← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وإنِ اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجِسة، صلَّى في كلٍّ ثوبٍ (وإن اشْتَبَهَت) عليه (ثيابٌ) أي: ثوبانِ فأكثَر (طاهرةٌ بـ) ثيابٍ (نجسةٍ) ولم يكن عندَه ثوبٌ طاهرٌ بيقينٍ (صلَّى في كل ثوبٍ) صلاة واحدةً يُكَرِّرُها (وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ .. إلخ) أي: إن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بثيابٍ نجسةٍ، أو مباحةٌ بثيابٍ محرَّمةٍ، والحالُ أنه لا طاهر ولا مباح موجودين عنده بيقينٍ، لم يتحرَّ، كما لا يجوزُ له التحرِّي في الثياب المتنجِّسَةِ المشتبهةِ بالطَّاهرة، أو الثيابِ المباحةِ المشتبهةِ بالمحرَّمةِ، فتارة يعلمُ عددَ الثياب النجسة والمحرَّمة، وتارة لا يعلم، فإنْ عَلِم عددَ ثيابٍ نجسةٍ أو محرَّمةٍ، صلَّى في كل ثوب صلاةً بعددِ النَّجسَةِ أو المحرَّمة، وزادَ صلاة، ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ. وإنْ لم يَعلم عددَ النَّجسةِ أو المحرَّمةِ، فإنه يَستمرُّ يصلِّي في كل ثوب صلاة حتى يتيقَّنَ صحَّةَ صلاته، وأنَّه صلَّى في ثوب طاهرٍ مباحٍ بيقين، ولو كثرت الثياب، كلما صرَّح به الأصحاب. وقال ابن عقيل: إذا كَثُر ذلكَ وشقَّت صلاتُه في الكلِّ، فإنه يتحرَّى في أصحِّ الوجهين؛ دفعًا للمشقة والحَرَج. وفَهِم من قوله: ولا طاهر مباح بيقين، أنَّه إذا كان عنده ثوبٌ طاهرٌ مباحٌ بيقين، فإنَّه يلزمُه أنْ يصلِّي فيه ويتركَ المشتبهاتِ من الثياب. كما ذكره في "الفروع" (١). دنوشري مع زيادة. (ولم يكن عندَه ثوبٌ طاهرٌ) أو مباحٌ (بيقين) أمَّا لو كان عندَه ثوبٌ مباحٌ أو طاهرٌ بيقين، فإنَّه يجبُ عليه استعمالُه، ولا يجوزُ له أنْ يصلِّيَ في هذه الثياب؛ لما في الصلاة فيها من عدم الجزمِ بالنيَّةِ من غير حاجَةٍ، كما في "النكت"، وزاد في "الرِّعايةِ": لاشتراط جوازِ الصَّلاة في الثياب بعدِد النجسة وزيادةِ صلاة. والواو في قوله: "ولم يكن … إلخ" واو الحال، أي: والحال أنه لا طاهر. ح ف وإيضاح. (صلَّى في كلِّ ثوب صلاةً) ولا يجوز له التحرِّي، وهو من مفردات المذهب. ح ف.

стр. 177

بعددِ النَّجِسة، وزادَ صلاةً، (بعددِ) الثيابِ (النَّجسَةِ، وزادَ) على عددِ النَّجِسَةِ (صلاةً) فلو كانت النَّجسةُ خمسةً مثلًا، صلَّى في ستَّةِ ثياب ستَّ صلواتٍ، في كل ثوبٍ صلاة؛ بأن يلبَسَ واحدًا ويصلِّي صلاةً، ثم ينزعَه ويلبَسَ الآخر ويصلِّي، وهكذا إلى آخرِ السِّتَّة، ليُصلِّيَ في ثوب طاهر يقينًا، ينوي بكلِّ صلاةٍ الفرضَ، كَمَن نسي صلاةً من يومٍ. والفرقُ بين الثِّيابِ والمياهِ أنَّ الماءَ يلصَقُ ببدنِه فينجسُه، وأنَّ الصلاةَ في النَّجسِ جائزةٌ عندَ العدمِ، بخلافِ الماءِ. والفرقُ بين الثِّيابِ وبين القِبلةِ أيضًا -حيث لم نوجب تَعدُّدَ الصَّلاةِ بحسبِ الجهاتِ- كثرةُ الاشتباهِ فيها، بخلافِ الثِّيابِ. (بعدد الثياب النجسة) أو المحرَّمة. مصنِّف (١). (فلو كانت النجسةُ خمسةً … إلخ) هذا مثالٌ يوضِّح به المقام. (ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ) أي: لا أنَّها معادةٌ، والظاهر أنَّه يكفي نيَّتُها ظهرًا مثلًا، إذ لا تتعيَّن الفرضيَّةُ، كما يأتي في باب النيَّة. مصنِّف (٢). كمن نسي صلاةً من يومٍ وجهلَها؛ لأنه أمكنه أداءُ فرضٍ بيقين، فلزمه بنيَّة الفرضية كما [لو] (٣) لم تشتبه، فإنَّه يصلِّي الخمسةَ أوقاتٍ، ينوي بكل صلاةٍ الفرضَ غيرَ معادةٍ، ولا تصحُّ الزيادةُ على المفروضة، بخلافِ الماء النجس، فإنه لم يُعهَد جوازُ استعماله بحالٍ إلَّا لضرورةِ لقمةٍ غصَّ بها، ولا طاهر ولا طهور. (كثرةُ) خبرٌ عن قوله: (والفرق … إلخ) إذْ هو محطُّ الفائدة، فالفرقُ: (كثرةُ الاشتباه فيها) والتفريط هنا حصل منه، بخلافها، وبأنَّ عليها أمارة تدلُّ عليها بخلاف الثياب. والحاصلُ أنَّ الفرقَ بينهما من ثلاثةِ أوجه؛ اثنين للإمام، الأول: أنَّ للقبلةِ أدلَّةٌ تدلُّ عليها،

стр. 178

وكذا أمكنةٌ ضيِّقةٌ، ويصلِّي في واسعةٍ بلا تحرٍّ. (وكذا أَمكِنَةٌ) جمعُ مكانٍ؛ كزمانٍ وأزمنةٍ (ضيقةٌ) تَنَجَّسَ بعضُها واشتبهَتْ، ولا بُقعةَ طاهرةٌ بيقينٍ، فإذا تنجَّسَتْ زاويةٌ من بيتٍ وتَعَذَّرَ خروجُه منه وما يفرشُه عليه، صلَّى الفرضَ مرَّتينِ في زاويتيْنِ. وإن تنجَّسَت (١) زاويتانِ، صلّى ثلاثَ صلواتٍ في ثلاثِ زوايا وهكذا، هذا مع ضيقِ المكانِ. (ويُصَلِّي في) بقعةٍ (واسعةٍ) تنجَّسَ بعضُها واشتبَهَ، كصحراءَ وحَوشٍ (٢) كبيرٍ حيثُ شاءَ (بلا تَحَرٍّ) للحرجِ والمشقَّةِ. بخلاف الثياب، ولا بدلَ لها يُرجَعُ إليه، والثالثُ للقاضي، وهو الذي اقتصرَ عليه الشارح للاختصار. انظر وجه الاقتصار. (وكذا أمكنةٌ ضيقة) أي: وكالثيابِ الطاهرةِ المباحةِ المشتبهةِ بالنجسة في الحكمِ، إذا اشتبهَت أمكنةٌ ضيِّقَةٌ تنجَّس بعضُها وجُهِل، ولم يُمكِنه الصلاةُ إلَّا فيها، فإنْ عَلِم عدد الأمكنة المتنجِّسَة صلَّى في كل مكانٍ صلاةً بعددِ النجسة، وزادَ صلاةً، وإلَّا، فإنه يستمرُّ يصلِّي في الأمكنةِ الضيِّقةِ المشتبهةِ كلِّها حتى يتيقَّن صحَّتها. دنوشري مع زيادة. (وهكذا) فإذا تنجَّست ثلاثُ زوايا، فإنَّه يصلِّي في أربعٍ، هذا في الأمكنةِ الضيِّقَةِ، ولا يثبتُ هذا الحكمُ في صحراء ونحوها، كالفضاءِ الواسع، والمساجد الكبيرة، ويصلِّي فيها حيثُ شاء بلا تحرٍّ. ولا مدخلَ للتحرِّي في العتقِ والطلاق، ويتَّجِهُ: صحَّةُ تيمُّمين حيثُ اشتبهَ ترابٌ طهورٌ مباحٌ بضدِّه. ولا تصحُّ إمامةُ من اشتبهَت عليه الثيابُ الطاهرةُ بالنجسة إذا صلَّى فيها. والله أعلم. دنوشري.

стр. 179

فصل ولمَّا كانَ الماءُ جوهرًا سيَّالًا احتاجَ إلى بيانِ أحكامِ أوانيه عَقِبه (١) فقال: فصل في الآنية وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هذا فصلٌ، أو: مبتدأٌ حُذفَ خبرهُ، أي: مما أذْكُرُه فصلٌ. وهو في الأصل: الحجزُ بين شيئينِ، ومنه فصلُ الرّبيعِ؛ لحجزِه بينَ الشِّتاءِ (عقبَه فقال … إلخ) قد يُقال: مقتضى ظاهر هذه العلَّة، تقديمُ بابِ الآنيةِ على باب المياه، ويمكنُ أن يجاب بأن المقصودَ بالذات الماء، وآنيته مقصودة بالعَرَض، وما بالذات يقدم على ما بالعرض. محمد الخلوتي. (فصلٌ في الآنية) قوله: (أي هذا فصل) يُذكَر فيه مسائلُ من أحكام الآنية. والآنيةُ: الأوعية، وهي جمع إِناء، كسِقاء، والأصل أأنية بهمزتين، أبدِلت الهمزةُ الثانية ألفًا، ويُجمعُ على أوانٍ، فأوانٍ جمعُ الجمعِ، وأصلُه أأني أُبِدلت الهمزة الثانية واوًا؛ كراهةَ اجتماعِ همزتين، وطلبًا للتخفيف. دنوشري. (وهو في الأصل) أي: في اللغة، وكذا كلُّ عبارةِ معنونة بقوله: في الأصل: [الحاجز] (٢) بين أجناس المسائل وأنواعها، فالفصلُ حاجزٌ بين الكتاب والباب؛ لأنَّ الكتابَ كالجنسِ الحقيقيِّ، تحتَه أنواع؛ لاشتمالِه على ذلك، مثل الحيوان تحته الإنسان، والباب نوعٌ تحته أفرادُ المسائل.

