← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فيزيدَ في عَدْوه. وقولُ: باسم اللهِ عند إرسالِ جارحةٍ أو سهمِه، فلا تسقطُ، عمدًا ولا سهوًا. (فيزيدَ في عَدْوِه) أي: طلبِه، فيحلُّ الصَّيد. (و) الشرط الرابع: (قولُ) صائدٍ: (باسم اللهِ. عند إِرسال جارحة، أو) إرسالِ (سَهْمِه، فلا تسقُط عمدًا ولا سهوًا) ولا جهلًا فيما يظهر؛ فلا يُباح ما لم يسمِّ عليه، مطلقًا؛ لمفهوم قولهِ ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبَكَ المعلَّمَ وذكرتَ اسمَ اللهِ عليه، فَكُلْ" متَّفق عليه (١). ولو سمَّى على صيدٍ، فأصابَ غيرَه، حلَّ، لا على سهمٍ أَلقاه ورمَى بغيره. بخلافِ ما لو سمَّى على سِكِّين، ثم ألقاها وذَبح بغيرها؛ لأنَّ التسميةَ على السَّهم في الأُولى وعلى الذَّبيحة في الثانية. وسُنَّ أن يقولَ مع: باسم الله: واللهُ أَكبر؛ كما في الذَّكاة.

стр. 1332

كتاب الأَيمان اليمينُ الموجِبةُ للكفَّارة إذا حَنِثَ فيها هي التي بالله، أو صفتِه، كالرَّحمن، أو القرآنِ، أو المصحفِ. وَيحرُم الحَلِف بغير اللهِ، ولا كفّارةَ. ومَن حلفَ على ماضٍ كاذبًا عالمًا؛ فهي الغَموسُ، ولا كفّارةَ فيها، كلغو اليمينِ التي لا يَقصِدها، نحو: لا والله، و: بلى واللهِ، في عُرْض حديثه، كتاب الأَيمان جمعُ يمين: وهو الحَلِف والقَسَم. (اليمينُ الموجِبةُ للكفَّارة إذا حَنِثَ فيها هي) اليمينُ (التي) يَحلفُ فيها (بـ) اسم (اللهِ) الذي لا يُسمَّى به غيرُه، كـ: اللهِ، والقديمِ الأزليِّ، والأوَّلِ الذي ليس قبلَه شيءٌ، والآخِرِ الذي ليس بعدَه شيءٌ، وخالقِ الخَلْقِ، وربِّ العالمين. (أو صفتِه، كالرَّحمن) أو بما يُسَمَّى به غيرُه ولم ينوِ الغيْرَ، كالرَّحيم، والعليمِ. أو بوَجْه اللهِ وعظمتِه. (أو) بـ (القرآنِ، أو المصحفِ) أو بسورة، أو آيةٍ منه (١). (ويَحْرُمُ الحَلِفُ بغير اللهِ) سبحانَه؛ لقوله ﷺ : "مَن كان حالفًا، فليحلِفْ بالله تعالى، أو ليَصْمُتْ" متَّفق عليه (٢). ويُكره الحَلِفُ بالأمانة (٣). (ولا) تجبُ (كفَّارة) بالحَلِف بغير اللهِ تعالى إذا حَنِث. (ومَن حَلَف على) أمرٍ (ماضٍ كاذبًا عالمًا، فهي) اليمينُ (الغَموسُ) لأنَّها تَغمِسه في الإِثم، ثمَّ في النَّار (ولا كفَّارةَ فيها) أي: في الغَموس (كلْغو اليمينِ) وهي (التي لا يَقصِدها) بل تَجري على لسانه (نحو) قولِه: (لا واللهِ، و: بلَى واللهِ. في عُرْض حديثِه) بضمِّ العينِ المهمَلة، أي: جانبِه وأثنائه؛ وأمَّا العَرْضُ -بالفتح- فخلافُ

стр. 1333

وكذا لو عَقَدها يظنُّ صِدقَ نفسِه، فبانَ بخلافه. ومَن حلفَ مُكرَهًا، أو غير مكلَّفٍ، لم تنعقد يمينُه. ولا كفَّارةَ قبل حنثٍ، بأن يفعلَ ما حلفَ لا يفعلُه، أو يتركَ ما حلفَ لَيفعلنَّه، مُختارًا ذاكرًا، لا ناسيًا أو مكرَهًا، الطُّول. ويحتملُ أن يُرادَ هنا توسُّعًا، فلا كفَّارةَ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وفي حديث أبي داودَ عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "اللَّغْو في اليمين كلامُ الرَّجلِ في بيته: لا واللهِ، و: بلى واللهِ" (١). (وكذا) لا تجبُ كفَّارةٌ (لو عَقَدها) أي: اليمينَ (يَظُنُّ صِدقَ نفسِه، فبانَ بخلافه) لأنَّه من لَغو اليمينِ. (ومَن حَلف مُكرَهًا) لم تنعقدْ يمينُه؛ لقوله ﷺ "رُفع عن أُمَّتي الخطأُ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه" (٢). (أو) حلَف (غيرُ مكلَّفٍ) كصغيرٍ، ومجنونٍ، ومغمًى عليه (لم تنعقدْ يمينُه) لعدم القصدِ. (ولا) تجبُ (كفارة) إلَّا بأَربعة شروطٍ: أحدها: قصدُ عَقْد اليمينِ، بخلاف اللَّغوِ ويمين نائمٍ ونحوِه. الثاني: كوْنُهَا على مستقبَل؛ بخلاف الغَموسِ. الثالثُ: كونُ حالفٍ مختارًا؛ بخلاف المُكرَه، وتقدَّمت الإشارةُ إلى ذلك كلِّه. الرابعُ: الحنثُ، فلا تجبُ (قبل حِنْثٍ) ثم بيَّن الحنثَ فقال: (بأنْ يفعلَ ما حلَفَ لا يفعلُه) كما لو حَلف: لا يكلِّم زيدًا، فكلَّمه مختارًا ذاكرًا (أو يتركَ ما حلفَ لَيفعلَنَّه) كما لو حَلَف: لَيُكلِّمنَّ زيدًا اليومَ، فلم يكلِّمْه (مختارًا ذاكرًا) ليمينه. فـ (لا) تجب كفَّارةٌ إنْ فعلَ أو تركَ (ناسيًا أو مكرهًا) لأنَّه لا إِثمَ عليه ............

стр. 1334

ولا إن قالَ في يمينه: إنْ شاءَ اللهُ. ومَن حلفَ على يمينٍ، فرأَى غيرَها خيرًا منها، سُنَّ فِعلُه، ويكفِّرُ. ومَن حرَّم حلالًا من أَمَة، أو طعامٍ، أو لباسٍ، أو غيرِه، غيرِ زوجتِه، لم يَحرُم، وعليه كفّارةُ يمينٍ إنْ فعَله، كمَن قال: هو يهوديُّ، أو: نصرانيُّ، ونحوه، إنْ فعلَ كذا، ثم فَعَله. (ولا) تجب كفّارةٌ أيضًا (إنْ قال في يمينه: إنْ شاءَ الله) إن قصد المشيئةَ واتَّصلت بيمينه، لفظًا أو حكمًا؛ لقوله ﷺ : "مَن حلَف فقال: إنْ شاءَ اللهُ. لم يحنث" رواه أحمدُ وغيرُه (١). (ومَن حَلَف على يمينٍ، فرأَى غيرَها خيرًا منها، سُنَّ فِعلُه، ويُكَفِّرُ) فمَن حلفَ على تركِ مندوبٍ، كصلاة الضُّحَى، أو على فِعلِ مكروهٍ، كأكل بصلٍ وثومٍ، سُنَّ حِنثُه، وكُرِه بِرُّه. ومَن حلفَ على فعلِ واجبٍ أو ترْكِ محرَّمٍ، حَرُم حِنثُه، ووجبَ بِرُّه. وعلى فعلِ محرَّمٍ أو تركِ واجب، وجَب حنثُه، وحرُم بِرُّه. ويخيَّر في مباح، وحِفظُها فيه أَولى. ولا يلزمُ إبرارُ قَسَمٍ، كإجابةِ سؤالٍ بالله تعالى، بل يُسَنُّ. (ومَن حرَّم حلالًا، مِن أَمَة، أو طعامٍ، أو لباسٍ، أو غيرِه، غيرِ زوجتِه، لم يَحرُم) عليه. وأمَّا تحريمُ زوجتِه، فظِهارٌ، كما تقدَّم. (وعليه) أي: على مَن حرَّم سوَى زوجتِه (كفّارةُ يمينٍ إنْ فَعله) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ا] أي: التكفيرَ. وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّه ﷺ قال: "لن أعودَ إلى شُرب العسلِ" متفَق عليه (٢) (كمَن قال: هو يهودِيٌّ، أو نصرانيٌّ، ونحوه) كما لو قال: هو كافرٌ (انْ فَعلَ كذا. ثمَّ فعله) فقد فعل محرَّمًا، وعليه كفّارةُ يمينٍ بحنْثه.

стр. 1335

ومَن لَزِمته كفّارةُ يمينٍ، خُيِّر بين إطعامِ عشرةِ مساكينَ، كما تقدَّم، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإنْ لم يجدْ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعةٍ. ومَن حنثَ في أَيمانٍ بالله تعالى قبلَ التكفيرِ؛ فكفَّارةٌ واحدةٌ، وفي ظِهارٍ ويمينٍ بالله تعالى، لم يتداخلا. فصل ويرجع في اليمينِ إلى نيَّة حالفٍ إن حتمَلَها لفظُه، (ومَن لَزِمته كفّارةُ يمينٍ، خُيِّر بين إطعامِ عشَرةِ مساكينَ، كما تقدَّم) في الظِّهار، أي: لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاعٍ من غيره (أو كِسْوتهِم) أي: العشرةِ، للرَّجل ثوبٌ يجزئُه في صلاته، وللمرأة دِرْعٌ وَخِمارٌ كذلك (أو تحريرِ) أي: عِتقِ (رقبةٍ مؤمنةٍ) أي: مسلمةٍ سليمةٍ من العيوب، كما تقدَّم في الظِّهار (فإنْ لم يجدْ) شيئًا من الثَّلاثة (فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ) لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] (متتابعةٍ) وجوبًا؛ لقراءة ابنِ مسعودٍ: "فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ متتابعةٍ" (١). وتجبُ كفّارةٌ ونذرٌ فَوْرًا بحِنثٍ، ويجوز إخراجُها قبلَه. (ومَن حَنِث في أَيمانٍ بالله تعالى) ولو على أفعالٍ، كقوله: والله لا أَكلتُ، والله لا شربتُ، واللهِ لا أعطيتُ، ونحوِه (قبلَ التكفيرِ، فـ) عليه (كفّارةٌ واحدةٌ) نصًا؛ لأنَّها كفّاراتٌ من جنسٍ واحدٍ، فتداخلت، كالحدود مِن جنسٍ. (و) مَن حَنِث (في ظهارٍ ويمينٍ بالله تعالى، لم يتداخلا) ولو قبل التكفير؛ لعدم اتِّحادِ الجِنس. ويُكفِّر قِنٌّ بصوم، وليس لسيِّده منعُه منه. ويُكفِّر كافرٌ بغير صومٍ. ومَن حَلَف يمينًا واحدةً على أَجناس، فكفَّارةٌ واحدةٌ، حَنِث في الجميعِ أو في واحدةٍ، وتَنحلُّ في البقيَّة. (فصل) جامع الأَيمان (ويرجع في اليمين إلى نيَّة حالف، إن احتملها لفظه) لقوله ﷺ : "وإنَّما لكلِّ امرئٍ

