت فقالت: "قد
стр. 114
قاله رسول الله ﷺ ، ولكن ليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد ونشنجت الأَصابع، فعند ذلك من أَحبَّ لقاءَ اللهِ أَحب اللهُ لقاءَه ومن كره لقاءَ اللهِ كرهَ اللهُ لقاءَه" وأَخرجه الدارقطني من جهة محمد بن فضيل قال: ثنا عطاءُ بن السائب عن مجاهد عن أَبي هريرَة قال: قال رسول الله ﷺ إذا أَحبَّ العبدُ لقاءَ اللهِ أَحبَّ اللهُ لقاءَه، وإذا كرهَ العبدُ لقاءَ وإذا كره الله لقاءَه" فذكر ذلك لعائشة فقالت: "يرحمه الله حدثكم بآخر الحديث ولم يحدثكم بأَوله" قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ "إذا أَراد الله بعبدٍ خيرًا بعث إليه ملكًا في عامه الذي يموت فيه فيسدده ويبشره، فإذا كان عند موته أَتى ملك الموت فقعد عند رأَسه فقال: أَيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان وتتهوع (١) نفسه رجاءَ أَن تخرج، فذلك حين يحب لقاءَ الله الله لقاءَه. وإذا أراد بعبد شرًا بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموت فيه فأَغواه فإذا كان عند موته أَتاه ملك الموت فقعد عند رأَسه فقال: أَيتها النفس اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فيسترطه (١)، فذاك حين يبغض لقاءَ الله ويبغض الله لقاءَه" غريب من حديث مجاهد عن أَبي هريرة وعائشة، تفرد به عطاء بن السائب عنه قال الدارقطني ولا أعلم حدث به عنه غير ابن فضيل. قلت: وقد احتج به الشيخان.
(العاشر): روى أَبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي البغوي حدثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا خالد بن الحارث قال: ثنا عبيد الله بن
стр. 115
عمر عن القاسم بن محمد قال: بلغ عائشة ﵂ أَن أَبا هريرة يقول: "إن المرأَة تقطع الصلاة" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فتقع رجلي بين يديه أَو بحذائه فيصرفها فأَقبضها".
(الحادي عشر): روى الشيخان عن أَبي هريرة أَن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشين أَحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا أَو ليخلعهما" وروى مسلم عن جابر نحوه. قال ابن عبد البر في الاستذكار: حديث أَبي هريرة وحديث جابر صحيحان ثابتان، وقد روى عن عائشة رحمها الله معارضة لحديث أَبي هريرة في هذا الباب [و] لم يلتفت أَهل العلم إلى ذلك، لأَن السنن لا تعارض بالرأي. فإن قيل لم تعارض أَبا هريرة برأيها، وإنما ذكرت: أَن رسول الله ﷺ ربما انقطع شسع نعله فمشى في نعل واحدة، قيل: لم يرو هذا والله أعلم إلا مندل بن علي عن ليث بن أَبي سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أَبيه عن عائشة. ومندل وليث ضعيفان لاحجة فيما نقلا منفردين (١)، فكيف إذا عارض نقلهما نقل الثقات الأَئمة؟. ذكر أَبو بكر يعني ابن أَبي شيبة: ثنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أَبيه أَن عائشة كانت تمشي في خف واحد وتقول: "لأخشن (٢) أَبا هريرة" وهذا هو الصحيح، لا حديث مندل عن ليث والله أَعلم. وقد روي عن علي أَنه مشى في النعل الواحدة، وهذا يحتمل أَن يكون مسيرًا وهو يصلح الأُخرى أَو يكون لم يبلغه
стр. 116
ما رواه أَبو هريرة وجابر مع أَن حديث علي لا يثبت (١) وعن رجل من مزينة عن علي: أَنه كان يمشي في نعل واحدة وهو يصلح شسعه.
