← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومَسْحُ ذَكَرِه بيُسْرى يَدَيْه إذا فرغَ، مِنْ دُبُرهِ إلى رأسِه مِن رَشاش البولِ. زاد في "التبصرة": وَيقصِد مكانًا علوًا. انتهى، أي: لينحدرَ عنه البولُ. فإن لم يَجد رِخْوًا أَلصق ذَكَره بصُلْب -بضمّ الصادِ المهملة (١) -: أي: شديدٍ، بمعنى وضَع رأسَ ذَكَره على الأرضِ برفْقٍ. (و) يُستحبُّ لقاضي الحاجة (مسح ذكره بيسرى يديه إذا فرغ) أي: انقطعَ بولُه، عَلِم رِضا صاحبه، أو يكون البولُ رشاشًا خفيًا لا يضرّ لقلتِه. قال: وقد استُدِل به على جواز الانتفاع بملك الغير بما لا يُفسِده، كالاستظلال، والاستناد، والاستضاءة من سراج، وهو كلامٌ حسن لابُد منه. [(أَلصق ذكره) بأن يجعلَه قريبًا من المكان، لا أنَّه يُلصق ذَكَره بحيث لا يمكنه البول (بمعنى وضع رأس … إلخ) تفسير لقوله: "ألصقَ ذَكَره إلخ". (من حَلقة دُبُره) بسكون اللام على المشهور، وحكي فتحُها في لغةٍ رديئة، وكذلك حَلقة الحديد، وحَلقة العِلْم، بالإسكان على المشهور. حفيد] (٢). (ويستحب لقاضي الحاجه مَسْحُ ذكره) أي: ويسنُّ للمتخلِّي إذا فرغ من قضاء حاجته، مسحُ ذَكَرِه بيده اليسرى من أصله وهو الدرز (٣) الذي تحتَ الأنثَيين؛ لما روي عن عائشة قالت: كانت يدُ رسولُ الله ﷺ اليُمنى لطَهورِه وطعامِه، ويدُه اليسرى لخلائِه، وما كان من أذى. رواه الشيخان (٤).

стр. 212

ثلاثًا، ونَتْرُه كذلك. وَيبتدئُ المسح (١) (مِن) حَلْقة (دُبُرِه إلى رأسه) أي: رأسِ الذَّكَر، [فيضع أصبعه الوسطى تحتَ الذَّكَر، والإبهامَ فوقه، ثم يُمِرُّهما إلى رأسِ الذكَر. يفعلُ ذلك (ثلاثًا) أي: ثلاثَ مرَّات؛ لئلا يَبقى شيءٌ مِن البَلَل في ذلك المحل] (٢). (و) يُستحب (نَتْرُه) بالمثنَّاة الفوقية (٣)، أي: نَتْر ذَكَره (كذلك) أي: [ثلاثَ مرات] (٤). قال في "القاموس" (٥): استَنْتَر مِن بولِه: اجْتَذَبَه، واستخرجَ بقيته مِن الذَّكَر عند الاستنجاءِ، حريصًا عليه مهتمًا به. انتهى. ويكونُ ابتداءُ المسحِ (من حَلْقةِ دُبُره) فيضعُ أصبعَه الوسطى تحتَ ذَكرِه، ويضعُ إبهامَه فوقَه من مجامع العروق، ويمرهما (إلى رأسه)، أي: رأسِ ذَكره، (بفعلُ ذلك ثلاثًا، أي: ثلاثَ مرات؛ لئلا يبقى شيء من البللِ في ذلك المحل) ثم يخرجَ بعد الاستنجاء أو الاستجمارِ، فينجِّسَه. فإذا فعلَ ما ذُكِر، فقد استبرأ المحل. (فيضع … إلخ) هذه كيفية مَسْحِ ذَكَره بيسراه … إلخ. ويسن أيضًا بعد ذلك (نَتْرُه) ثلاثًا، أي: جَذْبُ الذكَر بعُنفٍ من غير مبالغةٍ. والأصلُ في ذلك ما رَوى عيسى بن يزداد (٦)، عن أبيه مرفوعًا: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا بال أحدُكم، فَليَنْتُر ذَكره ثلاثًا" رواه أحمد وأبو داود (٧)، فالنترُ يستخرج ما لولاه لبقي، ويخشى خروجه بعدَ الاستنجاء؛ وذلك ليحصلَ الاستبراءُ.