стр. 1336

فإن عدمتْ، فإلى سببِ اليمين وما هيَّجها، فإنْ عدم، فإلى التَّعيين، عدم، فإلى ما تناوَلَه الاسمُ. ويُقدَّم الشرعيُّ، ثم العُرفيُّ، ثم اللُّغويُّ. ومَن حلَف: لا يبيعُ، ونحوَه؛ لم يحنَثْ بفاسده؛ إلَّا أنْ يقولَ: لا يبيعُ ما نوى" (١) فمَن نَوى بالسَّقف أو البناءِ: السماءَ أو بالفراش أو البساطِ: الأرضَ، قُدِّمت على عُموم لفظِه. ويجوز التَّعريضُ في مخاطبةٍ لغير ظالمٍ. (فإنْ عدمت) النيَّة (فـ) يُرجع (إلى سبب اليمينِ وما هيَّجها) لدَلالة ذلك على النيَّة. فمَن حلَف: لَيقضِيَنَّ زيدًا حقَّه غدًا، فقضاه قبله، لم يحنث إذا اقتضى السببُ أنَّه لا يتجاوز غدًا، وكذا: لَيأكُلَنَّ شيئًا ونحوَه غدًا. وإنْ حلفَ: لا يبيعُه إلَّا بمئة، لم يحنثْ بأَكثرَ. (فإنْ عدم) ما ذُكر، من النيَّة والسببِ (فـ) يُرجع (إلى التَّعيين) بالإشارة؛ لأنَّه أبلغُ مِن دَلالة الاسمِ على مُسمَّاه، لنفيه الإبهامِ بالكلِّية. فإذا حَلَف: لا أَلبَس هذا القميصَ. فجعلَه سراويلَ، أو رِداءً، أو عِمامةً، ولَبسَه، أو: لا كلَّمتُ هذا الصبيِّ. فصار شيخًا وكلَّمه، أو: لا أكلتُ هذا الرُّطَبَ. فصار تمرًا، أو دِبْسًا، أو خَلًّا، وأَكَله، ونحوَ ذلك، حَنِث (فإنْ عدم) ما ذُكر كلُّه، من النيَّة، والسببِ، والتَّعيين (فـ) يرجعُ (إلى ما تناولَه الاسمُ) وهو ثلاثةٌ: شرعيٌّ، وعُرْفيٌّ، ولُغَوِيّ، فقد لا يختلفُ المسمَّى، كأرضٍ، وسماءٍ (و) قد يختلفُ، فـ (يُقدَّم الشرعيُّ) وهو: مالَه موضوعٌ شرعًا، وموضوعٌ لغةً، كالصَّلاة، والزكاةِ، والصومِ، والحجِّ، ونحوِ ذلك؛ فالاسمُ المطلَقُ في اليمين ينصرفُ إلى الموضوعِ الشرعيِّ الصَّحيح؛ فلا بِرَّ ولا حِنثَ بفاسد، إلَّا الحجَّ والعُمرةَ، ففاسدُهما كصحيحِهما. (ثم العُرفيُّ) وهو: ما اشتَهرَ مجازُه حتى غلبَ على حقيقتِه، كالرَّاوية: حقيقةً في الجمل يُستقَى عليه، وعُرْفًا للمَزَادة، وكالظَّعِينة: حقيقةً: الناقة يُظْعَن عليها. وعُرفًا: المرأةُ في الهَودَج. وكالدابَّة: حقيقةً: ما دَبَّ ودَرَج. وعُرفًا: الخيلُ والبِغال والحميرُ. (ثم اللُّغَوِيُّ) وهو: ما لم يَغلبْ مجازُه. (ومَن حلَف: لا يبيعُ، ونحوَه) كـ: لا يَنكحُ (لم يحنَث بفاسده) لأنَّ البيعَ أو النِّكاحَ لا يتناولُ الفاسدَ (إلَّا أنْ) يقيِّدَ يمينَه بما لا تُمكنُ صحَّتُه، كأنْ (يقولَ: لا يبيعُ

стр. 1337

الخمرَ، ونحوَه. ومَن حلفَ لا يأكلُ لحمًا، لم يحنَثْ بشحم، أو كَبِد، أو مُخٍّ، ونحوِه، مع الإطلاقِ. ولا يفعلُ شيئًا، فوكَّل مَن فعَلَه، حَنِث، ما لم ينوِ مباشرَتَه بنفسِه. ومَن حلفَ على ترك وطءِ زوجتهِ، حنث بجِماعها. ولا يطأُ دارَ فلانٍ، حَنِث بدخولها. ولا يأكلُ شيئًا، فأَكله مستهلَكًا في غيره، ولم يظهَرْ طعمُه فيه، لم يحنَثْ، كما لو فعلَ المحلوفَ عليه مُكرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، في غير طلاقٍ وعَتَاقٍ، الخمرَ، ونحوَه) كالخِنزير، فيحنثُ بصورة العقدِ؛ لتعذُّر الصِّحَّةِ. (ومَن حَلف: لا يأكلُ لحمًا، لم يَحنثْ بشحم، أو كَبِد، أو مُخٍّ، ونحوِه) كقَلْب، وطِحالٍ (مع الإطلاقِ) لأنَّ اسمَ اللحمِ لا يتناول ذلك إلَّا بنيَّةٍ أو سببٍ (و) مَن حلفَ: (لا يفعلُ شيئًا، فوكَّل مَن فعلَه، حَنِث) لأنَّ الفعلَ يضافُ إلى مَن فُعل عنه؛ قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح:٢٧] وإنَّما الحالقُ غيرُهم (ما لم ينوِ مباشرَتَه بنفسِه) فتُقَدَّم نيِّتُه؛ لأنَّ لفظَه يحتملُه. (ومَن حلَف على تركِ وطءِ زوجتِه، حَنِث بِجماعها) لانصراف اللفظِ إليه عُرفًا. (و) مَن حلَف (لا يطأ دارَ فلانٍ، حَنِث بدخولها) راكبًا أو ماشيًا، حافيًا أو مُنتعلًا؛ لتعلُّق يمينِه بالدُّخول؛ لأنَّه العُرف. (و) مَن حلَف: (لا يأكلُ شيئًا، فأكَلَه مستهلَكًا في غيره) كمَن حلفَ: لا يأكلُ سَمْنًا، فأكل خَبِيصًا فيه سَمْنٌ (ولم يَظْهر طعمُه فيه، لم يحنَث) وإنْ ظهر طعمُ شيءٍ من المحلوفِ عليه فيما أكله، حَنِث؛ لأكله المحلوفَ عليه (كما لو فعلَ المحلوفَ عليه) بأنْ حلفَ: لا يكلِّم زيدًا، أو: لا يدخلُ دارَ فلانٍ، ونحوَ ذلك، ففَعَله (مُكرَهًا) فلا يحنَث مُطْلقًا؛ لأنَّ الفعل في الإكراهِ غيرُ منسوبٍ إليه (أو) فعَله (ناسيًا، أو جاهلًا) فلا يحنَثُ (في غيرِ طلاقٍ وعَتَاقٍ) كيمينٍ بالله تعالى، ونذْرٍ، وظِهار؛ أمَّا الطلاقُ والعَتاقُ، فيحنَثُ فيهما، ولو ناسيًا أو جاهلًا؛ لأنَّهما حقُّ آدميٍّ، فلم يُعْذَر بذلك، كإتلاف المالِ. بخلاف اليمينِ بالله تعالى، ونحوِه؛ فإنَّها حقُّ

стр. 1338

أو فَعَلَ بعضَه. اللهِ تعالى، وقد رَفع سبحانه عن هذه الأُمَّةِ الخطأَ والنِّسيانَ. ومَن حلفَ (١) على مَن يمتنعُ بيمينه، كولدِه وزوجتِه، ففعله، مُكرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، كنفْسه، ومَن لا يمتنعُ بيمينه، من سُلطانٍ، أو غيرِه، يحنثُ بفعله مُطْلقًا (أو) حلَف: لا يفعلُ شيئًا، كما لو حلَف: لا يأكلُ هذا الرغيفَ، فـ (فعلَ) أي: أَكلَ (بعضَه) لم يحنَثْ؛ لعدم وجودِ المحلوفِ عليه، ما لم تكن نيَّةٌ أو سببٌ.

стр. 1339

باب النذر يَصحُّ مِن مكلَّفٍ ولو كافرًا. وإذا قال: لله عليَّ نذزٌ، ونحوَه؛ فكفَّارةُ يمينٍ. ونذرُ اللَّجاجِ والغضبِ يخيَّر فيه بينَه وبين كفَّارةِ يمينٍ، باب النذر هو لغةً: الإيجابُ؛ يقال: نَذرَ دمَ فلانٍ، أي: أوجبَ قتلَه. وشرعًا: إلزامُ مكلَّفٍ مختارٍ نفسَه لله تعالى شيئًا غيرَ مُحالٍ بكلِّ قولٍ يدلُّ عليه. (يصحُّ) النَّذْرُ (مِن) كلِّ (مكلَّفٍ) مختارٍ؛ فلا يصحُّ من صغير، ومجنون، ومُكرَه (ولو) كان (كافرًا) نَذرَ عبادةً، فيصحُّ؛ لحديث عمرَ: إنِّي كنتُ نَذرت في الجاهليَّة أن أعتكفَ ليلةً، فقال له النبي ﷺ : "أوْفِ بنذرِك" (١). (و) الصحيحُ من النَّذر ستَّةُ أقسامٍ: أحدُها: النذرُ المطلَق، كما (إذا قال: للهِ عليَّ ندزٌ) ولم يُسمِّ شيئًا (ونحوَه) كـ: إنْ فعلتُ كذا، فلِللّهِ عليَّ نَذرٌ. ولا نيَّةَ، وفَعلَه (فـ) يلزمُه (كفّارةُ يمينٍ) لحديث عُقبةَ ابنِ عامرٍ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "كفَّارةُ النَّذرِ إذا لم يُسَمّ كفّارةُ يمينٍ" رواه ابنُ ماجه، والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب (٢). (و) الثاني: (نذْرُ اللَّجاجِ والغضبِ) وهو تعليقُ نذرِه بشرطٍ، بقصد المنعِ منه أو الحملِ عليه، أو التَّصديقِ أو التكذيبِ، كقوله: إنْ كلَّمتُك، أو: إنْ لم أَضرِبْك، أو: إنْ لم يكن هذا الخبرُ صِدْقًا، أو كذِبًا، فعليَّ الحجُّ، ونحوه، فـ (يُخيَّر فيه) أي: في هذا النوعِ (بينَه) أي: بين فِعلِ ما نَذَره (وبين كفّارةِ يمينٍ) لحديث عمرانَ بنِ حُصينٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا نذرَ في غضبٍ، وكفّارتُه كفارةُ يمينٍ" رواه

стр. 1340

كنذر المباحِ. ونذرُ المكروهِ، كالطَّلاق، يُسنُّ أن يكفِّرَ ولا يَفعلَه. ونذرُ المعصيةِ، كالقتل، وشُربِ الخمرِ، يَحْرُم الوفاءُ به، ويكفِّرُ. ونذرُ التبرُّر، كالصَّلاة، والصَّوم، والحجِّ، ونحوِه، يَلَزم الوفاءُ به، ومنه: إنْ شفَى اللهُ مريضي، أو: سَلِمَ مالي، ونحوه؛ فللَّه عليَّ كذا، إذا وجد شرطُه. سعيدٌ في "سننه" (١). (كنذر المباح) كلُبْس ثوبِه، ورُكوب دابَّته. وهو النوعُ الثالث، فيُخيَّر فيه، كالذي قبلَه، بينَ فِعلهِ وكفَّارةِ يمينٍ. (و) الرابعُ: (نذرُ المكروهِ. كـ) نذرِ (الطَّلاقِ) ونحوِه، كأكل بصلٍ وثومٍ فـ (يُسنُّ أنْ يكفِّرَ ولا يفعلَه) كما لو حلفَ عليه. (و) الخامسُ: (نذرُ المعصيةِ. كـ) نذرِ (القتلِ وشُربِ الخمرِ) فـ (يَحْرُم الوفاءُ به) لحديث: "ومَن نذرَ أنْ يعصيَ اللهَ، فلا يَعصِه" (٢) (ويكفِّرُ) مَن لم يفعلْه كفَّارةَ يمينٍ. (و) السادسُ: (نذرُ التبرُّر. كالصَّلاة، والصَّوم، والحجِّ، ونحوِه) كالعُمرة بقصْد التقرُّب مطلقًا، فـ (يَلزمُ الوفاءُ به) أو معلَّقًا بحصول نِعمةٍ، أو دفعِ نِقمةٍ؛ كما أَشارَ إلى ذلك بقوله: (ومنه) أي: مِن نَذْر التبرُّرِ قولُه: (إنْ شفَى اللهُ مريضي، أو: سَلِم مالي) الغائبُ (ونحوه، فلِلّه عليَّ كذا) أو حلفَ بقصد التقرُّب، كـ: واللهِ إنْ سلم مالي لأَتصدَّقنَّ بكذا، فيَلزمُه الوفاءُ به (إذا وجد شرطُه) نصًّا، وكذا: إن طلعت الشمسُ، أو قَدِم الحاجُّ، فللّهِ عليَّ كذا. ذكَره في "المستوعِب"؛ لعموم حديثِ: "مَن نذرَ أنْ يطيعَ اللهَ، فليُطِعه" رواه البخاريُّ (٣).

