← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وتغلَّظ في عَمْدٍ وشِبْهِه، فيؤخذُ خَمْسٌ وعشرون بنتَ مخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بنتَ لَبُون، وخمسٌ وعشرون حِقَّةً، وخمسٌ وعشرون جَذَعَةً. وتخفَّف في الخطأ، فيؤخذُ عشرونُ من كلِّ ذلك، وعشرون ابنَ مخاضٍ. وكذا حُكْمُ طرَفٍ. ودِيَةُ كتابيٍّ نصفُ ديةِ المسلمِ، وتارةً لا تغلَّظ؛ فلذا قال: (وتغلَّظُ في عَمْدٍ وشِبْههِ فيؤخذ خمسٌ وعشرون بنتَ مخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بنتَ لبون، وخمسٌ وعشرونَ حِقَّةً، وخمسٌ وعشرونَ جَذَعةً) ولا تغليظَ في غيرِ إبل. (وتخفَّف) الدِّيةُ (في الخطأ، فيؤخدُ عشرونَ من كلٍّ) من (ذلك) المذكورِ، أي: عشرون بنتَ مخاضٍ، وعشرون بنتَ لبُون، وعشرون حقَّةً، وعشرون جَذَعةً (و) يؤخذُ (عشرون ابنَ مخاضٍ) هذا قولُ ابنِ مسعودٍ ﵁ (١). (وكذا) في التَّغليظِ والتخفيفِ (حُكْمُ) ديةِ (طرَفٍ) وتؤخذُ من بَقرٍ مسنَّاةٌ وأتبِعةٌ، ومِنْ غنمٍ ثنايا وأجذعةٌ نصفين. (ودِيَةُ) حُرٍّ (كتابيٍّ) ذمِّىٍّ، أو معاهَدٍ، أو مستأمَنٍ (نصفُ دِيَةٍ) الحُرِّ (المسلمِ) لحديثِ عمروِ بن شعيبِ، عن أبيه، عن جدِّه "أنَّ النبيَّ ﵁ قضَى بأَنَّ عَقْلَ أهلِ الكتاب نصفُ عَقلِ المسلمين" رواه أحمد (٢). وكذا جراحه.

стр. 1297

وديةُ مجوسيٍّ ووَثَنِيٍّ ثمانمئة درهمٍ، ونساؤهم على النِّصْفِ كالمسلمين. ودِيَةُ رقيقٍ، قيمتُه، وفي جراحِه، ما نقَصَه إنْ لم يكن مقدَّرًا من حرٍّ. وفي جنينٍ ذكرٍ أو أنثى (وِديَةُ مجوسيٍّ) ذمِّيٍّ أو معاهدٍ أو مستأمنٍ (و) دِيَةُ (وَثَنيٍّ) معاهدٍ أو مستأمن (ثمانمئة درهمٍ) روي (١) عن عمرَ (٢) وعثمانَ (٣) وابنُ مسعود (٤) ﵁. وجراحه بالنسبة. (ونساؤهم) أي: نساءُ أهلِ الكتابِ، والمجوسِ، وعَبَدَةِ الأوثان، وسائرِ المشركين (على النِّصف) من ذُكرانهم (كـ) دَية نساءِ (المسلمين) لما في كتابِ عمرو بنِ حَزْم: "دِيَةُ المرأةِ على النِّصفِ من دِيَةِ الرَّجُل" (٥) ويستوي ذَكرٌ وأنثى فيما يوجبُ دونَ ثُلُثِ الدِّية. ودِيَة خُنثى مشكلٍ نصفُ كلٍّ منهما. (ودِيَةُ رقيقٍ) ذكرًا كان أو أنثى، ولو مُدَبَّرًا أو مكاتبًا (قيمتُه) عَمْدًا كان القتلُ أو خطأً؛ لأنَّه متقَوَّم، فضُمن بقيمتِه بالغةً ما بلغتْ، كالفرس. (وفي جراحِه) أي: الرقيقِ (مما نقَصَه) الجرحُ (إن لم يكن) الجرحُ (مقدَّرًا من حُرٍّ) فإنْ كان مقدَّرًا، وجبَ قِسطُه من قيمتِه، ففي يدهِ نصفُ قيمتِه، نقص بالجناية أقلُّ من ذلك أو أكثر. وفي أنفهِ قيمتُه كاملةً. (و) يجبُ (في جنين) حُرٍّ (ذكرٍ أو أنثى) إذا سقط مَيتًا بجنايةٍ على أمِّه عَمْدًا أو خطأ.

стр. 1298

غُرَّةٌ، عبدٌ أو أمةٌ، قيمتُها عُشرُ دِيَةِ أمِّه إنْ كان مملوكًا، ويتعلَّقُ أرشُ جنايةِ قِنٍّ برقبتِه إنْ لم يأذنْه سيِّدُه فيَفديه، أو يبيعُه فيها، أو يسلِّمُها لوليِّها. فصل وما في الإنسانِ منه شيءٌ واحدٌ، كأنف، وذَكَرٍ، ولسانٍ، ففيه الدِّيةُ. وما فيه منه شيئَان، كالعيَنَيْن (غُرَّةٌ) أي: (عبدٌ أو أمةٌ، قيمتُها عُشرُ دِيَةِ أمِّه) [وتورَثُ عنه، كأَنَّه سقَط حيًّا ثمَّ مات، ولا حقِّ فيها لقاتلٍ] (١)، ويجبُ في جنينٍ عُشرُ قيمةِ أمِّه (إنْ كان) الجنينُ (مملوكًا) وتُقَدَّر حرَّةْ حاملٌ برقيقٍ أمةً (٢)، ويؤخذُ عُشرُ قيمتِها يومَ جنايةٍ عليها نَقدًا. وإن سقَط حيًّا لوقتٍ يعيشُ لمثلِه، ففيه إذا مات ما في مولودٍ. (ويتعلَّق أرشُ جنايةِ قِنٍّ) خطأً أو عمدًا لا قَودَ فيه كجائفة، أو فيه قَوَدٌ واختير المال، أو أتلف مالًا (برقبتِه ان لم يأذنْه سيِّدُه) في ذلك (فـ) يخيَّر السيد بين أنْ (يَفديه) بأرشِ جنايتِه إنْ كان قدرَ قيمتِه فأقلَّ (أو يبيعُه فيها، أو يسلِّمُها) أي: الرقبةَ، كذا بخطِّه. والأنسبُ بالضمائرِ السَّابقة أنْ يقال: أو يسلِّمه أي: الجاني (لوليِّها) أي: الجناية. وإنْ كانت بإذن السيِّد، فداه بأرشِها كلِّه. فصلٌ في دِيَات الأعضاء ومنافِعها (وما في الإنسان منه شئٌ واحدٌ، كأنفٍ) ولو من أخشَمَ (٣) أو معوَجًّا (وذَكَرٍ، ولسانٍ) ولو مِنْ صغيرٍ (ففيه) إذا أتلف (الدِّيةُ) أي: ديةُ تلكَ النَّفْس التي قُطع منها على التَّفصيلِ السابق. (وما فيه) أي: الإنسانِ (منه شيئَان، كالعينَين) ولو مع حَوَل أو عَمَشٍ (٤)

стр. 1299

والأذنَيْن واليدَيْن، ففيهما الدِّيةُ، وفي إحداهما نصفُها، وفي المنخرَيْن [ثلثا] (١) الدِّيةِ، وفي الحاجِزِ بينهما ثُلُثُها، وفي الأجفانِ الدِّيةُ، وفي أحدِها رُبُعُها، وفي أصابعِ اليَدَيْن أو الرِّجْلَيْن الدِّيةُ، وفي كلِّ أصبع، عُشرُها، وفي أنملةِ إبهامٍ نصفُ عُشْرِها، وأنملةِ غيرِه ثلثُ عُشرِها. وفي كلِّ سِنٍّ خمسٌ من الإبِل، وفي كلٍّ مِنْ مَنْفعةِ سَمْعٍ، وبصرٍ، وشَمٍّ، وذوقٍ، وكلامٍ، وعقلٍ، ومنفعةِ مَشْيٍ، وأَكْلٍ، ونِكاحٍ، وعدمِ استمساكِ بولٍ أو غائطٍ، الدِّيَةُ، وفي كل من الشُّعور الأربعةِ الدِّيةُ، وهي: شَعَرُ رأسٍ، ولحيةٍ، وحاجبَيْن، وأهدابِ عينَيْن، (والأذنين) ولو مع صَمَم (واليدين) والرِّجْلَين (ففيهما الدِّيةُ، وفي إحداهما نصفُها) أي: نصفُ ديةِ تلك النَّفس (وفي المنخَريْن) بفتحِ الميمِ، وقذ تُكسر إتباعًا للخاءِ المعجمة (ثلثا الدِّيةِ) وسقَط من خطِّ المصنِّف ذِكْرُ الثلثين، ويتعيَّن إثباتُهما؛ ليوافق "المنتهَى" (٢) وغيرَه (وفي الحاجِزِ بينهما ثُلُثُها) لاشتمالِ المارِن على ثلاثةِ أشياءَ: منخَرَين وحاجزٍ، فوجب توزيعُ الدِّيةِ على عَدَدِها (وفي الأَجْفانِ) الأربعةِ (الدِّيةُ، وفي أحدِها) أي: الأجفانِ (رُبعُها، وني أصابعِ اليدين أو الرِّجْلَين الدِّيةُ، وفي كلِّ أصبع) من يدٍ أو رِجْلٍ (عُشرُها، وفي أنملة إبهامِ) يدٍ أو رِجْلٍ (نصفُ عُشرِها) أي: الدِّيةِ (و) في (أنملةِ) أصبعِ (غيرِه) أي: غيرِ الإبهام (ثلثُ عُشرها، وفي كلِّ سِنٍّ) أو نابٍ أو ضرسٍ ولو من صغيرٍ (خمسٌ من الإبل، وفي كلٍّ مِن مَنْفعةِ سمْعٍ، وبَصَرٍ، وشَمٍّ، وذَوقٍ، وكلامٍ، وعقلٍ) الدِّيةُ كاملةً (و) كذا في (منفعةِ مَشي، و) منفعةِ (أَكلٍ، و) منفعةِ (نكَاحٍ) الدِّيةُ (و (٣) عدمِ استمساكِ بَولٍ أو غائطٍ الدِّيةُ، وفي كلّ) واحدٍ (من الشُّعورِ الأربعةِ الدِّبةُ وهي: شَعَرُ رأسٍ، ولحيةٍ، وحاجبَيْن (٤)، وأهدابِ عَينَيْن) وفي

стр. 1300

وما عادَ، سقطَ ما فيه، وفي عينِ أعْوَرَ ديتُه (١) كاملةً، فإنْ قَلَعَ عَيْنَ صحيحٍ تماثِلُ صحيحتَه عمْدًا، فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ. فصل وفيما دون المُوضِحَةِ حاجبٍ نصفُ الدِّيةِ. وفي هُدْب رُبعُها. وفي شاربٍ حكومةٌ. (وما عاد) من تلك الشعورِ (سقطَ ما) وجَب (فيه) وإنْ ترك من لحيةٍ ونحوِها ما لا جَمال فيه، فدِيةٌ كاملةٌ. (و) يجبُ (في عينِ أعْوَرَ دِيتُه) أي: الأعور (كاملةً) قَضى به عمرُ (٢) وعثمانُ (٣) وعليٌّ (٤) وابنُ عمر (٥) ﵁. (فإن قلَع) الأعورُ (عيْنَ صحيحِ) العينين، وكانت التي قلعها (تماثلُ صحيحتَه عمْدًا، فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ) روي عن عمرَ (٦) وعثمانَ (٧) ﵄. وفي يدِ الأقطعِ أو رِجْلهِ نصفُ الدِّيةِ كغيره. فصلٌ في الشِّجاج وكسرِ العظام الشَّجَّةُ في الوجه والرأس خاصَّةً (و) يجبُ (فيما دونَ المُوضِحَةِ) من حارصةٍ تحرصُ، أي: تشقُّ الجلدَ قليلًا ولا تُدميه، وبازالةٍ: داميةٍ يسيل منها الدَّم (٨). وباضعةٍ: تَبْضَع اللَّحمَ، أي: تشقُّه بعدَ الجلد. ومتلاحمةٍ: تغوصُ في اللَّحم.