стр. 213

وتحولُهُ ليستنجِيَ، إنْ خَشِيَ تلوثًا. ويُكرَه دخولُه بما فيه ذِكْرُ الله وإذا استنجى في دُبُرِه، استرخى قليلًا، ويُواصِل صب الماءِ حتَّى ينقى ويتنظَّف. (و) يستحبُّ (تحوُّلُهُ) أي: انتقالُه عن محل قضاءِ الحاجةِ إلى موضعٍ آخرَ (ليَستَنْجي) (١) فيه (إن خَشِيَ) أي: خاف (تلوُّثًا) أي: تنجُّسًا (٢) باستنجائِه بمحل قضاءِ الحاجة. (ويُكره دخولُه) أي: نحوِ الخلاءِ (بما فيه ذِكرُ اللهِ) تعالى، غيرَ مصحفٍ، فيَحرُم. قال المصنف (٣): قلتُ: وبعضُ المصحفِ، كالمصحفِ وينبغي له أن يتنحنحَ ويمشي خطواتٍ إن احتاجَ إلى ذلك، قيل: أكثرها سبعونَ خطوةً. قال الموفق وغيره: ويستحبُّ أن يَمكُث قليلًا قبل الاستنجاء حتَّى ينقطعَ أثَرُ بولِه (٤). دنوشري مع زيادة. (أي: تنجسًا باستنجائه) تفسير لقوله: "إن خشي تلوثًا". (ويكره دخوله بما فيه ذِكر الله) ولمَّا فرغَ المصنِّف رحمه الله تعالى من ذِكر ما يُسنُّ في حقِّ المتخلِّي، شَرَعَ يتكلَّم على ما يُكره في حقِّه، فقال: "ويكره" والمكروهُ: ضد المندوب، وهو ما مُدِح تاركه، ولم يُذمَّ فاعلُه، ولا ثوابَ في فِعله. قال في "المنتهى" (٥): وكره للمتخلِّي أن يصحبَ ما فيه اسمُ اللهِ تعالى. كالخاتم ونحوه، من كل ما فيه اسمُ الله تعالى، بل يُنجِّيه عن نفسه ولا يصحبه حين إرادةِ قضاء الحاجة، ولأنَّ الخلاءَ موضعُ القاذورات، فشُرعَ تعظيمُ اسمِ الله تعالى وتنزيهُه عنه.

стр. 214

بلا حاجةٍ، [انتهى؛ لأنَّ حكمه في حرمة مسِّ المحدِث له، كما سيأتي، فيحرُم أن يصحبَه معه عند قضاءِ الحاجة، ولو ملفوفًا بحائلٍ إذا كان ذلك (بلا حاجةٍ)] (١)؛ لحديث أنس: (كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخل الخلاءَ نزَع خاتمَه" رواه الخمسةُ إلَّا أحمدَ، وصحَّحه الترمذي (٢). وقد صحَّ أنَّ نقش خاتمِه: "محمدٌ رسولُ الله" (٣). ومحلُّ الكراهة إذا صحبَه (بلا حاجةٍ) أي: بلا ضرورةٍ تدعو إلى ذلك، بأن خاف ضياعَه، ولم يجد من يحفظُه له، فإنْ دخل الخلاءَ بالخاتم لذلك، فإنَّه يجعل فضَّه بباطن كفِّ يدٍ يُمنى، استحبابًا، ولا يُكره له حينئذٍ أن يَدخلُ به الخلاءَ، للضرورة الداعيةِ إلى ذلك. (أنَّ نَقشَ خاتمِه … إلخ) أي: "محمَّد" سطر، و "رسول" سطر، و "الله" سطر (٤)، وظاهره أنَّه على هذا التَّرتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادي، فإنَّ ضرورةَ الاحتياج إلى أن يختمَ به تقتضي أن تكونَ الأحرف المتقدِّمةُ مقلوبة ليخرج الختم مستويًا. ابن حجر في "فتحه" على البخاري (٥)، وقال أيضًا: وأمَّا قول بعض الأشياخ أنَّ كتابتَه كانت من أسفل إلى فوق، يعني أن الجلالةَ في أعلى الأسطر الثلاثة، و "محمَّد" في أسفلها، فلم أرَ التصريحَ به في شيء من الأحاديث، بل روايةُ الإسماعيلي يخالفُ ظاهرُها ذلك، فإنَّه قال فيها: "محمَّد" سطر، والثَّاني: "رسول" والثالث: (الله).