стр. 1341

ومَن نذرَ الصدقةَ بماله كلِّه، أَجزأَه ثُلثُه. وإنْ نذرَ صومَ شهرٍ ونحوِه، لَزِمه تتابُعُه، لا أيامًا معدودةً، إلَّا بشرطِه أو نيَّتِه. (ومَن نذرَ الصَّدقةَ بماله كلِّه) وهو ممَّن تُسنُّ له الصدقةُ بكلِّ مالِه (أَجزأَه) أنْ يتصدَّقَ بـ (ثُلثه) ولا كفَّارةَ عليه، نصًّا. ولو نذرَ الصدقةَ بمسمًّى يزيدُ على ثُلُث مالِه، كألف، لَزِمه التَّصدقُ به؛ كما في "الإنصاف" (١). وقطعَ به في "المنتهَى" (٢). (وإنْ نذرَ صومَ شهرٍ) معيَّنٍ، كرجبٍ، أو مُطْلقٍ (ونحوِه) كسَنَةٍ (لَزِمه تتابعُه) لأنَّ إطلاقَ الشهرِ والسَّنة يقتضي التتابعَ، و (لا) يَلزمُه التتابعُ إنْ نذرَ (أيامًا معدودةً) كعشرةِ أيامٍ أو ثلاثينَ يومًا؛ لأنَّ الأيامَ لا تدلُّ على التَّتابع (إلَّا بشرطه) أي: التتابع، كأنْ يقولَ: متتابِعة (أو نيَّتِه) بأنْ ينويَ التتابُعَ حالَ النذرِ، فيَلزمُه.

стр. 1342

كتاب القضاء يلزمُ الإمامَ نصبُ قاضٍ في كلِّ إقليمٍ، واختيارُ أصلح من يجدُه له، ويأمرُه بتقوى اللهِ وتحرِّي العدلِ، فيقولُ: ولَّيتك، أو: قَلَّدتك الحكمَ. ونحوَه. وتفيدُ ولايةُ حكمٍ عامَّةٌ فصلَ الخصومةِ، وأخذَ الحقِّ، ودفعَه لمستحقِّه، والنظرَ في مالِ غيرِ رشيدٍ كتاب القضاء هو لغةً: إحكامُ الشيءِ والفراغُ منه، ومنه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: أدَّيتموها وفرغتم منها. واصطلاحًا: تبيينُ الحكِمِ الشَّرعيِّ والإلزامُ به، وفصلُ الحكوماتِ. وهو فرضُ كفايةٍ، فـ (يلزمُ الإمامَ نصبُ قاضٍ في كلِّ إقليمٍ) بكسرِ الهمزةِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يمكنهُ مباشرةُ الخصوماتِ في جميعِ البلدانِ بنفسِه (و) يلزمُ الإمامَ (اختيارُ (١) أصلحِ مَن يجدُه له) أي: للقضاءِ (ويأمرُه بتقوى اللهِ) تعالى؛ لأنَّها رأسُ الدِّينِ (و) يأمرُه بـ (تحرِّي العدلِ) أي: إعطاءِ الحقِّ لمستحقِّه من غير مَيْلٍ (فيقولُ) الإمامُ لمن يختارُه للقضاءِ: (ولَّيْتُكَ) الحكمَ (أو (٢) قلَّدتك الحكُمَ. ونحوَه) كـ: فوَّضتُ، أو رددت، أو جعلتُ إليك الحكمَ. (وتُفيدُ ولايةُ حكمٍ عامَّةٌ فصل الخصومةِ) بين الخصومِ (٣) (و) تفيد (أخْذَ الحقِّ ودفْعَه لمستحقِّه، و) تفيدُ (النَّظرَ في مالِ غيرِ رشيدٍ) كصغيرٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ

стр. 1343

لا وصيَ له، والحجرَ لسفهٍ أو فَلَسٍ، والنظرَ في وقوفِ عمله؛ لإجرائِها على وجهِها، وتنفيذَ الوصايا، وتزويجَ من لا وليَّ لها، وإقامةَ جمعةٍ وعيدٍ ونحوِه. وشروطُ قاضٍ كونُه مكلفًا، ذكرًا، حرًّا، مسلمًا، عدلًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، مجتهدًا ولو في مذهبِ إمامِه. (لا وصيَّ له) أي: لغيرِ الرشيدِ، وكذا مال غائبٍ (١) لا وكيلَ له، فإن كان ثمَّ وصيٌّ، أو وكيلٌ، قُدِّمَ على الحاكمِ (و) تفيدُ (الحجرَ) على من يستوجبُه (لسَفَهٍ، أو فلَسٍ، و) تفيدُ (النَّظر في وقوفِ عملِه) جمعُ وقْفٍ (لـ) أجلِ (إجرائِها على وجهِها) ويعملُ بشروطِها (وتنفيدَ الوصايا، وتزويجَ من لا وليَّ لها) من النساءِ (وإقامةَ جمعةٍ وعيدٍ ونحوه) كإقامةِ حدودٍ. (وشروطُ قاضٍ) عشرُ صفاتٍ: (كوْنُه مكلَّفًا) أي: بالغًا عاقلًا؛ لأنَّ غيرَ المكلَّفِ تحتَ ولايةِ غيرِه (ذكرًا) لقولِه ﷺ : "ما أفلحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (٢). (حرًّا) لأنَّ الرقيقَ مشغولٌ بحقوقِ سيِّدِه (مسلمًا، عدلًا)؛ لأنَّ الكافرَ والفاسقَ لا يكونُ كلٌّ (٣) منهما شاهدًا، فأوْلَى ألَّا يكونَ قاضيًا. (سميعًا) يسمعُ (٤) كلامَ الخصمين (بصيرًا) لِيَعرِفَ المدَّعِي من المدَّعَى عليه (متكلِّمًا) لِيتمكَّن من النطقِ بالحكمِ، والأخرسُ لا يفهمُ كلُّ الناسِ إشارتَه (مجتهدًا) لقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. (ولو) كان مجتهدًا (في مذهبِ إمامِه) المقلِّدِ له للضرورةِ بعدمِ المجتهدِ المطلَقِ فيُراعِي ألفاظَ إمامِه، ومتأخِّرها، ويقلِّدُ كبارَ مذهبِه في ذلك، وَيحكمُ به، ولو اعتقدَ خلافَه. قال الشيخُ تقيُّ الدين: وهذا الشرطُ يُعتبرُ حسبَ الإمكانِ، واختار

стр. 1344

ومن حكَّمه اثنان بينَهما صالحًا للقضاءِ، نفذَ حكمُه في المالِ وغيرِه. فصل ينبغي أن يكونَ القاضي قويًّا بلا عنفٍ، ليِّنًا بلا ضعفٍ، حليمًا، فَطِنًا، عارفًا بأحكامِ الحكَّامِ قبلَه. وليكن مجلُسه وسطَ البلدِ فسيحًا. بعضُهم: أو مقلِّدًا. وفي "الإنصافِ" (١): قلت: وعليه العملُ من مدَّةٍ طويلةٍ، وإلَّا لتعطَّلت أحكامُ الناس. انتهى. قلت: وهو معنى كلامِ الشيخِ تقيِّ الدين المتقدِّمِ. (ومن حكَّمَه) بتشديدِ الكافِ (اثنان (٢) بينَهما) حالَ كونِه (صالحًا للقضاءِ) فحكَمَ بينهما (نفَذ حكمهُ في المالِ وغيرِه) كالحدودِ، وكلِّ ما ينفُذُ فيه حُكمُ من ولَّاهُ إمامٌ، أو نائبُه؛ لأنَّ عمرَ وأُبُيًّا تحاكَما إلى زيدِ بنِ ثابت (٣)، وتحاكمَ عثمانُ وطلحةُ إلى جُبير ابن مطْعِمٍ (٤)؛ ولم يكن أحدٌ ممَّن (٥) ذكَرنا قاضيًا. فصل في أدبِ القاضي (ينبغي) أي: يُسَنُّ (أن يكونَ القاضي قويًّا بلا عُنفٍ) لئلَّا يطمعَ فيه الظالمُ. والعُنْفُ: ضدُّ الرِّفقِ (ليِّنًا بلا ضعْفٍ) لئلَّا يهابَه صاحبُ الحقِّ (حليمًا) لئلَّا يغضبَ من كلام الخصمِ (فَطِنًا) لئلَّا يَخدَعَه بعضُ الأخصامِ. وأن يكونَ ذا أناةٍ (٦) (عارفًا بأحكامِ الحُكَّامِ قبلَه) ليعتبر بهم (٧) في بعضِ المهمَّاتِ. (وليكن مجلسُه وسطَ البلدِ) إن أمكنَ؛ ليستويَ أهلُ البلدِ في المضيِّ إليه. وليكن مجلسُه (فسيحًا) واسعًا لا يتأذَّى فيه بشيءٍ.

стр. 1345

وله القضاءُ في المسجدِ، ويصونُه عمَّا لا يليقُ فيه. ويعدلُ بين الخصمين في لحظِه ولفظِه، ومجلسِه، ودخولٍ عليه. وينبغي أن يُحضِرَ مجلَسه فقهاءَ المذاهبِ، ويشاورَهم فيما يشكلُ. ويحرمُ القضاءُ وهو غضبان كثيرًا، وحاقنٌ ونحوه، فإن فعلَ، نفذَ، إن أصابَ الحقَّ، ويحرُم قبولُه رشوةً، (وله القضاءُ في المسجدِ) بلا كراهةٍ (ويصونُه عمَّا لا يليقُ فيه) من نحوِ رفعِ صوتٍ. (ويعَدِلُ) وجوبًا (بينَ الخصمين في لَحْظِه) أي: ملاحظتِه (ولَفْظِه) أي: كلامِه لهما (ومجلِسِه، ودخولٍ (١) عليه) إلَّا مسلمًا مع كافرٍ، فيقدَّمُ دخولًا، ويرفعُ جلوسًا. (وينبغي) أي: يُسَنُّ للقاضي (أن يُحضِرَ) بضمِّ الياء (مجلَسَه فقهاءَ المذاهب، ويشاورَهم فيما يُشكلُ) عليه إن أمكنَ. فإن اتَّضحَ له الحكمُ، وإلَّا أخَّرَه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. (ويحرُمُ القضاءُ وهو غضبان كثيرًا) لخبرِ أبي بكرةَ (٢) مرفوعًا: "لا يَقضينَّ (٣) حاكمٌ بين اثنين وهو غضبان" متَّفَقٌ عليه (٤) (أو) وهو (حاقِنٌ ونحوه) كفِي شِدَّةِ جوعٍ، أو عطشٍ، أو همٍّ (فإن فَعلَ) أي: حكَمَ في حالِ من تلك الأحوالِ (نفَذَ) حكمهُ (إن أصابَ الحقَّ. ويحرُمُ) على قاضٍ (قبولُه رشوةً) لحديثِ ابنِ عمرَ قال: "لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ الراشِي والمرتشِي". قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥)

стр. 1346

وكذا هديَّة إلَّا ممَّن كان يهاديه قبلَ ولايتِه، إن لم تكن له حكومةٌ، ويستحبُّ أن يحكمَ بحضرةِ شاهدَيْن، ولا ينفذُ حكمُه لنفسِه، ولا لمن تردُّ شهادتُه له، ومن ادَّعى على غيرِ برزةٍ أُمرت بالتوكيلِ، فإن لزمَها يمينٌ، أرسلَ من يُحلِّفها، وكذا مريضٍ. (وكذا) يحرُمُ على القاضي (هدِيَّة) لقولِه ﷺ : "هدايا العمالِ غُلُولٌ" رواه أحمدُ (١) (إلَّا) إذا كانت الهديةُ (ممَّن كان يُهاديه قبلَ ولايتِه) فتجوزُ (إن لم تكن له) أي: للمهادِي (حكومةٌ) فتحرُمُ. (ويُستحبُّ أن يحكمَ بحضرةِ (٢) شاهدَيْن) ليستوفيَ بهما الحقِّوقَ. (ولا ينْفُدُ (٣) حكمهُ لنفسِه، ولا لمن تردُّ شهادتُه له) كوالدهِ وولدهِ وزوجتِه، ولا على عدوِّه، كالشهادةِ. (ومن ادَّعَى على) امرأةٍ (غيرِ بَرْزَةٍ) أي: طلبَ من الحاكمِ إحضارها؛ للدعوى عليها، لم يأمرِ الحاكمُ بإحضارِها، و (أُمِرت بالتوكيلِ) للعذرِ، فإن كانت بَززةً -وهي التي تبرُزُ لقضاءِ حوائجِها- أُحضِرت (فإن لزمَها) أي: غير البَرْزةِ (يمينٌ، أرسلَ) الحاكمُ (من يُحلِّفُها) فيبعثُ شاهدين؛ لتستحلفَ بحضرتهِما. (وكذا) لا يلزمُ إحضارُ (مريضٍ) بل يؤمرُ بالتوكيلِ؛ فإن لزمته يمينٌ، أُرسلَ مَن يحلِّفُه.