стр. 1301

حكومةٌ، وفي المُوضِحةِ: التي تُوضِحُ العظمَ وتُبرِزُه ولو بقَدْرِ إبرةٍ، خمسٌ من الإبلِ، وفي الهاشمةِ: التي تُوضِحُ العظمَ وتُبرِزُه عشرة، وفي المنقِّلة: التي تُوضِحُه وتهشمُه وتُنَقِّلُ العظامَ، خمسةَ عشر، وفي كلٍّ من المأمومةِ والدَّامغةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، كالجائفةِ التي تَصِلُ إلى باطنِ جوفٍ، وفي ضِلعٍ وتَرْقوةٍ، بعيرٌ، وفي التَّرْقوتَيْن، وسِمْحاقٍ: بينها وبينَ العَظْمِ قِشرةٌ رقيقةٌ، فهذه خمسٌ لا مقدَّر فيها، بلْ فيها (حكومةٌ) (١). (و) يجب (في المُوضِحة): وهي (التي تُوضِحُ العظمَ وتُبرِزهُ) عطفُ تفسيرٍ على "توضح"، (ولو) أبرزتْه (بقَدْرِ إبرةٍ) لمن ينظرُه (خمسٌ من الإبل). (و) يجب (في الهاشمة): وهي (التي توضِحُ العظمَ وتُبرزِهُ) هكذا بخطِّه، والصوابُ: وتَهشمه: أي تَكسِر العظمَ (عشرة) أبْعرةٍ (وفي المنقِّلة) وهي: (التي تُوضحهُ) أي: العظمَ (وتهشمُه وتُنَقِّل العظامَ، خمسةَ عشر) بعيرًا. (وفي كلِّ) واحدةٍ (من المأمومةِ): وهي التي تَصِلُ إلى جلدةِ الدِّماغ، (والدَّامِغة) بالغين المعجمة: التي تَخرِقُ الجلدةَ (ثُلُثُ الدِّية، كالجائفة) وهي (التي تصلُ إلى باطنِ جَوفٍ) (٢) كبطنٍ ولو لم تَخرِقْ أمعاءً، وظهرٍ، وصدرٍ، وحَلْقٍ، ومثانةٍ، وبينَ خُصيتين، ودُبرٍ، ففيها ثلثُ الدِّيةِ. (و) يجب (في ضِلع) (٣) إذا جُبر كما كان، بعيرٌ (و) في (تَرْقُوَة): وهي العظم المستديرُ حول العُنُقِ من النَّحر إلى الكَتِف (٤). ولكلِّ إنسانٍ تَرْقُوَتان، ففي كلِّ واحدةٍ منهما (بعيرٌ. وفي التَّرقُوَتين) بعيران.

стр. 1302

والذِّراعٍ، والعَضُد، والفَخِذ، والسَّاق إذا جُبِر مستقيمًا، بعيران، وما (١) لا مقدَّرَ فيه، ففيه (١) حكومةٌ. فصل وعاقلةُ جانٍ ذُكورُ عصبتِه نَسَبًا وولاءً، ولا عَقْلَ على فقيرٍ، وغيرِ مكلَّفٍ، وأنثى، ومخالِف في دِينِ جانٍ، (و) في كَسْرِ كلٍّ من (الذِّراع، والعَضد، والفَخِد، والسَّاق إذا جُبر) ذلك (مستقيمًا، بعيران) فإنْ جُبر غيرَ مستقيمٍ، فحكومةٌ. (وما) عدا ذلك ممَّا (لا مقدَّر فيه) كخرزةِ صلب (٢) وعانةٍ، وكما لو هَشَمه في وجههِ أو رأسهِ بمثقَّل ولم يوضِحْه (ففيه حكومةٌ): وهي أن يقوَّم مَجْنِيٌّ عليه، كأنه عبدٌ لا جنايةَ به، ثُمَّ يقوَّم وهي به قد برأت، فما نقصَ من القيمة، فله مثلُ نسبتِه من الدِّية. فلو قُدِّر أنَّ قيمتَه سليمًا ستُّون، وبالجنايةِ خمسون، ففيه سدسُ دِيَةٍ، إلَّا أن تكونَ الحكومةُ في محلٍّ له مقدَّر، كشجَّةٍ دونَ الموضِحةٍ، فلا يبلغُ بها المقدَّر. فصلٌ في العاقلةِ وما تحمِله وغيرِ ذلك (وعاقِلَةُ جانٍ ذُكورُ عَصَبتِه نَسَبًا وولاءً) قريبُهم كإخوةٍ، وبعيدُهم كابنِ ابنِ ابنِ عمِّ جَدِّ الجاني، مِنْ حاضرٍ وغائبٍ، سواءٌ كان الجاني رجلًا أو امرأةً. ولو عُرف نسبُه من قبيلةٍ ولم يُعلمْ مِنْ أيِّ بطونِها، لم يَعقِلوا عنه، ويعقلُ هَرِمٌ، وزَمِنٌ، وأعمى أغنياءُ. (ولا عَقلَ على فقيرٍ) لا يملكُ نصابَ زكاةٍ عند حلولِ حَوْلٍ فاضلًا عنه، كحجٍّ ولو مُعْتَمِلًا؛ لأنَّه ليس مِنْ أهل المواساة (و) لا على (غيرِ مكلَّف) كصغيرٍ ومجنونٍ؛ لأنَّهما ليسا مِنْ أهل النُّصرةِ (و) لا على (أنثى، و) لا على (مخالِفٍ في دِينِ جانٍ) لفواتِ المعاضدةِ والمناصرةِ.

стр. 1303

ولا تحملُ عمدًا مَحْضًا، ولا عبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا إنْ لم تصدِّقْه، ولا ما دون ثلثِ دِيَةٍ تامَّةٍ. ومَنْ قتَل نَفْسًا محرَّمةً خطأً أو شبهَ عمْدٍ، مباشرةً أو سببًا بغير حقٍّ، فعليه كفَّارةٌ: عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإنْ لم يجدْ، فصيامُ شهرين متتابعين. ومن ادُّعِي عليه القتلُ بلا لَوْثٍ، لم يُحلَّف في عَمْدٍ، بَلْ في خطأ وشبهِهٍ، ويخلِّى سبيلُه، ومَنْ لا عاقلةَ له، أو عجَزتْ، فإنْ كان كافرًا، فالواجب عليه. وإنْ كان مسلمًا فمِنْ بيتِ المال حالًا إنْ أمكن، وإلَّا، سقط. (ولا تحملُ) عاقلةٌ (عمدًا محضًا) ولو لم يجبْ فيه قصاصٌ، كمأمومةٍ. (ولا) تحملُ عاقلةٌ أيضًا (عبدًا) أي: قيمةَ عبد جُنِيَ عليه. (ولا) تحملُ (صُلحًا) عن إنكارٍ (ولا اعترافًا إنْ لم تصدِّقْه) بأنْ يُقِرَّ على نفسِه بجنايةٍ فتُنكرها العاقلةُ. (ولا) تحملُ عاقلةٌ (ما دونَ ثلثِ دِيَةٍ تامَّة) أي: ديةِ ذَكَرٍ، حرٍّ، مسلمٍ. ويجتهدُ حاكمٌ في تحميلِ العاقلةِ؛ فيحمِّلُ كلًّا ما يسهلُ عليه، ويبدأُ بالأقربِ فالأقربٍ، كإرثٍ، لكنْ تؤخذْ من بعيدٍ لغَيْبةٍ قريبٍ، فإن تساوَؤا أو كَثُرُوا، وُزِّع الواجبُ بينهم. (ومَنْ قَتل نَفْسًا محرَّمةً) ولو نفسه (١) أو قِنَّه أو مستأمَنًا أو جنينًا، أو شارك في قتلها (خطأ أو شبهَ عمْدٍ، مباشرةً أو سببًا) كحفرِ بئرٍ (بغيرِ حقٍّ، فعليه) أي: على القاتلِ ولو كافرًا، أو قِنًّا، أو صغيرًا، أو مجنونًا، كفارةٌ) وهي: (عِتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن لم يجدْ، فصيامُ شهرين متتابعين) ولا إطعامَ فيها. (ومن ادُّعِي) بالبناءِ للمفعول (عليه القتلُ) لمعصوم (بلا لَوْثٍ، لم يُحلَّف) مدَّعًى عليه (في) دعوى قتْلٍ (عمْدٍ) فيخلَّى سبيلُه (بل) يحلفُ (في خطأ وشبهِهِ) يمينًا واحدةً حيثُ لا بيِّنةَ لمدَّعٍ (ويخلَّى سبيلُه) فإنْ نَكَلَ، قضي عليه بالنُّكُول.

стр. 1304

ومع لَوْث: وهو العَداوةُ الظاهرةُ، كالقبائل التي يَطلبُ بعضُها بعضًا بثأرٍ، حلَف رجالُ ورثةِ الدَّمِ خمسين يمينًا. ويثبتُ الحقُّ للكلِّ، فإنْ نكلُوا، أو كانوا نساءً، حَلَفها مدَّعًى عليه، فإنْ لم يرضَوْا يمينَه (١)، وداهُ إمامٌ من بيتِ المال، كقَتِيْلٍ في زَحْمةٍ. (و) إنْ كانت دعوى القَتل (مع لَوْث: وهو العَداوةُ الظاهرةُ (٢)؛ كالقبائل التي يَطلبُ بعضُها بعضًا بثأرٍ، حلَف رجالُ ورثةِ الدَّم خمسين يمينًا) تُوَزَّع بينهم (٣) بقدرِ إرْثِهم، ويكَمِّلُ كَسْرٌ، ويُعتبر حضورُ مدَّعٍ ومدَّعًى عليه وقتَ حَلِف (ويثبت الحقُّ) بحَلِف ذكورٍ حتَّى في عمْدٍ (للكلِّ) أي: لجميع الورثة (فإنْ نكلوا) أي: الذُّكورُ الوارثون ولو عن يمينِ من الخمسين (أو كانوا) أي: الورثةُ كلُّهم (نساءً، حَلَفها) أي: الخمسين يمينًا (مدَّعًى عليه) و (٤) بَرِئَ إنْ رضي الورثةُ (فإنْ لم يرضَوْا يمينَه، وَدَاه) أي: القتيلَ (إمامٌ) أي: دفَع دِيتَه (من بيتِ المال، كقتيلٍ في زَحْمة) جُمعةٍ، وطوافٍ، فيُفدَى من بيتِ المال.

стр. 1305

كتاب الحدود لا يقيمُه إلَّا إمامٌ أو نائبُه، على مكلَّفٍ ملتزمٍ عالمٍ بالتحريمِ. ولا يقامُ في مسجدٍ. كتاب الحدود جمعُ حَدٍّ. وهو لغة: المنعُ. وحدودُ اللهِ تعالى: محارمُه. واصطلاحًا: عقوبةٌ مقدَّرةٌ شرعًا في معصيةٍ (١)؛ لتَمنعَ الوقوعَ في مثلِها. (لا يقيمهُ) (٢) أي: الحدَّ (إلَّا إمامٌ (٣) أو نائبُه) سواءٌ كان لِلهِ تعالى، كحَدِّ زنًى، أو للآدمي كحد قَذْفٍ؛ لأنَّه يفتقرُ (٤) [إلى اجتهادٍ] (٥)، ولا يؤمنُ الحيْفُ في استيفائِه، فوجبَ تفويضُه إلى الإمامِ أو نائبه. وإِنَّما يجبُ الحدُّ (على مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ؛ لحديثِ: "رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ" (٦) (ملتزِمٍ) أحكامَ المسلمين، مسلمًا كان أَو ذمِيًّا، بخلافِ حربيٍّ، ومستأمَنٍ (عالمٍ بالتحريمِ) لقولِ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ ﷺ : لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلمِه (٧). (ولا) يَجُوزُ أن (يقامَ في مسجدٍ) لنهْيه ﷺ عنه (٨)، فيقامُ في غَيرِه.