стр. 180

ويباحُ كل إناءٍ ولو ثمينًا والصَّيفِ، وهو في كُتُبِ العلمِ كذلكَ؛ لحجزِه بينَ أجناسِ المسائلِ [وأنواعِها. وهو -كالكتاب والبابِ- عُرفًا: اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العلمِ] (١). (ويُباحُ كلُّ إناءٍ) طاهرٍ، أي: يباحُ اتخاذُه واستعمالُه (ولو) كانَ الإناءُ الطَّاهرُ (ثمينًا) أي: غاليَ الثَّمنِ، كجوهرٍ وبلَّورٍ، وياقوتٍ، وزُمُرُّدٍ. وغيرُ الثَّمينِ كخشبٍ، وزجاجٍ، وجلودٍ، (وهو في كتب العلم … إلخ) أي: ما تقدَّم من معنى الفصل في اللغة، ومعناه في كتب العلم كذلك، فمعناه في المحسوس والمعنويِّ واحدٌ، وأمَّا إذا أردنا بمسمَّى الفصلِ النقوشَ، اتَّضحَ الفصلُ، ولعلَّه هو المراد. (عرفًا) أي: في العُرف، فهو منصوبٌ بنزع الخافض، وهو مصدرُ فصَل يفصِل فَصلًا، بمعنى اسم الفاعل، أي: فاصل، بمعنى قاطع مجازًا: القطعة بين أجناس المسائل … إلخ. (ويباحُ كل إناءٍ طاهرٍ) غير منهيٍّ عنه. (ولو كان … ثمينًا) كجوهرٍ ونحوه، ولا يَحرُم منها إلا ما ورد الشرعُ بتحريمه. (أي: غالي الثمن) أخَذَه من صيغةِ فعيل؛ لأنَّها من صيغ المبالغة. محمد الخلوتي. كجوهرٍ … إلخ) ولُؤلُؤ، ومَرجانٍ، وزَبَرجَد، وبِلَّور، وعَقيق؛ وذلك لفقد العلَّة التي لأجلِها حرَّمت آنيةُ الذهب والفضة؛ لأنَّ كثيرًا من الفقراء لا يعرفُ الجوهرَ، وإنَّما يعرفُه خواصُّ الناسِ، فلا تنكسُر قلوبُ الفقراء؛ لأنَّهم لا يعرفونه، ولأنَّه ليسَ من النقدَين، فلا يحصل باتِّخاذها تضييقٌ، ولقلَّتها لا تتَّخذُ آنيةٌ منها إلا نادرًا، ولو اتخِذَت من غير النقدين، لم تستعمل غالبًا، فجاز استعمالُ ذلك وجعلُه آنيةٌ. ويجوز لرجال فصٌّ من ذهب إذا كان يسيرًا عرفًا. ولا يجوزُ اتخاذُ خاتمٍ من ذهب مطلقًا. دنوشري وإيضاح.

стр. 181

غير وصُفْرٍ، وحديدٍ؛ لما روَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ قالَ: "أتانا رسولُ الله ﷺ فأخرَجْنا له ماءً في تَورٍ من صُفْرٍ فتَوَضَّأ" رواه البخاري (١). والتَّور -بالمثنَّاة الفوقيَّة كما في "المصباحِ"-: إناءٌ صغيرٌ يُشرب به، فارسيٌّ معرَّب (٢). وقد وردَ أنَّه ﷺ توضأ من جَفنة (٣) وقِربة (٤)، فثبتَ الحكمُ فيها؛ لفعلهِ، وما في معناها مقيسٌ عليها؛ ولأن العلَّة المحرِّمة للنقدينِ مفقودةٌ في الثمينِ. ويُستثنى من إباحةِ الإناء الطَّاهرِ ما أشار إليه بقوله: (غيرَ) عظمِ آدميٍّ وجلدِه، ومغصوبٍ، (وصُفرٍ) وهو النحاس. منه (من جَفنةٍ) وهي قصعةٌ صغيرةٌ. منه (وما في معناها) أي: الجَفْنة أو القِربة، أو أنَّ المعطوفَ والمعطوفَ عليه كالشيءِ الواحد، فلم يُثنِّهما لذلك، والذي في معناهما في جواز الاستعمال الجوهرُ، واللؤلؤُ، والمرجانُ، وغيرُ ذلك ممَّا ذكرَه الشارح. (ولأنَّ العلَّةَ المُحرِّمةَ … إلخ) عطفٌ على قوله: "لما روى عبدُ الله … إلخ) وهي تضييق النقدَين، والخُيلاء، وكسرُ قلوب الفقراء. دنوشري وزيادة. (غيرَ عظمِ آدميٍّ … إلخ) مستثنًى من قوله: "ويباح كلُّ طاهرٍ … إلخ" يعني أنَّ ما ورد

стр. 182

إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ و (إناء ذهبٍ أو فضَّةٍ) - أو مضبَّب (١) بهما أو بأحدِهما، فيحرمُ اتخاذُها واستعمالُها على الذكر والأنثى والخنثى، مكَلَّفًا كان أو غيره، بمعنى أنَّ وليَّه يأثم بفعلِ ذلك له، وبتمكينهِ منه. والأصلُ في تحريمِ استعمالِ الذهبِ والفضَّةِ، ما روَى حُذيفةُ ﵁ قال: سمعت الشرعُ بتحريمِه يحرم اتخاذه، ولو لم يستعملْهُ؛ لأنَّ ما حَرُمَ مطلقًا، حرم أخذه على هيئة الاستعمال، ويحرم أيضًا استعمالُه إذا كانت الآنيةُ من ذهبٍ أو فضَّةٍ، وعليه جماهيرُ الأصحاب، وقطع به أكثرُهم؛ لما في ذلك من تضييق النقدَين … إلخ، ولما رَوى حذيفةُ. (وجلده) قال في "الفروع": يحرم استعمال جلد آدميٍّ مطلقًا. مصنِّف. عبارة "الفروع" (٢): ويحرم استعمالُ جلدِ آدميٍّ إجماعًا، قال في "التعليق" وغيره: ولا يطهر بدبغه وأطلقَ بعضُهم -يعني ابنَ حمدان- وجهين. قال محمد الخلوتي: وأمَّا ما نسبَهُ شيخنا إلى (الفروع) من قوله: "مطلقًا" فلعلَّه من جهة أنه أطلقَ في الاستعمال لا أنَّه صرَّح به. (وإناء ذهبٍ أو فضةٍ) ذكر الثعلبي في تفسير سورة براءة عن نِقطويه قال: سُمِّي الذهبُ ذهبًا؛ لأنَّه يَذهبُ ولا يبقى، وسُمِّيت الفضة فضَّةٍ؛ لأنَّها تَنْفَضُّ ولا تبقى. حفيد. (على الذكر والأنثى) لعمومِ الأخبارِ الواردة في ذلك، وعدمِ المخصِّصِ، فيستوي في ذلك الرجال والنساء. والمعنى فيهما أن كلا الجنسين مكلَّفٌ، ولم يكن دليل مخصِّصٌ، وإنَّما أُبيح للنساء من الذهب والفضة لحاجتها للتزيُّن والتجمُّل بها ولو زاد على ألف مثقال، كما سيأتي التنبيه على ذلك في بابه؛ لأن ما يتحلى به ليس من قبيل الآنية، فأُبيحَ لهنَّ، واختصَّت الإباحةُ بهنَّ؛ للتزيُّنِ بذلك لأزواجهنَّ وما ملكهنَّ. دنوشري. (بمعنى أنَّ وليَّه يأثم … إلخ) تفسير لقوله: (أو غيره).

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَشرَبوا في آنيةِ الذَّهب والفضَّةِ، ولا تأكُلوا في صِحَافِها، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخِرةِ" ورَوَت أمُّ سلمةَ ﵂، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الذي يَشرب في آنيةِ الذهبِ والفضَّةِ إنما يُجَرجِرُ في بطنهِ نارَ جهنَّمَ" متفق عليهما (١). والجَرْجَرَةُ: صوتُ وقوعِ الماءِ بانحدارِه في الجوف (٢). (ولا تأكلوا في صحافها) جمع صَحيفة: وهي القصعَةُ، وقيل: القصعة التي تُشبعُ العشرةَ، والصحفة التي تُشبعُ الخمسةَ. شيشيني. (فإنَّها لهم في الدنيا) أي: للكفَّار في الدنيا، ولا يدلُّ هذا على إباحتِها للكفَّار، فإنهم مخاطبونَ بفروعِ الشريعة على الصحيح، كما تقرَّر في الأصول، بل معناهُ أنَّهم لا يُمنَعون منها، فهي عندهم بمنزلةِ المباحة. شيشيني. بل لهم في الدنيا؛ استدراجًا وإملاءً، وللمسلمينَ في الآخرة؛ تنعُّمًا وإكرامًا. (إنَّما يُجرجِر … إلخ) قال الشيشيني: بضمِّ الياء، وكسر الجيم الثانية، ورُوي: "نارَ جهنم" بالنصب، وهو المشهور، فيكونُ الفاعلُ مضمَرًا، وهو ضميرُ الشارب، ومعناه: أن الشاربَ يُلْقي النارَ في جوفه بِجُرَعٍ متتابعةٍ يُسْمَعُ له صوتْ مردَّدٌ في حَلقِه. وأجازَ هذا الخطابيُّ والزَّجَّاجُ والمحقِّقون. وروي: "نارُ" بالرفع على الفاعليَّة، ومعناه: تصوِّت في جوفِه النارُ، وسُمِّي المشروبُ نارًا؛ باعتبار ما يؤول إليه؛ لأنه جزاؤه ومبيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: سيدخلونها، وكما سُمِّيت الخمرُ إثمًا؛ لأن شُرْبها يُوجِبُ الإثم، أو يكون على حذف مضافٍ تقديرُه: ما يوجِبُ له النار، لا شربه النار، والحاصل أن مجموعَ الحديثين التوعُّدُ على ذلك بالنار، فدلَّ على تحريمه. (والجرجرة) هي (صوتُ وقوع الماء بانحداره في الجوف). ولا أجرة لصناعةِ أواني الذهبِ والفضةِ وجميعِ آلاتِ اللهو؛ لكونها صناعة محرَّمة، ولا أرشَ لكسرها. دنوشري.

стр. 184

ونحوِ مطليٍّ بهما، وغيرُ الأكلِ والشربِ (١) في معناهما؛ لأنَّ ذكرَهما خُرِّجَ مخرجَ الغالبِ، فلا يتقيَّدُ الحكمُ به. (و) غيرَ (نحوِ مَطلِيٍّ) على وزنِ مَرميٍّ بتشديدِ الياء، اسم مفعولٍ (بهما) أي: بالذهبِ والفضَّةِ أو بأحدِهما. والطِّلاءُ: أن يُجعلَ الذهبُ أو الفضَّةُ كالوَرَقِ ويُطلى به الإناءُ. ونحوُ المطليِّ المُمَوَّهُ؛ بأن يُذابَ الذهبُ أو الفضَّةُ ويُلقَى فيه الإناءُ من نحاسٍ ونحوِه، فيكتسبَ من لونهِ، والمطعَّمُ والمكفتُ، فيحرمُ ذلك كله؛ لما روَى ابنُ عمرَ (فلا يتقيَّدُ الحكم به) أي: بالمذكورِ من الأكل والشرب، فيَحرمُ استعمالُ الذهبِ والفضَّةِ في غير ما ذُكِر؛ قياسًا على الأكل والشرب. (والطِّلاء … إلخ) أي: صفةُ الطِّلاء، أي: كيفيتُه، فيكتسبُ من لونه، فيصيرُ في رأي العين كأنَّه ذهبٌ محضٌ. دنوشري. (والمطعَّمُ) أي: الإناءُ المطعَّمُ بذهبٍ أو فضَّةٍ، وصفتُه أن يحفرَ في الإناءِ من الخشبِ أو غيرِه مواضع، ويوضعَ فيها القطعُ من الذهبِ أو الفضةِ بمقدارِ تلك الحفر. (والمكفَّتُ) أي: الإناءُ المكفَّتُ بذهب أو فضة، وصفةُ التكفيت أن يُبرَدَ الرِّكابُ (٢) الحديدُ فيصير فيه مجارٍ دقيقةٌ، ويوضعَ فيها الذهبُ أو الفضةُ، ويُدَق ويُصقَلَ إلى أن يتساوى المجاري، فكلُّ إناءٍ مُمَوَّهٍ، أو مطليٍّ، أو مطعَّمٍ، أو مكفَّتٍ، حكمُه حكمُ مُصمتٍ، أي: خالصٍ من الذهبِ أو الفضَّةِ في الحرمة؛ لأن العلَّة التي لأجلها حرم الاناءُ المصمت، وهي