стр. 1347

باب طريق الحكم وصفته إذا حضرَ إليه خصمانِ، أجلسَهما وقدَّمَ من سبقَ بالدعوى، فإن أقرَّ مدَّعًى عليه، حكمَ بسؤالِ مدَّعٍ، وإن أنكرَ، قال لمدَّعٍ: إن كان لك بيِّنة فأحضرها إن شئتَ. فإن أحضرَ، سمعَها ولا يتعنَّتها، ولا يردِّدها، وحكمَ له بها، ولا يحكمُ بعلمِه، وان قال: مالي بيِّنةٌ. عرَّفَه أنَّ له اليمينَ على خصمِه. باب طريق الحكم وصفته طريقُ كلِّ شيءٍ: ما توصلَ به إليه. والحكمُ: فصلُ الخصوماتِ. (إذا حضَرَ إليه خصمان، أجلسهَما) نَدْبًا بين يديه، ثُمَّ له أن يسكتَ حتَّى يبدأَ أحدُهما، وله أن يقولَ: أيُّكما المدَّعِي (وقدَّمَ مَن سَبقَ) منهما (بالدعوى) فإن ادَّعَيَا معًا، قدَّمَ من قَرَعَ (فإن أقرَّ مدَّعًى عليه، حكَم) قاضٍ (بسؤالِ مدَّعٍ) له؛ لأنَّ الحقِّ في الحكمِ للمدَّعِي، فلا يستوفَى إلَّا بطلبِه (وإن أنكرَ) بأن قال لمدَّعٍ قرْضًا أو ثمنًا: ما أقرضني، أو: ما باعني، أو: لا يستحقُّ عليَّ ما ادعاه ولا شيئًا (١) منه، أو: لا حقَّ له عليَّ. صحَّ الجوابُ، ما لم يَعترف بسببِ الحقِّ، و (قال) الحاكمُ (لمدَّعٍ: إن كان لك بيِّنَة فأحضرْها إن شئت. فإن أحضرَ (٢)) البيِّنةَ (٣)، لم يسألها، ولم يلقِّنها، فإذا شَهِدَت (سَمِعها، ولا) يجوزُ له أن (يَتَعَنَّتَها) أي (٤): يطلبَ زَلَّتها (ولا) أن (يردِّدَها (٥) وحكمَ له بها) إذا اتَّضحَ الحكمُ، وسأله المدَّعِي. (ولا يحكمُ) القاضي (بعلمِه) ولو في غيرِ حَدٍّ؛ لإفضائِه إلى التُّهمَةِ والحكمِ بما يشتهي. (وإن قال) المدَّعِي: (مالي بيِّنةٌ. عرَّفَه) الحاكمُ (أن له اليمينَ على خصمِه) لما رُوِيَ: أنَّ رجلين اختصَما إلى النبيِّ ﷺ

стр. 1348

فإن سألَ إحلافَه، اْحلفَه على صفةِ جوابهِ، وخلَّى سبيلَه، وإن نكلَ، قال له: إن حلفتَ، وإلَّا قضيتُ عليك بالنكولِ. فإن لم يحلفْ، قضى عليه، وإن أحضرَ مدَّعٍ بيِّنةً بعدَ حلفِ منكرٍ، حكمَ بها، إلَّا إن كان قال: لا بيِّنةَ لي. ونحوَه، بخلافِ: لا أعلمُ لي بيِّنةَ. فصل ولا تصحُّ الدعوى إلَّا محرَّرةً حَضْرَميِّ وكِنْديِّ، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا غلبني على أرضٍ لي. فقال الكنديُّ: هي أرضي، وفي يدي، وليس له فيها حقٌّ. فقال النبي للحضرميِّ: "ألكَ بيِّنةٌ"؟ قال: لا. قال: "فلك يمينُه" حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (١)، قاله في "شرحِ المنتهى" (٢). (فإن سأل) المدَّعي من القاضي (إحلافَه) أي: المدَّعَى عليه (أحلفه) الحاكمُ، وتكونُ يمينُه (على صفه جوابِه وخلَّى سبيلَه) بعدَ تحليفهِ (وإن نَكلَ) أي: امتنعَ المدَّعَى عليه من اليمينِ (قال له) الحاكمُ: (إن حلفتَ) خلَّيتُ سبيلَك (وإلَّا) تحلف (قضيتُ عليك) بالحقِّ (بالنُّكولِ) أي: بسببهِ (فإنْ لم يحلفْ، قضَى عليه. وإن أحضرَ مدَّعٍ بيِّنةً بعدَ حلفِ منكرٍ، حكمَ) القاضي (بها) ولم تكنِ اليمينُ مزيلةً للحقِّ (إلَّا إن كان) المدَّعِي (قال: لا بيِّنةَ لي. ونحوَه) كما لو قال: كلُّ بيِّنةٍ أقيمُها، فهي زورٌ، أو باطلةٌ. فلا تسمعُ بيِّنتُه بعدُ؛ لأنَّه مكذِّبٌ لها (بخلافِ) قولِه: (لا أعلمُ لي بيِّنةً) فتسمعُ إذا أقامَها؛ لأنَّه ليس مكذِّبًا لها. فصل (ولا تصحُّ الدعوى إلَّا محرَّرةً) لأنَّ الحكمَ مرتَّبٌ عليها، ولذلك قال رسول الله ﷺ :

стр. 1349

معلومةَ المدَّعى به إلَّا ما يصحُّ مجهولًا من وصيَّةٍ، ومهرٍ، وخُلعٍ منفكَّة عمَّا يكذِّبُها. ومن ادَّعى عقدَ نكاحٍ، أو بيعٍ، أو نحوِه، أو شهدَ به؛ ذكرَ شروطَه. وإن ادَّعت امرأةٌ نكاحًا؛ لطلبِ مهرٍ، أو نفقةٍ ونحوِه، سُمعت دعواها. وإلَّا، فلا، وإن ادَّعى إرثًا، ذكرَه، "وإنَّما أقضي على نحوِ ما أسمعُ" (١). ولا تصحُّ أيضًا إلَّا (معلومةَ المدَّعَى به) بأن تكونَ بشيءٍ معلومٍ؛ ليتأتَّى الإلزامُ به (إلَّا) الدعوى بـ (ــــــما يصحُّ مجهولًا من وصيَّةٍ ومهرٍ وخُلعٍ) فلا يُشترطُ علمُه كما تقدَّمَ، فيصحُّ بعبدٍ من عبيدِه. ويشترطُ أن تكونَ (منفكَّة) أي: خاليةً (عمَّا يكذِّبُها) فلا تصحُّ (٢) على إنسانٍ بأنَّه قتَلَ، أو سرَقَ من عشرين سنةً وعمرُه دونَها. (ومن ادَّعَى عقْدَ نكاحٍ أو (٣) (عقْدَ (بيعٍ، أو نحوِه) كإجارةٍ، ذَكَر شروطَه (أو شهدَ به) أي: بالعقدِ (ذكَرَ شروطَه) لاختلافِ الناسِ فيها، فقد لا يكونُ العقدُ صحيحًا عندَ القاضي. وإن ادَّعَى استدامةَ الزوجيَّةِ، لم يُشترطْ ذكرُ شروطِ العقد. (وإن ادَّعتِ المرأةُ نكاحًا لطلبِ مهرٍ، أو نففةٍ ونحوِه، سُمعت دعواها) لأنَّها تدَّعِي حقًّا تُضيفُه إلى سببِه (وإلَّا) تدَّعِ سوى (٤) النكاحِ (فلا) تسمعُ دعواها؛ [لأنَّه حقٌّ للزوجِ عليها، فلم تُسمَعْ دعواها] (٥) حقًّا لغيرِها. (وإن ادَّعَى إرثًا، ذكرَه) أي: ذكرَ سببَه؛ لاختلافِها، فلا بُدَّ من تعيينهِ (٦) ............

стр. 1350

أو قتلًا، وصفَه. ويعتبرُ في البيِّنةِ العدالةُ ظاهرًا وباطنًا في غيرِ نكاحٍ، فإن جهلَ عدالتَها، سألَ عنها، وإن علمَها، عملَ بها. وإن جرحَ الخصمُ الشهودَ، كُلِّفَ البيِّنةَ له، وأُمهلَ ثلاثةَ أيامٍ إن طلبَه، ولمدَّعٍ ملازمتُه، فإن لم يأتِ ببيِّنةٍ، حكمَ عليه. وتزكيةٌ وجَرْحٌ وترجمةٌ وتعريفٌ عندَ حاكمٍ كشهادةٍ على ما يأتي تفصيلُه. (أو) ادَّعَى (قتلًا) لمورِّثه (وصَفه) أي: القتلَ، فيقولُ: قتلَه بسيفٍ أو عصًا ونحوِهما، ويذكرُ كونَه عمدًا (١) أو غيرَه، وأنَّ القاتلَ انفردَ بقتلِه أو لا. (ويُعتبرُ في البيِّنةِ العدالةُ ظاهرًا وباطنًا) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. (في غيرِ نكاحٍ) فتكفي نيه العدالة ظاهرًا كما تقدَّمَ (فإن جهلَ) الحاكمُ (عدالتَها، سألَ عنها) مَن له خبرةٌ باطنةٌ بصحبةٍ أو معاملةٍ ونحوِها (٢) (وإن عَلمَها) أي: علمَ القاضي عدالةَ البيِّنة (عَمِلَ بها) ولم يحتج لتزكيةٍ، وكذا لو علمَ فسقَها، لم يحتجْ لجرْحٍ. (وإن جَرَحَ الخصمُ الشهودَ) [أي: أظهرَ فيهم ما تُرَدُّ به شهادتُهم] (٣) (كُلِّفَ) بالبناءِ للمفعولِ؛ أي: كلَّفَه القاضي (البيِّنةَ له) أي: للجَرْحِ (وأمهلَ) من ادَّعى الجرحَ (ثلاثةَ أيامٍ إن طلبَه) أي: الإمهالَ، ولا بُدَّ من بيانِ سبب الجرحِ عن رؤيةٍ أو استفاضةٍ. (ولمدَّعٍ ملازمتُه) أي: ملازمةُ خصمِه في مدَّةِ الإمهالِ؛ لئلَّا يهربَ (فإن لم يأتِ) مدَّعي الجرحِ (ببيِّنةٍ، حكمَ عليه) لأنَّ عجزَه عن إقامةِ البيِّنةِ فيها دليلٌ على عدمِ ما ادَّعاه من الجرحِ. (وتزكيةٌ وجَرحٌ وترجمةٌ وتعريفٌ عندَ حاكمٍ كشهادةٍ) في العدالةِ والعددِ وغيرِهما (على ما يأتي تفصيلُه) في الشهاداتِ.

