ما مرَّ.
أو رُفعَ بقليلِه حدثٌ،
ولو وُضع قصدًا.
و (ما مرَّ) ذكره في الطَّهور مما لا يُمازجُ الماءَ، كدهنٍ وقِطَع كافورٍ، وما أصله الماء كالملح المائي، فإنَّ المتغير بهذا لا تَنسلبُ طَهوريتُه، سواءٌ سقطَ فيه بنفسِه، أو وضَعَه فيه واضعٌ.
(أو) أي: ومن أقسام الطاهر ما (١) (رُفعَ) بالبناء للمفعول (بقليلهِ) أي: الطَّهورِ، أي: بما دون القُلَّتين (حَدَثٌ) نائبُ فاعلِ: "رُفعَ" يعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعملَ
(ولو وُضع قصدًا … إلخ) فتغيَّرَ به تغيُّرًا كثيرًا؛ فإن ذلك لا يسلبه؛ لأنَّ الترابَ أحدُ الطَّهورين، ولأن الشارعَ ﷺ أمَر بخلطِه في الماءِ الطهورِ؛ لإزالةِ النجاسةِ الكلبيَّةِ (٢) والخنزيرِ وما تولَّدَ منهما، ولأن التغيُّرَ به كدرةٌ لا تمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ عليه، فيقالُ فيه: ماءٌ كدرٌ، وجزمَ في "المغني" (٣) و "الشرح الكبير" (٤) أنَّه طهورٌ؛ لكونهِ يُوافقُ الماءَ في صفتَيهِ الطاهريَّةِ والطهوريَّةِ، وهذا كلُّه مع رقَّتِه، فإنْ ثَخُنَ بحيثُ صارَ لا يجري على الأعضاء لم تصحَّ الطهارةُ به؛ لأنَّه طينٌ، فإن صُفِّي من الترابِ، فطهورٌ. دَنُوشَري.
(يعني: أنَّ الماءَ اليسيرَ المستعملَ في رفعِ حدثٍ … إلخ) تفسيرٌ لقولهِ: "أو" أي: ومِنَ الأقسامِ الطاهرةِ ما … إلخ. وإنَّما صارَ مستعملًا؛ لأنَّه أدَّى به مالا بدَّ منهُ، وهو رفعُ الحدثِ، فهو طاهرٌ غيرُ طهورٍ، ولأنَّ الصحابةَ ﵃ لم يَجمعوا الماءَ القليل المستعملَ في أسفارِهم القليلةِ الماءِ؛ ليتطهَّروا به ثانيًا، بل عَدَلوا عنه إلى التيمُّمِ، فدل ذلك على أن الماءَ
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رفعِ حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ، يكونُ طاهرًا غيرَ مطهِّرٍ، وكذا يسيرٌ استُعمِل في غسلِ ميِّت، لكن ما دامَ الماءُ متردِّدًا على الأعضاءِ فطَهورٌ، ولا يصيرُ الماءُ (١) مستعملًا في الطهارتين
القليل المنفصلَ المستعملَ في رفعِ الحدثِ طاهرٌ لا طهورٌ، فلا يرفعُ حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا؛ لأن الطهارةَ لا تصحُّ إلَّا بالماءِ المطلقِ. وعنه: نجس.
ورُدَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ صَبَّ على جابرٍ من وَضوئه كما رواه البخاري (٢)، فدلَّ ذلك على طهارته.
وقوله: "في رفعِ حدث". جَريٌ على الغالبِ، فلا يرد صاحبُ الضرورةِ ولو لم يرتفع حدثُه بالاستعمالِ؛ لأنَّه استباحَ به الصلاةَ والطواف ومسَّ المصحفِ، ولا يُشترطُ في سلبِ طَهوريَّةِ الماءِ المستعملِ في رفع الحدثِ الأكبرِ أن يستعملَه المحدِثُ في عضوٍ كامل، بل يصيرُ مستعملًا ولو بغمسِ بعضِ عضوِ مَن عليه حدثٌ أكبرُ في الماءِ القليل، سواءٌ كانَ راكدًا أو جاريًا بعدَ انقطاعِ موجبهِ وبعدَ نيَّةِ رفعِه أو قبلها، ثمَّ ينوي وهو فيه، فلا أثرَ لغَمسه فيه وانفصالِه عنه بلا نيَّةِ رفعِ حدثٍ، كأنْ ينويَ التبرُّدَ، أو إزالةَ الغبار، أو الاغتراف فقط. ولو اغترَف المتوضِّئ بيده من قليلِ بعدَ وجهه -إذا تمَّ بالغَسلة الأولى- منه، ونوى رفْعَ الحدث عنها، سلَبه الطَّهوريَّةَ، ولو لم يرتفع الحدثُ. وإن لم ينوِ غسلَها فيه، بأنْ نوى غسلَها خارجَه، فطهورٌ؛ لمشقَّة تكرُّره. وقولُ الأصحاب: نوى الاغترافَ بعد غسل وجهه؛ احتراز عمَّا إذا كان الاغترافُ قبل غسل الوجه، فإنَّه لا يصير مستعملًا؛ لوجوب الترتيبِ في الوضوء، ولم يحصل. دَنُوْشري.
(في الطهارتين): الحدث الأكبر والأصغر.
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلَّا بانفصالِه.
وعُلم مما تقدَّمَ أنَه لو كان الماءُ في الصورِ الثلاثِ كثيرًا، كما لو انغمس الجُنُب، أو غَمسَ المتوضئُ أعضاءَ وُضوئهِ واحدًا بعدَ واحدٍ، أو غُمس الميتُ في كثيرٍ، لم تنسلب طهوريتُه.
وأنَّه لو استُعملَ اليسيرُ في طهارةِ مستحبَّةٍ، كتجديدِ وضوءٍ، وغُسلِ جمعةٍ، وغسلةٍ ثانية وثالثةٍ، لم تنسلب طهوريتُه أيضًا، لكنْ صرَّح في "الإقناعِ" (١) بكراهةِ هذا النوعِ، أعني: المستعملَ في طهارةٍ مستحبةٍ. وظاهر "المنتهى" (٢) كـ "التنقيح" و"الفروع" (٣) و "المبدع" و "الإنصافِ" (٤) وغيرها: عدمُ الكراهة، واستوجَه المصنفُ
(إلَّا بانفصاله) أي: بشرطِ كمال الطهارة، فيكونُ استعماله موقوفًا على كمال الطَّهارةِ، فإنْ كَمَلت، تَبيَّنَّا أنَّه استُعمِل من حين انفصالِه عن العضو، وإن لم تَكمُل الطهارةُ، لم يكن الماءُ مستعملًا كما يُفهَم ذلكَ مِن كلام "الإنصاف" (٥). منه، قال الدَّنُوشري: ويترتَّبُ على قول الشارح: "ولا يصير الماء في الطَّهارتين … إلخ" أنَّه لو اغتَرف مِنهُ آخرُ بإناء أو بيدِه، ونَوى الاغترافَ، وتوضَّأ، أو اغتسلَ به قبلَ انفصالِ العضوِ منه، فإنَّه يرتفعُ حدثُه؛ لأن الماءَ باقٍ على طَهورَيتَّهِ.
(وعُلِم مما تقدَّم .. إلخ) هذا مفهوم قوله: "أو رُفِع بقليله .. إلخ" وبيانُ محتَرزاته.
وقوله: (في الصُّوَرِ الثلاث) أعني: رفعَ الحدثِ الأصغر، والأكبرِ، وغسلَ الميِّت بدليل صنيعه.
وقوله: (وأنَّه لو استعملَ اليسيرَ في طهارةٍ مُستَحبَّةٍ … إلخ) معطوفٌ على قوله: "أنَّه لو كانَ الماءُ في الصُّوَرِ الثلاث … إلخ".
стр. 144
أو غمس فيه كلُّ
ما ذكرَه صاحبُ "الإقناع" (١). وقد يقال: الظاهرُ لا يعارضُ الصريحَ؛ لقوَّتِه، فلعلَّ ظاهرَ كلامِهم غيرُ مرادٍ.
وأمَّا المستعملُ في طهارةٍ غير مستحبَّةٍ كرابعةٍ في وضوء وغُسلٍ، وثامنةٍ في إزالةِ نجاسةٍ بعدَ زوالِها، أو في تبرُّد وتنظُّفٍ، فطهورٌ غيرُ مكروه.
(أو) أي: ومن الطاهرِ ماءٌ قليلٌ (غُمِس فيه) بالبناءِ للمفعولِ (كلُّ) أي: جميعُ
(وقد يقال: الظاهر … إلخ) توجيهٌ لِمَا صرَّح صاحبُ "الإقناع" (٢)، واختارَه له كرابعة في وضوءٍ وغُسلٍ، فإنَّه يجبُ عليهِ أنْ يَعُمَّ بالماءِ جميعَ بدنه، والثانيةُ والثالثةُ سنَّةٌ، فعُلِم منه أنَّه لو زَادَ برابعةٍ، فإنَّها غيرُ مستحبَّةِ، فلو كان المُحدِثُ حَدَثًا أكبرَ على بدنه مانعٌ من نحو شمع أو شيءٍ له جُرْمٌ، ناسيًا، واغتسلَ بهذا الماء القليل، ثمَّ بعد ذلك تبين أن به مانعًا، فيلزمُه أن يزيلَه، ويغتسلَ بذلك الماء ثانيًا؛ لأنه صَدَق عليه أنَّه لم يعمَّ جميعَ بدنه بالماء، ولم يُستعمل؛ لأنَّه مشروطٌ برَفْعِ الحدثِ ولم (٣) يرتفع.
(وأمَّا المستعمَلُ في طهارةٍ غير مستحبَّة … إلخ) جوابُ "أمَّا": قولُه: (فطهور غير مكروه).
(أو غُمِس فيه … إلخ) أي: وإنْ لم يَحصلْ به غسلُ يده، فظاهرُه أنه يكونُ طاهرًا بمجرَّد الغمس، وأناطَ الحكم في "الحاوي الكبير" و"الرِّعاية" بانفصاله، كالمستعمَل في رَفْعِ الحدث، لا بغمسِه، والظاهرُ أنَّه مرادُ من لم يصرِّح به.
стр. 145
يدِ مسلمٍ مكلَّف قائمٍ مِن نومِ ليلٍ،
(يدِ مسلمٍ مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ (قائمٍ) أي: مستيقظٍ (من نومِ ليلٍ) نومًا يَنقضُ
وخصَّ الحُكمَ بنومِ الليل، فلا يُقَاس عليه نومُ النهارِ؛ لأن الغَسلَ وجب تعبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه، ولأن نومَ الليل يطول، فيكونُ احتمالُ إصابةِ يده للنجاسةِ [فيه] أكثر، كما في "الشرح الكبير" (١). والمرادُ بالليل: إلى طلوعِ الفجر، كما هو ظاهرُ قوله في "الرِّعاية".
وإن انتبهَ، فغسل كفَّيه، ثمَّ نام وانتبَه قبلَ الفجر، غسلَهُما ثانيًا، وظاهر قول الشارح: "قبل غسلها (٢) ثلاثًا" أنَّه يسلُبُه الطَّهوريَّة غَمسُها بعد غَسَّلها مرَّةً، أو مرَّتين. وهو كذلك كما في "الإنصاف" (٣).
ولو استيقظ محبوسٌ من نومه، فلم (٤) يَدرِ أهو نومُ ليلٍ أو نهارٍ، لم يجب غسلُهما، فعلى هذا لا يَسلُبُ الماءَ الطهوريَّة غمسُ يده فيه. ح ف.
فتلخَّص (٥) من هذه المسألة: أنَّ غسلَ يدِ القائمِ من نومِ الليل لا يسلُبُه الطهوريَّة إلَّا إذا استوفَى سبعةَ شروطٍ:
أشار للأوَّلِ بقولِه: "كلُّ"، وللثاني بقوله: "يدِ"، وللثالثِ بقوله: "المسلم"، وللرابعِ بقوله: "المكلَّف"، وللخامسِ بقوله: "النائم ليلًا"، وللسادس بقوله: "ينقض الوضوء"، وللسابع بقوله: "قبل غسلها ثلاثًا بالصِّفَة المذكورة". ذكرَ ذلك الشيخُ عبدُ القادر التغلبيُّ (٦).
стр. 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوضوء، ولو غمسها ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا، أو حصلَ الماءُ في كلها مِن غيرِ غمسٍ، بأن صُبَّ على جميعِ يدِهِ مِن الكُوعِ إلى أطرافِ الأصابعِ، ولو باتَت مكتوفةً، أو بِجِرابٍ (١) ونحوه (٢)، حيثُ كان ذلك قبلَ غسلِها ثلاثًا بنيةٍ شُرطت، وتسميةٍ وجبَتْ، ولا فرقَ في ذلك بين الذكر والأنثى، فيسلبه الطَّهوريَّة، سواءٌ نوى الغسلَ بذلكَ الغمسِ أوْ لا؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ يرفعُه: "إذا استيقَظَ أحدُكُم من نومهِ فلا يَغمس يدَه في الإناءِ حتى يَغسِلَها ثلاثًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يدُه"
(ولو غمسها ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا) أخذ هذا التعميم، وكذا التعميمُ في قوله: (ولا فَرْقَ في ذلك بين الذَّكَر)، إلى قوله: (لحديث) مِن ظاهر المتن.
(أو بجرابٍ ونحوه) ككيسٍ صفيقٍ (٣). مصنّف. (حيثُ كان ذلك)، أي: الغمسُ (قبلَ غسلها ثلاثًا) ظاهر قوله: أي ثلاثًا، كـ "المنتهى" (٤)، أنَّه يسلُبُه الطهوريَّة غمسُها بعدَ غسلِها مرَّة أو مرَّتين، وهو كذلك كما في "الإنصاف" (٥).
(إذا استيقظ أحدكم) فِعلُه المجرَّد: يَقَظَ، بفتح الياء والقاف، قال في "القاموس" (٦): اليَقَظَة، محرَّكة: نقيضُ النومِ، وقد يَقُظَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، يَقَاظةً ويَقَظًا محركة، وقد استَيقَظَ، ورجل يَقُظٌ كنَدُسٍ (٧) وكتِفٍ، وجمعه: أيقَاظ. ع ش.
(أين باتتْ يدُه) أي: منْه. يعني: هل وقَعتْ على محل النَّجوِ من المُستَجمِر مع احتمالِ العَرَقِ فتنجَّسَت، أو لا؟ شيشيني.
стр. 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
متَّفقٌ عليهِ، ولفظُه لمسلمٍ (١).
وعُلم ممَّا تقدَّم أنَّه لا أثرَ لغمسِ (٢) اليدِ في الكثيرِ، ولا لغمسِ (٣) غيرِها، كرأسِ ورِجلٍ وذراعٍ، إذ المرادُ باليدِ هنا من الكوع إلى أطرافِ الأصابعِ كما تقدَّمَ، ولا لغمسِ بعضِها بلا نيةٍ، خلافًا لجمعٍ، ولا لغمسِ يدٍ كافرٍ، أو صغيرٍ، أو مجنونٍ،
(متفق عليه) عند الإمامِ أحمد والبخاري ومسلم (٤).
(وعُلِم مما تقدَّم أنَّه لا أثرَ … إلخ) شروعٌ في محترزاتِ هذه المسألة.
(ولا لغَمسِ بعضِها بلا نيَّةٍ) ولا أثرَ كما هو مقتضى القواعد، وصرَّح به المصنِّفُ في شرحه "للإقناع" (٥).
(خلافًا لجَمعٍ) منهم ابنُ حامد (٦)، وابنُ رزين (٧) في "شرحِه"، وجَزَمَ به في "الكافي" (٨)، وقدَّمه في "الإفادات" وصحَّحه النَّاظمُ؛ أنَّ غَمْسَ بعضِ اليد، كغَمسِ كلِّها، والمذهبُ ما قدَّمه في "الإنصافِ" (٩) وغيره.
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو قائمٍ من نومِ [نهارٍ مطلقًا، أو من نومِ ليلٍ نومًا لا ينقضُ الوضوء، كيسير نومِ] (١) قائم وقاعد. لكن إن (٢) لم يجدْ من وَجبت عليه طهارةٌ غيرَ هذا النَّوعِ، أعني ما غُمستْ فيهِ يدُ القائمِ من نومِ الليلِ، استعملَه وجوبًا، فينوي بهِ رفعَ الحدثِ، ثمَّ يتيمَّم وجوبًا.
قال المصنِّفُ (٣): قلتُ: فإن كانتِ الطَّهارةُ عن خَبثٍ، استعملَه ثم يتيمَّمُ إن
لكن لو نوى غسلَ [يدَيْه، وغَسَلَ بعضَ] (٤) يده، فالظَّاهرُ أنَّ المنفصلَ منه طاهرٌ؛ لأنَّه استُعمِل في طهارةٍ واجبةٍ. "إقناع" و"شرحه".
(أو قائمٍ من نومِ نهارٍ مطلقًا) أي: سواءٌ كان يسيرًا أم لا، وسواءٌ كان ينقضُ الوضوءَ أو لا.
(لكن إن لم يجد من وجبت عليه … إلخ) استدراكُ: "فيسلُبُه الطهوريَّةَ" رَفَعَ به ما يُتَوَهَّمُ نفيُه من عدم الاستعمال. (استعملَه وجوبًا) في الوضوء والغُسل، وذَكَر المصنفُ هذه المسألةَ؛ لقوَّةِ الخلافِ فيها، إذ القائلونَ بطهوريَّة هذا الماءِ من الأصحاب أكثرُ من القائلين بطهارته، لكن لا يُستَعمَل هذا الماءُ إلا مع التيمُّم كما يجيء. مصنف (٥) (ثم يتمَّمُ وجوبًا) حيثُ شُرع؛ لأن الحدثَ لم يرتفع، لكونِ (٦) الماءِ غيرَ طهورِ، فإنْ تَرَكَ استعمالَه أو التيمُّمَ بلا عذرٍ، أعادَ ما صلَّى به؛ لتركِه الواجبَ عليه، إنْ كان لعذرٍ، فلا. كما يُعلَم من كلامهم. مصنِّف.
стр. 149
أو كان آخرَ غسلةٍ زالت به النجاسةُ، وانفصلَ غيرَ متغيِّر.
كانت بالبدن، انتهى. وأولَى من هذا النَّوعِ ما (١) خلت به المرأةُ، كما في "المنتهى" (٢) فيقدَّمُ عليه.
(أو كانَ) قليلُ الطَّهورِ (آخرَ غسلة) كالسابعةِ أو ما بعدَها في نجاسةٍ على غيرِ نحوِ أرضٍ (زالت به) أي: بذلك القليلِ (النَّجاسةُ) أي: طَهُرَ محلُّها (وانْفصلَ) القليلُ عن المحلِّ الذي طهرَ (غيرَ متغيِّرٍ) بالنَّجاسةِ، فإنَّه طاهرٌ؛ لأنَّ المنفصلَ بعضُ المتَّصلِ، والمتصلُ طاهرٌ.
(وأَوْلَى مِن هذا النوع … إلخ) وجهُ الأولويَّة أن الماءَ الطَّهورَ الذي مُنِع منه لخلوةِ المرأة، لم يَسبق له استعمالٌ، بخلافِ الماءِ الذي غُمِسَ فيه كلُّ اليد، فإنَّه مستعملٌ في الجملة. دنوشري. (فيقدَّم عليه) لبقاءِ طهوريَّته، ويتيمَّمُ في محلِّه. وعلى هذا لو وَجَد هذين المائين، وعَدِم غيرَهما، فالطَّهورُ المذكورُ أولى مع التيمُّم. مصنِّف (٣).
(أو كان آخرَ غسلة … إلخ) عطفٌ على قوله: "أو غُمِسَ فيه" كما هو القاعدة بالعطف بـ "أو"، يعني: أن مِنْ أقسام الماء الطاهر: الماءُ القليلُ المستعمَلُ في إزالةِ النَّجاسةِ، إذا انفصلَ غيرَ متغيِّرٍ، وقد زالت عينُ النَّجاسةِ. وقد حكمنا بتطهير المحلِّ، بأنْ كان منفصِلًا عن السابعة في طهارةِ الثوب ونحوه، أو بعدَ المكاثَرة فيما يطهر بها، كالأرضِ ونحوها. أمَّا المنفصلُ بعد ذلك، فطهورٌ. وأمَّا المنفصلُ المتغيِّرُ بالنَّجاسَةِ، أو قبلَ زوالِها، فنجسٌ. حفيد. فعلى هذا لا وجهَ لتقييدِ الشارح بقوله: (على غير نحو أرض) وخالفه المصنف أيضًا في شرحه "للمنتهى" و"الإقناع" (٤). (والمتَّصِلُ طاهرٌ) غيرُ ظاهر؛ لأن المتَّصِل طَهورٌ لا طاهرٌ، اللَّهُمَّ إلا أن يكونَ مرادُه بالطاهرِ ضدَّ النَّجِس. منه. فاشتمل هذا المفهوم على صور:
стр. 150
الثالث: نجسٌ:
وعُلم منه أنَّ ما انفصلَ قبلَ طهارةِ المحلِّ، فنجسٌ مطلقًا إن كان قليلًا ولو بعدَ السَّابعةِ، وكذا لو انفصلَ بعد (١) طهارةِ المحلِّ وكان متغيرًا. وأمَّا لو انفصلَ عن محل -طَهُرَ أو لم يَطهُرْ- وكان كثيرًا غيرَ متغيِّرٍ، فطهورٌ.
القسم (الثَّالثُ) من أقسامِ الماءِ (نَجسٌ) بتثليثِ الجيمِ وسكونِها
الأولى: أن ما انفصلَ قبل طهارةِ المحلِّ، نَجِسٌ، إنْ كانَ قليلًا، سواءٌ تغيَّر، أم لا.
الثانية: أنَّ ما انفصلَ قبل طهارةِ المحلِّ، نَجِسٌ، إنْ كانَ قليلًا، ولو بعد السابعة، تغيَّرَ، أو لا.
الثالثة: أنَّ ما انفصلَ بعد طهارةِ المحل وكانَ متغيِّرًا، فنَجِسٌ، كثيرًا، أو لا.
الرابعة: أن ما انفصلَ بعد طهارةِ المحلِّ، أو قَبلَه، وكان المنفصلُ كثيرًا، غيرَ متغيِّرٍ، فطهورٌ.
فالماءُ المنفصل نجسٌ في ثلاثِ صور، وطهورٌ في صورةٍ واحدة، كما سيجيءُ التنبيه عليه.
(وعُلِم منه أنَّ ما انفصلَ … إلخ) شروعٌ في محترزات المسألة.
(فنَجسٌ مطلقًا) تغيَّر، أو لم يتغيَّر.
(ولو بعد السابعة) غايةٌ لقوله: "فنجس" فإنَّ النجاسةَ لو لم تَزُل بما قبل السابعة، ولو بها أيضًا، فيجبُ غسلُ المحل من غيرِ عددٍ إلى إنقائه. ومن هنا يُعلَم أن العددَ يكونُ مِن ابتداءِ الغَسل، لا من حينِ زوالِ عينها. وسيأتي في باب إزالةِ النجاسة إنْ شاء اللهُ تعالى. منه.
(الثالث: نَجسٌ) قال في "القاموس" (٢): النجس: بالفتح والكسر -أي: للنُّون- وبالتحريك- أي: بفتح النون والجيم- وككتِفٍ وعَضُدِ: ضدُّ الطاهر.
قال الحفيد: وحكمهُ أنه لا يجوزُ استعمالُه بحالِ إلا لضرورةِ لُقْمةٍ غُصَّ بها، وليس
стр. 151
وهو: ما تغيَّر بنَجسٍ،
(وهو) لغةً: المستقذَر. وهنا (ما (١) تغيَّر بنجسٍ) أي: نجاسةٍ، قليلًا كانَ الماءُ أو كثيرًا، قل التغيُّرُ أو كَثُرَ، في غيرِ محلٍّ قابلٍ للتطهيرِ،
عندَه طَهورٌ ولا طاهرٌ، أو لعطشِ مَعْصومٍ، مِنْ آدميٍّ، أو بهيمةٍ -سواءٌ كانت تُؤكَلُ أم لا، ولكن لا تُحلَبُ قريبًا- أو لِطَفي حريقٍ مُتلِفٍ، أو لبلّ التُّرابِ وجعلِه طينًا يُطَيَّنُ به ما لا يُصلَّى عليه (٢).
(وهو ما تغيَّر بنَجسٍ … إلخ) أي: النَّجس اصطلاحًا: قسمان:
الاوَّل: ما تغيَّر بمخالطةِ نجاسَةٍ، بأنْ تغَّير بها أحدُ أوصافِه؛ لونُه أو طعمُه أو ريحُه، عن ممازجةٍ أو مُجاورةٍ، تغيُّرًا كثيرًا أو يسيرًا، كما هو ظاهرُ إطلاقِه؛ لاستقذارِ النجاسَةِ. بخلافِه في الطَّاهر، فإنه لا بُدَّ فيه من التغيُّرِ الكثير. كما تقدَّم.
فلو تغيَّر بها بعضُ الماءِ، فالمتغيِّرُ نجِسٌ، وما لم يَتغيَّر، فطهورٌ إن بَلَغَ قُلَّتين، وإلا فَنَجِسٌ.
يُحتَرزُ عن التغيُّر بالمخالطة، عمَّا إذا كانت النجاسةُ مجاورة، فإنَّه لا يَنْجُس الماء إذا كانَ كثيرًا. وأمَّا اليسيرُ (٣) فإنه يَنْجُس بالملاقاة. والشارحُ أطلَق، فيوهِمُ أنَّ الماء الطَّهورَ سواءٌ كانَ قليلًا أم كثيرًا، أو تغيَّر تغيُّرَ مخالطةٍ، أو مجاورةِ النَّجاسَة، يَنجُس. وليسَ كذلك. على أنَّ الأولى إسقاطُ: "قليلًا … " ويُجعلُ كلامُ المصنف محمولًا (٤) على خصوصِ الكثير، ولعلَّه إنما أطلقَ لأجل (٥) الاستثناءِ الذي ذكرَه بقوله: (في غير محلٍّ قابل … إلخ).
стр. 152
ويسيرٌ لاقى نجاسةً
وفيه طهورٌ إن كان الماءُ واردًا، فإن كان مَورُودًا بأن غُمسَ متنجسٌ في ماءٍ، فإن كان قليلًا، نجُسَ بمجرَّدِ الملاقاةِ، أو كثيرًا وتغيَّرَ، نجُسَ أيضًا، وإلَّا، فلا. فإن تغيَّرَ بعضُه فما تغيَّرَ، فنجِسٌ (١)، وغيرهُ طهورٌ إن كَثُر.
(ويسيرٌ) بالرَّفع عطفًا على "ما تغَّيرَ"، أي: ومنَ النَّجِسِ ماءٌ قليلٌ دونَ القُلَّتين (لاقَى نجاسةً)
قال الشيخُ محمد الخلوتي البهوتي -نفعنا الله به-: شمَلَ منطوقُ كلامِ المصنِّف ومفهومُه ثمانيةَ أقسام؛ لأن الماءَ إمَّا أنْ يتغيَّر بالنَّجَاسة، أو لا. وعلى كل: إِمَّا أنْ يكون كثيرًا، أو لا، وعلى كلٍّ من الأربعة: إمَّا أنْ يكونَ واردًا بمحل تطهيرٍ، أو لا.
فغيرُ الواردِ بمحل التطهير أقسامُه أربعة: قليلٌ تغيَّرَ، أو لا، وكثير تغيَّر، أو لا. وحكمُهَا مختلفٌ، فالكثيرُ الغيرُ المتغيِّر طَهورٌ، وباقيها نجِسٌ.
والواردُ بمحل التطهيرِ أقسامُه أربعةٌ أيضًا، وحكمُها أنَّها ما دامت في محل التطهير، فطَهور، وأما بَعدَ الانفصالِ، فحكمُها مختلفٌ، فالكثيرُ الذي لم يتغيَّر طَهورٌ، والقليلُ المنفصلُ عن محل طُهرٍ ولم يتغيَّر: طاهرٌ، والذي تغيَّر قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا القليلُ الذي لم يتغيَّر ولم يَطْهُر به المحل: نَجِسٌ.
إذا عُلِم ذلك، فالأقسامُ الأربعةُ التي في غير الواردِ على محل التطهير قد شملها قول المصنف: (وهو ما تغيَّر بنجَسٍ) منطوقًا ومفهومًا؛ لأن منطوقَه شملَ القليلَ المتغيِّرَ والكثيرَ المتغيِّر، كما أشارَ إليه الشارح، ومفهومُه شملَ القليلَ الذي لم يتغيَّر، والكثيرَ الذي لم يتغيَّر، فعُلِم من منطوقه نجاسةُ الماء في صورتَي التغيُّر، وأما صورتا عدمِ التغيُّر؛ فلاختلافِ حكمهِمَا تبيَّن حكمُ أحدِهما بما يُعلَمُ به حكمُ الآخر، فقال:
(ويسيرٌ لاقى نجاسةً) فعُلِم من تقييد نجاسةِ الماء بالملاقاة بكونه قليلًا، أن الماءَ في الصورةِ الاُخرى، وهي ما إذا كانَ كثيرًا، لا ينجس، بل هو باقٍ على طهوريَّته. وأفاده بقوله:
стр. 153
لا بمحلِّ تطهيرٍ
أي: اختلطَ بها ولو كانَت صغيرةً لا يدرِكُها طَرفٌ، أو لم يمضِ زمنٌ تسري فيه (١)، كمائعٍ وطاهرٍ ولو كَثُرا (٢).
(لا بمحلِّ تطهيرٍ) يعني: أنَّ القليلَ الواردَ على محلٍّ
(لا بمحلِّ تطهير) أن الماء في صورتَي التغيُّر طهور، إذا كان بمحل التطهير، ومنه يُعلَم بالأولى طهورية الماءِ في صورتَي عدم التغيُّر في محل التطهير كما تقدَّم. إلا أن يُقَال: هذا من بابِ الإجمال ثمَّ التفصيل، فهذا بالنظر للماءِ الواردِ، يُرشِدُ لذلك صنيعه من التفصيل بقوله: "إنْ كان الماءُ واردًا … إلخ" فإنَّه ما دام متردِّدًا على محل التطهير، فهو طهورٌ، وإذا انفصلَ بعد طهارةِ المحل، وكانَ متغيرًا ولو قليلًا، فإنَّه نَجِسٌ كما تقدَّم تفصيله.
(إنْ كان الماء واردًا … إلخ) هذا شرطٌ في طهوريَّة الماء المتردِّد في محلِّ التطهير، أي: باقٍ على طهوريَّته قبل انفصاله عنه، ولو تغيَّر بالنَّجاسةِ. وإنَّما حَكَمنَا بطهوريَّته، وإنْ كان متغيِّرًا بالنجاسةِ؛ لَما يَلزمُ عليه أنْ لا يُعَدَّ ما تغيَّر بها من الغسلاتِ المشروطةِ في إزالة النجاسة، وفي ذلك مشقَّةٌ وحرجٌ؛ فحَكَم بطهوريَّته في محلِّ التطهير؛ للضرورة الداعية إلى ذلك.
فإنْ قيل: ظاهرُ كلام المصنِّف مع كلام الشارح في هذا المحلِّ التكرار؛ لذكرِهما محلَّ التطهيرِ هنا مرَّتين.
أجاب دنوشري: القول ليس فيه تكرار؛ لأن الذي ذكره الشارحُ إنما هو من حيثُ إنَّه يُشتَرَطُ في الحُكم بطهارته ورودُه بمحل التطهير، فلا يُحكم بطهوريَّتِه إلَّا إذا كان واردًا به، ويكونُ حكمُ هذا الماء القليلِ المتغيِّرِ بالنجاسةِ في محلِّ التطهير، كما لم يتغيَّر. والذي ذكره المصنِّف إنما هو من حيثُ حكمُ تغيُّره بمحل التطهير، فلا تكرار.
(عطفًا على ما تغيَّر) أي: على ضميرِ "ما تغيَّر" فهو على حذفِ مضافٍ، وهو القسم
стр. 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني من الماء النجس. والحاصلُ أن الماءَ المتنجِّس تارةٌ يكونُ كثيرًا متغيرًا بالنجاسة، وتارة يكون قليلًا لاقاها.
(لاقى نجاسةً) أي: فإنَّه يتنجَّسُ بمجرَّدِ الملاقاة، ولو لم يتغيَّر بها، ولو جاريًا، ولا اعتبارَ بالجِرْيَة في الأصحِّ حيثُ كانَ الماء قليلًا. والمرادُ بالملاقاة هنا: ورودُ النجاسةِ على الماءِ القليل، لا ورودُ الماءِ على النَّجاسةِ، فإنَّه لا ينجُس والحالةُ هذه ولو تغيَّر حتَّى ينفصلَ، إنْ كانت النجاسةُ قابلة للتطهير، كالنجاسةِ الحكميَّة، كما هو صريحُ كلامِ الأصحاب.
(ولو كانت) أي: النجاسةُ التي لاقتِ الماءَ القليلَ (صغيرة لا يُدرِكُها طَرفٌ) بسكونِ الراء، وهو العينُ (١). أي: لم يشاهدها بَصَرٌ، كالنجاسة الخفيفةِ التي تعلَقُ بأرجلِ الذُّبابِ، مثل أنْ تكونَ ذبابةٌ على نجاسةٍ رطبةٍ، ثمَّ تطيرَ فتسقطَ في الماء القليل، فإنَّه ينجسُ بها بمجردِ الملاقاة. وفي "عيون المسائل": لابدَّ وأنْ يُدْرِكَها الطَّرف، وِفاقًا للشافعيِّ. والمذهبُ خلافه؛ لأن الماءَ القليلَ ليس له قوَّةٌ يَدفعُ بها النجاسةَ عن نفسه، فاستوى فيه كثيرُ النجاسةِ وقليلُها، ولو غيرَ مشاهدة. دنوشري. وظاهر كلام الأصحاب: أنَّ ذلك إذا كان من نجاسةٍ لا يُعفَى عنها، [إذا سَقط على الثيابِ والبدن كالماء] (٢). ويتوجَّهُ العفوُ عن ذلك في غيرِ الماء؛ لحصولِ الفَرقِ بين الماءِ وغيره من وجهين:
أحدهما: أنَّ صونَ الماء عن النَّجاسة بتغطيةِ الإناءِ يمكن، بخلاف الثوب، فإنَّه لا يمكنُ صَونُه عنه؛ لبروزه.
стр. 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَجِس يُمكنُ تطهيرُه، لا ينجُسُ بمجرَّدِ الملاقاةِ للنَّجاسةِ، وإلَّا لم يُمكن تطهيرُ نجاسةٍ بماء قليلٍ.
وها هنا مسألةٌ يغلَطُ فيها بعض حنابلةِ مصرَ، وهي: ما إذا نزلَ من نحوِ راويةٍ أو إبريقٍ ماءٌ
وثانيهما: أن الذبابَ إذا ارتفعَ عن النَّجاسة، جفَّ ما عَلِقَ به من النَّجاسةِ بالهواء فلا يُؤثِّر في الثوب، ولأنَّ ثبوتَ النَّجاسةِ فيه أخفُّ. أفاده شيشيني.
(أو لم يَمْضِ زمنٌ تسري فيه) النجاسةُ، فإنَّه لا ينجسُ بها فورًا؛ لأنَّه قليل، والقليلُ ضعيفٌ في نفسه.
(ولو كَثُرا) أي: المائع والطاهر. أي: يَنْجُس كلُّ مائعٍ، كزيتٍ، ولبنٍ، وسمنٍ، وكل طاهرٍ، كماء وردٍ ونحوه، بملاقاةِ نجاسةٍ، ولو مَغفوًّا عنها، ولو كانا كثيرين، ولو لم يتغيَّر بها. خلافًا لصاحب "الإقناع" في الماء الطاهر إذا صار كثيرًا قال: وان وقعت في مستعمَلٍ في رَفْعِ حدثٍ، أو في طاهرٍ غيرِه مِن الماء [لم] يَنجُس كثيرُه بدون تغيُّرٍ، كالطَّهُور (١).
والصحيحُ خلافُه، وقد وردَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه سُئل عن الفأرة تَقَعُ في السَّمنِ فقال: "إنْ كان جامِدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كان مائعًا، فلا تقربُوها". رواه الإمام أحمد (٢)، فقد ثبت بهذا أنه ﷺ نَهى عن قُربانه إذا كان مائعًا، ولم يُفَرِّق بين كثيرِه وقليله، فدل على تنجُّسِه بمجرَّدِ الملاقاة؛ لأن المائعاتِ لا تُطَهِّر غيرَها، فلا تدفع النجاسةَ عن نفسها كالطَّاهر الكثير. دنوشري.
(لا ينجُس بمجردِ الملاقاة للنَّجاسة) أي: فإن الماءَ باقٍ على طهوريتَّه قبلَ انفصالِه عنه، ولو تغيَّر بالنجاسةِ؛ للمشقَّةِ والحرج، كلما تقدَّم (وإلا لم يمكن (٣) … إلخ) أي: والَّا بأن
стр. 156
ويَطهُر
على نجاسةٍ، فينجِّسونَ بذلكَ ما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ منَ الماءِ، ولا وجهَ لتَنجِيسِه أصلًا، فإنَّ الأصحابَ قسموا النَّجِسَ إلى قسمينِ: متغيِّر بالنَّجاسةِ، وملاقٍ لها.
والتَّقسيمُ في موضعِ البيانِ يُفيدُ الحصرَ، وما في نحوِ الرَّاويةِ أو الإبريقِ منَ الماءِ في الصُّورةِ المذكورةِ ليسَ واحدًا منَ القسمين. وقد صرَّحَ بمعنى ذلكَ في "التَلخيصِ"، وأشارَ إليه في "الرِّعايةِ الكُبرى". وقد رأيتُ بخطِّ شيخِ شيخِنا الشيخِ عبدِ الرحمن البهوتي (١)، شيخ المصنف أيضًا ما معناه: أنَّه لو صُبَّ من الإبريق على محلِّ الاستنجاءِ، لم ينجُس ما في الإبريقِ. انتهى. وهو مما لا يَشكُّ فيه مَن له أدنى اشتغالٌ بالفقهِ، فتأمل، والله أعلم.
ثم أشارَ إلى كيفيةِ تطهيرِ هذا الماء المتنجِّسِ فقال: (ويطهُر) الماءُ النجسُ، قليلًا
تنجس الماءُ اليسير بمحلِّ تطهير، لم تطهر نجاسته … إلخ؛ للمشقَّة والحرج. (ليس واحدًا من القسمين) لأنَّ الماءَ الذي في الراويةِ (٢) ليس متغيرًا بالنجاسة، ولا ملاقٍ للنجاسة، ولا واردًا عليها فرضًا، ومن المعلوم أن حُكمَ الواردِ على الطهوريَّة كما تقدَّم.
(ويَطهُر الماءُ النجسُ … إلخ) أي: ويطهر الماءُ الذي تنجَّس. شرع في بيانِ تطهيرِ ما تنجَّس من الماء، فتارةَ يكونُ الماءُ المتنجِّس قليلًا، فيطهُر بإضافةِ ماء طهورٍ إليه كثيرٍ، مع زوال تغيُّره، إن كان متغيرًا، وإن كانت الإضافة شيئًا فشيئًا. قال محمد الخلوتيُّ: ولا ينجسُ المضافُ بالمضاف إليه؛ لأنَّه واردٌ بمحل التطهير. فتفطَّن، ولا تلتفت إلى ما في "المستوعب".
стр. 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتارةً يكونُ الماء المتنجِّسُ كثيرًا فيطهرُ بأحد أمورٍ ثلاثةٍ:
الأوَّل: إضافةُ ماء طهورٍ كثيرٍ إليه.
الثاني: بنزحٍ منه، بحيثُ يبقى بعد النزحِ كثيرٌ.
الثالثُ: زوالُ تغيُّره بنفسه.
يبقى الكلام في المنزوح به ومقتضى القول بطهوريَّةِ ما فيه، الحكمُ بطهارته على كلامِ ابن قندس، القائل: بأنَّ المرادَ بالمنزوح النزحةُ الأخيرةُ التي دون القُلَّتين، ولم تُضَفْ إلى ما قبلَها، فإنَّ الدَّلْوَ لو كان نجسًا، لتنجَّس الماءُ القليلُ بمجرَّدِ ملاقاتِه (١).
وأما البَكَرة فيجبُ تطهيرُها وكذا الحبلُ، إلَّا رأسَه، إذا كان داخلًا في الدلو الذي حُكِمَ بطهارةِ ما فيهِ على ما فيه، فليُحرَّر، فإنِّي لم أرَ فيها نقلًا. أفاده البهوتي.
قال في "المنتهى" (٢): ولا يجبُ غسلُ جوانبِ بئر نُزِحتْ.
قال المصنِّف (٣): ضيِّقة كانت أو واسعة؛ دَفعًا للحرجِ والمشقَّة.
قال محمد الخلوتي: أي: يُعفَى عنه فقط، لا أنَّه محكومٌ بطهارته، فلو وُضِع فيها مائعٌ، حكمنَا بنجاستِه؛ للملاقاة، بخلافِ الماء اليسيرِ فلا ينجُس؛ لأنَّه وارد بمحلٌ التطهير، فإذا انفصلَ غير متغيِّرٍ، فهو طاهرٌ.
"تتمَّة": قال في "الإنصاف" (٤): لو طَهُر ماءٌ كثيرٌ في إناءٍ [بمكثه]، لم يَطهُر الإناءُ معه، على الصحيح من المذهب. فإن انفصلَ الماءُ عنه، حُسبت غسلةٌ واحدة، ثمَّ يُكَمَّل. انتهى.
стр. 158
بإضافةِ كثيرٍ،
كان أو كثيرًا، أي: يصيرُ طهورًا (بإضافةِ) طهورٍ (كثيرٍ) أي: قُلَّتين فصاعدًا إليهِ، معَ زوالِ تَغَيُّره إن كان متغيرًا؛ لأنَّ الكثيرَ يَدفعُ النجاسةَ عن نفسه وعما اتصلَ به، ولا ينجُس إلا بالتغيُّرِ، وتكون الإضافةُ إمَّا بصبٍّ بحسَب الإمكان عُرفًا، ولو لم يتصل الصب، أو بإجراءِ ساقيةٍ إليه، أو ينَبع فيه. وعُلمَ منه أنَّه لا يطهرُ بإضافة غيرِ الماءِ مِن ترابٍ ونحوه، ولا (١) بإضافةِ يسيرٍ ولو زالَ به التغيُّرُ.
وقال في "المنتهى" (٢): وخمرةٌ انقلبَت بنفسها أو بنَقلٍ، لا لقصدِ تخليلٍ (٣). ودَنُّها (٤) مثلُها، كمحتَفَرٍ. لا إناءٌ طَهُر ماؤه.
وقال في "شرحه" (٥): قوله: "كمحتفَر … إلخ" كمحتفرٍ من الأرضِ فيه ماءٌ حُكِم بنجاستِه بتغيُّرِه بها، ثم زَالَ تغيُّره بنفسِه، فإنه يحكَم بطهارته، وطهارةِ محلِّه من الارضِ تبعًا له، ويُلْحَقُ بذلك ما بني بالأرض كالصَّهارِيج (٦) والبحرات، "لا إناءٌ طَهُر ماؤه" فإنَّ إناءَه لا يَطهُر؛ لأنَّ الأواني وإنْ كانت كبيرة، لا تَطهرُ إلَّا بسبعِ غَسَلات.
لكن سيأتي أنَّ الأجرِنَةَ، والأحواضَ الكبار، أو المبنيَّةَ ولو كانت صغارًا، يكفي فيها المكاثرةُ بالماء، حئى تذهبَ عينُ النجاسةِ أو ريحُها، كأرض؛ ولعلَّه لعدمِ إمكانِ تسبيعِها كالأواني، فإنه يمكنُ تَسبيعُها.
(ويطهرُ بإضافةِ كثيرٍ) فلا يَطهُر بإضافةِ ماءٍ قليل، ولو زَال تغيُّره، ولا يَطهُر أيضًا بوضعِ
стр. 159
والكثيرُ بزوالِ تغيُّره بنفسِه، وبنزحٍ إن بقي بعدَه كثيرٌ.
فإن بلغَ الماءُ قُلَّتينِ،
(و) يطهرُ أيضًا (الكثيرُ) المتنجِّس بالتغيُّرِ (بزوال تغيُّره بنفسه) كالخمر تنقلب خلًّا (وبنَزْحٍ) أي: إخراج بعضِ الماء النجس، سواءٌ قلَّ النزحُ أو كثرَ فيصيرُ طَهورًا (إن بَقِيَ بعدَه) أي: النزحِ (كثيرٌ) غيرُ متغيِّرٍ.
والحاصلُ: أنَ النَّجسَ القليلَ يصيرُ طَهورًا بأمرٍ واحدٍ وهو الإضافةُ؛ بشرطِ زوالِ التَّغيُّرِ إن كان.
وأنَّ النجِسَ الكثيرَ يَطهرُ بأحدِ ثلاثةٍ: الإضافةِ، والنزحِ بشرطِهما، وزوالِ تغيُّرِه بنفسِه. ثمَّ أشارَ إلى بيانِ حد الكثيرِ وحكمِه فقالَ: (فإن بلَغ الماءُ) الطَّهورُ (قُلَّتينِ) فصاعدًا
شيءٍ فيه من تراب، أو مِسكٍ، أو جامدٍ، أو مائع، ونحوِ ذلك. حفيد.
(ويطهُر أيضًا الكثير … ) أي: فتطهيرُه يحصلُ بأحدِ ثلاثةِ أمورٍ: بإضافةِ ماءٍ كثيرٍ إليه مع زوالِ تغيُّرِه، أخذًا من قولِ الشارح أيضًا، أي: بزوال تغيُّرِه بنفسه، بطولِ مُكثِه، أي: بغيرِ إضافةِ ماءٍ طهورٍ إليه. ومحل ذلك ما لم ينقص عن القُلَّتين قبلَ زوالِ التغيُّر، فإنْ نَقَصَ، ثمَّ زال التغيُّر، لم يَطهُر به؛ لأن علَّة التنجيس في القليل مجرَّدُ ملاقاةِ النجاسة. دنوشري.
(وبنزحٍ … إلخ) هذا الأمرُ الثالثُ، يعني: يطهرُ الماء المُتنجِّس، بزوالِ تغيُّره بالنزح المذكور، وعُلِمَ منه أنه لو لم يَزُل تغيُّره بالنْزحِ، حتَّى بقيَ الماء دون قُلَّتين، أنه لا يَطهر بذلك؛ لأنه لم يَبقَ التغيُّر علَّةَ للتنجيس، وإنَّما علَّته الملاقاةُ، فلا يطهرُ إلَّا بالإضافةِ. حفيد.
(غير متغير) في المسألتين؛ لزوال سببِ التنجيس، فيعودُ الماءُ إلى ما كان عليه من الطهوريَّة. دنوشري.
(بشرطهما) أي: شرط الإضافة والنَّزح، فشرطُ الإضافة: أن يُضاف إليه طهورٌ كثيرٌ، وشرطُ النَّزح: أن يُنزَحَ منه بحيث يبقى بعدَ النزح كثير.
(قُلَّتَين فصاعدًا) أي: فما فوقَهما وحكمُهما أنهما لا يَنجُسان إلَّا بالتغيُّر بالنجاسة،
стр. 160
وهما: أربع مئة رطْلٍ وستَّةٌ وأربعونَ وثلاثةُ أسباعِ رطلٍ مصريٍّ، لم ينجُس
(وهما) أي: القلَّتانِ (أربعُ مئةِ رِطلٍ وستةٌ وأربعون) رطلًا (وثلاثةُ أسباع رطلٍ مصريٍّ، لم يَنْجُس) بملاقاةِ النَّجاسةِ، ولو كانت بولَ آدميٍّ أو عَذِرَتَه
والمرادُ بالقلَّتَين أن يكونا من قِلالِ هَجَر -بفتح الهاء والجيم- وهي قرية كانت بالقُربِ من المدينة المنورة- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- تنسَبُ القلالُ إليها. و "القُلَّتَين": تثنيةُ قُلَّةِ، وهي اسمٌ لكلِّ ما علا وارتفع، ومنه قُلَّةُ الجبل، والمراد هنا الجرَّةُ الكبيرةُ، سمِّيت بذلك قُلَّة؛ لعلُّوِها وارتفاعها، وقيل: لأنَّ الرجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيده، أي: يرفعها، والتحديدُ بقلالِ هَجَر. وفي حديث الإسراء أن النبيَّ ﷺ قال: "ثمَّ رُفعَت لي سِدْرةُ المنتهى، فإذا وَرَقُها مثلُ آذانِ الفِيَلة، وإذا نَبِقُها (١) مثلُ قلال هجر". رواه البخاري (٢). دنوشري.
(ولو … بولَ أدميٍّ أو عَذِرتَه) أشار بهذا ردًّا لما ذكره في "المنتهى" عن أكثرِ المتقدِّمين؛ لضعفِه. وعبارةُ "المنتهى" مع "شرحه" الصغير: وإنْ لم يتغيَّر الطَّهورُ الكثيرُ، لم ينجس بملاقاةِ النجاسة؛ لحديث القلَّتَين، إلَّا ببولِ آدميٍّ ولو صغيرًا، أو عَذرةٍ منه رطبةٍ مائعةٍ أو لا، أو يابسةٍ ذابت فيه، فينجسُ بهما دونَ سائر النجاسات عند أكثر المتقدِّمين من الأصحاب والمتوسِّطين (٣).
قال حفيد: هو لأكثرِ المتقدِّمين والمتوسِّطين القائلين بنجاسةِ الماء الكثير بذلك بمجرَّدِ الملاقاة. ودليلُهم ما ذكره المصنف في "شرحه" من قوله: لحديث أبي هريرة … إلخ (٤). ولا ينجسُ عند المتأخرين، كابنِ عقيل (٥)،
стр. 161
إلا بالتغيُّر.
(إلا بالتغيُّرِ) لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: سُئلَ النَّبيُّ ﷺ عنِ الماءِ يكونُ بالفلاةِ وما يَنُوبُه منَ الدَّوابِّ والسِّباعِ؟ فقالَ: "إذا بَلَغَ الماءُ قلَّتَينِ، لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ". وفي روايةٍ: "لم يَحمِل الخبَثَ" رواهُ الخمسةُ والحاكمُ وقالَ: على شرطِ الشَّيخينِ، ولفظُه
وأبي الخطاب (١)، وغيرهم، ولا عندَ قليلٍ من المتقدِّمين والمتوسِّطين. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" عن "المنتهى": ومقابلُ قولِ أكثرِ المتقدِّمين والمتوسِّطين: أن حكمَ البولِ والعَذِرةِ حكمُ سائرِ النجاسات، فلا ينجسُ الكثيرُ بهما إلا بالتغيُّر. قال في "التنقيح": اختاره أكثرُ المتأخِّرين، وهو أظهر. قال في "شرحه" (٢): لأن نجاسةَ بولِ الآدميِّ لا تزيدُ على نجاسةِ [بول] الكلب، وهو لا ينجِّسُ القلِّتين. انظره إن شئت (٣).
(لحديث ابن عمر … إلخ) اللام متعلِّقةٌ بمحذوف، أي: لمفهومِ حديث ابن عمر … إلخ، لأنَّ خبرَ القلَّتين دلَّ بمنطوقِهِ على ما ذكره الشارح.
(وما ينوبه من السِّباع) أي: يَرِدُ عليه البهائمُ التي لا تُؤكل؛ للشُّرب منه. (رواه الخمسة) وهم الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو عيسى الترمذيُّ في "جامعه"، وأبو عبد الرحمن النَّسَائي في "سننه"، وأبو داود السَّجِستاني في "سننه"، وابنُ ماجه القزوينيُّ في كتابه (السنن). وقوله: (وقال على شرط الشيخين) البخاري ومسلم، والمرادُ بالشرط: الرِّجالُ والرُّواةُ الذينَ رَوى عنهم البخاري ومسلم، ولم يوجد في الصحيحين. وهذا هو المراد كما هو صنيعُه من قوله: "ولفظه لأحمد". وأما تفسيرُ الشرط باللقيِّ والمعاصرةِ عند البخاري، وإمكانِ اللقي عند مسلم، فليس بمناسبٍ هنا.
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأحمدَ (١). فدلَّ بمنطوقِه على دفعِ (٢) القُلَّتينِ للنَّجاسةِ عنهما، وبمفهومهِ على نجاسةِ ما لم يَبْلُغهما؛ فلذلك جعلناهُما حدَّ الكثيرِ (٣).
(فدلَّ بمنطوقه على دَفْعِ القُلَّتين للنَّجاسة) فمعنى الدَّفْع: المنعُ قبل النزول. والرَّفْع معناهُ: إزالةُ موجود. ولذلك يُسَنُّ لمن دعا برَفْعِ ما وقع، جَعْلُ ظهورِ كفَّيْه للسماء، أو بدَفْعِ ما ينزل، بطونِهما، فالطلاقُ يرفعُ النكاحَ، ولا يدفعه؛ لحِلِّ ارتجاعِ المطلَّقة، وعكسُه الإحرامُ وعدَّة الشبهة، فإنَّهما لا يَرفعان النِّكاح، ويمنعان ابتداءَه، فعُلِمَ أنَّ الشيء قد يَدْفَعُ فقط كهذين، وقد يَرْفعُ فقط كالطلاق.
والماءُ ينقسم باعتبار الدَّفْع والرَّفْع إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ يَدفع وَيرفع، وهو الماءُ الكثير، فإنَّه يَرفعُ الحدثَ، ويدفعُ الخبثَ لو وَرَدَ عليه، حيثُ لم يتغيَّر به.
وقسمٌ لا يَدفع ولا يَرفع، كالماءِ المستعمَل.
وقسمٌ يرفعُ ولا يدفع، وهو الماءُ القليلُ، فإنَّه يرفعُ الحدثَ، ولا يدفعُ الخبثَ لو وَرَدَ عليه. وأمَّا القسمُ الرابع الذي تقتضيه القسمةُ العقليَّةُ، وهو الذي يَدفعُ ولا يَرفع، فلا يتأتَّى في الماء. فتأمَّل.
ومنطوقُ الروايةِ الثانية: "لم يحمل الخبث"، أي: لم ينجسْ، سواءٌ تغيَّر أم لا، وكذا الروايةُ الأولى.
стр. 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا حديثُ أبي أمامَةَ مرفوعًا: "الماءُ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلَّا ما غَلبَ على ريحِه وطعمِه ولونِه" -رواهُ ابنُ ماجَه والدارقطنيُّ (١) - فمطلقٌ،
وقولُه: (وبمفهومه) وهو إذا لم يبلغ الماءُ قلَّتين، يحملُ الخبثَ، سواءٌ تغيَّر أم لا. وهو كذلك، فإنَّه ينجسُ بمجرَّدِ الملاقاة، كما تقدَّم. فلذلكَ جعلَها الفقهاءُ حدًّا للكثير الذي لا ينجس إلا بالتغيُّر. "كشاف القناع" (٢).
(وأمَّا حديثُ أبي أمامة) مبتدأ (مرفوعًا) حالٌ منه على القول بجوازه، و (مطلَقٌ) خبر. محمد الخلوتي.
قال في "البيقونية":
وما أُضيفَ للنَّبِي المَرفوعُ (٣)
قال شارحها الزرقانيُّ (٤): أي: أضافَهُ صحابيُّ، أو تابعيٌّ، أو مَنْ بعدهُما ولو منَّا الآن، للنبيِّ ﷺ ، قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صفةً، تصريحًا أو حكمًا، هو في المرفوع سواءٌ، اتَّصل إسنادُه أم لا، فَدَخل فيه المتَّصِلُ، والمرسَلُ، والمنقطعُ، والمعضَلُ، والمعَلَّقُ، دونَ الموقوفِ والمقطوع، هذا هو المشهور. أي: القولُ الذي ذكره الناظمُ في تعريف المرفوع، هو المشهور من أقوالٍ ثلاثة، ذكرها الزرقانيُّ، والقولان الآخران مفترضان.
стр. 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حُمِلَ على خبرِ القُلَّتينِ المقيَّدِ.
والقُلَّتانِ: تثنيةُ قُلَّةٍ، وهي: اسمٌ لكلِّ ما ارتفعَ وعلا؛ ومنه قُلَّةُ الجبلِ. والمرادُ بها هنا: الجرّةُ الكبيرةُ؛ سُمِّيت قلَّةً؛ لارتفاعِها وعلوِّها، أو لأنَّ الرَّجلَ العظيمَ يُقِلُّها بيدِه، أي: يرفعها، والتحديدُ وقَعَ بقلالِ هَجَرَ: قريةٌ قربَ المدينةِ؛ لما روَى الخطابيُّ (١) بإسنادهِ إلى ابنِ جُرَيْجٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسَلًا: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتينِ بقلالِ هَجَر" ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ، معلومةُ المِقدارِ لا تَختلفُ كالصِّيعانِ (٢).
قالَ عبدُ الملكِ بنُ جُريجٍ: رأيتُ قلالَ هَجَر فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أو قِرْبَتَيْنِ وشيئًا (٣). انتهى. والاحتياطُ إثباتُ الشَّيءِ وجَعْلهُ نِصفًا؛ لأنَّه أقصى ما يُطلقُ عليهِ اسمُ
(حُمِل على خبر القلَّتين) بمعنى أنْ يُقيَّد بالمقيَّد، والمعنى: إذا بلغَ الماءُ قلَّتينِ، لم ينجِّسه شيءٌ، إلَّا ما غَلَبَ على طعمِه وريحِه ولونِه، المقيَّدِ بقُلَّتين، وأمَّا حديثُ أبي أمامة فمطلقٌ؛ لإهمالِ القيدِ المذكورِ فيه.
(لارتفاعِها وعلوِّها) تعليلٌ لتسميتها بقُلَّةٍ، (أو) سُمِّيتْ قُلَّةً (لأنَّ الرجلَ العظيمَ … إلخ).
(والتحديدُ وقع بقلال هَجَر) أي: تقريبًا، فلا يضرُّ لو نَقَص رطلًا أو رطلين بالعراقيِّ، واستَدَلَّ لهذا بدليلين نقليٍّ وعقليٍّ، وعَضَدَ الدليلَ العقليَّ بقوله: (قال عبدُ الملك .. إلخ) (والاحتياطُ … إلخ) الاحتياطُ الأخذُ بأقوى الدليلين.
(لأنَّه أقصى ما يُطلَق عليه اسمُ شيء) أي: غايةُ ما يُطلَقُ عليه اسمُ شيءٍ … إلخ.
стр. 165
وإن شَكَّ في تنجُّس ماءٍ أو غيرِه، بنى على اليقين.
شيءٍ منكَّرًا؛ فيكونُ مجموعُهما (١) خمسَ قِرَب بقِرَبِ الحجازِ، والقِربةُ: تسعُ مئةَ رِطلٍ عراقيٍّ باتِّفاقِ القائلينَ بتحديدِ الماءِ بالقربِ. فالقُلّتانِ بالرِّطلِ العِراقيِّ خمس مئةِ رطلٍ، وبالمصريِّ ما ذكَرَهُ المصنِّفُ.
وقدرُ القُلَّتينِ بالصَّاعِ: ثلاثةٌ وتسعونَ صاعًا وثلاثةُ أرباعِ صاعٍ، أي: ثلاثةُ أمدادٍ. والصَّاع: قَدَحانِ (٢) [بالقَدَحِ المصريِّ] (٣) تقريبًا. فالقُلّتانِ بالإِرْدَبِّ المصريِّ (٤): إِرْدَبَّانِ إلَّا أربعةَ أقدَاحٍ ونصفَ قَدَح.
(وإن شَكّ في تنجُّسِ ماءٍ) أي: طروِّ نجاسةٍ عليه (أو) شكَّ في تنجُّسِ (غيرِه) أي: غيرِ الماءِ منَ الطَّاهرات، كثوب وإناء ولو مع تغيِّر الماء (٥) (بَنَى على اليقينِ)
(فالقُلَّتان بالرطلِ العراقي خمسُ مئة … إلخ) عطف على قوله: (فيكون مجموعهما خمس قِرَب … إلخ) يتوجه بذلك أن القلتين تسع أربع قِرب من قِرب الحجاز والنصف قِربة بقِرَبِ الحجاز، فالجميعُ خمس.
(وبالمصريِّ ما ذكره المصنِّفُ) اقتصر المصنِّفُ على تحديد القُلَّتين بالمعيار للاختصار.
(أي: ثلاثة أمداد) بيَّن هذا التفسير أنَّ الصاعَ أربعةُ أمدادٍ.
(وإنْ شكَّ في تنجُّس ماءٍ أو غيره، بنى على اليقين) لمَّا كانَ من قواعد الفقهاءِ في جميع الأحكام طرحُ الشكِّ، والعملُ باليقين، قال رحمه الله تعالى: "بنى على اليقين" أي: بنى على ما تيقَّنَهُ باعتقادِه الجازم، فإذا تيقَّن طهارةَ الماء، وشكَّ في نجاسته، فهو على أصله،
стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: على أصلِهِ الذي كان عليهِ قبل الشكِّ. وكذا لو شكَّ في طهارتهِ بعدَ تيقنِ نجاستِه؛ لأنَّ الشَّيءَ إذا كانَ على حالٍ فانتقالُه عنها يفتقرُ إلى ثلاثةِ أمورٍ: عدمِها، ووجودِ أُخرى، واستمرارِ هذه الأُخرى، وأمَّا بقاءُ الأولى فإنَّه لا يفتقر إلّا إلى مُجَرَّدِ البقاءِ وهو أيسرُ من الحدوثِ وأكثرُ (١)، والأصلُ إلحاقُ الفرد بالأعمِّ الأغلبِ، لكن
ويبني على ما تيقَّن من طهارته، ولا يزولُ الشكُّ، ولو مع تغيُّره؛ لأنَّه يحتملُ أنْ يكونَ بمُكْثِه، أو برائحةِ شيءٍ بجانبه.
وقوله: (وكذا لو شكَّ في طهارته) يعني إذا تيقَّن نجاسةَ الماء، وشكَّ في طهارته، بنى على يقينه، وهو الأصل؛ لأنَّ الشيءَ إذا كان على حالةٍ، فانتقالُه عنها يَفْتقرُ إلى عدمِها، ووجودِ الأُخرى، وليس هذا خاصًّا بالماء، بل يجري فيه وفي غيره، وحاصلُه أنَّ من تيقَّن أصلًا من طهارةٍ أو نجاسةٍ، بنى على أصله، ولا يَلْزَمُهُ السؤال. دنوشري.
(وأمَّا بقاءُ الأُولى) وهي الحالةُ التي كان الشيءُ عليها أوَّلًا قبل طريانِ الشكِّ. (فإنَّه لا يفتقرُ … إلخ) الأغلبُ: وإن احتمل … إلخ. قوله: (هو أيسر) أي: مجرَّدُ البقاء، وهو كونُ الشيء على صفته الأصليَّة، فهو من إضافة الصفةِ إلى موصوفها، أي: البقاءُ المجرَّدُ عن حدوث الشكِّ (أيسرُ من الحدوث)، أي: أسهلُ من العمل بطروِّ الشكِّ عملًا بقوله ﷺ : "إنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ"، وقوله [ ﷺ : "يَسِّروا ولا تعسِّروا"﴾ (٢).
(والأصل … إلخ) أي: القاعدة الفقهية: (إلحاقُ الفرد) النادر، وهو طروُّ الشكِّ (بالأعمِّ الأغلب) وهو الطهوريَّة، عطفٌ على "إن احتمل" الأول، فالاستدراكُ بالنظرِ لهذا الاحتمال -لأنَّ المعطوفَ على الشيء يُعطَى حكمَه. هذا من قواعدهم. دَفَعَ به ما يُتوهَّم نفيهُ، وهو
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنِ احتُمِلَ تغيُّرُ الماءِ بشيءٍ فيه من نجسٍ أو غيرهِ، عُمِل به. وإن احتُمل التَّغيُّرُ بالطَّاهرِ والنّجسِ،
طرح احتمال الشكِّ، وهذا معنى كلام المصنِّف على "المنتهى" (١): ومحلُّه إذا لم يكن تغيُّره لو فُرِض بالطاهر، يسلبُه الطهوريَّة. أي: محلُّ كون الأصل البقاء على الطهوريَّة: إنْ لم يكن … إلخ.
قال المصنِّفُ في "حاشية المنتهى": لكن الظاهر أنَّ المرادَ بالتغيُّر اليسيرُ الذي لا يَسلُبُ الطهوريَّة، وإلَّا لتنجَّسَ، ولو فرضنا التغيُّر بالطَّاهر؛ لملاقاتِه للنَّجاسة، إذ الطاهر لا يدفعُها عن نفسه، ولو كثر، على ما مرَّ توضيحُ هذا بالمثال كما أفاده. ح ف. كما لو وقع في ماءٍ كثير روثُ حمارٍ وروثُ فرسٍ، وتغيَّر لونُه تغيَّرًا يسيرًا، ولم يُعْلَم من أيِّهما تغيَّر، فإنَّا نحكمُ بطهارتِه. أمَّا إنْ تغيَّر تغيُّرًا كثيرًا، فإنَّه ينجُس بذلك، على تقدير أنَّه تغيَّر بالطَّاهر، فقد صار طاهرًا وقد لاقتهُ نجاسةٌ، فيصيرُ نجِسًا، فعُلِم منه أنَّه لو علِم أنَّ التغيُّر من النجاسة، بأنْ كان يصلحُ أنْ يكونَ منها، فهو نجس، وإن عُلِم أنَّه من الطاهر، فهو طاهرٌ، حيثُ كان التغيُّر يسيرًا، وكان من صفةٍ واحدة.
(وإن احتملَ التغيُّر بالطاهر … إلخ) عطفٌ على "إن احتمل" الأوَّل، هذا معنى قول صاحب "المنتهى" مع "شرح" للدنوشري: أو سقطَ في الماء الكثير طاهرٌ بيقين ونجسٌ بيقين، وتغيَّر بأحدِهما، ولم يُعْلَم هل تغيَّر بالطاهر أو بالنجس، فإنَّه باقٍ على طهوريَّته، حيث كانت الطهوريَّة متيقَّنةً قبل ذلك، ولا عبرةَ بما يطرؤ من الشكِّ.
فإنْ قلت: إنَّ تَغيُّرَ الماء في هذه المسألةِ لا يخلو إمَّا أنْ يكونَ بالطَّاهر، أو بالنَّجس، وإذا انتفى أنْ يكونَ التغيُّر بالنَّجس، فقد تغيَّر بالطاهر، والطاهرُ ينجُس بمجرَّدِ ملاقاةِ النجاسة، فهو نجس؟
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: بأحدِهما فقط، فطهورٌ إن كانَ التَّغيُّرُ يسيرًا، وإلَّا فنجِسٌ ولو كثيرًا؛ لأنَّه طاهرٌ لاقى نجاسةً، وهو لا يدفعُها عن نفسِه.
قلت: هذا على التغيُّر بالمجاور الطاهر لا الممازج، وحيثُ لا يتحقَّق كونُه من النجس، فأصلُه الطَّهوريَّةُ.
فإن قلت: يحتملُ أنه تغيَّر بالنجس، فهو نجس.
قلت: ويحتملُ أنَّه إنَّما تغيَّر بالطاهر المجاور، فهو باقٍ على طهوريته، وإذا احتمل واحتمل، سقطَ التعليلُ به، كما أن الدليلَ إذا اعتراه الاحتمالُ، سقط به الاستدلال، فالتعليلُ من باب أولى، ومثله ذَرْقُ (١) طائرٍ لم يُعلَم كونُه مأكولًا أو غيرَ مأكول.
"فرع": إذا أصابَه ماءُ ميزابٍ، ولا أمارة تدلُّ على النجاسة، كُرِهَ سؤالُه عنه. نقلَه صالحٌ (٢)؛ لقولِ عمر: يا صاحبَ الحوض لا تخبرنا (٣). فلا يلزمُ الجواب، وأوجب الأزَجيُّ (٤) إجابته إن علم نجاسته، وهو حسن (٥). قال المصنِّف: ولعلَّ كلام غيره لا يخالفه.
(أي: بأحدهما) أشار بهذا التفسير إلى أنَّ الواو في "الطاهر والنجس" بمعنى "أو".
(وإلَّا فنجسٌ) بأن احتملَ تغيُّره بالنجس فقط، فهو نجسٌ، ولو كانَ الماءُ كثيرًا.
стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يلزمُ سؤالٌ عمَّا لم تتيقِّن نجاستُه (١)، ويلزمُ مَن عَلِمَ النَّجسَ إعلامُ من أرادَ استعمالَه في طهارةٍ أو شربٍ أو غيرِهما.
ومَن أخبرَه مكلَّفَ عدلٌ
(ولا يلزم سؤال عمَّا لم تتيقن نجاسته) بل يُكره سؤالُه عنه، كما تقدَّم في الفرع المذكور.
(ويلزمُ مَن) أي: إنسانًا مُكلَّفًا عَلِم النجاسة من ماءٍ أو غيره، أي: من عَلِمَ نجاستَهُ في مذهبِ المُستعمِل، أو كان غير الماء. وكذا يجب إعلام من أراد استعمال الحرام كما في "الرعاية". حفيد.
(إعلام من أراد) أنْ يستعملَه، ولم يسأله، فيَحرُمُ عليه تَرْكُ الإعلام؛ لأنه تَرَكَ ما يلزمُه شرعًا، مع قدرته عليه؛ لما يلزَمُ عليه من إيقاعِ غيره في التضمُّخ بالنجاسة. دنوشري.
(في طهارةٍ) ظاهرُه: ولو قيل (٢): إزالِتُها ليست شرطًا لصحَّة الصلاة، خلافًا "للإقناع" (٣). مصنِّف (٤). (ومن أخبره مكلَّف عدل … إلخ) أي: ومن أخبره عدلٌ بنجاسةِ الماءِ ولو قِنًّا، أو امرأة، ولو مستورَ الحال، أو ضريرًا (٥)؛ لأن للضَّرير طريقًا إلى العِلم بذلك بالخَبَر والحِسِّ. حيثُ كان المخبرِ مُكلَّفًا، وعيَّن سببَ تنجُّسِ الماء، وجبَ قبولُ إِخباره، ولم يُبحَ له است
عمالُه.
واحترز بقوله: "عدل" عن الكافرِ والفاسق، فإنَّ خبرَهُما غيرُ مقبول، وبقوله:"مكلَّف" عن الصغير والمجنون، فإن خبرَهُما لا يُقبَل.
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ولو مستورًا أو امرأةٌ أو قِنًّا أو أعمى- بنجاسة شيءٍ، وجبَ قَبُولُه إنْ عَيَّنَ السَّببَ، وإلَّا لم يلزمْ (١)، ولو كانَ المُخبِرُ فقيهًا موافقًا، كما نُقِلَ عن إملاءِ التَّقيِّ الفُتُوحي (٢).
وفُهِم من قوله: [وعيَّن السببَ] (٣). أنَّ العدلَ إذا لم يُعيِّن السببَ، لم يُقْبَل إخبارُه؛ لأنَّ المخبِر قد يعتقدُ نجاسةَ الماء بسببٍ لا يعتقدِه الآخَر؛ لكون مذهبِه مخالفًا لمذهبه، كسقوط روثِ ما أكِل لحمُه في الماء، إذا تغيَّر به تغيُّرًا يسيرًا، فإن المخبِرَ يعتقدُ نجاستَه، والمُخْبَرَ لا يعتقدُ نجاستَه، أشبه التخريحَ في الشاهد، إن بيَّنَ سبَبَه قُبِلَ، وإلَّا فلا، ونقل حربٌ (٤) فيمن وطئ روثةٌ، فرخَّصَ فيه إذا لم يعرف ما هي. دنوشري.
(ولو مستورًا) أي: ولو كان المخبِرُ مستورَ الحال -فالتنوين عوضٌ عن المضاف إليه- لأنَّه خبرٌ لا شهادةٌ.
(أو امرأة … إلخ) عطف على "مستورًا" وكذا فيما بعده أخذَ التعميمَ من قول المصنِّف: "عدل"؛ لأنه يستوي فيه المذكر والمؤئث.
(إنْ عيَّن السببَ) شرطٌ في وجوب القَبول، أي: سببَ ما أخبرَ به من نجاسة الماء (وإلَّا لم يلزم) أي: وإنْ لم يعيِّن السببَ، لم يلزم قَبول خبره. (ولو … فقيهًا) فهو غايةٌ لقوله: "وإلا لم يلزم"، وقوله: (موافقًا) لاحتمالِ نحو وسوسةٍ.
стр. 171
وإن اشتبهَ طَهورٌ بنجِس، لم يتحرَّ
قالَ المصنِّفُ (١): قلتُ: وكذا إذا أخبَرَه بما يسلُبُ الطَّهورَيَّةَ مع بقاءِ الطَّهارةِ؛ فيعملُ المخبَر بمذهبهِ فيه.
(وإن اشتَبَهَ) أي: التبسَ عليهِ ماءٌ (طهورٌ بنَجس) ولم يُمكن تطهيرُه بهِ، وإلَّا بأن كان الطَّهورُ قُلتينِ وعنده إناءٌ يسعُهما، وجبَ عليه ذلك (لم يَتحرَّ) أي: لم يجب عليهِ أن ينظرَ أيهما يغلبُ على ظنِّهِ أنَّه الطَّهورُ فيستعملُه، بل لا يجوزُ له التحري للطَّهارةِ؛
(ولم يُمكِن تطهيره به) أي: لمَّا اشتبهَ على المستعمِل الماءَ في الطهارة الماءُ الطهور بالماء النَّجِس، ولا يمكنُ تطهيرُ الماء النجسِ بالماءِ الطهور، بأن كان الطَّهور دونَ قلَّتين، لما تقدَّمَ أنَّه يُشترط في تطهير الماءِ القليل إضافةُ كثيرٍ إليه، مع زوال التغيُّر، وكذا إن كانَ الطَّهورُ قُلَّتين، وليس عنده ما يَسَعُ الماءَين، وإلَّا وجبَ عليه تطهيره بالإضافة، إذا زالَ التغيُّر واستعملَه، لأنَّ من شرط التيمُّم العجزُ عن الماء، ومتى أمكنَ تطهيرُه، كان قادرًا عليه، فلزمه استعمالُه، ولم يصحَّ تيمُّمُه. حفيد بإيضاح. (وإلا) بأنْ كانَ يُمكِن تطهيرُه (بأن كانَ الطهورُ … إلخ) فهو تصويرٌ لإمكانِ تطهيرِ الماءِ المشتبِه بالماء النَّجِس.
وقوله: (وجب عليه ذلك) أي: وجبَ عليه تطهيرُه، أي: يلزمه خلطُهما واستعماله (لم يتحرَّ) قَيْدٌ في عدم إمكان تطهيره، يعني أنه إذا اشتبه الماءُ الطهورُ بالماء النجِسِ، ولم يُمكن تطهيرُ النجِس بالطهور، ولا مباحٌ طهورٌ موجود بيقين، لم يتحرَّ في هذين الماءين المشتَبهين، ولو لم يكن هناك ماءٌ مباحٌ طهورٌ بيقين، ولا يكون فَقْده الطهور بيقين عذرًا في الإِقدام على التحرِّي والاجتهاد؛ لأنه قد اشتبهَ عليه المحظورُ بالمباح في موضع لا تبيحه الضرورةُ، فلم يَجُزْ له أن يجتهدَ فيها، ويجب الكفُّ عنهما. دنوشري مع زيادة.
стр. 172
ويتيمَّم لعدمِ غيرِهما.
لأنَّه قد اشتبهَ المباحُ بالمحظورِ في موضع لا تُبيحُهُ الضَّرورةُ فيتركُهما وجوبًا.
(ويَتيمَّمُ لعدمِ غيرِهما) أي: المُشْتَبِهَيْنِ، ولا يلزمُه إراقتُهما ولا خلطُهما.
وعُلم منه أنَّه لو وجدَ طَهورًا بيقينٍ، تعيَّنَ استعمالُه، وكذا يتركُ مباحًا اشتبهَ بمحرَّم، ويتيمَّمُ من غيرِ تحرٍّ؛ لعدمِ غيرِهما.
ثمَّ إن عَلِمَ الطَّهورَ أو المباحَ بعدَ فعلِ ما تيمَّمَ له، لم يُعِد،
(لأنَّه قد اشتبه المباحُ بالمحظور) أي: مباح الاستعمال، تعليل لتَركِ التحرِّي. (ويتيمَّم لعدمِ غيرِهما) قال في "المنتهى" (١): بلا إعدامٍ. قال في "شرحه" للدنوشري: أي: بلا إراقةِ؛ لأنَه عادمٌ للماء الطهورِ حكمًا. وعنه: يشترط لصحَّة التيمَّم إعدامُ الماءَين. واختاره الخرقيُّ؛ ليصير عادمًا للطهور بيقين. والمذهب الأوَّل؛ لأن الفَقدَ الشرعيَّ كالفقد الحسيِّ، وعلى الصحيح من المذهب لا يعيد الصلاة التي صلاها بهذا التيمم مع وجود الماء المشتبه بالنَّجِس، لو عَلِمَه بعد الصلاةِ بهذا التيمُّم كان فاقدًا للماء الطهور شرعًا، فلا إعادةَ عليه، ولا يلزم مَن أراد استعمال الماء السؤالُ عن كونه طاهرًا أو طهورًا أو نجسًا؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ. (ولا خلطُهما) لأنَّ الطهورَ إذا كان قليلًا كان خلطُهما لا يطهِّرهما، فلا فائدةَ في الخلط. ح ف.
(وكذا يترك مباحًا اشتبه بمحرَّم) أي: يترك استعمالَ ماءٍ مباحٍ اشتبه بماء محرَّم، كمغصوب، ومسروق، وما ثمنه المعيَّن حرام، وهو يريد رَفْعَ الحدث. (ثم إن عَلِم … إلخ) هذا تفصيلٌ لمن اشبهَ عليه الماءُ المباحُ بالمحرَّم، والطهور بالنَّجِس؛ أخذًا من قوله: "أو المباح" فالظرفُ متعلِّقٌ بعَلِم وكذا قوله: "وقَبل" أي: وأثم "إنْ عَلِم الطهور … إلخ" قبلَ فراغه. (لم يُعِد) أي: لم يُعِد الصلاةَ إذا تيمَّم وصلَّى إذن، وعُلِم منه: إذا عَلِم وهو فيها
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقبلَ فراغِه، يتطهَّرُ ويستأنفُ.
وعُلم من قولِنا: لا يَتَحَرَّى للطَّهارةِ، أنَّه يتحرَّى لحاجةِ أكل وشربٍ، بل يلزمُه ذلك،
يجبُ القطعُ والطهارةُ والاستئنافُ وكذا الطواف."كشاف القناع" (١) وحاشيته (٢).
قوله: (وقبل فراغه) أي: من التيمُّم، أو من الصلاة أخذًا من قولهم: حذف المعمولِ يُؤذِن بالعموم، يجري فيه ما يجري في الماءِ الطَّهورِ المشتبهِ بماء نجسٍ سواء بسواء. ح ف.
(من قولنا) أي: من قولِ الشارح: "بل لا يجوز له التحرِّي للطَّهارةِ"، المأخوذ من قول المصنف: "لم يتحرَّ".
(أنَّه يتحرَّى لحاجةِ أكلٍ وشربٍ … إلخ) يعني: أنَّه يلزم من اشتبهَ عليه ماءٌ طهورٌ بماءٍ نجسٍ، أو ميتةٌ بمذكَّاةٍ، الاجتهادُ في قِرب الطهور والمذكَّاة لحاجةِ شرب وأكل حيثُ اضطُّر، واحتاجَ إلى استعمالهما وليس عندَه ماءٌ طهورٌ، أو طعامٌ طاهرٌ بيقينٍ، واحترز بقوله: "لحاجةِ أكلٍ وشربٍ" عمَّا إذا احتاجَ إليه للطَّهارة، فإنَّه لا يتحرَّى فيهما، كما تقدَّم، ويعدِلُ عنهما إلى التيمُّم.
وإذا اشتبهَ طاهرٌ بنجسٍ غيرِ الماء، كالمائعات ونحوها، واضطر إلى استعماله، جازَ التحرِّي لحاجةِ أكلٍ وشربٍ، ويحرُم التحرِّي في ذلك بلا ضرورةٍ، وإذا تحرَّى للضرورةِ، فأكلَ أو شربَ، فإنَّه لا يلزمهُ غسلُ فمِه بعدَ أكله أو شربه؛ لوجود الطَّهور في نفسِ الأمر بيقين، والنَّجِس مشكوكٌ فيه، والأصلُ الطهارة، فلا ينجُس فمُه بالاستعمال بمجرَّدِ الشكِّ، فلا يلزمُه غسلُ فمه، وقيل: يلزمُه بذلك غسلُ فمه، كما لو عَلِم أن النجِس هو الذي استعملَه. دنوشري. والمذهبُ الأوَّل.
стр. 174
وإن اشتبهَ بطاهرٍ، توضَّأ وضوءًا واحدًا من كلٍّ غَرفةً.
لا غَسل فمهِ بعدَه؛ لعدمِ تيقُّنِ نجاسةِ ما استعملَه.
(وإن اشتبهَ) طهورٌ (بطاهرٍ، توضَّأ) منهما (وضوءًا واحدًا) يأخذُ (من كلِّ) واحدٍ منَ الماءينِ (غرْفةً) يَعُمُّ بكل غَرفةٍ المحل من محالِّ الوضوءِ؛ ليؤدّيَ الغرضَ بيقينٍ، ويجوزُ له ذلك بلا تحرٍّ ولو كان عندَه طهورٌ بيقينٍ، ويُصلِّي صلاة واحدةٌ.
(لا غسل فمِه بعدَه) أي: لا يلزمُه إذا استعملَ أحدهما غَسلُ فمِه بعدَ الأكلِ أو الشرب، إذا وجدَ طهورًا؛ استصحابًا لأصلِ الطهارة، وكذا لو تطهَّر من أحدِهما، لا يلزمُه غسلُ أعضائِه وثيابه؛ استصحابًا للأصل، وقال ابنُ حمدان (١): يجبُ، وعُلِم منه أنه لا يجوزُ أنْ يأكلَ أو يشربَ بلا تحرٍّ. "كشاف القناع" (٢).
(من كل واحدٍ) بتنوين "كلّ" بالنظر للمتن، فقوله: "واحد" عوضٌ عن المضافِ إليه.
(وإن اشتبهَ طهورٌ بطاهر) يعني: إذا اشتبهَ ماءٌ طهورٌ بماءٍ طاهرٍ، سواءٌ أمكنَ جعلُ الطاهر طهورًا بإضافته إلى الطاهر، بأنْ كان طهورٌ قلَّتينِ فأكثر، وعنده إناءٌ يضمُّهمَا، أو لم يمكنْ جعلُه طهورًا به، بأنْ لم يكن عندَه إناءٌ يضمُّهمَا، وكانَ الطَّهور دون قلَّتين، وكان الطاهرُ بحيث لو خالطه (٣) صفة لغيَّره، فإنه لا يخلطهما. فلمَّا لم يكن في التقييد فائدةٌ حذفَه الشارحُ. بخلاف التقييد في سابقه من كونه إذا أمكنَ تطهيرُه وجب ذلك، فاندفع سابقه ...... (٤) الشارح في جانب اشتباه الطهور بالنجس بإمكانِ الطهارة، وحذفَه في جانبِ اشتباهِ الطَّهور بالطاهر. ويتوضَّأُ ويغتسلُ مرَّة، أي: وضوءًا واحدًا أو غسلًا، يغترفُ لكلِّ عُضوٍ من أعضاءِ الطهارة من ذا غرفةً بنيَّةٍ جازمةٍ، ومن ذا غرفة بنيَّةٍ جازمةٍ (يعمُّ بكلِّ غرْفةٍ) من كل من الماءين المُشتَبهين (المحل) إلى تمام الوضوء.
стр. 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنِّفُ (١): قلتُ: والغسلُ فيما تقدَّم كالوضوء، وكذا إزالةُ النَجاسةِ. انتهى. لكن لو غَسلَ النَّجاسةَ من أحدِ الماءينِ سبعًا، ثم غسلَها من الآخرِ سبعًا، جازَ؛ لعدمِ افتقارها إلى نيَّةٍ. وكذا لو اغتسلَ غسلًا (٢) كاملًا من أحدِ الماءينِ، ثم اغتسلَ كاملًا من الآخرِ بنيَّةٍ واحدةٍ، جازَ؛ لأنَّ بدنَ المغتسلِ كعضوٍ واحدٍ، ففي إطلاقِهِ نظرٌ.
وقيل: يتوضَّأ من كل واحدٍ من الماءين وضوءًا واحدًا.
والأوَّل المذهب؛ لأن الوضوءَ الواحدَ، ولو بغرفتَيْنِ لكلٍّ عضوِ بنيَّةٍ جازمةٍ، وموالاةٍ، بخلافِ الوضوءِ من كلٍّ من الماءين وضوءًا مستقلًا؛ للتردُّدِ في النيَّة، وفواتِ الموالاة.
وإذا توضَّأ منهما مرَّةً من ذا غرفة ومن ذا غرفة، فإنَّه يصلِّي صلاة واحدة من غير إعادةٍ لتلكَ الصلاة التي صلَّاها بهذا الوضوءِ؛ وذلك لارتفاع حَدَثه بيقينٍ.
ويصحُّ ذلك الوضوءُ الواحدُ الذي على هذه الصفة، ولو مع وجودِ ماءٍ طهورٍ بيقين، أي: غيرِ مشكوكٍ فيه، ولا مُشتَبِه بغيره؛ وذلك لوجودِ الطَّهور في أحدهما بيقين، وقد أتى بنيَّةٍ جازمةٍ، فصحَّت طهارتُه منهما، ولو مع وجودِ الطَّهور بيقينٍ؛ لاستوائهما في الحكم. دنوشري مع زيادة.
(لكن لو غسَل … إلخ) استدراك على قول المصنف: "قلت … إلخ" دفعَ به ما يُتَوهَّم ثبوتُه من أنَّه لا يجوزُ إلا غسلٌ واحدٌ من الماءين.
(نفي إطلاقه نظرٌ) مفرَّعٌ على الاستدراك، إذ الإطلاق في محل التقييد خطأٌ، إذ المصنف في المتن قال في جانبِ الوضوء: "من كلٍّ غرفة"، وأهملَ هنا، ولم يقيِّد بأن يقول: من كل ماءٍ غرفة، أو غُسلٌ مستقلٌّ. لعلَّهُ قاصدٌ بذلك الجواز.
стр. 176
وإنِ اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجِسة، صلَّى في كلٍّ ثوبٍ
(وإن اشْتَبَهَت) عليه (ثيابٌ) أي: ثوبانِ فأكثَر (طاهرةٌ بـ) ثيابٍ (نجسةٍ) ولم يكن عندَه ثوبٌ طاهرٌ بيقينٍ (صلَّى في كل ثوبٍ) صلاة واحدةً يُكَرِّرُها
(وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ .. إلخ) أي: إن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بثيابٍ نجسةٍ، أو مباحةٌ بثيابٍ محرَّمةٍ، والحالُ أنه لا طاهر ولا مباح موجودين عنده بيقينٍ، لم يتحرَّ، كما لا يجوزُ له التحرِّي في الثياب المتنجِّسَةِ المشتبهةِ بالطَّاهرة، أو الثيابِ المباحةِ المشتبهةِ بالمحرَّمةِ، فتارة يعلمُ عددَ الثياب النجسة والمحرَّمة، وتارة لا يعلم، فإنْ عَلِم عددَ ثيابٍ نجسةٍ أو محرَّمةٍ، صلَّى في كل ثوب صلاةً بعددِ النَّجسَةِ أو المحرَّمة، وزادَ صلاة، ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ. وإنْ لم يَعلم عددَ النَّجسةِ أو المحرَّمةِ، فإنه يَستمرُّ يصلِّي في كل ثوب صلاة حتى يتيقَّنَ صحَّةَ صلاته، وأنَّه صلَّى في ثوب طاهرٍ مباحٍ بيقين، ولو كثرت الثياب، كلما صرَّح به الأصحاب. وقال ابن عقيل: إذا كَثُر ذلكَ وشقَّت صلاتُه في الكلِّ، فإنه يتحرَّى في أصحِّ الوجهين؛ دفعًا للمشقة والحَرَج.
وفَهِم من قوله: ولا طاهر مباح بيقين، أنَّه إذا كان عنده ثوبٌ طاهرٌ مباحٌ بيقين، فإنَّه يلزمُه أنْ يصلِّي فيه ويتركَ المشتبهاتِ من الثياب. كما ذكره في "الفروع" (١). دنوشري مع زيادة. (ولم يكن عندَه ثوبٌ طاهرٌ) أو مباحٌ (بيقين) أمَّا لو كان عندَه ثوبٌ مباحٌ أو طاهرٌ بيقين، فإنَّه يجبُ عليه استعمالُه، ولا يجوزُ له أنْ يصلِّيَ في هذه الثياب؛ لما في الصلاة فيها من عدم الجزمِ بالنيَّةِ من غير حاجَةٍ، كما في "النكت"، وزاد في "الرِّعايةِ": لاشتراط جوازِ الصَّلاة في الثياب بعدِد النجسة وزيادةِ صلاة.
والواو في قوله: "ولم يكن … إلخ" واو الحال، أي: والحال أنه لا طاهر. ح ف وإيضاح.
(صلَّى في كلِّ ثوب صلاةً) ولا يجوز له التحرِّي، وهو من مفردات المذهب. ح ف.
стр. 177
بعددِ النَّجِسة، وزادَ صلاةً،
(بعددِ) الثيابِ (النَّجسَةِ، وزادَ) على عددِ النَّجِسَةِ (صلاةً) فلو كانت النَّجسةُ خمسةً مثلًا، صلَّى في ستَّةِ ثياب ستَّ صلواتٍ، في كل ثوبٍ صلاة؛ بأن يلبَسَ واحدًا ويصلِّي صلاةً، ثم ينزعَه ويلبَسَ الآخر ويصلِّي، وهكذا إلى آخرِ السِّتَّة، ليُصلِّيَ في ثوب طاهر يقينًا، ينوي بكلِّ صلاةٍ الفرضَ، كَمَن نسي صلاةً من يومٍ.
والفرقُ بين الثِّيابِ والمياهِ أنَّ الماءَ يلصَقُ ببدنِه فينجسُه، وأنَّ الصلاةَ في النَّجسِ جائزةٌ عندَ العدمِ، بخلافِ الماءِ.
والفرقُ بين الثِّيابِ وبين القِبلةِ أيضًا -حيث لم نوجب تَعدُّدَ الصَّلاةِ بحسبِ الجهاتِ- كثرةُ الاشتباهِ فيها، بخلافِ الثِّيابِ.
(بعدد الثياب النجسة) أو المحرَّمة. مصنِّف (١).
(فلو كانت النجسةُ خمسةً … إلخ) هذا مثالٌ يوضِّح به المقام. (ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ) أي: لا أنَّها معادةٌ، والظاهر أنَّه يكفي نيَّتُها ظهرًا مثلًا، إذ لا تتعيَّن الفرضيَّةُ، كما يأتي في باب النيَّة. مصنِّف (٢). كمن نسي صلاةً من يومٍ وجهلَها؛ لأنه أمكنه أداءُ فرضٍ بيقين، فلزمه بنيَّة الفرضية كما [لو] (٣) لم تشتبه، فإنَّه يصلِّي الخمسةَ أوقاتٍ، ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ غيرَ معادةٍ، ولا تصحُّ الزيادةُ على المفروضة، بخلافِ الماء النجس، فإنه لم يُعهَد جوازُ استعماله بحالٍ إلَّا لضرورةِ لقمةٍ غصَّ بها، ولا طاهر ولا طهور.
(كثرةُ) خبرٌ عن قوله: (والفرق … إلخ) إذْ هو محطُّ الفائدة، فالفرقُ: (كثرةُ الاشتباه فيها) والتفريط هنا حصل منه، بخلافها، وبأنَّ عليها أمارة تدلُّ عليها بخلاف الثياب. والحاصلُ أنَّ الفرقَ بينهما من ثلاثةِ أوجه؛ اثنين للإمام، الأول: أنَّ للقبلةِ أدلَّةٌ تدلُّ عليها،
стр. 178
وكذا أمكنةٌ ضيِّقةٌ، ويصلِّي في واسعةٍ بلا تحرٍّ.
(وكذا أَمكِنَةٌ) جمعُ مكانٍ؛ كزمانٍ وأزمنةٍ (ضيقةٌ) تَنَجَّسَ بعضُها واشتبهَتْ، ولا بُقعةَ طاهرةٌ بيقينٍ، فإذا تنجَّسَتْ زاويةٌ من بيتٍ وتَعَذَّرَ خروجُه منه وما يفرشُه عليه، صلَّى الفرضَ مرَّتينِ في زاويتيْنِ. وإن تنجَّسَت (١) زاويتانِ، صلّى ثلاثَ صلواتٍ في ثلاثِ زوايا وهكذا، هذا مع ضيقِ المكانِ.
(ويُصَلِّي في) بقعةٍ (واسعةٍ) تنجَّسَ بعضُها واشتبَهَ، كصحراءَ وحَوشٍ (٢) كبيرٍ حيثُ شاءَ (بلا تَحَرٍّ) للحرجِ والمشقَّةِ.
بخلاف الثياب، ولا بدلَ لها يُرجَعُ إليه، والثالثُ للقاضي، وهو الذي اقتصرَ عليه الشارح للاختصار. انظر وجه الاقتصار.
(وكذا أمكنةٌ ضيقة) أي: وكالثيابِ الطاهرةِ المباحةِ المشتبهةِ بالنجسة في الحكمِ، إذا اشتبهَت أمكنةٌ ضيِّقَةٌ تنجَّس بعضُها وجُهِل، ولم يُمكِنه الصلاةُ إلَّا فيها، فإنْ عَلِم عدد الأمكنة المتنجِّسَة صلَّى في كل مكانٍ صلاةً بعددِ النجسة، وزادَ صلاةً، وإلَّا، فإنه يستمرُّ يصلِّي في الأمكنةِ الضيِّقةِ المشتبهةِ كلِّها حتى يتيقَّن صحَّتها. دنوشري مع زيادة.
(وهكذا) فإذا تنجَّست ثلاثُ زوايا، فإنَّه يصلِّي في أربعٍ، هذا في الأمكنةِ الضيِّقَةِ، ولا يثبتُ هذا الحكمُ في صحراء ونحوها، كالفضاءِ الواسع، والمساجد الكبيرة، ويصلِّي فيها حيثُ شاء بلا تحرٍّ.
ولا مدخلَ للتحرِّي في العتقِ والطلاق، ويتَّجِهُ: صحَّةُ تيمُّمين حيثُ اشتبهَ ترابٌ طهورٌ مباحٌ بضدِّه.
ولا تصحُّ إمامةُ من اشتبهَت عليه الثيابُ الطاهرةُ بالنجسة إذا صلَّى فيها. والله أعلم. دنوشري.
стр. 179
فصل
ولمَّا كانَ الماءُ جوهرًا سيَّالًا احتاجَ إلى بيانِ أحكامِ أوانيه عَقِبه (١) فقال:
فصل في الآنية
وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هذا فصلٌ، أو: مبتدأٌ حُذفَ خبرهُ، أي: مما أذْكُرُه فصلٌ.
وهو في الأصل: الحجزُ بين شيئينِ، ومنه فصلُ الرّبيعِ؛ لحجزِه بينَ الشِّتاءِ
(عقبَه فقال … إلخ) قد يُقال: مقتضى ظاهر هذه العلَّة، تقديمُ بابِ الآنيةِ على باب المياه، ويمكنُ أن يجاب بأن المقصودَ بالذات الماء، وآنيته مقصودة بالعَرَض، وما بالذات يقدم على ما بالعرض. محمد الخلوتي.
(فصلٌ في الآنية) قوله: (أي هذا فصل) يُذكَر فيه مسائلُ من أحكام الآنية. والآنيةُ: الأوعية، وهي جمع إِناء، كسِقاء، والأصل أأنية بهمزتين، أبدِلت الهمزةُ الثانية ألفًا، ويُجمعُ على أوانٍ، فأوانٍ جمعُ الجمعِ، وأصلُه أأني أُبِدلت الهمزة الثانية واوًا؛ كراهةَ اجتماعِ همزتين، وطلبًا للتخفيف. دنوشري.
(وهو في الأصل) أي: في اللغة، وكذا كلُّ عبارةِ معنونة بقوله: في الأصل: [الحاجز] (٢) بين أجناس المسائل وأنواعها، فالفصلُ حاجزٌ بين الكتاب والباب؛ لأنَّ الكتابَ كالجنسِ الحقيقيِّ، تحتَه أنواع؛ لاشتمالِه على ذلك، مثل الحيوان تحته الإنسان، والباب نوعٌ تحته أفرادُ المسائل.
стр. 180
ويباحُ كل إناءٍ ولو ثمينًا
والصَّيفِ، وهو في كُتُبِ العلمِ كذلكَ؛ لحجزِه بينَ أجناسِ المسائلِ [وأنواعِها.
وهو -كالكتاب والبابِ- عُرفًا: اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العلمِ] (١).
(ويُباحُ كلُّ إناءٍ) طاهرٍ، أي: يباحُ اتخاذُه واستعمالُه (ولو) كانَ الإناءُ الطَّاهرُ (ثمينًا) أي: غاليَ الثَّمنِ، كجوهرٍ وبلَّورٍ، وياقوتٍ، وزُمُرُّدٍ. وغيرُ الثَّمينِ كخشبٍ، وزجاجٍ، وجلودٍ،
(وهو في كتب العلم … إلخ) أي: ما تقدَّم من معنى الفصل في اللغة، ومعناه في كتب العلم كذلك، فمعناه في المحسوس والمعنويِّ واحدٌ، وأمَّا إذا أردنا بمسمَّى الفصلِ النقوشَ، اتَّضحَ الفصلُ، ولعلَّه هو المراد.
(عرفًا) أي: في العُرف، فهو منصوبٌ بنزع الخافض، وهو مصدرُ فصَل يفصِل فَصلًا، بمعنى اسم الفاعل، أي: فاصل، بمعنى قاطع مجازًا: القطعة بين أجناس المسائل … إلخ.
(ويباحُ كل إناءٍ طاهرٍ) غير منهيٍّ عنه.
(ولو كان … ثمينًا) كجوهرٍ ونحوه، ولا يَحرُم منها إلا ما ورد الشرعُ بتحريمه. (أي: غالي الثمن) أخَذَه من صيغةِ فعيل؛ لأنَّها من صيغ المبالغة. محمد الخلوتي.
كجوهرٍ … إلخ) ولُؤلُؤ، ومَرجانٍ، وزَبَرجَد، وبِلَّور، وعَقيق؛ وذلك لفقد العلَّة التي لأجلِها حرَّمت آنيةُ الذهب والفضة؛ لأنَّ كثيرًا من الفقراء لا يعرفُ الجوهرَ، وإنَّما يعرفُه خواصُّ الناسِ، فلا تنكسُر قلوبُ الفقراء؛ لأنَّهم لا يعرفونه، ولأنَّه ليسَ من النقدَين، فلا يحصل باتِّخاذها تضييقٌ، ولقلَّتها لا تتَّخذُ آنيةٌ منها إلا نادرًا، ولو اتخِذَت من غير النقدين، لم تستعمل غالبًا، فجاز استعمالُ ذلك وجعلُه آنيةٌ. ويجوز لرجال فصٌّ من ذهب إذا كان يسيرًا عرفًا. ولا يجوزُ اتخاذُ خاتمٍ من ذهب مطلقًا. دنوشري وإيضاح.