стр. 185

إلا مضبَّبًا بيسير من فضَّة لحاجةٍ، ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ شَرِبَ من إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ أو من إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك فإنما يُجَرْجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ" رواه الدارقطني (١). (إلا) إناءً (مُضَبَّبًا بيسيرٍ) عرفًا (من فضَّةٍ؛ لحاجةِ) الإناءِ، وهي: أن يتعلَّقَ بها غرضٌ غيرُ الزينةِ ولو وُجِدَ غيرُها، كما لو انكسرَ الإناءُ فيباحُ اتخاذُ الضَّبَّةِ المذكورةِ إذن واستعمالُها؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: أنَّ قدحَ النَّبيِّ ﷺ انكسرَ فاتخذَ مكانَ (٢) الخيلاءُ … إلخ، موجودةٌ في ذلك. دنوشري. (إلَّا إناءً مضَببًّا بيسيرٍ … إلخ) مستثنًى من استعمالِ الذهب والفضة، والضَّبَّةُ في هذا المحلِّ: ما يُصلَح به الإناءُ من ذهبٍ أو فضةٍ، وهو حرامٌ إلا إذا ضُبِّبَ بضبَّةِ يسيرةٍ عرفًا من فضَّةٍ، لحاجةٍ ككسرِ القدحِ، ولا بأسَ بها حينئذٍ؛ لما قامَ على ذلك من الدليل، ونفيِ العلَّة المُحَرِّمة لذلك من معنى السرفِ والخيلاء. وفهم من قوله: (من فضَّةٍ) أن الضبَّة إذا كانت من ذهب، فهي حرامٌ مطلقًا، ولو كانت يسيرةً، حيث كانت لغيرِ حاجةٍ، والحاجةُ هي التي يتعلَّق بها غرضٌ غير زينةٍ، فمتى جُعِلت الضبَّةُ للزينةِ وغيرها، حُرِّمت؛ تغليبًا للزينة، ومراده بالحاجة أن يتعلَّقَ بها غرضٌ، بأنْ تدعوَ الحاجةُ إلى فعلها. وليس معناهُ أنْ لا تندفعَ بغيره. قال الشيخ تقيُّ الدين: مرادهم أن يحتاجَ إلى تلك الصورةِ، لا إلى كونها من ذهب أو فضةٍ، وليس معناهُ أن الحاجةَ لا تندفعُ إلا بالضَّبَّةِ من الفضَّة (٣). وممَّن رخَّصَ في الضبَّة اليسيرةِ إذا كانت من فضةٍ سعيدُ بن جبير، وطاوس،

стр. 186

وتصحُّ طهارةٌ مِن إناءٍ محرَّم. الشَّعبِ (١) سِلسلةً من فضَّةٍ. رواه البخاري (٢)، وهذا مخصِّصٌ لعمومِ الأحاديثِ المتقدمةِ. وعُلم من كلامهِ أنَّ ضَبَّة الذهبِ حرامٌ مطلقًا، وكذا الكبيرةُ عُرفًا من الفضَّةِ ولو لحاجةٍ، وأنَّ التي لغير حاجةٍ حرامٌ ولو يسيرةً من فضَّةٍ. (وتَصحُّ طهارةٌ) وضوءًا كانت أو غسلًا أو غيرَهما (من إناء مُحَرَّمٍ) لغضبٍ والشافعيُّ، وأبو ثور، وابنُ المنذر، وأصحابُ الرأيِّ، فحينئذٍ له دفعُ الحاجةِ بها ولو وجدَ غيرها، ولكن تُكرَه مباشرتُها حالةَ استعمالها، ولو أبيح فعلها؛ لأنَّه حينئذٍ يكون مستعملًا للفضَّةِ التي جاءَ الوعيدُ باستعمالها بلا حاجةٍ. كإن احتاجَ إلى مباشرةِ الفضَّة بأنْ كان بفمِه جرحٌ لا يستطيعُ معه مباشرةَ غير الضبَّةِ، أو كان الماءُ يندفعُ إذا شربَ من غير جهتها، أو نحو ذلك كتيسُّر تناولِ الطعام من جهتها. دنوشري مع زيادة. (وتصحُّ طهارةٌ .. من إناءٍ محرَّمٍ … إلخ) أي: تصحَّ طهارةٌ من إناءٍ حرم اتخاذُه واستعمالُه؛ لأنَّ الإناء ليس بشرطٍ ولا ركنٍ للعبادة، فلم تؤثر في الطهارةِ، لأنَّ الحرمةَ إنَّما تعلَّقت بالظرف دون المظروف، فصحَّت الطهارةُ منه، أو من إناءٍ مغصوبٍ، أو من إناءٍ ثمنهُ المعيَّن حرامٌ، كما إذا كان الثمنُ مغصوبًا، أو كلبًا، أو خنزيرًا، أو خمرًا. وقيل: لا تصح الطهارةُ من أواني الذهبِ والفضَّةِ والأواني المحرَّمةِ الاستعمال. واختارَهُ أبو بكر والقاضي وابنه أبو الحسين؛ وذلك لإتيانه بالعبادةِ على وجه محرَّمٍ، أشبهَ الصَّلاةَ في الأرضِ المغصوبةِ. وفرَّق بينهما في "المغني" (٣) بأنَّ أفعالَ الصلاةِ التي هي القيامُ والركوعُ والسجودُ

стр. 187

وتباحُ آنيةُ كفَّار أو غيرِه، بأن يغترفَ منه بيده، وكذا تصحُّ به، وفيه، وإليه، بخلافِ الصلاةِ؛ لأن الإناءَ والمكانَ ليسا شرطًا للطهارةِ. (وتُبَاحُ آنيةُ كفَّارٍ) أهلِ كتابٍ أو غيرِهم إن جُهلَ حالُها حاصلةٌ في المكان المغصوب، فهو استعمالٌ لها، بخلافِ أفعال الوضوءِ من الغَسل والمسحِ، فإنَّها ليست باستعمالِ للإناء المغصوب، وإنَّما يحصلُ ذلك برفعِ الماء من الإناءِ، أشبهَ ما لو اغترفَ بإناءٍ محرَّمٍ، وتصحُّ الطهارة أيضًا فيه، أي: الإناء المُحرَّم، بأن يتخذ إناءً كبيرًا يحرم اتخاذه واستعماله يسع قلتين فأكثر ويملأه ماءًا طهورًا مباحًا، وينغمسَ فيه وهو محدثٌ ناويًا رَفْعَ الحدث، فإنَّه يرتفعُ حدثهُ، وتصحُّ طهارتُه، أشبهَ ما لو صلَّى وفي يده خاتمُ ذهبٍ، فإن ذلك لا يؤثِّرُ في صحَّةِ الصَّلاة. وتصحُّ الطهارةُ بالماءِ المباح الطهور الذي انفصلَ عن الأعضاء، ووصل "إليه" أي: إلى الإناءِ المحرَّم، بأنْ يجعله مَصَبًّا لماء طهارته المنفصلِ عن أعضائه، كالطستِ؛ لأنَّ الماءَ الذي وصلَ إلى الإناءِ قد رفَع الحدثَ قبل وصوله إلى الإناء، فصحَّت طهارتُه، ولم تبطل به، ونبَّه صاحب "الإقناع" (١) على مسألةٍ رابعة، وهي قوله: "وبه" بأنْ يتَّخذ من الذهبِ والفضَّةِ أو نحوهما ممَّا يحرمُ إناءً، ويغترفَ به من الماء الطَّهورِ، ويَصبَّ به على أعضاء طهارته. ا هـ دنوشري مع زيادة. (أو غيره) كمسروقٍ ومقبوضٍ بعقدٍ فاسد. ح ف. (وتباح آنية كفار … إلخ) أي: وما لم تُعرَف نجاسته من آنيةِ كفَّارٍ، بأنْ جُهِل حالُها، ولو لم تحلَّ ذبيحتُهم، أي: ذبيحةُ الكفَّارِ أصحابِ الآنيةِ كالمجوسِ، وعبدَةِ الأوثان، والمرتدِّين، والزنادقة، والدروز، والتيامنة، والنصيريَّة، فإن أواني هؤلاء كلِّهم طاهرةٌ مباحةُ

стр. 188

وثيابُهم إن جُهل حالُها. (و) تُباحُ (ثيابُهم) أي: ثيابُ الكفارِ (إن جُهِلَ حالُها) بأن لم تُعلم نجاستُها، حتى ما وَليَ عوراتِهم. يعني: أنَّه يجوزُ للمسلمِ أن يستعيرَ من الكافرِ أوانيَه وثيابَه المجهولة، ونحكم بطهارتها، وأنَّها متى حصلت في أيدينا، لم يجب عينا (١) تطهيرُ ما لم نعلم نجاستَه منها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه توضَّؤوا الاستعمال، قال في "الإقناع" (٢): ويؤكلُ من طعامهم غير اللحم والدسم. والعلَّةُ في ذلك كونُ ذبيحتهم ميتةً. وما لم تُعلَم نجاستُه من ثيابِهم، أي: ثيابِ الكفار. ولو وَليت عوراتِهم كالسراويل: وهو أعجمي معرَّبٌ، ممنوع من الصَّرف، لشبهه بمفاعيل، وكالتُّبَّان (٣)، والقميص الذي لم تعلم نجاستُه، وكذا من لَابَسَ النجاسةَ كثيرًا، كمدمنِ الخمر، وكساح الشراب. وبدنُ الكافر، وطعامُ أهلِ الكتاب وماؤُهم، وكذا ما صبغوه أو نسجوه، طاهرٌ مباحُ الاستعمالِ؛ عملًا باليقين، وطرحًا للشكِّ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارة، والأصلُ في إباحة ذلك قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والطعامُ لا يقومُ غالبًا إلا بالآنية، وعملًا بالأصل وهو الطهارة، فلا تزولُ بالشكِّ. وفي كراهة ثوبِ المرضع والحائضِ والصغيرِ روايتان، ذكر في "الشرح" (٤) الإباحة، ثمَّ ذكر عن الأصحاب أنَّ التوقِّي لذلكَ أولى؛ لاحتمالِ النجاسة فيه. ولا يلزمُ السؤالُ عن طهارةِ شيءٍ من ذلك، بل ربَّما يكره. قيل لأحمد: عن صَبغِ اليهودِ بالبول، فقال: المسلمُ والكافرُ في هذا سواء، ولا يُسأل عن هذا، ولا يُبحث عنه فإنْ علمتَ، فلا تُصَل فيه حتى تغسلَه (٥). وتطهيره بالغسل ولو بَقِيَ اللونُ. وسأله أبو الحارث (٦)

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من مَزادةِ مشركةٍ. متفق عليه (١). ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، لكن ما لاقى عوراتِهم كالسراويلِ، فرُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعيدَ إذا صلَّى فيه. عن اللَّحم يُشترَى من القصَّاب؟ فقال: يُغسَل. وقال الشيخ تقيُّ الدين: بِدْعة (٢). وفي "الفروع" (٣): ثيابُ الكفار وآنيتهم مباحةٌ إنْ جُهِل حالُها، وفاقًا لأبي حنيفة. وفي "الإقناع" (٤): تصحُّ الصلاةُ في ثيابِ المرضعةِ والحائضِ وثيابِ الصبيانِ مع الكراهةِ، ما لم تُعلَم نجاستُها. دنوشري مع زيادة. قوله: (من مزادةِ مُشرِكةٍ) قال الجوهريُّ: المَزَادةُ: الرَّاويةُ. قال أبو عبيد: لا تكون إلَّا من جلدين، تُفأمُ (٥) بجلدٍ ثالثٍ بينهما لتتسعَ (٦)، والجمع: المزادُ والمزائِدُ (٧). قاله ابن نصر الله في "حواشي المنتقى" راجعه. (ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ) عطفٌ على قوله: (لأنَّ النبيَّ … إلخ). وقوله: (لكن) استدراكٌ على مجموعِ المعطوف والمعطوفِ عليه، دَفع به ما يُتَوهَّم ثبوتُه، وهو أنَّه تبُاحُ ثيابُهم حتى في الصَّلاة، هذا مبنيٌّ على الاحتياطِ والورعِ، والصحيحُ خلافُه. (إذا صلَّى فيه) أي: إذا صلَّى فيما لَقِي عوراتِهم.