стр. 1351

ولا تسمعُ الدعوى على حاضرٍ بالبلدِ، أو قربهِ حتَّى يحضرَ مجلسَ الحكمِ، ما لم يتوارَ، فتسمعُ عليه الدعوى والبيِّنةُ، ويحكمُ عليه كغائبٍ مسافةَ قصرٍ، وهو على حجَّتِه إذا حضرَ. ويقبلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في كلِّ حقِّ آدميٍّ حتَّى قذفٍ، لا زنًى ونحوِه، فيقرأه القاضي الكاتبُ، ويشهدهما عليه. فصل لا تجوزُ قسمةُ ملكٍ لا ينقسمُ (ولا تُسمعُ الدعوى على) شخصٍ (حاضرٍ (١) بالبلدِ أو قُربه) دونَ مسافةِ قصْرٍ (حتَّى يحضُرَ) المدعَى عليه (مجلسَ الحكمِ) لأنَّه أمكنُ لسؤالِه، فلم يجزِ الحكمُ عليه قبلَه (ما لم يتوارَ) حاضرٌ أي: يستتر (فتسمعُ عليه الدعوى والبيِّنةُ ويحكمُ عليه) بها؛ لتعذُّرِ حضورهِ (كـ) ما تسمعُ الدعوى والبيِّنةُ على (غائبٍ مسافةَ قصرٍ) ويحكمُ بها على الغائبِ (وهو) أي: الغائبُ (على حُجَّتِه إذا حضَر. ويُقبلُ كتابُ القاضي الى القاضي في كلِّ حقِّ آميٍّ) كقرْضٍ وبيعٍ وإجارةٍ (حتَّى قَذْفٍ) وطلاقٍ. و (لا) يقبلُ في حدودِ اللهِ تعالى كحدِّ (زنًى ونحوِه) كشربِ خمرٍ؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على السترِ والدَّرءِ بالشبهاتِ. وإنَّما يُقبلُ كتابُ القاضي فيما ثبتَ عندَه؛ ليحكمَ به القاضي المكتوبُ إليه، بشرطِ أن يكونَ بينهما مسافة قصرٍ (فيقرأُه) أي: الكتابَ (القاضي الكاتبُ) على عدلَين (ويُشهدُهما عليه) فيقولُ: اشهدَا أن هذا كتابي إلى فلان بنِ فلان، أو إلى من يصلُ إليه كتابي من قضاةِ المسلمين. ثُمَّ يدفعُه إليهما، فإذا دفعَاه الى المكتوبِ إليه وشهدَا أنَّه كتابُ فلانٍ إليه، لَزِمَه العملُ به. فصل في القسمةِ وهي نوعان: قسمةُ تراضٍ وأشارَ إليها بقولهِ: (لا تجوزُ قِسمةُ مِلكٍ لا ينقسمُ

стр. 1352

إلَّا بضررٍ، أو ردِّ عوضٍ، كالدورِ الصغارِ والحمَّامِ ونحوِه إلَّا برضا الشركاءِ كلِّهم، ولا يجبرُ من امتنعَ منها، بل يباعُ، أو يؤجرُ بطلبِ بعضِهم. وما لا ضررَ فيه، ولا ردَّ عوضٍ، كقريةٍ، وأرضٍ، ودارٍ كبيرةٍ، ودكَّانٍ واسعةٍ، ومكيلٍ، وموزونٍ من جنسٍ، يجبرُ ممتنعٌ بطلبِ شريكِه، وهي إفرازٌ، إلَّا بضررٍ) ولو على بعضِ الشركاءِ بأن تنقصَ القيمةُ بالقسمةِ (أو) لا تنقسمَ إلَّا بـ (ــــردِّ عِوَضٍ) من أحدِهما على الآخرِ (كالدُّورِ (١) الصغارِ، والحمَّامِ) الصغيرِ (ونحوِه) كالطاحونِ الصغيرِ (إلَّا برضا الشركاءِ كلِّهم) لحديثِ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ" رواهُ أحمدُ وغيرُه (٢). وهذه القسمةُ في حكم البيعِ، تجوزُ بتراضيهِما، ويجوزُ فيها ما يجوز (٣) فيه خاصَّةً. و (لا يجبرُ) منهما (من امتنعَ منها) لأنَّها معاوضةٌ (بل يباعُ) الملكُ (أو يؤجَرُ بطلبِ بعضِهم) فإن أَبى، باعَه الحاكمُ، وقَسَمَ الثمنَ بينهما على قدرِ حصصِهما. والوقفُ يؤجرُه حاكمٌ على ممتنعٍ، ويقسمُ أجرتَه كذلك. والنوعُ الثاني: قسمةُ إجبارٍ، وقد ذكرَها بقولِه: (ومالا ضَررَ فيه) أي: في قَسمِه (ولا ردّ عِوضٍ) فيه (كقريةٍ وأرضٍ) واسعةِ (ودارٍ كبيرةٍ، ودُكَّانٍ واسعةٍ، ومكيلٍ وموزونٍ من جنسٍ) واحدٍ، كالأدهانِ والألبانِ ونحوِها، (يُجبرُ ممتنعٌ بطلبِ شريكهِ) القسمةَ، وَيقسمُ عن غيرِ مكلَّفٍ وليُّه، فإن امتنعَ، أُجبرَ. وَيقسمُ حاكمٌ على غائبٍ بطلبِ شريكهِ أو وليِّه. (وهي) أي: قسمةُ الإجبارِ: (إفرازٌ) لحقّ أحدِ الشريكين من الآخرِ لا بيعٌ (٤)

стр. 1353

فتجوزُ في لحمِ هديٍ، وأضاحي. وللشركاءِ القسمةُ بأنفسهِم، وبقاسمٍ ينصبونه، وأن يسألوا الحاكمَ نصبَه، وأجرتُه على قدرِ الأملاكِ، وتلزمُ بتراضيهم وتفرُّقِهم، وبالقرعةِ، وكيفما اقترعوا، جازَ، وتبطلُ بغبنٍ فاحشٍ. (فتجوزُ في) قسم (لحمِ هَدْيٍ وأضاحي) مع أنَّه لا يصحُّ بيعُ شيءٍ منهما (١). (و) يجوزُ (للشركاء القسمةُ بأنفسهم، و) أن يتقاسمُوا (بقاسمٍ بنصبونَه، و) يجوزُ (أن يسألُوا الحاكم نصبَه) وتجبُ عليه إجابتُهم؛ لقطعِ النزاعِ، وشُرطَ إسلامُه وعدالتُه ومعرفتُه بها، ويكفي واحدٌ إلَّا مع (٢) تقويمٍ، فلابدَّ من اثنين (وأجرتُه) أي: القاسمِ على الشركاءِ (على قدرِ (٣) الأملاكِ) ولو شُرطَ خلافُه، ولا ينفردُ بعضُهم باستئجارِه. وتُعدَّلُ سهامٌ بالأجزاءِ إن تساوت، كالمكيلاتِ والموزوناتِ غير المختلفةِ، وبالقيمةِ إن اختلفَت، وبالردِّ إن اقتضته (وتلزمُ) القسمةُ إذا خيَّرَ بعضُهم بعضًا (بتراضيهم وتفرُّقِهم) بأبدانِهم (و) تلزمُ أيضًا (بالقرعةِ) منهم أو من القاسمِ إذا تراضيَا عليها وخرجَت نصًّا (وكيفما اقترعُوا، جازَ) بالحصى أو غيرِه. ومن ادَّعَى غلطًا فيما تقاسماه بأنفسِهما، وأشهدَا على رِضاهما به، لم يلتفتْ إليه، وفيما قسَمه قاسمُ حاكمٍ، أو قاسمٌ نصباه، يُقبلُ ببيِّنةٍ، وإلَّا، حلفَ منكرٌ (وتبطلُ) القسمةُ (بغَبْنٍ فاحشٍ) لفواتِ شرطِها، وهو التعديلُ. فصلٌ في الدَّعاوى والبيِّنات المدَّعي: مَن، إذا سكَت، تُركَ. والمدَّعَى عليه: مَن إذا سكَت، لم يُترك.

стр. 1354

فصل لا تصحُّ الدعوى والإنكارُ إلَّا من جائزي التصرُّفِ، غيرَ ما يؤاخذُ به السفيهُ في الحالِ، وإن تداعيَا عينًا بيدِ أحدِهما، فهي له بيمينِه. فإن أقامَ كلٌّ منهما بيِّنةً، قُدِّمت بيِّنةُ خارجٍ، وإن كانت بيديهِما ولا بيِّنةَ، تناصَفا، و (لا تصحُّ الدعوى و) لا (١) (الإنكارُ) لها (إلَّا مِن جائزي (٢) التصرُّفِ) بأن يكونا حرَّين مكلَّفين رشيدين (غير ما يؤاخدُ به السفيهُ في الحالِ) لو أقرَّ به، كطلاقٍ وحَدٍّ فيَصِحُّ منه إنكاره. (و (إن تداعيا عيْنًا) أي: ادَّعى كلٌّ منهما أنَّها له وهي (بيدِ أحدِهما، فهي له) أي: فالعينُ لمن هي في يدِه (بيمينهِ) إلَّا أن يكونَ له بيِّنةٌ ويُقيمُها، فلا يَحلفُ معها؛ اكتفاءً بها (فإن أقامَ كلُّ) واحدٍ (منهما بيِّنةً) أنَّ العينَ له (قُدِّمت بينِّةُ خارجٍ) وهو من ليست العينُ بيدِه، ولغت بيِّنةُ الداخلِ؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: "لو يُعْطَى الناسُ بدعواهم، لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه" رواهُ أحمدُ ومسلمٌ (٣). ولحديثِ: "البيِّنةُ على المدَّعي، واليمين على من أنكرَ"، رواهُ الترمذيُّ (٤). وإن لم تكنِ العينُ بيدِ أحدٍ ولا ثَمَّ ظاهرٌ، تحالفا وتناصفَاها. وإن وجدَ ظاهرٌ لأحدِهما، عُملَ به، فلو تنازعَ الزوجانِ في قُماشِ البيتِ ونحوِه، فما يصلُح لرجلٍ، فلَه، ولها، فلها، ولهما، فلهما (وانْ كانت) العينُ (بيديهما ولا بيِّنة) لأحدهما، تحالفا، و (تناصفا) ها، فإن قويت يد أحدهما، كحيوانٍ أحدُهما سائقُه، والآخر راكبُه، فهو للثاني، لقوةِ يدِهِ.

стр. 1355

وبيدِ ثالثٍ لم ينازع، ولم يقرَّ بها لأحدٍ، اقترعَا عليها. (و) إن كانت العينُ (بيدِ ثالثٍ لم (١) ينازِعْ) أي: لم يدَّعها لنفسِه (ولم يقرَّ) الثالثُ (بها لأحدِ) المتنازعين، أخذاها منه و (اقترعا عليها) فمن قرَع، حلَف وأخذها نصًّا؛ لحديثِ: "أنَّ رجلين تداعيا في دابَّةٍ ليس لواحدٍ منهما بينةٌ، فأمرهما رسولُ الله ﷺ أن يَستهما على اليمينِ (٢) أحبَّا أو كرِها (٣) " رواه أحمدُ وغيرهُ (٤). فإن ادَّعاها الثالثُ لنفسِه، حلَفَ لكلِّ واحدٍ يمينًا، فإن نَكلَ، أخذَاها منه كما تقدَّمَ. وان أقرَّ بها لهما، اقتسماها وحلَف لكل يمينًا بالنسبة إلى النصفِ الذي أقرَّ به لصاحبِه، وحلَفَ كلٌّ لصاحبه على النصف المحكوم له به. وإن قال: هي لأحدهما، وأجهلُه. فصدَّقاه، لم يُحلّف، وإلَّا، حلف يمينًا واحدةً واقترعا عليها، كما تقدم.