فائدة:
(٢) روى الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أَطعمت المرأَة من بيت زوجها غير مفسدة فلها أَجرها وله مثله وللخازن مثل ذلك". وأخرجا أَيضًا عن هشام عن أَبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "وما أَنفقت المرأَة من كسبه عن غير أمره فإن نصف أَجره له". وهذا لا ينافي رواية أَبي هريرة. ثم إنه قد جاءَ عن أَبي هريرة ما يخالف ظاهر روايته: فروى أَبو داوود في سننه من جهة عبد الملك عن عطاء عن أَبي هريرة في المرأَة تصدّق من بيت زوجها قال: "لا، إلا من قوتها والأَجر بينهما، ولا يحل لها أَن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه". ولأجل هذا حمل البيهقي وغيره الحديث السابق على أنها تعطيه من الطعام الذي أَعطاها زوجها وجعله بحكمها دون سائر أَمواله. والأَصل تحريم مال الغير إلا بإذنه. قال: والحامل على ذلك أَن أَبا هريرة قال ذلك وهو أحد رواة تلك الأَخبار ونازعه الحافظ شمس الدين الذهبي وقال: بل الظاهر أَنه أراد الإذن لها في الصدقة مما يقتاتونه من
стр. 117
المطبوخ والمخبوز وهو الطعام الرطب، دون ما في البيت من مثل العسل والزيت والجبن مما يدخر، فإن ذلك مال؛ فإِن أَبا هريرة قال: والأَجر بينهما. فأَما قولها "التي تأْخذه من زوجها بالفرض ثم تؤثر منه" (١) فإن الأَجر لها وحدها. اهـ. وقال صاحب الدر النقي: هذا الأَثر المروي عن أَبي هريرة لا يصح فإن في سنده عبد الملك العرزمي وهو متكلم فيه. قال البيهقي في موضع: "لا يقبل منه ما خالف فيه الثقات". ثم لو صح فالعبرة عند الشافعي (بما) روى لا بما رأَى. وكيف يحمل ذلك على الطعام الذي أَعطاها وفي حديث أَبي هريرة "وما أَنفقت من كسبه عن غير أمره"، بل يحمل ذلك على كل ما هو مأْذون فيه إما صريحًا أَو عرفًا أَو عادة.
وقد أَخرج البيهقي أَيضًا عن يحيى القطان عن زياد بن لاحق: حدثتني تميمة بنت سلمة أَنها أَتت عائشة في نسوة من أَهل الكوفة فسأَلتها امرأة منا فقالت: "المرأَة تصيب من بيت زوجها شيئًا بغير إذنه؟ فغضبت وقطَّبت، وساءَها ما قالت، وقالت: "لا تسرقي منه ذهبًا ولا فضة ولا تأْخذي منه شيئًا قلت وكأَنها شيئًا قلت وكأنها ﵂ قالت لها ذلك، لما فهمت من قرينة الحال أَنها تستطيل في ماله لموافقتها بالجواز، كما اتفق مثل ذلك لابن عباس لما أفتى السائل عن توبة القاتل: أَنه لا توبة له.
وفي الباب حديث أَخرجه الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن
стр. 118
عياش: نا شرحبيل بن سلمة [أَنه] أَبا أُمامة يقول: شهدت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فسمعته يقول: "لا يحل لامرأة أَن تعطي من مال زوجها شيئًا إلا بإذنه فقال رجل: "يا رسول الله ولا الطعام؟ " قال: "ذاك أَفضل أَموالنا" قال الذهبي: هذا إسناد حسن.