стр. 190

ولا يَطهُر جِلْدُ ميتةٍ بدَبغ، (ولا يَطْهُرُ جلدُ ميتةٍ) نجُس بموتِها (بدَبْغٍ) له. هذا قولُ عمرَ وابنِه وغيرهما (١)؛ لما روَى عبدُ الله بن عُكَيمٍ قال: أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ قبل وفاتِه بشهرٍ أو شهرينِ: (ولا يطهرُ جلدُ ميتةٍ … إلخ) من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة بدبغٍ على الصحيحِ من المذهب وفاقًا لمالك؛ لأنّ الجلد جزءٌ من الميتة فلا يطهر بالدباغ (٢) فلا يحلُّ بيعُه بعدَ الدبغ كما يحرم قبله (٣) يحلُّ من الميتة بالدبغ ما كان طاهرًا في الحياة. قال ابنُ حمدان: [وهي أولى، ونقل جماعة] (٤) إنَّها آخر قولي أحمد ﵁؛ لما روى ابنُ عباس أنَّ النبي ﷺ قال: "أيُّما إِهاب دُبغ، فقد طَهُر" رواه مسلمٌ (٥) وغيره. وهو يتناولُ المأكولَ وغيرَه، فيخرجُ منهُ ما كانَ نجسًا في الحياة؛ لكون الدَّبغ إنَّما يؤثرُ في رفع نجاسةٍ حادثة بالموتِ فبقيَ ما عداه على مقتضى العموم. والأوَّل المذهب عند الأصحاب. دنوشري. (ابنُ عُكَيم) عن النبيِّ ﷺ ، بالتصغير وعينُه مهملةٌ، جُهينيٌّ كوفيٌّ مخضرمٌ، وكنيته أبو معبد من الثانية (٦)، وقد سَمع كتابَ النبي ﷺ إلى جُهَينَة، ماتَ في إمارة الحجاج. من

стр. 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "أن لا تَنْتَفِعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" رواه الخمسة (١)، ولم يذكرِ التوقيتَ غيرُ أبي داودَ وأحمدَ، وقال: ما أصَلح إسناده. وفي رواية الطبرانيِّ والدارقطنيِّ (٢): "كنتُ رخَّصتُ لكم في جلودِ الميتةِ، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" وهو دالٌ على سبْقِ الرُّخصة، وأنَّه متأخِّرٌ فيتعيّنُ الأخذُ به. "التهذيب" (٣) في باب العين المهملة. محمَّد الخلوتي. (بإهابٍ) وهو الجلدُ المدبوغ. (قال) أي: الإمام. (ما أصلحَ إسنادَه) بنصب "إسناده"؛ لأنَّ "ما" تعجبيَّةٌ، فهو منصوبٌ على التعجُّب. (وهو دالٌّ على سَبقِ الرخصة … إلخ) فهو ناسخٌ لما قبلَه؛ أي: حديثُ ابن عكيم ناسخٌ لما قبلَه، يعني أنَّ ما ورد من الأحاديث دال على سبق الرخصة بأن جلدَ الميتة يطهرُ بالدباغ، فحديثُ ابنِ عكيم متأخرٌ عمَّا ذكر، وإنَّما يؤخذُ بالآخِرِ من قوله ﵊، فحينئذ نُسِخَ ما سبق من تطهير جلد الميتة بالدباغ. (وأنَّه مُتَأخِّرٌ) وإنَّما يُؤخَذ بالآخِرِ من أمره ﵊، لا يقال: هو مرسلٌ؛ لكونه من كتابٍ لا يُعرَف حامِلُه؛ لأنَّ كتبَه ﵊ كلفظِه، ولهذا كان يبعثُ كتبَه إلى النواحي بتبليغِ الأحكام. فإن قيل: الإهابُ اسمٌ للجلدِ قبل الدبغ، قاله النضرُ بن شميل. فكيفَ قال فلان: تنتفعوا بإهابها، مع أنَّ النفعَ لا يكونُ إلَّا بعد دبغه؟ أُجيب بمنع ذلك. كما قاله طائفةٌ من أهل اللُّغة، يؤيِّده أنَّه لم يُعْلَم أن النَّبيَّ ﷺ رخَّص في الانتفاع به قبل الدبغ، ولا هو من عادة النَّاس. مصنِّف (٤).

стр. 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمرادُ بالمَيتَة في عُرفِ الشرعِ، كما في "المصباح": ما مات حَتفَ أنفهِ، أو قُتل على هيئةٍ غيرِ مشروعة، إمَّا في الفاعل أو في المفعولِ، فما ذُبح للصَّنمِ أو في الإحرامِ، أو لم يُقطع منه الحُلقوم ميتةٌ، وكذا ذَبحُ ما لا يُؤكل لا يُفيد الحلَّ ولا الطهارة (١). انتهى. والموتُ: عدمُ الحياةِ عمّا مِن شأنهِ الحياةُ، كما في "المطوَّل" أو عدمُ الحياة عمَّن اتَّصفَ بها، كما قاله السعد، وهو أظهر. وقد يُطلق الموتُ على ما لا حياةَ فيه أصلًا، كما قال تعالى في حقِّ الأصنامِ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]. (والمراد بالميتة … إلخ) هذه عبارةُ المصنف في "شرحه للإقناع"، والموتُ حتفَ الأنفِ: الموتُ من غيرِ فعل فاعلٍ. (على هيئةٍ غيرِ مشروعة … في الفاعل) بأن كان مجوسيًّا أو وثنيًّا ونحو ذلك، ممَّا لا تجوزُ ذبيحتُه، (أو … المفعولُ) أي: وقُتِل على هيئة- معطوفٌ على قوله: "فما ذُبح … إلخ"- غيرِ مشروعة في المفعول، كمتروك التّسمية. (فما ذُبح للصنم … إلخ) مُفَرَّعٌ على قوله: "أو قيل: على هَيئَة … إلخ". هو مبتدأ، خبرُه: "ميتةٌ". وقوله: (أو في الإحرام) لأنَّ المُحرِم لا يجوزُ له الذبح. (وكدا ذبح ما لا يؤكل لا يفيد الحلَّ). (وقد يطلق … إلخ) هذا من كلام الشارح، فالصفة لا توصف بالميتة على هذا أخذًا من قوله: "أصلًا". قال في "الإقناع" ممزوجًا مع "شرحه": ولا يطهرُ جلد ما كان نجِسًا في حياته، كالكلب بذكاةِ، كما لا يطهرُ لحمُه بها؛ لأنَّه ليس محلًا للذكاة، فهو ميتةٌ، فلا يجوزُ ذبحُه لجلده أو لحمه؛ لأنَّه عبثٌ وإضاعة (٢) لما قد يُنتَفع به، ولا يجوزُ ذبحه أيضًا لغير ذلك، كإراحته، ولو كانَ في النزع، وكذا الآدميُّ، بل أولَى، ولو وصلَ إلى حالة لا يعيشُ فيها

стр. 193

ويباح استعماله بعده (ويُباح استعمالُه) أي: جِلد الميتة (بعدَه) أي: بعد الدَّبغ بطاهر مُنشِّفٍ للرطوبةِ، منَقٍّ للخبث، بحيث لو نُقع الجلدُ بعده في الماء، لم يفسُد. وجَغلُ مُصْرانٍ (١) وكَرِشٍ (٢) وَتَرًا، دباغٌ. عادة، أو كان بقاؤه أشدّ تأليمًا له، وقد عمَّت بذلك البلوى. قال الدنوشرى: خلافًا لأبي حنيفة في أنَّ التذكيةَ تُطَهِّر جلدَ الحيوانِ الطَّاهر في الحياة دون لحمِه، على المفتي به عندهم. فلا يجوز عندنا ذبحُه لذلك، ولا لغيره، ولو في النزع، كما أنَّه لا يحلُّ لحمُ المأكول بتذكيته وهو في النزع؛ لأنَّه ليسَ فيه حياةٌ مستقرَّةٌ، فلا عبرةَ بتذكيته. انتهى (٣) … فيقال لها: ميتة على الأوَّل، دونَ الثَّاني؛ لعدم اتصافها بالحياة منه. (ويباحُ استعماله … بعدَه) مفهومه: أَنَّه يباحُ دبغُ جلدٍ من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة، أو غيرِ مأكولٍ نَجُسَ بموت، كما صرَّح به في "المنتهى" (٤)، سواءٌ كان مأكولًا في الحياة، أو غيرَ مأكولٍ، كالهرِّ ونحوه، واحترز بقوله: نَجُسَ بموتٍ، عمَّا إذا كان نجسًا حالَ الحياة، كالبغل، والحمار الأهليِّ، وسباعِ البهائم، وجوارحِ الطَّيرِ، والمتولِّد بينَ ذلك وغيره، فإنَّه لا يباحُ استعمالُ الجلدِ الذي نَجُسَ بالموت. (بعدَه أي: بعدَ الدبغ) ويحصلُ الدبغ بكلِّ طاهر مجفِّفٍ قاطع للرُّطوبةِ، فلا يحصلُ الدبغُ بنجسٍ -ولا بطهورٍ غيرِ مُنْقٍ للخبث، بحيثُ لو نُقِعَ الجلدُ بعدَه في الماءِ لفسُد، ولا بتشميسٍ، وتتريبٍ (٥)، وريحٍ- أشبه الاستجمار. ولا يفتقر الدبغُ إلى فعلِ آدميٍّ، فلو وقعَ الجلدُ في مدبغَةٍ (٦)، ومكثَ يسيرًا فقد حَصَل