стр. 1356

كتاب الشهادات تحمُّلُها وأداؤُها فرضُ عينٍ على من قَدَر عليه، بلا ضررٍ في بدنِه، أو عرضِه، أو مالِه، أو أهلِه، فيحرُم كتمانُها، ولا يَشهَدُ إلَّا بما علِمه كتاب الشهادات واحدُها شهادة، مشتقَّةٌ من المشاهدِة؛ لإخبارِ الشاهدِ عمَّا شاهدَه، أي: رآه. ومِن ثَمَّ قيل لمحضَر الناس: مَشْهَد؛ لأنَّهم يرونَ فيه ما يحضرونَه. وهي عُرْفًا: الإخبارُ بما عَلِمه بلفظ: أشهدُ، أو: شَهِدْتُ. (تحمُّلُها) أي: الشهادةِ، فرضُ كفايةٍ، في غير حقِّ الله تعالى، فإذا قامَ به مَن يكفي، سَقَط عن غيره. فإنْ لم يوجد إلَّا من يكفي، تعيَّن عليه، ولو عبدًا، وليسَ لسيِّده منعُه. (وأداؤها) أي: الشهادةِ (فرضُ عَيْنٍ على مَن) تحمَّلَ ودُعيَ إلى أداءٍ، و (قَدَر عليه، بلا ضررٍ في بدنِه أو عرضِه، أو مالهِ، أو أهله) وكانَ بدونِ مسافةِ قصرٍ، ولو عندَ سلْطانِ لا يخافُ ضرره؛ فإنْ كانَ عليه ضَرَرٌ في التحمُّل أو الأداءِ، في بدنِه أو غيرهِ مِمَّا ذُكرَ، لم يلزمْه. (فيَحْرُمُ كتمانُها) بلا ضررٍ (ولا) يحلُّ أنْ (يَشهدَ) أحدٌ (إلَّا بما عَلِمه) لقولِ ابن عبَّاس: سُئِل النبي ﷺ عن الشهادةِ قال: "ترى الشمس"؟، قال: "على مِثلِها فاشهدْ أو دَعْ" رواه الخلَّال في "جامعه" (١). والمرادُ العلمُ بأصلِ المُدرَكِ لا دوامُه؛ ولذلك يَشهدُ بالدَّين مع جواز دفعِه، وبالبيع والإجارة مع جوازِ الإقالةِ.

стр. 1357

برؤيةٍ، أو سماعٍ، أو استفاضةٍ فيما يتعذَّرُ علمُه غالبًا بدونها، كنسبٍ، وموتٍ، ونكاحٍ، ومِلْكٍ مطلقٍ، ووقفٍ، ونحوه. ومَنْ شهِد برضَاعٍ أو غيرِه، وصفَهُ، وبزنًى، ذَكَرَ مكانَه، وزمانَه، والمزنيِّ بها، ونحوه. فصل يُشترَطُ فيمَنْ تقبَلُ شهادتُه: البلوغُ، فلا شهادةَ لصبيٍّ مطلقًا. والعلمُ إمَّا (برؤيةٍ أو سَماعٍ) من مشهودٍ عليه، كعتقٍ، أو طلاقٍ، أو عقدٍ، فيلزمه أنْ يشهدَ بما سمعَ، ولو كان مستخفيًا حين تحمَّل (١). (أو) عَلمه بـ (استفاضةٍ فيما يتعذَّر علمُه غالبًا بدونِها، كنَسبٍ وموتٍ ونكاحٍ) عقدًا أو دوامًا (ومِلكٍ مُطلقٍ) بخلافِ قولِ شاهدٍ: مَلَكَهُ بالشراء. فلا يكفي فيه الاستفاضةُ (ووقفٍ ونحوِه) كعتقٍ، وخُلعٍ، وطلاقٍ. ولا يَشهَدُ بالاستفاضةِ إلَّا عن عددٍ يَقَعُ بهمُ العلم. (ومَن شَهِدَ برضاعٍ أو غيرهِ، وصفَه) فمنْ شهد بعقدٍ، ذَكَرَ شروطه، ويَذكرُ في رَضاعٍ عددَ الرضعاتِ، وأنَّه شَرِبَ من ثديِها، أو من لبنٍ حُلِبَ منه. (و) مَن شَهِد (بزنًى ذكَرَ مكانَه، وزمانَه) الذي وقع فيه الزِّنى (و) ذَكَرَ (المزنَّي بها ونحوه) بأَن يَذكُرَ كيفَ زنى بها، من كونهما نائمينِ أو جالسين، وأنَّه رأى ذكَره في فرجِها. فصلٌ (يُشترط فيمن تُقبل شهادتُه) ستَّةُ شروطٍ: أحدها: (البلوغُ، فلا) تُقبلُ (شهادة لصبيٍّ مطلقًا) أي: سواءٌ شَهِدَ على مثلِه، أَوْ لا.

стр. 1358

والعقلُ، فلا تقبلُ من مجنونٍ ونحوِه، إلَّا من يُخَنَّق أحيانًا، إذا شَهِدَ في إفاقتِه. والإسلامُ، فلا شهادةَ لكافرٍ إلَّا في الوصيةِ في صورةٍ خاصَّةٍ. والكلامُ، فلا شهادةَ لأخرسَ، ولو فُهمَتْ إشارتُه، إلَّا إذا أدَّاها بخطِّه. والحفظُ، والعدالةُ، ويعتبرُ لهما شيئان: (و) الثاني: (العقلُ، فلا تُقْبَلُ) شهادةٌ (من مجنونٍ ونحوه) كمعْتُوهٍ (إلَّا من يُخَنَّقُ أحيانًا) فتُقْبَلُ شهادتُه (إذا شَهِد) أي: تحمَّلَ وأدَّى (في) حال (إفاقتِه) لأنَّها شهادةٌ من عاقل. (و) الثالثُ: (الإسلامُ) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (فلا شهادةَ لكافرٍ) ولو على مِثله (إلَّا في الوصيَّةِ في صورةٍ خاصَّةٍ) وهي: أنْ يشهدَ رجلان كتابيَّانِ عند عَدمِ مسلمٍ بوصيَّة ميِّت بسفرٍ، مسلمًا كان المُوصِي أو كافرًا، ويُحَلِّفُهما حاكمٌ وجوبًا بعدَ العَصْر (١): لا نشتري به ثمنًا، ولو كان ذا قُرْبَى، وما خانا ولا حَرَّفا، وإنَّها لوصيةٌ، فإن عُثِر على أنَّهما استحقَّا إثمًا، فآخرانِ من أولياءِ المُوصي يحلفان بالله لشهادتُنا أحقِّ من شهادتِهما، ولقد خَانا وكتما. ويُقْضَى لهم. (و): الرابعُ: (الكلامُ) أي: كونُ الشاهدِ متكلِّمًا (فلا شهادةَ لأخرسَ، ولو) أَدَّاها بإشارتِهِ (٢)، و (فُهمت إشارتُه) لأنَّ الشهادَة يُعتَبرُ فيها اليقينُ. (إلَّا إذا أدَّاها) الأخرسُ (بخطِّه) فتُقبلُ؛ لدلالةِ الخطِّ على الألفاظ. (و) الخامس: (الحِفظُ) فلا تُقبَلُ من مُغَفَّلٍ، ومعروفٍ بكثرةِ سَهْوٍ وغَلَطٍ؛ لأنَّه لا تحصلُ الثقةُ بقوله. (و) السَّادسُ: (العدالةُ) وهي لغةً: الاستقامةُ، من العدلِ، ضدُّ الجَور. وشرعًا: استواءُ أحوالِه في دينه، واعتدالُ أقوالِه وأفعاله. (ويُعتبر لها) أي: للعدالة (شيئان):

стр. 1359

صلاحُ الدِّيْنِ، بأداءِ الفرائضِ برواتبِها، واجتنابِ المحارمِ، فلا شهادةَ لفاسقٍ، بأنْ يأتيَ بكبيرةٍ، أو يُدْمِنَ على صغيرةٍ. أحدهما: (صلاحُ الدِّيْنِ) ويحصل ذلك (بـ) أمرين: أحدهما: (أداءُ الفرائِض) أي: الصلواتِ الخمس، والجمعة، وكذا ما وَجَبَ من صومٍ، وحجٍّ، وزكاةٍ، ونحوِها. (برواتبِها) أي: بسُنَنِها (١) الراتبةِ؛ فلا تُقبَلُ ممَّن داومَ على تركِها؛ لأنَّ تهاونه بالسُّننِ يدلُّ على عدمِ محافظتِه على أسباب ديِنه. (و) الثاني: (اجتنابُ المحارِمِ) بألا يأتي كبيرةً، ولا يُدمِنَ على صغيرةٍ. والكبيرةُ: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ (٢) في الآخرة، كأكلِ الرِّبا، ومالِ اليتيم، وشهادةِ الزور، وعقوقِ الوالدين. والصغيرةُ: ما دونَ ذلك من المحرَّمات؛ كَسَبٍّ الناسِ بما دونِ القذْفِ، واستماعِ كلامِ النساءِ الأجانبِ على التلذُّذِ، والنظرِ المحرَّم. والكذبُ صغيرةٌ إلَّا في شهادةِ زورٍ، وكَذِبٍ على نبيٍّ، ورَمْي فِتَنٍ، ونحوه، فكبيرةٌ. قال الإمام أحمد: ويُعرف الكذَّاب بخُلفِ المواعيدِ؛ نقله (٣) عبدِ الله. ويجبُ كذبٌ لتخليصِ مسلمٍ مِنَ قَتْلِ. (فلا شهادةَ لفاسقٍ بأنْ يأتي بكبيرةٍ أو يُدمِنَ على صغيرةٍ) سواءٌ كان فِسقُه بفعلٍ كزنى، أو باعتقادٍ، كتقليدٍ في خلْق القرآن، أو نفي الرؤيةِ، أو في الرَّفضِ، أو التجهُّم (٤) أو التَّجسيم، وما يعتقدُه الخوارجُ والقدَريَّةُ ونحوهم، ويكفرُ مجتهدُهُم الداعيةُ. ومن تتبَّع الرُّخصَ من المذاهبِ فعَمِل بها، فسقَ.

стр. 1360

الثاني: استعمالُ المروءة، وهو فعلُ ما يُجَمِّلُه ويُزَيِّنُه، وتركُ ما يدنِّسُه وَيَشينه. وإذا أسلمَ الكافرُ، وَبلَغَ الصبيُّ، وعقلَ المجنونُ، وتابَ الفاسقُ قبل شهادتِه، قُبِلَتْ. فصل ولا تُقْبَلُ شهادةُ عمودَيِ النسبِ (الثاني) مما يُعتَبرُ للعدالةِ: (استعمال المروءةِ) بوزن سُهُولة، أي: الإنسانيَّةِ (وهو) أي: استعمالُ المروءة: (فعلُ ما يُجَمِّلُه ويُزَيِّنه) عادةَ، كالسخاءِ، وحُسنِ الخُلقِ، وحُسنِ المجاورة (وتركُ ما يدنِّسه ويَشينُه) عادةً منَ الأمور الدَّنيَّة المُزرِيَةِ (١) به؛ فلا شهادةَ لمصافعٍ (٢)، ومُتَمَسْخرٍ، ورقَّاصٍ، ومُغَنٍّ، وطُفيليٍّ، ومتزيٍّ بزيٍّ (٣) يُسخَرُ منه، ولا لمن يأكلُ بالسوقِ الأشياء إلَّا شيئًا (٤) يسيرًا، كلقمةٍ وتفاحةٍ، ولا لمن يمدُّ رجلَه بمجمَعِ الناسِ، أو ينامُ بين جالِسينَ ونحوِه. (وإذا) زالتِ الموانعُ، بأنْ (أسلمَ الكافرُ، وبلَغَ الصبيُّ، وعقَلَ المجنونُ، وتابَ الفاسقُ، قبْلَ) أداءِ الفاسقِ (شهادَتَه، قُبلتْ) شهادةُ من ذُكِرَ لزوالِ المانع. فإنْ شَهِدَ الفاسقُ فرُدَّتْ شهادتُه، ثُمَّ تابَ، وأعادَ تلكَ الشهادة بعينها، لم تُقبلْ للتُّهمةِ. ولا تعتبرُ الحريَّةُ، فتُقبل شهادة عبدٍ وأمةٍ في كلِّ ما يُقبَل فيه حرٌّ وحرَّةٌ. وتقبل شهادةُ ذي صنعةٍ دنيئةٍ؛ كحجَّامٍ، وحَدَّادٍ، وزبَّالٍ. فصل في موانع الشهادةِ (ولا تُقبلُ شهادةُ عمودَي النسب) وهم الآباءُ وإنْ عَلَوا، والأولادُ وإنْ سَفُلُوا