стр. 119
(١) فصل ٨ - استدراكها على مروان بن الحكم
نقل أَهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ (٢) أَن معاوية كتب إلى مروان بأَن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أَبي بكر: "لقد جئتم بها هرقلية، أَتبايعون لأَبنائكم" فقال مروان: يا أَيها الناس هذا الذي قال الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا … ﴾ (٢) فسمعت عائشة فغضبت وقالت: "والله ما هو به، ولو شئت أَن أُسميه لسميته، ولكن الله لعن أَباك وأَنت في صلبه فأَنت قضض (٣) من لعنة الله." لفظ رواية النسائي ورواه الحاكم وابن أَبي خيثمة وابن مردويه من رواية محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه قال مروان: "سنة أَبي بكر وعمر" فقال عبد الرحمن بن أَبي بكر: "سنة هرقل وقيصر" قال مروان: "هذا الذي أَنزل الله. فذكر الآية" فبلغ ذلك عائشة فقالت: "كذب والله ما هو به فيذكره (٤) ولكن رسول الله ﷺ لعن أَبا مروان
стр. 120
ومروان في صلبه إلى آخره" ولفظ ابن أَبي خيثمة: أَن معاوية كتب إلى مروان أَن يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية … إلى آخره. وأَصله في البخاري من رواية يوسف بن ماهك عن عائشة دون ما في آخره، وأما الذي أرادته عائشة ولم تسمِّه فلم يوقف له على اسم. وأَنكر الزجاج نزولها في عبد الرحمن لأَنه أَسلم وحسن إسلامه، وقال: الصحيح أَنها نزلت في الكافر العاق. وهذا مروي عن الحسن البصري وعن قتادة أَنه: نعت عبد سوء عاق لوالديه. وقال الزمخشري في الكشاف: نزولها في عبد الرحمن باطل: "ويشهد له أَن المراد بالذي قال: جنس القائلين ذلك أَيضًا. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إلى آخرها لا يناسب ذلك عبد الرحمن، إلا أَن المهدوي قال: يحتمل أَن يكون هو، وذلك قبل إسلامه وأن الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ .. ﴾ للقوم الذين أَشار إليهم المذكور بقوله ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلا أَن يمتنع يقع ذلك له قبل إسلامه. قال شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر: ولكن نفي عائشة أَن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته، أصح إسنادًا وَأَولى بالقبول" فإنَّه نقل أَيضًا أنها نزلت في أَخيه عبد الله وقول عائشة ﵂ "فأَنت قضض من لعنة الله" أَي قطعة منها.
قال ذلك وحرر النقل فيه مستدركًا به على المؤلف في إهماله، كاتبه ومالكه أَحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي أحمد الرملي الشافعي الشهير بأبي الأسباط غفر الله له ولوالديه آمين.
стр. 121
فصل ٩ - استدراكها على أَبي سعيد الخدري
(الأول): قال أَبو حاتم بن حبان في صحيحه: أَخبرنا محمد بن الحسن: ثنا قتيبة: ثنا حرملة بن يحيى قال: ثنا ابن وهب: ثنا يونس عن ابن شهاب: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن: أَن عائشة أَخبرت أَن أَبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ المرأَة أَن تسافر إلا ومعها ذو محرم، قالت عمرة: فالتفتت عائشة إلى بعض النساء [وقالت]: "ما لكلّكن ذو (١) محرم". وأَخرجه البيهقي في سننه ثم قال أَبو حاتم: "لم تكن عائشة بالمتهمة أَبا سعيد لعدالته، وإنما أرادت بقولها: "ما لكلكن ذو محرم" تريد أَنه ليس لكلكن ذو محرم تسافر معه، فاتقين الله ولا تسافر واحدة منكن إلا بذي محرم يكون معها." قلت: ينافي هذا رواية البيهقي "ما كلهن ذوات محرم" وقد أدخله في باب لزومها الحج مع النساء الثقات. وقال الطحاوي في معاني الآثار: "احتج بخبر عائشة هذا من لم يشترط المحرم في وجوب الحج، ولا حجة في قول أحد مع قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة أن تسافر
стр. 122
مسيرة ثلاثة أَيام إلا ومعها محرم" قال: وقد قيل لأَبي حنيفة: "فإن عائشة كانت تسافر بلا محرم" فقال أَبو حنيفة: "كان الناس لعائشة محرمًا، مع أَيهم سافرت فقد سافرت مع محرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك." اهـ.
(الثاني): أَخرج أَبو داوود في سننه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أَبي سلمة عن أَبي سعيد الخدري: انه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها". وأَخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه البزار في مسنده وقال: "لا يروى إلا من حديث أَبي سعيد ولا نعلم له طريقًا عنه إلا هذه." ا هـ. ورأَيت في كتاب أَصول الفقه لأَبي الحسين أَحمد بن القطان قدماء أصحابنا من أَصحاب ابن سريج في الكلام على الرواية بالمعنى: أَن أَبا سعيد ﵁ فهم من الحديث أَن النبي ﷺ أَراد بالثياب الكفن، وأَن عائشة ﵂ أَنكرت عليه ذلك وقالت: يرحم الله أَبا سعيد إنما أَراد النبي ﷺ عمله الذي مات عليه، قد قال رسول الله ﷺ " يحشر الناس حفاةً عراة غُرْلًا (١). اهـ.