стр. 194

في يابسٍ إن كان مِن طاهرٍ في حياةٍ. (في يابس) كدراهمَ، ودنانيرَ، ودقيق (إن كان) الجلدُ المدبوغ (من) حيوان (طاهرٍ في حياةٍ) كإبلٍ، وبقرٍ، وغنمٍ، وظِباءٍ، ونحوِها، ولو جلدَ غيرِ مأكولٍ، كالهر وما دونه في الخِلقَة؛ لأنَّه ﵊ وجَد شاةً ميتةً أعطِيَتها مولاة لميمُونةَ مِن الصدقةِ فقال ﵊: "ألَا أخَذوا إهابَها، فَدَبغوه، فانتفعُوا بهِ" رواه مسلم (١). وفُهم من كلامِه أنَّه لا يُباح انتفاعٌ به قبل دَبغه مطلقًا، ولا بَعده في مائعٍ، ولا إن كان جلدَ حيوانٍ نجس في حياةٍ كحمارٍ أهليٍّ. دبغُه؛ لأنَّه كإزالةِ النجاسةِ، فهو كالمطرِ إذا مر على الأرض المتنجسة. دنوشري مع زيادة. (في يابس) متعلق بـ "يباحُ استعماله" أي: يباحُ استعمالُ جلدِ حيوان طاهر في الحياة نَجُسَ بموتٍ، بعدَ دبغِه، في يابسٍ لا مائعٍ، فإنَّه يحرمُ حينئذٍ؛ لأنَّ في استعمالِ ذلك في المائعات تضمُّخًا بالنجاسة من غير ضرورة، وهو غيرُ جائز، والدليلُ على جواز استعمال الجلد المدبوغ في اليابسات دون المائعات، ما رَوى ابنُ عباس قال: تُصُدقَ على مولاة لميمونةَ بشاة فماتت، فألقتها، فمر بها رسولُ الله ﷺ فقال: "هلا انتفعتُم بإهابها فدبغتموه، فانتفعتم به" رواه مسلم (٢). ولأن الصحابةَ ﵃ لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجِهم وأسلحتِهم، وذبائِحُهم ميتة نجسة. ونجاستُها لا تمنعُ الانتفاعَ بها، كالاصطيادِ بالكلب، وركوبِ البغل والحمارِ، وإذا جاز استعمالُه، جازَ دبغُه. دنوشري. وما ذكره الشارح من الدليل مروي بالمعنى. (قبل دبغه مطلقًا) أي: لا في يابس ولا في مائع. (ولا أَنْ كان جلدَ حيوان … إلخ) هذا محترزُ قولِه: "من طاهرٍ في حياة" وذلك مثلُ:

стр. 195

وكل أجزاءِ الميتةِ ولبنُها نَجِسٌ غيرَ نحوِ شَعَرٍ وصُوفٍ (وكل أجزاء الميتةِ) مِن لحمٍ، وشحمٍ، ومُخٍّ، وعظمٍ، وعصَبٍ، وقَرنٍ، وظُفُرٍ، وحافرٍ، وأصولِ شعرٍ، ونحوِه نُتِفَ، نجسٌ. (و) كذا (لبنُها) أي: لبنُ الميتةِ (نجسٌ) لأنَّه (١) مائع لاقَى وعاء نجسًا، فتنجَّس. (غَيرَ نحوِ شَعرٍ) لغنمٍ (٢) (وصوفٍ) لضأنٍ كوَبَرِ إبلٍ، وريشِ طائر، ولو غيرَ سباع البهائم، والحمُر الأهليةِ، والبغال، ونحوها، وكجوارحِ الطير، فإن شعرَ ذلك وريشه نجسٌ؛ لأنَّه نجسٌ في الحياة، ففي الموت أولى. والوبَرُ، بالتحريك: صوفً الإبل والأرانب ونحوها. حفيد. (وكلُّ أجزاءِ الميتةِ … ولبنها … نجسٌ) فـ "كل" مبتدأ، و"نجسٌ" خبر مطلقًا، مأكولٌ، أو غيره كالفيل، أما نجاسةُ لبنِ الميتَةِ والإنْفحة، لما رَوى سعيدُ بن منصور: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، أنَّ ابنَ عباس سئِل عن الجبن يصنع فيه أنافح الميتة؟ فقال: لا تأكلوه (٣). وقال: لا تأكلوا من الجبن إلَّا ما صنعَ المسلمون وأهلُ الكتاب. رواه البيهقي (٤). وذلك لأنَّه مائعٌ في وعاءٍ نجس، أشبه ما [لو] (٥) حُلِب في إناءٍ نجسٍ، وأمَّا جلدةُ الإنفحة، وما ذُكر من أجزاء الميتة، فمن جُملةِ الميتة المحرمة؛ لأنَّ الحياةَ تَحُله، فيَنْجُسُ بالموت، كالجلد، ودليلُه: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، وقولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والعظمُ، والقرنُ،

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مأكولةٍ، فذلك طاهرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] والآية سِيقَت للامتنانِ، فالظاهر شمولُها لحالتَي الحياةِ والموتِ، والريشُ مَقيس على الثلاثة (١). وحَرم في "المستوعب" نتْفَ ذلك من حيٍّ؛ لإيلامِه، وما ذُكِر من جملةِ الميتَةِ، فيكون محرمًا، وبدليل الإحساسِ والألم، وهو في العظام أشد منه في اللحم، والفرسُ يتألم، ويحس ببرودة الماء وحرارته، وحُكمُ ما ذكرنا أن ذلك إذا أخِذ من مُذكى، فهو طاهرٌ، وإن أُخِذ من حيّ، فهو نجس. دنوشري. (فذلك طاهرٌ) لأنَّ ذلك كله لا تَحُلُّه الحياةُ، فلا يَحُله الموتُ، فلا يُعطَى حكمَه من النجاسة دليل طهارة المستثنى. (والآية سيقت للامتنان) بذلك على عبادِ الله تعالى، وما يُساقُ على وجهِ الامتنان يكون على أتم الأوصاف وأحمد الأحوال. (فالظاهرُ شمولُها لحالتي الحياة والموت) نقل الميموني (٢): صوفُ الميتة لا أعلمُ أحدًا كرهَه (٣). وأمَّا أصولُ شعر الميتَة ريشُها إذا نُتِفَ وهو رطب أو يابس، فنجس؛ لأنَّه بالنتفِ لا يُؤمَن انفصال جزء من الميتة معه، والمنفصلُ جزءٌ من المتَّصل، فأصولُه نجسةٌ برطوبةِ الميتةِ، وما عداهُ طاهر. وفُهِم من قوله: "طاهر في حياة" أن الحيوان إذا كان نجسًا في الحياة، فشعرُه ولعابُه وعرقُه نجس أيضًا في الحياة والممات، وهذا هو المشهورُ عن الإمام أحمد، نفعنا الله به. دنوشري. (والريشُ مقيسٌ … إلخ) جوابٌ عن ما يقال: أخَّره عن الشعر والصوف والوبر ولم يقدمه عليها، وحاصل الجواب: أنَّه مقيسٌ، والمقيسُ مؤخر عن المقيس عليه.

стр. 197

وما أُبينَ مِن حيٍّ كميتةٍ. وكرهه (١) في "النهاية". (وما أُبينَ) بالبناء للمفعول، أي: فُصِلَ (مِن) حيوانٍ (حيٍّ) من قَرنٍ وألْيةٍ ونحوِهما، فهو (كميتةٍ) طهارةً ونجاسةً؛ لقوله ﵊: "ما يُقطَعُ مِنَ (وما أُبينَ … إلخ) أي: انفصلَ من حيوانٍ حيٍّ، فكميتته. أي: فحكمُه حكمُ ميتَته في الطهارة والنجاسة. فإن كانت ميتتُه طاهرة، كالسمكِ، والجرادِ، والآدميِّ، وما لا نفسَ له سائلةٌ، كالجراد، والذباب، والنمل، والنحل، والقَمل، والبُرغوث، وما أشبهَ ذلك، فالذي أبينَ منه طاهرٌ؛ تبعًا لميتته. وإن كانت ميتتُه نجسةً، فهو نجسٌ، كبهيمة الأنعام، فما قُطِع منها في حياتها من لحم، وقَرْنٍ، وظُفرٍ، وعَصَبٍ، وحافرٍ، فهو نجسٌ؛ لقوله ﷺ : "ما يقطع … " إلخ. والأصلُ في طهارة الميتتة من الذبابِ ونحوه ممّا لا نفسَ له سائلة، قولُه ﷺ : "إذا وقع الذبابُ في شرابِ أحدكُم فليغمسه كله، ثُمَّ ينزِعهُ، فإن في أحدِ جناحيه داءً، وفي الآخرِ شفاء" رواه البُخاريّ ومسلم (٢). والأمر بغمسِه يقتضي طهارتَه. ويُستثنى من هذه القاعدة -أعني "وما أبين … إلخ"- الطريدةُ بين قومٍ لا يقدرون على ذكاتِها، فيَقطعُ ذا منها بسيفه قطعة، ويقطع الآخرُ قطعة، وهو حيُّ حتَّى يؤتى عليه بقصد تذكيته، وكذا البعيرُ الناد إذا شردَ، أو تردى في بئر، وقَصد تذكيتَه، ولا يقدِر على ذبحه. وكذلك المشيمةُ في هذا الحكم، فالحيوانُ الذي بعد الموت طاهرٌ، تكونُ مشيمتُه طاهرةً، كالآدمي، وما يكون نجسًا فنجسةٌ، والمشيمةُ: هي طَرَفً الولدِ. وأمَّا حكمُ الجزءِ المنفصل من الصيد، فإن قَطع الصيدَ قطعتَين متساويتَين أو متقاربتَين،

стр. 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البَهيمةِ وهي حيَّة، فهو مَيتَة" رواه التِّرمذيُّ (١). وقال: حسن غريب. ودخل في كلامهِ ما يتساقطُ من قُرون الوُعولِ (٢). ويُستثنى من ذلك طريدةٌ (٣) وولدٌ، وبيضةٌ صَلُب قشرها، [وصوفٌ، ونحوه] (٤) مما تقدم، ومِسك وفأرتُه (٥). أو قَطع رأسَه، حل، وإن أبانَ منه عُضْوًا غيرَ الرأس، ولم تَبقَ فيه حياةٌ مستقرة، وكانت البينونةُ والموتُ معًا، أو بعدَه بقليل، أكِلَ وما أبينَ منه، وإنْ كانت مستِقرة، فالمبانُ حرامٌ، سواءٌ بقيَ الحيوانُ حيًا، أو أدركَه فذكَّاه، أو رماهُ بسهم آخرَ فقتلَه، وإنْ بقيَ معلقًا بجلدِه، حل بِحله (٦)، لأنَّه لم يَبِن. كما ذكره في "الإقناع". دنوشري. (ودخلَ في كلامه) وهو القاعدة المذكورة بقوله: "وما أبين … إلخ". (من قرون الوعول) أي: فإنه نجسٌ. محمَّد الخلوتي. (وبيضة صَلُب قشرها) أي: لا ينجسُ بالموت باطنُ بيضةِ حيوان مأكولٍ صَلُبَ قشرُها في بطنِ الميتةِ؛ لأنَّ صلابةَ قشرِها تمنعُ النجاسةَ عن باطنِها، أشبهتِ الولدَ إذا خرجَ حيا من ميتة، وأمَّا ظاهرُها فهو نجس يطهرُ بغسله. مصنِّف (٧). وفُهِم من قوله: "صَلُب قشرُها" أنَّها إذا لم يتصلب قشرُها، فهي نجسة بموتِ الطاهر الذي هي في جوفه؛ لعدم الحائل الحصين. دنوشري مع زيادة. (ومِسك وفأرته) قال في "الإقناع" مزودًا بشرحه (٧): والمسكُ وجلدتُه طاهران -لأنَّه

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . منفصلٌ بطبعه، أشبهَ الولدَ -ودودُ القَزِّ وبزرُه، ودودُ الطَّعامِ الطاهر، ولعابُ الأطفال [طاهر]؛ لحديث أبي هريرة: "رأيتُ النَّبيُّ ﷺ حاملَ الحسين على عاتقه ولعابه يسيل عليه" (١). قلت: ظاهره ولو تعقَّب قيئًا، ولم تُغسل أفواههم؛ لمشقةِ التحرُّزِ. كالهر إذا أكل نجاسة، ثمّ شربَ ماء. وما سالَ من فمٍ عندَ نومٍ طاهرٌ، كالعَرَق والرِّيق (٢).