стр. 1361

بعضِهم لبعضٍ، ولا أحدِ الزوجينِ للآخر، ويُقْبَلُ عليه، ولا من يَجرُّ إلى نفسِه نفعًا، أو يدفعُ عنها ضررًا، ولا على عدوِّه كقاذفِه، وقاطعِ الطريقِ عليه. وتقبلُ شهادةُ الأخِ لأخيه، والصديقِ ونحوِه. فصل ولا يُقبلُ في زنًى وإقرارٍ به إلَّا أربعةُ رجالٍ، ويقبلُ في بقيَّةِ الحدودِ، والتعزيرِ، وما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به (بعضِهم لبعضٍ) كشهادةِ الأب لابنه، وعكسِه؛ للتهمَة بقوَّةِ القرابة. (ولا) تُقبلُ شهادةُ (أحدِ الزوجين للآخر) كشهادتِه لزوجيه، وشهادتِها له، ولو بعدَ الطلاق. (ويُقْبَلُ) أنْ يشهَد (عليه) أي: على من ذكِر من عمودَي النسب وأحدِ الزوجين، فلو شهد على أبيه، أو ابنه، أو زوجته، أو شهدَتْ عليه، قُبلت، إلَّا على زوجتِه بالزنى. (ولا) تقبلُ شهادةُ (من يَجرُّ إلى نفسه) بشهادتِه (نفعًا) كشهادةِ السيِّد لمكاتَبِه، وعكسِه (أو يدفعُ عنها) أي: عن نفسِه بشهادته (ضررًا) كشهادةِ العاقلةِ بِجَرْح شهودِ الخطأ، والغُرماءِ بجرحِ شهودِ الدِّين على المفلسِ. (ولا) تقبلُ شهادةُ عدوٍّ (على عدوِّه كـ) شهادةِ مقذوفٍ على (قاذفهِ، و) شهادةِ شخصٍ على (قاطع الطَّرِيقِ علبه وتقبل) شهادةُ العدوِّ لعدوِّه، و (شهادةُ الأخِ لأخيهِ، والصديقِ) لصديقهِ (ونحوِه) كشهادة السيد لعتيقهِ. فصلٌ في عدد الشهود (ولا يُقبلُ في زنًى) ولواطٍ (و) في (إقرارٍ به إلَّا أربعةُ رجالٍ) يشهدونَ أنَّه فعلَه، أو أقرَّ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [١٣ من سورة النور]. (ويُقبلُ في بقيَّة الحدود) كقَذفٍ، وشربِ خمرٍ، وسرقةٍ، وقطعِ طريقٍ، (و) فيما يُوجِبُ (التعزير) كإتيانِ البهيمة: رَجُلان. وفي قِصاصٍ (وما ليسَ بمالٍ، ولا يُقصدُ به

стр. 1362

المالُ، ويطَّلِعُ عليه الرجالُ غالبًا، كنكاحٍ، وطلاقٍ ورَجْعَةٍ، وخُلْعٍ، ونَسَبٍ ووَلاءٍ: رجلان. ويقبلُ في المالِ، وما يقصَدُ به، كبيعٍ، وأجَلٍ، وخِيَارٍ فيه، ووكالةٍ في مالٍ، وإيصاءٍ فيه، وعتقٍ، وكتابةٍ، وتدبيرٍ، ونحوه: رجلان، أو رجلٌ وامرأتان، أو رجلٌ ويمينُ مُدَّعٍ. وما لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالبًا، كعيوبِ النساءِ تحت الثياب، والبَكَارة، والحيضِ، والولادةِ، والرَّضاعِ، والاستهلالِ، المال، ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالبًا، كنكاحٍ، وطلاقٍ ورَجْعَةٍ، وخُلْعٍ، ونَسبٍ، وولاءٍ: رجلان. وبقبل في المالِ وما يُقْصَدُ به) المالُ (كبيعٍ، وأجَلٍ، وخيارٍ فيه) أي: في (١) البيع (ووكالة في مالٍ، وإيصاءٍ فيه) أي: المال (وعتقٍ، وكتابةٍ، وتدبيرٍ (٢)، ونحوه) كقرضٍ، ورهنٍ، وغَصْبٍ، وإجارةٍ، وشَرِكةٍ، وشُفْعَةٍ (رجلانِ، أو رجلٌ وامرأتان) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وسِياقُ الآية يدلُّ على اختصاص ذلك بالأموالِ (أو رجلٌ ويمينُ مُدَّعٍ) لقول ابنِ عباسٍ ﵄: إنَّ رسولَ الله ﷺ قضَى باليمين مع الشاهد. رواهُ أحمدُ وغيره (٣). ويجبُ تقديمُ الشهادةِ عليه، لا بامرأتين ويمينٍ. ويُقبلُ في داءِ دابَّةٍ وموضِحةٍ طبيبٌ وَبَيطَارٌ واحدٌ مع عدم غيره؛ فإنْ لم يتعذَّر، فاثنان. (وما لا يطَّلع عليه الرجالُ غالبًا، كعيوب النساءِ تحتَ الثياب، والبَكارة والحيض، والولادةِ (٤)، والرَّضاعِ، والاستهلالِ) أي: صُراخ المولود عندَ الولادةِ

стр. 1363

وجراحةٍ في حَمَّامٍ أو عرسٍ: امرأةٌ عدلٌ، ورجلٌ أَولى. وإنْ شهِدَ بسرقةٍ رجلٌ وامرأتان، ثبتَ المالُ دونَ القطعِ، وبخُلْعٍ، ثبتَ العِوَضُ، وبانَتْ بدعواه. فصل وتقبلُ الشهادةُ على الشهادةِ في حقِّ آدميٍّ فقط، (وجراحة) نساء (في حمامٍ أو عُرْسٍ) ونحوهما (١) ممَّا لا يحضرُه رجالٌ، يُقبَلُ فيه (امرأةٌ عدْلٌ) لحديثِ حذيفة: أن النبيَّ ﷺ أجازَ شهادةَ القابلةِ وحدَها (٢). (ورجلٌ) في ذلك (أولى) من امرأةٍ؛ لأنَّه أكملُ. (وإنْ شَهِدَ بسرقةٍ رجلٌ وامرأتان، ثبتَ المالُ) لكمال بَيِّنته (دونَ القطعِ) لعدمِ كمالِ بيِّنته. (و) إنْ شهِد (بخُلْعٍ) رجلٌ وامرأتان (ثَبتَ العِوضُ) لما تقدَّم (وبانَت بدعواه) لإقرارِه على نفسه. أمَّا لو ادَّعتهُ الزوجةُ، فلا يُقبَل فيه إلَّا رجلان. فصلٌ في الشهادة على الشهادة (وتُقبَلُ الشهادةُ على الشهادةِ في حق آدميٍّ فقط) أي: دونَ حقوقِ الله تعالى، كالحدود؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على الستر. ولا يحكُم الحاكِمُ بالشهادةِ على الشهادةِ إلَّا ....

стр. 1364

إنْ تعذَّرَ شهودُ الأصلِ بموتٍ، أو مرضٍ، أو غيبةٍ مسافةَ القصرِ، واسترعاهُ شاهدُ الأصلِ، بأنْ قال: اشهدْ على شهادتي بكذا، ونحوه، وإلَّا فلا، ما لم يسمَعْهُ يشهدُ بها عندَ حاكمٍ، أو يَعْزُوها لسببٍ من قَرْضٍ ونحوه. ويؤدِّي على صفةِ ما تحمَّل، ومتى رجَعَ شهودُ مالٍ بعدَ حُكْمٍ، لم يُنْقَض، وغَرِموه، دونَ مُزَكٍّ. (إنْ تعذَّرَ شهودُ الأصلِ، بموتٍ، أو مرضٍ، أو غيبةٍ مسافةَ القصر) أو خوفٍ من سلطانٍ أو غيرهِ، ولا بدَّ من دوامِ العُذْرِ إلى الحكم. (و) لا يشهدُ الفرعُ إلَّا إن (استرعاهُ) أي: استحفظَه عليها (شاهدُ (١) الأصلِ، بأنْ قال) شاهدُ الأصلِ للفرعِ: (اشهدْ على شهادتي بكذا، ونحوه) كـ: اشهدْ أني أشهدُ بكذا. (وإلَّا) يَسترعِه (فلا) يشهد (ما لم يسمَعْهُ) أي: يسمع الفَرْعُ الأصلَ (يشهدُ بها عند حاكمٍ، أو) يسمعه (يَعْزُوها) أي: ينسِبُ الشهادةَ (لسببٍ، من قَرْضٍ ونحوه) كبيعٍ، فيجوزُ للفرعِ أنْ يَشَهَدَ؛ لأنَّ هذا كالاسترعاءِ. (ويؤدِّيـ) ـها الفرعُ (على صفةِ ما تحمَّل) من استرعاءٍ أو غيره. وتثبتُ شهادةُ شاهدي الأصلِ بفرعين (٢)، ولو على كلِّ أصلٍ فرعٌ. ويثبتُ الحقُّ بفَرْعٍ مع أصلٍ آخر. ويقبل تعديلُ فرعٍ لأصلِه بموته ونحوه، لا تعديلُ شاهدٍ لرفيقه. (ومتى رجَعَ شهودُ مالٍ بعدَ حُكمٍ، لم يُنْقض) الحكمُ؛ لتمامه، ووجبَ مشهودٌ به لمشهودٍ له (وغرموه) أي: المشهود به، الشهودُ الراجعونَ، قائمًا كان المال أو تالفًا؛ لأنَّهم أخرجُوه من (٣) يدِ مالِكه بغير حقٍّ (دونَ مُزَكٍّ) لشهودِ المال، فلا غُرْم على مُزَكٍّ

стр. 1365

وإنْ حَكَمَ بشاهدٍ ويمينٍ، ثمَّ رجع الشاهدُ، غَرِمَ المالَ وحدَه. ويُقْبَلُ أداءُ الشهادةِ بلفظ: شهدتُ بكذا، أو: أشهدُ به. فصل ولا حَلفَ في العباداتِ ولا الحدودِ، ويُسْتَحْلَفُ مُنْكِرٌ في كلِّ حقِّ آدميٍّ غير نكاحٍ، وطلاقٍ، وإيلاءٍ، برجوعه؛ لأنَّ الحكم تعلَّق بشهادةِ الشهودِ، دونَ المزكِّي لمجرَّدِ إخبارهِ بظاهرِ حالِ الشهود، وأمَّا باطنُه فعِلْمُه إلى الله تعالى. (وإن حَكَمَ) القاضي (بشاهدٍ ويمينٍ، ثمَّ رجَع الشاهدُ، غَرِم) الشاهدُ (المالَ) كلَّه (وحدَه) دون الحالف؛ لأنَّ الشاهدَ حُجَّةُ الدَّعوى، وأمَّا اليمين فقولُ الخصمِ، وهو غيرُ مقبولٍ على خصمه، وإنَّما هو شرطُ الحكم؛ فهو كطلبِ الحكم. وإن رجعُوا قبلَ الحُكم، لغت، ولا حُكمَ ولا ضمانَ. وإنْ رجعَ شهودُ قَوَدٍ بعدَ حُكْمٍ، وقبْلَ استيفاءٍ، لم يُستوفَ، ووجَبتِ الدِّيةُ، ويرجعُ غارمٌ على شهود. (ويُقبَلُ أداءُ الشهادةِ) عند حاكمٍ (بلفظ: شهدتُ بكذا، أو: أشهدُ به) فلا يكفي قولُه: أنا شاهدٌ، ولا: أعلمُ أو أعرفُ. فصلٌ في اليمين في الدَّعاوى وهي تقطَعُ الخصومةَ حالًا، ولا تُسقِطُ حقًّا. (ولا حَلف) أي: لا يُستحلَفُ مُنكِرٌ (في العبادات) كدَعوى دفعِ زكاةٍ، وكفارةٍ، ونَذْرٍ (ولا) في (الحدود) لله تعالى؛ لأنَّها يُستحبُّ سترُها، والتعريضُ لمقرِّ بها ليرجعَ عن إقراره. (ويُستحلَفُ مُنْكِرٌ) على صفةٍ جوابه بطلب خصمه (في كلِّ حقِّ آدميٍّ) لما تقدَّم من قوله ﷺ : "ولكن اليمينَ على المدَّعى عليه" (١) (غيرَ نكاحٍ، وطلاقٍ) ورَجْعةِ (وإيلاءٍ،

стр. 1366

وأصلِ رقٍّ، وولاءٍ، واستيلادٍ، ونسبٍ، وقَوَدٍ، وقَذْفٍ. واليمينُ المشروعةُ بالله تعالى. ويجوزُ تغليظُها فيما فيه خطَر، ولا يكونُ ناكِلًا مَنْ أباه. وأصلِ رِقٍّ) كدعوى رقِّ لقيطٍ (ووَلاءٍ، واستيلاد) أمَةِ (ونسبٍ، وقَوَدٍ، وقَذفٍ) فلا يُستحلَفُ منكرُ شيءٍ من ذلك؛ لأنَّها ليست مالًا، ولا يُقصدُ بها المال، ولا يُستحلَفُ شاهدٌ أنكرَ تحمُّلَ الشهادةِ، ولا حاكمٌ أنكرَ الحُكم، ولا وَصيٌّ على نفي (١) دين على مُوصٍ. (واليمينُ المشروعةُ) هي اليمين (بالله تعالى) فلو قالَ الحاكمُ: قل: والله لا حقَّ له عندي. كَفَى. (ويجوزُ) لحاكمٍ (تغليظها) أي: اليمين (فيما فيه خطرٌ) كعِتقٍ، ونصابِ زكاةٍ، وجنايةٍ لا تُوجِبُ قَوَدًا. وتغليظُها بلفظٍ، كـ: واللهِ الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرَّحمن الرحيم، الطالبِ الغالبِ، الضارِّ النافعِ، الذي يعلمُ خائنةَ الأعينِ، وما تخفي الصدور. وبزَمَنٍ كبَعْدَ العصرِ. وبمكانٍ، فبمكَّةَ بين الرُّكْن والمقام، وبالمقْدِسِ عندَ الصخرةِ، وببقيَّةِ البلادِ عند المنبرِ. (ولا يكونُ ناكِلًا مَن أباه) أي: امتنع من التغليظ.