стр. 123
فصل ١٠ - استدراكها على ابن مسعود
روى أَبو منصور البغدادي من جهة محمد بن عبيد الطنافسي قال: ثنا الأَعمش عن خيثمة عن أَبي عطية قال: دخلت أَنا ومسروق على عائشة ﵂ فقال مسروق: قال عبد الله بن مسعود: "من أحب لقاءَ الله أَحب الله لقاءَه ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءَه" فقالت عائشة: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن حدث بأَول الحديث ولم تسأَلوه عن آخره، إن الله تعالى إذا أَراد بعبد خيرًا قيض له قبل موته بعام ملكًا يوفقه ويسدده حتى يقول الناس مات فلان على خير ما كان، فإذا حضر ورأَى ثوابه من الجنة تهوع بنفسه أَو قال تهوعت نفسه، فذلك حين أحب لقاءَ الله وأَحب الله لقاءَه. وإذا أَراد الله بعبد سوءًا قيّض له قبل موته بعام شيطانًا فأَفتنه حتى يقول الناس مات فلان أَشر ما كان، فإذا حضر رأَى ما نزل عليه من العذاب [فتهلع] (١) نفسه، وذلك حين كره لقاءَ وكره الله لقاءَه."
стр. 124
فصل ١١ - استدراكها على أَبي موسى الأَشعري
عن أَبي عطية مالك بن عامر قال: دخلت أَنا ومسروق على عائشة فقلت لها: "يا أُم المؤمنين رجلان من أَصحاب محمد ﷺ أَحدهما يعجل الصلاة ويعجل الإفطار، والآخر يؤخر الصلاة ويؤخر الإفطار" قالت: "أيهما الذي يعجل" قال "عبد الله" قالت: "هكذا كان يصنع رسول الله ﷺ والآخر أَبو موسى أَخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن.
стр. 125
فصل ١٢ - استدراكها على زيد بن ثابت
قال البزار في مسنده حدثنا محمد بن المثنى: قال ثنا ابن أَبي عدي عن سعيد بن أَبي عروبة عن قتادة عن عكرمة: أَن ابن عباس وزيد بن ثابت اختلفا في التي تطوف يوم النحر الطواف الواجب ثم تحيض؛ فقال زيد: "تقيم حتى يكون آخر عهدها بالبيت" وقال ابن عباس: "تنفر إذا طافت يوم النحر" فقالت الأَنصار: "يا بن عباس إنك إذا خالفت زيدًا لم نتابعك، فقال ابن عباس: "سلوا عن ذلك صاحبتكم أُم سليم (١)، فسأَلوها فأَخبرت كان من حال صفية بنت حيي قال: فقالت عائشة: "إنها لحابستنا" فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأَمرها أَن تنفر".
وذكره ابن عبد البر من جهة عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن طاووس عن أَبيه أَن زيد بن ثابت وابن عباس تماريا في صدَر الحائض قبل أَن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت؛ فقال ابن عباس: "تنفر" وقال
стр. 126
زيد: "لا تنفر" فدخل زيد على عائشة فسأَلها فقالت: "تنفر" فخرج زيد وهو يبتسم ويقول "ما الكلام إلا ما قلتَ" قال أَبو عمر: "هكذا يكون الإنصاف وزيد يعلِّم ابن عباس فما لنا لا نقتدي بهم".