стр. 200

باب الاستنجاء باب الاستنجاء البابُ في الأصل: ما يدخلُ منه إلى المقصودِ. وقد يُطلق على الصِّنْفِ. وهنا (١): اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العِلْمِ، مشتملةٍ على مسائلَ وفصولٍ غالبًا، باب الاستنجاء وألغز فيه بعضهم فقال: وما شيءٌ حقيقته مجازُ … وأوله وآخره سواءُ وفيه صحةٌ وبه اعتلالُ … له الإعرابُ حقًّا والبناءُ والجواب: أنَّه الباب، فإنَّه حقيقة في الفرجةِ التي يُجازُ منها، وأوله باء، وآخره باءٌ، وفيه حرفان صحيحان وحرف مُعَلٌّ، وهو معرب، ويُبنَى البناءَ الحسيَّ الذي يكونُ في الأجسام، وليس المرادُ به ما قابلَ الإعراب. وأصلُه: "بوب"؛ لقولهم في الجمع: أبواب، تحركت الواو، وانفتحَ ما قبلَها، فقُلِبت ألفًا، فصارَ بابًا. دنوشري. (وقد يُطلق على الصنْف) إطلاقًا لغويًا، فيقال: أبواب مُبوبة، أي: أصناف مصنفة. وهو لغةً: فُرجَةٌ في ساترٍ، يُتوصَّل بها من داخلٍ إلى خارج، وعكسه. وفي الاصطلاح: اسمْ للألفاظِ المخصوصةِ من حيث دلالتها على المعاني المخصوصة، فبابُ الشيءِ ما يُتوصَّل منه إليه، كبابِ الدار، فبابُ الاستنجاء ما يتوصل منه إلى الوقوفِ على مسائله. (وهنا) أي: في الاصطلاح. (على مسائلَ وفصولٍ غالبًا) راجعٌ للفصول، ومن غير الغالبِ لا تُذكَرُ الفصولُ في الأبواب.

стр. 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما تقدَّمت الإشارة إليه. والاستنجاءُ: من نجوتُ الشجرةَ وأنجَيتُها: إذا قطعتَها، كأنَّه (١) يقطع الأذى عنه (٢). (كما تقدمت الإشارةُ إليه) في قوله: "وهو كالكتاب والباب عرفًا" (٣). (والاستنجاءُ) والاستطابةُ والاستجمارُ عبارة عن إزالةِ الخارجِ من السبيلين عن مخرج، فالاستطابةُ والاستنجاءُ يكونان تارة بالماء، وتارة بالأحجار. والاستجمارُ مختص بالأحجار، فبينَ الاستنجاءِ والاستجمارِ عموم وخصوص مُطلَق، فكلُّ استنجاء استجمار، ولا عكس. مأخوذٌ من الجمار، وهي الحصى الصغار، قال في "القاموس": واستطَاب: استَنْجَى، كأطاب (٤). سُمِّي استطابة؛ لأنَّ نفسَهُ تطيبُ بإزالةِ الخبث. مصنف (٥). (إذا قطعتَها) بفتح التاء، بخلافِ ما لو أتيت بـ: "أي" بدل "إذا"، فإنَّه كان يتعيَّن ضم التاء، وإلى هذه التفرقة أشار بعضهم بقوله: إذا كَنَيتَ بأي فعلًا تُفسره … فضُم تاءَك فيه ضم معترِفِ وإن تكن بإذا يومًا تُفسِّره … ففتحةُ التاءِ أمرٌ غيرُ مختلفِ (٦) ووجههُ: أن التاءَ مع "أي" تاءُ المتكلِّم، ومع "إذا" تاءُ المخاطَب، توضيحُ ذلك: أنَّه إذا فسرتَ الفعلَ بـ "أي"، ضممتَ؛ لأنَّ ما قبلَ "أي" عين ما بعدَها، كما في قول الفقهاء:

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعُرفًا: إزالةُ خارج من سبيل بماءٍ أو حجر ونحوِه. نجوتُ الشجرةَ، أي: قطعتُها، وإذا فسرتَهُ بـ "إذا" فتحتَه؛ لأنَّ "إذا" لما يَستقبِلُ من الزمان، فيكونُ مخاطِبًا لغيره. محمَّد الخلوتي بإيضاح. (إزالة خارجٍ من سبيلٍ) معتادٍ، فإنْ قيل: التعريفُ غيرُ مانع؛ لدخولِ غيرِ أفرادِ المحدود فيه، إذْ لو زالَ الخارجُ من سبيل عن نحو بدن، لم يُعَدّ ذلك استنجاءً، مع أن الحدّ يُدْخِله؛ لتعلق "من سبيل" بـ "إزالة"؟ أجيب بزيادة الحدّ من سبيل، أي: عنه، على أن قولَه "من سبيل" يتنازَعُه كل من "إزالة" و "خارج" فأُعمِل الثَّاني، وأُهمل الأوَّل، فـ "من" مستعملة في حقيقتِها ومجازِها، أي: إزالةُ خارج من سبيل عنه. والسبيل: الطريقُ، يذكَّر ويؤنَّث. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. والمراد هنا: طريقُ الخارجِ، وهو القُبُل والدبُر. محمَّد الخلوتي بإيضاحٍ وزيادة. (بماءٍ أو حجرٍ) لمنع الخُلُو، فتَجوزُ الجمع يؤخذ منه أن الاستجمارَ بالحجر ونحوه يُسَمَّى استنجاء أيضًا، وهو كذلك، وصرح به في "المطلع" (١). وقوله: (ونحوه) من كل طاهر قالع مباحٍ مُنْقٍ، كخشب وخزفٍ، ولا يجزئُ بطعام، ولا عظم، ولا مُتَصَلبٍ بحيوانٍ، كما سيأتي التنبيهُ عليه. وإزالةُ الخارج عن المخرج يسمى أيضًا استجمارًا، وهو استفعال من الجمار، وهي الحجارةُ الصِّغار؛ لأنَّ المستنجي يستعملُها في إزالةِ الخارج من السبيلين. وعبَّر بعضُهم بالاستطابةِ وآدابِ التخلي، كصاحب "الإقناع" (٢)، يقال: استطابَ وأطابَ: إذا استنجى. قالهُ أهلُ اللُّغة. دنوشري مع زيادة.

стр. 203

يُستحب عندَ دخولِ خلاءٍ وأولُ من استنجى بالماء إبراهيمُ ﵇. (يُستحب) لمريدِ قضاءِ حاجةٍ (عند) أي: قبلَ (دخولِ) نحو (خَلاءٍ) بالمدِّ، وهو المكانُ المُعد لقضاءِ الحاجةِ (١) (يستحب لمريدِ قضاء حاجة … إلخ) ولما كان المقتضي للاستنجاء قضاء الحاجة، بدأ بذِكرِ آدابها، وهي كثيرة، ذكر منها المؤلفُ فوق العشرين، منها ما يُستحبُّ فعله، وما يُكرَه، وما يحرم فعله. لا يقال: المصنِّفُ صرّح بالاستحباب، وصاحب "المنتهى" عبَّر بقوله: يسن لداخل خلاءٍ … إلخ (٢). فهل هناك فرق بين السُّنة والاستحباب، فيتبع "المنتهى" في التعبير، إلَّا أن يقال: صرَّح صاحب "المنتهى" في "تحرير الأصول": المندوب يسمى سنة ومُستحَبًا (٣). فكل منهما يثاب فاعلُه، ولا يعاقب تاركه. هذا هو السر في تعبير المصنف بـ "يستحب"، وتعبير "المنتهى" بـ "يُسَن"، فهو تفنن. وفُرِّق بين المستحب والمباح بأن الأوَّل سنَّة كإغاثةِ الملهوف، وإطعامِ الجائع، فيثابُ على ذلك، وأمَّا المباح فكأكلِ الإنسانِ وشُرِبه، فلا يُثابُ عليه. (نحو خلاء بالمدِّ)، وهو المكانُ الذي لا شيءَ فيه، والمراد هنا: (المكانُ المعد لقضاء الحاجة). قال الجوهري: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يتخلى فيه، أي: ينفردُ لقضاءِ حاجتِه. ونحو الخلاء: كالصحراء، والحمام، فإن الشَّيخ العلقمي (٤) نصَّ في "حاشية الجامع

стр. 204

قول: بسمِ الله، (قولُ) بالرفعِ نائبُ فاعل "يستحبُّ": (بسمِ اللهِ) لحديثِ عليٍّ يرفعُه: "سَتْرُ ما بينَ الجنِّ وعَوراتِ بَني آدمَ إِذا دَخلَ الكَنِيفَ أن يقولَ: بِسمِ اللهِ" رواه ابن ماجه الصغير" نقلًا عن "إحياء" الغزالي (١)، أَنَّه ينبغي أن يُقَال هذا الذكْرُ عندَ دخولِ الحمَّام. وكان الشَّيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي شيخُ الشيخِ منصورٍ المؤلفِ يفعلُه، وسيأتي كلامُ الشارحِ في باب السواك عندَ قول المصنِّف: "وشأنه كله" (٢)، غير ما استثني كدخولِ الخلاءِ والحمامِ، وهذا يشيرُ إلى إلحاقِ الحمام بالخلاء. محمَّد الخلوتي. (بسم الله) أي: يَحسُن عندَ دخولِ الخلاء، أو عند إرادةِ قضاءِ الحاجة بالصحراء. دنوشري. (سترُ ما بين … إلخ) يعني: أن اسمَ الله كالسترِ، أو سببٌ له؛ لأنَّها إذا ذكرت، ذهبت العلة، (لحديثِ علي … إلخ) ومعناه: أتحصَّنُ ببسم الله من الشَّيطان الرجيم، ويقالُ في ابتداء كُل فعل؛ تبركًا بها، وقُدمت هنا على الاستعاذةِ، لأنَّ التعوذَ هناك للقراءة، والبسملةُ من القرآن، فيقدمُ التعوذ عليها، وابتدأ بها هنا للتبركِ، بخلاف القراءة، وشرطُه أن لا يقصِد بالبسملة القرآنَ عد دخولِ الخلاء، فإنْ قصدَه [حرم]. قاله بعضهم. قاله في "المبدع" (٣). قال محمَّد الخلوتي: لعلهُ أشارَ بقوله: قاله بعضهم، إلى التبرُّؤ منه، ووجهُ التبرؤ واضحٌ؛ لأنَّه محمولٌ على إرادةِ الدخول كما هو صريحُ روايةِ البُخاريّ (٤)، فلا وجهَ للتحريم، واستعمال الفعل في إرادتِه مستفيضٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فتدبر. (إذا دخل الكنيف) أي: إذا أراد دخولَ الكنيف.