стр. 1367

كتاب الإقرار يصحُّ مِنْ مُكَلَّفٍ مختارٍ، غيرِ محجورٍ عليه، لا مِنْ مُكْرَهٍ. ومَنْ (١) أُكْرِهَ على وزنِ مالٍ، فباعَ مِلْكَهُ لذلك، صحَّ. ويصحُّ إقرارُ مريضٍ إلَّا لوارثه بمالِه، فكوصيةٍ. وإنْ أقرَّ لزوجتِه بمهرِها؛ فلها مهرُ مثلِها بالزوجيَّةِ، لا بإقرارِه. كتاب الإقرار وهو: الاعترافُ بالحقِّ، مأخوذٌ من المَقَرِّ، وهو المكان، كأنَّ المُقِرَّ جعلَ الحقَّ في موضِعه، وهو إخبارٌ عمَّا في نفسِ الأمرِ، لا إنشاءٌ. (يصحُّ) الإقرارُ (مِنْ مُكَلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، لا مِنْ صغيرٍ غيرِ مأذونٍ له في تجارةٍ، فيصحُّ في قَدْرِ ما أُذِن له فيه (مختارٍ، غير محجورٍ عليه) فلا يصحُّ من سفيهٍ إقرارٌ بمالٍ و (لا) يصحُّ الإقرارُ (من مُكْرهٍ) هذا محترزُ قوله: "مختار"، إلَّا أنْ يُقِرَّ بغير ما أُكْرِه عليه؛ كما لو أُكْرِهَ على الإقرار بدرهمٍ، فأقرَّ بدينار. ويصحُّ من سكران آثِمٍ، كالطلاق، ومِن أخرسَ بإشارةٍ معلومةٍ. (ومن أُكرِهَ على وزنٍ) أي: دفع (مالٍ، فباعَ مِلكه لذلك) أي: لوزن المالِ الذي أكرِه عليه (صحَّ) البيعُ؛ لأنَّه لم يُكْرَه عليه. (ويصحُّ إقرارُ مريضٍ) ولو في مرضِ موتهِ المَخُوفِ؛ لعدمِ التهمةِ (إلَّا) إنْ أقرَّ (لوارثه بماله) أي: بمالِ (٢) المريضِ المُقرِّ، بأن يقول: لَهُ عليَّ كذا، أو يكونَ للمريضِ على وارثه دينٌ، فيقرَّ بقبضهِ منه (فكوصيةٍ) ولا يصحُّ لازمًا إلَّا بإجازة الورثة، ما لم يَثْبُتِ المُقَرُّ بهِ بيِّنةٍ. (وإن أقرَّ) المريضُ (لزوجتهِ بمهرها، فلها مهرُ مثلِها بالزوجيَّةِ، لا بإقرارِه) لثبوتِ

стр. 1368

وإنْ أقرَّ لوارثِ، فصارَ عندَ الموتِ غيرَ وارث، لم يلزمْ إقرارُه، وإنْ أقرَّ لغيرِ وارثٍ، صحَّ، ولو صارَ عندَ الموتِ وارثًا، عكسُ عطيَّةٍ ووصيَّةٍ، وإنْ أقرَّتْ امرأةٌ على نفسِها بنكاحٍ، أو أقرَّ به وليُّها المجبرُ، أو المأذونُ فيه، قُبِلَ. أصلِ المهرِ بالزوجيَّةِ، فإقرارُه إخبارٌ بأنَّه لم يُوَفِّه. ولو أقرَّ المريضُ أنَّه كانَ أبانها في صحَّته، لم يسقط إرثُها إنْ لم تصدِّقْهُ. (وإنْ أقرَّ) المريضُ بمالٍ (لوارثٍ، فصارَ عندَ الموتِ غيرَ وارث) بأنْ أقرَّ لابنِ ابنهِ، ولا ابن له، ثم حَدَث له ابنٌ (لم يلزمْ إقرارُه) لاقتران التُّهمةِ به حين وجودِه، فَيَتوقَّفُ على الإجازة. (وإنْ أقرَّ) المريضُ (لغيرِ وارثٍ) كابن ابنه مع وجودِ ابنه (صحَّ) الإقرارُ لازمًا (ولو صار عند الموتِ وارثًا) بأن ماتَ الابنُ قبلَ موتِ مُقِرٍّ، لعدم التهمة حينَ الإقرار، وذلك (عكس عطيَّةٍ ووصيَّةٍ) فإنَّ العبرَة في الإقرار حين صدوره، وفي العطيَّةِ والوصيَّة حينَ الموت، فلو أعطاهُ المريضُ، أو وَصَّى له وهو غيرُ وارث، ثُمَّ صارَ وارثًا، وقفَ على إجازة الورثة، خلافًا لما في "الترغيب" في العطية، حيثُ جعلها كالإقرار. (وإنْ أقرَّتِ امرأةٌ) ولو سفيهةً (على نفسها بنكاحٍ) قُبِلَ إقرارُها؛ لأنَّه حقٌّ عليها، ولا تُهمةَ فيه ظاهرة (١)، ولو كانَ إقرارُها بالنكاح لاثنين. وصرَّحَ به في "المنتهى" (٢). فإن أقامَا بيِّنتينِ، قُدِّم أسبقُ النكاحين، فإنْ جُهِل، فقولُ وليّ، فإن جُهِلَ الوليُّ، فُسِخا، ولا ترجيحَ بيدٍ (٣) (أو أقرَّ به) أي: بالنكاح (وليُّها المجبِرُ، أو) وليُّها (المأذون) أي: المعترفةُ بأنَّها أَذِنت له (فيهِ، قُبِلَ) إقرارُ الوليِّ، لأنَّه يَملِكُ عقْدَ

стр. 1369

وإنْ أقرَّ بنسبِ صغيرٍ أو مجنونٍ مجهولِ النسب أنَّه ابنه، ثبتَ نسبُه منه. وإنْ كان ميتًا، ورثَه، وإنْ كان مكلَّفًا، اعتُبِر تصديقُه. فصل وإن قال: له عليَّ ألفٌ لا تلزمني، ونحوه، لزمَهُ الألفُ، لا (١) إنْ قال: له النكاح عليها (٢)، فملَك الإقرار به، كالوكيل. ومن ادعى نكاحَ صغيرةٍ بيدِه، فرَّقَ حاكمٌ بينهما، ثمَّ إن صدَّقته إذا بلغَتْ، قُبِلَ. (وإن أقرَّ) إنسانٌ (بنسبِ صغيرِ، أو مجنونٍ، مجهولِ النسبِ، أنَّه ابنُه، ثبتَ نسبُه منه) ولو أسقطَ وارثًا معروفًا؛ لأنَّه غيرُ متَّهمٍ في إقراره؛ لأنَّه لا حقَّ للورثةِ في الحال. (وإن كان) المقرُّ به (ميتًا، ورثَه) المقرُّ. وشرطُ الإقرارِ بالنسبِ إمكانُ صِدْق المُقِرِّ، وألَّا ينفي (٣) به نسبًا معروفًا (وإن كان) المُقَرُّ به (مكلَّفًا، اعتُبِر) أيضًا (تصديقُه) لمُقِرٍّ؛ لأن له قولًا صحيحًا، وكما لو أقرَّ له بمالٍ. فصل (وإنْ) وَصَلَ بإقراره ما يُسقِطُه، كما لو (قالَ: له عليَّ ألفٌ لا تلزمُني. ونحوه) كقوله: له عليَّ ألفٌ، قبضَه، أو استوفاه، أو: له عليَّ ألفٌ من ثمنِ خمرٍ، أو من ثمِن مبيعٍ، لم أقبضه (لزمَه الألفُ) لأنَّ ما ذكرهُ بعد قوله: "له عليَّ ألفٌ" دفعٌ لجميعِ ما أقرَّ به، فلا يُقبل، كاستثناءِ الكُلِّ. و (لا) يلزمه الألفُ (٤) (إنْ) أخَّر ذِكرَه عمَّا يُبطِله (٥) كما لو (قال: له) عليَّ …

стр. 1370

من ثمنِ خمرٍ ونحوِه ألفٌ. وإن قال: له عليَّ كذا، وقَضَيْتُه. أو كان له كذا وقَضَيْتُه. فقولُه مع يمينِه، ما لمْ تكنْ بينةٌ، أو يَعترِفَ بسببِ الحقِّ. وإن قال: له عليَّ مئةٌ، ثمَّ سكتَ ما يمكنُه فيه كلامٌ، [ثمَّ قال] (١): زيوفًا، (من ثمنِ خمرٍ، ونحوِه) كخنزيرٍ (ألفٌ) لأنَّه أقرَّ بثمنِ خمرٍ ونحوه، ثم قدَّرهُ بألفٍ، وثمنُ الخمرِ ونحوه لا يجب. (وإنْ قال: له عليَّ كذا وقضَيْتُه) أو: برئتُ منه (أو) قال: (كانَ له) عليَّ (كذا وقضيته) أو: بَرِئتُ منه (فقولُه) أي: قولُ المُقِرِّ (مع يمينِه) ولا يكونُ مقِرًّا، فإذا حَلَفَ، خُلِّيَ سبيلُه، هذا المذهبُ؛ لأنَّه رفعَ ما أثبتَه بدعوى القضاء متصلًا. وقال أبو الخطاب: يكونُ مُقِرًّا مُدَّعيًا للقضاءِ، فلا يُقبل إلَّا ببيِّنةٍ، فإن لم تكن، حَلَفَ المدَّعي أنَّه لم يقبض، ولم يُبرِئه، واستحقَّ، وقال: هذا روايةٌ واحدةٌ، ذكرها ابنُ أبي موسى، واختارها جماعةٌ. قال ابنُ هُبيرة: لا ينبغي للقاضي الحنبليِّ أنْ يَحْكم بهذه المسألةِ، ويجبُ العملُ فيها بقولِ أبي الخطاب؛ لأنَّه الأصلُ، وعليه جماهيرُ العلماء. وعلى المذهب فمحل قَبولِ قولِه (ما لم تكن (٢)) عليه (بيِّنةٌ) فيُعمل بها (أو يعترف بسببِ الحقِّ) من عقدٍ، أو غصْبٍ، أو غيرهما، فلا يُقبلُ قولُه في الدفع، أو البراءةِ، إلَّا ببينةٍ؛ لاعترافه بما يوجبُ الحقَّ. ويصحُّ استثناء نصفٍ فأقلَّ في إقرارٍ (٣)؛ فله عشرةٌ إلا خمسة، يلزمهُ خمسة. وله هذه (٤) الدارُ، ولي هذا البيتُ، يصحُّ ويُقبَلُ، ولو كان أكثرها. (وإن قال: له عليَّ مئةٌ. ثم سكتَ ما) أي: زمنًا (يمكنُه فيهِ كلامٌ، ثمَّ قال: زيوفًا) أي: معيبةً
следующие страницы →