стр. 127
فصل ١٣ - استدراكها على زيد بن أَرقم
قال عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا معمر والثوري عن أَبي إسحاق السبيعي عن امرأَته: أَنها دخلت على عائشة في نسوة فسأَلتها امرأَة فقالت: يا أُم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أَرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتبت عليه ثمانمائة" فقالت عائشة: "بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى زيد بن أرقم، إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أَن يتوب" فقالت المرأَة لعائشة: "أَرأَيت إن أَخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ " فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) وأَخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما عن يونس بن أَبي إسحاق الهمداني عن أُمه العالية قالت: "كنت قاعدة عند عائشة، فأَتتها أُم مُحِبّة فقالت: "إني بعت زيد بن أَرقم جارية إلى عطائه فذكر نحوه" قال الدارقطني: أُم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما، وهذا الحديث لا يثبت عن عائشة قاله الإمام الشافعي، قال: ولو ثبت
стр. 128
فإنها عابت بيعًا إلى العطاء لأَنه أَجل غير معلوم، لا أَنها عابت عليه ما اشترت بنقد وقد باعته إلى أَجَل. ولو اختلف بعض الصحابة في شيء أَخذنا بقول من معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أَرقم فعمل ما يراه حلالًا، فلا نزعم أَن الله يحبط عمله اهـ.
وقد ذهب إلى حديث عائشة جماعة منهم الثوري والأَوزاعي وأَبو حنيفة ومالك وأَحمد بن حنبل والحسن بن صالح وصححوا حديثها. والعالية روى عنها زوجها وابنها وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في الثقات. وقال أَبو بكر الرازي: "إن قيل كيف أَنكرت الأَول وهو صحيح عندها يعني الشراء إلى العطاء لأَنه روي عنها فعله؟ قلنا: لأَنها علمت أَنها قصدت به اتباع البيع الثاني كما يفعل الناس. وفي قولها "أَرأَيت إن لم آخذ إلا رأْس مالي" وتلاوة عائشة دليل على إثباتها العقد الأَول، وأَن المنكرَ هو الثاني؛ ولو كانت إنما أَنكرته لكونه بيعًا إلى العطاء كما يقول الخصم لما أَبقت الأول. اهـ.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: هذا الخبر لا يثبته أَهل العلم بالحديث ولا هو مما يحتج به عندهم: فامرأَة أَبي إسحاق وامرأَة أَبي السفر وأُم زيد بن أَرقم كلهن غير معروفات بحمل العلم. وفي مثل هؤلاء روى شعبة عن أَبي هاشم أَنه قال: "كانوا يكرهون الرواية عن إلا عن النساءِ إلا أزواج النبي ﷺ " والحديث منكر اللفظ لا أَصل له لأَن الأَعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد؛ ومحال أَن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأْيها وتكفره باجتهادها، هذا ما لا ينبغي
стр. 129
أَن يظن بها ولا يقبل عليها. وقد رد عمر خبر فاطمة بنت قيس في السكنى دون النفقة للمبتوتة وقال: "ما كنا نجيز في (١) ديننا شهادة امرأة" قال أَبو عمر: فكيف بامرأَة مجهولة.
(سؤال) ما الحكمة في تخصيصها الإبطال بالجهاد ولم تقل أَبطل صلاته ولا صيامه؟ والجواب: أَن في كلام أَبي الحسن بن بطال في شرح البخاري ما يؤخذ منه ذلك وهو أَن السيئات لا تحبط الحسنات، فلهذا لم تذكر الصلاة. ولكن خصت الجهاد بالإبطال لأَنه حرب لأَعداء الله، وآكل الربا قد أذن الله بحرب من فهو ضده ولا يجتمع الضدان.
стр. 130
فصل ١٤ - استدراكها على البراء بن عازب
قال البيهقي في سننه: أَخبرنا ابن بشران: أَنا علي بن محمد المصري: ثنا مالك بن يحيى: ثنا يزيد بن هارون: أَنا زكريا بن أَبي زائدة عن أَبي إسحاق عن البراء قال: "اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة" فقالت عائشة: "لقد علم أَنه اعتمر أَربع عمر بعمرته التي حج معها". قال البيهقي: وهذا ليس بمحفوظ. قال الذهبي في مختصره: ومالك ليّنه ابن حبان.
стр. 131
فصل ١٥ - استدراكها على عبد الله بن الزبير
(الأول): قال أَبو بكر بن أَبي شيبة في مصنفه حدثنا ابن فضيل عن يزيد عن مجاهد قال: قال عبد الله بن الزبير: "أَفردوا الحج ودعوا قول أَعماكم هذا، فقال: فقال عبد الله بن عباس: "إن الذي أَعمى الله قلبه أَنت، أَلا تسأَل أُمك عن ذلك؟ " فأَرسل إليها فقالت: "صدق ابن عباس، خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا فجعلناها عمرة فحللنا الإحلال كله حتى سطعت المجامر بين الرجال والنساء."
