← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

كما لو طلب أخذَ البَعْضِ وهي بين شركاءَ بقَدْرِ مِلْكِهم. فإنْ عفا البعضُ، أخذَ الباقي الكلَّ أو تَرَكَ. ومَنْ باعَ شِقْصًا وسَيفًا ونحوَه، فلشفيعٍ أخذُ شِقْصٍ بحصَّتِه من ثمنٍ، كما لو تَلِفَ بعضُه. (كما) تسقطُ الشُّفْعةُ (لو طلب) الشفيعُ (أخذَ البَعْضِ) أي: بعضِ الحِصَّةِ المبيعةِ؛ لأنَّ فيه إضرارًا بالمشتري بتبعِيضِ الصَّفقةِ عليه، والضَّرَرُ لا يُزالُ بمثله. (وهي) أي: الشفعةُ (بين شركاءَ) اثنين فأكثر (بقَدْر مِلكِهم) لأنَّها حق يُستفادُ بسببِ المِلْكِ، فكانتْ على قَدْرِ الأملاكِ. فدارٌ بين ثلاثةٍ: نِصْفٌ وثُلُثٌ وسُدُسٌ، فباع صاحبُ الثُّلُثِ، فالمسألةُ من سِتَّة، والثلثُ يُقْسَمُ على أربعة، فتصيرُ الدَّارُ بعدَ الأخذِ بالشُّفعةِ بين الشَّفيعَينِ أرباعًا، لصاحبِ النِّصفِ ثلاثةُ أرباعِها، ولصاحبِ السُّدُسِ رُبْعُها. (فإنْ عفا البعضُ) من الشركاءِ (أخدَ الباقي) منهم (الكلَّ، أو تَرَكَ) الكلَّ؛ لأنَّ في أخذِ بعضِ المبيع إضرارًا بالمشتري، ولو وهبها لشريكِه، أو غيرِه، لم يصحَّ. وإنْ كان أحدُهما غائبًا، فليسَ للحاضرِ أنْ يأخذَ إلا الكلَّ أو يَترك، فإنْ أخذَ الكلَّ، ثم حضرَ الغائبُ، قاسمه. (ومنْ باع شِقْصًا وسَيفًا ونحوَه) كعبدٍ في عَقدٍ واحدٍ (فلشفيعٍ أخذُ شقْصٍ بحصَّتِه من ثمنٍ) لأن فيه الشَّفعةَ إذا بِيعَ منفردًا، فكذا إذا بِيْعَ مع غيرِه، [فلشفيعٍ أخذُ ما بقي بحصَّتِه] (١)، و (كما لو تَلِفَ بعضُه) أي: بعضُ المبيعِ، فلشفيعٍ أخذُ ما بقي بحصَّتِه. فلو اشترى حصَّةً من دارٍ بألفٍ تساوي تلكَ الحصَّةُ ألفين، فباعَ بابَها، أو هَدَمها، فبقِيَت بألف، أخَذَها شفيعٌ بخمسمئة.

стр. 1087

ولا شفعةَ بشركةِ وقْفٍ، ولا في غيرِ ملكٍ سابقٍ، ولا لكافرٍ على مسلم. فصل وإنْ تصرَّف مشترٍ قبلَ طلب بهِبَة أو وَقْف ونحوِه، أو رهن، سقطت، وبعدَه لا يصحُّ تصرُّفُه، وببيعٍ، فله أخذ بأيِّ البَيْعَيْن شاء. وإنْ بنى أو غَرَسَ، (ولا شُفعةَ بشركةِ وقْفٍ) لأنَّه لا يؤخذُ بالشُّفعةِ، فلا تجبُ به، ولأنَّ مستحقَّه غيرُ تامِّ المِلْكِ. (ولا) شُفعةَ أيضًا (في غيرِ مِلْكٍ) للرقبةِ (سابقٍ) بأنْ كان شريكًا في المنفعةِ كالموصى له بها، أو ملكَ الشريكان دارًا صفقةً واحدةً، فلا شفعةَ لأحدهِما على الآخر، و (لا) شُفعةَ (لكافرٍ على مسلم) لأنَّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلَى (١). فصلٌ (وإن تصرَّف مشترٍ) لشِقصٍ تثبُتُ فيه الشُّفعةُ (قبلَ طلبِ) شفيعٍ (بِهبَة) الشقصِ (أو وَقْفِـ) ـه (ونحوه) كصدقةٍ به (أو) تصرَّف فيه بـ (رهنـ) ـه (سقَطت) الشُّفْعةُ؛ لما فيه من الإضرارِ بالموقوفِ عليه والموهوبِ له ونحوهِ. ولا تسقطُ الشُّفْعةُ بمجرَّدِ الوصيَّةِ به قبلَ قبولِ موصًى له بعدَ موتِ مُوصٍ؛ لعدم لزومِ الوصيَّة (وبعدَه) أي: بعدَ طلبِ شفيعٍ (لا يصخ تصرُّفُه) أي: المشتري؛ لأنَّه مِلْكُ الشَّفيْعِ إذًا (و) إنْ تصرَّف مشتري الشِّقْصِ قبلَ الطَّلب (ببيعٍ، فله) أي: للشفيعِ (أخذ) الشِّقص (بأيِّ البَيعَين شاء) لأنَّ سببَ الشُّفعةِ الشراءُ وقدْ وجِدَ في كلِّ منهما، فإنْ أخَذَ بالأوَّل، رجع الثاني على بائعهِ بما دفع له؛ لأنَّ العِوضَ لم يسلمْ له. (وإنْ بنى) مشترٍ (أو غَرَسَ) في حالٍ يُعذَرُ فيه الشَّريكُ بالتأخير، بأن قاسمَ المشتري وكيلَ الشّفيع، أو رفع الأمرَ لحاكمٍ، فقاسمه أو قاسم الشفيعَ؛ لإظهارِ (٢)

стр. 1088

فإنْ لم يقلعْه، فلشفيعٍ تملُّكُه بقيمتِه، أو قلعُه، وضمانُ نقْصِه. وإنْ مات شفيعٌ قبلَ طلبٍ، سقطتْ، وبعدَه لوارثِه. وإن عجز عن بعضِ الثّمنِ، سقطتْ شفعتُه، فإنْ كان مؤجَّلًا، أخَذَه مَليءٌ به، وإلَّا، فبكفيلٍ. زيادةِ ثمنٍ ونحوه، ثمَّ بنى أو غَرَسَ (فإنْ لم يقلعْه) أي: البناءَ والغِراسَ مشترٍ (فلشفيعٍ تملُّكُه) أي: البناءِ أو الغراسِ (بقيمتِه) دفعًا للضَّرر، فتقوَّمُ الأرضُ مغروسةً أو مبنيَّةً، ثم تقوَّم خاليةً منهما، فما بينهما (١)، فهو قيمةُ الغِراسِ والبناءِ (أو) أي: وللشفيعِ (قلعُه، و) عليه (ضمانُ نقْصِه) أي: ما نقص من قيمتِه بقلعٍ، فإنْ أبَى، فلا شفعةَ، ولربِّ بناءٍ أو غِراسٍ أخذُه، ولو اختار شفيعٌ تملُّكَه حتَّى مع ضرر يلحقُ الأرضَ، كما في "المنتهى" (٢) وغيره. (وإنْ مات شفيعٌ قبلَ طلبٍ) بشُفعةٍ (٣) (سقطتْ) لأنَّه نوعُ خيارٍ (و) إنْ مات (بعدَه) أي: بعدَ الطلبِ، ثبتتْ (لوارثه) لأنَّ الحق تقرَّر بالطلبِ، ولذا لم تسقطْ بتأخيرِ الأخْذِ بعدَه، ويأخذُ شفيعٌ الشِّقْضَ بكلِّ الثمن الذي استقرَّ عليه العَقْدُ، كما تقدَّم. (وإنْ عجز) شفيعٌ (عن بعضِ الثَّمنِ، سقطَتْ شفعتْه) لأنَّ في أخْذِه بدون الثمن كلِّه إضرارًا بالمشتري، وإنْ أحضر هنا رهنًا أو كفيلًا، لم يلزم مشتريًا قبولُه (فإنْ كان) الثمنُ (مؤجَّلًا، أخَذَه) أي: الشِّقْصَ شفيعٌ (مَلِيءٌ به) أي: بالمؤجَّل؛ لأنَّ الشفيعَ يستحقُّ أخْذَه بقدْرِ الثَّمن وصفتِه، والتّأجيلُ من صفتِه (وإلا) يكُنِ الشفيعُ مليئًا (فـ) يأخذُ بالمؤجَّل (بكفيلٍ) مَلِيءِ؛ دفعًا للضرر، وإنْ لم يعلمْ شفيعٌ حتَّى حلَّ، فهو كالحالِّ.

стр. 1089

وإن اختلفا في قَدْرِ ثمنٍ، فقولُ مشترٍ، وعُهدةُ شفيعٍ على مشترٍ، ومشترٍ على بائعٍ. (وإن اختلفا) أي: الشفيعُ والمشتري (في قدْرِ ثمنٍ، فقولُ مشترٍ) بيمينِه؛ لأنَّه العاقدُ، فهو أعلمُ، والشفيعُ ليس بغارمٍ؛ لأنَّه لا شيءَ عليه، وإنَّما يريدُ تملُّكَ الشِّقْصِ بثمنِه؛ بخلافِ نحوِ غاصب. (وعُهدةُ شفيعٍ على مشترٍ) فإذا ظهرَ الشِّقْصُ مستحقًّا أو مَعيبًا، رجعَ شفيعٌ على مشترٍ بثمنٍ أو أرْشِ عيْبٍ (و) يرجعُ (مشترٍ على بائعٍ) بذلك.

стр. 1090

باب الوديعة تستحبُّ لمن قَوِيَ على الحِفْظِ، ولا يضمنُها بتَلَف بلا تعدٍّ ولو من بين مالِه. وعليه حِفْظُها في حِرْزِ مثلِها، وإنْ عيَّنه (١) ربُّها، فأحرزها بدونِه بلا ضرورةٍ، ضمن. باب الوديعة مِن ودَع الشيءَ: إذا تركَه (٢)؛ لأنَّها متروكةٌ عندَ المودَع، والإيداعُ توكيلٌ في الحفظِ تبرُّعًا، والاستيداعُ توكُّلٌ فيه كذلك، ويعتبرُ لها ما يُعتبرُ في وكالةٍ. و (تستحبُّ) الوديعةُ (لمن قَوِيَ على الحِفْظِ) وأمِنَ نفسَه عليها، وتُكْره لغيره إلا برضا ربِّها. (ولا يضمنُها) أي: الوديعةَ (بتَلَفِـ) ـها (بلا تعدٍّ) ولا تفريطٍ (ولو) تَلِفَتْ (من بين مالِه) لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ قال: "من أودِع وديعةً، فلا ضمانَ عليه". رواه ابنُ ماجه (٣). (و) يجبُ (عليه) أي: على الوديعِ (حِفْظُها في حِرْزِ مثلِها) عُرْفًا، كما يحفظُ مالَه؛ لأنَّه تعالى أمرَ بأدائِها، ولا يمكنُ ذلك إلا بالحفظ. قال في "الرِّعاية": من استُودِعَ شيئًا، حَفِظَه في حِرْزِ مثلِه عاجلًا مع القُدرة، وإلا، ضَمن (وإنْ عيَّنه) أي: الحرزَ (ربُّها، فأحرزَها بدونه بلا ضرورةٍ، ضمن) سواءٌ ردَّها إليه أوْلا؛ لمخالفته. وإن أحرزها بمثلِه أو فوقَه، لم يضمنْ، وكذا بدونه لضرورةِ.

стр. 1091

وإنْ لم يعلِفْ دابَّةً بلا قولِ ربِّها، أو قال: اتركْها في جيبِك، فتركها في يدِه أو كمِّه، ضمن، لا عكسه. وله دفعُها لمن يحفظُ مالَه أو مالَ ربِّها، لا حاكمٍ أو أجنبيٍّ. وقرارُ ضمانٍ على وديعٍ إنْ جَهِلا، وإنْ حدث خوفٌ. عامٌّ، ردَّها على ربِّها. وله السَّفَرُ بها مع حضورِه، نصًّا (وإن لم يَعْلِفْ) وَدِيعٌ (دابَّةً) بأنْ قطعَ عنها العَلَفَ (بلا قولِ ربِّها) ضمن؛ لأنَّ العَلَفَ من كمالِ الحِفْظ، بل هو الحفظُ بعينِه؛ لأنَّ العرفَ يقتضي عَلْفَها وسَقْيَها، فهو مأمورٌ به عُرفًا. وإنْ نهاهُ مالكٌ عن عَلفِها وسَقيها، لم يضمنْ، لكن يأثمُ؛ لحرمةِ الحيوان (أو قال) ربُّها: (اتركْها) أي: احفظْها (في جيبِك. فتركها في يدِه أو كُمِّه، ضمن) لأنَّ الجيْبَ أحرزُ، وربَّما نسي فسقطَ ما في يِده أو كُمِّه (لا عكسه) يعني لو قال له: اتركْها في يدِك، أو: كُمِّك. فتركها في جيبِه، لم يضمن؛ لأنه أحرزُ. وإنْ قال: اتركْها في يدِك. فتركها في كُمِّه، أو بالعكس. أو قال: اتركْها في بيتِك. فشدَّها في ثيابِه وأخرجَها، ضَمِن. (وله): أي: للوديع (دَفْعُها لمن يحفظُ مالَه) عادةً كزوجتهِ وعبدِه (أو) أي: وله ردُّها إلى من يحفظُ (مالَ ربِّها) عادةً، و (لا) يجوزُ لوديعٍ دفعُها إلى (حاكمٍ أو أجنبيٍّ) فإنْ دفَعها فتلفتْ، فلمالِكٍ مطالبةُ مَنْ شاء منهما. (وقرارُ ضمانٍ على وديعٍ [إنْ جَهلا) أي: جهل] (١) الحاكمُ والأجنبيُّ أنَّها وديعة. وإن عَلما، فقرارُ الضَّمان عليهما. (وإنْ حَدث خوفٌ عامٌّ، ردَّها) وجوبًا (على ربِّها) أو وكيلِه في حِفْظِها؛ لأنَّ في ذلك تخليصها من التلفِ (وله السَّفَرُ بها مع حضورِه نصًّا) إذا لم يخفْ عليها؛ لأنَّ

стр. 1092

ما لم يَنْهَهُ، وإنْ خاف عليها، أَوْدَعَها ثقةً. وإنْ ركبها مودَعٌ لغير نَفْعِها، أو لَبِسَها لا لخوفِ عُثٍّ، أو أخرج نحوَ دراهم من حِرْزِها، أو فكَّ خَتْمَها ونحوَه عنها، أو خلطها بغيرِ متميِّز فضاعت، ضَمِن. القَصْدَ الحِفْظُ وهو موجودٌ هنا (ما لم يَنهَه) ربُّها عن السَّفَرِ بها. (وإنْ خاف عليها) في السفر، أو كان نُهيَ عنه، دَفَعَها إلى حاكمٍ أمينٍ، فإنْ أودعها مع قدرته على الحاكِم، ضَمِنَها؛ لأنَّه لا ولايةَ له. فإنْ تعذَّر حاكمٌ أهلٌ (أوْدَعها ثقة) لفعلِه ﷺ لمَّا أرادَ أنْ يهاجرَ، أودعَ الودائعَ التي كانتْ عندَه لأمِّ أيمن. -[على وزن أفضل] (١) ﵂ (٢). ولأنَّه موضعُ حاجةٍ، وكذا حكمُ من حضَرَه الموتُ. (وإنْ ركبها) أي: الدابَّةَ المودَعَةَ (مودَع) بفتح الدَّال (لغيرِ نَفْعِها) أي: عَلفِها وسَقْيِها، ضَمِنَ (أو لَبِسَها) أي: الوديعةَ، إن كانت ممَّا يُلبس، ضَمن، و (لا) يضمنُ إنْ لبسها (لخوفِ عُثٍّ) (٣) ونحوِه (أو أخرجَ نحوَ دراهم) مودَعةٍ (من حِرْزِها) ثمَّ ردَّها إلى حِرْزِها (أو فكَّ خَتمَها ونحوَه عنها) كأنْ كانتْ مشدودةً، فأزالَ الشَّدَّ، ضَمِنَ، أخرج منها شيئًا أوْلا؛ لهتكِ الحِرزِ (أو خلطها بغيرِ متميِّز) كدراهمَ بدراهم، وزيتٍ بزيتٍ (فضاعت) الوديعةُ بضياعِ الكُلِّ (ضَمن) الوديعةَ، وإنْ ضاعَ البعضُ ولم يَدْرِ أيَّهما ضاعَ، ضَمن أيضًا.

стр. 1093

ويُقبلُ قولُه في ردِّها لربِّها أو غيرِه بإذنه، وتَلَفِها، ونَفْي تفريطٍ. وإنْ قال: لم تودعني. ثمَّ ثبتت، لم تُقبلْ دعواه ردًّا أو تلفًا سابقَيْن لجحودِه ولو ببيِّنةٍ، لا إنْ قال: ما لكَ عندي شيءٌ. ونحوَه. ولا تُقبلُ دعوى وارثه ردًّا بلا بيِّنةٍ، ولوَديعٍ ونحوِه طَلَبُ غاضبٍ بها. (ويُقبلُ قولُه) أي: الوديعِ (في ردِّها لربها) أو مَن يحفظُ مالَه (أو غيرِه بإذنِه) بأنْ قال: دفعتُها لفلانٍ بإذنِك. فأنكرَ مالِكُها الإذنَ أو الدَّفْعَ، فقولُ وديعٍ. لا إن ادَّعَى ردَّها لحاكمٍ، أو ورثةِ مالكٍ. (و) يُقبلُ قولُه أيضًا في (تلَفِها، ونَفْي تفريطٍ) بيمينِه؛ لأنَّه أمينٌ، لكنْ إن ادَّعَى التَّلَفَ بظاهرٍ، [كُلِّف ببيِّنة] (١)، ثمَّ قُبل قولُه في التَّلف. (وإن قال: لم تودعني. ثمَّ ثبتت) الوديعةُ ببيِّنة أو إقرارٍ (لم تُقبلْ دعواه) أي: الوديعِ (ردًّا) للوديعةِ (أو تلفًا) لها (سابقَين) أي: الردَّ والتلَفَ (لجحودهِ ولو ببينةٍ) لأنَّه مكذِّب لها. وإنْ شَهِدت بأحدِهما ولم تُبيِّن وقتًا، لم تُسمع؛ لتحقُّقِ وجوب الضَّمان، فلا يسقطُ بمحتمل. وعُلم منه أنَّه لو ادَّعى ردًّا أو تلفًا بعد جحودهِ، قُبِل بالبيِّنة، لكنْ متى ثبت التلفُ بعد الجحود، لم يسقط الضَّمانُ، كالغاصبِ (لا إنْ قال) مدَّعى عليه بوديعة لمدَّعيها: (مالك عندي شيءٌ ونحوَه) كـ: لا حقَّ لكَ قِبَلي. ثمَّ ثبتت، فادعى ردًّا أو تلفًا سابقَين لإنكاره، فيُقبلُ منه بيمينه؛ لأنه ليس بمنافٍ لجوابه. (ولا تُقْبلُ دعوى وارثه) أي: الوديعِ (ردًّا) منه أو مِنْ مورِّثه (بلا بيِّنهٍ) لأنَّ صاحبَها لم يأتمِنْه عليها، بخلافِ وديعٍ. (ولِوَديع ونحوِه) كمُضارِب، ومرتهِن، ومستأجِرٍ إذا غُصبِت العينُ منهم (طَلَبُ غاصبٍ بها) لأنَّهم مأمورون بحفظِها وذلك منه، وإنْ صادَرَه سلطانٌ، فأخذها منه قَهرًا، لم يضمن. قاله أبو الخطَّاب.

стр. 1094

باب إحياء الموات من أحيا أرضًا لا مالكَ لها، ولم تتعلَّق بمصالحِ العامر، مَلَكها، مسلمًا أو كافرًا، بإذنِ إمامٍ أو دونَه من عَنْوَةٍ أو غيرِها. وعلى ذمِّيٍّ خراجُ ما أحيا من مواتٍ عَنْوَةً. باب إحياء الموات بفتحِ الميم وضمِّها؛ من الموت وهو: عدمُ الحياة (١). واصطلاحًا: الأرضُ المنفكَّة عن الاختصاصاتِ وملكٍ معصومٍ. (مَنْ أحيا أرضًا لا مالكَ لها) بأن لم يَجْرِ عليها مِلكٌ لأحدٍ، ولم يوجَد فيها أثرُ عمارةٍ أو تُرُدِّد في جَرَيان مِلك معصومٍ عليها، أو كان بها أثَرُ مِلْك ولو غيرَ جاهليٍّ (٢) كالخُرَب -بضم الخاء وفتحِ الرَّاء- التي ذهبتْ أنهارُها، واندرَستْ آثارُها ولم يُعلمْ لها مالكٌ (ولم تتعلَّق بمصالح العامر، مَلَكَها) بالإحياءِ؛ لحديثِ جابر يَرفعه: "مَنْ أحيا أرضًا ميتةً، فهي له" رواه أحمد والترمذيُّ وصحَّحه (٣). فإن تعلَّقت الأرضُ بمصالحِ العامِرِ، كمقبرةٍ، ومطرحِ كُناسة ونحوِه، لم تُملك بالإحياءِ، وكذا مواتُ الحَرَم وعرفات لا يُملك بالإحياءِ (مسلمًا) كان المُحيي (أو كافرًا) مكلَّفًا أو غيرَه؛ لعموم ما تقدم (بإذن إمامٍ) في الإحياء (أو دونَه) لعمومِ الحديثِ، ولأنَّها عينٌ مباحةٌ، فلا يَفتقرُ مِفكُها إلى إذْنٍ. وسواءٌ كان الموَاتُ (من عَنوةٍ) كأرضِ مصرَ والشامِ والعراقِ (أو غيرِها) مما أسلمَ أهلُه عليه أو (٤) صُولِحوا عليه، إلا ما أحياه مسلمٌ مِن أرضِ كفَّارٍ صُولحوا على أنَّها لهم، ولنا الخَراجُ عنها. (وعلى ذِمِّيٍّ خَراجُ ما أَحيا من موَاتٍ عَنوةً) لأنَّها للمسلمين، فلا تُقَرُّ في يدِ

стр. 1095

ومَنْ أحاط مَواتًا بمنيعٍ، أو حفر فيه بئرًا وصل ماءَه أو أجراه إليه مِنْ نحوِ عينٍ، أو حبسَه عنها لِتزرعَ، فقد أحياه. وحريمُ البِئْر العاديَّةِ خمسون ذراعًا من كلِّ جانب، والبديّةِ نصفُها، والشجرةِ قدرُ مدِّ أغصانِها. غيرِهم بدونِ خَراج، بخلافِ أرضِ الصُّلْحِ، وما أسلمَ أهلُه عليه، فالذِّمِّيُّ فيه كالمسلم. (ومَن أحاط مَواتًا بـ) حائط (منيعٍ) أداره حولَها بما جَرَتِ العادةُ به، فقد أحياه، سواءٌ أرادها للبناءِ أو غيرِه؛ لقوله ﷺ : "مَنْ أحاط حائِطًا على أرضٍ، فهي له" رواه أحمد وأبو داود عن جابر (١) (أو حفَرَ فيه بئرًا وصلَ ماءَه) فقد أحياه (أو أجراه) أي: الماءَ (إليه) أي: إلى الموَات (مِن نحوِ عيْنٍ) كنهرٍ (أو حبَسه) أي: الماءَ (عنها) أي: عن أرضِ المواتِ إذا كانتْ لا تُزْرع معه (لِتُزرعَ، فقد أحياه) لأنَّ نفْعَ الأرضِ بذلك أكثرُ من الحائط. (وحَرِيمُ البِئْر العاديَّةِ) بتشديد الياء، أي: القديمةِ -منسوبةٌ إلى عادٍ، ولم يُرِد عادًا بعينها- أي: حريمُها الذي يملكُه المُحيي بحفرِها (خمسون ذراعًا من كلِّ جانبٍ) إذا كانتْ طُمَّتْ وذهبَ ماؤُها فجدَّد حفْرَها وعمارتَها، أو انقطع ماؤُها فاستخرجَه. (و) حريمُ (البدِيَّة) أي: المُحدَثة (نصفُها) خمسةٌ وعشرون ذراعًا. (و) حَريمُ (الشجرةِ) المغروسةِ بموَاتٍ (قدرُ مدِّ أغصانِها) حواليها. وحَريمُ دارٍ (٢) من مَواتٍ حولَها مَطرحُ تراب، وكناسةٍ، وثلجٍ، وماءِ مِيزاب.

стр. 1096

ولإمام إقطاعُ مواتٍ لمَنْ يُحْييه، وجلوسٍ في طرقٍ واسعةٍ بلا ضرر، فيكون أحقّ بها، وبلا إقطاعٍ لمن سبَق الجلوسُ مادام قُماشُه فيها. ولمَنْ في أعلى ماءٍ مباحٍ سقيٌ وحبسُ ماءٍ حتَّى يصلَ إلى كَعْبِه، ثمَّ يُرسِلَه إلى مَنْ يليه، (ولإمام إقطاعُ موَاتٍ لمَنْ يُحْييه) لأنَّه ﷺ أقطع بلالَ بنَ الحارثِ العَقيقَ (١). ولا يملكُه بمجرَّد الإقطاع، بل هو أحقُّ من غيرهِ، فإذا أحياه، ملَكَه، ولإمَامٍ أيضًا إقطاعُ غيرِ مواتٍ تمليكًا وانتفاعًا للمصلحة (٢). (و) له إقطاعُ (جلوس) لبيع وشراء (في طُرقٍ واسعةٍ بلا ضرر) بألا يضيقَ على الناس (فيكون) المقطَعُ (أحقَّ بها) ولا يزولُ اختصاصُه بنقلِ متاعِه منها، وله التَّظليل على نفسِه بما ليسَ ببناءٍ بلا ضرر، ويسمَّى هذا إقطاعَ إرفاقٍ. (وبلا إقطاعٍ) لطريق واسعةٍ، ورحبَةِ مسجدٍ غيرِ مَحُوطهٍ، يجوز (لمن سَبق) غيرَه (الجلوسُ) ويكون أحقَّ (ما دام قُماشه (٣)) بضمِّ القاف (فيها) فإنْ أطاله، أُزِيل. وإنْ سَبَق اثنان فأكثر. اقتَرَعا. (ولمن في أعلى (٤) ماءٍ مباحٍ) كالأمطارِ والأنهارِ الصَّغار (سقيٌ وحبسُ ماءٍ حتَّى يَصِلَ إلى كَعْبِه، ثَّم يرسلَه إلى مَنْ يليه) فيفعلُ كذلك، وهلمَّ جرًّا، فإنْ لم يفضُل عن الأوَّل أو من بعدَه شيءٌ، فلا شيءَ للآخر؛ لحديث عُبَادةَ: "أنَّ النبي ﷺ قضى في

стр. 1097

ولإمامٍ وحدَه حِمَى مرعًى لدوابِّ المسلمين بلا ضررٍ. شُرْبِ النَّخلِ من السَّيْل أنَ الأعلى يشربُ قبلَ الأسفل ويتركُ الماءَ إلى الكَعبين، ثمَّ يُرسِلُ الماءَ إلى الأسفلِ الذي يليه، وكذلك حتَّى تنقضي الحوائطُ أو يفنَى الماءُ" رواه ابنُ ماجه، وعبدُ الله بن أحمد (١). (ولإمامٍ وحدَه) دون آحادِ الناس (حِمَى مَرْعًى) أي: أنْ يمنعَ النَّاسَ من مرعًى (لدوابِّ المسلمين) التي يقومُ (٢) بحفظِها، كخيلِ الجهاد والصَّدَقة (بلا ضرر) بالتَّضييق على المسلمين؛ لما روى [ابن] (٣) عمر "أنَّ النبيَّ ﷺ حَمَى النَّقيع (٤) لخيلِ المسلمين" رواه أبو عبيد (٥). وما حماهُ النبي ﷺ ليس لأحدٍ نقضُه، وما حماهُ غيرُه من الأئمة، يجوزُ نقضُه.

стр. 1098

باب اللقطة الرغيفُ، والسَّوط، ونحوه ممَّا لا تَتْبعُه همَّةُ الأوساطِ يُملَك بلا تعريفٍ. باب اللُّقَطة بضمِّ اللام مع فتحِ القافِ وسكونِها وبفتحِهما (١)، ولُقاطة -بضمِّ اللَّام- وهي: مالٌ، أو مختصٌّ ضائعٌ، أو في معناه لغيرِ حربيٍّ (٢). وهي ثلاثةُ أقسام: الأولُ: (الرغيفُ، والسَّوطُ، ونحوه) كشِسع نَعل (٣) (مما لا تتبعُه همَّةُ الأوساطِ) من الناس، أي: لا يهتمُّون في طلبِه، فهذا (يُملك بلا تعريفٍ) ويُباحُ الانتفاعُ به؛ لما روى جابرٌ قال: "رخَّص النبي ﷺ في العصا، والسَّوط، والحبلِ يلتقطُه الرَّجُلُ ينتفع به (٤) " رواه أبو داود (٥). وكذا تَمرة وخِرْقة، وما لا خَطَر (٦) له. ولا يلزمُه دفعُ بَدَلِه.

стр. 1099

وما امتنع من صغيرِ سباع، كإبلٍ وبقرٍ، يحرُمُ التقاطُه، وما عدا ذلك من حيوانٍ وغيرِه يجوزُ التقاطُه لمن أَمِن نفسَه، وقَوِي على تعريفِه، وإلَّا فكغاصبٍ، (و) الثاني: (ما امتنع من صغيرِ سباعٍ) كذنبٍ وأسدٍ صغيرِ (كإبلٍ، وبقرٍ) وبغلٍ، وحمارٍ، وظباءٍ، وطيرٍ، وفَهْدٍ، فهذا (يحرُمُ التقاطُه) لقولهِ ﷺ لما سُئِلَ عن ضالةِ الإبلِ: "مالَك ولها، معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشَّجرَ حتَى يَجِدَها ربها" متَّفَق عليه (١). وفي مثلِ هذا قال عمرُ ﵁: مَنْ أخذ الضَّالَّةَ، فهو ضالٌّ (٢) أي: مخطئٌ، فإنْ أخَذَها، ضَمِنَها. (و) الثالثُ: (ما عدا ذلك) المتقدمِّ (من حيوانٍ) كغنمٍ وفُصْلانٍ (٣) وعَجَاجيلَ (٤) وأفلاء (٥) (وغيرِه) كأثمانٍ ومتاعٍ، فهذا (يجوزُ التقاطُه لمن أَمِن نفسَه) عليه (وقَوِي على تَعْريفهِ) لحديثِ زيدِ بن خالدٍ الجُهَنِيِّ قال: سُئِلَ النبي ﷺ عن لُقَطَة الذهب والوَرِق فقال: "اعرِف وكاءَها وعِفَاصَها، ثمَّ عَرِّفْها سَنةً، فإنْ لم تُعرف، فاستَنْفِقْها، ولتَكُن وديعةً عندَك، فإن جاء طالبُها يومًا من الدَّهر، فادْفَعْها إليه". وسأله عن الشاةِ، فقال: "خُذها فإنَّما هي لك، أو لأخيكَ، أو للذئب" متفق عليه مختصرًا (٦). والأفضلُ تَرْكُها. (وإلا) يأمنْ نفسَه على ما التقطه، أو أمِنَ نفسَه وعجَزَ عن تعريفِه (فـ) ـهو (كغاصبٍ) فليس له أخذُه ويضمنُه إن تلفَ ولو بلا تفريطٍ، ولا يملكُه ولو عرَّفه.

стр. 1100

ويملكه حُكْمًا بتعريفِه حَوْلًا عادةً. ولا يتصرَّفُ فيه قبلَ معرفةِ صفاتِه، ومتى جاء طالبُها ووصَفَها، لزم دفعُها إليه. وإنْ تلفت في الحَوْلِ بلا تفريطٍ، لم يضمنْها. والسفيهُ والصغير يعرِّفُ لقطتَه وليُّه. (و) مَنْ جاز له التقاطُ هذا النوعِ، فاَلْتقطه، فإنَّه (يملكُه حُكْمًا) أي: من غيرِ اختيارٍ، كميراثٍ -غنيًّا كان أو فقيرًا- لكن إنَّما يملكُه (بتعريفِه) وجوبًا (حولًا) من التقاطِه فورًا نهارًا أوَّلَ كل يومٍ أسبوعًا، ثم (عادةً) بأنْ ينادي: مَنْ ضاعَ منه شيءٌ أو نفقةٌ في مجامعِ الناس غيرِ المساجد. (و) حيثُ مَلَكه، فإنَّه (لا يتصرَّفُ فيه قبلَ معرفةٍ صفاتِه) بأنْ يَعرِفَ وعاءَه: أي: ظَرْفَه، ووِكاءَه، أي: الخيطَ الذي يُشَدُّ به. وعِفَاصَه: وهو صفةُ الشَّدِّ (١). ويعرفَ جِنْسَ الملتَقَطِ وصفَته، وسُنَّ ذلك عندَ وِجدَانها، وأنْ يُشْهِدَ عَدْلَين عليها (٢). (ومتى جاء طالبُها فَوَصَفَها، لَزِمَ دفعُها اليه) بلا بينةٍ ولا يمينٍ، وإنْ لم يغلبْ على ظنِّه صدقه. (وإنْ تَلِفَت) اللُّقَطةُ أو نقصت (في الحَوْلِ) بيدِ ملتقِط (بلا تفريطٍ) منه (لم يضمنها) لأنَّها أمانةٌ بيدِه كوديعة. وإن تَلِفَت أو نقصتْ بعدَ الحَوْلِ، ضَمِنها ولو بلا تفريطٍ. وتُعتبرُ القيمةُ يومَ عُرِفَ ربُّها. (والسَّفيهُ والصَّغير يُعرِّفُ لُقطتَه وليُّه) لقيامِه مقامَه، ويلزمُ الوليَّ أخذُها منه، ويضمنُ إن تركها، فإنْ لم تُعرَف، فهي لواجدِها.

стр. 1101

ومَنْ ترك حيوانًا بفلاةٍ لانقطاعِه، أو عَجْزِ ربِّه عنه، مَلَكه آخذهُ، ومَنْ أُخِذَ نعلُه ونحوه، ووجدَ موضِعَه غيرُه، فلقطةٌ، يعرِّفه، ثمِّ يأخذ حقَّه منه، ويتصدَّق بباقٍ. (ومَن ترك حيوانًا) لا عبدًا، أو (١) متاعًا (بفلاةٍ لانقطاعِه) بعجزهِ عن مشيٍ (أو عَجْزِ ربِّه عنه) أي: عن عَلفهِ (مَلَكَه أخدُه) لأنَّه تركَه رَغبةً عنه، وكذا ما يُلقى في البحرِ خوفًا من غرقٍ. وإن انكسرت سفينةٌ، فاستخرجه قومٌ، فهو لربِّه، وعليه أجرةُ مِثلِه. (ومَنْ أُخِذ) بالبناء للمفعول (نعلُه ونحوه) مِنْ متاعه (ووجَدَ مَوْضِعَه غيره، فلُقطةٌ، يعرِّفه، ثمَّ يأخذُ حقَّه منه، ويتصدَّق بباقٍ) إنْ بقي شيءٌ بلا رفعٍ لحاكم.

стр. 1102

باب اللقيط إذا نُبذَ أو ضلَّ طفلٌ لا يُعرفُ نسبُه ولا رِقُّه، فأخْذُه فرضُ كفايةٍ وهو حرٌ مسلمٌ، وما وُجِد معه، أو تحتَه، أو مدفونًا طريًّا، أو متَّصلًا به، كحيوانٍ ونحوِه، أو قريبًا منه، فله. باب اللقيط بمعنى الملقوط، كجريحٍ وذبيحٍ. (إذَا نُبِذَ) بالبناء للمفعول، أي: طُرِحَ في شارع أو غيره (أو ضل) الطريقَ (طفل لا يُعرفُ نَسَبُه ولا رِقُّه، فـ) ـهو اللَّقيط اصطلاحًا إلى سِن التمييز. قال في "الإنصاف" (١): فقط (٢)، على الصَّحيحِ من المذهَبِ. انتهى. وعندَ الأكثر إلى البلوغ، قاله في "التنقيح". و (أخذُه فرضُ كفاية) لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وسُن إشهادٌ عليه (وهو حرٌ) في جميعِ الأحكامِ؛ لأنَّ الحرِّيَّةَ هي الأصلُ، والرِّق عارضٌ (مسلم) إن وجِدَ بدارِ إسلامٍ ولو كان فيها أهلُ ذِمةٍ؛ تغليبًا للإسلامِ والدَّارِ. فإنْ كانتَ دارُ الإسلامِ كلُّ أهلِها ذِمَّةٌ، فكافرٌ، وإنْ كان فيها مسلمٌ يمكنُ كَونُه منه، فمسلمٌ. وإنْ وجِدَ في بلدِ حَربٍ لا مسلمَ فيها (٣)، أو فيها مسلمٌ كتاجرٍ وأسيرٍ، فكافرٌ رقيقٌ؛ تبعًا للدَّار. وإنْ كثُر فيها المسلمون، فمسلمٌ حرٌّ. (وما وُجِد معه) مِن فراشٍ تحتَه، أو ثيابٍ فوقَه، أو مالٍ في جيبهِ (أو تحتَه) ظاهرًا (أو مدفونًا) دفْنًا (طريًّا، أو متَّصلًا به، كحيوان ونحوهِ، أو) وجِدَ (قريبًا منه، فهـ) ـو (له) عملًا بالظاهر، ولأنَّ له يدًا صحيحة، كالبالغ.

стр. 1103

وينفق عليه واجدُه منه بلا إذنِ حاكمٍ، وإلَّا، مِنْ بيتِ المال، فإنْ تعذَّر، فعلى مَنْ علم به، وحضانتُه له، وميراثُه لبيتِ المال، ووليُّه إنْ قُتِلَ: الإمامُ، (وينْفِقُ عليه واجدُه منه) بالمعروفِ (بلا إذنٍ حاكم) لولايتِه عليه (وإلا) يكنْ معه شيءٌ، أنفق عليه (من بيتِ المال) لقولِ عمرَ ﵁: اذهبْ فهو حرٌّ، ولك وَلاؤه (١)، وعلينا نفقتُه (٢). وفي لفظٍ: و (٣) علينا رضاعُه (٤). (فإن تعذَّر) الإنفاقُ عليه مِنْ بيتِ المال (فعلى مَن عَلِمَ به) من المسلمين، فإنْ تركوه، أثِمُوا (وحضانتُه له) أي: لواجدهِ إِنْ كان أمينًا عَدْلًا ولو ظاهرًا، حرًّا مكلَّفًا رشيدًا. (وميراثُه) ودِيتُه (لبيتِ المال) إنْ لم يخلِّفْ وارثًا، كغيرِ اللّقيطِ، ولا ولاءَ عليه؛ لحديثِ: "إنّما الوَلاءُ لمن أعتَق" (٥). (ووليُّه إنْ قُتِلَ: الإمامُ) فيخيّر في العَمْد العُدوان بين القِصَاص والديِّة. وإنْ قُطِعَ طَرَفه، انتُظِر بلوغُه ورُشدُه؛ ليقتصَّ أو يعفُوَ.

стр. 1104

ومن (١) أقرَّ أنه ولدُه، لحق به، ولو امرأةً ذاتَ زوجٍ أو كافرًا، ولا يلحقُه في دينه إلا ببينةٍ. ولا يُقبلُ من لقيطٍ أنَّه رقيقٌ أو كافرٌ، وإن ادَّعاه أكثرُ مِنْ واحدٍ، قُدِّمَ مَنْ له بيّنةٌ، وإلا، فمَنْ ألحقتْه به القافةُ. (ومَن أقرَّ أنَّه) أي: اللقيطَ (ولدُه، لَحِقَ به، ولو) كان المقِر به (امرأةً ذاتَ زوجٍ، أو) كان المقِرُّ (كافرًا) لأنَّ الإقرارَ به مَحْضُ مصلحةٍ للطِّفل؛ لاتصالِ نسبِه، ولا مضرة على غيرِه فيه. وشُرِطَ (٢) أنْ ينفردَ بدعوتِه، وأنْ يمكنَ كونُه منه، حرًّا كان أو عبدًا. (و) إذا كان المقِرُّ كافرًا (لا يلحقهُ) اللّقيطُ (في دينه إلا ببينةٍ) تشهدُ أنَّه وُلِدَ على فراشِه، ولا يلحقُ أيضًا زوجَ مقِرَّةٍ، كعكسِه. (ولا يُقبلُ من لقيطٍ) إقرارُه بـ (ـأنَّه رقيق أو كافرٌ) لأنه محكومٌ بحرّيتِه وإسلامِه، ويُستتاب. فإنْ تاب، وإلا قُتِل (وإن ادَّعاه أكثرُ من واحدٍ، قُدمَ مَن له بيِّنةٌ) مسلمًا أو كافرًا (وإلا) تكن بينة أو تعارضتْ (فمَنْ ألحقَتهُ به القَافَةُ) لَحِقه؛ لقضاءِ عمرَ ﵁ به بحضرةِ الصَّحابةِ ﵃ (٣). وإنْ ألحقَتْه باثنين فأكثرَ، لَحِق بهم. وإنْ ألحقَتْه بكافرٍ أو أمَة، لم يُحكَم بكُفْرِه ولا رِقه. فالقافةُ (٤): قومٌ يعرفون الأنسابَ بالشَّبَه، ولا يختص ذلك

стр. 1105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بقبيلةٍ معيَّنةٍ، ويكفي واحدٌ، وشَرْطُه: أنْ يكون ذَكرًا، عَدلًا مجرَّبًا (١) في الإصابةِ، ويكفي خَبره.

стр. 1106

كتاب الوقف يصحُّ بفعلٍ دالٍّ عليه عرفًا، كجَعْل أرضِه مسجدًا ويَأذَن للناس [في الصّلاة] (١) فيه، ومقبرةً ويأذن في الدَّفْنِ فيها، كتابُ الوَقف مصدر: وقَفَ الشيءَ؛ بمعنى حَبَسَه، وأحْبَسه، وحبَّسه (٢)، وسبَّله. وأوقَفَه لغةٌ شاذَّة. وهو مما اختصَّ به المسلمون (٣)، ومِنَ القُرَب المندوبِ إليها. وهو شرعًا: تحبيسُ مالكٍ مطلقِ التصرُّف مالَه المنتفَع به مع بقاءِ عَينِه بقَطعِ تصرُّفِه وغيرِه في رقبته (٤)، يُصرفُ ريعُه إلى جهةٍ بِرٍّ؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى. (يصحُّ) الوقفُ (بفعلٍ دالٍّ عليه عُرْفًا، كجعل أرضِه مسجدًا) بأن يبني بُنيانًا على هيئة المسجدِ (ويَأذَنَ للناس في الصَّلاة فيه) إذنًا عامًا (٥)، ولو بفتحِ الأبوابِ، أو (٦) التَأذينِ، أو كتابتِه لَوْحًا بالإذِنِ أو الوَقْف. قال الحارثي: وكذا لو أدخلَ بيتَه في المسجدِ وأذِنَ فيه، ولو نوَى خلافَه. نقله أبو طالب. أي: لا أثَرَ لنيّتهِ، خلافُ ما دلَّ عليه الفعل. (أو) جعلَ أرضَه (مقبرةً ويأذنَ) للناس في (الدّفْنِ فيها) إذنًا عامًّا، بخلافِ الخاصٍّ، فقدْ يقعُ على غيرِ الموقوف؛ فلا يفيدُ دلالةَ الوقف. قاله الحارثيّ.

стр. 1107

وقولٍ، وصريحُه: وقفتُ، وحبستُ، وسبَّلْتُ. وكنايتُه: تصدَّقْتُ، وحرَّمْتُ، وأبَّدْتُ، ينعقدُ بها مع نيَّة، أو قَرنها بأحدِ الألفاظِ الخمسةِ، أو حكمِ الوَقْفِ. وتُشترط مصادفته (١) عَيْنًا ينتفعُ بها مع بقائِها، كعقارٍ، وحيوانٍ، وكتبٍ، ونحوها. (و) يصحُّ بـ (قولٍ) وإشارةٍ مفهمةٍ من أخرسَ. (وصريحُه) أي: القولِ: (وقفْتُ، وحَبسْتُ، وسبَّلْتُ) فمتى أتَى بصيغةٍ منها، صارَ وَقفًا من غيرِ انضمامٍ أمرٍ زائدٍ. (وكِنايته: تصدَّقتُ، وحرَّمتُ، وأبَّدت) لأنَّه لم يثبت لها فيه عُرفٌ لغويٌّ ولا شرعيٌّ، ولا (ينعقدُ) الوَقفُ (بها) إلا (٢) (مع نيَّة) الوَقْف، فمَن أتى بكناية، واعترفَ أنه نوى بها الوَقفَ، لَزِمَه حُكمًا، وإن قال: ما أردتُ الوقْفَ. قُبِلَ قولُه (أو قَرنها) أي: الكناية في اللّفظِ (بأحدِ الألفاظِ الخمسةِ) وهي الصّرائِحُ الثلاثُ والكنايتان (٣): كتصدّقت بكذا صدقةً موقوفةً، أو محبَّسةً، أو مسبَّلةً، أو محرَّمةً، أو مؤبدَةً؛ لأنَّ اللفظَ يترجَّحُ بذلكَ لإرادةِ الوَقفِ (أو) قَرن الكناية بـ (حُكْمِ الوَقْف) كتصدَّقتُ به صدقةً لا تباعُ، أو: لا تُوهَبُ، أو: لا تُورَثُ، أو: على قبيلةِ أو طائفةِ كذا؛ لأن ذلك لا يُستعملُ في غيرِ الوَقفِ. وكذا تصدّقتُ بداري على زيدٍ، والنَّظَرُ لي أيامَ حياتي، أو ثم مِن بعدِ زيدٍ على عمروٍ، أو على ولدِه ونحوِه. (وتُشترطُ) أربعةُ شروطِ في الوَقفِ: الأولُ: (مصادفتُه عَينًا) يصحُّ بيعُها و (يُنتفَعُ بها مع بقائها) أي: العينِ عُرفًا، كإجارةٍ أو مُشاعًا منها (كعَقارِ، وحيوانٍ، وكتبٍ، ونحوها) كسلاحٍ وأثاثٍ.

стр. 1108

وأنْ يكونَ على بِرٍّ، كمساجدَ، وقناطرَ، وفقراءَ، ونحوِهم، لا كنيسةٍ ونَسخِ توراةٍ ونحوها. ويصحُّ على ذِمِّيٍّ معيَّن، وكذا الوصيةُ، لا على مَلَكٍ، أو بهيمةٍ، أو حَمْل، ويدخلُ تبعًا. (و) الشرطُ الثاني: (أن يكونَ على بِرٍّ) إذا كان على جهةٍ عامّةٍ (كمساجدَ، وقناطرَ، وفقراء ونحوِهم) كسِقاية، وكتبِ علمٍ. و (لا) يصحّ على (كنيسةٍ) وبيتِ نارٍ (ونَسْخِ توراةٍ ونحوِها) كإنجيلٍ ولو من ذِمّيّ، بل على المارِّ بها من مسلمٍ وذِمِّيٍّ. (ويصحُّ) الوقفُ ولو من مسلم (على ذمِّيٍّ معيَّنٍ) لما رُوِيَ أنَّ صفيةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجةَ النبي ﷺ وقفتْ على أخٍ لها يهوديّ (١). ولأنَّه تجوزُ الصَّدقةُ عليه ولو أجنبيًا. ويستمر له إذا أسلم، ويلغُو شرطُه ما دام كذلك. (وكذا) تصح (الوصيةُ) لذّمّي معيّن ولو من مسلم. الشرطُ الثالث: كوْنُه على معيَّن من جهةٍ، أو شخصٍ يملكُ مِلكًا ثابتًا، فلا يصحُّ على مجهولٍ أو مُبهم، و (لا على) من لا يملكُ كـ (مَلَك) بفتح اللام أحدِ الملائكة (أو بهيمةٍ أو حَملٍ) أصالةً، كوقفِ دارِه على ما في بَطنِ هذه المرأةِ، أو على مَنْ سيولد لي أو لفلانٍ، بل تبعًا، كعلى أولادي، أو أولادِ فلانٍ، وفيهم حمل، فيصحُّ. (ويدخلُ) الحَمل فيهم، كمن لم يُخلَق من الأولاد (تبعًا).

стр. 1109

ولا يشترط قبولُه ولا إخراجُه عن يدِه. والوقفُ على نفسه، يُصرفُ في الحال لمن بعْدَه. فصل يُرْجعُ لشرطِ واقفٍ في قَسْمِه (١)، وتقديم، الشرطُ الرابعُ: أن يقفَ ناجزًا، فلا يصحُّ مؤقتًا ولا معلَّقًا إلا بموتٍ. وشَرطُ بيعِه أو هبتِه متى شاء، أو خيارٍ فيه، أو تغييرِ شَرْطٍ، أو توقيتِه، مبطلٌ للوقف. (ولا يُشترطُ) للزومِ الوقف (قبولُه) ولو على معيَّن (ولا إخراجُه عن يدِه) لأنَّه إزالةُ مِلْكِ يمنعُ البيعَ؛ فلم يُعتَبر فيه ذلك، كالعِتْقِ. (و) لا يصحُّ (الوقفُ) عندَ الأكثرين (على نفسِه) لأنَّ الوقفَ تمليك إمّا للرقبةِ أو للمنفعةِ، ولا يجوزُ له أن يملكَ نفسَه، و (يُصرف) الوقفُ على النفس (في الحالِ لمن بعدَه) فمن وقَف على نفسه، ثم أولادهِ أو الفقراء صُرِفَ في الحال إلى أولادِه أو الفقراء؛ لأنَّ وجودَ مَن لا يصحُّ الوقفُ عليه كعدمِه، فكأنَّه وقَفَه ابتداءً على مَن بعدَه، فإن لم يذكر غيرَ نفسِه، فملكُه بحالِه ويورَثُ عنه. فصلٌ (يُرْجعُ) بالبناء للمفعول، وجوبًا (لشرطِ واقفٍ) لأنَّ عمرَ ﵁ شَرَطَ في وقْفِه شروطًا (٢). فلو لم يجبْ اتباعُها، لم يكن في اشتراطِها فائدةٌ (في قَسْمِه) أي: الوقف، كجَعلِه لواحدٍ النصفَ، ولآخَرَ الثُّلثَ، ولآخَرَ السدسَ. (و) في (تقديم) بعضِ أهله، كوقَفْتُ على زيدٍ وعمرٍو وبَكرٍ، ويبدأ بالدَّفع إلى

стр. 1110

ونظرٍ، ومدَّةِ إجارة (١) وغيرِها، فإن أطلق، سوِّي بين الموقوف عليهم. والنظرُ لموقوفٍ عليه كلٌّ على حصَّتِه. زيدٍ، والمرادُ إذا كان للمقدَّم شيءٌ مقدَّر، فحينئذٍ إنْ كانتِ الغَلَّةُ وافرةً، حصلَ بعدَه فَضل، وإلا، فلا. قاله في "الإقناع" (٢). (و) في (نَظرٍ) بأن يقول: الناظرُ على وقفي فلانٌ؛ لأنَّ عمرَ ﵁ جعلَ وقْفَه إلى بنتِه حفصةَ تَلِيه ما عاشت، ثم يليه ذو الرَّأي من أهلِها (٣). (و) في (مدَّةِ إجارة) الوَقف، فلو شَرط أن لا يؤجرَ أبدًا، أو إلا مدَّةَ كذا، عُمل به إلا عندَ الضرورة، فيُزَادُ بحَسبَها (٤). (و) يُرجعُ إلى شرطِ واقفٍ في (غيرِها) أي: غيرِ المذكورات، كشرطِه أنْ لا ينزلَ فيه فاسقٌ أو شرير أو متَجوِّه (٥) ونحوه. (فإنْ (٦) أطلقَ) في الموقوفِ عليه ولم يشترط وَصفًا (سُوّي (٧) بين الموقوفِ عليهم) الغني والفقيرِ، والذكَرِ والأنثى (والنظرُ) فيما إذا لم يشترطِ الواقفُ ناظرًا، أو شُرِطَ (٨) لإنسانٍ ومات (لموقوفٍ (٩) عليه) معين؛ لأنَّه ملكه، وغَلَّتُه له. فإن كان واحدًا، استقل به مطلقًا (١٠)، وإن كانوا جماعةً، فهو بينَهم، ينظرُ (كلٌّ) منهم (على) قَدر (حصَّتِه) ومَنْ كان منهم صغيرًا أو نحوَه، قام وليُّه مقامَه، وإنْ كان الوقفُ على

стр. 1111

ومَنْ وقفَ على ولدِه ثَّم المساكين، شملَ أولادَه الذُكورَ والإناثَ بالسَّوية، ثم أولادَ بَنيه وإنْ نزلوا طبقةً بعد طبقةٍ، دونَ أولادِ بناته، وكذا لو وقفَ على ذرّيَّتِه، أو نَسْلِه، وعَقِبه، فلا يدخلُ ولدُ بناتٍ إلَّا بنصٍّ أو قرينةٍ. وعلى بَنِيه أو بني فلان، فلذكورِهم. مسجدٍ (١)، أو مَنْ لا يُمكنُ حَصْرُهم كالمساكين، فللحاكم. (ومَن وَقَفَ على ولدِه) أو أولادِه، أو ولدِ ولدهِ (ثم المساكين، شَمِل أولادَه) الموجودين حين الوَقْفِ، وكذا يدخلُ ولدٌ حَدَث، بأن حمَلتْ به أمه بعدَ الوَقفِ، كما اختارَه في "الإقناع" (٢) خلافا "للمنتهى" (٣) (الذكورَ، والإناثَ) والخَناثى؛ لأنَّ اللفظَ يشملُهم (بالسَّويَّة) لأنَّه شَرك بينهم، وإطلاقُها يقتضي التَّسويةَ كما لو أقر لهم بشيءٍ، ولا يدخلُ فيهم الولدُ المنفي بلعانٍ (ثمَّ) بعدَ أولادِه يشمَلُ (أولادَ بَنِيه وإن نزلوا) لأنَّهم أولادُه، ويستحقُونه مرتَّبًا (طبقةً بعد طبقة) فيَحْجُبُ أعلاهم أسفلَهم (دونَ أولادِ بناته) فلا يشملهُم الوقفُ؛ لعدمِ دخولِهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. (وكذا لو وقفَ على ذُريتِه، أو نسْله وعَقِبه، فلا يدخلُ) فيهم (ولدُ بناتٍ إلا بنَصٍّ) كقولِه: على أولادي، ثم أولادِهم الذكورِ والإناثِ (أو قرينةٍ) كقولهِ: وقفتُ على أولادي فلانٍ وفلانٍ وفلانة ثم أولادِهم، أو مَنْ مات منهم، فنصيبُه لولَدِه. والعطفُ بـ "ثُمَّ" للترتيب؛ فلا يستحق البَطْنُ الثاني شيئًا حتَى ينقرِضَ الأولُ. إلا أنْ يقولَ: مَنْ مات عن ولدٍ، فنصيبُه لولده. والعطف بـ "الواو" للتشريك. (و) لو قال: (على بَنِيه، أو بني فلان، فـ) الوقفُ (لذكورِهم) خاصَّةً؛ لأنَّ لفظَ البنين وضِعَ لذلك حقيقةً.

стр. 1112

إلا أنْ يكونوا قبيلةً. وعلى قرابتِه أو أهلِ بيته أو قومِه، فلذكرٍ وأنثى من أولادِه وأولادِ أبيه وجَده وجَد أبيه. وإنْ وقف على مَنْ يمكنُ حَصْرُهم، وجب تعميمُهم والتَّسْويةُ بينهم، (إلا أنْ يكونوا قبيلةً) كبني هاشم وتميم، فيدخلُ فيه النساءُ؛ لأنَّ اسمَ القبيلةِ يشملُ ذَكَرَها وأنثاها، ولا تشملُ القبيلةُ أولادَ النساءِ مِنْ غيرهِم. (و) لو قال: (على قرابتِه) أو قرابةِ زيدٍ (أو أهلِ بيتِه، أو قومهِ، فـ) الوقفُ (لذَكَرٍ وأنثى مِن أولادِه وأولادِ أبيه) وهم إخوتُه وأخواتُه (و) أولادِ (جَده) وهم أبوه وأعمامُه وعماتُه (و) أولادِ (جد أبيه) وهم جده وأعمامُ وعمَّاتُ أبيه فقط؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يجاوزْ بني هاشمٍ بسهمِ ذوي القُربى (١). فلم يُعْطِ مَنْ هو أبعدُ، كبني عبد شمسٍ، وبني نَوفل شيئًا، وإنَّما أعطى بني المطلب؛ لأنَّهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام (٢). ولم يُعْطِ قرابتَه من جهةِ أمه وهم بنو زهرةَ شيئًا. ويستوي فيه الذَّكَرُ والأنثى، والكبيرُ والصغيرُ، والقَرِيبُ والبَعِيدُ، والغني والفقيرُ؛ لشمولِ اللفْظِ لهم، ولا يدخلُ فيهم مَنْ يخالفُ دينَه. وإن وقَفَ على ذوي رَحِمه، شَمِل كلَّ قرابةِ له مِنْ جهةِ الآباء والأمَّهاتِ، والأولادِ، والمَوالي يتناول المَوْلَى مِنْ فوقٍ وأسفلَ. (وإنْ وقَفَ على مَنْ) أي: جماعة (يمكنُ حَصرُهم) كأولادهِ وأولاد زيدِ، وليسوا قبيلةَ (وَجَبَ تعميمُهم والتَّسْويةُ بينهم) لأنَّ اللفْظَ يقتضي ذلك، وقد أمكنَ الوفاءُ به؛ فوجبَ العَمَلُ بمقتضاه، فإنْ كان الوقفُ في ابتدائِه على من يمكنُ استيعابُه، فصار ممَّا لا يمكنُ استيعابُه، كوقف عليٍّ ﵁ (٣)، وجب تعميمُ مَنْ أمكن منهم والتَّسويةُ بينهم

стр. 1113

وإلا جاز التَّفضيلُ، والاقتصارُ على واحدٍ. والوقفُ عقدٌ لازمٌ، لا يفسخ، ولا يُباعُ إلا أنْ تتعطَّلَ منافعُه المقصودةُ بخرابٍ أو نحوِه ولو مسجدًا، ويُصرفُ ثمنُه في مِثْلِه، (وإلا) يمكن ابتداءً حَصرُهم، كبني هاشمٍ وتميمٍ، لم يجب تعميمٌ؛ لأنَّه غير ممكن، و (جاز التفضيلُ) لبَعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّه إذا جاز حِرمانُه، جاز تفضيلُ غيرِه عليه (والاقتصارُ على واحدٍ) منهم؛ لأنَّ مقصودَ الواقفِ عدمُ مجاوزةِ الجِنسِ، ويحصلُ ذلك بالدَّفعِ لواحدٍ منهم، وكالزكَاة. (والوَقفُ عقدٌ لازمٌ) بمجرَّدِ القَولِ وإنْ لم يَحكُم به حاكِمٌ، كالعتق؛ لقوله ﷺ : "لا يُباعُ أصلُها، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ" (١). قال الترمذي (٢): العملُ على هذا الحديث عندَ أهل العِلمِ. فـ (ـلا يفسخُ) بإقالةٍ ولا غيرِها؛ لأنه مؤبدٌ (ولا يُباع) ولا يناقَل به (٣) (إلا أن تتعطلَ (٤) منافعُه المقصودةُ) منه (بخرابٍ) ولم يوجد في رَيْع الوَقفِ ما يعمرُ به، فيباعُ (أو) تتعطلَ منافعُه المقصودةُ بـ (نحوِه) أي: نحوِ الخرابِ، كخشب تشعَّث (٥)، وخِيف سقوطُه، نصا (ولو) كان الوَقفُ (مسجدا) وتعطَّلَ نفعُه المقصودُ بِضيْقه على أهلِه، أو خرابِ محلَّتِه، فيُباع ولو شرَطَ واقِفُه عدمَ بيعهِ، وشرطُه فاسد. (و) حيثُ بِيعَ وقفٌ بَشَرطِه، فإنه (يُصرف ثمنُه في مِثلِه) إن أمكن، وإلا، ففي بعضِ مِثلهِ. والذي يبيعُه حاكمٌ إن كان على سُبُلِ الخيراتِ، كلالمساكينِ والمساجدِ والقناطرِ، وان كان على معيَّن واحدٍ أو أكثر، أو مَن يَؤُم مثلًا بهذا المسجدِ، فيبيعُه

стр. 1114

وما فضلَ من آلتِه ونحوِ حُصُرِه، جاز صرفُه لمسجدٍ آخرَ، والصدقةُ به. ناظرٌ خاصٌّ، والأحوطُ إذنُ حاكمٍ له، وبمجرَّدِ شراءِ البَدَلِ يصيرُ وَقفًا، كبَدَلِ أُضْحيةٍ ورهنٍ أتلِفا، والاحتياطُ وقفُه. (وما فضلَ من آلتِه) الجديدةِ وأنقاضِه (ونحوِ حُصُرِه) كزَيته ومُغَله (جاز صرفُه لمسجدٍ آخرَ، و) جازتِ (الصدَقةُ به) أيضًا على فقيرٍ، نصًّا.

стр. 1115

باب الهبة لا تصح في مجهولٍ غيرِ ما تعذَّر عِلْمُه. وتنعقدُ بإيجابٍ وقَبولٍ وبمعاطاةٍ، وتلزمُ بقَبْض بإذْنِ واهبٍ، ويقومُ وارثُ واهبٍ مَقامه. وتصح البراءةُ من الدَّين بكلّ لفظٍ دلَّ عليها باب الهبة أصلُها من هبوبِ الريحِ، أي: مرورِه، يقال: وهبتُ له وَهْبًا -بإسكان الهاء وفتحِها- وهِبَةً، والاتهابُ: قبولُ الهبةِ. والاستيهابُ: سؤالُ الهِبَةِ (١). وهي شرعًا: تمليكُ جائزِ التَّصرفِ مالًا معلومًا، أو مجهولًا تعذَّر عِلْمُه، موجودًا مقدورًا على تَسْليمِه، غيرَ واجبٍ في الحياةِ بلا عِوَضٍ، بما يُعَدُّ هبةً عُرْفًا. فـ (لا تصحُّ في مجهولٍ) كحَمْلٍ في بطنٍ، ولَبَنٍ في ضَرعٍ (غيرِ ما تعذَّر عِلْمُه) كما لو اختلط مالُ اثنين على وجهٍ لا يتميّز، فوهبَ أحدُهما لرفيقهِ نصيبَه منه (٢)، فيصحُّ للحاجةِ، كالصُّلْح. (وتنعقدُ) هِبةٌ (بإبجابٍ وقَبولٍ) بأن يقولَ: وهبتُكَ، أو: أهديتُكَ، أو: أعطيتُكَ. مثلًا، فيقولُ: قَبِلتُ، أو: رضيتُ، ونحوه. (و) تنقعدُ (بمعاطاةٍ) دالةٍ عليها؛ لأنَّه ﵁ كان يُهدِي ويُهدَى إليه، ويفرق الصدقات، ويأمرُ سُعاته بأخذِها وتفريقِها، وكان أصحابُه يفعلون ذلك، ولم يُنقل عنهم إيجاب ولا قبولٌ، فتجهيزُ نحوِ بنتِه بجَهازٍ إلى بيتِ زوجٍ، تمليكٌ. (وتلزمُ) هبةٌ (بقبضِ) متَّهبٍ أو وكيلِه (بإذن واهبٍ) فلا تصح بدونه. ولواهبٍ رجوع في هبةٍ وإذنٍ قبلَ قبضٍ (ويقومُ وارثُ واهبٍ) ماتَ قبلَ قبضٍ، أذِن فيه أولا (مَقامَه) في إذنٍ ورجوع. (وتصح البراءةُ من الدين بكل لفظٍ دلَّ عليها) أي: على البراءةِ، كلفظِ إحلالٍ،

стр. 1116

ولو مجهولًا، أو لم يَقْبل مدينٌ، وما صح بيعُه، صحَّتْ هبتُه. ويجبُ التعديلُ في عطية بين وراثِه بقدرِ إِرْثهم، فإنْ فضل، سوى برجوعٍ أو زيادة، أو صدقةٍ، أو إسقاطٍ، أو تَركٍ، أو عفوٍ ونحوه (ولو) قبلَ حلولِ الدين، أو كان (مجهولًا) بأنْ جَهِل رب الدينِ قَدْرَه وصفتَه، إلا إن عَلِمه مدين فقط وكتمه؛ خوفا من أنَّه إنْ أعلَمَه (١)، لم يُبرِئه (أو) أي: وتصح (٢) البراءةُ من الدين ولو (لم يَقْبل) البراءةَ (مدينٌ) لأنَّها لا تفتقرُ إلى قبولٍ، كعِتقٍ وطلاقٍ، وكذا لو رد مدين، بخلاف هبةِ العَينِ؛ لأنَّه تمليكٌ. (وما صح بيعُه) من الأعيان (صحت هبتُه) لأنها تمليك في الحياة، فتصح فيما يصح فيه البيعُ. وما لا يصح بيعُه، لا تصح هبتُه، كأم الولد. ويجوز نقلُ اليدِ في كلبٍ ونحوه مما يُباحُ الانتفاعُ به، وليس هبةً حقيقةً. ولا تصح معلقةً ولا مؤقتةً إلا نحو: جعلتُها لكَ عُمرَكَ، أو: حياتَكَ، أو: عُمري، أو: ما بقيت. فتصح، وتكونُ لموهوبٍ له ولورثتِه بعدَه. (ويجبُ التعديلُ في عطية) شيءٍ غيرِ تافهٍ (بين وُرَّاثِه) بقرابةٍ، من ولدٍ وغيرِه (بقدرِ إِرْثهم) اقتداءً بقسمةِ الله تعالى، أو قياسًا لحالِ الحياة على حالِ الموت (فإنْ فضَّل) بعضَهم، بأنْ أعطاه فوقَ إرثه أو خصَّه (سوَّى) وجوبًا (برجوعٍ) حيثُ أمكنَ (أو زيادةِ) مفضولٍ؛ ليُساوِي الفاضلَ، أو إعطاءِ محرومٍ؛ ليساوي من خُصِّصَ؛ لقوله ﷺ : "اتقوا الله واعدِلُوا بين أولادِكم" متَّفَقٌ عليه (٣). وتحرُم شهادةٌ على تخصيصٍ أو تفضيلٍ، تحمُّلًا وأداءً إنْ عَلِمَ، وكذا كلُّ عقدٍ

стр. 1117

فإنْ مات قبلَه، ثبتتْ لآخِذٍ، ولا رجوع لواهبٍ في هبةٍ لازمةٍ غيرِ أبٍ وزوجةٍ وَهَبَتْه بسؤالِه، ثم ضرَّها بطلاقٍ ونحوِه. ولأبٍ تملُّك مِنْ مالِ ولدِه ما لا يحتاجُه. فاسدٍ عندَه مختلَف فيه. (فإن مات) واهبٌ (قبلَه) أي: قبلَ رجوع أو زيادةٍ (ثبتت) عطية (لآخِدٍ) فليسَ لبقيةِ ورثةٍ (١) رجوع، إلا أنْ تكونَ بمرضِ موت مَخُوفٍ، فتقفُ على إجازةِ البقية. (و) يحرُمُ و (لا) يصح (رجوعٌ لواهبٍ في هبةٍ لازمةٍ) بقبض ولو نُقوطًا أو حُمُولةً في نحو عُرسٍ كما في "الإقناع" (٢)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "العائدُ في هبتِه كالكلبِ يقيء، ثم يعودُ في (٣) قَيْئِه" متَّفقٌ عليه (٤) (غير أبٍ) فلهُ الرجوعُ، قَصَدَ التَّسوية أوْلا، مسلمًا أو كافرًا؛ لقولِه ﷺ : "لا يَحِل للرجل أنْ يعطي العطية فيرجعَ، إلا الوالدَ فيما يعطي ولدَه" رواه الخمسةُ، وصحَّحه الترمذي مِنْ حديثِ عمرَ وابنِ عباس (٥). ولا يمنعُ الرجوعَ نقصُ العين، أو تلفُ بعضِها، أو زيادة منفصلةٌ. ويمنعُه زيادةٌ متصلةٌ، وبيعُه، وهبتُه، ورهنُه، ما لم ينفك (و) غيرُ (زوجةٍ وَهَبَتْه) أي: زوجَها (بسؤالِه) إيَّاها شيئًا (ثمَّ ضَرَّها بطلاقٍ ونحوِه) كتزوجٍ عليها، فلها الرجوعُ فيما وهبته من صَدَاقٍ أو غيرِه، فإنْ لم يكن سألها، فلا رجوعَ (ولأبٍ) حر (تملُّك) أي: له أن يأخذَ ويتملَّكَ (مِنْ مالِ ولده) أي: الموافقِ له في الدين، كما نُقِل معنى ذلك -في "الإقناع" (٦) - عن الشيخ تقي الدين (ما لا يحتاجُه) الولدُ؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعا:

стр. 1118

ولا يصح تصرفُه في مالِه ببيعٍ، أو عتقٍ، أو إبراءِ غريمٍ، ونحوهِ، ويملكُه بقبضِه مع قولٍ أو نيَّة، وليسَ لولدٍ مطالبةُ أبيه بدَين ونحوِه، بل بعين مالِه أو نفقةٍ واجبةٍ. "إن أطيبَ ما أكلتم مِن كَسبِكم، وإنَّ أولادَكم مِن كسْبِكم" رواه سعيدٌ والترمذيُّ وحسَّنه (١). وسواءٌ كان الأب محتاجًا أو لا، وسواءٌ كان الولدُ صغيرًا أو كبيرًا، ذَكرًا أو أنثى، وليس له أنْ يتملَّكَ ما تعلّقتْ به حاجةُ الولد، ولا ما يعطيه لولدٍ آخَرَ، ولا في مرضِ موتِ أحدِهما المخُوف. (ولا يصح تصرُّفه) أي: الأبِ (في مالهِ) أي: مالِ الولدِ قبلَ تملكِه (ببيع، أو عتقٍ، أو إبراء غريمِ) ولدهِ مِنْ دَينه (ونحوِه) كهبةِ مالِ ولدِه؛ لأنَّ مِلْكَ الولدِ على مالِ نفسِه تامٌّ (ويملكُه) أي: يملك الأبُ مالَ ولدِه (بقبضِه مع قولٍ) كتملَّكْتُه (أو) بقبضِه مع (نيةِ) تملَّكٍ، فلا ينفذُ تصرُّفُه فيه قبلَ ذلك (وليس لولدٍ مطالبةُ أبيه بدَين ونحوِه) كقيمةِ مُتلَف، وأرشِ جناية؛ لما روى الخَلَّالُ (٢): أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دَينًا عليه، فقال [رسول الله ﷺ ] (٣): "أنتَ ومالكَ لأبيكَ" (بل) لولدٍ مطالبةُ أبيه (بعين مالهِ) الباقيةِ بيدِ أبيه (٤) (أو نفقة واجبة) فله مطالبةُ أبيه بها، وحبسُه عليها لضرورة حِفظِ النَّفس. وإنْ مات الولد، فليس لورثتِه مطالبةُ الأب بدَين ونحوِه لمورِّثهم. وإنْ مات الأبُ، رجعَ الولدُ بدَيْنه في (٥) تركته.

стр. 1119

فصل يلزم تصرُّفُ مريضٍ غيرِ مَرَضِ موتٍ مَخُوفٍ، كصحيحٍ ولو مات منه. وإنْ كان مخوفًا، كبِرْسامٍ، وذاتِ جَنْب، ودوامِ قيامٍ، أو رعافٍ، وأوّلِ فالجٍ، وآخرِ سِلٍّ، وحُمَّى مُطبِقةٍ. وما قال عدلان مِنْ أهلِ الطِّبِّ: إنَّه مَخُوفٌ. ومَنْ وقَعَ الطاعونُ ببلدِه، ومَنْ أخَذَها الطَّلْقُ حتَّى تنجوَ، فعطيَّته كوصيَّتِه فصلٌ في تصرُّف المريض بنحوِ عَطِيّة (يلزمُ تصرُّف مريضٍ) مرضًا (غير مَرَضِ موتٍ مَخُوفٍ) كوجعِ ضِرْسٍ، وعينٍ، وصُداعٍ يسير (كـ) تصرُّفِ (صحيحٍ، ولو) صارَ المرضُ مَخُوفًا، و (مات منه) اعتبارًا بحالِ العَطِيّة. (وإن كان) المرضُ الذي اتصل به الموتُ (مَخُوفًا كبِرسامٍ) وهو بخارٌ يرتقي إلى الرأس ويؤثر في الدِّماغ، فيختَل عقلُ صاحبِه (وذاتِ جَنْبِ) قروح بباطنِ الجَنب (ودوام قيامٍ) وهو المبطونُ الذي أصابه الإسهالُ ولا يمكنُه إمساكُه (أو رُعافٍ) دائم؛ لأنه يصفِّي الدَّم، فتذهبُ القوَّةُ و (أوَّلِ فالِجٍ) وهو داءٌ معروفٌ يرخي بعضَ البدن (وآخرِ سِلٍّ) بكسرِ السّين (١) (وحُمّى مُطبِقةٍ) وحُمَّى الرّبع (٢). (وما قال) مسلمان (عدلان مِن أهلِ الطب: إنَّه مَخُوفٌ) فعطيّةٌ كوصيَّةٍ (ومَن وَقع الطاعونُ ببلدِه) أو كان بينَ الصَّفَّين عند التحام حربٍ، وكلٌّ من الطائفتين مكافئٌ للأخرى، أو كان مِنَ المقهورةِ، أو كان في لُجة بحرٍ عند هيَجَانه، أو قُدم لقتلٍ أو حُبِسَ له (ومَنْ أخدها الطَّلْقُ حتى تنجوَ، فعطيته) أي: مَنْ ذُكِرَ (كوصيَّتِه) لا يلزمُ تبرعه لوارثٍ بشيءٍ،

стр. 1120

إنْ مات منه، وإلَّا، فكصحيحٍ، ويُعتبر ثُلُثُه عند موتِه. ويبدأ في عطاياه بالأول فالأول، ولا رجوعَ فيها بعد لزومِها. ويُعتبر قبولُها عندَها ويثبُتُ المِلْكُ فيها إذًا، بخلافِ وصية في الكلِّ. ولا بما فوقَ الثلثِ لأجنبيٍّ إلا بإجازةِ الورثةِ. (إن مات منه وإلا) يمتْ، بأنْ عُوفي مِنْ ذلك (فكصحيحٍ) في نفوذِ عطاياهُ كلِّها؛ لعَدَمِ المانع (ويعتبرُ ثُلُثُه عند موته) لأنَّه وقتُ لزومِ الوصايا، وثبوتِ ولايةِ قَبُولها وردها. (ويبدأُ في عطاياه) أي: المريضِ مرضَ الموتِ المخوف إن ضاق ثلثُه عن محل (١) العطايا (بالأوَّلِ فالأول) منها (ولا رجوعَ) لمريضٍ (فيها) أي: في عطيَّتِه (بعد لزومِها) بقبضٍ. (ويعتبر) في عطيةٍ (قبولُها) من آخذٍ (عندَها) أي: وقت عطيةٍ؛ لأنَّها تمليكٌ في الحياة (ويثبُتُ المِلْكُ فيها إذًا) أي: عند قبولها، كالهبة، لكن يكونُ مراعًى؛ لأنَّا لا نعلم هلْ هو مرضُ الموتِ أوْ لا، ولا نعلمُ هل يتلفُ شيءٌ من مالِه أوْ لا، فإذا خرجت من الثلُثِ بموتِه تبيَّنًا أن المِلكَ كان ثابتًا مِنْ حينهِ، وإلا، فبقَدرِه. (بخلاف وصيَّهْ في الكلِّ) فيسوَّى في الوصايا بين متقدّمها ومتأخّرها، ويصحُّ الرجوعُ فيها، ولا يصح قبولُها، ولا تُملكُ إلا بعدَ الموت؛ لأنها تمليكٌ بعدَه، فلا تتقدَّمُه.

стр. 1121

كتاب الوصية تُسن لمن تركَ مالًا كثيرًا بخُمسِه، ولا تجوزُ لوارثٍ بشيءٍ، ولا لأجنبيٍّ بزائدٍ عن ثلث إلَّا مع إجازة بعد الموتِ، كتاب الوصية فعيلةٌ من وصَيتُ الشيءَ: إذا وصلتَه (١)، فالمُوصِي وصَل ما كان في حياته بما بعدَ موتِه. وتصحُّ منْ بالغٍ رشيدٍ، ومِنْ صبيٍّ عاقل، ومِنْ سفيهٍ بمالٍ، ومِنْ أخرسَ بإشارةٍ مفهومةٍ. وإنْ وجدتْ وصيَّةُ إنسانٍ بخطِّه الثابتِ ببيِّنةٍ أَو إقرارِ ورثةٍ، صحَّتْ. ويُستحبُّ أن يكتبَ وصيَّتَه (٢) ويُشْهِدَ عليها. و (تُسَن لمن تركَ مالًا كثيرًا) فيوصي (بخُمسِه) لقريبٍ محتاجٍ لا يرثُه، وإلا، فلمسكينٍ، وعالمٍ، وديِّنٍ، ونحوهم. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: رَضيتُ بما رضِي اللهُ به لنفسِه. قال السلف: يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) [الأنفال: ٤٢]. (ولا تجوزُ) وصيَّةٌ (لوارثٍ بشيءٍ) إلا مع إجازةِ بقيَّةِ الورثةِ (ولا) تجوزُ وصيَّةٌ ممَّن له وارثٌ (لأجنبيٍّ بزائد عن ثلثِ) مالِه (إلا مع إجازة) وارثٍ (بعد الموتِ) لقولِ النبيِّ ﷺ : "لا وصيَّةَ لوارثٍ" رواه أحمد (٤) ........

стр. 1122

فتنفذُ. وتكر وصيَّةُ فقيرٍ وارثُه محتاجٌ، وتجوزُ بالكلِّ ممَّن (١) لا وارثَ له، فإنْ لم يفِ الثلثُ بوصاياه، تحاصُّوا. ولقولِهِ ﷺ حينَ قال سَعْد بن [أبي وقَّاص] (٢): أوصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" قال: فالشطر؟ قال: "لا" قال: الثلث؟ قال: "الثلثُ والثلثُ كثير" متفق عليه (٣). وإنْ وصَّى لكلِّ وارثٍ بمعيَّنٍ بقدْرِ إرثِه، جاز؛ لأنَّ حقَّ الوارثِ في القَدْرِ لا في العيْن، والوصيةُ بالثلثِ فما دونَه لأجنبيٍّ، تلزمُ بلا إجازةٍ. واذا أجاز ورثةٌ ما زاد على الثلثِ لأجنبيٍّ، أَو أجازوا لوارثٍ (فـ) إنَّها (تنفذُ) الوصيَّةُ. وتصحُّ بلفظِ: أجزتُ، أَو: أمضيْتُ، أَو: نفذتُ، ونحوه. ولا يُعتبرُ لها أحكامُ هبةٍ. (وتُكره وصيَّةُ فقيرٍ) عُرْفًا (وارثُه محتاجٌ) لأنَّه عدولٌ عن أقاربِه المحاويجِ إلى الأجانبِ. (وتجوزُ) وصيَّةٌ (بالكلِّ ممَّن لا وارثَ له) لأنَّ المنعَ فيما زاد على الثُّلثِ لحقِّ الوارثِ، فإذا عدم، زالَ المانِعُ (فإنْ لم يَفِ الثلثُ بوصاياه) ولم يُجِز وارثٌ (تحاصُّوا) أي: الموصَى لهم، فيدخُل النَّقص على الجميعِ بالقِسْطِ. ولا فرقَ بين عِتْقٍ

стр. 1123

وإن وصَّى لوارثٍ فصارَ عند الموتِ غيرَ وارثٍ، نفذَتْ، وعكسُه بعَكْسِه. ومحلُّ قبولِها بعدَ موت، ويثبتُ المِلكُ به، ولا يصحُّ الردُّ بعدَه. ويصحُّ الرجوعُ في الوصيَّة، وغيره، فلو (١) وصَّى لزيدٍ بتسعمئة، ولعمرٍو بستِّمئة، ومالُه ثلاثةُ آلاف، ولم تُجِزِ الورثةُ ما زاد على الثلثِ، فمجموعُ الوصيَّتَين ألفٌ وخمسمئة، وثُلُثُ المال ألفٌ، نِسبتُه إلى الوصيَّتين ثلثان، فلزيدٍ ثلثا وصيَّته ستُّمئة، ولعمرٍو ثلثا وصيَّتِه أربعمئة، وهكذا. (وإنْ وصَّى لوارثٍ فصارَ عندَ الموتِ غيرَ وارثٍ) كأخٍ حُجِبَ بابنٍ (نَفدَتْ) وصيَّتهُ اعتبارًا بحالِ الموت؛ لأنَّه الذي به يحصلُ الانتقالُ للوارثِ والموصَى له (وعكسُه بعكْسِه) فمَنْ أَوصى لأخيه مع وجودِ ابنه، فمات ابنه، لم تنفُذِ الوصيَّةُ إنْ لم يُجِزْ باقي الورثة. (ومحلُّ قبولها) أي: الوصيَّة بقولٍ أَو فِعْلٍ يدلُّ عليه (بعدَ موت) موصٍ؛ لأنَّه وقتُ ثبوتِ حقِّ الموصَى له، فلا يصحُّ قبلَه وهو على التراخي (ويثبتُ المِلكُ به) أي: بالقبول، أي: من حين القَبولِ بعدَ الموت؛ فلا يصحُّ تصرُّفه قبلَه، وما حدَثَ من نماءٍ منفصلٍ قبلَ القبولِ، فللورثةِ ويتَبع متَّصل. (ولا يصحُّ) من موصى له (الردُّ) للوصيَّة (بعدَه) أي: بعد القبول، سواءٌ قبضَها أوْ لا؛ لاستقرار ملْكِه عليها بالقَبول. (ويصحُّ) من موصٍ (الرجوعُ في الوصيَّة) بأنْ يقول: رجعتُ في وصيَّتي، أَو: أبطلْتُها، أَو: ردْدُتها، ونحوه؛ لقولِ عمرَ: يُغيّر الرجلُ ما شاءَ من وصيَّتِه (٢). والعِتْقُ كغيره.

стр. 1124

ويُبدأ بواجبٍ من دَينٍ، ونَذْرٍ، وكفَّارةٍ، وحجٍّ وإنْ لم يوصِ به، ثمَّ الثلث من الباقي. فصل تصحُّ لمن يصحُّ تمليكُه، ولعبدِه برقبتِه، ويَعتقُ بقبولِه (ويُبدأُ) بالبناءِ للمفعول (بـ) إخراجِ (واجبٍ) على الميتِ (من دَينٍ، ونَذْرٍ، وكفّارةٍ، وحجٍّ) وزكاةٍ، فيُخرِجُ ذلك من التركةِ وصيٌّ، فوارثٌ، فحاكمٌ من رأسِ المالِ (وإن لم يوصِ) ميتٌ (به) لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. ولقولِ عليٍّ ﵁: "قضى رسولُ الله ﷺ بالدَّين قبلَ الوصيَّةِ" رواه الترمذيُّ (١) (ثمَّ) يخرجُ (الثلثُ) الموصَى به (من الباقي) بعدَ الواجبات إنَّ بقيَ شيءٌ. فلو كانتِ التركةُ أربعينَ والدَّينُ عشرةً، ووصَّى بثُلُثِ مالِه، دفعَ الدَّين أوَّلًا، ثمَّ دفعَ لموصًى له عشرة؛ لأنَّها ثلثُ الباقي. وإنْ قال: أخرجوا الواجبَ من ثلثي. بُدئ به، فما فضَل فلصاحب التَبَرُّعِ، وإلا بطلت. فصل (تصحُّ) وصيَّةٌ (لمن يصحُّ تمليكُه) مِنْ مسلمٍ وكافرٍ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] قال محمد بن الحنفيّة (٢): هو وصيَّةُ المسلم لليهوديِّ والنصرانيِّ. وتصحُّ لمكاتَبِه ومدبَّره، وأمِّ ولده (ولعبدِه برقبتِه) أي: العبدِ، بأنْ يقولَ: أوصيتُ لك بنفسِك، أَو رقبتِكَ، كما لو وصَّى له بعِتْقِه (ويَعتقُ) كلُّه (بقبوله) الوصيةَ إنْ خرجَ من ثُلثُهِ، وإلا، فبقَدرِه.

стр. 1125

وبمُشاعٍ كثُلُثِه، وَيعتقُ منه بقدرِه، فإنْ فضَلَ شيءٌ، أخذه، لا بمئةٍ أَو ثوبٍ ونحوِه. وتصحُّ بحَمْلٍ وله [إنْ تحقَّق] (١) وجودُه قبلَها. ولا تصحُّ لِمَلَكِ، ولا بهيمةٍ، وميت، فإنْ وصَّى لحيٍّ وميتٍ، فللحَيِّ النِّصفُ. (و) تصحُّ وصيَّتُه لعبدهِ (بمُشاعٍ) من مالِه (كثُلُثِه) ورُبعهِ (وَيعتقُ منه بقدرِه) أي: بقدرِ المشاعِ، فلو كان ثُلثُهُ (٢) الموصَى به للعبدِ مئةً، وقيمةُ العبدِ مئةً فأقلّ، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ العبدَ يدخلُ في الجزءِ المشاعِ فيملكُ الجزءَ الموصى به مِنْ نفْسِه بقبولِه، فيعتِقُ منه بقدَرهِ؛ لتعذُّرِ ملْكِه نفسه، ثمَّ يسري العتقُ لبقيَّتِه حيثُ حَمَلَه (٣) الثلثُ، كما لو أعتقَ الموصي بعضَ عبدِه (فإنْ) كانتِ الوصتةُ بالثلثِ مثلًا، و (فَضَلَ) منه (شيءٌ) بعد عِتْقِه (أخدَه) فلو وصَّى له بالثُّلثِ، وقيمتُه مئةٌ، وله سواه خمسمئة، عَتَقَ، وأخَذَ مئةً. و (لا) تصحُّ وصيَّةٌ لعبدِه (بـ) معيَّن لا يدخلُ فيه: كدارٍ، أَو (مئةٍ، أَو ثوبٍ ونحوه) كفرسٍ؛ لأنَّه إذا لم يدخلْ في الموصَى به، لم يعتقْ منه شيءٌ، فلم يصحَّ تمليكُه. (وتصحُّ) وصيَّةٌ (بَحَمْلٍ) تحقَّقَ وجودُه قبلَها؛ لجريانها مجَرى الإِرْثِ (و) تصحُّ أيضًا (له) أي: للحَملِ (إنْ تحقَّقَ وجودُه قبلَها) أي: قبلَ الوصيَّةِ، بأنْ تضعَه لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ مِنْ الوصيَّةِ إنْ كانتْ فراشًا، أَو لأَقَلَّ من أربعِ سنينَ إنْ لم تكنْ كذلك. ولا تصحُّ لمن تحملُ به هذه المرأةُ. (ولا تصحُّ) وصيَّةٌ (لِمَلَكٍ) وجنِّيٍّ (ولا) لـ (بهيمةٍ، وميت) كالهبةِ لهم؛ لعَدَمِ صحَّةِ تمليكِهم (فإنْ وصَّى لحيٍّ وميتٍ) يعلمُ موتَه، أَو لا يَعلم، بأنْ وصَّى بعبده مثلًا لزيدٍ وعمرٍو، وزيدٌ ميتٌ (فللحَيِّ النِّصْفُ) من الموصَى به؛ لأنَّه أضافَ الوصيَّة
следующие страницы →