стр. 205

أعوذُ باللهِ مِنَ الخُبْثِ والخبائِثِ، وعندَ خروجهِ: والترمذي (١)، وقال: ليس إسناده بالقوي. ثم يقول: (أَعوذُ باللهِ) أي: ألجأ إليه (مِنَ الخُبث) بإسكان الباء، أي: الشر (والخَبائثِ) أي: الشياطين. وهذا قولُ القاضي عياضٍ (٢)، وذكر أنَّه أكثرُ رواياتِ الشيوخِ؛ فكأنّه استعاذَ مِن الشَّر وأهلِه. وقال الخطابي (٣): الخُبُثُ، بضمّ الباءِ: جَمع خبيثٍ. والخَبائثُ: جمع خَبِيثَة؛ فكأنَه استعاذَ مِن ذُكرانِ الشياطينِ وإناثِهم؛ وذلك لحديثِ أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ الخلاءَ قال: "أعوذُ باللهِ مِنَ الخُبثِ والخبائِثِ" (٤). (و) يستحبُّ (عند خُروجِه) أي: بعد خروجِ قاضي الحاجةِ مِن نحوِ خلاءٍ أن (من الخُبثِ بإسكان الباء) اسمُ مصدرٍ بمعنى الشر، والاستعاذةُ منهم في البناء المعد لقضاءِ الحاجة؛ لأنَّه مأواهم، وفي الفضاء؛ لأنَّه يصير مأواهم بخروج الخارج. (بضمّ الباء) أي: والخاء، جمعُ خبيث، وهو كل مُؤذٍ من الجن والإنس والشياطين. (أن النَّبي ﷺ … إلخ) فيه أنَّه ﷺ محفوظ من الإنس والجن والشياطين، فكيف أن يستعيذ من ذلك؛ لأن الشيطانَ لا يوسوس له، إلَّا أن يقال: أَنَّه كان يأتي بذلك للتعميم، وإظهارًا للعبودية.

стр. 206

الحمدُ للهِ الذي أذْهبَ عني الأذَى وعافاني. وتقديمُ يُسرْى رجليه دخولًا، يقولَ: (الحمدُ للهِ الذي أَذهبَ عني الأذَى وعافاني)؛ لقول أنسٍ: كان رسولُ اللهِ- ﷺ إذا خَرج مِن الخلاءِ قال: "الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني" رواه ابن ماجه (١)، مِن رواية إسماعيل بن مسلم، وقد ضعفه الأكثرُ. (و) يستحب لداخلِ نحوِ خَلاء: (تقديمُ يُسْرَى رِجْلَيْه دخولًا)؛ أي: في حالةِ دخولِه نحوَ الخلال فقوله: "دخولًا" منصوبٌ على الحالِ، على تأويل داخلًا، كما في: جاء زيدٌ ركضًا، أي: راكضًا (٢). (الحمد لله الذي أذهب عني … إلخ) والسر في هذا الدعاء أنَّه لما خَلَص من النجو والبول المثقِلَينِ للبَدَن، سألَ الخلاصَ مما يُثقِل القلب -وهو الذنبُ- بالغفران؛ لتكملَ له الراحةُ الحسيةُ والمعنويةُ بغفرانِ الذنوب وسَتْرها، وروي عن سيِّدنا نوح ﵊ أَنَّه كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمدُ لله الذي أذاقني لذَّته، وأذهبَ عني مشقته، وأبقى في جسمي قوته (٣). دنوشري. (وتقديم يسرى رجلَيه دخولًا) أي: حالةَ دخوله الخلاء، ومثلُه حمام، ومغتسل، ونحوهما؛ لأنَّ اليسرى للأذى، واليمنى لما سواه؛ لأنَّها أحق بالتقديمِ إلى الأماكن الطيِّبةِ، ولما رَوى الحكيمُ التِّرمذيُّ (٤) عن أبي هريرة أَنَّه قال: من بدأ برجلِه اليمنى قبلَ يسارِه إذا دخل الخلاءَ، ابتلي بالفقر. دنوشري. (علي تأويل داخلًا) الذي أحوجَه للتأويل، أن الحالَ لا تكونُ إلَّا مشتقة، و "ركضًا"

стр. 207

واعتمادهُ عليها جالِسًا، واليُمْنى خروجًا، (و) يستحب (اعتمادُه) أي: قاضي الحاجةِ، أي: اتكاؤه (عليها) أي: على يُسرى رِجليه، حالَ كونهِ (جالسًا) لقضاءِ حاجتهِ، وينصِب اليُمنى، فيضع أصابِعَها على الأرضِ وَيرفع (١) قَدَمَها؛ لحديث سُراقةَ بنِ مالكٍ قال: أمَرنا رسولُ الله ﷺ أن نتكِئَ على اليُسرى، وأن نَنْصِبَ اليُمنى. رواه الطّبرانيُّ والبيهقي (٢)؛ ولأنه أسهلُ لخروجِ الخارجِ. (و) يستحبُّ لقاضي الحاجةِ تقديمُ رِجله (اليمنى خروجًا) أي: خارجًا مِن نحوِ خلاء؛ لما روَى الحكيمُ الترمذي (٣) عن أبي هريرةَ: مَن بَدَأ برجْله اليُمنى قَبلَ يَساره إذا دخلَ الخلال ابتُلِيَ بالفقر. ولأن اليُسرى للأَذى، واليُمنى لما سواه. مصدر جامد، هذه طريقه، وهي التي مَشى عليها الشارحُ؛ لترجُّحِها عنده، والثانية طريقةُ ابنِ مالك بأن الحالَ تكونُ مشتقةً غالبًا (٤)، فـ "ركضًا" حال على هذا من غير تأويلِ بمشتق. (ولأنه أسهل) هذه هي الحكمةُ في ذلك، قال بعض الصّحابة رضي الله تعالى عنهم: جزى اللهُ سيِّدنا ونبينا محمدًا ﷺ عنا خيرًا، علمنا كيف نبول، وكيف نتغوط. دنوشري. (لما) شَرُفَ ولو نسبة، وليس هذا خاصًّا بالبنيانِ، بل يُقَدم يُسراهُ إلى مكانِ جلوسه في الصحراء، ويقدِّمُ يمناه عندَ منصرفه. دنوشري.

стр. 208

عَكْسُ مسجدٍ ونحوهِ. وبُعْدُه في فضاءٍ، ومثلُ خلاءٍ: حمام ومغتسَلٌ ونحوُهما مِن أماكنِ الأذى. وذلك (عكسُ مسجدٍ ونحوه) كمنزلٍ، فيقدِّم فيهما يُمناه دخولًا، ويُسراه خروجًا. ومثلُه (١): لُبسُ ثوبٍ ونعلٍ، فيُدخل يُمنى يدَيه قَبل اليُسرى (٢) في اللبس، ويُمنى رِجليه قَبل اليُسرى في الانتعالِ، ويَعكس في الخلع. (و) يُستحب لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (بُعْدُه) بضمّ الباء: أي إبعادُه (٣) [عن العيونِ إذا كان] (٤) (في فَضاءٍ) كصحراءَ؛ لحديث جابر: أنَّ النبي ﷺ كان (عكس مسجدٍ) أي: عكسُ دخولِ الخلاء دخولُ مسجدٍ، فإنَّه يسن له أن يُقَدِّم اليمنى في دخولِ المسجد والمنزل، وكل مكانٍ شريفٍ، ولبسِ قميصٍ ونحوه، كسراويلَ، ويؤخرها خروجًا. وكذا انتعال، أي: لُبس نعل ونحوهِ، كخف؛ لما رَوى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتعلَ أحدكم فليبدَأ باليمنى، وإذا خَلَع فليبدَأ باليسرى". رواه الطّبرانيّ في "معجمه" (٥). فلو خرجَ من المسجدِ، قدّم اليسرى على النعل من غير أن ينتعِل، ثمّ اليمنى كذلك، ثمّ انتعل بتقديمِ اليمنى على اليسرى؛ ليحصلَ الجمعُ بين الخروجِ من المسجد، والانتعال. (ويعكسُ في الخلع) أي: أنَّه يسن له إذا أرادَ خلعَ نعلَيه، أو خُفيه، أن مقدم خَلعَ نعلِه اليسرى، ويؤخر اليمنى. (وبُعْدُه في فضاء) أي: يُسن لمريدِ قضاءِ الحاجةِ بفضاءٍ -كصحراءَ ونحوها- بعد عن

стр. 209

واسْتِتارُه، إذا أراد البَراز [، انطلق حتَّى لا يَراه أحدٌ. رواه أبو داود (١). والبَراز] (٢) -بفتح الباء، والكسرُ قليلٌ-: الفضاءُ الواسعُ الخالي مِن الشجر (٣). وهو [في الحديث] (٤)؛ كناية عن التغَوُّط. (و) يُستحب (استتارُه) عن ناظرٍ؛ لخبر أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَن أتى الغائطَ، فليَستتر، فإن لم يَجد إلَّا أن يجمعَ كثيبًا مِن رملٍ، فليَستتر به، فإن الشيطانَ يَلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، مَن فَعل، فقد أحسنَ، ومَن لا، فلا حَرج" رواه أبو داود (٥). النَّاس، وعن مجلسِهم، مع أمن، وصرح السامري (٦) بالاستحباب، ولأنَّه خرجَ منه رائحة كريهة، فتتضرر الجماعةُ، أو يخرج منه، فيستحي من النَّاس. دنوشري. (رواه أبو داود) يصحُّ برفع "داود" على أحدِ الأوجُهِ في إعراب المُتَضايفَين، على أن الإعراب على الجزء الأوَّل، والثَّاني ملازم لحالة واحدةٍ، وهو المشهور كعبد الله، والوجه الثالث: مبني في الأحوالِ الثلاثة، فهو مبني على الفتح في محل رفع، مبني على الفتح في محل نصب، مبني على الفتح في محلِّ جر. (والكسرُ قليل) مبتدأ وخبر. (وهو … كناية عن التغوط) من باب إطلاقِ اسمِ المحل على الحال. ق س. فهو مجاز مرسل علاقتُه الحالية والمحلية. (واستتارُه عن) أعينِ النَّاس وعن (ناظرٍ) إليه، بما أمكَنه من

стр. 210

وطلبُ مَكَانٍ رِخْوٍ لبولِه، (و) يُستحب لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (طلبُ مَكان رِخْوٍ) بتثليثِ الراء والكسرُ أشهرُ: أي: لينٍ هش (١). و "طلبُ": مضاف مرفوعٌ، و"مكانٍ": مضاف إليه. و "رخوٍ" - بالجرِّ-: صفةٌ لـ "مكان" (لبَوله)؛ لخبر أبي موسى قال: كنتُ مع النبي ﷺ ذاتَ يومٍ، فأراد أن يَبولَ، فأتَى دَمِثًا في أصل جِدارٍ فبال، ثم قال: "إذا بالَ أحدكم، فليَرْتَد لِبَوله" رواه أحمد وأبو داود (٢). والمكانُ الدَّمِث -بفتحِ الدالِ المهملةِ (٣)، وكسرِ الميمِ-: اللينُ السهلُ (٤). ومعنى: "فليرتد لبوله": ليطلب له مكانًا لينًا؛ ليأمنَ حائشِ (٥) نخل، أو كثيبِ رملٍ، أو بقية جدارٍ؛ لما رَوى عبد الله بن جعفر قال: كانَ أحبَّ ما استتر به رسولُ الله ﷺ لحاجتِه، هدفٌ أو حائشُ نخلٍ. رواه مسلم (٦). دنوشري. (فأتى دمثًا) قال في "القاموس": دمث المكان وغيره، كفَرِحَ: سَهُلَ ولان (٧). وقال العلقمي: بكسر الميم وفتحها: أي مكان، والأشهرُ: هو ما لان وسهل، وقد تُسهل الميم بالسكون. والجدار لم يكن ملكًا لأحد بل كان عاريًا وليس هو ملكه؛ لأنَّ البول يضر بالجدار؟ متوخيًا (٨)، ولا يجوز إضرار المسلم، فهو تعد على ملكه من غير إذن منه (٩). اعتقدنا طهارةَ فضلاتِه ﷺ ، ويجوزُ أن يكونَ قعودُه متباعدًا عن أساسِ الجدار، أو يكونَ

стр. 211

ومَسْحُ ذَكَرِه بيُسْرى يَدَيْه إذا فرغَ، مِنْ دُبُرهِ إلى رأسِه مِن رَشاش البولِ. زاد في "التبصرة": وَيقصِد مكانًا علوًا. انتهى، أي: لينحدرَ عنه البولُ. فإن لم يَجد رِخْوًا أَلصق ذَكَره بصُلْب -بضمّ الصادِ المهملة (١) -: أي: شديدٍ، بمعنى وضَع رأسَ ذَكَره على الأرضِ برفْقٍ. (و) يُستحبُّ لقاضي الحاجة (مسح ذكره بيسرى يديه إذا فرغ) أي: انقطعَ بولُه، عَلِم رِضا صاحبه، أو يكون البولُ رشاشًا خفيًا لا يضرّ لقلتِه. قال: وقد استُدِل به على جواز الانتفاع بملك الغير بما لا يُفسِده، كالاستظلال، والاستناد، والاستضاءة من سراج، وهو كلامٌ حسن لابُد منه. [(أَلصق ذكره) بأن يجعلَه قريبًا من المكان، لا أنَّه يُلصق ذَكَره بحيث لا يمكنه البول (بمعنى وضع رأس … إلخ) تفسير لقوله: "ألصقَ ذَكَره إلخ". (من حَلقة دُبُره) بسكون اللام على المشهور، وحكي فتحُها في لغةٍ رديئة، وكذلك حَلقة الحديد، وحَلقة العِلْم، بالإسكان على المشهور. حفيد] (٢). (ويستحب لقاضي الحاجه مَسْحُ ذكره) أي: ويسنُّ للمتخلِّي إذا فرغ من قضاء حاجته، مسحُ ذَكَرِه بيده اليسرى من أصله وهو الدرز (٣) الذي تحتَ الأنثَيين؛ لما روي عن عائشة قالت: كانت يدُ رسولُ الله ﷺ اليُمنى لطَهورِه وطعامِه، ويدُه اليسرى لخلائِه، وما كان من أذى. رواه الشيخان (٤).

стр. 212

ثلاثًا، ونَتْرُه كذلك. وَيبتدئُ المسح (١) (مِن) حَلْقة (دُبُرِه إلى رأسه) أي: رأسِ الذَّكَر، [فيضع أصبعه الوسطى تحتَ الذَّكَر، والإبهامَ فوقه، ثم يُمِرُّهما إلى رأسِ الذكَر. يفعلُ ذلك (ثلاثًا) أي: ثلاثَ مرَّات؛ لئلا يَبقى شيءٌ مِن البَلَل في ذلك المحل] (٢). (و) يُستحب (نَتْرُه) بالمثنَّاة الفوقية (٣)، أي: نَتْر ذَكَره (كذلك) أي: [ثلاثَ مرات] (٤). قال في "القاموس" (٥): استَنْتَر مِن بولِه: اجْتَذَبَه، واستخرجَ بقيته مِن الذَّكَر عند الاستنجاءِ، حريصًا عليه مهتمًا به. انتهى. ويكونُ ابتداءُ المسحِ (من حَلْقةِ دُبُره) فيضعُ أصبعَه الوسطى تحتَ ذَكرِه، ويضعُ إبهامَه فوقَه من مجامع العروق، ويمرهما (إلى رأسه)، أي: رأسِ ذَكره، (بفعلُ ذلك ثلاثًا، أي: ثلاثَ مرات؛ لئلا يبقى شيء من البللِ في ذلك المحل) ثم يخرجَ بعد الاستنجاء أو الاستجمارِ، فينجِّسَه. فإذا فعلَ ما ذُكِر، فقد استبرأ المحل. (فيضع … إلخ) هذه كيفية مَسْحِ ذَكَره بيسراه … إلخ. ويسن أيضًا بعد ذلك (نَتْرُه) ثلاثًا، أي: جَذْبُ الذكَر بعُنفٍ من غير مبالغةٍ. والأصلُ في ذلك ما رَوى عيسى بن يزداد (٦)، عن أبيه مرفوعًا: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا بال أحدُكم، فَليَنْتُر ذَكره ثلاثًا" رواه أحمد وأبو داود (٧)، فالنترُ يستخرج ما لولاه لبقي، ويخشى خروجه بعدَ الاستنجاء؛ وذلك ليحصلَ الاستبراءُ.

стр. 213

وتحولُهُ ليستنجِيَ، إنْ خَشِيَ تلوثًا. ويُكرَه دخولُه بما فيه ذِكْرُ الله وإذا استنجى في دُبُرِه، استرخى قليلًا، ويُواصِل صب الماءِ حتَّى ينقى ويتنظَّف. (و) يستحبُّ (تحوُّلُهُ) أي: انتقالُه عن محل قضاءِ الحاجةِ إلى موضعٍ آخرَ (ليَستَنْجي) (١) فيه (إن خَشِيَ) أي: خاف (تلوُّثًا) أي: تنجُّسًا (٢) باستنجائِه بمحل قضاءِ الحاجة. (ويُكره دخولُه) أي: نحوِ الخلاءِ (بما فيه ذِكرُ اللهِ) تعالى، غيرَ مصحفٍ، فيَحرُم. قال المصنف (٣): قلتُ: وبعضُ المصحفِ، كالمصحفِ وينبغي له أن يتنحنحَ ويمشي خطواتٍ إن احتاجَ إلى ذلك، قيل: أكثرها سبعونَ خطوةً. قال الموفق وغيره: ويستحبُّ أن يَمكُث قليلًا قبل الاستنجاء حتَّى ينقطعَ أثَرُ بولِه (٤). دنوشري مع زيادة. (أي: تنجسًا باستنجائه) تفسير لقوله: "إن خشي تلوثًا". (ويكره دخوله بما فيه ذِكر الله) ولمَّا فرغَ المصنِّف رحمه الله تعالى من ذِكر ما يُسنُّ في حقِّ المتخلِّي، شَرَعَ يتكلَّم على ما يُكره في حقِّه، فقال: "ويكره" والمكروهُ: ضد المندوب، وهو ما مُدِح تاركه، ولم يُذمَّ فاعلُه، ولا ثوابَ في فِعله. قال في "المنتهى" (٥): وكره للمتخلِّي أن يصحبَ ما فيه اسمُ اللهِ تعالى. كالخاتم ونحوه، من كل ما فيه اسمُ الله تعالى، بل يُنجِّيه عن نفسه ولا يصحبه حين إرادةِ قضاء الحاجة، ولأنَّ الخلاءَ موضعُ القاذورات، فشُرعَ تعظيمُ اسمِ الله تعالى وتنزيهُه عنه.

стр. 214

بلا حاجةٍ، [انتهى؛ لأنَّ حكمه في حرمة مسِّ المحدِث له، كما سيأتي، فيحرُم أن يصحبَه معه عند قضاءِ الحاجة، ولو ملفوفًا بحائلٍ إذا كان ذلك (بلا حاجةٍ)] (١)؛ لحديث أنس: (كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخل الخلاءَ نزَع خاتمَه" رواه الخمسةُ إلَّا أحمدَ، وصحَّحه الترمذي (٢). وقد صحَّ أنَّ نقش خاتمِه: "محمدٌ رسولُ الله" (٣). ومحلُّ الكراهة إذا صحبَه (بلا حاجةٍ) أي: بلا ضرورةٍ تدعو إلى ذلك، بأن خاف ضياعَه، ولم يجد من يحفظُه له، فإنْ دخل الخلاءَ بالخاتم لذلك، فإنَّه يجعل فضَّه بباطن كفِّ يدٍ يُمنى، استحبابًا، ولا يُكره له حينئذٍ أن يَدخلُ به الخلاءَ، للضرورة الداعيةِ إلى ذلك. (أنَّ نَقشَ خاتمِه … إلخ) أي: "محمَّد" سطر، و "رسول" سطر، و "الله" سطر (٤)، وظاهره أنَّه على هذا التَّرتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادي، فإنَّ ضرورةَ الاحتياج إلى أن يختمَ به تقتضي أن تكونَ الأحرف المتقدِّمةُ مقلوبة ليخرج الختم مستويًا. ابن حجر في "فتحه" على البخاري (٥)، وقال أيضًا: وأمَّا قول بعض الأشياخ أنَّ كتابتَه كانت من أسفل إلى فوق، يعني أن الجلالةَ في أعلى الأسطر الثلاثة، و "محمَّد" في أسفلها، فلم أرَ التصريحَ به في شيء من الأحاديث، بل روايةُ الإسماعيلي يخالفُ ظاهرُها ذلك، فإنَّه قال فيها: "محمَّد" سطر، والثَّاني: "رسول" والثالث: (الله).

стр. 215

ورَفْعُ ثوبِه قَبْلَ دُنُوِّه مِنْ أرضٍ، فإن احتاجَ [إلى حملِ ما فيه ذكرُ الله تعالى] (١) بأن لم يَجد مَن يحفظُه، وخَاف ضياعَه، فلا بأس. قال في "المبدع": حيث أخفاه، انتهى. ويؤيِّدهُ قولُهم: وَيجعل فَصَّ خاتمِ عليه اسمُ اللهِ -احتاج (٢) إلى الدخولِ به- في باطنِ كفِّه اليُمنى؛ أي: لئلَّا يلاقي النجاسةَ أو يقابلَها. قال في "المبدع": ويتوجَّه أنَّ اسمَ الرَّسولِ كذلك، وأنَّه لا يَختصُّ بالبنيانِ [، انتهى. ويُستثنى مِن ذلك] (١) نحوُ دراهمَ وحِرْزٍ فيها (٣) [ذِكرُ اللهِ] (١)، فلا بأسَ به؛ للمشقَّة (٣). (و) يُكره (رَفْعُ ثوبِه) إن بالَ قاعدًا (قبلَ دُنُوِّه) أي: قُربِه (مِن أرضٍ) بلا حاجةٍ، (فإن احتاجَ … إلخ) محترزُ قوله: "بلا حاجة" فلا بأس، أي: بحمله. (قال في "المبدع" … إلخ) قيدٌ في جواز حَمله لحاجة. (ويؤيِّده) أي: يؤيِّد قول "المبدع". (نحو دراهم وحِرزٍ) كدنانير عليها اسمُ الله تعالى، فإنَّه لا يُكره له أن يصحبَ الدراهمَ والدنانيرَ والحِرزَ التي عليها اسمُ الله تعالى مطلقًا؛ لمشقَّة التحرُّز عن ذلك؛ لأنَّه قلَّ من يُؤتَمن عليها، خصوصًا في زماننا هذا، قال الإمام أحمد في الرجلِ يدخلُ الخلاءَ ومعه الدراهمُ: أرجو أن لا يكونَ له بأسٌ (٤). (ويُكرَه رفعُ ثوبِه … إلخ) لما في ذلك من كشف العورةِ قبل وقتِ الحاجة، ولما روى أبو داود عن رجل لم يُسَمِّه -وقد سمَّاه بعضُ الرواة: القاسمَ بنَ محمَّد- عن ابنِ عمرَ أنَّ
следующие страницы →