(الثاني) (١) قال: الإمام أَحمد بن حنبل في كتاب المناسك الكبير: حدثنا عبد الله بن يزيد: ثنا سعيد يعني ابن أَبي أَيوب قال: حدثني سليمان بن كيسان عن أَبي الزبير عن مجاهد: أَن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تقول: "أَلا تعجبون من ابن الزبير يفتي المرأَة
стр. 132
المحرمة أَن تأخذ من شعرها أَربع أَصابع، وإنما يكفيها من ذلك التطريف".
ثنا يزيد: أَنا هشام عن كيفيته في المحرمة: أَما الشابة [فتأْخذ] قدر أُنملة، والتي قد دخلت في السن تأْخذ ما بينها وبين أَربع.
стр. 133
فصل ١٦ - استدراكها على عروة بن الزبير
أَخرج البخاري ومسلم واللفظ له عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة زوج النبي ﷺ : "ما أرى على أَحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أَبالي أَلَّا أطوف بينهما" قالت: بئس ما قلت يا بن اختي، طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون فكانت سنة، وإنما كان من أَهَلَّ لمناةَ الطاغية التي بالمشلَّل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سأَلنا النبي ﷺ عن ذلك، فأَنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١) ولو كانت كما تقول لكانت: (فلا جناح عليه أَلَّا يطَّوَّف بهما) قال الزهري: فذكرت ذلك لأَبي (٢) بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأَعجبه ذلك وقال: "إن هذا لَلْعلمُ" ولقد سمعت رجالًا من أَهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من
стр. 134
أَمر الجاهلية. وقال آخرون من الأَنصار: إِنَّما أُمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فأَنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال أَبو بكر بن عبد الرحمن: "فأَراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء" ولفظ مسلم: فقالت عائشة: "قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأَحد أَن يترك الطواف فيهما".
قال بعض علماء التفسير: إذا كان الحرج في الفعل، قيل: لا جناح أَن تفعل، وإن كان في الترك، قيل: لا جناح أَلَّا تفعل. والحرج هنا كان في الفعل لإرادة مخالفة المشركين فيما كانوا يفعلونه من التطواف بهما لإساف ونائلة. فاستدل ابن الزبير على عدم الوجوب بأَن الحرج كان في الفعل لا في الترك، فقالت له عائشة ﵂: "لو كان الحرج في الترك وأَريد نفيه كان: لا جناح أَلا يطوف، لكن الحرج كان في الفعل فقيل: (لا جناح أَن يطوف) واستفيد الوجوب من "ابدؤوا بما بدأ الله به" ونحوه من الأَدلة عَلَى الوجوب. وقيل إن ابن الزبير أَخذ بظاهر الاستعمال، وإن السعي غير واجب ودققت عائشة النظر بأَن نفي الجناح يشمل الواجب والمباح والمندوب والمكروه فلا يستدل به على أحدها بعينه، بل ذلك لو قال (أَلا يطَّوّف) فيكون فيه نفي الجناح عن تركه فيختص بالحرام.
стр. 135
الفصل ١٧ - استدراكها على جابر
(الأَول): روى يعقوب بن سفيان الفسوي (١): حدثنا محمد بن مصفى قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان الأَنصاري قال: ثنا عثمان بن عطاء بن أَبي حماد عن أَبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُماه إن جابر بن عبد الله يقول: "الماءُ من الماءِ" فقالت: "أخطأَ، جابر أَعلم مني برسول الله ﷺ ؟ يقول: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" أيوجب الرجم ولا يوجب الغسل؟ "
(الثاني): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدثنا محمد بن نصر الهمداني قال: ثنا مسلم بن يحيى الطائي قال: ثنا سويد بن عبد العزيز قال: ثنا نوح بن ذكوان عن يحيى بن أَبي كثير عن أَبي الزناد عن غالب عن جابر بن عبد الله قال: دخلت على عائشة وعليها سمل ثوب مرقوع فقلت: "لو أَلقيتِ عنك هذا الثوب" فقالت:
стр. 136
"إن رسول الله ﷺ قال: "إن سرَّكِ أَن تلقيني فلا تلقين (١) ثوبًا حتى ترقعيه ولا تدخرين (١) طعامًا لشهر" فما أَنا بمغيرة ما أَمرني به حتى أَلحق به إن شاءَ الله، وقال: لا يروى عن جابر عن عائشة إلا بهذا الإسناد يرويه سويد.