стр. 1306

ويُضرَبُ الرجلُ في الحدِّ قائمًا بسوطٍ لا خَلَقٍ، ولا جديدٍ، بلا مدٍّ، ولا ربطٍ، ولا تجريدٍ،، ولا مبالغةٍ في الضرب، ويفرَّقُ على بدنِه، ويتَّقي الرأسَ، والفرجَ، والمقاتِل. وكذا المرأةُ لكن جالسةً، وتشدُّ عليها ثيابُها، وتمسكُ يداها، (ويُضرَبُ الرجلُ في الحدِّ قائمًا) ليُعطَى كل عضوٍ حظَّه من الضَربِ (بسوط) وسَطٍ (لا خَلَقٍ) بفتحِ اللَّامِ (ولا جديدٍ) لأنَّ الخَلَقَ لا يؤلمهُ، والجديدَ يُحرقُه (بلا مدٍّ ولا ربطٍ ولا تجريدٍ) لمحدودٍ عن ثيابِه؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁: ليس في دينِنا مَدٌّ، ولا قيدٌ، ولا تجريدٌ (١). (ولا مبالغةٍ في الضربِ) بحيث يشقُّ (٢) جلده؛ لأنَّ المقصودَ تأديبُه لا إهلاكُه. ولا يَرفعُ ضاربٌ يدَه بحيثُ يبدُو إبْطهُ (ويُفرَّقُ) الضربُ ندبًا (على بدنِه) لأنَّ توالي الضربِ على عضوٍ واحدٍ قد يُفضي إلى القتلٍ، ويُكثرُ منه في مواضعِ اللحمِ، كالأليتينِ والفخذينٍ، ويُضربُ مِن جالسٍ ظهرُه وما قاربَه (ويتَّقي) ضاربٌ وجوبًا (الرأسَ) والوجهَ (والفرجَ والمقاتلَ) كالفؤادِ والخصيتين. (وكذا) أي: كالرجلِ فيما ذُكرَ (المراةُ لكنَّـ) ــــــــــــها تُضربُ (جالسةً) لقولِ عليٍّ ﵁: تضربُ المرأةُ جالسةً، والرجلُ قائمًا (٣). (وتُشدُّ عليها ثيابُها، وتُمسكُ يداها) لئلَّا تنكشفَ.

стр. 1307

وأشدُّ جلدٍ في زنًى، فقذفٍ، فشربٍ، فتعزيرٍ، ولا يحفرُ لرجمٍ، ولا يضمنُ مقيمُه إنَّ لم يتعدَّ. فصل يرجمُ المحصَنُ إذا زنى. وهو من وطئَ زوجتَه في نكاحٍ صحيحٍ، وهما مكلَّفان حرَّان. وغيرُه: يجلدُ مئةً، ويغرَّبُ (وأشدُّ جَلْدِ) حدٍّ جلْدٌ (في زنًى، [فـ) جلْدُ (قَذفٍ] (١)، فـ) جلدُ (شُربٍ، فـ) جلدُ (تعزيرٍ) لأنَّ اللهَ تعالى خصَّ الزِّنى بمزيدِ تأكيدٍ بقولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] وما دونَه أخفُّ منه. (ولا يُحفرُ لرجْمِ) مُحْصَنٍ، رجلًا كان أو (٢) امرأةً (ولا يضمنُ مقيمُه)، أي: الحدِّ، لو مات المحدودُ (٣) (إن لم يتعدَّ) المقيمُ، فلو زادَ ولو جلدةً، أو بسوطٍ (٤) لا يحتملُه، فتَلِفَ المحدودُ، ضَمِنَه بدِيَتِه. فصلٌ في حَدِّ الزِّنى وهو: فعلُ الفاحشةِ في قُبلٍ أو دُبرٍ. (يُرجمُ) (٥) المكلَّفُ (المحصَنُ إذا زنَى) حتَّى يموتَ. (وهو) أي: المحصنُ (من وَطِئَ زوجتَه) ولو ذمِّيَّةً أو مستأمَنةً (في نكاحٍ صحيحٍ) في قُبُلِها (وهما) أي: الزوجان (مكلَّفان) أي: بالغان عاقلان (حرَّان) فإن اختل شرطٌ منها، فلا إحصانَ لواحدٍ منهما. (وغيرُه) أي: غيرُ المحصَنِ (يجلدُ) إذا زنى وهو مكلّفٌ (مئةَ) جلدةٍ (ويُغرَّبُ) أيضًا

стр. 1308

عامًا، ولو امرأةً بمحرَمٍ، والرقيقُ خمسين بلا تغريبٍ، ولوطيٌّ كزانٍ، ولا حدّ مع شبهةٍ. ويثبتُ زنًى بأربعةِ رجالٍ يصفونَه (عامًا) إلى مسافةٍ قصْرٍ. (ولو) كان المجلودُ (امرأةً) فتُغرَّبُ (بمَحْرَمٍ) وعليها أجرتُه، فإن تعذَّرَ المحرَمُ، فوحْدَها. (و) إذا زنى (الرقيقُ) يُجلدُ (خمسين) جلدةً (بلا تغريبٍ) لأنَّ التغريبَ إضرارٌ بسيِّدِه. ويُجلدُ ويغرَّبُ مبغَضٌ بحسابِه. (و) حَدُ (لُوطِيّ) فاعلًا كان أو مفعولًا (كزانٍ) فإن كان محصنًا، رُجمَ، وإلَّا، جُلدَ مئةً، وغرِّب عامًا. ومملوكُه كغيرِه. ودُبرُ أجنبيَّةٍ، كلواطٍ. (ولا) يجبُ (حدّ) زنى (مع شُبهة) لقولِه ﷺ : "ادرؤوا الحدودَ بالشُّبهاتِ ما استطعتم" (١). فلا يُحَدُّ بوطءِ أمةٍ له فيها شِركٌ، أو امرأةٍ ظنَّها زوجتَه، أو سُرِّيَّتَه. فلا بُدَّ لوجوبِ الحدِّ من ثلاثةِ شروطٍ: أحدُها: تغييبُ حَشَفةٍ أصليَّةٍ كلِّها، أو قدرِها؛ لعدمٍ، في قُبلٍ أصليٍّ، أو دُبرٍ من آدميٍّ. الثاني: انتفاءُ الشبهةِ، كما تقدَّم. والثالثُ: [ثبوتُه، كما] (٢) ذكرَه بقولِه: (ويثبتُ زنًى بأربعةِ رجالٍ): لقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] (يصفونَه) فيقولون: رأينا ذكَرَه في فرجِها كالمِرْودِ

стр. 1309

بزنًى واحدٍ، ومجلسٍ واحدٍ، ولو جاؤوا متفرِّقين، أو بإقرارِه أربعًا. ويصفُه ولا يرجعُ حتَّى يتمَّ عليه الحدُّ، فإن رجعَ، تُركَ. وإن حملَت من لا زوجَ لها، ولا سيِّدَ، لم تُحدَّ بمجرَّدِ ذلك. فصل حدُّ القذفِ ثمانون جلدةً، والعبدُ نصفُها. إنَّ كان المقذوفُ محصنًا .. في المُكْحُلةِ، والرِّشاءِ (١) في البئرِ. ويعتبرُ أن يشهدُوا (بزنى واحدٍ، و) أن يؤذوا الشهادةَ في (مجلسٍ واحدٍ ولو جاؤوا (٢)) لأدائِها (متفرِّقين، أو) أي: ويثبتُ الزِّنى أيضًا (بإقرارِه) أي: بإقرارِ مكلَّفٍ بالزنى، ولو قِنًّا. ويكونُ الإقرارُ (أربعًا) أي: أربعَ إقراراتٍ. (و) يُعتبرُ أن (يَصفَه) أي: الزنَى (و) أن (لا يرجعَ) عن إقرارِه (حتَّى يتمَّ عليه الحدُّ، فإن رَجَعَ) عن إقرارِه، أو هرَبَ (تُرك) أي: كُفَّ عنه. (وإن حمَلت مَن) أي: امرأةٌ (لا زوجَ لها ولا سيِّدَ، لم تُحَدَّ بمجرَّدِ ذلك) الحملِ. ولا يجبُ أن تُسألَ؛ لما فيه من إشاعةِ الفاحشةِ. وإن سُئِلَت، فادَّعت أنَّها أُكرِهت، أو وطئت بشُبهةٍ، أو لم تعترفْ بالزنى أربعًا، لم تُحَدَّ؛ لأنَّه يُدْرأُ (٣) بالشُّبهةِ. فصلٌ في حدِّ القذْفِ وهو: الرَّميُ بزنًى أو (٤) لِواطٍ. إذا قَذَفَ مكلَّفٌ مختارٌ ولو أخرسَ بإشارةٍ محصَنًا -ولو مجبوبًا- أو ذاتَ محرَمِ قاذفِ كاختِه، أو رتقاءَ، لزمَه (حَدُّ القذْفِ). وهو (ثمانون جلدةً) إنَّ كان القاذفُ حُرًّا (والعبدُ) القاذفُ يُحدُّ (نصفَها) وهو أربعونَ جلدةً، ومبغَّضُ بحسابِه. وإنَّما يجبُ الحدُّ (إن كان المقذوفُ محصَنًا

стр. 1310

وهو الحرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ عن الزنى ظاهرًا الذي يجامعُ مثلُه. وصريحُ قذفٍ: يا زاني، يا لوطيُّ، ونحوه. وكنايتُه: يا قحبةُ، يا فاجرةُ، ونحوه، فيعزَّرُ إنَّ لم يفسِّرْه بصريحِ زنًى، كقاذفِ غيرِ محصنٍ، وأهلِ بلدٍ، أو جماعةٍ لا يتصوَّرُ زناهم عادةً. ويسقطُ حدُّ قذفٍ بعفوِ مقذوفٍ، وتصديقِه، ولا يُستوفى إلَّا بطلبِه. فصل وما أسكرَ كثيرُه، فقليلُه خمرٌ محرَّمٌ، من أيِّ شيءٍ كان، وهو) أي: المحصَنُ في القَذْفِ: (الحُرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ عن الزنى ظاهرًا) ولو تائبًا منه (الذي يُجامعُ مثله) وهو ابنُ عشرٍ، وبنتُ تسعٍ؛ فلا يشترطُ بلوغُه. (وصريحُ قدْفٍ: يا زاني) بسكونِ الياءِ ونيَّةِ الضمَّةِ عليها؛ لأنَّه نكرةٌ مقصودةٌ، (يا لُوطِيُّ) بتشديدِ الياءِ المضمومةِ، (ونحوه) كـ: يا عاهرُ. (وكنايتُه) أي: القذفِ: (يا قَحْبةُ، يا فاجرةُ، ونحوه) كـ: يا خبيثةُ (فيُعزَّرُ) مَن قذفَ بكنايةٍ (إن لم يفسِّرْه بصريحِ زنًى) فإن فسَّرَه بصريحِ زنًى، حُدَّ؛ [(كـ) ما يعزَّر] (١) (قاذفُ) شخصٍ (غيرِ محصَنٍ، و) كما يعزَّرُ قاذفُ (أهل بلدٍ، أو جماعةٍ لا يُتصوَّرُ زناهم عادةً) لأنَّه لا عارَ عليهم به؛ للقطعِ بكذبِه. (ويسقطُ حدُّ قذْفٍ بعفوِ مقذوفٍ) عن قاذفٍ، لأنَّ الحق له (و) يسقطُ حدُّ قذفٍ بـ (تصديقهِ) أي: بتصديقِ مقذوفٍ لقاذفٍ (ولا يُستوفَى) حدُّ قذفٍ (إلَّا بطلبِه) أي: المقذوفِ؛ لأنَّه حقه كما تقدَّمَ. فصل في حَدِّ المُسْكِرِ أي: الذي ينشأُ عنه السُّكْرُ، وهو اختلاطُ العقلِ. (وما) أي: كلُّ شرابٍ (أسكر كثيرُه، فقليلُه خَمْرٌ محرَّم من أيِّ شيءٍ كان)

