← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فإن فسخَ مالك قبلَ ظهورِ ثمرةٍ، فلِعَامِلٍ أجرُ مثلِه لا إنْ فسخَ هو. وعلى عاملٍ ما فيه صلاح مِنْ حرثٍ، وسقي زِبَارٍ، وتلقيحٍ، وتشميس (١)، وإصلاحِ موضعِه، وطرقِ الماءِ، وحصادٍ ونحوِه. وعلى ربِّ مالٍ ما يصلحُه كسدِّ حائطٍ، وإجراءِ نهرٍ، ودولابٍ ونحوه. وعليهما جَذَاذ بقَدْرِ حقَّيْهما، لا إنْ شُرِطَ على عاملٍ. والمُساقاةُ والمُغارسةُ والمُزارعةُ: عقدٌ جائزٌ من الطرفين. (فإن فسخَ مالكُ) الأصلِ (قبلَ ظهورِ ثمرةٍ، فلعاملٍ أجرُ مثلِه) لأنَّه منَعَه من إتمامِ عملِه الذي يستحق به العِوَضَ (لا إنْ فسخَ هو) أي: العاملُ قبلَ ظُهورِ الثمرةِ، فلا شيءَ له؛ لأنَّه رضيَ بإسقاطِ حقه. وإن انفسختْ بعد ظُهورِ ثمرةٍ، فهي بينهما على ما شرطا، وعلى عاملٍ تمامُ العمل كالمُضارِب. (و) يجبُ (على عاملٍ) كلُّ (ما فيه صلاحُ) ثمرةٍ (مِن حَرثٍ، وسَقي، وزِبَار (٢)) بكسر الزاي: وهو قَطْعُ الأغصانِ الرَّديئةِ من الكرم (وتلقيحٍ) أي: وضع طَلعِ الذَّكَرِ في طَلعِ الأنثى (٣) (وتشميسِ) ثمرةٍ (وإصلاحِ موضعِه) أي: التشميسِ بإزالةِ نحوِ شوكٍ وحَجَرٍ (و) إصلاح (طرقِ الماءِ، وحصادٍ ونحوِه) كآلةِ حَرثٍ وبقرِه، وتفريقِ زِبلٍ، وقطعِ حشيشٍ مُضِرٍّ، وشجرٍ يابسٍ، وحفظِ ثمرٍ على شَجَرٍ إلى أنْ يقسمَ. (وعلى ربِّ مالٍ ما يصلحُه) أي: يحفظُ الأصلَ (كسد حائطٍ، وإجراءِ نهرٍ) وحفْرِ بِئر (ودولابٍ ونحوِه) كآلتِه التي تُديرُه ودوابِّه، وشراءِ ما يُلقَحُ به، وتحصيلِ ماء وزِبل. (وعليهما) أي: على العاملِ وربِّ المال (جَذاذُ) ثمرةٍ (بقَدرِ حقَّيهما، لا (٤) إن شُرِطَ) بالبناء للمفعول، أي: شَرطه ربُّ المال (على عاملٍ) فيلزمُه.

стр. 1052

وتصحُّ المزارعةُ بجزءٍ مُشاعٍ معلومٍ من زرعٍ بشرطِ عِلْمِ بذرٍ وقَدْرِه، وكونِه من ربِّ أرضٍ، كغرسٍ في مناصبةٍ. وإذا آجَرَه أرضًا وساقاهُ (١) على شجرِها، صحَّ بلا حِيْلةٍ. (وتصحُّ المزارعةُ) لحديث خَيْبَر السابِق، وهي: دفْعُ أرضٍ وحبٍّ لمن يزرعُه ويقومُ عليه، أو دفْعُ حبٍّ مزروعٍ يَنمي (٢) بالعمل لمن يقومُ عليه (بجزءٍ مُشاعٍ معلومٍ من زرعٍ) كنصفِ الزَّرعِ أو ثلثهِ (بشرطِ عِلمِ) عاملٍ وربِّ المالِ بـ (ـبَذرٍ، و) عِلمِ (قدرِه، و) بشرطِ كونه) أي: البَذر (من ربِّ أرضٍ، كـ) ما يُشترطُ كونُ (غَرْسٍ) من ربِّ أرضٍ (في مناصبة (٣)) قدَّمَه في "التنقيح"، وتبعه في "الإقناع" (٤)، وقطع به في "المنتهى" (٥). وقيل: يجوزُ كوْنُ بَذْرٍ وغَرسٍ من عاملٍ. وجزم به الحجَّاوي في "المختصر" (٦). (وإذا آجرَه أرضًا) بها شجر (وساقاه على شجرِها، صحَّ) لأنَّهما عقدان يجوزُ إفرادُ كل منهما؛ فجاز الجمعُ بينهما، كالبيعِ والإجارةِ، سواءٌ قلَّ بياضُ الأرض أو كثُر، نصًّا. ومحلُّ ذلك: إذا كان (بلا حِيلةٍ) على بيعِ الثمرةِ قبلَ وجودِها أو بُدُوِّ صلاحِها، فإن كان حِيلةً، لم تصحَّ إجارةٌ ولا مساقاةٌ، سواءٌ جمعهما في عقدٍ أو فرَّقهما، كما جعله المنقِّحُ قياسَ المذهب (٧).

стр. 1053

باب الإجارة تصحُّ بلفظِها، ولفظِ كراءٍ، وبيعٍ مضافًا للمنفعةِ. وشروطُها ثلاثةٌ: معرفةُ منفعةٍ بعُرفٍ، كسُكْنى دارٍ وخدمةِ آدميٍّ، أو وَصْفٍ، كحَمل، و حَرْثٍ، باب الإجارة مشتقَّةٌ من الأجرِ، وهو: العِوَضُ، ومنه سُمِّيَ الثوابُ أجرًا (١). وهي: عقدٌ على منفعةٍ مباحةٍ معلومةٍ، مِن (٢) عينٍ معيَّنةٍ أو موصوفةٍ في الذمَّةِ، مدَّةً معلومةً، أو عملٍ معلومٍ بِعوضٍ معلومٍ. و (تصحُّ بلفظِها) أي: الإجارةِ (ولفظِ كِراءٍ) كأجرتُكَ، أو: أكرَيتُكَ الدَّارَ، أو الدَّابةَ مثلًا، واستأجرتُ وأكتريت؛ لأن هذين اللَّفظَين موضوعان لها (و) تصحُّ بلفظِ (بيعٍ) حالَ كونِه (مضافًا للمنفعةِ) نحو: بعتُكَ نَفعَ داري شَهرًا بكذا. لأنَّها نوعٌ من البيع، فإنْ أضيفت إلى العينِ كبعتُكَ داري شهرًا. لم يصحَّ. (وشروطها) أي: الإجارةِ (ثلاثةٌ): أحدُها: (معرفةُ منفعةٍ) لأنها المعقودُ عليها، فاشتُرِط العِلمُ بها كالمبيعِ، إمَّا (بعُرفٍ) أي: ما يتعارفه الناسُ بينهم (كسُكنى دار) شهرًا؛ لتعارفِ الناسِ للسُّكنى، والتفاوتُ فيها يسير؛ فلم تحتج إلى ضبطٍ (و) كـ (خدمةِ أدميٍّ) سنةً؛ لأنَّها معلومة بالعُرفِ، فيخدُمه نهارًا، ومن الليل ما يكونُ من أوساطِ الناس (أو وصفٍ كحَملِ) زُبرةِ حديدٍ وزنُها كذا إلى محلِّ كذا (وحَرْثٍ) على دابَّةٍ صفتُها كذا. وأمَّا حَرثُ الأرضِ فلا بُدَّ في الاستئجارِ له من معرفتها برؤية؛ لاختلافها سُهولةً وحُزُونةً (٣)، ولا

стр. 1054

وكتابة، وقَوْد، ونحوِها. الثاني: معرفةُ أُجرةٍ كثمن، وتصحُّ في أجيرٍ وظِئْرٍ بطعامِهما. تنضبطُ بالصفة (وكتابةِ) مصحفٍ أو غيرِه (وقَوْدِ) أعمى أو دابَّةٍ (ونحوِها) كبناءِ حائط، يذكرُ طُولَه وعَرضَه وسَمكَه وآلتَه. الشرطُ (الثاني: معرفةُ أجرةٍ) لأنَّه عِوضٌ في عقدِ معاوضةٍ، فاعتُبِرَ عِلْمُه (كثمن) مبيعٍ، ولحديثِ (١) أحمدَ عن أبي سعيد أن النبي ﷺ : "نهى عن استئجارِ الأجيرِ حتى يبين له أجرَه" (٢). (وتصحُّ) أجرةٌ (في أجيرٍ وظِئْرٍ) أي: يصحُّ استئجارُهما (بطعامِهما) وكسوتِهما، رُوِيَ عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وأبي موسى ﵃ في الأجير (٣). وأمَّا الظِّئْرُ؛ فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وشُرِطَ عِلْمُ مُدَّةِ الرَّضاع، ومعرفةُ طفلٍ بمشاهدةٍ، وموضعُ رضاعٍ، ومعرفةُ العِوض.

стр. 1055

ومَنْ دخل حمَّامًا أو سفينةً، أو أعطى ثوبَه لقصَّار ونحوِه بلا عقدٍ، فأجرةُ مِثْلِه. الثالث: كونُ نفعٍ مباحًا، مُتَقَوَّمًا، مقدورًا عليه، يُستوفى دونَ الأجزاءِ، فلا تصحُّ لمحرَّمٍ كزِنًى، وزَمْرٍ، وغناءٍ، وجعلِ دارهِ كنيسةً أو لبيعِ الخمر، ولا على تفَّاحةٍ، ولا إجارة مُشاعٍ (١) لغيرِ شريكٍ، (ومَن دخل حمَّامًا أو سفينةً) بلا عقدٍ (أو أعطى ثوبَه لقصَّار ونحوِه) كخيَّاطٍ ليَعْملاه (بلا عقدٍ، فـ) الواجِبُ في ذلك ونحوِه (أُجرةُ مِثْلِه) لأنَّ العُرْفَ جارٍ بذلك يقومُ مقامَ القولِ. وكذا لو دَفع متاعَه لمن يبيعُه، أو استعملَ حمَّالًا ونحوَه، فله أجرةُ مثلِه ولو لم يكنْ له عادةٌ بأخْذِ الأُجرةِ. الشرطُ (الثالث: كونُ نفعٍ) معقودٍ عليه (مباحًا) بلا ضرورةٍ، بخلافِ جلدِ ميْتةٍ، وإناءِ ذهبٍ أو فضةٍ؛ لأنَّه لا يُباحُ إلا عندَ الضرورة (مُتَقوَّمًا) بخلافِ نحوِ تفَّاح لشمٍّ (مقدورًا عليه) بخلافِ ديك ليوقِظَه لصلاةٍ ونحوِها، فلا يصحُّ. (يُستوفى) النَّفْعُ من عينٍ مؤجَرةٍ (دون) استهلاكِ (الأجزاءِ) بخلافِ شمعٍ لشَعلٍ، وصابون لغَسل. (فـ) عُلِمَ مِن اشتراطِ إباحةِ النَّفعِ أنَّه (لا تصحُّ) الإجارة (لـ) نفعٍ (محرَّم كزنًى وزَمْرٍ وغِناءٍ) بكسر الغَينِ المعجمةِ والمدِّ (و) كـ (جَعلِ دارِه كنيسةً أو لبيعِ الخمر) لأنَّ النَّفْعَ المحرَّم مطلوبُ الإزالةِ، والإجارةُ تنافيها، سواءٌ شُرِطَ ذلك في العقدِ، أو لا، إذا ظنَّ الفعل. (و) عُلِمَ من اشتراطِ تقوُّمِ النَّفعِ أنَّه (لا) تصحُّ (على تفَّاحة) لشَمٍّ؛ لأنَّه لا يقابَل بعِوَض في العُرفِ. (و) عُلِمَ من اشتراطِ كونِه مقدورًا عليه أنَّه (لا) تصحُّ (إجارةُ مُشاعٍ) كنصفِ دارٍ أو دابَّةٍ بينه وبينَ غيرِه (لغيرِ شريك) بالباقي (٢)؛ لأنَّه لا يتمكَّنُ من تسليمِ حصَّتهِ إلا بتسليمِ جُملةِ العينِ، وليست له.

стр. 1056

ولا صابونٍ لغَسلٍ، وشمع لوقودٍ، وحيوانٍ لأخْذِ لَبَنِه، وتصحُّ في حائطٍ لوضعِ خشبٍ عليه، ولا تُؤجرُ امرأةٌ بلا إذنِ زوجِها. فصل وشُرِطَ في إجارةِ عينٍ: معرفَتُها برؤيةٍ أو وَصْف غيرِ نحوِ أرضٍ. واشتمالُها على المنفعةِ، فلا تصحُّ في سَبخةٍ (١) لزرعٍ، ولا زَمِنَةٍ لحَمْلٍ. (و) عُلِمَ من اشتراطِ كونِ نفعٍ يُستَوفى دونَ الأجزاءِ أنَّه (لا) تصحُّ إجارةُ (صابون لغَسلٍ) به (و) لا (شمعٍ لوقودٍ) به (و) لا (حيوانٍ لأخذِ لَبَنِه) غير ظِئرٍ لحاجةِ الآدميِّ (وتصحُّ في حائطٍ) يؤجرُه (لوضعِ) أطرافِ (خشبٍ) معلومٍ (عليه) لإباحةِ ذلك (ولا تُؤجِرُ امرأةٌ) نَفسَها بعدَ عَقدِ النِّكاح عليها (بلا إذن زوجِها) لتفويتِ حقِّ الزَّوجِ، ولا يقبلُ قولُها: إنَّها متزوِّجةٌ أو مؤجَرةٌ، قبلَ نكاحٍ (٢) بلا بيِّنةٍ. فصل (وشُرِط في إجارةِ عَينٍ) خمسةُ شروط: أحدُها: (معرفتُها) أي: العَينِ (برؤيةٍ أو وصف) ما يمكنُ وصفُه (غير نحوِ أرضٍ) ممَّا لا يصحُّ سَلَمٌ فيه؛ لعَدَمِ ضبطِه بالصِّفة، فلو استأجَرَ حمَّامًا، فلا بُدَّ من رؤيته؛ لأنَّ الغَرَضَ يختلفُ بالصِّغرِ، والكبرِ، ومعرفةِ مائه، ومشاهدةِ الإيوان (٣)، ومطرحِ الرَّماد، ومصرفِ الماءِ. وكَرِه الإمامُ أخذَ كراءِ الحمَّام؛ لأنَّه لا يخلو من كشفِ عوْرةٍ فيه. (و) الشرطُ الثاني: (اشتمالُها على المنفعة، فلا تصحُّ في) أرضٍ (سَبِخةٍ (٤) لزرعٍ، ولا) في دابَّة (زَمِنَةٍ) لا تقدِرُ على المشي (لحملٍ) لأنَّه لا يمكنُ تسليمُ هذه المنفعةِ.

стр. 1057

وقدرة على تسليمِها، بخلافِ آبقٍ ونحوِه. وتصحُّ لوقفٍ من ناظِرهِ. وتبطلُ بموتِه إِنْ آجرَ، لكونِ الوَقْفِ عليه فقط. (و) الشرطُ الثالثُ: (قدرةُ) مؤجِر عينٍ (على تسليمها، بخلافِ) عبدٍ (آبقٍ ونحوِه) كجَمَل شاردٍ، وطيرٍ بهواءٍ. والشرطُ الرابعُ: أن يَعقدَ على النفعِ دونَ الأجزاء فلا تصحُّ إجارةُ طعامٍ لأكلٍ. والشرطُ الخامسُ: كونُ مؤجِرٍ مالكًا للنَّفعِ، أو مأذونًا له فيه. (وتصحُّ) إجارةٌ (لوقفٍ من ناظِرِه) لأنَّ منافِعَه مملوكةٌ للموقوف عليه. (وتبطلُ) أي: تنفسخُ إجارةُ وقفٍ (بموته) أي: المؤجِرِ (إنْ) كان قد (آجرَ؛ لكونِ الوقفِ عليه فقط) أي: من غيرِ أن يشرطَ (١) الواقفُ النَّظرَ لأحدٍ؛ فإنَّ النَّظرَ حينئذٍ للموقوفِ عليه إن كان الوقفُ على معيَّن، ثم إن كانَ مستأجرٌ عجَّل أجرتَه، رجع بحصَّتِه ما بقي على تركةِ قابضٍ، فإن تعذَّر أخذُها، فظاهرُ كلامِهم أنَّها تسقط. قاله في "المبدع" (٢). وعُلِمَ منه: أنَّه لو كان المؤجِرُ آجَرَ الوقفَ لكونِه ناظرًا بشرطٍ فقط، أو لكونِه ناظرًا بشرطٍ واستحقاقٍ؛ فإنَّ الإجارةَ لا تنفسخُ بموتِه، ولمن انتقلَ إليه الوقفُ حصَّتُه مِن أجرةٍ مِنْ موتِ الأوَّلِ يأخذُها مِن مستأجرٍ إنْ لم يكن الأوَّلُ قبضَ الأجرةَ كلَّها، فإنْ كان الأوَّلُ قبَضها، رجعَ المستحقُّ الثاني في تركة الأوَّل بحصَّتِه. هكذا في "المنتهى" (٣)، فظاهرُه أن للموقوفِ عليه أنْ يستسلفَ (٤) الأجرةَ، سواء كانت مدَّةُ الإجارةِ طويلة أو قصيرة، وهو مُشكِلٌ؛ فإنه يؤدِّي إلى ضياعِ استحقاقِ الطبقةِ الثانيةِ

стр. 1058

ولمستأجر أنْ يؤجِرَها (١) لمَنْ يقومُ مقامَه، لا أكثرَ ضررًا منه. حيثُ قبضَ المؤجِرُ الأجرةَ كلَّها (٢)، ولم يخلِّفْ تركةً، وكانت المدَّةُ طويلةً لا تعيشُ الطبقةُ الثانيةُ إلى انقضائِها غالبًا؛ ولذلك قال في "الإقناع" (٣): والذي يتوجَّه أنَّه لا يجوزُ للموقوفِ عليهم أنْ يستسلفوا (٤) الأجرةَ؛ لأنَّهم لم يملِكُوا المنفعةَ المستقبَلةَ ولا الأجرةَ عليها، فالتَّسلُّف لهم قبض ما لا يستحقُّونه؛ بخلاف المالك، وعلى هذا فللبطن الثاني (٢) أن يُطالِبَ بالأجرةِ المستأجِرَ الذي سَلَّفَ المستحقين؛ لأنَّه لم يكن له التَّسليفُ، ولهم أنْ يطالبوا الناظرَ إن كان هو المسلفَ. انتهى. وهذا الذي جزم به في "الإقناع" هو كلامُ الشيخ تقيِّ الدِّين في "الاختيارات" (٥)، وأقرَّه عليه المصنِّف في "شرحه" (٦) وهو أولى من ظاهر "المنتهى"، بل لا يشكُّ لَبيبٌ ديِّنٌ أنَّه لو عرضتْ هذه المسألةُ على الإمامِ أحمدَ ﵀ لورعِه المشهور، لم يقلْ فيها إلا بما في "الإقناع"، والله أعلم. وإذا بِيعت الأرضُ المحتكرَة، أو ورثت، فالحِكْر على من انتقلت إليه في الأصحِّ. قاله المصنف نقلًا عن الشيخ تقيِّ الدين. (و) يجوزُ (لمستأجرِ) عيْنٍ أن يستوفي نفعَها بنفسِه، وله (أنْ يؤجِرَها) أو يُعيرَها (لمن يقومُ مقامَه) في الانتفاعِ أو دونه؛ لأنَّ المنفعَة لمَّا كانت مملوكةً له، جاز له أن يستوفيَها بنفسِه أو نائبِه (لا أكثر ضررًا منه) لأنَّه لا يستحقُّه. فمن اكترى أرضًا لزرعِ بُرٍّ، فلهُ زَرعُ شعيرٍ ونحوِه، لا دُخنٍ ونحوِه، ولا غرسٍ أو بناءٍ. وكذا لا يجوزُ

стр. 1059

وإن استأجرَ مدَّةً، اشْتُرِطَ عِلْمُها، وأن يَغلبَ على الظَّنِّ بقاءُ العَيْنِ فيها وإنْ طالت. ولعمل كركوبٍ، وحرثٍ، ودِياس، ودلالةٍ على طريقٍ اشتُرط عِلْمُه وضبطُه بما لا يختلفَ معه. ولا تصحُّ الإجارةُ على عملٍ يختصُّ أنْ يكونَ فاعلُه مِنْ أهلِ القُرْبَة كأذانٍ وقضاءٍ، بخلافِ جعالةٍ. مخالفٌ (١)، فلغرْسٍ أو بناءٍ، لا يملكُ الآخَرَ. (وإن استأجرَ) العَينَ (مدَّةً، اشتُرط عِلْمُها) أي: المدَّةِ، كشهرٍ أو سنةٍ من الآن، أو من وقتِ كذا. وتُحمَل السَّنَةُ عندَ الإطلاقِ على الهلاليَّةِ لا العَدَديَّةِ. وإن استأجرَ سنةً أو شهرًا وأطلق، لم يصحَّ كما في "المنتهى" (٢). وقيل: يصحُّ. وابتداؤُه: من عَقْدٍ، وجَزم به في "الإقناع" (٣). (و) شُرِطَ أيضًا لأِجَارةِ العَين مدَّة (أن يَغلِبَ على الظن بقاءُ العَين فيها وإن طالت) المدَّةُ؛ لأنَّ المعتبرَ كونُ المستأجِرِ يمكنُه استيفاءُ المنفعة فيها غالبًا. (و) إن استأجرَ العَين (لعملٍ كـ) دابَّةٍ لـ (ركوبٍ) إلى موضعٍ معيَّنٍ (و) بقرٍ لـ (حَرْث) أرضٍ معلومةٍ بالمشاهدة (و) بقرٍ لـ (دياسِ) زَرعٍ معيَّنٍ (و) آدميٍّ لـ (دلالةٍ على طريقٍ) معين (اشتُرط) في جميعِ ذلك (عِلْمُه) أي: العمل (وضبطُه بما لا يختلف) العملُ (معه) أي: مع الضبْطِ؛ لأنَّ العَمَلَ هو المعقودُ عليه؛ فاشتُرط عِلْمُه كالمبيعِ. (ولا تصحُّ الإجارةُ على عملٍ يختصُّ) أي: يُشترطُ (أن يكونَ فاعلُه مِن أهلِ القُربَة) أي: أن يكونَ فاعلُه مسلمًا (كأذانٍ وقضاءٍ) وحجٍّ وتعليمِ قرآنٍ؛ لأنَّ شَرطَ هذه الأفعالِ كونُها قربةً إلى الله تعالى؛ فلم يجز أخذُ الأجرةِ عليها (بخلافِ جِعالةٍ (٤))

стр. 1060

وعلى مؤجِرٍ ما يتمكَّن به مستأجرٌ من نفعٍ كزمام، ورَحْل، وحِزَام، ورَفْع، وشَدّ، وحَطّ، ولزومِ بعيرٍ لحاجةِ نزولٍ، وعمارةُ دارٍ ومفتاحُها، لا تفريغُ بالوعةٍ، أو كنيفٍ إن سلَّمها فارغةً، فعلى مستأجرٍ. فصل وهي عقدٌ لازمٌ، لا تبطلُ بموتِ أحدِهما ولا فسخِه، وإن حوَّلَه مالك، أو مَنَعَه ولو بعضَ المدَّةِ، فلا شيءَ له، وإنْ لم يسكنْ مستأجرٌ أو تحوَّل، على ذلك وأخذ رزقٍ من بيتِ المال، فيجوزُ كأخذٍ بلا شرطٍ. (و) يَجبُ (على مؤجِر) كلُّ (ما يتمكَّن به مستأجرٌ من نفعٍ كزِمام) جملٍ، وهو الذي يقودُه به (ورَحْلِـ) ـه (وحزامِـ) ـه (ورفعِ) الأحمالِ والمحاملِ (وشدِّ) ها (وحطِّ) ـها (ولزوم بعيرٍ لحاجة) مستأجر لـ (نزولٍ) لصلاةِ فرضٍ، وقضاءِ حاجةِ الإنسان، وطهارةٍ، ويَدَعُ البعيرَ واقفًا حتَّى يقضيَ ذلك (و) على مؤجِر أيضًا (عمارةُ دارٍ ومفتاحُها) وما يتمُّ به الانتفاعُ، و (لا) يلزمُ مؤجِرًا (تفريغُ بالوعةٍ، أو كَنيفٍ) وما فيها من زِبلٍ أو قُمامةٍ، ومَصارفِ حمَّام (إنْ سلَّمها) مؤجِرٌ (فارغةً) من ذلك (فعلى مستأجرٍ) تفريغُها من ذلك؛ لأنَّه حصل بفعلِه. فصلٌ (وهي) أي: الإجارة (عقدٌ لازمٌ) من الطرفَين؛ لأنَّها نوعٌ من البيع، فليس لأحدِهما فسخُها من غيرِ عَيْبٍ ونحوه. و (لا تبطلُ) أي: لا تنفسخُ (بموتِ أحدهِما) أي: العاقدين مع سلامةِ المعقودِ عليه (ولا) تبطلَ بـ (فسخِه) أي: فسخِ أحدِ العاقدين للزومها (وإن حوَّلَه) أي: مستأجرَ دارٍ (مالكُـ) ـها المؤجِرُ قبلَ انقضاءِ المدَّةِ، فلا شيءَ له من الأُجرةِ (أو مَنَعَه) أي: مَنَعَ مؤجِرٌ مستأجرًا الشيءَ المؤجَرَ (ولو بعضَ المدَّةِ، فلا شيءَ له) أي: للمؤجِر مِن الأجرة؛ لأنَّه لم يسلِّم له ما تناولَه عقدُ الإجارةِ (وإنْ لم يسكن مستأجرٌ) الدّارَ المؤجَرةَ، فعليه جميعُ الأجرةِ (أو) سكنها بعضَ المدَّةِ، ثمَّ (تحوَّل) منها

стр. 1061

فعليه الأجرةُ. وتنفسخُ بتلفِ مُؤجَرةٍ، وموتِ مرتَضِعٍ، وانقلاعِ ضرسٍ اكتُرِيَ لقَلْعِه، أو بُرئِه، لا موتِ راكبٍ، أو ضياعِ نَفَقَتِه، أَو احتراقِ متاعِه. وإن اكتَرى دارًا، فانهدمتْ، أو أرضًا، فانقطع ماؤها أو غَرِقَتْ، انفسختْ فيما بقي. وإنْ تعيَّبتْ مؤجَرةٌ، أو كانتْ معيبةً، فله الفسخُ وعليه أجرةُ ما مضى. (فعليه) جميعُ (الأجرةِ) لأنَّ المؤجِرَ فَعَلَ ما عليه، وهو تسليمُ العينِ جميعَ المدَّةِ. (وتنفسخُ) الإجارةُ (بتلفِ) عينٍ (مُؤجَرةٍ) كدابَّةٍ وعبدٍ ماتا؛ لأنَّ المنفعةَ زالتْ بالكلِّية. وإن كان التلف بعدَ مضيِّ مدَّةٍ لها أجرة، انفسخت فيما بقي، ووجبَ للماضي القِسطُ. (و) تنفسخُ أيضًا بـ (موتِ مرتضعٍ) لتعذُّر اسيفاءِ المعقودِ عليه؛ لأنَّ غيرَه لا يقومُ مَقامه؛ للاختلافِ في الرَّضاع. (و) تنفسخُ أيضًا بـ (ـانقلاعِ ضِرسٍ اكتُرِيَ لقلعِه، أو) بـ (بُرْئِه) لتعذُّرِ استيفاءِ المعقودِ عليه، فإنْ لم يبرأ وامتنع المستأجرُ من قَلعهِ، لم يُجبَر. و (لا) تنفسخُ الإجارةُ بـ (موتِ راكبٍ، أو ضياع نفقته) لأنَّ المعقودَ عليه منفعةُ الدَّابَّة، وهي باقية (أو احتراق متاعِه) وقد اكترى نحوَ دكَّانٍ ليبيعَ فيه، فالإجارةُ بحالِها. (وإن اكترَى دارًا، فانهدمت، أو) اكترى (أرضًا) لزرعٍ (فانقطعَ ماؤها أو غَرِقت، انفسخت) الإجارةُ (فيما بقي) من المدَّةِ؛ لأنَّ المقصودَ قد فات. (وإنْ تعيَّبتْ) عينٌ (مؤجَرةٌ) أي: حدث بها عندَ مستأجِرٍ عيبٌ وهو ما يظهرُ به تفاوتُ الأجرة، فله الفَسخُ (أو كانت) العين (معيبةً) حالَ عقدٍ ولم يعلم به مستأجرٌ (فله الفسخُ) إن لم يَزُل بلا ضررٍ يلحقُه (وعليه أجرةُ ما مضى) بقسطِه من المسمَّى؛ لاسيفائه المنفعةَ فيه، وله الإمضاءُ بلا أرشٍ، والخيارُ على التراخي.

стр. 1062

ولا يضمنُ أجيرٌ خاصٌّ ما جنتْ يدُه خطأً، ويضمنُ مُشترَكٌ ما تَلِفَ بفِعْلِه لا حِرْزِه، ولا أجرةَ له، ولا حجَّامٌ، وبَيْطارٌ، وطبيبٌ حاذِقٌ لم تَجْنِ يدُه وأُذِنَ فيه، (ولا يضمنُ أجيرٌ خاصٌّ) وهو من استؤجِرَ مدَّةً معلومةً يستحقُّ المستأجرُ نفعَه في جميعِها سوى فعلِ الخَمسِ بسُنَنِها في أوقاتها، وصلاةِ جمعةٍ وعيدٍ. وسُمِّي خاصًّا؛ لاختصاصِ المستأجرِ بنفعه تلكَ المدَّةِ. (ما جَنَت يدُه) أي: الأجير، حالَ كونِ الجناية (خطأً) لا عمدًا كغَلَطٍ في تَفصيلٍ، فلا يضمن؛ لأنَّه نائبُ المالكِ في صرفِ منافعِه فيما أُمِر به، فلم يَضمنْ كوكيل. وإنْ تعدَّى أو فرَّط، ضَمِن. (ويضمنُ) أجيرٌ (مشترَكٌ) وهو مَنْ قُدِّر نفعُه بالعمل، كخياطةِ ثوبٍ، وبناءِ حائطٍ، سُمِّيَ مشتركًا؛ لأنَّه يتقَبَّل أعمالًا لجماعةٍ في وقتٍ واحدٍ، يعملُ لهم فيشتركون في نفعه، كالحائِكِ والقصَّار والصَّبَّاغِ والجمَّال، فكل منهم ضامنٌ (ما تَلِفَ بفِعْلِه) كتخريقِ ثوبٍ، وغَلَطٍ في تفصيلٍ؛ لأنَّ عملَه مضمونٌ عليه؛ لكونِه لا يستحقُّ العِوض (١) إلا بالعمل. ولو تَلِفَ الثَّوبُ في حِرزِه بعدَ عملِه، لم يكنْ له أجرةٌ فيما عَمِلَ، بخلاف الخاصِّ. والمتولِّدُ من المضمونِ مضمونٌ، سواءٌ عمل في بيتِه أو بيتِ المستأجرِ. و (لا) يضمنُ المشتركُ ما تَلِفَ من (حِرْزِه) أو بغيرِ فِعْلِه؛ لأنَّ العَيْنَ في يَدِه أمانةٌ (ولا أجرةَ له) فيما عَمِلَ فيه؛ لأنَّه لم يسلِّم عَمَلَه إلى المستأجِرِ؛ فلم يستحقَّ عِوضه. وإن حبَس الثوبَ على أجرتِه فَتلِف، ضَمِنَه، لا إنْ ضربَ الدَّابَّة بقدر العادةِ. (ولا) يضمنُ (حجَّامٌ، وبَيطارٌ (٢)) وختَّان (وطبيبٌ حاذِقٌ) كلٌّ منهم، أي: عارفٌ صنعتَه، بشرطِ أن يكونَ كلٌّ منهم (لم تَجْنِ يدُه، و) أنْ يكونَ قد (أُذِن) بالبناءِ للمفعولِ (فيه) أي: في ذلك الفعل، أي: أذن فيه مكلَّف رشيدٌ، أو ولىُّ غيرِه. وإنما لم يضمنْ

стр. 1063

ولا راعٍ لم يتعدَّ أو يُفرِّط. وتجبُ أجرةٌ لم تؤجَّل بعقدٍ، وتُستحَقُّ بتسليمِ عملٍ في ذِمَّةٍ. وتستقرُّ بفراغِ مدَّةٍ ونحوِه. وإن تسلَّم في فاسدةٍ، فأجرةُ مثلٍ ونفقة على مالكٍ كمؤنة ردّ. من ذُكِرَ؛ لأنَّه فعلَ مباحًا، فلم يضمنْ سرايتَه، ولا فرقَ بين خاصِّهم ومشترَكهم، فإنْ لم يكنْ لهم حِذْقٌ في الصَّنْعةِ، ضَمِنوا؛ لتحريم مباشرةِ القَطْعِ إذًا. وكذا لو كان حاذقًا وَجَنَتْ يدُه، كأنْ تجاوزَ بالختانِ إلى بعضِ الحَشَفَة، أو بآلةٍ كالَّة (١)، أو تجاوَز بقطعِ السِّلْعة (٢) موضعَها، فيضمنُ؛ لأنَّه إتلافٌ لا يختلفُ ضمانُه بالعمدِ والخطأ. (ولا) يضمنُ أيضًا (راعٍ لم يتعدَّ أو يُفرِّط) لأنَّه مؤتَمَن على الحفظِ كمودَع، فإن تعدَّى كضربها في غيرِ موضعِ الضرْبِ، أو فرَّط كَنومه عنها، ضَمِن. (وتجبُ أجرةٌ لم تؤجَّل بعقدٍ) متعلِّق: بـ "تجب" أي: تكونُ حالَّةً كثمنٍ وصداقٍ؛ فإن شُرِطَ تأجيلُها بأجلٍ معلومٍ، لم تجبْ حتَّى يحلَّ. (وتُستحقُّ) الأجرةُ، أي: يملكُ المؤجِرُ الطلبَ بها (بتسليمِ عملٍ في ذِمَّةٍ) ولا يجبُ تسليمُها قبلَه وإنْ وجبتْ بعقدٍ؛ لأنَّها عِوضٌ، فلا يُستحقُّ تسليمُه إلا مع تسليمِ المعوَّض كالصَّداقِ (وتستقرُّ) كاملةً (بفراغِ مدَّة) الإجارةِ مع تسليمِ العَيْنِ وعدمِ المانع (ونحوِه) أي: الفراغِ، كاستيفاءِ المنفعةِ، وفراغِ عملِ ما بيد مستأجرٍ ودفعِه إليه، وإنْ كانتْ لعمل، فببذلِ تسليم عينٍ، ومضيِّ مدَّةٍ يمكنُ الاستيفاءُ فيها. (وإنْ تسلَّم) عينًا (في) إجارةٍ (فاسدةٍ) وفرغتِ المدَّةُ (فـ) الواجبُ (أجرةُ مثلٍ) لمدَّةِ بقائِها في يدِه -انتفعَ بالعَينِ أوْ لا- لتلفِ المنفعةِ تحتَ يَدِهِ بعوضٍ لم يسلمْ للمؤجِرِ، فرجعَ إلى قيمتها (ونفقةُ) دابَّةٍ مؤجرة (على مالكِـ) ـها (كـ) ما يجبُ عليه (مؤنةُ ردِّ) ها، فلا يلزمان المستأجرَ.

стр. 1064

باب الجِعالة يصحُّ جُعْلٌ معلوم لمن يعملُ له عملًا ولو غيرَ معلومٍ، أو مدَّةً ولو مجهولةً، كردِّ عبد، ولُقَطَةٍ، وخياطةِ ثوبٍ، وبناءِ حائطٍ، وتأذينٍ بمسجدٍ شهرًا ونحوِه، باب الجِعالة ذكرها المصنِّفُ عَقِبَ الإجارةِ؛ لأنَّ كلًّا منهما عقدٌ على منفعةٍ بِعَوض، وإن اختلفا في بعضِ الشُّروط. فإنَّ الجعالةَ أوسعُ من الإِجارةِ، وهي كما قال ابنُ مالك بتثليثِ الجيم (١). قال ابن فارس (٢): الجُعْلُ والجِعالةُ والجَعِيلةُ (٣): ما يُعطاه الإنسانُ على أمرٍ يفعله (٤). وهي شرعًا: أنْ يجعلَ جائزُ التصرُّفِ مالًا معلومًا لمن يعملُ له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدَّة معلومةً أو مجهولةً. كما قال المصنِّف (٥). (يصحُّ جُعْلٌ) أي: بذلُ جائزِ التصرُّفِ لمالٍ (معلومٍ لمن يعملُ له) أي: للجاعل (عملًا، ولو) كانَ العملُ (غيرَ معلومٍ. أو) لمن يعملُ (مدَّةً ولو) كانتْ (مجهولةً، كردِّ عبدِه) مِنْ محلِّ كذا، أو مِنْ حيثُ وجدَه (و) كردِّ (لُقَطَةٍ) أي: مالٍ ضائع له، فإنْ كانت اللقطةُ في يدِ المقُولِ له، لم يُبَحْ له أخذ (٦) الجُعْلِ إذاَ (وخياطة ثوبٍ، وبناء حائطٍ، وتأذينٍ بمسجدٍ شهرًا ونحوِه) كإمامتِه فيه شهرًا، فيصحُّ ذلك كله. ويجوزُ الجمعُ هنا بين المدَّةِ والعَمَلِ، كخياطةِ ثوب في يومٍ، بخلافِ الإجارةِ.

стр. 1065

فمَنْ فعلَه بعدَه، استحقَّه وتقتسِمُه الجماعةُ. وإن فسخَ عاملٌ، لم يستحقَّ شيئًا. وجاعلٌ بعد شروعِ عاملٍ، فأجرةُ عملِه. وإن اختلفا في جُعْلٍ أو قَدْرِه، فقولُ جاعِلٍ. ولا يشترطُ تعيينُ العامِلٍ للحاجةِ، ويقومُ الشُّروعُ في العملِ مقامَ القَبُول. ودليلُها: قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢] وحديثُ اللَّدِيغ (١) (فمَنْ فعلَه) أي: شيئًا مما ذُكِرَ (بعدَه) أي: بعدَ عِلْمِه بقولِ الجاعِل: مَنْ فعلَ كذا فلهُ كذا. (استحقَّه) أي: العِوَضَ، ينفردُ به العاملُ الواحدُ (وتقتسِمُه) أي: العوضَ (الجماعةُ) العاملون. وإنْ عَلم بالجُعْلِ في أثناءِ العَمَلِ، أخذَ بقِسْطِ تمامِه إنْ أتمَّه بنيَّةِ الجُعْلِ. (و) هي عقدٌ جائزٌ، لكلٍّ فَسْخُها كالمضاربةِ، فـ (إنْ فسخَـ) ـها (عاملٌ) قبلَ تمامٍ عَمَلٍ (لم يستحقَّ شيئًا) من العِوَضِ؛ لأنَّه لم يأتِ بما شُرِطَ عليه (و) إنْ فسخَها (جاعلٌ بعدَ شروعِ عاملٍ) في العملِ (فـ) لعاملٍ على جاعِلٍ (أجرةُ عَمَلِه) لأنَّه عَمِلَه بعوض لم يسلَّم له. وإنْ فسخَها قَبلَ شروعٍ في عملٍ، فلا شيءَ لعامل. (وإن اختلفا) أي: المالكُ والعاملُ (في) أصلِ (جُعْلٍ) بأنْ قال العاملُ: جعلتَ لي على هذا العَمَلِ كذا. وأنكر مالكٌ، فقولُه. (أو) اختلفا في (قَدْرِه) أي: الجُعْلِ، كأنْ قال العاملُ: جعلتَ لي عشرةَ دراهم (فقولُ جاعِلٍ) أنَّه خمسةٌ مثلًا؛ لأنَّه منكرٌ، والأصلُ براءةُ ذمَّتِه.

стр. 1066

ومَنْ عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بلا إذنٍ ولا جُعْلٍ، فلا شيءَ له، إلَّا مَنْ ردَّ آبِقًا، فدينارٌ أو اثنا عشرَ دِرهمًا، وما أنفقَه عليه. ومَنْ خلَّص متاعَ غيرِه أو قِنّه مِنْ مهلكةٍ (١)، فأجرُ مثلِه. (ومن عَمِلَ لغيرِه عَملًا بلا إذنٍ ولا جُعْلٍ، فلا شيءَ له) أي: للعامل؛ لأنَّه بذلَ منفعتَه مِنْ غير عِوض، فلم يستحقَّه، ولئلَّا يلزمَ الإنسانَ ما لم يلتزمْه (إلا مَنْ رَدَّ آبِقًا) من المِصْرِ أو خارجِه (فـ) له (دينارٌ أو اثنا عشرَ دِرهمًا) روي عن عمرَ (٢) وعليّ (٣) وابنِ مسعود (٤) ﵁. (و) لمن ردَّ الآبقَ أيضًا (ما أنفقَه عليه) أي: على الآبقِ، فيرجع به؛ لأنَّه مأذونٌ فيه شرعًا؛ لحرمةِ النَّفْسِ، ومحلُّه إنْ نوى الرُّجوعَ (ومَنْ خلَّص متاعَ غيرِه) مِنْ مَهلَكَةٍ (أو) خلَّص (قِنَّه) أي: قِنَّ غيرِه (مِنْ مَهْلكةٍ (٥)، فـ) له (أجرُ مثلِه) إنْ نوى الرُّجوعَ؛ لأنَّه مأذونٌ فيه عُرفًا.

стр. 1067

باب السَّبق يصحُّ على الأقدامِ وسائرِ الحيواناتِ والسُّفنِ ونحوِها، لا بعوضٍ إلَّا في إبلٍ، وخيلٍ، وسهامٍ. باب السَّبق هو بتحريكِ الباءِ: العِوَضُ الذي يسابَقُ عليه. وبسكونها: المسابقة، أي: المجاراةُ بينَ حيوانٍ وغيره (١). (يصحُّ) أي: يجوزُ السَّبق (على الأقدامِ وسائرِ الحيواناتِ والسُّفنِ ونحوِها) كالمزاريقِ (٢)، ورَمْي الأحجار؛ لأنَّه ﵊ سابقَ عائشةَ. رواه أحمد وأبو داود (٣). وصارعَ رُكانة (٤) فصرعه. رواه أبو داود (٥). و (لا) يجوزُ سبقٌ (بعِوضٍ إلا في) سَبَقِ (إبلٍ، وخيلٍ، وسهام) لقولِه ﷺ : "لا سَبَق إلا في نَصْلٍ، أو خُفّ، أو حافرٍ" رواه الخمسةُ عن أبي هريرةَ (٦). ولم يذكر ابنُ ماجه: "أو نَصْلٍ" وإسنادُه حَسن. قاله في "المبدع" (٧).

стр. 1068

ولا بُدَّ من تعيينِ المركوبين واتحادِهما نوعًا، والرُّماةِ والمسافةِ بقدرٍ معتادٍ، واتحاد نوعِ القوسَيْن، وخروج عن شَبَه قِمار، ولكلّ فسخُها. ولا تصحُّ مناضلةٌ إلَّا على معيَّن يُحْسِنُ الرَّمْيَ. (ولابُدَّ) لصحَّةِ السَّبقِ من (تعيينِ المركوبين) لا الرَّاكبين؛ لأنَّ القصدَ معرفةُ سرعةِ عَدْوِ الحيوانِ الذي يُسابَق عليه. (و) لابُدَّ من (اتحادهما) أي: المركوبين (نوعًا) فلا يصحُّ بين عربيٍّ وهَجين. (و) لابُدَّ في المناضلةِ مِنْ تعيينِ (الرُّماةٍ) بضمَّ الرَّاء جمعُ رامٍ؛ لأنَّ القَصْدَ معرفةُ حِذْقِهم، ولا يحصلُ إلا بالتعيينِ بالرؤيةِ. (و) لابُدَّ أيضًا من تحديدِ (المسافةٍ) بأنْ يكونَ لابتداءِ عَدْوِهما وآخرِه غايةٌ لا يختلفان فيها. ويُعتبرُ في المناضلةِ تحديدُ مَدَى الرَّمْي (بقدرٍ معتادٍ) فيه، فلو جعلا مسافةً بعيدةً تتعذَّرُ الإصابةُ في مثلِها غالبًا؛ وهو ما زاد على ثلاثمئةِ ذراعٍ، لم تصحَّ؛ لأنَّ الغَرَضَ يفوتُ بذلك. (و) يُعتبرُ في المناضلةِ أيضًا (اتَّحادُ نوعٍ القوسَيْن) فلا تصحُّ بين قوسٍ عربيَّة وفارسيَّة. (و) يُعتبرُ في المسابقةِ والمناضلةِ (خروجُ) العوضِ (عن شَبَه قِمار) بكسرِ القاف، يقال: قامرَه قِمارًا ومُقامرةً فقَمَره: إذا راهنَه فغلبَه. وذلك بأنْ لا يُخرجَ جميعَهم؛ لأنَّه إذا أخرجَ جميعَهم؛ لم يَخْلُ كلٌّ مِنْ أنْ يغنمَ أو يغرَم وهو شِبهُ القِمار (١) (ولكلِّ) واحدٍ منهما (فسخُها) لأنَّها عقدٌ جائزٌ، إلا أن يظهرَ الفَضْلُ لأحدِهما، فله الفَسْخُ دونَ صاحبِه. (ولا تصحُّ مناضلةٌ) أي: مسابقةٌ بالرَّمْي، من النَّضْل وهو السَّهْمُ التَّامُّ (إلا على معيَّن) اثنين أوجماعتين؛ لأنَّ القَصْدَ معرفةُ الحَذِق كما تقدَّم (يُحْسِنُ الرَّمْيَ) لأنَّ مَنْ لا يُحسِنُه وجودُه كعدمِه.

стр. 1069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويُشترطُ أيضًا تعيينُ عددِ الرَّمْي والإصابةِ. ومعرفةُ قَدْرِ الغَرضِ، كطولِه، وعرضِهِ، وسَمكِه، وارتفاعِه من الأرض. والسُّنَّةُ: أنْ يكونَ لهما غرضان (١)، إذا بدأ أحدُهما بغرضٍ، بدأ الآخرُ بالثاني؛ لفعلِ الصحابة ﵃ (٢).

стр. 1070

باب العارية تصحُّ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مباحٍ غيرِ البُضْع، وعبدٍ مسلمٍ لكافرٍ يخدمُه، وصيدٍ لمُحرِمٍ. ولا تعارُ أمَةٌ شابَّة لغيرِ مَحْرَمٍ أو امرأةٍ. ومَنْ أعار حائطًا لوضْع خَشَبٍ، لم يرجِعْ باب العارِيَّة بتخفيفِ الياءِ وتَشْديدِها؛ من العُرْي: وهو التجرُّد (١). سُمِّيَتْ عاريةً؛ لتجرُّدها من العِوض. وهي: العينُ المأخوذةُ للانتفاعِ بها بلا عوض. والإعارةُ: إباحةُ نَفْعِها بلا عِوض (٢). وتنعقدُ بكلِّ لفظٍ أو فعلٍ دلَّ عليها. وشُرِطَ أهليَّةُ مُعيرٍ للتبرُّع شرعًا، وأهليَّةُ مستعيرٍ للتبرُّع له. وهي مستحبَّةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. و (تصحُّ إعارةُ كلِّ ذي نَفْعٍ مباحٍ) كدارٍ، وعبدٍ، ودابَّهٍ، وثوبٍ (غيرِ البُضْعِ) لأنَّ الوَطءَ لا يجوزُ إلا في نكاحٍ أو مِلكِ يمينٍ، وكلاهُما مُنتفٍ هنا (و) غيرِ (عبدٍ مسلمٍ) فلا تصحُّ إعارتُه (لكافرٍ يخدمُه) لأنَّه لا يجوزُ له استخدامُه (و) غيرِ (صيدٍ) ونحوه (لمُحرِمٍ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. (ولا تُعارُ أمَةٌ شابَّة لغيرِ) رجلٍ (مَحْرَمٍ أو امرأةٍ) لأنَّه لا يُؤمنُ عليها. ولا بأسَ بشوهاءَ وكبيرةٍ لا تُشتَهى. ولمعيرٍ رجوعٌ متى شاءَ ما لم يأذنْ في شغلِه بشيءٍ يستضرُّ مستعيرٌ برجوعِه فيه، كسفينةٍ لحملِ متاعِه، فلا رجوعَ له حتى تُرْسَى (٣). (ومَنْ أعار حائطًا لوضْع خَشَبٍ) أو بناءٍ عليه، فوضَع مستعيرٌ أو بنَى (لم يَرجِعْ) مُعيرٌ.

стр. 1071

حتَّى يسقطَ، ولا أجرةَ، فإنْ سقط، لم يُرَدَّ بلا إذنِه. وتُضمنُ العاريةُ ولو لم يفرَّطْ، أو شَرَطَ نَفْيَ ضمانِها غير كتبِ وقفٍ ونحوِها، (حتَّى يسقطَ) الخشبُ أو البناءُ؛ لأنَّه يرادُ للبقاءِ وفيه ضررٌ على المستعيرِ بِقَلْعِه (ولا أجرة) لمعيرٍ في الحالةِ المذكورة؛ لأنَّ بقاءَه بحكمِ العارية، فوجب كونُه بلا أجرةٍ. بخلافِ من أعارَ أرضًا لزرعٍ، ثمَّ رجَعَ فيبقى الزَّرعُ بأجرةِ [مِثْلٍ لحصَاده] (١)؛ جمعًا بين الحقَّيْن (فإنْ سقطَ) خشبٌ أو بناءٌ لهدمٍ أو غيرهِ (لم يردَّ) أي: لم يُعَدِ الخشبُ (بلا إذنِه) أي: المعيرِ؛ لأنَّ الإذنَ تناولَ الأوَّل، فلا يتعدَّاه لغيرِه بلا إذنٍ جديدٍ، أو عندَ الضَّرورةِ إلى وضعهِ إذا لم يتضرَّرِ الحائطُ، كما تقدَّم في "الصُّلْحِ" (٢). واستظهرَ ابنُ نصرِ الله أن محلَّه إذا كان صاحبُ الحائطِ طالَبَ برفعِ ما عليه، وإلا فيعيدُه؛ استصحابًا للإذنِ الأوَّل. (وتُضمنُ العاريةُ) المقبوضةُ إذا تلِفَتْ في غير ما استُعيرت له؛ لقوله ﷺ : "وعلى اليَدِ ما أخذتْ حتَّى تؤدّيَه" رواهُ الخمسة (٣)، وصحَّحَه الحاكمُ (٤). فيضمنُها مستعيرٌ (ولو لم يفرَّطْ) في حِفْظِها (أو شَرَطَ نَفْيَ) أي: عَدَم (ضَمانِها) فيلْغُو الشَرْطُ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ اقتضى الضَّمانَ، لم يغيِّرْه الشَّرْطُ. وإن تَلِفتْ هي أو جزؤُها في انتفاعٍ بمعروفٍ، لم تُضمن؛ لأنَّ الإذنَ في الاستعمالِ تَضَمَّن الإذنَ في الإتلاف، وما أُذِن في إتلافِه غيرُ مضمونٍ (غير كتبِ) علمٍ (وقفٍ ونحوِها) كدروعٍ موقوفةٍ على غُزاةٍ، فلا تُضمنُ بلا تفريطٍ، كسرقةٍ من حِرْزِ مثلها؛ لأنَّ قابضَها قبضَها

стр. 1072

وعليه مؤنةُ ردِّها، ولا يُعيرُ مستعيرٌ ولا يُؤجِرُ، فإنْ تَلِفَ عندَ ثانٍ، ضمَّن أيَّهما شاء. ولا يضمنُ منقطِعٌ أُركِبَ للثواب، ولا ضيفٌ، ولا رديفُ ربّها، باستحقاقِه، فليستْ عاريةً محضةً، وأمَّا الوقفُ على معيَّن فكالطّلْق. (وعليه) أي: على مستعيرٍ (مؤنةُ ردِّها) أي: العاريةِ؛ لما تقدَّم من حديث: "على (١) اليد ما أَخَذَتْ حتَّى تؤدّيَه" (٢). وإذا كانت واجبةَ الردِّ على مستعيرٍ، فمؤنتُه (٣) عليه؛ بخلافِ مؤجَرةٍ كما تقدَّم. (ولا يُعيرُ مستعيرٌ) العاريةَ (ولا يؤجرُ) ها؛ لأنَّها إباحةُ منفعةٍ، فلم يجزْ أنْ يُبيحَها غيرَه كإباحةِ طعامٍ (٤). (فإنْ) أعارها و (تَلِفـ) ـتْ (عند) مستعيرٍ أو مستأجرٍ (ثانٍ ضمَّن) بتشديد الميم، مالكُ العَيْن قيمتَها وأجرتَها (أيَّهما) أي (٥): أيَّ الشَّخصين -المستعيرِ والآخذِ منه- (شاءَ) أمَّا الأوَّلُ؛ فلأَنَّه سلَّط غيرَه على أَخْذِ مالِ غيرِه بغَيْرِ إذنِه. وأمَّا الثاني؛ فلفوات العَيْنِ والمنفعةِ تحت يدِه، والقرارُ على الثاني إنْ عَلِمَ، وإلا، ضَمِنَ العينَ في عاريةٍ، ويستقرُّ ضمانُ المنفعةِ على الأوَّل. (ولا يضمنُ) شخصٌ (منقطعٌ) دابَّةَ (أُرْكِبَ) بالبناءِ للمفعول؛ أي: أَركبه إيَّاها مالكُها (للثوابِ) فتَلِفَتْ تحتَ المنقطِع. (ولا) يضمنُ (ضَيْفٌ) غُطِّيَ بلحافٍ، فسُرِق (ولا ردِيفُ ربَّها) أي: الدَّابَّةِ؛ بأنْ أَرْكبَ ربُّ الدَّابَّة معه آخرَ فتلفتْ تحتَهما، فلا ضمانَ؛ لأنَّها غيرُ مقبوضة؛ لأنَّها بيدِ صاحبِها، والمستعيرُ لم ينفردُ بحفظِها.

стр. 1073

أو وكيلُه. وإنْ قال: أعرْتُكَ. قال: بل أجرتني -والعينُ تالفةٌ- فقولُ مالكٍ. وكذا: أجرتُكَ. قال: بل أعرْتَنِي. عَقِبَ عقْدٍ، فإنْ (١) مضى ماله أجرةٌ، فأجرةُ مِثْلٍ لماضٍ، وأعرْتَني، أو: أجَرْتني، أو: أوْدَعتني. قال: بل غصَبْتني. أو اختلفا في ردّ، فقولُ مالكٍ بيمينِه. وفُهم منه: أنَّه لو انفردَ الرّاكبُ بحفظِها عن مالكِها بحيث لم تكنْ تحتَ يدِ مالكِها فتَلفِتْ، ضمنها. وانْظُر هل يخالفُ هذا قولَ ابنِ نصر الله: لو ماتتْ بالانتفاعِ بالمعروفِ، فلا ضمانَ؟ (أو وكيلُه) أي: ولا يضمنُ وكيلُ ربّ الدَّابَّةِ في حفظِها إذا تلفتْ تحتَ يدِه؛ لأنَّه لم يَثبُتْ لها حكمُ العاريةِ. (وإن قال) ربُّ عَيْنٍ لآخذِها: (أعَرْتُكَ) فـ (قال) قابضٌ: (بل أجرتني، والعيْنُ تالفةٌ) عند الاختلاف (فقولُ مالكٍ) بيمينِه؛ لأنَّ الأصلَ في القابضِ لمالِ غيرِه الضمانُ (وكذا) لو قال مالكٌ: (أجرتُكَ. قال (٢)) قابضٌ: (بل أعرتني) وكان ذلكَ الاختلافُ (عَقِبَ عقْدٍ، فإن) لم يمضِ مالَه أجرةٌ، فقولُ قابضٍ بيمينِه أنَّه لم يستأجِرْها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الإجارةِ، وتُرَدُّ لمالكِها. وإن كان اختلافُهما بعدَ أنْ (مضى ما) أي: زمنٌ (له أجرة، فـ) قولُ مالكٍ فيما مضى بيمينِه، ويجبُ له (أجرةُ مثلٍ لماضٍ، و) إنْ قال قابضٌ لمالك: (أعرتني، أو) قال له: (أجرتني. أو) قال له: (أودعتني. قال) مالكٌ: (بل غصَبْتني) والعيْنُ قائمةٌ، فقولُ مالكٍ بيمينِه في وجوبِ الأجرةِ ورَفْعِ اليد. (أو اختلفا) أي: المعيرُ والمستعيرُ (في ردِّ) العَيْنِ (فقولُ مالكٍ بيمينِه) لأنَّ المستعيرَ قبضَ العَيْنَ لحظّ نفسِه؛ فلم يُقبل قولُه في الردّ.

стр. 1074

باب الغصب يُضمنُ به عقارٌ، كأمِّ ولدٍ، لا كلبٌ يُقنَنى، ولا خمرُ ذِمّيٍّ، ويُرَدَّان، ولا جلدُ ميْتةٍ، باب الغصب مصدر غصَب يغصِب -بكسر الصاد- وهو لغةً: أخذُ الشيء ظُلمًا. واصطلاحًا: استيلاءُ غيرِ حربيٍّ عرفًا على حقّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حقّ (١). ومنه المأخوذُ مَكْسًا (٢) ونحوه. و (يُضمنُ به) أي: بسبب الغصب (عَقارٌ) بفتح العين؛ لحديث: "مَنْ ظَلم شِبْرًا من أرضٍ، طُوَّقه يوم القيامة من سبعِ أرضين" متَّفَق على معناه (٣) (كـ) ما تُضمنُ (أمُّ ولدٍ) بغصبٍ؛ لأنَّ حُكْمَها كالقِنّ في الضَّمان بقيمتِها لو قُتلت (٤) دونَ دِيتَها، فهو دليلُ مالِيَّتها. و (لا) يُضمنُ (كلبٌ يُقتنى) ككلب صيدٍ، وماشيةٍ، وزرعٍ (ولا) تُضمنُ (خمرُ ذِمِّيّ) مستورةٌ (٥) (ويُرَدَّان) أي: الكلبُ المقتنَى وخمرُ الذِّمِّيّ المستورةُ إنْ بقيا؛ لأنَّ الكلبَ يجوزُ الانتفاعُ به واقتناؤُه، وخمرَ الذمَّيَّ يُقَرُّ على شربِها، وهي مالٌ عنده. (ولا) يُضمنُ (جلدُ ميْتةٍ) غُصِبَ قَبْلَ الدَّبْغِ، ولا يجبُ ردُّه ولو بعدَ دَبْغِ الغاصبِ

стр. 1075

ولا حُرٌّ، فإنْ حبسه أو استعمله كُرْهًا، فأجرتُه. ويجبُ ردُّ مغصوبٍ بزيادتِه، ولو تكلَّف أضعافَ قيمتِه. وإنْ نقصَ، فعليه نقص قيمتِه. له؛ لأنَّه لا يَطهرُ بدبغٍ. قاله في "المنتهى" (١)، و"الإقناع" (٢) تبعًا لـ "التنقيح" و"الإنصاف" (٣)، وفيه وجهٌ: يُرَدُّ، وصحَحه الحارثيُّ (٤) و"تصحيح الفروع" (٥)، و"التوضيح" قال المصنّف (٦): و"تصحيحُ الفروع" متأخّر، فيقدَّم ما فيه على "الإنصاف". (ولا) يُضمَنُ (حُرٌّ) كبيرٌ أو صغيرٌ باستيلاءٍ عليه؛ لأنَّه ليس بمالٍ (فإنْ حبسه) مدَّة لمثلها أجرةٌ، فعليه أجرتُه (أو استعمله كُرْهًا، فأجرتُه) عليه؛ لأنَّه فوَّتَ منفعتَه، وهي مالٌ يجوزُ أخذُ العوض عنها، وإنْ منعه العملَ بلا غصبٍ (٧) ولا حبسٍ، لم يضمنْ منافِعَه. (ويجبُ) على غاصبٍ (ردُّ مغصوبٍ) إنْ كان باقيًا وقدَر عليه، وإنْ زاد، لزم ردُّه (بزيادتِه) المتَّصلةِ والمنفصلةِ (ولو تكلَّف) على ردّ المغصوب (أضعافَ قيمتِه) لكونه بُني عليه، أو بُعّدَ (٨)، ونحوَه. (وإنْ نقصَ) مغصوبٌ (فعليه) أي: وجبَ على الغاصب ضمانُ (نقص قيمتِه) أي: المغصوب، ولو بنباتِ لِحْيَةِ أفرَدَ، فيغرَم ما نقصَ من قيمتِه وأرْشِ جنايِته.

стр. 1076

وإنْ بنى أو غرسَ مغصوبةً، لزمه قلعُه، وأرشُ نَقْصِها، وتسويتُها، وأجرتُها، وإنْ زرعها، فلربّها قبلَ حصدِه تملُّكُه بمثلِ بذرِهِ وعوضِ لواحقِه، ولا أجرةَ إذًا. وإنْ غصَب جارحًا، أو عبدًا، أو فرسًا، فصاد به أو غَنِمَ، (وإنْ بنى) غاصبٌ (أو غرسَ) أرضًا (مغصوبةً، لزمه قلعُه) إذا طالبه المالكُ بقلعِ ما بناه أو غرَسَه؛ لقوله ﷺ : "ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقّ" (١). (و) لَزِمَه (أرْشُ نَقْصِها) أي: الأرضِ (وتسويتُها) لأنَّه ضررٌ حصل بفعلِه (وأجرتُها) أي: أجرةُ مثلِها إلى وقتِ التسليم. وإنْ بذَل ربُّها قيمةَ الغِراس والبناءِ ليملكَه، لم يلزمْ غاصبًا قبولُه. (وإنْ زرعها) أي: الأرضَ غاصبٌ (فلربّها قبلَ حصدِه) أي: الزَّرْعِ (تملُّكُه بمثلٍ بذرِهِ وعوضِ لواحقِه) مِنْ حرثٍ وسَقْيٍ ونحوِهما (ولا أجرةَ) لربّها (إذًا) أي: حيث اختارَ التملُّكَ، فإنْ لم يتملَّك ربُّ الأرضِ، بل اختار تبقيتَه إلى حصادِ (٢) بأجرةِ مثلِه، كان له ذلك، وأمَّا إنْ طالبَ بالأرض بعدَ حصدِ الزرْعِ، فليس له إلا الأجرة. (إنْ غصَب جارحًا، أو عبدًا، أو فرسًا، فصاد) الغاصبُ أو غيرُه (به) أي: بالجارحِ، أو العبدِ، أو الفرسِ صيدًا (أو) غزا على الفرس و (غَنِمَ،

стр. 1077

فلِمالِكِه بلا أجرةٍ زمنَه. وإنْ ضَرَبَ الغَصْبَ دراهمَ، أو صاغَه، أو نسجَ الغَزْلَ، أو قَصَّرَ الثوبَ، أو نجرَ الخشبَ، أو صارَ الحَبُّ زَرْعًا، أو البيضةُ فَرْخًا، أو النَّوَى غَرْسًا، ردَّه وأرْشَ نقْصِه، ولا شيءَ لغاصبٍ (١) إن زاد ولا لعملِه. وإنْ خَصَى رقيقًا، ردَّه مع قيمةٍ (٢)، وإنْ قطعَ يدَه، ردَّه وأكثرَ الأمرين مما نقص، وأرشَ الجناية، فـ) الضَّيْدُ وسهمُ الفرسِ من الغنيمةِ (لمالِكه) أي: الجارحِ، أو العبدِ، أو الفرسِ؛ لأنَّه بسببِ ملكِه، فكان له (بلا أجرةٍ) لجارحِ ونحوِه (زمنَه) أي: زمنَ الاصطيادِ ونحوه؛ لعَوْدِ المنافعِ إلى المالكِ في هذه المدَّة. وهذا بخلافِ ما لو غصَب مِنْجلًا، وقطعَ به شجرًا أو حشيشًا، فهو للغاصب؛ لأنَّه آلةٌ كالحبل يربطُ به. (وإنْ ضَرَبَ الغَصْبَ) من نحوِ فضَّةٍ (دراهمَ، أو صاغَه) نحو خَلخالٍ (أو نسجَ الغَزْلَ، أو قَصَّرَ الثوبَ) أو صبغَه (أو نجرَ الخشبَ) بابًا (أو صارَ الحَبُّ) بيد الغاصبِ (زَرعًا، أو) صارت (البيضةُ فَرْخًا، أو) صار (النَّوَى غَرْسًا، ردَّه) (الغاصبُ (و) ردَّ (أرْشَ نقْصِه) إنْ نقص (ولا شيءَ لغاصبٍ إن زاد) بذلك (ولا) أجرةَ (لعملهِ) أي: الغاصبِ بنحوِ نَسْجٍ؛ لأنَّه تبرَّع في ملكِ غيرِه، ولمالكٍ إجبارُه على إعادةِ ما أمكن ردُّه إلى الحالة الأولى، كحَلْي ودراهمَ. (وإنْ خَصَى) غاصبٌ (رقيقًا) مغصوبًا (ردَّه مع قيمةٍ (٣)) ولو زاد بخِصاءِ؛ لأنَّ الخصيتَيْن يجبُ فيهما كمالُ القيمةِ كما يجبُ فيهما كمالُ الدّيَةِ من الحُرِّ. وكذا لو قطعَ منه ما فيه دِيةٌ، كذَكَرِه وأنفِه. (وإنْ قطعَ) من رقيقٍ ما فيه مقدَّرٌ دونَ الدِّيةِ، كما لو قطعَ (يدَه) أو جَفْنَه (ردَّه، و) ردَّ معه (أكثرَ الأمريْن مما نقص) بالقطعِ (وأرْش) أي: دية (الجنايةِ)

стр. 1078

ولا يضمنُ نقصَ سعرٍ. وإنْ خُلِطَ بمثلِه ولم يتميَّز، كزيتٍ وحنطةٍ، فشريكان، وكذا لو صبغَ ثوبًا. ويضمنُ نقصَ القيمةِ، وإن زادتْ قيمةُ أحدِهما، لوجود (١) سببِ كل منهما؛ فوجبَ أكثرُهما ودخلَ فيه الآخرُ. فلو غصَب عبدًا قيمتُه ألفٌ، فزادتْ قيمتُه إلى ألفين، ثمَّ قطعَ يدَه فصار يساوي ألفًا وخمسمئة، ردَّه وألفًا، وإنْ صار يساوي خمسمئة، ردَّه وألفًا وخمسمئة. فإن كان الجاني غيرَ الغاصبِ، فعليه أرْشُ الجنايةِ (٢) فقط، وما زاد، يستقرُّ على الغاصبِ، ولمالكٍ تضمينُ غاصبٍ الكلَّ. (ولا يضمنُ) غاصبٌ (نَقْصَ سعرٍ) لأنَّه ردَّ العَيْنَ بحالِها مالم ينقصْ منها عَيْنٌ ولا صِفةٌ؛ فلم يلزمْه شيء. (وإنْ خُلِطَ) -بالبناء للمفعولِ- مغصوبٌ بما يتميَّز كحنطةٍ بشعيرٍ، فعلى غاصبٍ تخليصُه وردُّه، وأجرةُ ذلك عليه، وإنْ خلطَ (بمثلِه ولم يتميَّز كزيتٍ) بزيتٍ أو شيرجٍ (وحنطةٍ) بحنطة (فـ) المالكان (شريكان) في المختلِطِ بقَدْرِ قيمَتيْهما (٣)، كاختلاطِهما بلا غَصْبٍ. (وكذا) يشتركُ المالكان (لو صبغَ) غاصبٌ (ثوبًا) أولَتَّ سويقًا بدهنٍ أو عكسه، ولم تَزِدِ القيمةُ (٤) لم تنقصْ. (ويضمنُ) الغاصبُ (نَقْصَ القيمةِ) إنْ نقصتْ؛ لتعدِّيْه في (وإنْ زادتْ قيمةُ أحدِهما)

стр. 1079

فلصاحبِه، ولا جَبْرَ على قَلْعِ صِبْغٍ. وإن استُحِقَّتْ أرضٌ، فقُلِعَ غرسُ مشترٍ وبناؤه، رجع بما غَرِمَه على بائعِه. وتصرُّفُ غاصبٍ فيه باطلٌ، ولمالكِه تضمينُه وتضمينُ مَنْ صارَ إليه. ويضمنُ مثليٌّ تَلِفَ بَمثله، كأنْ كانتْ قيمةُ الثوبِ عشرةً والصَّبْغِ خمسةً، وصارَ مصبوغًا يساوي عشرين بسبب غَلاء الثَّوبِ أو الصَّبغ (فـ) الزيادةُ (لصاحبِه) أي: لصاحبِ المِلْكِ الذي زادتْ قيمتُه؛ لأنَّه تَبَعٌ للأصلِ (ولا جَبْرَ على قَلْعِ صِبْغِ) الثَّوب -بكسر الصَّاد المهملة- يعني أنَّه لو طلبَ مالكُ الصَّبْغِ أو الثَّوبِ قلْعَ الصّبْغِ من الثَّوبِ، لم يلزمه إجابتُه؛ لأنَّ فيه إتلافًا لِملْكِ الآخَرِ حتَّى ولو ضمن الطالبُ النَّقْصَ. وإنْ وهب الصّبْغَ لمالكِ الثوبِ، لزم قبولُه. (وإن استُحِقَّت) بالبناء للمفعول (أرضٌ) أي: ظهر أنَّها لغيرِ بائِعها، وقدْ غَرَسَها مشترٍ أو بناها (فقُلِعَ غرسُ مشترٍ وبناؤه، رجَع) مشترٍ لم يعلمِ الحالَ (بما غَرِمَه على بائعِه) من ثمنٍ أقْبَضه، وأجرةِ غارسٍ وبانٍ، وثَمَنِ مُؤَنٍ مستهلَكَةٍ، وأرْشِ نقصٍ بقلعٍ، وأجرةٍ ونحوه؛ لأنَّه غَرَّه ببيعِه وأوهمَه أنَّها مِلكْهُ. (وتصرُّف غاصبٍ فيه) أي: في الغَصْبِ بنحوِ بيعٍ وإجارةٍ وحجّ (باطلٌ) لعدمِ إذنِ المالك، والأيدي المترتّبةُ على يدِ الغاصبِ كلُّها أيدي ضمانٍ (ولمالكِه (١)) أي: الغَصْبِ (تضمينُه) أي: الغاصب (و) له (تضمينُ مَنْ صارَ إليه) الغصْبُ، فإنْ عَلِمَ الثاني، فقرارُ الضَّمانِ عليه، وإلا، فعلى الأوَّلِ، إلا ما دخل الثاني على أنَّه مضمونٌ عليه، فيستقرُّ عليه ضمانُه. (ويُضْمنُ) بالبناء للمفعول، مغصوبٌ (مِثْليٌّ) وهو كل مكيلٍ أو موزونٍ لا صناعةَ فيه مباحةٌ يصحُّ السَّلَم فيه إذا (تَلِف) أو أتلف (بمثلِه) لأنَّه لما تعذَّر ردُّ العين، لَزِمَه ردُّ

стр. 1080

ومتقوَّمٌ بقيمتِه، ويُقبَلُ قوله [فيها و] (١) في قَدْرِه وصفتِه لا عَيْبِه ورَدِّهِ. وإنْ جَهل ربَّه، تصدَّق به عنه مضمونًا. ما يقومُ مقامها، والمِثْلُ أقربُ إليه من القيمةِ، وينبغي أنْ يُستثنى منه الماءُ في المفازةِ، فإنّه يُضمنُ بقيمتِه في مكانه. ذكره في "المبدع" (٢). فإنْ أَعوزَ (٣) المِثلُ لعُدْمٍ، أو بُعْدٍ، أو غلاءٍ، فقيمتُه يومَ إِعوازِه. (و) يضمنُ (متقوَّمٌ) (٤) وهو غيرُ المِثْلِيِّ إذا تَلف أو أُتلف (بقيمتِه) يومَ تَلَفِه في بلدِه، من نقدِه أو غالبِه (ويُقبَلُ قولُه) أي: الغاصبِ (فيها) أي: في قيمةِ التالفِ؛ لأنَّه غارمٌ (و) يُقْبَلُ قولُ الغاصبِ أيضًا (في قَدْرِه) أي: قَدْرِ المغصوبِ، كأنْ قال: غصبتَ منّي عبدَيْن، فقال: بل عبد (و) في (صفتِه) كأنْ قال: غصبتني عبدًا كاتبًا. وقال الغاصب: ليس كاتبًا. و (لا) يُقبلُ قولُ غاصبٍ في (عَيْبِه وردّه) بأن قال الغاصبُ: كان فيه أصبعٌ زائدةٌ. أو نحوه، أو: رددتُه عليك. فقولُ مالكٍ في عدمِ ذلك؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ العَيْبِ والردُّ. وإنْ شهدت البيّنةُ بعيبِ المغصوب، وقال غاصبٌ: كان مَعيبًا وقتَ غَصْبِه. وقال مالك: تعيَّبَ عندَكَ. فقولُ غاصبٍ؛ لأنَّه غارمٌ. (وإنْ جَهل) غاصبٌ (ربَّه) أي: مالك المغصوب، سلَّمه إلى حاكمٍ أمينٍ، فيبرأُ من عُهْدتِه، ويلزمُه ذلك. أو (تصدَّق) غاصبٌ (به عنه) أي: عن مالكِه (مضمونًا) أي: بنيَّةِ ضمانِه إنْ جاء ربُّه، فإذا تصدَّق به، كان ثوابُه لربّه، وسقطَ عنه إثمُ الغَصْبِ. وكذا