стр. 137
الفصل ١٨ - [استدراكها] على أَبي طلحة
قال النسائي في سننه الكبير: أَخبرنا إسحاق بن إبراهيم: أَنا جرير عن سهيل عن سعيد بن يسار أَبي الحباب عن زيد بن خالد عن أَبي طلحة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أَو تمثال" فقلت: "انطلق إلى عائشة فاسأَلها عن ذلك"، فأَتيناها فقلت: "يا أُمَّهْ، إن هذا أَخبرني أَن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال " فهل سمعت رسول الله ﷺ ذكر ذلك؟ قالت: "لا ولكن سأُحدثكم بما رأَيته فعل: خرج من بعض غزواته وكنت أَتحين قفوله فأَخذت نمطًا (١) فسترته، فلما جاءَ استقبلته على الباب فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله الحمد لله الذي أعزك ونصرك وأَكرمك" وساق الحديث. هذا لفظ النسائي.
стр. 138
الفصل ١٩ - [استدراكها] على أَبي الدرداء
روى ابن جريج عن زياد أَن أَبا نهيك أخبره عن أَبي الدرداء: أَنه خطب فقال: "من أَدرك الصبح فلا وتر له" فذكر ذلك لعائشة فقالت: "كذب أَبو الدرداء، كان النبي ﷺ يصبح فيوتر" أَخرجه البيهقي في سننه هكذا ثم قال: هو زياد بن سعد. ثم أَخرج عن خالد الحذاء عن أَبي قلابة عن أُم الدرداء عن أَبي الدرداء قال: "ربما رأَيت النبي ﷺ يوتر وقد قام الناس لصلاة الصبح" قال: وهذا واه بمقام (١) ثنا حاتم بن سالم البصري: ثنا عبد الوارث عنه. وحديث ابن جريج أَصح، وأَقره الذهبي في مختصره على ذلك. وأَخرجه الطبراني في الأَوسط وقال: لم يروه عن ابن جريج إلا أَبو عاصم.
стр. 139
الفصل ٢٠ - رجوع شيبة بن عثمان إليها
أَخرج البيهقي في سننه عن علي بن المديني: حدثني أَبي أَخبرني علقمة بن أَبي علقمة عن أُمه قالت: "دخل شيبة بن عثمان على عائشة فقال: "يا أُم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع علينا فتكثر، فنعمد إلى آبار فنحفرها فنعمقها ثم ندفن ثياب الكعبة فيها كيلا يلبسها الجنب والحائض" فقالت عائشة: "ما أَحسنت وبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت منها لم يضرها أَن يلبسها الجنب والحائض، ولكن بعها واجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله وابن السبيل" وهذا الإسناد معلول بوالد علي ابن المديني فإنه ضعيف عندهم. لكن تابعه عبد العزيز بن محمد الدراوردي: نعم رواه عنه خالد بن يوسف السحتي (١) وهو ضعيف. وشيبة بن عثمان هذا صحابي، ذكره أَبو عمر في الاستيعاب وقال: أَسلم يوم فتح مكة وشهد حنينا. وقيل: بل أَسلم بحنين وكان من خيار المسلمين، ودفع رسول الله ﷺ
стр. 140
مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وإلى ابن عمته شيبة بن عثمان بن أَبي طلحة وقال: "خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة يا بني أَبي طلحة، لا يأْخذها منكم إلا ظالم" قال: "فبنو أَبي طلحة هم الذين يلون سدانة الكعبة دون بني عبد الدار." قال: وشيبة هذا هو جد بني شيبة حجبة الكعبة إلى اليوم، وهو أَبو صفية بنت شيبة توفي في آخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين وقيل بل في أَيام يزيد". وكثير من الناس يتوهم أَن بني شيبة من عقب عثمان بن طلحة، قال شيخنا عماد الدين بن كثير في تفسيره: "وليس كذلك، فإن عثمان بن طلحة بن أَبي طلحة -واسم أَبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدي- حاجب الكعبة المعظمة وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أَسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وأَما عمه عثمان بن أَبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أَحد وقتل يومئذ كافرًا. وإنما نبهنا على هذا لأَن كثيرًا من الناس قد يشتبه عليهم هذا. قلت: وكذا ذكره أَبو عبيدة في الأَنساب عن ابن الكلبي فذكر بني عبد الدار ثم قال: ومنهم عثمان بن طلحة بن أَبي طلحة الذي أخذ النبي ﷺ منه المفتاح يوم الفتح ثم رده عليه. ثم قال: "بنو شيبة" وشيبة بن عثمان ابن أَبي طلحة ولي الحجابة بعد عثمان بن أَبي طلحة اهـ. وذكر ابن العربي في الفتوحات المكية أَن قوله