стр. 1311

لا يباحُ إلا لدفعِ لقمةٍ غصَّ بها إنَّ لم يحضره غيرُه. وإذا شربَه المسلمُ مختارًا عالمًا أن كثيرَه يسكرُ، حُدَّ ثمانين، وقِنٌّ أربعين. لقولِه ﷺ : "كلُّ مُسكرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ" رواهُ أحمدُ وأبو داودَ (١). (لا يباحُ) شربُ ما ذُكرَ ولو بتداوٍ، أو عطشٍ (إلَّا لدفعِ لُقْمةٍ غَصَّ بها إن لم يحضرْهُ غيرُه) أي: غيرُ المسكرِ، وخافَ تلفًا؛ لأنَّه مضطرٌ، ويقدَّم عليه بولٌ، وعليهما ماءٌ نجسٌ. (وإذا شَربَه) أي: المسكرَ (المسلمُ) أو شربَ ما خُلطَ به، ولم يستهلكْ فيه، أو أكلَ عجينًا لُتَّ به (مختارًا عالمًا أن كثيرَه يُسكرُ، حُدَّ) وجوبًا حُرٌّ (ثمانين) جلدةً؛ لأنَّ عمرَ ﵁ استشارَ الناسَ في حَدِّ الخمرِ، فقال عبدُ الرحمنِ: اِجعلْه كأخفِّ الحدودِ ثمانين. ففعَل عمر (٢)، وكتبَ بهِ (٣) إلى خالدٍ وأبي عبيدةَ في الشامِ، رواهُ الدارقطني (٤). (و) حُدَّ (قِنٌّ أربعين) عبدًا كان أو أمَةً؛ فإن لم يعلمْ أن كثيرَه يُسكرُ، فلا حَدَّ، ويُصدَّقُ في الجهلِ،. ويعزَّرُ من وُجِدَ منه (٥) رائحتُها، أو حضرَ شُربَها، لا مَن جَهِلَ التحريمَ، لكن لا يُقبلُ ممَّن نشأ بين المسلمين. ويثبتُ بإقرارِه مرَّةً، كقذفٍ، أو شهادةِ عدلَيْن.

стр. 1312

ويحرُم عصيرٌ غلا، أو أتى عليه ثلاثةُ أيامٍ بلياليهنَّ. فصل ويجبُ تعزيزٌ في كل معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفَّارةَ، كشتمٍ، وضربٍ، ولا يزادُ على عشرِ ضَرَباتٍ (ويَحْرُم عصيرُ) عنبٍ، أو قصَبٍ، أو رُمَّانٍ، أو غيرِه (غَلَا) كغليانِ القدورِ، بأن قَذَفَ زَبَدَه. نصًّا. وظاهرُه: ولو لم يُسكِرْ. (أو) أي: ويَحرُمُ عصيرٌ (أتى عليه ثلاثة أيَّامٍ بلياليهنَّ) وإن لم يَغلِ. نصًّا (١). وإن طُبخَ عصيرٌ قبلَ تحريمٍ، حل إنَّ ذهبَ ثلثاه. ويُكرهُ الخليطان: كنبيذِ تمرٍ مع زبيب، لا وضعُ نحوِ تمرٍ في ماءٍ لتحليةٍ، ما لم يشتدَّ (٢)، أو يتمَّ (٣) له ثلاثةُ أيَّامٍ. فصلٌ في التَّعزير وهو لغةً: المنعُ، ومنه: التَّعزيرُ بمعنى النُّصرةِ؛ لأنَّه يمنع المعاديَ من الإيذاءِ (٤). واصطلاحًا: التأديبُ؛ لأنَّه يمنعُ ممَّا لا يجوزُ فعلهُ. (ويجبُ تعزيزُ (٥)) مكلَّفٍ في كلِّ معصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، كشَتْمٍ) بغيرِ زنًى ولواطٍ (٦): كـ: يا فاسقُ (وضرْبٍ) بنحوِ كفٍّ، كصَفْعٍ ووَكزٍ (ولا يزاد) في جلدِه (على عشرِ (٧) ضرَباتٍ) نصًا؛ لحديثِ أبي بُردة (٨) مرفوعًا: "لا يُجلدُ أحد فوقَ عشرةِ

стр. 1313

إلا ما استُثنيَ، ومن استمنى بيدِه بلا حاجةٍ، عُزِّرَ. فصل من سرقَ نصابًا من حرزِه، وهو ربعُ دينارٍ، أو ثلاثةُ دراهمَ خالصةٍ، أو ما يبلغُها قيمةً، ولا شبهةَ، قُطِعَ، كطرَّارٍ، لا خائنٌ في وديعةٍ، ونحوِها، .. أسواطٍ إلَّا في حَدٍّ من حدودِ اللهِ" متَّفَقٌ عليه (١). (إلَّا ما استُثني) وهو من شَربَ مسكرًا في نهارِ رمضانَ، فيعزَّرُ مع الحدِّ بعشرين سوطًا. ومن وَطِئَ أمَةً له فيها شِركٌ، فيعزَّرُ بمنةٍ إلا سوطًا. نصًّا. ولحاكمٍ نقصُه بحسبِ اجتهادِه. (ومَن استمنَى بيدِه) مِن رجلٍ أو (٢) امرأةٍ (بلا حاجةٍ، عُزِّرَ) لأنَّه معصيةٌ. وإن فعلَه خوفًا من زنًى أو لِواطٍ، فلا شيءَ عليه إنَّ لم يقدرْ على نكاحٍ ولو لأَمَةٍ. فصلٌ في قَطْعِ السَّرِقةِ (مَن سرَقَ نِصابًا من حِرْزِه، وهو) أي: النصابُ (ربعُ دينارٍ) أي: مثقال، وإن لم يُضربْ (أو ثلاثةُ دراهمَ خالصةٍ) أو تخلصُ من مغشوشةٍ (أو ما) أي: عَرْضٌ (يبلغُها قيمةً) أي: يساوي ربعَ دينارِ، أو ثلاثةَ دراهمَ. والمالُ لمعصومٍ، بخلاف حربيٍّ (ولا شُبهةَ) لأخذٍ، بخلافِ سَرقتِه من مالِ عمودَي نَسَبهِ، أو مالٍ له فيه شِرْك (٣). ولا بُدَّ من كونِ سارقٍ مكلَّفًا مختارًا، عالمًا بمسروقٍ وبتحريمهِ (٤) (قُطعَ) لقولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (كطرَّارٍ) وهو: الذي يَبُطُّ الجيْبَ (٥) أو غيرَه، ويأخذُ منه بعدَ سقوطِه، فيُقطعُ. و (لا) يُقطعُ (خائنٌ في وديعةٍ ونحوِها (٦)) كعاريَّةٍ؛ لأنَّ

стр. 1314

بل جاحدُ عاريَّةٍ، فلا قطعَ بآلةِ لهوٍ ونحوِها، ولا من مالِ أبيه، أو ابنِه، أو زوجِه، أو من سيِّدِه، أو مسلمٌ من بيتِ المالِ، ولا تثبتُ إلَّا بشهادةِ اثنين، أو إقرارٍ مرَّتين مع وصفِها بعدَ طلبٍ. ذلك ليس بسرقةٍ، كمنتهبٍ ومختلسٍ وغاصبٍ (بل) يُقطعُ (جاحدُ عاريَّةٍ) بلغت نصابًا؛ لقولِ ابنِ عمرَ: "كانت مخزوميَّةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه، فأمرَ النبىُّ ﷺ بقطعِ يدِها" رواهُ أحمدُ والنسائي وأبو داودَ (١). قال الإمام أحمدُ (٢): لا أعرفُ شيئًا يدفعُه. ولا بُدَّ أن يكونَ المسروقُ مالًا محترمًا، (فلا قطعَ بـ) سرقةِ (آلةٍ لَهْوٍ ونحوِها) كصليبٍ، وآنيةٍ فيها (٣) خمرٌ (ولا) قَطْعَ مع شبهةِ أخذٍ، كسرقتِه (٤) (من مالِ أبيه، أو ابنِه، أو زوجهِ) أي: أحدِ الزوجين (أو مِن) مِلكِ (٥) (سيِّدهِ، أو) سرَقَ (٦) (مسلمٌ من بيتِ المالِ) فلا قطعَ بذلك كلِّه؛ لأنَّ الحدودَ تُدْرأ بالشُّبهةِ. (ولا تثبت) السَّرقةُ الموجِبةُ للقطعِ (إلَّا بشهادةِ اثنين) عدْلَينِ يَصِفانِها بعدَ الدَّعوَى مِن مالكٍ أو مَن يقومُ مقامَه (أو) بـ (إقرارِ (٧)) سارقٍ بالسرقةِ (مرَّتين مع وصْفِها) أي: السرقةِ في كل مرَّةٍ؛ لاحتمالِ ظنه القطعَ في حالٍ لا قطعَ فيها. ولا يَرجعُ عن إقرارِه حتَّى يُقطعَ، فإن رجَعَ، تُركَ، ولا بأسَ بتلقينه الإنكارَ. ولا يقطعُ إلَّا (بعدَ طَلبِ) مسروقٍ منه، أو وكيلِه، أو وليِّه.

стр. 1315

فإذا وجبَ القطعُ، قُطِعَت يدُه اليمنى من مفصلِ كفٍّ، وحُسِمَت. ومن سرقَ ثمرًا ونحوَه من شجرِه، (فإذا وجبَ القطعُ) لتمامِ شروطِه (قُطعت يدُه اليمنى) لقراءةِ ابنِ مسعودٍ: "فاقطعوا أيمانهما" (١) ولأنَّه قولُ أبي بكرٍ وعمرَ (٢)، ولا مخالفَ لهما من الصحابةِ (مِن مَفْصِلِ كَفٍّ) لقولِ أبي بكرٍ وعمرَ، ولا مخالفَ لهما من الصحابةِ (وحُسمت) وجوبًا بغمسِها في زيتٍ مَغليٍّ لتسدَّ (٣) أفواه العروقِ، فينقطع الدَّمُ. فإن عادَ، قُطعت رجلُه اليسرى مِن مفْصِلِ كعبهِ، وتُركَ عَقبه، وحُسمَت. فإن عاد، حُبسَ حتَّى يتوبَ (٤). (ومن سَرَقَ ثمرًا ونحوَه) كطلعٍ، أو جُمَّارٍ (من شجره) ولو ببستانٍ محوطٍ عليه (٥)

стр. 1316

أُضعفت عليه قيمتُه، ولا قطعَ. فيه حافظ (١) (أُضعِفت عليه) أي: على السارقِ (قيمتُه) أي: الثمرِ (٢) ونحوِه؛ فيضمنُ عِوضَ ما سَرَقَه مرَّتين (ولا قطعَ) لحديثِ رافع بن خَديج مرفوعًا: "لا قَظعَ في ثمرٍ ولا كُثَرٍ" رواهُ أحمدُ وغيرُه (٣). والكُثَر -بضمِّ الكافِ وفتحِ المثلَّثةِ-: طلعُ الفُحَّالِ (٤).

стр. 1317

فصل من قطعَ الطريقَ فقتلَ وأخذَ المالَ، قُتِلَ ثمَّ صُلِبَ حتَّى يشتهرَ، وإن قتلَ ولم يأخذِ المالَ، قُتِلَ حتمًا بلا صلبٍ، وإن لم يقَتِلْ، بل أخذَ ما يقطعُ به في السرقةِ، قُطِعت يدُه اليمنى ورجلُه اليسرى في مقامٍ واحدٍ، وحُسمتا، وإن لم يقتلُوا ولم يأخذُوا مالًا، نُفُوا متفرِّقين، فلا يُتركون يأوون إلى بلدٍ. فصل في حَدِّ قُطَّاعِ الطريقِ وهم: الذين يَعرضون للناسِ بالسلاحِ، فيَغْصِبونَهم المالَ. (مَن قطعَ الطريقَ فقَتَل) مكافئًا له، أو غيرَ مكافئٍ (وأخذَ المالَ) الذي قتلَ؛ لقصدِه (قُتِلَ) وجوبًا؛ لحقِّ اللهِ تعالى ثُمَّ غُسلَ وصُليَ عليه (ثُمَّ صُلبَ) قاتلُ من يُقادُ به في غيرِ المحاربةِ (حتَّى يشتهرَ) أمرُه، ولا يُقطعُ مع ذلك. (وإن قَتَلَ) المحاربُ (ولم يأخدِ المالَ، قُتلَ حتمًا بلا صلبٍ) لأنَّه لم يذكرْ في خبرِ ابنِ عبَّاسٍ الآتي (وإن لم يقتلْ) محاربٌ (بل أخذَ ما يقطعُ به في السرقةِ) بأن أخذَ نصابًا لا شبهةَ له فيه مِن بين القافلةِ لا مِن منفردٍ عنها (قُطعت يدُه اليمنى ووجلُه اليسرى في مقامٍ واحدٍ) حتمًا؛ فلا ينتظرُ بقطعِ إحداهما اندمالُ الاخرى (وحُسِمتا) بالزيتِ المغلَيِّ (وإن لم يَقتلوا) أي: المحاربون أحدًا (ولم يأخدوا مالًا) يُقطعُ به في السرقةِ (نفُوا) بان يُشرَّدُوا (متفرِّقين، فلا يُتركون يأوون إلى بلدٍ) حتَّى تظهرَ توبتُهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إذا قتلُوا وأخذُوا المالَ، قُتِّلوا وصُلِّبُوا، وإذا قَتلُوا ولم يأخذُوا المالَ، قتلُوا ولم يصَلّبُوا، وإذا أخذُوا المالَ ولم يَقتلُوا، قُطِّعت أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، وإذا أخافُوا السبيلَ ولم يأخذُوا مالًا، نُفُوا من الأرضِ. رواهُ الشافعيُّ (١)، ورُوِيَ نحوه مرفوعًا (٢).

стр. 1318

ومن تابَ منهم قبلَ قدرةِ عليه، سقطَ عنه حقُّ اللهِ من نفيٍ وقطعٍ وصلبٍ، وتحتُّمِ قتلٍ، وأُخِذَ بحق آدميٍّ ما لم يَعْفُ. ويدفعُ صائلٌ بالأخفِّ فالأخفِّ، فإن لم يندفعْ إلا بالقتلِ، فلا ضمانَ، ويلزمُ الدفعُ عن نفسِه وحرمتِه دونَ مالِه، (ومَن تابَ منهم) أي: المحاربين (قبلَ) الـ (قدرة (٢) عليه، سقَط عنه حقُّ اللهِ من نفْيٍ وقطْعِ) يدٍ ورجلٍ (وصلْبٍ، وتحَتُّمٍ قتلٍ) لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]. (وأُخِذَ بحق آدميٍّ) من قصاصٍ في نفْسٍ أو دونَها، وغرامةِ مالٍ وديَةِ ما لا قصاصَ فيه (ما لم يَعْفُ) مستحقُّه، فيسقطُ. (ويُدفعُ صائلٌ) عن نفسٍ أو مالٍ (بالأخفِّ فالأخفِّ) فيدفعُه أوَّلًا بالكلامِ، ثُمَّ بالعصا (فإن لم يَندفعْ إلَّا بالقتلِ، فلا ضمانَ) على دافعٍ. (ويلزمُ الدّفعُ عن نفسِه) في غيرِ فتنةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فكما يحرُم عليه قتلُ نفسه يحرم عليه إباحة قتلِها. وكذا عن نفسِ غيرِه، فإن كان (٣) ثمَّ فتنةٌ، لم يجبِ الدّفعُ عن نفسِه ولا عن نفسِ غيرِه؛ لقضَةِ عثمانَ ﵁ (٤). (و) يلزمُ الدَّفعُ عن (حُرْمتِه) إذا أُريدت. نصًّا، فمن رأى مع امرأتِه، أو بنتِه، ونحوِها رجلًا يزني بها، أو مع ولدِه، ونحوِه رجلًا يلوطُ به، وجبَ عليه قتلُه إن لم يندفعْ بدونه (دونَ مالِه) فلا يلزمُه الدفعُ عن مالِ نفسِه. ويجبُ الدَّفعُ عن حُرمةِ غيرِه ومالِه مع ظنِّ سلامةِ دافعٍ ومدفوعٍ، وإلَّا، حَرُمَ.

стр. 1319

وكذا من دخلَ منزلًا متلصِّصًا. فصل (وكذا من دخلَ منزلًا متلصِّصًا) فيُدْفعُ -كصائلٍ- بالأخفِّ فالأخفِّ، فإن لم يندفعْ إلَّا بالقتلِ، فلا ضمانَ. فصلٌ في قتالِ البُغاةِ وهم: الخارجون على الإمامِ -ولو غيرَ عدْلٍ- بتأويلٍ سائغٍ ولهم شوكةٌ، فإن اختلَّ شرطٌ من ذلك، فقُطَّاعُ طريقٍ. ونصبُ الإمامِ فرضُ كفايةٍ، ويثبتُ بإجماع أهلِ الحلِّ (١) والعَقْدِ على اختيارِ صالحٍ مع إجابتِه، كخلافةِ الصِّدِّيقِ ﵁ (٢)، فيلزمُ كافَّةَ الأمَّةِ الدخولُ في بيعتِه والانقيادُ لطاعتِه. ويثبتُ أيضًا بنصٍّ، كعهدِ الصِّدِّيقِ لعمرَ ﵄ (٣). وباجتهادٍ، كخلافةِ عثمانَ ﵁ (٤)، حيثُ جعلَ عمرُ ﵁ أمرَ الإمامةِ شُورَى بين ستَّةٍ من الصحابةِ هم (٥): عثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزبيرُ، وسعدٌ، وعبدُ الرحمنِ بن عَوفٍ، ﵃. ثُمَّ إنَّ ثلاثةً فوَّضوا الأمرَ لثلاثةٍ: لعثمانَ، وعليٍّ، وعبدِ الرحمن، ثُمَّ الثلاثةُ اتَّفقُوا على أن عبدَ الرحمنِ يختارُ واحدًا منهما، وبقيَ عبدُ الرحمنِ ثلاثةَ أيَّامٍ -حَلفَ أنَّه لم ينم فيها كبيرَ نومٍ- يشاورُ المسلمين، وقد اجتمعَ بالمدينةِ أهلُ الحلِّ والعَقْدِ حتَّى أمراءُ الأمصارِ، فاتَّفقوا على عثمانَ ﵃، ذكرَه الشيخُ تقيٌّ ﵀ (٦). انتهى. فوقعَ الاتِّفاقُ على عثمانَ ﵃. ويثبتُ أيضًا بقهرٍ، كما فعلَ عبدُ الملكِ بن مَرْوانَ حين خرجَ

стр. 1320

ويراسلُ إمامٌ بغاةً، ويزيلُ شُبهَهم، فإن فاؤوا، وإلَّا، قاتلَهم، وعلى رعيَّتِه معونتُه، وإن اقتتلَت طائفتان لعصبيَّةٍ، أو رياسةٍ، فظالمتان، تضمنُ كلٌّ ما أتلفَت للأخرى. على ابنِ الزبيرِ ﵁، فقتلَه واستولى على البلادِ وأهلِها (١). وشُرِطَ كونُه قرشيًّا حرًّا ذكرًا عدلًا عالمًا، كافيًا ابتداءً ودوامًا. ويُجبرُ متعيَّنٌ لها. وصفةُ العَقْدِ أن يقولَ كلٌّ من أهلِ الحل والعَقدِ: قد بايعناك على إقامةِ العدلِ والإنصافِ، والقيامِ بمصالحِ الأمَّةِ، ولا يحتاجُ مع ذلك إلى صَفْقةِ اليدِ. وإذا تمَّ العَقْدُ، لزمَه حفظُ الدِّينِ على أصولِه التي أجمعَ عليها سلفُ الأمَّةِ، فإن زاغَ ذو شبهةٍ، أزالَها. (ويراسلُ إمامٌ بغاةً ويزيلُ شُبَههم) ليرجعُوا إلى الحقِّ، ويزيلُ ما يدَّعونه من مَظلمة (فإن فاؤوا) أي: رجعُوا عن البغيِ وطلبِ القتالِ، تركهم (وإلَّا) يفيئوا (قاتلَهم) إمامٌ قادرٌ وجوبًا (و) يجبُ (على رعيَّتِه معونتُه) لقولِه تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. (وان اقتتلت طائفتان لعصبيَّةٍ، أو) طلبِ (رياسةٍ، فـ) هما (ظالمتان، تضمنُ كلٌّ) منهما (ما أتلفت (٢) للأخرى) وضمنتا (٣) سواءً ما جهلَ متلفُه.

стр. 1321

فصل من أشركَ باللهِ تعالى، أو جحدَ ربوبيتَه، أو وحدانيَّتَه، أو صفةً من صفاتِه، أو اتَّخذ له صاحبةً، أو ولدًا، أو جحدَ بعضَ كتبِه، أو رسلِه، أو تحريمَ زنًى ونحوِه، أو حلَّ خبزٍ ونحوِه، أو حكمًا مجمعًا عليه ظاهرًا، وعُرِّفَ، فأصرَّ، كفرَ، ويُستتابُ ثلاثًا، ويضيَّقُ عليه فيها، فإن لم يتبْ، قُتِلَ بالسيفِ. فصلٌ في حُكم المرتدِّ وهو لغةً: الراجعُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]. وشرعًا: من أتى بما يوجبُ الكفر بعدَ إسلامِه. (من أشركَ باللهِ تعالى) أي: زَعَمَ أنَّ له شريكًا، أو سَجَدَ لكوكبٍ، أو صنمٍ، كفَرَ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]. (أو جَحَدَ رُبُوبيَّتَه) أي: اللهِ تعالى، أو جحدَ (وحدانيَّته، أو) جحدَ (صفةً من صفاتِه) الذاتيَّةِ، كالعلمِ والحياةِ، كفرَ (أو اتَّخذَ) أي: اعتقدَ (له) تعالى (صاحبةً أو ولدًا) كفرَ. (أو جحدَ بعض كتبِه أو رسلِه) أو ملائكتِه المجمَعِ عليهم، كفر. (أو) جحدَ (تحريمَ زنًى ونحوِه) كلحمِ خنزيرٍ (أو) جحدَ (حلِّ خبزٍ ونحوِه) كلحمِ مذكَّاةِ بهيمةِ الأنعامِ والدجاجِ (أو) جحدَ (حكمًا مجمعًا عليه) إجماعًا قطعيًّا لا سكوتيًّا، وكان الحكمُ (ظاهرًا) بينَ المسلمين، بخلافِ فرضِ السدسِ لبنتِ الابنِ مع بنتِ الصلبِ، أو شكَّ فيه ومثلُه (١) لا يجهلُه، أو كان يجهلُه (وعُرِّفَ) حكمَه (فـ) عرَفَ و (أصرَّ) على الجحدِ أو الشكِّ (كفر) لمعاندته (٢) للإسلامِ، وامتناعهِ من قبولِ الأحكامِ. فمن ارتدَّ بشيءٍ من ذلك مكلَّفًا مختارًا ولو أنثى، فإنَّه يُدعى للإسلامِ، و (يُستتابُ ثلاثًا) أي: ثلاثةَ أيامٍ وجوبًا (و) ينبغي أن (يضيَّقَ عليه فيها) أي: في مدَّةِ الاستتابةِ ويحبسَ (فإن) تابَ، لم يعزَّر ولو بعدَ المدَّةِ، وإن (لم يتبْ) بل أصرَّ على رِدَّتِه (قُتِلَ بالسيفِ)

стр. 1322

وتوبتُه وكلِّ كافرٍ إتيانُه بالشهادتين، ولا تقبلُ ممَّن سبَّ اللهَ، أو تكرَّرت رِدَّته، ولا بدَّ من إقرارِ جاحدٍ بفرضٍ ونحوِه مع الشهادتين، أو قولِه: أنا بريءٌ من كلِّ دينٍ يخالفُ دينَ الإسلامِ. ولا يحرقُ بالنارِ. ولا يقتلُه إلَّا الإمامُ أو نائبُه، فإن قتلَه غيرُهما بلا إذنٍ، أساءَ وعُزِّرَ ولا ضمانَ، ولو قبلَ استتابتِه، إلَّا أن يَلحقَ بدارِ الحربِ، فلكلِّ أحدٍ قتلُه وأخذُ ما معه. (وتوبتُه) أي: المرتدِّ (و) توبةُ (كلِّ كافرٍ إتبانُه بالشَّهادتين) أي: قوله: أشهدُ أن لا إله إلَّا الله، وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أن النبيَّ ﷺ دخلَ الكنيسةَ، فإذا هو بيهوديٍّ يقرأ عليهمُ التوراةَ، فقرأَ حتَّى أتى على صفةِ النبيِّ ﷺ ، فقال: هذه صفتُك وصفةُ أمَّتك، أشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّك رسولُ اللهِ. فقال النبي ﷺ : "لُوا أخاكم" رواهُ أحمدُ (١). وإذا ثبتَ بهما (٢) إسلامُ الكافرِ الأصليِّ، فكذا المرتدُّ. وأمَّا تفسيرُ الإسلامِ في حديثِ جبريلَ بالأمورِ الخمسةِ، فبيانٌ لأصولِ الإسلامِ التي تتضمَّنُها الشهادتان إجمالًا؛ وإلَّا، فالإسلامُ اسمٌ لكلِّ ما أمرَ اللهُ به ونهى عنه، كما حقَّقه الحافظُ ابنُ رجب في "شرح الأربعين النَّوَوِيَّة" (٣). (ولا تُقبلُ) في الدنيا توبة (ممَّن سَبَّ اللهَ) تعالى صريحًا؛ لعظمِ ذنبِه. وكذا مَن سبَّ رسولًا أو مَلَكًا للهِ تعالى صريحًا، أو تَنَقصَهُ (أو تكرَّرت (٤) رِدَّتُه) لأنَّ تكرارَ رِدَّتِه يدلُّ على فسادِ عقيدتِه. (ولا بُدَّ) في توبةِ مَن تصحُّ توبتُه (من إقرارِ جاحدٍ بفرضٍ ونحوِه) كتحليلٍ وتحريمٍ (مع الشهادتين، أو قولِه: أنا بريءُ من كلِّ دينٍ يخالفُ دِينَ الإسلامِ) فهو توبةٌ للمرتدِّ ولكلِّ كافرٍ.

стр. 1323

كتاب الأَطعمة يَحِلُّ كلُّ طعام طاهرٍ لا مضرَّةَ فيه، من حبٍّ وثمرٍ وغيرِهما، لا نَجِسٌ، كمَيْتة ودمٍ، ولا مُضِرٌّ، كسُمٍّ، ومن حَيَوانات البَررِّ: حُمُرٌ أهليَّة، وما له نابٌ، غيرَ ضبع، كأسد، ونمِر، وفهد، وذِئب، وفيل، وقِرْد، ودُبٍّ، وما له مِخْلبٌ من الطَّير، كتاب الأَطعمة واحدُها: طعامٌ، وهو: ما يؤكلُ ويشرب. وأصلُها الحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. فـ (يَحِلُّ كلُّ طعامٍ طاهر لا مَضرَّةَ فيه، مِن حَبٍّ وثمرٍ وغيرِهما) من الطَّاهرات. و (لا) يَحِلُّ (نَجسٌ، كمَيْتةٍ ودَمٍ) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وكذا يَحْرُم متنجِّسٌ (ولا) يَحِل (مُضِرٌّ، كسُمٍّ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. (و) يَحْرُم (من حَيَوانات البَرِّ: حُمُرٌ أَهليَّة) لحديث جابرٍ: أن رسول الله نَهى يومَ خَيْبَرَ عن لحوم الحُمُرِ الأهليَّةِ، وأذِن في لحوم الخيلِ. متَّفَق عليه (١). (و) يَحْرُم من حَيَوانات البَرِّ: (ما لَه نابٌ) يَفترسُ به فيرَ ضَبُعٍ، كأسد، ونَمرِ، وفَهد، وذئب، وفيل، وقِرد، ودُبٍّ) لأنَّه ﷺ نَهى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. كما في المتَّفق عليه (٢). وأمَّا الضَّبُع، فمباحٌ؛ لحديث جابرٍ: أمرَنا رسولُ الله ﷺ بأَكل الضَّبعُ، قلتُ: هي صيدٌ؟ قال: "نعم". احتجَّ به الإمامُ أحمدُ (٣). فهذا يخصِّص النَّهْيَ المتقدِّم. (و) يَحرُم (مالَه مِخْلبٌ) بكسر الميمِ (من الطَّير) يصيدُ به، وهو له بمنزلة الظُّفرِ للآدميِّ

стр. 1324

كعُقاب، وبازٍ، وصقر، وحِدَأة، وبومة، وما يأكل الجِيَفَ، كنسر، ورَخَم، وغراب أَبقعَ، والأسودِ الكبيرِ، وما يُستخبثُ، كقُنفذ، ونَيْصٍ، وفأرة، ووطواط، وحشرات، وما تولَّد بين مأكول وغيره، كسِمْع، وبغل. فصل وتُباحُ الخيلُ، وبهيمةُ الأنعامِ، والدَّجاجُ، والبطُّ، وحُمُرُ الوحش، وبقرُه، والظِّباء، والنَّعامة، والأرنب، والزرافة، وسائرُ الوحش، (كعُقاب، وبازٍ، وصَقر، وحِدَأَة) بوزن: عِنَبة (وبُومةٍ) لحديث ابنِ عباسٍ: "نهَى رسولُ الله ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّير" (١). (و) يحرُم من الطَّير (ما يأكلُ الجِيفَ، كنَسْر، ورَخَم (٢)، وغُرابٍ أَبْقعَ، و) الغرابِ (الأسود الكبيرِ. و) يحرُم (ما يُستخْبَثُ) أي: ما تستخبثه العربُ ذوو اليسارِ (كقُنْفذ، ونَيْص (٣)، وفأرة، ووطواط، وحشراتٍ) كخنافسَ، ودِيدان. (و) يَحرُم (ما تولَّد بين مأكولٍ وغيرِه، كسِمْعٍ) بكسر السينِ المهمَلة وسكونِ الميمِ: وَلَدُ ضَبُعٍ من ذئبٍ. وكعِسْبار، عكسُه: ولدُ ذئبةٍ من ضِبْعانٍ (وبَغْلٍ) متولِّدٍ من خيلٍ وحُمُرٍ أهليَّة. فصلٌ (وتُباحُ الخيلُ) كلُّها. نصًّا (وبهيمةُ الأنعامِ) من إبل وبقر وغنم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] (والدَّجاجُ، والبَطُّ، وحُمُرُ الوحشِ، وبقرُه) أي: الوحش (والظِّباءُ) أي: الغِزلانُ على اختلاف أنواعِها (والنَّعامةُ، والأَرنبُ، والزَّرافةُ) بفتح الزَّاي وضمِّها: دابَّةٌ تُشبه البعيرَ، لكنَّ عُنُقَها أطولُ من عُنُقه، وجسمُها أَلطفُ من جسمه، ويداها أَطولُ من رِجلِيها (وسائرُ) أي: باقي (الوحشِ) كيَرْبوع (٤)،

стр. 1325

وحيوانُ البحر، غيرَ ضِفْدِعٍ، وتمساحٍ، وحيَّةٍ. ومَن اضطُرَّ إلى محرَّم، أكل من غير سُمٍّ ما يَسدُّ رَمَقَه، ومَن اضطرَّ إلى طعامِ غيرِ مضطرٍّ، وجب بَذْلُه له بقيمته، وإلى نفعِ مالِ الغيرِ مع بقاءِ عينِه، لدفع بردٍ أو استقاءِ ماءٍ ونحوِه، وجبَ بذله مجّانًا، ومَن مرَّ بثمر بستانٍ بشجره، أو ساقطٍ تحتَه، ولا حائطَ ولا حارسَ، فله الأكلُ بلا حَمْلٍ، ووَبْر (١)، و ضَبٍّ. (و) يباحُ كل (حَيَوان البحرِ) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] (غيرَ ضِفْدِعٍ) فيحرُم، نصًّا؛ لاستخباثها (و) غيرَ (تِمساحٍ) نصًّا؛ لأنَّ له نابًا يفترس به (و) غيرَ (حيَّةٍ) لاستخباثها. (ومَن اضطرَّ إلى مُحرَّمٍ) بأنْ خافَ التَّلَفَ إنْ لم يأكلْ (أَكلَ) وجوبًا، نصًّا (من غيرِ سُمٍّ) ونحوِه مما يَضُرُّ (ما يَسُدُّ رَمَقَه) بفتح الرَّاء والميمِ، كما في "المُطلِع" (٢) أي: يُمسك بقيَّةَ روحِه، كما يُسَدُّ الشيءُ المنفتِحُ. وليس له الشِّبَعُ. فإنْ كان في سفرٍ محرَّمٍ ولم يَتُبْ، لم يَحلَّ له الأكلُ. وله التزودُّ إنْ خاف. (ومَن اضطرَّ إلى طعامِ) شخْصٍ (غيرِ مُضطرٍّ) ولا خائفٍ أنْ يضطرَّ (وجَب) على ربِّ الطعامِ (بَذْلُه له) أي: أن يبذلَ للمضطرِّ ما يَسدُّ رَمَقَه؛ لأنَّه إنقاذٌ لمعصومٍ من الهَلَكَة (بقيمته) أي: الطعام -نصًّا- لا مجَّانًا. فإنْ كان ربُّ الطعامِ مضطرًّا أو خائفًا أنْ يضطرَّ، فهو أحق به، وليس له إيثارُه. (و) مَن اضطرَّ (إلى نفْعِ مالِ الغيرِ مع بقاء عينِه) كثياب (لدفعِ بردٍ، أو) حبلٍ أو دَلو لـ (استقاء ماءٍ ونحوِه، وجَب بَذْلُه) لمضطرٍّ (مجَّانًا) مع عدمِ حاجةِ ربِّه إليه. (ومَن مرَّ بثمر بستانٍ بشجره أو ساقطٍ تحتَه) أي: تحتَ شجرِه (ولا حائطَ) على البستانِ (ولا حارسَ) له (فله الأكلُ) منه مجَّانًا، ولو بلا حاجةٍ (بلا حَمْل) شيءٍ من الثَّمر

стр. 1326

ولا رجمِ شجرٍ. وتجب ضيافةُ مسلمٍ مجتازٍ في قريةٍ يومًا وليلة، فإن امتنعَ، فله أخذُ قَدْرِها قهرًا. فصل لا يُباح حَيَوانٌ مقدورٌ عليه بغير ذَكاةٍ، إلَّا الجرادُ، وما لا يعيشُ إلَّا في الماءِ. (ولا رَجْم) أي: رَمْي (شجر) بشيءٍ، وكذا لا يجوز له صعودُ شجرةٍ، ولا أكلٌ من مَجنِيٍّ مجموعٍ، إلَّا لضرورة. وكذا زرعٌ قائمٌ، وشُربُ لبنِ ماشيةٍ، فيجوز؛ لجَرَيان العادةِ بذلك. (وتجبُ) على مسلمٍ (ضيافةُ مسلمٍ مجتازٍ) أي: مارٍّ به، مسافرًا لا مقيمًا (في قريةٍ) لا مِصرٍ (يومًا وليلةً) قَدْرَ كفايتِه مع أُدْم؛ لقوله ﷺ : "مَن كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ، فليُكْرمْ ضيفَه جائزتَه" قالوا: وما جائزتُه يا رسولَ الله؟ قال: "يومُه وليلتُه" متفقٌ عليه (١). ويجب إنزالُه في بيته مع عدمِ مسجدٍ ونحوِه (فإن امتنعَ) مُضِيفٌ من الضيافة (فله) أي: الضيفِ طلبُه بها عند حاكمٍ؛ فإن تعذَّر، جازَ له (أخدُ قَدْرِها قهرًا) مِن ماله. فصلٌ في الذَّكاة يقال: ذَكَّى الشَاةَ ونحوَها تذكِيَة. أي: ذَبَحها. فالذَّكاةُ: ذبحُ أو نَحْرُ حَيَوانٍ مأكولٍ بَرِّيٍّ بقَطْع حُلقومِه ومَرِيئهِ، أو عَقرُ ممتنِعٍ. و (لا يُباح حيوانٌ مقدورٌ عليه بغير ذكاةٍ) لأنَّ غيرَ المذكَّى مَيْتةٌ، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (إلَّا الجرادُ، و) كلُّ (ما لا يعيش إلَّا في الماء)

стр. 1327

ويُشترط: أَهليَّةُ مذكٍّ، بأن يكونَ عاقلًا مسلمًا، أو كتابيًّا، ولو مميِّزًا، أو امرأةً، أو أَقلفَ، أو أَعمى، لا سكرانَ ومرتدٍّ ونحوِه. والآلةُ: وهي كلُّ محدَّدٍ، ولو مغصوبًا، من حديد، وحجر، وقَصَب، وغيرِه، غير سِنٍّ وظُفر. فَيحِلُّ بدون ذكاةٍ؛ لحديث ابنِ عمرَ مرفوعًا: "أُحِلِّتْ لنا مَيْتتانِ ودَمان، فأمَّا الميتتان: فالحوتُ والجراد، وأمَّا الدَّمَان: فالكَبِدُ والطَّحال" رواه أحمد وغيره (١). وما يعيش في بَرٍّ وبحرٍ، كسُلَحْفاةٍ وكلبِ ماءٍ، لا يَحِلُّ إلا بالذَّكاة. وحَرُم بَلْعُ سمكٍ حيًّا. وكُرِه شيُّه حيًّا، لا جرادٌ. (ويُشترط) أربعةُ شروطٍ في صحَّة ذكاةٍ: أحدها: (أهليَّةُ مُذَكٍّ، بأن يكونَ عاقلًا) فلا يُباح ما ذكاه مجنونٌ، أو سكرانُ، أو طفلٌ؛ لأنَّه لا يصحُّ منهم قصْدُ التذَّكيةِ (مسلمًا) كان (أو كتابيًّا) أبواه كتابيَّان؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال البخاريُّ: وقال ابن عباس: طعامُهم: ذبائحُهم (٢) (ولو) كان المذكِّي (مميِّزًا، أو امرأةً، أو أَقْلَفَ) لم يُختنْ (أو أَعمى). و (لا) تباح ذكاةُ (سكرانَ) لمَا تقدَّم (و) لا (مُرْتَدٍّ ونحوِه) كوَثَنيٍّ ومجوسيٍّ؛ لمفهوم قولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. (و) الشرطُ الثاني: (الآلَةُ: وهي كلُّ محدَّدٍ) أي: ذي حَدٍّ يُنْهر الدَّمَ بحدِّه (ولو) كان (مغصوبًا، من حديدٍ، وحجَر، وقصَب، وغيرِه) كخشبٍ له حدٌّ، وذهبٍ وفضَّةٍ وعَظْمٍ (غير سِنٍّ وَظُفْر) لقوله ﷺ : "ما أَنهرَ الدَّمَ فَكُلْ، ليس السِّنَ والظُّفرَ" متَّفَق عليه (٣).

стр. 1328

وقطعُ حُلقومٍ ومَريءٍ، لا الوَدَجين. وغيرُ مقدورٍ عليه ومتردٍّ في بئرٍ ونحوِها بعَقْره في أيِّ موضعٍ، إلَّا أنْ يكونَ رأسُه بالماءِ. وقولُ: باسم اللهِ. فإنْ تركها عمدًا، لم تُبَح، لا سهوًا. (و) الشرطُ الثالثُ: (قطعُ حُلقومٍ) أي: مَجرَى النَّفَس (ومَرِيءٍ) بالمدِّ: مَجرَى الطعامِ والشَّراب، سواءٌ كان القطعُ فوقَ الغَلصَمة، وهو: الموضعُ النَّاتئُ من الحَلْق أو دونَها. و (لا) يُشترط قطعُ (الوَدَجَين) وهما: عِرقان مُحيطان بالحُلقوم. ولا إبانةُ الحلقومِ والمريءِ بالقطع. ولا يضرُّ رفعُ يدِ الذَّابحِ إنْ أتمَّ الذَّكاةَ على الفور؛ فإنْ تراخَى ووصل الحيوانُ إلى حركةِ المذبوح، فأتَّمها، لم يَحِلَّ. (وغيرُ مقدورٍ عليه) مِن صيد، ونَعَمٍ مُتَوَحِّشة (ومُتَرَدٍّ) أي: واقع (في بئرٍ ونحوِها بعَقْره) أي: ذكاةُ ما ذُكر بجَرحه (في أيِّ موضعٍ) كان من بدنِه؛ رُوي عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ (١) وغيرِهما ﵃ (إلَّا أنْ يكونَ رأسُه بالماءِ) ونحوِه ممَّا يقتله لو انفردَ، فلا يُباح أكلُه؛ تغليبًا للحظر. (و) الشرطُ الرابعُ: (قولُ) ذابحٍ عند حركة يدِه بذبحٍ: (باسم الله) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولا يُجزِئُه غيرُها، كقوله: باسم الخالقِ، ونحوِه. ويجزئُ بغير عربيةٍ ولو أَحسَنها (فإنْ تركها) أي: التسميةَ (عمدًا) أو جهلًا (لم تُبَح) الذَّبيحةُ؛ لمَا تقدَّم. و (لا) تَحرُم إنْ تركها (سهوًا) لقوله ﷺ : "ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يسمِّ، إذا لم يتعمَّدْ" رواه سعيدٌ (٢). وسقطَت التسميةُ هنا بالسَّهو، بخلاف ما يأتي في الصَّيد،

стр. 1329

ويُكره ذبحٌ بآلةٍ كالَّةٍ، وحدُّها والحيوانُ يُبصره، وكسرُ عنقِه وسَلخُه قبل أنْ يتمَّ زهوقُه، وأن يوجَّهَ إلى غير القِبلةِ. فصل يُباح الصيدُ لقاصده، مع أن قياسَ الشرطِ أنْ لا يسقطَ به؛ لكثرة وقوعِ الذَّكاة مع غلبة السَّهوِ، وأمَّا الجاهلُ، فمقصِّر حيث لم يسألْ. (ويُكره ذبحٌ بآلَةٍ كالَّةٍ) لحديث: "إنَّ اللهَ كتَب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم، فأَحسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتم، فأحسِنوا الذِّبحةَ، ولْيُحِدِّ أحدُكم شَفرته، ولْيُرِحْ ذبيحتَه" رواه الشافعيُّ وغيرُه (١). (و) يُكره أيضًا (حَدُّها) أي: الآلة (والحيوانُ يُبصره) لحديث ابنِ عمرَ: أن رسول اللهِ ﷺ أَمر أنْ تُحدَّ الشِّفار، وأن تُوارَى عن البهائمِ. رواه أحمدُ وابنُ ماجه (٢). (و) يُكره أيضًا (كسرُ عُنُقِه) أي: المذبوحِ (وسَلْخُه قبلَ أنْ يَتمَّ زُهُوقه) للنَّهي عنه (٣). (و) يُكره أيضًا (أنْ يوجَّه) الحيوانُ (إلى غير القِبلة) لأن السُّنَّة توجيهُه إليها على شِقِّه الأيسر. وسُنَّ رِفقٌ به، وحملٌ على الآلة بقوَّة. فصلٌ في الصيد وهو: اقتناصُ حَيوانٍ حلالٍ، متوحِّشِ طبْعًا، غيرِ مقدورٍ عليه. ويطلق على المَصِيد. و (يُباح الصيدُ لقاصده) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الآية [٤ من سورة المائدة] ......

стр. 1330

ويُكرَه لهوًا. ويَحِلُّ ما أَدركه ميتًا: إنْ كان الصائدُ مِن أهلِ الذَّكاةِ، وقَتَله جارحٌ معلَّم، أو بمحدَّدٍ، كآلة ذَكاةٍ، لا ما قَتَل بثِقله كَبنْدُق، وعصًا، وشبكة، وفخٍّ، أو خَنَقه صقرٌ ونحوه. ويشترط إرسالُ الآلةِ قصدًا، لا إن استرسلَ كلبٌ أو غيرُه بنفسه، ما لم يزجرْه (ويُكره) الصيدُ (لهوًا) لأنه عبَث. وهو أفضلُ مأكولٍ. والزراعةُ أفضلُ مكتَسَبٍ. (ويَحِلُّ ما) أي: صيدٌ (أَدركَه ميتًا) بأربعة شروط: الأوَّل: ما أَشارَ إليه بقوله: (إنْ كان الصائدُ من أَهل الذَّكاةِ) أي: تَحِلُّ ذبيحتُه؛ فلا يَحِلُّ صيدُ مجوسيٍّ ونحوِه، ولو مشاركةً. والثاني: الآلةُ، وهي نوعان: جارحٌ، ومحدَّد، وإلى ذلك أَشارَ بقوله: (وقَتَلَه) أي: الصَّيدَ (جارحٌ معلَّم) ممَّا يَصيد بنابه؛ كفَهد، وكلبٍ غيرِ أسودَ بهيمٍ، وهو ما لا بياضَ فيه، نصًّا. قال في "الإقناع" (١): أو بينَ عينَيه نُكتتان؛ كما اقتضاه الحديثُ الصحيحُ (٢)، انتهى. أو يصيد بمِخْلَبه، كصَقر وبازٍ. ثم تعليمُ نحوِ كلبٍ وفَهدٍ: أن يَسترسِلَ إذا أُرسلَ، وينزجِرَ إذا زُجر، وإذا أَمسكَ، لم يأكلْ. وتعليمُ نحو صقرٍ: أن يَسترسلَ إذا أُرسلَ، ويَرجعَ إذا دُعي، لا بترك الأَكل. (أو بمحدَّدٍ، كآلةِ ذكاةٍ) فيما تقدَّم، وشَرْطُ جَرحِ الصيدِ بالآلة، فـ (لا) يَحِلُّ صيدُ (ما قَتل بثِقَله، كبُندقٍ، وعصًا، وشَبكةٍ، وفَخٍّ) ولو مع قطع حُلقومٍ ومَرِيءٍ (أو) أي: ولا يَحِلُّ صيدٌ (خَنَقَه) أو صَدَمه (صقرٌ ونحوه) لعدم جرحه، كالمِعراض، وهو: عودٌ محدَّد، إذا قَتَل بثِقَله. والثالثُ: ما ذكره بقوله: (ويُشترط إرسالُ الآلةِ قصدًا) أي: قاصدًا للصَّيد، فـ (لا) يَحِلُّ (إن استرسلَ كلبٌ أو غيرُه بنفسه، ما لم يَزجْره) أي: يحثُّه ويَحمله على السُّرعة

стр. 1331

فيزيدَ في عَدْوه. وقولُ: باسم اللهِ عند إرسالِ جارحةٍ أو سهمِه، فلا تسقطُ، عمدًا ولا سهوًا. (فيزيدَ في عَدْوِه) أي: طلبِه، فيحلُّ الصَّيد. (و) الشرط الرابع: (قولُ) صائدٍ: (باسم اللهِ. عند إِرسال جارحة، أو) إرسالِ (سَهْمِه، فلا تسقُط عمدًا ولا سهوًا) ولا جهلًا فيما يظهر؛ فلا يُباح ما لم يسمِّ عليه، مطلقًا؛ لمفهوم قولهِ ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبَكَ المعلَّمَ وذكرتَ اسمَ اللهِ عليه، فَكُلْ" متَّفق عليه (١). ولو سمَّى على صيدٍ، فأصابَ غيرَه، حلَّ، لا على سهمٍ أَلقاه ورمَى بغيره. بخلافِ ما لو سمَّى على سِكِّين، ثم ألقاها وذَبح بغيرها؛ لأنَّ التسميةَ على السَّهم في الأُولى وعلى الذَّبيحة في الثانية. وسُنَّ أن يقولَ مع: باسم الله: واللهُ أَكبر؛ كما في الذَّكاة.

стр. 1332

كتاب الأَيمان اليمينُ الموجِبةُ للكفَّارة إذا حَنِثَ فيها هي التي بالله، أو صفتِه، كالرَّحمن، أو القرآنِ، أو المصحفِ. وَيحرُم الحَلِف بغير اللهِ، ولا كفّارةَ. ومَن حلفَ على ماضٍ كاذبًا عالمًا؛ فهي الغَموسُ، ولا كفّارةَ فيها، كلغو اليمينِ التي لا يَقصِدها، نحو: لا والله، و: بلى واللهِ، في عُرْض حديثه، كتاب الأَيمان جمعُ يمين: وهو الحَلِف والقَسَم. (اليمينُ الموجِبةُ للكفَّارة إذا حَنِثَ فيها هي) اليمينُ (التي) يَحلفُ فيها (بـ) اسم (اللهِ) الذي لا يُسمَّى به غيرُه، كـ: اللهِ، والقديمِ الأزليِّ، والأوَّلِ الذي ليس قبلَه شيءٌ، والآخِرِ الذي ليس بعدَه شيءٌ، وخالقِ الخَلْقِ، وربِّ العالمين. (أو صفتِه، كالرَّحمن) أو بما يُسَمَّى به غيرُه ولم ينوِ الغيْرَ، كالرَّحيم، والعليمِ. أو بوَجْه اللهِ وعظمتِه. (أو) بـ (القرآنِ، أو المصحفِ) أو بسورة، أو آيةٍ منه (١). (ويَحْرُمُ الحَلِفُ بغير اللهِ) سبحانَه؛ لقوله ﷺ : "مَن كان حالفًا، فليحلِفْ بالله تعالى، أو ليَصْمُتْ" متَّفق عليه (٢). ويُكره الحَلِفُ بالأمانة (٣). (ولا) تجبُ (كفَّارة) بالحَلِف بغير اللهِ تعالى إذا حَنِث. (ومَن حَلَف على) أمرٍ (ماضٍ كاذبًا عالمًا، فهي) اليمينُ (الغَموسُ) لأنَّها تَغمِسه في الإِثم، ثمَّ في النَّار (ولا كفَّارةَ فيها) أي: في الغَموس (كلْغو اليمينِ) وهي (التي لا يَقصِدها) بل تَجري على لسانه (نحو) قولِه: (لا واللهِ، و: بلَى واللهِ. في عُرْض حديثِه) بضمِّ العينِ المهمَلة، أي: جانبِه وأثنائه؛ وأمَّا العَرْضُ -بالفتح- فخلافُ

стр. 1333

وكذا لو عَقَدها يظنُّ صِدقَ نفسِه، فبانَ بخلافه. ومَن حلفَ مُكرَهًا، أو غير مكلَّفٍ، لم تنعقد يمينُه. ولا كفَّارةَ قبل حنثٍ، بأن يفعلَ ما حلفَ لا يفعلُه، أو يتركَ ما حلفَ لَيفعلنَّه، مُختارًا ذاكرًا، لا ناسيًا أو مكرَهًا، الطُّول. ويحتملُ أن يُرادَ هنا توسُّعًا، فلا كفَّارةَ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وفي حديث أبي داودَ عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "اللَّغْو في اليمين كلامُ الرَّجلِ في بيته: لا واللهِ، و: بلى واللهِ" (١). (وكذا) لا تجبُ كفَّارةٌ (لو عَقَدها) أي: اليمينَ (يَظُنُّ صِدقَ نفسِه، فبانَ بخلافه) لأنَّه من لَغو اليمينِ. (ومَن حَلف مُكرَهًا) لم تنعقدْ يمينُه؛ لقوله ﷺ "رُفع عن أُمَّتي الخطأُ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه" (٢). (أو) حلَف (غيرُ مكلَّفٍ) كصغيرٍ، ومجنونٍ، ومغمًى عليه (لم تنعقدْ يمينُه) لعدم القصدِ. (ولا) تجبُ (كفارة) إلَّا بأَربعة شروطٍ: أحدها: قصدُ عَقْد اليمينِ، بخلاف اللَّغوِ ويمين نائمٍ ونحوِه. الثاني: كوْنُهَا على مستقبَل؛ بخلاف الغَموسِ. الثالثُ: كونُ حالفٍ مختارًا؛ بخلاف المُكرَه، وتقدَّمت الإشارةُ إلى ذلك كلِّه. الرابعُ: الحنثُ، فلا تجبُ (قبل حِنْثٍ) ثم بيَّن الحنثَ فقال: (بأنْ يفعلَ ما حلَفَ لا يفعلُه) كما لو حَلف: لا يكلِّم زيدًا، فكلَّمه مختارًا ذاكرًا (أو يتركَ ما حلفَ لَيفعلَنَّه) كما لو حَلَف: لَيُكلِّمنَّ زيدًا اليومَ، فلم يكلِّمْه (مختارًا ذاكرًا) ليمينه. فـ (لا) تجب كفَّارةٌ إنْ فعلَ أو تركَ (ناسيًا أو مكرهًا) لأنَّه لا إِثمَ عليه ............

стр. 1334

ولا إن قالَ في يمينه: إنْ شاءَ اللهُ. ومَن حلفَ على يمينٍ، فرأَى غيرَها خيرًا منها، سُنَّ فِعلُه، ويكفِّرُ. ومَن حرَّم حلالًا من أَمَة، أو طعامٍ، أو لباسٍ، أو غيرِه، غيرِ زوجتِه، لم يَحرُم، وعليه كفّارةُ يمينٍ إنْ فعَله، كمَن قال: هو يهوديُّ، أو: نصرانيُّ، ونحوه، إنْ فعلَ كذا، ثم فَعَله. (ولا) تجب كفّارةٌ أيضًا (إنْ قال في يمينه: إنْ شاءَ الله) إن قصد المشيئةَ واتَّصلت بيمينه، لفظًا أو حكمًا؛ لقوله ﷺ : "مَن حلَف فقال: إنْ شاءَ اللهُ. لم يحنث" رواه أحمدُ وغيرُه (١). (ومَن حَلَف على يمينٍ، فرأَى غيرَها خيرًا منها، سُنَّ فِعلُه، ويُكَفِّرُ) فمَن حلفَ على تركِ مندوبٍ، كصلاة الضُّحَى، أو على فِعلِ مكروهٍ، كأكل بصلٍ وثومٍ، سُنَّ حِنثُه، وكُرِه بِرُّه. ومَن حلفَ على فعلِ واجبٍ أو ترْكِ محرَّمٍ، حَرُم حِنثُه، ووجبَ بِرُّه. وعلى فعلِ محرَّمٍ أو تركِ واجب، وجَب حنثُه، وحرُم بِرُّه. ويخيَّر في مباح، وحِفظُها فيه أَولى. ولا يلزمُ إبرارُ قَسَمٍ، كإجابةِ سؤالٍ بالله تعالى، بل يُسَنُّ. (ومَن حرَّم حلالًا، مِن أَمَة، أو طعامٍ، أو لباسٍ، أو غيرِه، غيرِ زوجتِه، لم يَحرُم) عليه. وأمَّا تحريمُ زوجتِه، فظِهارٌ، كما تقدَّم. (وعليه) أي: على مَن حرَّم سوَى زوجتِه (كفّارةُ يمينٍ إنْ فَعله) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ا] أي: التكفيرَ. وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّه ﷺ قال: "لن أعودَ إلى شُرب العسلِ" متفَق عليه (٢) (كمَن قال: هو يهودِيٌّ، أو نصرانيٌّ، ونحوه) كما لو قال: هو كافرٌ (انْ فَعلَ كذا. ثمَّ فعله) فقد فعل محرَّمًا، وعليه كفّارةُ يمينٍ بحنْثه.

стр. 1335

ومَن لَزِمته كفّارةُ يمينٍ، خُيِّر بين إطعامِ عشرةِ مساكينَ، كما تقدَّم، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإنْ لم يجدْ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعةٍ. ومَن حنثَ في أَيمانٍ بالله تعالى قبلَ التكفيرِ؛ فكفَّارةٌ واحدةٌ، وفي ظِهارٍ ويمينٍ بالله تعالى، لم يتداخلا. فصل ويرجع في اليمينِ إلى نيَّة حالفٍ إن حتمَلَها لفظُه، (ومَن لَزِمته كفّارةُ يمينٍ، خُيِّر بين إطعامِ عشَرةِ مساكينَ، كما تقدَّم) في الظِّهار، أي: لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاعٍ من غيره (أو كِسْوتهِم) أي: العشرةِ، للرَّجل ثوبٌ يجزئُه في صلاته، وللمرأة دِرْعٌ وَخِمارٌ كذلك (أو تحريرِ) أي: عِتقِ (رقبةٍ مؤمنةٍ) أي: مسلمةٍ سليمةٍ من العيوب، كما تقدَّم في الظِّهار (فإنْ لم يجدْ) شيئًا من الثَّلاثة (فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ) لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] (متتابعةٍ) وجوبًا؛ لقراءة ابنِ مسعودٍ: "فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ متتابعةٍ" (١). وتجبُ كفّارةٌ ونذرٌ فَوْرًا بحِنثٍ، ويجوز إخراجُها قبلَه. (ومَن حَنِث في أَيمانٍ بالله تعالى) ولو على أفعالٍ، كقوله: والله لا أَكلتُ، والله لا شربتُ، واللهِ لا أعطيتُ، ونحوِه (قبلَ التكفيرِ، فـ) عليه (كفّارةٌ واحدةٌ) نصًا؛ لأنَّها كفّاراتٌ من جنسٍ واحدٍ، فتداخلت، كالحدود مِن جنسٍ. (و) مَن حَنِث (في ظهارٍ ويمينٍ بالله تعالى، لم يتداخلا) ولو قبل التكفير؛ لعدم اتِّحادِ الجِنس. ويُكفِّر قِنٌّ بصوم، وليس لسيِّده منعُه منه. ويُكفِّر كافرٌ بغير صومٍ. ومَن حَلَف يمينًا واحدةً على أَجناس، فكفَّارةٌ واحدةٌ، حَنِث في الجميعِ أو في واحدةٍ، وتَنحلُّ في البقيَّة. (فصل) جامع الأَيمان (ويرجع في اليمين إلى نيَّة حالف، إن احتملها لفظه) لقوله ﷺ : "وإنَّما لكلِّ امرئٍ
следующие страницы →