стр. 1081

ومَنْ فتح قَفَصًا، أو بابًا، أو وِكاء، أو رِباطًا، أو قيْدًا، فذهب ما فيه، أو أتْلفَ شيئًا ونحوَه، ضَمِنَه، كرَبْطِ دابَّةٍ بطريقٍ ضيِّقٍ، واقتناءِ كلبٍ عقورٍ إنْ دخَل بإذنِه أو عَقَرَه خارجَ منزلِه. ويَضمنُ ربُّ بهيمةٍ ما أتلفت من زَرْعٍ وغيره ليلًا، لا نهارًا حُكْمُ رهنٍ ووديعةٍ ونحوِها إذا جهل ربَّها، وليس لمن هي عندَه أخذُ شيءٍ منها ولو فقيرًا. (ومن فتح قَفَصًا) عن طائرٍ فطارَ، ضَمِنَه (أو) فتحَ (بابًا) فضاعَ ما كان مغلَقًا عليه بسببه، ضَمنه (أو) حلَّ (وِكاءَ) زِقّ مائعٍ أو جامدٍ، فأذابتْه الشَّمسُ، أو ألقتْه ريحٌ فاندفق، ضمنه (أو) حلَّ (رِباطًا) عن نحوِ فرسٍ (أو) حلَّ (قيْدًا) عن مُقَيَّدٍ (فدهب ما فيه، أو أَتْلفَ) ما فيه (شيئًا ونحوَه) أي: نحوَ ما ذُكر (ضَمِنَه) لأنَّه تَلِفَ بسببِ فعلِه (كربطِ دابَّةٍ بطريقٍ ضيّقٍ) أو طَرْحِ نحوِ حَجَرٍ بها، فيَضْمنُ ما تَلِفَ بذلك. وكذا لو ربطَ دابَّة أو أوقفها بطريقٍ واسعٍ ويدُه عليها، فأَتلفتْ شيئًا، أو جنَتْ بيدٍ أو رِجلٍ أو فمٍ، ضَمِنَ، كما في "الإقناع" (١). (و) كـ (اقتناءِ كلبٍ عقورٍ) فيضمنُ إذا عَقَر أو خرقَ ثوبَ داخلٍ (إن دخَل بإذنِه) ولم يُنبّههُ على الكلب (أو عَقَرَه) أو خَرَقَ ثوبَه (خارجَ منزلِه) فيضمنُ مُقتنِيه، بخلافِ بَوْله وولُوغه في إناءِ الغيرِ. وكذا لا يضمنُ من دخل بغيرِ إذنه (٢)؛ لتعدّيه بدخولِه. وكذا اقتناء نحوِ أسدٍ، أو نَمِرٍ، أو ذِنْبٍ، أو هرٍّ يأكلُ الطيورَ، ويَقْلِبُ القُدورَ عادةً، مع عِلْمِهِ بذلك. (ويضمنُ ربُّ بهيمةٍ ما أتلفتْـ) ـه (من زَرْعٍ وغيرِه) كشجرٍ (ليلًا، لا نهارًا) لما روى مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن حزامِ بنِ سَعْدٍ: أن ناقةً للبراءِ دخلتْ حائطَ قومٍ

стр. 1082

إنْ لم تُرْسَل بقربه. ويضمنُ راكب، وسائق، وقائدٌ جنايةَ يدِها، وفَمِها ووطْئِها برِجْلِها، لا ما نَفَحَتْ بها أو بذَنَبِها. فأفسدتْ "فقضى رسولُ الله ﷺ أن على أهلِ الأموالِ حِفْظَها بالنَّهار، وما أفسدتْ بالليل، فهو مضمونٌ عليهم". وفي لفظ: "أنَّ على أهل المواشي ما أفسدتْ مواشيهم بالليل". "وقضى على أهل الحوائط بحِفْظِ حوائِطِهم بالنَّهار" (١). (إنْ لم تُرسَل) البهيمةُ نهارًا (بقربه) أي: بقربِ ما تتلفه عادة، فيضمنُ مُرسِلُها؛ لتفريطِه. وإذا طردَ دابَّة مِن زَرْعِه، لم يَضمنْ إلا أنْ يُدخِلَها مزرعةَ غيرِه، فإن اتَّصلت المَزَارعُ، صَبَر ليرجعَ على ربِّها، ولو قَدَرَ أنْ يُخرِجَها وله مُنْصَرفٌ (٢) غيرُ المَزارعِ فتركها، فهدرٌ. (ويضمنُ راكبُ) بهيمةٍ متصرِّفٌ فيها (و) كذا (سائقٌ وقائدٌ جنايةَ يدِها، وفَمِها، ووطْئِها برجلِها) و (لا) يضمنُ (ما نَفَحَتْ (٣) بها) أي: برجلِها (أو بذَنَبِها) لحديثِ أبي هريرةَ: "رِجْلُ العَجْماءِ جُبَارٌ" (٤) رِجلُ العجماءِ -بكسر الراء-: أي: جنايةُ رجْلِ

стр. 1083

ولا يُضمنُ قتلُ صائلٍ، ولا كسرُ مزمارٍ أو صليبٍ، ولا كسْرُ آنيةِ ذهبٍ أو فضَّةٍ، أو آنيةِ خمرٍ غيرِ مُحتَرَمة. البَهيمةِ إذا نفحتْ بها بلا سببٍ (جُبارٌ) -بضم الجيم-: أي: هدر (١). ويضمنُ مع سببٍ كنَخْسٍ وتنفيرٍ فاعلُه. ولو تعدَّد راكبٌ، ضَمِنَ متصِّرف. (ولا يُضمَنُ) بالبناء للمفعول (قتلُ صائلٍ) آدمي أو غيرِه إذا صال على نفس القاتل، أو ولدهِ، أو نحو زوجتهِ كأختِه، ولم يندفعْ إلا بالقتل؛ لما فيه من صيانة النَّفْسِ، قال في "الإقناع" (٢): لو قتله دَفْعًا عن نفسِه، لم يضمنْه، ولو دفعه عن غيرِ ولدهِ ونسائِه بالقتل، ضَمِنَه. وذكر في حدِّ المحاربين (٣): أنَّ دَفْعَ الإنسانِ عن نسائِه لازمٌ، وكذا عن نفسِه في غيرِ فتنةِ، وأنَّ الدَّفْعَ عن نفسِ غيرِه في غيرِ فتنةِ مع ظنِّ دافعٍ سلامةَ نفسِه لازمٌ أيضًا، لا عن مالِه كمالِ غيره. انتهى. وجزم في "المنتهى" (٤) باللزوم في مالِ الغَيْرِ مع سلامتهما (٥). فليُحرَّر. (ولا) يُضمَنُ (كسرُ مزمارٍ) أو غيرِه من آلاتِ اللَّهْوِ (أو صليبٍ، ولا) يُضمَنُ (كسْرُ آنيةِ ذهبٍ أو فضةٍ أو آنيةِ خمرٍ غيرِ مُحترمَةٍ) أو كتبِ فيها أحاديثُ رديئةٌ (٦).

стр. 1084

باب الشفعة يحرمُ التَّحَيُّلُ لإسقاطِها، وتثبتُ لشريكٍ في أرضٍ تُقسمُ إجبارًا بيعتْ بثمنِه الذي استقرَّ عليه العقدُ، فلا شفعةَ لجارٍ، ولا في بناءٍ مُفردٍ، ولا في .. باب الشُّفْعة بإسكانِ الفاء؛ من الشَّفْعِ: وهو الزَّوج؛ لأنَّ الشفيعَ يَضمُّ بالشُّفعة المبيعَ إلى ملْكِه الذي كان منفردًا. وهي: استحقاقُ شريكٍ انتزاعَ شِقْصِ (١) شريكِه ممَّن انتقل إليه بِعوضٍ ماليٍّ بثمنِه الذي استقرَّ عليه العَقْد (٢). (يَحرُم التحيُّلُ لإسقاطِها) قال الإمامُ أحمدُ ﵀ (٣): لا يجوزُ شيءٌ من الحِيلِ، في إبطالِها ولا إبطال حقِّ مسلمٍ. (وتثبثُ) الشُّفْعةُ (لشريكٍ في أرضٍ تُقسمُ إجبارًا) لما روى أحمدُ والبخاريُّ عن جابرٍ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى بالشُّفعةِ في كلِّ ما لم يُقسمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطُّرُقُ، فلا شُفْعةَ" (٤) (بيعت) أي: بيعِ شِقْصٌ منها، فيثبتُ لشريكِ البائعِ أخذُ الشِّقْصِ المبيع (بثمنِه الذي استقرَّ) أي: لزم (عليه العقدُ) لحديث جابر: "فهو أحقُّ به بالثَّمن" رواه أبو إسحاق الجوزجانيُّ في "المترجَم" (٥). (فلا شفعَة لجارٍ) لحديثِ جابرٍ السابق (ولا في) منقولٍ، كسَيْف، أو (بناءٍ) أو غراسٍ (مُفرَدٍ) كلّ منهما، بأنْ بِيعا مفردَيْن عن الأرضِ (ولا فيـ) ـما لا تجبُ قسمتُه

стр. 1085

نحوِ حمَّامٍ، ودارٍ صغيرةٍ، ولا فيما أُخِذَ صداقًا ونحوَه. ويدخلُ غِراسٌ وبناءٌ تبعًا لأرضٍ، لا زرعٌ وثَمَرٌ. وهي على الفَورِ وقتَ عِلْمِه، فإنْ أخَّر بلا عُذْرٍ، أو كذَّب عَدْلًا، بطلتْ، (نحو حمَّامٍ) صغيرٍ (ودارٍ صغيرةٍ، ولا فيما أُخِدَ) بلا عِوضٍ، كإرْثٍ، ووصيَّةٍ، وهبة بلا عِوضٍ، أو كان عِوضُه غيرَ ماليٍّ بأنْ جُعل (صداقًا ونحوَه) كعِوضِ خُلْعٍ، وصلحٍ عن دَمِ عمْدٍ، فلا شفعةَ؛ لأنَّ الخبرَ وردَ في البيعِ، وهذه ليست في معناه. (ويدخلُ غِراسٌ وبناءٌ) فتثبتُ الشفعةُ فيهما (تبعًا لأرضٍ) إذا بيعا معها (لا زرعٌ وثَمَرٌ) إذا بيعا مع الأرض، فلا يُؤخذان بالشفعةِ؛ لأنَّ ذلك لا يدخل في البيعِ، فلا يدخلُ في الشُّفعةِ [كقُماشِ -بضمِّ القافِ- الدّار] (١). (وهي) أي: الشُّفعةُ (على الفَورِ وقْتَ عِلْمِه) أي: الشَّفيعِ (فإنْ) عَلِمَ الشفيعُ بالبيع فـ (أخَّر) طلبها (بلا عُذْرٍ) بطلت؛ لقوله ﷺ : "الشُّفعةُ لمن واثبها" (٢) [أي: بادَرَ إليها وسارَع في طَلَبِها] (٣). وفي روايةٍ: "الشُّفْعَةُ كحَلِّ العِقال" رواه ابن ماجه (٤). فإن لم يعلم بالبيعِ، فهو على شُفعتِه ولو مضى سِنُون. وكذا لو أخَّر لعذرٍ، كأنْ عَلِمَ ليلًا فأخَّره إلى الصَّباح، أو لحاجةِ أكلٍ أو شربٍ أو طهارةٍ، أو إغلاقِ بابٍ، أو خروج من حمَّام، أو ليأتي بصلاةٍ وسُنَنِها، أو أشهدَ غائبٌ على الطلب بها إن قَدر (أو كذِّب) شفيعٌ (عدلًا) أخبرَه بالبيع (بطلَتْ) لتراخيه بلا عُذْرٍ، لا إن كذَّب فاسقًا .........

стр. 1086

كما لو طلب أخذَ البَعْضِ وهي بين شركاءَ بقَدْرِ مِلْكِهم. فإنْ عفا البعضُ، أخذَ الباقي الكلَّ أو تَرَكَ. ومَنْ باعَ شِقْصًا وسَيفًا ونحوَه، فلشفيعٍ أخذُ شِقْصٍ بحصَّتِه من ثمنٍ، كما لو تَلِفَ بعضُه. (كما) تسقطُ الشُّفْعةُ (لو طلب) الشفيعُ (أخذَ البَعْضِ) أي: بعضِ الحِصَّةِ المبيعةِ؛ لأنَّ فيه إضرارًا بالمشتري بتبعِيضِ الصَّفقةِ عليه، والضَّرَرُ لا يُزالُ بمثله. (وهي) أي: الشفعةُ (بين شركاءَ) اثنين فأكثر (بقَدْر مِلكِهم) لأنَّها حق يُستفادُ بسببِ المِلْكِ، فكانتْ على قَدْرِ الأملاكِ. فدارٌ بين ثلاثةٍ: نِصْفٌ وثُلُثٌ وسُدُسٌ، فباع صاحبُ الثُّلُثِ، فالمسألةُ من سِتَّة، والثلثُ يُقْسَمُ على أربعة، فتصيرُ الدَّارُ بعدَ الأخذِ بالشُّفعةِ بين الشَّفيعَينِ أرباعًا، لصاحبِ النِّصفِ ثلاثةُ أرباعِها، ولصاحبِ السُّدُسِ رُبْعُها. (فإنْ عفا البعضُ) من الشركاءِ (أخدَ الباقي) منهم (الكلَّ، أو تَرَكَ) الكلَّ؛ لأنَّ في أخذِ بعضِ المبيع إضرارًا بالمشتري، ولو وهبها لشريكِه، أو غيرِه، لم يصحَّ. وإنْ كان أحدُهما غائبًا، فليسَ للحاضرِ أنْ يأخذَ إلا الكلَّ أو يَترك، فإنْ أخذَ الكلَّ، ثم حضرَ الغائبُ، قاسمه. (ومنْ باع شِقْصًا وسَيفًا ونحوَه) كعبدٍ في عَقدٍ واحدٍ (فلشفيعٍ أخذُ شقْصٍ بحصَّتِه من ثمنٍ) لأن فيه الشَّفعةَ إذا بِيعَ منفردًا، فكذا إذا بِيْعَ مع غيرِه، [فلشفيعٍ أخذُ ما بقي بحصَّتِه] (١)، و (كما لو تَلِفَ بعضُه) أي: بعضُ المبيعِ، فلشفيعٍ أخذُ ما بقي بحصَّتِه. فلو اشترى حصَّةً من دارٍ بألفٍ تساوي تلكَ الحصَّةُ ألفين، فباعَ بابَها، أو هَدَمها، فبقِيَت بألف، أخَذَها شفيعٌ بخمسمئة.

стр. 1087

ولا شفعةَ بشركةِ وقْفٍ، ولا في غيرِ ملكٍ سابقٍ، ولا لكافرٍ على مسلم. فصل وإنْ تصرَّف مشترٍ قبلَ طلب بهِبَة أو وَقْف ونحوِه، أو رهن، سقطت، وبعدَه لا يصحُّ تصرُّفُه، وببيعٍ، فله أخذ بأيِّ البَيْعَيْن شاء. وإنْ بنى أو غَرَسَ، (ولا شُفعةَ بشركةِ وقْفٍ) لأنَّه لا يؤخذُ بالشُّفعةِ، فلا تجبُ به، ولأنَّ مستحقَّه غيرُ تامِّ المِلْكِ. (ولا) شُفعةَ أيضًا (في غيرِ مِلْكٍ) للرقبةِ (سابقٍ) بأنْ كان شريكًا في المنفعةِ كالموصى له بها، أو ملكَ الشريكان دارًا صفقةً واحدةً، فلا شفعةَ لأحدهِما على الآخر، و (لا) شُفعةَ (لكافرٍ على مسلم) لأنَّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلَى (١). فصلٌ (وإن تصرَّف مشترٍ) لشِقصٍ تثبُتُ فيه الشُّفعةُ (قبلَ طلبِ) شفيعٍ (بِهبَة) الشقصِ (أو وَقْفِـ) ـه (ونحوه) كصدقةٍ به (أو) تصرَّف فيه بـ (رهنـ) ـه (سقَطت) الشُّفْعةُ؛ لما فيه من الإضرارِ بالموقوفِ عليه والموهوبِ له ونحوهِ. ولا تسقطُ الشُّفْعةُ بمجرَّدِ الوصيَّةِ به قبلَ قبولِ موصًى له بعدَ موتِ مُوصٍ؛ لعدم لزومِ الوصيَّة (وبعدَه) أي: بعدَ طلبِ شفيعٍ (لا يصخ تصرُّفُه) أي: المشتري؛ لأنَّه مِلْكُ الشَّفيْعِ إذًا (و) إنْ تصرَّف مشتري الشِّقْصِ قبلَ الطَّلب (ببيعٍ، فله) أي: للشفيعِ (أخذ) الشِّقص (بأيِّ البَيعَين شاء) لأنَّ سببَ الشُّفعةِ الشراءُ وقدْ وجِدَ في كلِّ منهما، فإنْ أخَذَ بالأوَّل، رجع الثاني على بائعهِ بما دفع له؛ لأنَّ العِوضَ لم يسلمْ له. (وإنْ بنى) مشترٍ (أو غَرَسَ) في حالٍ يُعذَرُ فيه الشَّريكُ بالتأخير، بأن قاسمَ المشتري وكيلَ الشّفيع، أو رفع الأمرَ لحاكمٍ، فقاسمه أو قاسم الشفيعَ؛ لإظهارِ (٢)

стр. 1088

فإنْ لم يقلعْه، فلشفيعٍ تملُّكُه بقيمتِه، أو قلعُه، وضمانُ نقْصِه. وإنْ مات شفيعٌ قبلَ طلبٍ، سقطتْ، وبعدَه لوارثِه. وإن عجز عن بعضِ الثّمنِ، سقطتْ شفعتُه، فإنْ كان مؤجَّلًا، أخَذَه مَليءٌ به، وإلَّا، فبكفيلٍ. زيادةِ ثمنٍ ونحوه، ثمَّ بنى أو غَرَسَ (فإنْ لم يقلعْه) أي: البناءَ والغِراسَ مشترٍ (فلشفيعٍ تملُّكُه) أي: البناءِ أو الغراسِ (بقيمتِه) دفعًا للضَّرر، فتقوَّمُ الأرضُ مغروسةً أو مبنيَّةً، ثم تقوَّم خاليةً منهما، فما بينهما (١)، فهو قيمةُ الغِراسِ والبناءِ (أو) أي: وللشفيعِ (قلعُه، و) عليه (ضمانُ نقْصِه) أي: ما نقص من قيمتِه بقلعٍ، فإنْ أبَى، فلا شفعةَ، ولربِّ بناءٍ أو غِراسٍ أخذُه، ولو اختار شفيعٌ تملُّكَه حتَّى مع ضرر يلحقُ الأرضَ، كما في "المنتهى" (٢) وغيره. (وإنْ مات شفيعٌ قبلَ طلبٍ) بشُفعةٍ (٣) (سقطتْ) لأنَّه نوعُ خيارٍ (و) إنْ مات (بعدَه) أي: بعدَ الطلبِ، ثبتتْ (لوارثه) لأنَّ الحق تقرَّر بالطلبِ، ولذا لم تسقطْ بتأخيرِ الأخْذِ بعدَه، ويأخذُ شفيعٌ الشِّقْضَ بكلِّ الثمن الذي استقرَّ عليه العَقْدُ، كما تقدَّم. (وإنْ عجز) شفيعٌ (عن بعضِ الثَّمنِ، سقطَتْ شفعتْه) لأنَّ في أخْذِه بدون الثمن كلِّه إضرارًا بالمشتري، وإنْ أحضر هنا رهنًا أو كفيلًا، لم يلزم مشتريًا قبولُه (فإنْ كان) الثمنُ (مؤجَّلًا، أخَذَه) أي: الشِّقْصَ شفيعٌ (مَلِيءٌ به) أي: بالمؤجَّل؛ لأنَّ الشفيعَ يستحقُّ أخْذَه بقدْرِ الثَّمن وصفتِه، والتّأجيلُ من صفتِه (وإلا) يكُنِ الشفيعُ مليئًا (فـ) يأخذُ بالمؤجَّل (بكفيلٍ) مَلِيءِ؛ دفعًا للضرر، وإنْ لم يعلمْ شفيعٌ حتَّى حلَّ، فهو كالحالِّ.

стр. 1089

وإن اختلفا في قَدْرِ ثمنٍ، فقولُ مشترٍ، وعُهدةُ شفيعٍ على مشترٍ، ومشترٍ على بائعٍ. (وإن اختلفا) أي: الشفيعُ والمشتري (في قدْرِ ثمنٍ، فقولُ مشترٍ) بيمينِه؛ لأنَّه العاقدُ، فهو أعلمُ، والشفيعُ ليس بغارمٍ؛ لأنَّه لا شيءَ عليه، وإنَّما يريدُ تملُّكَ الشِّقْصِ بثمنِه؛ بخلافِ نحوِ غاصب. (وعُهدةُ شفيعٍ على مشترٍ) فإذا ظهرَ الشِّقْصُ مستحقًّا أو مَعيبًا، رجعَ شفيعٌ على مشترٍ بثمنٍ أو أرْشِ عيْبٍ (و) يرجعُ (مشترٍ على بائعٍ) بذلك.

стр. 1090

باب الوديعة تستحبُّ لمن قَوِيَ على الحِفْظِ، ولا يضمنُها بتَلَف بلا تعدٍّ ولو من بين مالِه. وعليه حِفْظُها في حِرْزِ مثلِها، وإنْ عيَّنه (١) ربُّها، فأحرزها بدونِه بلا ضرورةٍ، ضمن. باب الوديعة مِن ودَع الشيءَ: إذا تركَه (٢)؛ لأنَّها متروكةٌ عندَ المودَع، والإيداعُ توكيلٌ في الحفظِ تبرُّعًا، والاستيداعُ توكُّلٌ فيه كذلك، ويعتبرُ لها ما يُعتبرُ في وكالةٍ. و (تستحبُّ) الوديعةُ (لمن قَوِيَ على الحِفْظِ) وأمِنَ نفسَه عليها، وتُكْره لغيره إلا برضا ربِّها. (ولا يضمنُها) أي: الوديعةَ (بتَلَفِـ) ـها (بلا تعدٍّ) ولا تفريطٍ (ولو) تَلِفَتْ (من بين مالِه) لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ قال: "من أودِع وديعةً، فلا ضمانَ عليه". رواه ابنُ ماجه (٣). (و) يجبُ (عليه) أي: على الوديعِ (حِفْظُها في حِرْزِ مثلِها) عُرْفًا، كما يحفظُ مالَه؛ لأنَّه تعالى أمرَ بأدائِها، ولا يمكنُ ذلك إلا بالحفظ. قال في "الرِّعاية": من استُودِعَ شيئًا، حَفِظَه في حِرْزِ مثلِه عاجلًا مع القُدرة، وإلا، ضَمن (وإنْ عيَّنه) أي: الحرزَ (ربُّها، فأحرزَها بدونه بلا ضرورةٍ، ضمن) سواءٌ ردَّها إليه أوْلا؛ لمخالفته. وإن أحرزها بمثلِه أو فوقَه، لم يضمنْ، وكذا بدونه لضرورةِ.
следующие страницы →