стр. 141
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (١)﴾ ليس فيها إشارة إلا لدفع المفتاح له لا لجعل أمانة البيت معه حتى جعل ذلك في عقبه بني شيبة. وهذه الآية مكية وحدها من بين سائر آي هذه السورة فهي مدنية.
стр. 142
الفصل ٢١ - استدراكها على عبد الرحمن عوف
قال البزار في مسنده: أخبرنا بشير بن آدم: ثنا عبد الله بن رجاء قال ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس قال: جاءَت سبعمائة بعير لعبد الرحمن بن عوف عليها من كل شيء، فتعجب أهل المدينة فقالت عائشة: "ما هذا؟ " قالوا: "عير لعبد الرحمن بن عوف تحمل كل شيء" فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قد رأيت عبد الرحمن وإنه يدخل الجنة حبوًا" فبلغه ذلك فقال: "يا عائشة ما حديث بلغني؟ " فذكرته فقال: "أشهدك أنها بأقتابها وأحلاسها وأحمالها في سبيل الله." قال: وهذا الحديث لا أعلم أحدا رواه إلا عمارة عن ثابت اهـ. وعمارة قال فيه أبو داوود وغيره: ليس بذاك.
وقال البزار أيضًا في مسند ابن عوف: حدثنا عبد الله بن شبيب: ثنا محمد بن عبد الله بن زيد المدني: ثنا محمد بن طلحة: ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف قال: "أُريت الجنة فإذا هي لا يدخلها إلا المساكين، فدخلت
стр. 143
معهم حبوًا، فلما استيقظت قلت: "إبلي التي (١) أنتظرها بالشام وأحمالها في سبيل الله حتى أدخلها معهم ماشيًا"، قال: ولا نعلم رواه عن محمد بن عمرو إلا محمد بن طلحة. اهـ.
стр. 144
الفصل ٢٢ - استداركها على أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر
أخرج الحافظ أبو بكر الإسماعيلي فيما جمعه من حديث يحيى بن أنه أبي كثير بطرق عن يحيى عن سالم مولى دوس سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول لعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق وأساء الوضوء: "يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار (١) ".
стр. 145
الفصل ٢٣ - استدراكها على فاطمة بنت قيس "تعميمها: أن لا سكنى للمبتوتة"
أخرج مسلم والأربعة عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها فقالت: "طلقها زوجها البتة، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة": وأخرج البخاري في صحيحه تعليقًا فقال: وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام عن أبيه قال: لقد عابت ذلك عائشة أشد العيب يعني حديث فاطمة وقالت: "إنها كانت في منزل وحشي فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها رسول الله ﷺ " وأَخرجه أبو داوود متصلًا عن سليمان بن داود: أنا ابن وهب: أخبرني عبد الرحمن، فذكره. وأخرج مسلم عن عروة قال: تزوج يحيى بن سعيد بن العاص ابنة عبد الرحمن بن الحكم فطلقها فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة وقالوا: إن فاطمة قد خرجت. قال عروة: فأتيت عائشة فأخبرتها بذلك فقالت: "ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث".