← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو لغةً: الفَهْم، ثاني عشرها: أن يراعيَ كلُّ من المتعلِّمِ والمعلِّمِ الآخرَ خصوصًا الأوَّل؛ لأنَّ معلّمَه كالأبِ بل أعظمُ؛ لأنَّ أباه أخرجَه إلى دارِ الفناء، ومعلمَه دلَّه على دارِ البقاء؛ ولأن والدَه يُربي البدنَ، وأستاذَه يُربي الروحَ، ولذا قيل في هذا المعنى شعرٌ (١): أقدِّمُ أستاذي على فضلِ والدي … وإن كانَ من أهلِ الزيادةِ والشَّرفْ فَذا مُربي الروحِ والروحُ جوهرٌ … وذا مُربي الجسمِ والجسمُ من صَدفْ واعلم أنَّ الاشتغالَ بالعلمِ له آفات كثيرةٌ، عُدَّ منها في الحقيقة: الوثوقُ بالزمنِ المستقبلِ، فيترك التعلُّ حالًا؛ إذ اليومُ في التعلُّمِ والتعليم أفضلُ من غدٍ، وأفضلُ منه أَمسُه، والإنسانُ كلَّما كبرَ، كبرت عوائقُه. ومنها الوثوقُ بالذكاء، فكثيرٌ مَن فاتَه بركونِه إلى ذكائِه وتسويفِه أيامَ الاشتغالِ. ومنها التنقلُ من علمٍ قبلَ إتقانِه إلى آخرَ، ومن شيخٍ إلى آخرَ قبل إتقانِ ما بدأ عليه، فإن ذلك هدمٌ لما قد بَنَى. ومنها طلبُ الدنيا، والترُّدُ إلى أهلِها، والوقوفُ على أبوابِهم. ومنها ولايةُ المناصبِ، فإنَّها شاغلةٌ مانعةٌ، كما أنَّ ضيقَ الحالِ مانعٌ قويٌّ. (وهو لغةً) أي: في اللغةِ، فـ "لغة" منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، وقولُه: (الفهم) عند الأكثرِ؛ لأنَّ العلمَ يكونُ عنه. قال اللهُ تعالى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: إدراك معنى الكلام. وعرفًا: وقوله: (أي: إدراك معنى الكلام)، تفسيرٌ للفهم لجَودةِ (١) الذهنِ من جهةِ تهييئِه لاقتباسِ ما يَرِدُ عليه منَ المطالبِ. والذهنُ: قوةُ النفسِ المستعدة لاكتسابِ الحدودِ والآراءِ. وقيل: إن الفقهَ هو العلمُ. وقيل: معرفةُ قصدِ المتكلمِ. وقيل: فهمُ ما يَدِقُّ. وقيل: استخراجُ الغوامضِ والاطَّلاعُ عليها. ا. هـ. "شرح مختصر التحرير" (٢). قوله: (وعرفًا) أي: في عرفِ الفقهاءِ، أي: اصطلاحِهم: معرفةُ الأحكامِ الشرعيَّةِ دونَ العقليَّةِ، الفرعيَّةِ لا الأصوليَّةِ، ومعرفتُها إمَّا بالفعلِ أي: بالاستدلالِ، أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ أي: بالتهيؤ (٣) لمعرفتِها بالاستدلالِ، قال صاحبُ "المنتهى" (٤): هذا الحدُّ لأكثرِ أصحابِنا المتقدِّمين (٥). وقيل: هو العلمُ بأفعالِ المكلفين الشرعيةِ دونَ العقليةِ من تحليلٍ أو تحريمٍ، وحظرٍ أو إباحةٍ. وقيل: هو العلمُ بالأحكام الشرعيةِ. وقيل: معرفةُ كثيرٍ من الأحكام عُرفًا. وقيل: معرفةُ أحكامِ جُملٍ كثيرةٍ عُرفًا من مسائلِ الفروعِ العلميَّةِ من أدلَّتِها الحاصلةِ بها. وقيل: العلمُ بها عن أدلتِها التفصيليَّةِ بالاستدلالِ.

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . معرفةُ الأحكامِ وكلُّ هذهِ الحدودِ لا تخلو عن مؤاخذةٍ وأجوبةٍ يطولُ الكتابُ بذكرِها من غيرِ طائلٍ. فإن قيل: لِمَ عبَّر دون العلم، مع أن الصَّوابَ التعبيرُ به كما صنعَ ابنُ السُّبكي في "جمعِ الجوامع" (١) قال: الفقهُ: العلمُ. بناءً على أنَّ المعرفةَ إنما تتعلَّقُ بالمفرداتِ، والعلمَ إنَّما يتعلُّقُ بالنِّسبِ التامَّةِ (٢)، أي: المعرفةُ هي التصوُّرُ، والعلمُ هو التصديقُ، والفقهُ من قبيلِ التَّصديقات لا من قبيلِ التصوراتِ؟. أُجيب: بأنَّ المرادَ بالمعرفةِ العلمُ بمعنى الظَّنِّ، أي: الإدراكِ الراجحِ لا بمعنى العلمِ المتبادرِ منه، وهو الإدراكُ الجازمُ؛ إذِ الاجتهادُ إنَّما هو طريقٌ للأولِ لا للثاني، فيرادُ بالمعرفةِ هنا العلمُ؛ ليوافقَ ما هو مقرَّرٌ عندهم. و (الأحكامُ) جمعُ حكمٍ، وهو إثباتُ شيءٍ لشيءٍ إيجابًا أو سَلبًا، لغويًّا كانَ كرفع الفاعلِ، أو عقليًّا كعدمِ اجتماعِ الضِّدين (٣)، أو شرعًا كوجوبِ الصلاةِ، فالمرادُ بالأحكامِ في التعريفِ ما يشملُ التكليفيَّةَ والوضعيَّةَ (٤)، وأن كلًّا منهما لا فرقَ بين أن يكونَ مُتعلَّقُه

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشرعيةِ الفرعيةِ بالفعلِ أو القوةِ القريبة. فعلَ الجوارحِ، كالعلمِ بأنَّ النية في الوضوءِ شرطٌ، أو القلبَ، وأنَّه لا فرقَ في الثاني بين المكلَّفِ وغيرِه، كالعلمِ بأنَّ الزكاةَ واجبةٌ في مالِ الصَّبي، وغيرُ واجبةٍ في الحَلْي المباحِ. ولمَّا كانت الأحكامُ شاملة للشرعيَّةِ الفرعيَّةِ وغيرِها، والمقصودُ هو الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ، أخرجَ غير الشرعيَّةِ بقولهِ: (الشرعيَّةِ)، وخَرجَ بـ "الأحكامِ" غيرُها من الذواتِ والصفاتِ، كالمعرفةِ المتعلِّقةِ بالإنسانِ من تصوَّرِ ماهيَّتِه والبياض، وأخرجَ الأصليةَ بقوله: (بالفعلِ) كما إذا أجمِعَ عليها بعدَ استفادتِها بالاجتهادِ، إذِ الأصليَّةُ لا تنحصرُ طريقُها في ذلك. وأُورِدَ على التعريفِ بأنَّ "أَل" في الأحكامِ إن كانت للعمومِ، خرجَ عن التعريفِ فقهُ الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم ممَّن سُئِل عن مسائلَ وقال فيها: لا أدري، مع أنهم فقهاءُ بالإجماعِ، وإن لم تكنْ للعمومِ، لزمَ أنَّ مَنْ عرفَ بعضَ مسائل عن أدلَّتِها يكون فقيهًا، وليس كذلك، فالتعريفُ غيرُ جامعٍ لأفرادِ المعرَّفِ، وغيرُ مانعٍ من دخولِ غيرِ أفرادِ المعرَّفِ فيه، وهو خطأٌ؟. أُجيب: بأن المرادَ بمعرفةِ جميعِ الأحكامِ التهيؤ لها بمراجعةِ الأدلَّةِ، كما يُقال: فلانٌ يعرفُ الفقهَ، ولا يُراد أنَّ جميعَ مسائِله حاضرةٌ عندَه على التفصيلِ؛ لأنَّ ذلك ليس من مقدورِ البشرِ، بلِ المرادُ أنَّ عندَه تهيُّؤًا لذلك، وملكة يقتدرُ بها على الوقفِ على كلِّ مسألةٍ بمراجعةِ الأدلَّةِ. والجوابُ عن الثاني: بأنْ نختاره، ولا محذورَ في تسليمِ اللازمِ؛ بناءَ على القولِ بجوازِ تجزي الاجتهادِ. والفقيهُ: مَن عرفَ جملةً غالبةً ذلك بالاستدلالِ، يعني الفقيه في اصطلاحِ أهلِ الشرعِ.

стр. 110

على مذهبِ الإمامِ الأمثلِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بنِ حنبلٍ، (على مذهَبِ) بفتح الميم، من ذهبَ يذهبُ: إذا مضى، بمعنى الذهابِ أو مكانِه أو زمانه، ثم نُقل إلى ما قاله المجتهدُ بدليلٍ، ومات قائلًا به، وكذا ما جرى مجراه. (الإمامِ) المقتدَى به في الدين (الأمثلِ) أي: الأشبه بكلِّ خير، أبي عبد الله (أحمدَ بنِ محمد وقوله: غالبة، أي: كثيرة. كذلك: أي: بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبةِ من الفعلِ، وهي التهيؤ لمعرفتِها عن أدلَّتِها التفصيليَّةِ، فلا يُطلَق الفقيهُ على مَن عرفَها على غيرِ هذه الصفةِ، كما لا يُطلقُ الفقيه على مُحدِّثٍ ولا مُفسِّرٍ ولا متكلِّمٍ ولا نَحويٍّ. وقيل: الفقيهُ: مَن له أهليَّةٌ تامَّةٌ يَعرفُ الحكمَ بها إذا شاءَ مع معرفتِه جملًا كثيرةً من الأحكامِ الفرعيَّةِ، وحضورِها عندَه بأدلِّتِها الخاصَّةِ والعامَّةِ. (بفتح الميمِ) أي: والهاء، أي: معتقد. فقولُه: "على مذهبِ" أي: على ما ذهبَ اليه من الأحكامِ في المسائلِ، وأصلُه يصلحُ لمكانِ الذهابِ وزمانِه وللذهابِ نفسِه. (ثم نقل … الخ) أشارَ بذلكَ إلى أنه صارَ حقيقةً عرفيّةً، وبهجرِ معناه الأصيِّ بمعنى أنَّه إذا أُطلِق المذهبُ لا ينصرفُ إلَّا إلى الأحكامِ القائلِ بها إمامٌ من الأئمةِ. وقوله: (ما قالَه المجتهدُ) من الأحكامِ، فهو مجازٌ عن مكانِ الذهابِ، إذِ "المذهبُ" اسمٌ لمكاِنِ الذهابِ، ثم استُعمِل فيما صارَ من الأحكامِ مجازًا استعارةً تصريحيَّةً تبعيَّةً، وقالَ السَّعدُ: أصليَّة؛ لأنَّه لم يُجوِّز في أسماءِ الأمكنةِ التبعيَّةَ، فشُبِّهت الأحكامُ المعقولةُ بمكانِ الذهابِ الحسيِّ؛ لأنَّ الخواطرَ تذهبُ فيها كذهابِ الأجسامِ في الأمكنةِ بجامع التوصُّلِ، وأطلق اسمه عليهِ.

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ابنِ حَنْبَل) الشيباني، المَرْوَزي (١)، البغدادي، الزاهد الرباني، والصدِّيق الثاني. (ابن حنبل) قال في "القاموس" (٢): الحنبلُ: القصيرُ، والفَرْوُ، أو خَلَقُهُ، والخفُّ الخَلَق، والبَحرُ، كالحِنْبَالَةِ، والضَّخمُ البطن (٣)، واللحيم كالحِنبال، ورَوضةٌ بديارِ تميمٍ، وأحمدُ بنُ عبدِ الله (٤) بنِ حنبل: إمامُ السنةِ. وبالضمِّ: طَلْعُ أُمِّ غَيلان، وثمرُ الغَدَفِ واللوبياء. وحَنْبلَ: لَبِسَ الحنبلَ، والحِنبالة، بالكسرةِ: كثيرُ الكلام، وتحنبَل: تَطأطأَ، ووَتَرٌ حُنابلٌ كعُلابطٍ: غليظٌ شديدٌ. وهذا باعتبارِ الأصلِ، والآن صارَ علمًا لأحدِ أَجدادِه ﵁. (الشَّيبانيُّ) نسبةً لجدِّه شَيبان المذكور في نسبِه. (الزاهد الرَّباني) الزُّهدُ: الإعراضُ بالقلبِ عن الدنيا. وقالَ الإمامُ أحمدُ: الزهدُ: قِصرُ الأملِ (٥) والإياسُ عمَّا في أيدي الناس. وقالَ: الزهدُ على ثلاثةِ أوجهٍ: الأولُ: تركُ الحرامِ بالقلبِ، وهو زهدُ العوامِّ من المسلمين. الثاني: تركُ الفضولِ من الحلالِ بالقلبِ، وهو زهدُ الخواصِّ منهم. الثالث: تركُ ما يَشغَلُ العبدَ عن اللهِ تعالى بالقلبِ، وهو زهدُ العارفين، وهم خَواصُّ الخواصِّ. و"الرَّبانيُّ" المُتألِّهُ العارفُ باللهِ تعالى. مصنِّف على "الإقناع" (٦). قالَ بعضُهم: الرَّبانيُّ: منسوب إلى الربِّ أي: المالكِ، وقال ابنُ حجر (٧): الرَّبانيُّ: هو مَن أُفيضَت عليه المعارفُ الإلهيَّةُ، فعرَف ربَّه، ورَبَّى الناس بعلمِه. فما ذكرَه مبيِّنٌ للمرادِ من الربِّ. (والصِّدِّيق الثاني) لُقِّبَ به؛ لنصرتِه للسنةِ وصبرِه على المحنةِ المشهورة. "والصِّدِّيق":

стр. 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال عليُّ بن المديني (١) شيخُ البخاري: أيّد اللهُ هذا الدِّين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يومَ الرِّدة، وأحمدُ بن حنبل يوم المحنة. انتهى. والشيباني: نسبة إلى أحدِ أجداده، وهو شيبانُ بنُ ذُهْل بن ثَعلبَة بن عُكابَة، لا شيبان بن ثعلبة بن عُكابة. حملت به ﵁ أمُّه بمروَ، وولد ببغدادَ في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، وتُوُفِّي ببغدادَ يوم الجمعة ثاني عشرَ ربيع الأول أو الآخر، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة البالغُ في الصدقِ الذي هو ضدُّ الكذبِ. مصنِّف (٢). والصِّديقُ الأولُ أبو (٣) بكر ﵁. قالَ في حقِّه إمامُ الحرمين: غسل وجهَ السنةِ من غبارِ البدعةِ، وكشفَ الغُمَّةَ عن عقيدةِ هذه الأمةِ، روى بعضُ الإخوان من ساداتِ اليمن، عن بعض طبقاتِ الحنابلةِ لبعضِ العلماء حاصلَ ما نصُّه: أن رجلًا من فقهاء الحنابلة أرادَ الانتقال إلى مذهبِ الإمامِ الشافعي ﵁ لسبب جرى، فرأى أن القيامةَ قامت، وإذا بالنبي ﷺ وبينَ يديهِ الأئمةُ الأربعةُ، فقالَ: يا رسولَ الله، أي مذهبٍ من المذاهبِ الأربعةِ أقلِّد؟ فأشارَ إلى الإمامِ أحمدَ ﵁، فانتبه من المنامِ ورجعَ عن قصده (٤). (ووُلد ببغداد) وفيها أربعُ لغاتٍ إحداها: بدالينِ مُهملتين، والثانية: بإهمالِ الأولى وإعجامِ الثانية، والثالثة: بغدان بالنون، والرابعة: مغدان بميمٍ أوَّلَها. وتُذكَّرُ وتُؤنثُ يقال لها: هذا بغدادُ، وهذه بغدادُ، ومعناها بالعربيةِ: عَطيةُ الصَّنمِ، وقيل:

стр. 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأسلَمَ يومَ موتهِ عشرون ألفًا من اليهودِ والنصارى والمجوسِ (١). ومِن مصنّفاته ﵁: "المسنَد" ثلاثون ألفًا، و"التفسير" مئة وخمسون ألفًا، وغير ذلك. وفضائله ومناقبه كثيرة شهيرة رضي الله تعالى عنه. ومن أعيان أصحابه الذين نقلوا مذهبه: ولداه: عبد الله، وصالح، والمرُّوذي (٢)، والأثرم (٣)، والحربي (٤). بستانُ الصنمِ، ولذلك كرهَ العلماءُ تسميتَها بذلك، لكن يقال: مدينةُ السلام؛ لأنَّهم يُسمون نهرَ الدجلة نهرَ السلام، أي: نهرَ الله (٥). ونقلَ الغزاليُّ ووجَّه ذلك أنَّها كانت محلَّ الخلافة، ووجَّه استحبابَ الخروجِ منها. (وأسلم يوم موته … ) وكان الإمامَ على جِنازته محمدُ بنُ عبدِ الله بن طاهر، فقال: انظُروا كَم صلَّى عليه ورائي؟ قالَ: فنَظروا، فكانوا ثمان مئة ألف رجلٍ وستِّين ألف امرأة. وفي رواية: حَزَروا كَم صلَّى على أحمد بن حنبل، فحُزِروا فبلغ ألفَ ألفٍ وثمانين ألفًا سوى مَن كان في السفن في الماء. وفي رواية أخرى: حَزرَ الحازرون المصلِّين على جنازته،

стр. 114

تشتدُّ إليهِ حاجةُ المبتدئينَ سأَلَنِيْه بعضُ المقصِّرين والعاجزِين. جعلَه اللهُ خالصًا لوجهِه الكريمِ، وسببًا ثم وصف المختصر أيضًا بأنه (تشتدُّ إليه) أي: إلى المختصرِ (حاجةُ المبتدئين) في الفقه. ثم ذكر السببَ الحاملَ له على تصنيفه فقال: (سألنِيه) أي: طلب مني تأليفَه (بعضُ المقصِّرين) في طلبهم، مع قدرتهم على ما هو أطول منه (و) بعضُ (العاجرين) الذين لا قدرةَ لهم على [ما هو] (١) أطول منه (جعله الله) أي: جعل الله جمعه من متفرقاتِ الكتب (خالصًا لوجهِهِ) أي: لطلب مرضاته سبحانه (٢) غيرَ مرادٍ به سواه (الكريمِ) أي: المتفضِّلِ بجميعِ النِّعمِ (وسببًا) فبلغ العدد بحزرهم ألف ألفٍ وسبع مئة ألف سوى الذين كانوا في السفنِ. نقلَه البيهقيُّ في "مناقبِه" (٣). (بجميع النِّعم) جمعُ نعمةٍ، قيل: هي بمعنى الرحمةِ، وقيل: أخصُّ منها وهي مُلائمٌ تُحمَدُ عاقبتُه، وعلى هذا فالكافرُ مرحومٌ غيرُ منعمٍ عليه نظرًا للمآلِ (٤). والإنعامُ: الإعطاءُ من غيرِ مقابلةٍ، قال في "القاموس" (٥) أنعَمها اللهُ، وأنعمَ بها: عطيَّتُه. مصنّف على "الإقناع" (٦). اعلمُ أنَّ الغرضَ من بعثةِ الرسل عليهم الصلاةُ والسلامُ انتظامُ أحوالِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ، فبانتظامِ أحوالِهم في المعادِ تتعلَّق قُواهم النطقيَّةُ وهي العباداتُ، وبانتظام أحوالِهم في المعاش تتعلَّقُ قُواهم الشَّهويَّة وهي المعاملاتُ والمناكحاتُ، والغَضَبيَّة وهي: الجناياتُ، ثم قدَّموا منها ما يتعلَّقُ بالقوى النطقيَّةِ؛ لتعلُّقِه بالخالقِ اعتبارًا بشرفِه؛ لأنَّ

стр. 115

للزلفى لديهِ في جنَّاتِ النَّعيمِ، ونفَع به، إنَّه هو الرؤوفُ الرَّحيمُ. أي: وجعلَه سببًا (للزُّلْفَى) أي: القرب (لدَيْه) أي: عنده تعالى (في جنَّاتِ النعيم) المعَدَّة للمؤمنين (ونفعَ به) أي: بهذا المختصر المبتدئين وغيرَهم (إنَّه) أي: الله سُبحانَه (هو الرَّؤوفُ) أي: ذو الرَّأفةِ. وهي كما في "القاموس": أشدُّ الرحمةِ، أو أرقُّها (١). (الرحيمُ) أي: ذو الرَّحمةِ العظيمةِ. الشيءَ يشرفُ بشرفِ متبوعِه، ثم بَدؤوا منها بالصلاةِ؛ لأنَّها أفضلُ العباداتِ بعدَ الإيمانِ، ولم يذكُروا حكمَ الشهادتين؛ لأن التوحيدَ قد أفردوا له عِلْمًا مستقلًا وهو علمُ الكلامِ، وقدَّموا الطهارةَ عليها؛ لأنها شرطٌ، والشرطُ مقدَّم على المشروطِ طبعًا، وهو توقُّفُ شيءٍ على شيءٍ بحيثُ لا يقتضي أحدُهما انفكاكًا عنِ الآخر كالطهارةِ للصلاة، فقدِّم وضعًا، أي: ذِكرًا وكتابةً، وقَرنوها بالزكاةِ؛ لاقترانِها بها في كثيرٍ من الآياتِ كقولهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلى غير ذلك، ثم قدَّموا الصَّومَ على الحجِّ؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، والحجُّ مركَّبٌ من المالِ والبدنِ، فهو بمنزلةِ تقديمِ المفردِ على المركَّبِ، وهذا ما يتعلَّقُ بالخالقِ. وهذا الترتيبُ في الشهادتين على ترتيبِ خبرِ "الصحيحين"، (٢): "بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ". قال الشيخُ محمد الخلوتي: واختاروا هذه (٣) الرواية على روايةِ تقديم الحجِّ على الصومِ، وإن ثبت في "الصحيحين" (٤) أيضًا؛ لأن الصومَ أعم وجوبًا، متكرِّرٌ (٥)، وأفرادُ مَن

стр. 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يجبُ عليه أكثرُ، وأمَّا ما يتعلَّقُ بالخلائقِ، قدَّموا منه ما يتعلَّقُ بالقوى الشهويَّة وهي المعاملاتُ والمناكحات، ثم قدَّموا منها المعاملاتِ على المناكحاتِ؛ لأنَّ الناسَ يحتاجون إليها؛ لأنَّه لا غنى للإنسانِ عن مأكولٍ ومشروبٍ ولباسٍ، وهو ممَّا ينبغي أن يُهتمَّ به؛ لعمومِ البلوى، إذ لا يخلو مكلَّفٌ غالبًا من بيعٍ وشراءٍ، فيجب معرفةُ الحكمِ في ذلك قبلَ التلبُّسِ به، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ على أنَّه لا يجوزُ لمكلَّفٍ أن يُقدِمَ على فعلٍ حتى يعلمَ حكمَ اللهِ فيه، ثم ثَنَّوا بالمناكحاتِ؛ لشدةِ تَوقانِ النفسِ إليها بعدَ معرفتِهم المعاملات، ثم ختموا الكلامَ بما يتعلَّقُ بالقوى الغَضَبيَّة وهي الجناياتُ؛ لأنَّها بعدَ معرفةِ ما تقدَّم من القوى النطقيَّة والشهويَّة تَبطرُ نفسُه الخبيثة، ربَّما يشتُم هذا ويضربُ هذا، فعَقدوا لذلك بابَ الجنايات وأتبعوها بالكلامِ على الأقضيةِ والأيمانِ؛ لأنَّها لا تخلو عنها غالبًا، وأخَّروا القضاءَ عن الأيمان؛ لأنَّها قد يتوقف القضاءِ عليها، وختموا كتبهم بالإقرار؛ رجاء أن يموتوا على ما أقرُّوا به من كلمةِ التوحيد.

стр. 117

كتابُ الطهارةِ كتاب الطهارة هذا (كتابُ الطَّهارة) ثمَّ إنَّ (الكتابَ) لغة: الضمُّ والجَمْع، يقالُ: تكتَّبتْ بنو فلانٍ: إذا اجتمعُوا. واصطلاحًا: اسمٌ لجملةٍ من العِلْمِ مشتملةٍ على أبوابٍ وفصولٍ غالبًا، أي: اسم لدالٍّ جملةٍ مِن العلم؛ بناءً على أن التراجمَ اسمٌ للألفاظِ المخصوصةِ الدَّالةِ على معانٍ مخصوصةٍ، على ما اختاره سيِّدُ المحققين مِن احتمالاتٍ سبعةٍ، تقدَّمت آنفًا. واشتقاقُه مِن الكَتْبِ، ولا يُشكلُ على ذلك قولُهم: إنَّ المصدرَ لا يُشتقُّ مِن المصدرِ؛ لردِّ النحاةِ له؛ لأنَّ الشيءَ لا يُشتَقُّ مِن نفسِه، ولأنَّه جامدٌ، فالكلامُ في مقامين: الأولُ: أنَّ المصدرَ لا يُشتق مِن نفسِه. والثاني: أنَّه جامدٌ غيرُ مشتقٍّ، إذا لم يكن مؤوَّلًا باسمِ المفعولِ كما هنا. فـ "كتابٌ" بمعنى مكتوب للطهارَة، أي: مجموع فيه كلماتُها. الثاني: أن يُذكَرَ المصدرُ ويُرادَ به المشتقُّ مبالغةً، وهو مجازٌ في النسبةِ عقليٌّ؛ إذ الجامعُ لمسائلِ الطهارة المصنِّفُ، لا الكتابُ، كما يَجِيءُ توضيحه. وهذين الجوابَيْن للشارحِ. الثالث: أن مرادَنا بالاشتغالِ مطلقُ الأخْذِ، وهو أوسعُ دائرةً منه. الرابع: أنَّ مرادَنا بالمصدر المجرَّدُ؛ لأن المزيدَ مشتقٌّ منه؛ لموافقتِه إيَّاهُ في حروفِه ومعناه. والحاصلُ: أنَّ الجوابَ الأوَّلَ والثاني والرابعَ عن كوني مشتقًّا، والثالثَ عن كونه جامدًا، والأربعةُ بالتسليمِ.

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحاصلُ الإشكالِ: أنه مركَّبٌ مِن قياسٍ من الشكل الأوَّل غير سلَّم المقدِّمةِ الكبرى، ونَظمُه أن يقال: مصدرٌ، ولا شيءَ من المصدر بمشتقٍّ، ينتج: ليس الكتابُ بمشتقٍّ. وضابطُ الشكلِ الأولِ موجودٌ، وهو أنَّ صغراهُ محمولةٌ، وكبراهُ موضوعةٌ. قال في "السُّلَّم" (١): حَمْلٌ بصُغرى وَضْعُه بكُبرى … يُدعى بشكل أوَّل ويُدرى وحاصلُ الجواب: أن لا نسلمَ الكبرى، أعني لا شيءَ مِن المصدرِ بمشتقٍّ، بل منه ما هو مشتقٌّ، وهو المزيدُ؛ فإنَّه مشتقٌّ مِن المجرَّد، هذا على القولِ بالاشتقاق في الألفاظ، وهو أحدُ أقوالٍ ثلاثةٍ، أحدها -وهو الصحيحُ-: أنَّ اللفظَ يقسمُ إلى مشتقٍّ وجامدٍ، وهو قولُ الخليل وسيبوبه والأصمعيِّ (٢) وأبو عبيد (٣) وقُطْرب (٤)، وعليه العمل. الثاني: أنَّ الألفاظَ كلَّها جامدةٌ موضوعةٌ، وبه قال نِفْطويه، واسمُه: محمدُ بنُ إبراهيمَ (٥).

стр. 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فـ "كتاب" خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ (١)، ويجوزُ العكسُ، وأنْ يكونَ مفعولًا لفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: اقرأ، أو: خذْ؛ وكذا يُقالُ فى نظائرِهِ الآتيةِ. الثالث: أنَّ الألفاظَ كلَّها مشتقَّةٌ، وهو قول الزَّجَّاجِ (٢) وابنِ دُرُسْتُويَه (٣) وغيرِهما. وأمَّا إعرابُ هذا المركَّبِ، فاعلَم أنَّه جوَّز بعضُهم البناءَ؛ جَرْيًا على القولِ بأنَّ الأسماءَ قبل التركيبِ مبنيَّةٌ على أصلِ التخلُصِ. وأمَّا الفتحُ؛ للخفَّةِ والإِعراب، وفيه أوجه؛ لأنَّه إما مع الإضافةِ أو عدمِها. الثاني فيه أوجه، أن يكون "كتابٌ" خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا كتابٌ، أو عكسه، مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: كتابٌ هذا موضعُه، أو ممَّا يُذكَر كتابٌ، بجَعْل تنوينِه للتعظيمِ، وهو يَقوم مقامَ التخصيص بالوصف بكونِه عظيمًا، والنصبُ على لغةِ رَبِيعةَ وهم يَقفُون على المنصوبِ؛ بحَذْف ألِفِه (٤)، وإن لم تكن موجودةً في اللفظِ؛ لأنَّها مقدَّرة، وعندهم صورةُ

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهي لغةً: النَّظافةُ والنزاهةُ عن الأقذارِ، حسيَّةً كانت أو معنويَّةً. المرفوعِ والمنصوبِ واحدةٌ، والجرُّ بتقديرِ متعلَّقٍ وحرفٍ جارٍّ له: اقْرَأْ في كتابِ الطهارةِ، ففيه حذفُ حرفِ الجرِّ، وإبقاءُ عملِه، وهو شاذٌّ يُحفَظ ولا يُقاس عليه، قال ابنُ مالكٍ (١): وقَدْ يُجَرُّ بِسِوَى رُبَّ لَدَى … حَذْفٍ وبَعْضُهُ يُرَى مُطَّرِدَا قال الأُشمونيُّ (٢): يُستثنى مِن ذلك ثلاثةَ عشرَ موضعًا، انظره في باب حروفِ الجرِّ. وحاصلُ ما اختاره الشارحُ هنا أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، ورُدَّ الوجهانِ الآخرانِ، وإن جازا عربيَّةً، وهما النصبُ، وكونُه مبتدأً خبرُه ما بعده؛ أمَّا رَدُّ الأوَّل؛ فإنَّ الرسمَ لا يُساعِده إلا إذا قُرئ بالإضافةِ، أو يكون على لغةِ ربيعةَ، وأما ردُّ كونِ ما بعدَه خبرًا؛ فلأنَّ الترجمةَ غيرُ مقصودةٍ لذاتها، وما بعدَها الذي هو المترجم له مقصودٌ لذاتِه، والمقصودُ لذاتِه لا يُجعل خبرًا عن المقصودِ لغيرِه. وأما لفظُ "الطهارة" فهو مصدرُ طَهر بالفتح والضَّمِّ، كما في "الصحاح" (٣)، والاسمُ: الطُّهْرُ (٤)، وهي مثلَّثةُ الطاء، فالفتحُ مصدر (٥): طهر بمعنى النظافة (٦) مطلقًا، وبالكسر: الآلةُ، وبالضمِّ: فضلُ ما يُطهَّر به. وهي في اللغة: النظافةُ والنزاهةُ، وهي المباعدةُ عن الأَقذارِ، حسِّيَّةً كانت كالأنجاسِ

стр. 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والكتابُ: مصدرُ كَتَبَ -بمعنى جَمعَ- يكْتُبُ كنصَرَ ينصُرُ، كتْبًا وكِتابًا وكتابةً، وهوَ هنا بمعنَى المكتوبِ، كالخلقِ بمعنى المخلُوقِ، أي: هذا مكتوبٌ للطهارةِ، أي: مجموع لبيان أحكامِها، أو بمعنى الكاتبِ، كالعدلِ بمعنى العادِلِ، أي: هذا جامعٌ للطهارةِ. والأَدنَاس، أو معنويَّةً كالذُّنوب المنقصةِ للإنسان المدنِّسة لعِرْضه (١)، كالحقد: وهو إضمارُ العداوةِ. والحسدِ: وهو تمنِّي زوالِ نعمةِ الغيرِ. وفي "الصحيح" (٢) عن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ على مريضٍ قال: "لا بأسَ كفَّارةٌ وطَهورٌ"، أي: مطهِّر مِن الذُّنوب، وهي الأَقذارُ المعنويَّةُ. (وهنا بمعنى المكتوبِ) مبالغةً؛ لأنَّ لفظَ الكتابِ يُرادُ به هاهنا طائفةٌ مِن الحروفِ والألفاظِ الدالَّة على طائفةٍ من المسائلِ الفقهيَّةِ، أو طائفةٌ مِن النقوشِ والخطوطِ الدَّالة على تلك الحروفِ والألفاظِ، كما حقّق في موضعِه، فكأنَّ المرادَ ذلك المجموعُ لا الجمعُ نفسُه، فالمصدرُ بمعنى المفعولِ، كالخَلْق بمعنى المخلوقِ، واللفظِ بمعنى الملفوظِ على ما هو المشهورُ (٣). ثم طريقُ استعمالِ المصدرِ في المشتقِّ اسمَ فاعلٍ مثل: زيدٌ عَدْلٌ، وعَمرو صَومٌ. أو اسمَ مفعولٍ، كما ذكر الشَّارحُ ثلاثُ طُرقٍ:

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَحدها: أن يُذكَر المصدرُ ويرادَ به المشتقُّ، ويكونَ المجازُ في الكلمةِ، وهذا لأهلِ الصَّرفِ. الثانية: أن يكونَ بتقديرِ: [ذو، أي: ذو عدلٍ] (١) وذو خَلْقٍ، أي: مخلوقيَّةٍ، وهذا لأهل النحوِ. الثالثة: أن يُذكَر المصدرُ ويرادَ به المشتقُّ مبالغةً ومجازًا في نسبةٍ، كأنَّ زيدًا من فَرطِ اتصافِه به عينُ العدلِ، وعدلٌ مُجسَّمٌ، وهذا لأهلِ المعاني والبيانِ، وهو القولُ الجزلُ، والمذهب الفحل، كما ذكره الشيخُ عبدُ القاهرِ (٢) في قولِ الخَنساءِ (٣): فإنَّما هي إقبالٌ وإدبارُ قال: لم تُرِدْ بالإقبالِ والإدبار غيرَ معناهما حتى يكونَ المجازُ في الكلمةِ، وإنَّما المجازُ [في أنْ جَعلتها] (٤) لكثرةِ ما تُقبِلُ وتُدبِرُ، كأنَّها تَجسَّمت من الأقبالِ والإدبارِ. وجعلَ الثاني، أي: الطريقَ الثانيةَ وجهًا مرذولًا، واقتصرَ الشارحُ على الوجهين الأولِ والثالث، وعلى الأولِ اقتصرَ العَلَّامةُ التَّفتازانيُّ في "التلويحِ" (٥) حيث قال: وهو في اللغةِ: اسمٌ للمكتوبِ. ولم يزْد عليه، وهو في هذا الوجهِ يكونُ من الأسماءِ المشبهةِ بالصفاتِ، وليسَ بصفةٍ، كالإمامِ والإلهِ.

стр. 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وشرعًا: ارتفاعُ حدثٍ وما بمعناهُ، (وشرعًا) وصفه بإزاءِ جملةِ الشرع: (ارتفاع حدث) أي: زوالُ الوصفِ الحاصل به المانع من نحو صلاةٍ وطوافٍ. والارتفاعُ: مصدرُ: ارتفعَ، ففي التعريفِ المطابقةُ بين المعرِّف والمعرَّف في اللزوم في فِعلي الطهارة مصدرِ "طهر" اللازم، والارتفاعِ مصدرِ "ارتفعَ" غير متعدٍّ أيضًا، قال محمدٌ الخَلوتي (١): وإنَّما عبَّر في جانبٍ الحدث، بالارتفاع، وفي جانب الخبثِ بالزوال؛ لأنَّ المرادَ بالحدث هنا الأمرُ المعنويُّ، والإزالةُ لا تكون إلَّا في الأجرامِ غالبًا، فلما كانَ الخبثُ قد يكون جِرمًا ناسبَ التعبيرُ معه بالإزالةِ، ولما كان الحدثُ أمرًا معنويًّا ناسبَ التعبيرُ فيه بما يناسبه، وإن ناسب غيره أيضًا، فتَفطَّن. (وما بمعناه) أي: معنى ارتفاعِ الحدثِ كالحاصلِ بغسلِ الميت؛ لأنه تعبديٌّ لا عن حدثٍ، وكذا غسلُ يَدَي القائمِ من نومِ الليل، وما يحصل بالوضوء والغسل المستحبين، وما زادَ على المرَّةِ في وضوءٍ وغسلٍ، وبغسلِ الذكرِ والأُنثيين من المَذْي إن لم يُصبْهُما، وكوضوءِ نحوِ المستحاضة إن قيل: لا يرفعُ الحدثَ، والصحيحُ أنَّه يرفعُ. قال محمدٌ الخلوتيّ: بقي هاهنا نكتةٌ ينبغي أن يُتنَبَّه لها، وهي أنَّ إرجاعَ الضميرِ للارتفاعِ إنما يصحُّ إذا عُطِف وما في معناه عليه، أمَّا إذا عُطِفَ على المضافِ إليه، فإنَّه لا يخفى ما فيه من التهافتِ؛ إذ يَؤولُ معناه إلى قولِنا: ارتفاعُ حدثٍ، وارتفاعُ ما في معنى

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وزوالُ نَجَسٍ، ارتفاعِ الحدثِ، ولا معنى هنا لارتفاعِ الارتفاعِ، بل يلزمُ عليه الإخبارُ عن الشيءِ بنقيضِه، أو بإثباتِ نقيضِه؛ لأنَّ ارتفاعَ ارتفاعِ الحدثِ نفسُ الحدثِ، أو إثباتٌ، فيكون حاصلُ التركيب: الطهارةُ ارتفاعُ حدثٍ، ونفسُ الحدثِ إثباتُه، وهو باطلٌ وغيرُ مرادٍ، وإنَّما المراد أنَّ طهارةَ الحدثِ قسمان: قسمٌ هو ارتفاعُ الحدثِ، وآخرُ هو وصفٌ في معنى ارتفاع الحدثِ، وليس ارتفاعًا حقيقةً. واعلم أنَّه لا يصحُّ أن يُفسَّر ما في معنى الارتفاعِ بما على صورته؛ لأنَّه معنى من المعاني لا صورةَ له في الخارجِ. (وزوال نجس) حكمي بالماءِ الطهورِ، ولو لم يُبحْ، فتزولُ النجاسةُ بنحو ماءٍ مغصوب؛ لأنَّ إزالتَها من قسمِ الترك، ولعدمِ احتياجِه الى النيةِ، بخلافِ رفع الحدثِ، وتزولُ النجاسةُ بالماءِ وحدَه إن لم تكن من نحوِ كلبٍ. اعلم أن المنهيَّ عنه أقسامٌ: أحدُها: أن يكونَ المنهيُّ عنه لعينِه، كالنهي عن الكفر والكذب. الثاني: أن يكونَ المنهيُّ عنه لوصفِه اللازمِ له، كالنهي عن صومِ يوم العيد وأيام التشريق في غير نسكٍ. الثالث: أن يكونَ لأمرٍ خارجٍ غير لازم، كالبيع بعدَ نداءِ الجمعة، وكالوضوء بماءٍ مغصوبِ، فإنَّ النهي عنهُ لأمرِ خارجِ عنه -وهو الغصبُ- منفكٍّ عنه بالإذنِ من صاحبه، أو الملكِ ونحوه، فهذا الأخيرُ، الصحيحُ من المذهبِ أنَّه كالذي قبلَه في اقتضاءِ الفسادِ، وعليه كثيرٌ منَ العلماءِ. "شرح التحرير" (١).

стр. 125

المياهُ ثلاثةٌ: أو ارتفاعُ حكمِ ذلك. (المياه) جمعُ ماءٍ أقسامُها (ثلاثةٌ) (أو ارتفاع حكم ذلك) أي: حكم الحدثِ وما بمعناه، وحكم النجس، بما يقوم مقامَ الماءِ الطهور، وهو الترابُ الطهورُ في التيممِ عن حدثٍ أكبر أو أصغر، وعن أثرِ النجاسةِ على البدنِ بعد تخفيفها ما أمكنَ لزومًا، وكالاستنجاءِ بالأحجارِ الطَّاهرةِ، فإنَّ ذلك كلَّه يقومُ مقامَ الماء الطهورِ. و"أو" في الحدِّ (١) للتنويع، وهذا الحدُّ أجودُ ما قيلَ في الطهارةِ، وقد عُرِّفت بحدودٍ كثيرة، وكلُّها منتقدةٌ، وما حَذفه من عبارةِ "المنتهى" (٢) ليس من الحدِّ بل من المحدودِ. مصنِّف على "الإقناع" وزيادة (٣). (جمع ماء) فهو وإن كَثُرت أنواعُها ترجعُ إلى ثلاثةٍ، فليسَ من استعمال جمعِ الكثرةِ في موضعِ جمع القلَّةِ كما قد يُتوَهَّم بقولِه: جمع كثرة، بخلاف جمعِه كأمواهٍ، واعترض بأنَّ جمعَ الكثرة هو ما فوقَ العشرةِ مع أنَّها ثلاثة أقسامٍ، فكأنَّ الظاهرَ جمعُه قلَّة، إلا أنْ يُقالَ: فهو وإن كَثُرت أنواعُها … إلخ. والماءُ: جوهرٌ بسيطٌ لطيفٌ سَيَّال بطبعِه. والمرادُ بالبسيطِ ما لم يتركبْ من أجزاء مختلفةِ الطبائعِ، كالعناصرِ الأربعةِ، وخَرج به ما يتركب منها، وبـ "لطيف" الكثيفُ كالترابِ، وبـ "سيَّال" نحوُ الهواءِ، و"بطبعهِ" بقيَّةُ المائعاتِ؛ فإنَّها تسيلُ بالعلاجِ، وله لونٌ على المشهورِ، لا أنَّه لا لونَ له، وإنَّما يتلوَّنُ بلونِ إنائِه (٤) كما يقولُ الحكماءُ، ويدلُّ للأولِ

стр. 126

طَهورٌ: يرفَع الحدَثَ، لأنَّ الماءَ إمَّا أَنْ يجوزَ الوضوءُ بهِ، أَوْ لا، فالأوَّلُ: الطَّهورُ، والثاني: إمَّا أنْ يجوزَ شربُهُ، أوْ لا؛ فالأوَّل: الطَّاهرُ، والثاني: النَّجسُ. وقد ذكرَ المصنفُ الأولَ بقولهِ: (طهورٌ) بمعنى مطهِّر، أي: أوَّلُها طهورٌ (يرفَع) وحدَه دونَ قسيميهِ بقرينةِ المقامِ (الحَدثَ) أي: يزيلُ الوصفَ القائمَ بالبدنِ المانعَ من قوله ﷺ في ماءِ الحوضِ: "إنَّه أشدُّ بَياضًا من اللبنِ" (١). وهمزتُه مُنقلبةٌ عن هاءٍ؛ لأنَّ أصلَه مَوَهٌ، تَحركتِ الواوُ وانفتح ما قبلَها فقُلبت ألفًا، وجُمعت في القلةِ أمواه، وعند الكوفيينَ مياه جمعُ قلَّةِ أيضًا، وهو اسمُ جنسٍ يقعُ على القليلِ والكثيرِ، فحقُّه أن لا يُجمَعَ، وإنَّما جمعُه باعتبارِ أنواعِه (٢). (لأنَّ الماءَ إمَّا أن يجوزَ … إلخ) هذا دليلُ حصره في الأقسامِ الثلاثةِ. (طهور) قدَّمه على قَسِيْمَيْهِ؛ لمزيتِه على الصِّنفين الأخيرين؛ لأنَّه يُستعمل في العاداتِ والعباداتِ، وهو الطاهرُ في نفسِه المُطهِّر لغيرِه. وطَهورُ على وزنِ فَعولُ (٣)، فعلى هذا هو من الأسماءِ المتعدِّيةِ وِفاقًا لمالكٍ والشافعيِّ، قال في "الفروع": قال أصحابُنا: هو من الأسماءِ المتعدِّيةِ بمعنى المُطهِّر. دَنوشري (٤). (بقرينةِ المقام) لأنه في مقامِ البيان، وهو يفيدُ الحصرَ، أي: مقام تقسيمِ الماءِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، فحيثُ ذكر أن الطهورَ يرفعُ الحدثَ دونَ قسيمَيْه أفادَ الحصرَ، فيخرجُ الطاهرُ والنجسُ.

стр. 127

ويزيلُ النجسَ الطارئَ، وهو: الباقِي على خِلْقَتِه، ولو حُكْمًا نحو الصلاةِ، ويُطلقُ الحَدثُ على الخارجِ من السبيلينِ، وعلى خروجهِ، وعلى ما أَوْجَبَ وضوءًا ويُسمَّى الأصغرَ، أو غُسلًا ويُسمَّى الأكبرَ. (ويُزيلُ) أي: يُذهِبُ ذلكَ الطَّهورُ وحدَه أيضًا (النَّجَسَ الطارئَ) أي: النجاسةَ الحادثةَ في محل طاهرِ. (وهو) أي: الطَّهور: الماء (الباقي على خِلْقَتِهِ) أي: صفتِهِ التي خُلقَ عليها من حرارةٍ أو بُرودةٍ، أو عُذوبةٍ، أو ملوحةٍ، أو غيرِها (ولو) كان بقاؤُه على خلقته (حُكْمًا) يعنى أنَّ الباقي على خلقتِهِ قسمان: (ويزيل .... النجسَ) عطفٌ على قوله: "يرفعُ الحدثَ"، وكلٌّ من الجملتينِ يُفيدُ الحصرَ باعتبار أنَّه في مقامِ البيانِ، والمعنى: لا يرفع الحدثَ ولا يزيل الخبثَ الطارئَ غيرُه. محمد الخلوتي. (وهو الباقي على خِلقته) قال في "الصحاح" (١): الخِلقةُ: الفطرةُ. قال شارحُ "الفروع" (٢): وفطرةُ الشيءِ: أوَّلُ وجودِه، والمرادُ به هنا وقتُ ظهورِه إلينا؛ لأنَّه لا اطلاعَ لنا على صفتِه على المعنى الأول، فلهذا حذفَ الشارحُ قيدَ الأصلِ المذكورِ في "المقنع" (٣) تنبيهًا على أنَّ المرادَ استمرارُه على الصفةِ التي كان عليها أوَّلَ خلقِ اللهِ له، بيان لِـ: "مِنه" (٤). (يعني (٥) أنَّ الباقي على خِلقته قسمان أَحدُهما … إلخ). هذا التقسيمُ للماءِ باعتبارِ حقيقتِه التي وُجِد عليها، ومَحلِّه الذي يخرجُ منه بالنظرِ لماءِ البحر .... إلخ، وأشارَ بهذا التفسيرِ إلى أنَّ في كلامِه اكتفاءً (٦).

стр. 128

كمتغيِّرٍ بمُكْثِه أحدُهما: ما يبقى عليها حقيقةً، بأنْ لم يطرأ عليهِ شيءٌ أصلًا، كماءٍ نزلَ من السَّماءِ من مطرٍ، وذَوْبِ ثلجٍ وبَرَدٍ، وكماءِ بحر، ونهر، وعينٍ، وبئرٍ. وثانيهما: ما يبقى عليها حُكمًا، بأن طرأ عليهِ ما لا يَسلُبُ طَهوريَّته. (كمتغيِّرٍ بمُكثِهِ) أي: بطولِ إقامتِهِ في مقرِّهِ؛ لأنَّه ﷺ توضأَ بماءٍ آجِنٍ (١)، أي: متغيِّرٍ. يقالُ: أجَنَ الماءُ أجَنًا وأُجُونًا -من بَابَي ضَرَبَ وقعَدَ- تغيَّر، إلَّا أنَّه يُشْرَب، فهو آجنٌ بالمدِّ؛ قالَه في "المصباحِ" (٢). ولأنَّه تغيَّر عن غيرِ مخالطةٍ، أشبه المتغيَّر بالمجاورةِ، وحكاهُ ابنُ المنذر إجماعَ من يُحفَظُ قولُه من أهلِ العلمِ، سِوى ابنِ سيرينَ فإنَّه كَرِهَه (٣). "وكماءِ بحر" البحرُ: هو الماءُ الكثيرُ عذبًا أو مِلحًا، وقد غلبَ على الملحِ حتى قَلَّ في العذب. قاله ابنُ سِيده (٤). (كمتغيِّر … إلخ) مثالٌ للباقي على خِلقته حكمًا، والسِّرُّ في تعدادِ الأمثلةِ النصُّ على كلِّ مسألةٍ كما هي طريقةُ الفقهاءِ. (من أهلِ العلم) كأهلِ المذاهب والمجتهدين من الصحابة وغيرهم.

стр. 129

أو طُحْلُب أو ورقِ شَجَرٍ، أو مَمَرِّه ونحوِه، أو بمجاوِرٍ نَجِسٍ. (أو) متغيِّرٍ [بـ (ـــطُحْلُبٍ) بضمِّ اللام، وفتحُها تخفيفٌ: شيءٌ أخضرُ لزِجٌ يُخلقُ في الماءِ وَيعلوهُ. (أو) متغيِّرٍ بـ (ـــورَقِ شجرٍ) سقطَ في الماءِ بنفسِه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ. (أو) متغيِّرٍ بـ (ــممَرِّه) أي: محلِّ مرورِه، بأن تغيَّرَ بنحوِ كبريتٍ (ونحوِه) كمتغيِّرٍ بآنيةِ أُدُمٍ، أي: جلود، أو آنيةِ نحاسٍ وحديدٍ. (أو) متغيِّرٍ] (١) (بمجاورٍ) بالتنوين (نجسٍ) أي: بريحِ نحو ميتةٍ نجسةٍ بمحلٍّ قريبٍ منَ الماءِ. قال في "الشَّرحِ" و"المبدعِ": بغيرِ خلافٍ نعلَمُه،. فهذا المتقدِّمُ كله طَهورٌ غيرُ مكروهٍ. (أو متغيِّر بطُحْلُبٍ .. أو بورق شجر) قال في "الرعاية": فإن زالَ اسمُ الماءِ ورقِّتُه وجريانُه ببعضِ ذلك، فليسَ طهورًا. وقال الشيخُ تقيُّ الدين: تخصيصُ ورقِ الشجرِ بالذكرِ، مفهومُه: أنَّه لو وقعتْ ثمارُ الأشجارِ في الماءِ أنَّه يسلبُه الطهوريةَ قولًا واحدًا؛ فإنَّه لا يشقُّ التحرُّزُ عنه، وقلَّما يوجدُ من الثمارِ على حافاتِ الأنهارِ. "تنبيه": مثلُ التغيُّرِ بالطحلبِ وورقِ الشجرِ ما تغيَّر بنابتٍ فيه، أو بسمكٍ ونحوه من دوابِّ البحرِ، أو جرادٍ ونحوه ممَّا لا نفسَ له سائلة. حفيد. (غير ذي قصد) أي: صاحبِ قصدٍ كالدابةِ والمجنونِ والصغيرِ، فإنَّ جميعَ ما ذُكر لا قصدَ له، فإنْ وُضِع في الماء قصدًا، فيسلبُه الطهوريَّةَ إذا تغيَّر به تغيُّرًا كثيرًا؛ حينئذٍ عن ممازجةٍ واختلاطٍ لا مجاورةٍ، ويَنضبِط المجاورُ بما يمكنُ فصلُه، والمخالطُ بما لا يمكنُ فصلُه. دَنوشَري (٢). (قال في "الشرح" (٣) و "المبدع" … ): هذا كالدليلِ للمتغيَّرِ بمجاورٍ. (فهذا (٤) المتقدمُ كلُّه … إلخ) أخذًا من قولِه: "وكره منه … إلخ".

стр. 130

وكُرِهَ منه شديدُ حَرٍّ أو بَرْدٍ، ومسخَّن بنجسٍ ثمَّ أشارَ إلى ما يُكرهُ منَ الطَّهورِ بقولهِ: (وكُرِه) بالبناءِ للمفعولِ (منه) أي: من الطَّهورِ (شديدُ حَرٍّ) نائبُ فاعلِ: "كُرِه"، أي: يُكره ماءٌ اشتدَّ حَرُّه بنارٍ أو شمسٍ؛ لأنَّه يمنعُ كمالَ الطَّهارةِ، فلو بَرُد، لم يُكره (أو) شديدُ (بَرْدٍ) أي: يُكره ما اشتدَّ بَرْدهُ؛ لما تقدَّمَ. (و) كُرهَ منه [ماءٌ: (مسخَّنٌ] (١) بنجسٍ) أي: بنجاسةٍ، ولو بُرِّد؛ لأنَّه لا يسلمُ غالبًا من دُخَانِها، فإنْ تحقَّقَ وصولُه إليهِ وكانَ الماءُ يسيرًا، تنجَّسَ. وكُره إيقادُ النَّجاسةِ في تسخينِ ماءٍ وغيرهِ. ويُستثنى من كراهةِ المسخَّنِ بنجسٍ الحمَّامُ (أي: يُكره ما اشتدَّ بردُه؛ لما تقدم) من أنَّه يمنعُ كمالَ الطهارة. (وكُرِه منه ماءٌ مُسخَّن بنجسٍ) ظنَّ وُصولُها إليه أو احتمل، أوْلا، حصينًا كانَ الحائلُ أَو غير حصين، ولو بُرِّد. ويُكرهُ إيقادُ النجسِ، وإن علمَ وصولَ النجاسةِ إليه وكان يسيرًا، وأمَّا إذا كان كثيرًا، فلا، إنْ لم يتَغيَّر بِسببها. مصنِّف (٢) وإيضاح. (فإنْ تحقق وصوله (٣) إليهِ) أي: علمَ وصولَ النجاسةِ إليه. (الحمام) أي: يُستثنى من كراهةِ المسخَّنِ بنجسٍ، ماءُ الحمامِ؛ لأنَّ الصحابةَ رَخَّصت في دخولِ الحمامِ ودَخلته أيضًا (٤) مع الأمنِ من الوقوعِ في المحرَّمِ.

стр. 131

لم يَحتج إليه، أو بغيرِ ممارج بدُهن قال في "المبدع" (١): لأنَّ الرُّخصةَ في دخولِ الحمَّامِ تشملُ الموقودةَ بالطاهرِ والنَّجسِ. انتهى. ومحلُّ كراهةِ ما اشتدَّ حرُّه أو بردُه، أو سخنَ بنجسٍ إذا (لم يُحتج إليه) بأنْ وُجدَ غيرُه، فإن احتيجَ إليهِ بأنْ لم يوجدْ غيرُه، تعيَّنَ بلا كراهةٍ؛ لأنَّ الواجبَ لا يكونُ مكروهًا، وكذا كلُّ مكروهٍ. (أو) أي: وكُره منه متغيِّرٌ (بغير ممازجٍ) أي: مخالطٍ تذهبُ أجزاؤُه فيه كمتغيِّرٍ (بدُهنٍ) بضمِّ الدَّالِ: ما يُدَّهنُ بهِ من زيتٍ وغيرِه (قالَ في "المبدع" … إلخ) كالدليلِ للاستثناءِ. (إذا لم يحتج إليه) أي: بأن وُجِد غيرُه وهو من المفرداتِ (٢)، ومَحلُّه ما لم يَتيقنْ وصولَ دخانِها إِليه، فإنَّه ينجسُ بذلك كما تقدَّمَ. حفيد. (بأن وجد غيره) تصويرٌ للنفي، وهو عدمُ الاحتياجِ. (أي: مخالط) تفسيرٌ للمنفي، وهو الممازجُ والمخالطُ. (كمتغيّر بدُهنٍ) مثالٌ لما لا يُخالطُ ويمازجُ كزيتٍ وسمنٍ؛ لأنَّه لا يمازجُ الماءَ، وكراهتُه؛ خروجًا من الخلافِ. قال: في "الشرح" (٣): وفي معناهُ ما تغيَّر بالقَطِران والزِّفتِ والشَّمع؛ لأن فيه دُهنيةٍ يتغيَّرُ بها الماءُ.

стр. 132

وقِطَعِ كافورٍ (و) كمتغيِّر بِأ (ـقطع كافورٍ) قال المصنِّفُ في "شرح الإقناع" (١): لكن القطران قَسمه بعضُ العلماءِ إلى قسمين: ما لا يمازجُ، والكلامُ فيه؛ لأنَّه في معنى الدهنِ، وما يُمازجُ الماءَ فيسلبهُ الطهوريةَ، كسائرِ الطاهراتِ الممازجةِ، ولم أرهُ لأصحابِنا، لكن كلامُهم يدلُّ عليه. قال محمدٌ الخلوتي: أقولُ: هذا الذي جَعلهُ مقيسًا على كلامِهم، صَرَّح به الشِّيشيني (٢) في "شرحِ المحررِ"، وعبارتُه: قال بعضُهم: القَطِرانُ على نوعين: نوعٌ فيه دُهنيَّةٌ فلا يُمازجُ الماءَ، فتغيُّرُ الماءِ به تغيُّرُ مجاوةٍ كالدُّهنِ، وهذا حكمُه حكمُ المتغيِّرِ بالدُّهن على ما تقدَّمَ، ونوعٌ لا دُهنيَّةَ فيه، فتَغيرُ الماءِ به تغيُّرُ مخالطةٍ، فيسلبُ الماءَ الطهوريَّةَ على المذهبِ، كما تقدَّمَ. قلت: وعلى هذا، فلو تغيَّر الماءُ بقَطِران، وشُكَّ هل فيه دُهنيَّةٌ، أوْلا؟ فالأوْلى اجتنابُه في طهارته؛ عملًا بالأصلِ، وهو تغيُّرُ الماءِ بالمنيِّ الواقعِ فيه تغيُّرَ مجاورةٍ؛ لأنه لا يُماعُ في الماءِ، فهو كالدُّهنِ، أو تغيُّرَ مخالطةٍ يسلبُه الطهوريَّةَ، يتوجَّه فيه احتمالان. (وكمتغيِّر بقِطَعِ كافور) تغيَّر الماءُ بتحلُّلِ أجزائِه فيه، واحترزَ بالقِطَعِ عن المسحوقِ، فإنَّه يسلبُ طهوريَّةَ الماءِ؛ لتحلُّلِ أجزائِه فيه واختلاطِه به. قال الدَّنُوشَري: الكافُورُ: هو المشهورُ من الطِّيْبِ.

стр. 133

أو بملحٍ مائيٍّ، لا مسخَّن بشمسٍ وعودٍ قَماري -بفتحِ القافِ- وعَنْبَرٍ لم يُستَهلكْ ذلك في الماءِ، ولم يتحلَّلْ فيهِ. (أو) أي: وكُره منه متغيِّرٌ (بملحٍ مائيٍّ) وهو الماءُ الذي يُرسلُ على السِّباخِ فيصيرُ ملحًا. وفُهمَ منه أنَّ الملحَ المعدنيَّ كباقي الطاهراتِ فيسلبُ الطَّهورية إذا غيَّر كثيرًا كما سيجيءُ. وكذا لو كانَ الماءُ الذي انعقدَ الملحُ منهُ. مسلوبَ الطَّهورية، ومحل كراهةِ ما ذكرَ إذا لم يُحتجْ إليهِ كما تقدمَ. ولو أخَّر المصنفُ قولَه: "لم يُحتجْ إليه" إلى هنا لكانَ أولى. و (لا) يُكرهُ منَ الطهورِ [ماءٌ (مسخَّنٌ] (١) بشمسٍ) مطلقًا أي: سواءٌ كانَ في آنية فإنَّه يسلبُ طهوريَّةَ الماءِ؛ لتحلُّلِ أجزائِه فيه واختلاطِه به. قال الدَّنُوشَري: الكافُورُ: هو المشهورُ من الطِّيْبِ. (وعودٍ قَماريٍّ) وهو العودُ الهنديُّ الذي يُتبخَّر به، نسبةً إلى قَمَار بلدة من بلادِ الهندِ (٢)، إذا كانَ قطعًا ولم يتغيَّرِ الماءُ بتحلُّلِ أجزاءٍ منه. منه حفيد. (وكذا لو كانَ الماءُ الذي انعقد … إلخ) أي: مثلُ المتغيِّرِ بالملح المعدنيِّ لو كانَ … إلخ، بأن يكونَ استعملَ الماءُ في رفعِ حدثٍ، ثم انعقدَ ملحًا بعد ذلك، فإنَّه يكونُ مسلوبَ الطهوريَّةِ، فإنْ وُضِعَ في ماءٍ، سلَبَ طهوريَّتَه. (لكان أولى) وجهُ الأولويةِ أنَّ الماءَ الطهورَ الشديدَ الحرارة أو البرودة، أو مسخَّن بنجس، أو تغيَّر بغيرِ ممازحٍ، وما عُطِفَ عليه، كلُّه مكروهٌ، ما لم يُحتجْ إليه، فإنِ احتيجَ إليه، زالتِ الكراهةُ، فكانَ ينبغي أن يؤخّرَ قوله: "إن لم يُحتج إليهِ" إلى هنا. (ولا يكرهُ من الطهورِ ماءٌ مسخَّنٌ بشمسٍ … أو بطاهر) انظر ما السرُّ في تأخيرِ هذين

стр. 134

أو طاهرٍ. وإن خَلَتْ مكلَّفةٌ منطبعةٍ كالنُّحاسِ، أوْ لا، كالأُدُمِ، حيثُ لم يشتدَّ حرُّه. وما رُوي عن النَّبي ﷺ أنَّهُ قال لعائشةَ ﵂ وقد سخَّنت ماءً في الشَّمسِ: "لا تفعلي فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ" (١) قال النَّوويُّ: هو حديثٌ ضعيفٌ باتفاقِ المحدِّثينَ، ومنهم مَنْ يجعلُه موضوعًا (٢). ويعضدُ ذلكَ إجماعُ أهلِ الطبِّ على أنَّ ذلكَ لا أثرَ له في البَرَصِ. (أو) أي: ولا يُكره أيضًا مسخَّنٌ بـ (ـطاهرٍ) كالحطبِ. نصًّا؛ لعموم الرُّخصةِ. وعن عمرَ: أنَّه كانَ يُسخَّنُ له ماءٌ في قُمقُمٍ فيغتسلُ به. رواه الدارقُطنيُّ (٣) بإسنادٍ صحيحٍ. ومحلُّه إذا لم يشتدَّ حرُّه أيضًا. (وإن خلت) امرأةٌ (مكلَّفةٌ) القسمينِ عن باقي ما لا يكره؟ بل فصَل بينَ ما ذُكر هنا وما ذُكر قبلهما بالمكروهِ، وخالفَ صنيعَ "المنتهى" (٤). (كالأُدُمِ) وسواء كان في قُطْرٍ حارٍّ أو بارد، وسواءٌ سُخِّن قصدًا أو اتفاقًا. حفيد. (ويعضد ذلك) أي: يقوِّي. (كالحطب) وروثٍ طاهرٍ أيضًا، فإنَّ المثالَ لا يُخصِّصُ، بل يُقاسُ عليه.

стр. 135

بيسيرٍ؛ لطهارةٍ كاملةٍ عن حَدَث، لم يَرفع حدثَ رجلٍ. أي (١): بالغةٌ عاقلةٌ، ولو كافرة، حرَّة (٢) أو أمةً (بـ) ـماءٍ (يسيرٍ) دونَ القُلتينِ (لطهارةٍ كاملةٍ) أي: تامةٍ استعملَتْه فيها (عن حدَثٍ) أصغرَ أو أكبرَ. وجواب "إنْ" قولُه: (لم يَرفعْ) ذلكَ الطَّهورُ الباقي عن طهارتِها (حدثَ رجلٍ) أي: ذكرٍ بالغٍ، وكذا لا يرفعُ حدثَ خنثى مشكلٍ بالغٍ (أي: تامَّة) أي: مستجمعة لشروطِها وفروضِها، فلو اختلفَ شيءٌ من ذلك، لم تُؤثِّر خلوتُها به. لا يُقال: الكافرةُ لا تصح نيتُها، فَطهارتُها لحيضٍ أو نفاسٍ أو جنابةٍ ليست كاملةً، فلا تؤثِّرُ خلوتُها، وقدَّمَ أنها مؤثرةٌ؟ لأنَّا نقولُ: النيةُ ليست شرطًا في طهارتِها؛ لتعذُّرِها منها. مصنِّف (٣). (وكذا لا يَرفعُ حدثَ خنثى مشكلٍ بالغٍ) احتياطًا؛ لاحتمالِ أن يكونَ رجلًا. فإن قلت: فهلَّا أثَّرتْ خلوةُ الخنثى به احتياطًا؛ لاحتمالِ أن يكونَ امرأةً؟. قلتُ: لا يمنعُ بالاحتمالِ، كما لا ينجسُ بالشكِّ، وهنا المنعُ تحققَ بالنسبةِ إلى الرجلِ، والخنثى يحتملُ أن يكونَ رجلًا فمنعناهُ منه، كمَن تيقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطهارةِ. مصنِّف (٤).

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حدثًا أصغرَ أو أكبرَ، بل ليسَ لهما استعمالُه أيضًا في وضوءٍ وغسلٍ مُستحبَّينِ، ولا في غسلِهما ميِّتينِ، كما هو مقتضَى كلام غيرِه. والأصلُ في ذلكَ ما روى الحَكَمُ بن عمرٍو الغِفاريُّ قالَ: نهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يتوضَّأَ الرجلُ بفَضْلِ طَهُورِ المرأةِ. رواه الخمسةُ، إلا أنَّ النَّسائيَّ وابنَ ماجه (حدثًا أصغر أو أكبر) راجعٌ لحدثِ الخنثى المشكلِ. (بل ليس لهما) أي: للرجلِ البالغِ، والخنثى البالغ، فهو إضرابٌ إبطاليٌّ (١). (رواه الخمسةُ) الطريقةُ في ذكرِه الأحاديثَ النبويَّةَ التي ترجعُ أصولُ الأحكامِ إليها، وتعتمدُ علماءُ الإسلامِ عليها، بأن يرمزَ لما رواه البخاريُّ ومسلمٌ بـ: أخرجاه، ولما رواهُ الإمامُ أحمدُ بن حنبل في "مسنده"، ولما رواه أبو (٢) عيسى الترمذيُّ في "جامعه"، ولما رواه أبو (٢) عبد الرحمن النسائيُّ في "سننه"، ولما رواه أبو (٢) داود السِّجستاني في "سننه"، ولما رواه ابنُ ماجه القزوينيُّ في كتابه "السنن" بقولِه: رواهُ الخمسةُ. وأن يرمزَ لجميعِهم أي: سبعتهم، بقولِه: رواه الجماعةُ، ولأحمدَ مع البخاريِّ ومسلمٍ: متفق عليه. وفيما سوى ذلك أن يُبيِّنَ مَن رواه منهم. أفادَ ذلك شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدين ابنُ تيميةَ في بعضِ مؤلَّفاتِه (٣). (وابن ماجه) يُقرأ بالهاءِ وقفًا ووصلًا، ومثلُه سِيدَهْ، ومندهْ، وبَرْدِزْبه، وجمعَ ذلك بعضُهم في بيت، فقال: سيدهْ ووبَرْدِزْبه وماجهْ مثلُها … مندهْ بها وصلًا ووقفًا لفظها و"ابن" مضافٌ، و"ماجه" مضافٌ إليه مجرور وعلامةُ جرِّه فتحة مقدَّرة نيابةً عن الكسرة؛ لأنها ممنوعةٌ من الصَّرْف؛ للعَلَميَّة والعُجمة، منَع من ظهورِها سكونُ الحكاية

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قالا: "وَضُوء المرأةِ" وحسَّنهُ التِّرمذيُّ، وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ (١)، واحتجَّ بهِ الإمامُ في رواية الأثرمِ. والمرادُ بالخلوةِ المذكورةِ أنْ لا يشاركَها ولا يحضرَها حالةَ الاستعمالِ مَنْ تزولُ بهِ خلوةُ النكاحِ، ولو مميِّزًا أو أعمى أو كافرًا (٢) أو أنثى، فمتى شاركَها أو شاهدَها أحدُ من (٣) ذُكرَ في الطَّهارةِ كلِّها أو بعضِها، لم يؤئِّرْ ذلك في الماءِ. وعُلم مما تقدمَ أنَّه لا أثرَ لخلوةٍ صغيرةٍ بالماء ولا لخلوةٍ مكلَّفةٍ بماءٍ كثيرٍ، بلفظِه، أي: حكاية لفظه، و"ماجه": اسمُ أُمِّه (٤). (قالا: وضوء المرأة) فعلى هذه الروايةِ مفهومُه: لو استعملت الماء (٥) في رفع الحدثِ (٦) الأكبرِ، يجوزُ استعمالُ فضلِ الطهورِ في هذه الحالةِ؛ لأن الروايةَ الأولى عامَّةٌ والثانيةَ خاصَّة، إلا أن يُحملَ المقيَّدُ على المطلقِ؛ لأجلِ التعبُّد. (أن لا يشاركَها ولا يحضرها) بأن لا يكونَ ثمَّ مَن يشهدُها أو يشهدُه، يعني: يحضر، وليس المرادُ المشاهدةَ بالبصرِ؛ لأن الأعمى يضرُّ في خلوةِ (٧) النكاح، يعني: لا تثبت (٨) الخلوةُ مع حضورِه. محمد الخلوتي. (وعُلِمَ مما تقدَّم … إلخ) أي: فُهم من قولِ المصنفِ: "وإن خلت المكلَّفة … إلخ" فهو إشارةٌ منه إلى بيانِ محترزاتِ هذه المسألةِ.

стр. 138

الثاني: طاهرٌ: أو ترابٍ، أو لبعضِ طهارةٍ، أو لطهارةٍ مستحبةٍ، أو لإزالةِ خبثٍ، وأنَّه يُزيلُ خَبَثَ الرَّجلِ والخنثى، وأنَّه يرفعُ حدثَ الصَّغيرِ والأنثى. زادَ المصنفُ (١): جوازَ غسلِ رجلٍ ذكَرَه وأُنْثييهِ لخروجِ مَذْيٍ. انتهى. ووجههُ (٢) إلحاقهُ بالنَّجاسةِ إذْ لم يعتبرْ فيهِ نيَّةٌ ولا تسميةٌ، كما سيجيءُ. القسمُ (الثاني) من أقسامِ الماءِ: (طاهرٌ) في نفسه والحاصلُ: أنَّه على مقتضى ما ذكرَ من المحترزاتِ تصيرُ فضلةُ المرأةِ المذكورة لا ترفعُ حدثَ رجلٍ وخنثى مشكل بالغين إلَّا بسبعةِ قيودٍ: الأولُ: الخلوةُ. الثاني: المرأةُ. الثالثُ: المكلَّفةُ. الرابعُ: بماءٍ. الخامسُ: يسير. السادسُ: لطهارةٍ كاملةٍ. السابعُ: عن حدثٍ. (الثاني: طاهرٌ) وحكمُه أنَّه لا يرفع حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا، ولا يُستعملُ في طهارةٍ مندوبة، وإنَّما يُستعمل في العاداتِ دون العبادات، فيجوزُ شربُه، والطبخُ بهِ، والعجنُ، ونحو ذلك، وجعله المصنفُ في الوسطِ؛ لسلبِ أحدِ الوصفين منه وإبقاءِ الآخر، وبينَه وبينَ الطهورِ عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ؛ لاجتماعِهما في جوازِ الاستعمال في العاداتِ والعباداتِ، وبنفردُ الطاهرُ بالاستعمالِ في العاداتِ، فكلُّ طهورٍ طاهرٌ، ولا عكس. وإذا اشترى ماءً قليلًا للشرب، فبانَ قد تُوضِّئ به، فهو معيبٌ؛ لأنَّه مستقذَرٌ شرعًا. ذكره في "النوادر" (٣). ولو وكلَّه في شراءِ ماءٍ وأطلقَ، فاشتراهُ، لم يلزمْ موكِّلًا قبولُه؛ لأنَّه معيبٌ، ولزمَ الوكيلَ حيثُ علمَ بالعيب ولم يرضه موكِّلُه، وإن جهلَ، فلهُ ردُّه، كما سيأتي التنبيهُ عليه في بابِه إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 139

وهو ما تغيَّر كثيرٌ مِن لونِه أو طعمِه أو ريحِه بطاهرٍ غيرُ (١) مطهِّرٍ لغيرِه. (وهو) أي: الطَّاهرُ (ما تغيَّرَ كثيرٌ من لوْنهِ، أو طعمهِ، أو ريحِه) في غير محل تطهير .. ولو حلفَ لا يشرب ماءً، فشربَ الماءَ الطاهرَ، لم يحنثْ؛ لأنَّه ليسَ بماءٍ مطلقٍ عرفًا. دَنُوشَري وإيضاح. (غير مطهرٍ لغيره)، كالماءِ المستخرجِ بالعلاج، كماءِ وردٍ وزهرٍ ونحو ذلك من المعتصراتِ؛ لأنَّه لا يُطلقُ عليه اسمُ الماءِ. (وهو ما تغيَّر … إلخ) بأن كان طهورًا وتغيَّر تغيُّرًا كثيرًا بواحدٍ من هذه الصفاتِ. قال في "الشرح الكبير" (٢): إذا ثبتَ هذا، فإنَّ أصحابنا لم يُفرِّقوا بينَ الزعفرانِ والأُشْنانِ والحبوبِ من الباقِلَّا والحِمَّصِ، والثَّمَر كالتمرِ (٣) والزبيبِ والوَرَقِ ونحو ذلك. أي: لا فرقَ بين مياهِ هذهِ الأشياءِ كلِّها، فإنْ تَغيَّر الماءُ بواحدٍ منها، سلبت الطَّهوريَّة، فلو تغيَّر به بعضُه، فما لم يتغيَّر، فطهورٌ، ولو تَغيَّر به فطهورٌ، ولو تغيَّر به ثم زالَ تغيُّره، عادت طَهوريَّته. قالَ الدَّنُوشَري: وأمَّا الماءُ الذي سُلِق فيه البيضُ؛ فإنَّه باقٍ على طَهوريتِه، سواءٌ كان قليلًا أمْ كثيرًا؛ لأنَّه لم يختلط بطاهرٍ من أجزاء ما سلق فيه؛ لأنَّه ليسَ بطبخ معتادٍ، واحترزَ بقولِه: (تغير كثير) عن التغيُّرِ اليسيرِ، فإنَّه لا يسلبُه الطَّهوريَّةَ. انظر ما ذكرَه الدَّنُوشَري والشارحُ. لا يقال: يُشترطُ في المخالطةِ استهلاكُ الأجزاءِ، وما ذكرهُ وما ذكراه ليس فيه أجزاء تُستهلكُ؛ لأنَّا نقول: محلُّ ذلك فيما فيه أجزاء، كقطعِ الكافور، وما لا، فلا. (في غير محل تطهير) متعلِّق بـ "تغير" أي: بأن يكونَ الماءُ مستعملًا في غسل نجاسة، فإنه ما دامَ على الأعضاءِ، فإنه طهورٌ ولو تغيَّر بالنجاسةِ. منه.

стр. 140

غيرِ (بـ) مخالطة شيء (طاهرٍ) من غير جنس الماء، مما لا يشقُّ صَوْنُ الماء عنه بطبخ كمَرَقِ الباقِلَّا أو غيره، كما لو سقط فيه نحو زَعْفران فتغيَّر به، فيسلبه الطَّهوريةَ؛ لأنه زالَ إطلاق اسمِ الماء عليه بلا قيد، بل يقال فيه: ماءُ زَغفران، ماءُ باقِلاء، ونحوه. ولأنَّ الكثيرَ من الصفة بمنزلةِ كلها. وعُلم منه أنه لا يسلبه الطَّهوريةَ تغيُّرٌ يسيرٌ من صفةٍ، فلو كان اليسير من صفتين أو ثلاث يعدل الكثيرَ من صفةٍ، سلبَ الطَّهورية (غيرِ) تراب (١) (بمخالطةِ شيءٍ) بحيث تذهبُ أجزاؤه فيه، وهو متعلِّقٌ بـ "تغير". (كمرق الباقلَّا) وحرَّر الفرقَ بينهما، والظاهرُ أنَّه لا فرقَ. (كما لو سقطَ فيه نحوُ زعفران) مثال للغيرِ بأن سقطَ فيه نحوُ زعفران ونحوه، فتغيَّرَ به تغيُّرًا كثيرًا من لونهِ أو طعمِه أو ريحِه. (لانَّه زالَ إطلاقُ الماءِ بلا قيدٍ، بل يقال .. إلخ) أي: يُقال: ماءُ كذا، بالإضافةِ اللازمةِ، بخلافِ ماءِ البحرِ والحمَّامِ ونحوه، فالإضافةُ فيه غيرُ لازمةٍ. وزالَ أيضًا عنه معنى الماءِ فلا يُطلبُ بشربِه الإرواءُ. "شرح الإقناع" (٢) وزيادة. (ولأنَّ الكثيرَ من الصفة … إلخ) عطفٌ على قولِه: "زال إطلاق .. إلخ" وهو جوابٌ عمَّا يُقالُ: لِمَ أعطيتم الحكمَ للكثيرِ دونَ الجميعِ؟ فكانَ الأولى أنْ يقولَ المصنِّفُ: أحد أوصافِه، ولم يقلْ: "كثيرٍ (٣) … إلخ". (غير تراب) أي: طهورٍ؛ ليَخرجَ الترابُ المستعملُ؛ فإنَّه كباقي الطاهراتِ فيَسلبُ الماءَ الطَّهوريةَ، وهو مستثنى من قولِه: "تغير بمخالطةِ شيءٍ طاهرٍ"، هذا بالنظرِ لحلِّ الشارحِ، وبالنظرِ لكلامِ المصنفِ صفة لقولهِ: "بطاهرٍ". "شرح الإقناع" (٤) وإيضاح.

стр. 141

ما مرَّ. أو رُفعَ بقليلِه حدثٌ، ولو وُضع قصدًا. و (ما مرَّ) ذكره في الطَّهور مما لا يُمازجُ الماءَ، كدهنٍ وقِطَع كافورٍ، وما أصله الماء كالملح المائي، فإنَّ المتغير بهذا لا تَنسلبُ طَهوريتُه، سواءٌ سقطَ فيه بنفسِه، أو وضَعَه فيه واضعٌ. (أو) أي: ومن أقسام الطاهر ما (١) (رُفعَ) بالبناء للمفعول (بقليلهِ) أي: الطَّهورِ، أي: بما دون القُلَّتين (حَدَثٌ) نائبُ فاعلِ: "رُفعَ" يعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعملَ (ولو وُضع قصدًا … إلخ) فتغيَّرَ به تغيُّرًا كثيرًا؛ فإن ذلك لا يسلبه؛ لأنَّ الترابَ أحدُ الطَّهورين، ولأن الشارعَ ﷺ أمَر بخلطِه في الماءِ الطهورِ؛ لإزالةِ النجاسةِ الكلبيَّةِ (٢) والخنزيرِ وما تولَّدَ منهما، ولأن التغيُّرَ به كدرةٌ لا تمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ عليه، فيقالُ فيه: ماءٌ كدرٌ، وجزمَ في "المغني" (٣) و "الشرح الكبير" (٤) أنَّه طهورٌ؛ لكونهِ يُوافقُ الماءَ في صفتَيهِ الطاهريَّةِ والطهوريَّةِ، وهذا كلُّه مع رقَّتِه، فإنْ ثَخُنَ بحيثُ صارَ لا يجري على الأعضاء لم تصحَّ الطهارةُ به؛ لأنَّه طينٌ، فإن صُفِّي من الترابِ، فطهورٌ. دَنُوشَري. (يعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعملَ في رفعِ حدثٍ … إلخ) تفسيرٌ لقولهِ: "أو" أي: ومِنَ الأقسامِ الطاهرةِ ما … إلخ. وإنَّما صارَ مستعملًا؛ لأنَّه أدَّى به مالا بدَّ منهُ، وهو رفعُ الحدثِ، فهو طاهرٌ غيرُ طهورٍ، ولأنَّ الصحابةَ ﵃ لم يَجمعوا الماءَ القليل المستعملَ في أسفارِهم القليلةِ الماءِ؛ ليتطهَّروا به ثانيًا، بل عَدَلوا عنه إلى التيمُّمِ، فدل ذلك على أن الماءَ

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في رفعِ حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ، يكونُ طاهرًا غيرَ مطهِّرٍ، وكذا يسيرٌ استُعمِل في غسلِ ميِّت، لكن ما دامَ الماءُ متردِّدًا على الأعضاءِ فطَهورٌ، ولا يصيرُ الماءُ (١) مستعملًا في الطهارتين القليل المنفصلَ المستعملَ في رفعِ الحدثِ طاهرٌ لا طهورٌ، فلا يرفعُ حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا؛ لأن الطهارةَ لا تصحُّ إلَّا بالماءِ المطلقِ. وعنه: نجس. ورُدَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ صَبَّ على جابرٍ من وَضوئه كما رواه البخاري (٢)، فدلَّ ذلك على طهارته. وقوله: "في رفعِ حدث". جَريٌ على الغالبِ، فلا يرد صاحبُ الضرورةِ ولو لم يرتفع حدثُه بالاستعمالِ؛ لأنَّه استباحَ به الصلاةَ والطواف ومسَّ المصحفِ، ولا يُشترطُ في سلبِ طَهوريَّةِ الماءِ المستعملِ في رفع الحدثِ الأكبرِ أن يستعملَه المحدِثُ في عضوٍ كامل، بل يصيرُ مستعملًا ولو بغمسِ بعضِ عضوِ مَن عليه حدثٌ أكبرُ في الماءِ القليل، سواءٌ كانَ راكدًا أو جاريًا بعدَ انقطاعِ موجبهِ وبعدَ نيَّةِ رفعِه أو قبلها، ثمَّ ينوي وهو فيه، فلا أثرَ لغَمسه فيه وانفصالِه عنه بلا نيَّةِ رفعِ حدثٍ، كأنْ ينويَ التبرُّدَ، أو إزالةَ الغبار، أو الاغتراف فقط. ولو اغترَف المتوضِّئ بيده من قليلِ بعدَ وجهه -إذا تمَّ بالغَسلة الأولى- منه، ونوى رفْعَ الحدث عنها، سلَبه الطَّهوريَّةَ، ولو لم يرتفع الحدثُ. وإن لم ينوِ غسلَها فيه، بأنْ نوى غسلَها خارجَه، فطهورٌ؛ لمشقَّة تكرُّره. وقولُ الأصحاب: نوى الاغترافَ بعد غسل وجهه؛ احتراز عمَّا إذا كان الاغترافُ قبل غسل الوجه، فإنَّه لا يصير مستعملًا؛ لوجوب الترتيبِ في الوضوء، ولم يحصل. دَنُوْشري. (في الطهارتين): الحدث الأكبر والأصغر.

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلَّا بانفصالِه. وعُلم مما تقدَّمَ أنَه لو كان الماءُ في الصورِ الثلاثِ كثيرًا، كما لو انغمس الجُنُب، أو غَمسَ المتوضئُ أعضاءَ وُضوئهِ واحدًا بعدَ واحدٍ، أو غُمس الميتُ في كثيرٍ، لم تنسلب طهوريتُه. وأنَّه لو استُعملَ اليسيرُ في طهارةِ مستحبَّةٍ، كتجديدِ وضوءٍ، وغُسلِ جمعةٍ، وغسلةٍ ثانية وثالثةٍ، لم تنسلب طهوريتُه أيضًا، لكنْ صرَّح في "الإقناعِ" (١) بكراهةِ هذا النوعِ، أعني: المستعملَ في طهارةٍ مستحبةٍ. وظاهر "المنتهى" (٢) كـ "التنقيح" و"الفروع" (٣) و "المبدع" و "الإنصافِ" (٤) وغيرها: عدمُ الكراهة، واستوجَه المصنفُ (إلَّا بانفصاله) أي: بشرطِ كمال الطهارة، فيكونُ استعماله موقوفًا على كمال الطَّهارةِ، فإنْ كَمَلت، تَبيَّنَّا أنَّه استُعمِل من حين انفصالِه عن العضو، وإن لم تَكمُل الطهارةُ، لم يكن الماءُ مستعملًا كما يُفهَم ذلكَ مِن كلام "الإنصاف" (٥). منه، قال الدَّنُوشري: ويترتَّبُ على قول الشارح: "ولا يصير الماء في الطَّهارتين … إلخ" أنَّه لو اغتَرف مِنهُ آخرُ بإناء أو بيدِه، ونَوى الاغترافَ، وتوضَّأ، أو اغتسلَ به قبلَ انفصالِ العضوِ منه، فإنَّه يرتفعُ حدثُه؛ لأن الماءَ باقٍ على طَهورَيتَّهِ. (وعُلِم مما تقدَّم .. إلخ) هذا مفهوم قوله: "أو رُفِع بقليله .. إلخ" وبيانُ محتَرزاته. وقوله: (في الصُّوَرِ الثلاث) أعني: رفعَ الحدثِ الأصغر، والأكبرِ، وغسلَ الميِّت بدليل صنيعه. وقوله: (وأنَّه لو استعملَ اليسيرَ في طهارةٍ مُستَحبَّةٍ … إلخ) معطوفٌ على قوله: "أنَّه لو كانَ الماءُ في الصُّوَرِ الثلاث … إلخ".

стр. 144

أو غمس فيه كلُّ ما ذكرَه صاحبُ "الإقناع" (١). وقد يقال: الظاهرُ لا يعارضُ الصريحَ؛ لقوَّتِه، فلعلَّ ظاهرَ كلامِهم غيرُ مرادٍ. وأمَّا المستعملُ في طهارةٍ غير مستحبَّةٍ كرابعةٍ في وضوء وغُسلٍ، وثامنةٍ في إزالةِ نجاسةٍ بعدَ زوالِها، أو في تبرُّد وتنظُّفٍ، فطهورٌ غيرُ مكروه. (أو) أي: ومن الطاهرِ ماءٌ قليلٌ (غُمِس فيه) بالبناءِ للمفعولِ (كلُّ) أي: جميعُ (وقد يقال: الظاهر … إلخ) توجيهٌ لِمَا صرَّح صاحبُ "الإقناع" (٢)، واختارَه له كرابعة في وضوءٍ وغُسلٍ، فإنَّه يجبُ عليهِ أنْ يَعُمَّ بالماءِ جميعَ بدنه، والثانيةُ والثالثةُ سنَّةٌ، فعُلِم منه أنَّه لو زَادَ برابعةٍ، فإنَّها غيرُ مستحبَّةِ، فلو كان المُحدِثُ حَدَثًا أكبرَ على بدنه مانعٌ من نحو شمع أو شيءٍ له جُرْمٌ، ناسيًا، واغتسلَ بهذا الماء القليل، ثمَّ بعد ذلك تبين أن به مانعًا، فيلزمُه أن يزيلَه، ويغتسلَ بذلك الماء ثانيًا؛ لأنه صَدَق عليه أنَّه لم يعمَّ جميعَ بدنه بالماء، ولم يُستعمل؛ لأنَّه مشروطٌ برَفْعِ الحدثِ ولم (٣) يرتفع. (وأمَّا المستعمَلُ في طهارةٍ غير مستحبَّة … إلخ) جوابُ "أمَّا": قولُه: (فطهور غير مكروه). (أو غُمِس فيه … إلخ) أي: وإنْ لم يَحصلْ به غسلُ يده، فظاهرُه أنه يكونُ طاهرًا بمجرَّد الغمس، وأناطَ الحكم في "الحاوي الكبير" و"الرِّعاية" بانفصاله، كالمستعمَل في رَفْعِ الحدث، لا بغمسِه، والظاهرُ أنَّه مرادُ من لم يصرِّح به.

стр. 145

يدِ مسلمٍ مكلَّف قائمٍ مِن نومِ ليلٍ، (يدِ مسلمٍ مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ (قائمٍ) أي: مستيقظٍ (من نومِ ليلٍ) نومًا يَنقضُ وخصَّ الحُكمَ بنومِ الليل، فلا يُقَاس عليه نومُ النهارِ؛ لأن الغَسلَ وجب تعبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه، ولأن نومَ الليل يطول، فيكونُ احتمالُ إصابةِ يده للنجاسةِ [فيه] أكثر، كما في "الشرح الكبير" (١). والمرادُ بالليل: إلى طلوعِ الفجر، كما هو ظاهرُ قوله في "الرِّعاية". وإن انتبهَ، فغسل كفَّيه، ثمَّ نام وانتبَه قبلَ الفجر، غسلَهُما ثانيًا، وظاهر قول الشارح: "قبل غسلها (٢) ثلاثًا" أنَّه يسلُبُه الطَّهوريَّة غَمسُها بعد غَسَّلها مرَّةً، أو مرَّتين. وهو كذلك كما في "الإنصاف" (٣). ولو استيقظ محبوسٌ من نومه، فلم (٤) يَدرِ أهو نومُ ليلٍ أو نهارٍ، لم يجب غسلُهما، فعلى هذا لا يَسلُبُ الماءَ الطهوريَّة غمسُ يده فيه. ح ف. فتلخَّص (٥) من هذه المسألة: أنَّ غسلَ يدِ القائمِ من نومِ الليل لا يسلُبُه الطهوريَّة إلَّا إذا استوفَى سبعةَ شروطٍ: أشار للأوَّلِ بقولِه: "كلُّ"، وللثاني بقوله: "يدِ"، وللثالثِ بقوله: "المسلم"، وللرابعِ بقوله: "المكلَّف"، وللخامسِ بقوله: "النائم ليلًا"، وللسادس بقوله: "ينقض الوضوء"، وللسابع بقوله: "قبل غسلها ثلاثًا بالصِّفَة المذكورة". ذكرَ ذلك الشيخُ عبدُ القادر التغلبيُّ (٦).
следующие страницы →