стр. 215

ورَفْعُ ثوبِه قَبْلَ دُنُوِّه مِنْ أرضٍ، فإن احتاجَ [إلى حملِ ما فيه ذكرُ الله تعالى] (١) بأن لم يَجد مَن يحفظُه، وخَاف ضياعَه، فلا بأس. قال في "المبدع": حيث أخفاه، انتهى. ويؤيِّدهُ قولُهم: وَيجعل فَصَّ خاتمِ عليه اسمُ اللهِ -احتاج (٢) إلى الدخولِ به- في باطنِ كفِّه اليُمنى؛ أي: لئلَّا يلاقي النجاسةَ أو يقابلَها. قال في "المبدع": ويتوجَّه أنَّ اسمَ الرَّسولِ كذلك، وأنَّه لا يَختصُّ بالبنيانِ [، انتهى. ويُستثنى مِن ذلك] (١) نحوُ دراهمَ وحِرْزٍ فيها (٣) [ذِكرُ اللهِ] (١)، فلا بأسَ به؛ للمشقَّة (٣). (و) يُكره (رَفْعُ ثوبِه) إن بالَ قاعدًا (قبلَ دُنُوِّه) أي: قُربِه (مِن أرضٍ) بلا حاجةٍ، (فإن احتاجَ … إلخ) محترزُ قوله: "بلا حاجة" فلا بأس، أي: بحمله. (قال في "المبدع" … إلخ) قيدٌ في جواز حَمله لحاجة. (ويؤيِّده) أي: يؤيِّد قول "المبدع". (نحو دراهم وحِرزٍ) كدنانير عليها اسمُ الله تعالى، فإنَّه لا يُكره له أن يصحبَ الدراهمَ والدنانيرَ والحِرزَ التي عليها اسمُ الله تعالى مطلقًا؛ لمشقَّة التحرُّز عن ذلك؛ لأنَّه قلَّ من يُؤتَمن عليها، خصوصًا في زماننا هذا، قال الإمام أحمد في الرجلِ يدخلُ الخلاءَ ومعه الدراهمُ: أرجو أن لا يكونَ له بأسٌ (٤). (ويُكرَه رفعُ ثوبِه … إلخ) لما في ذلك من كشف العورةِ قبل وقتِ الحاجة، ولما روى أبو داود عن رجل لم يُسَمِّه -وقد سمَّاه بعضُ الرواة: القاسمَ بنَ محمَّد- عن ابنِ عمرَ أنَّ

стр. 216

وكلامٌ فيه، [بأن لم يَخَف أن يَسبِقَه البولُ] (١)، فيَرفع ثوبَه شيئًا فشيئًا، فإذا قام أسبله عليه قبل انتصابِه. قال في "المبدع": ولعلَّه يجب إن كان ثَمَّ مَن يَنظرُه، أي: لا نحو زوجةٍ. ولا بأسَ ببولهِ قائمًا ولو بلا حاجة، إن أمن تلويثًا وناظرًا. (و) يُكره لداخلِ نحوِ خلاءٍ (كلامٌ فيه) مطلقًا، النبي ﷺ كان إذا أرادَ قضاءَ الحاجةِ لا يَرفَعُ ثوبَه حتَّى يدنوَ من الأرضِ (٢). ولأنَّ ذلك أسترُ له، ومحلُّ الكراهة إذا لم يَخشَ تلوُّثًا. دنوشري. (ولعلَّه يجب إن كان … إلخ) أي: يجب عليه أن يَسبِلَ ثوبَه قبل انتصابِه إنْ كان (ثَمَّ من ينظُره) وعليه كان للمصنِّف أن يقول: وكلام فيه بلا حاجة. (ولا بأس ببوله قائمًا … إلخ) لما رُوي أنَّ النبي ﷺ أتى سُباطة قوم، فبالَ قائمًا (٣). وقيل: كانت العرب تستشفي لوجع الصُّلب بالبول قائمًا، فلعلَّه ﷺ فَعَلَه لذلك، أو للتشريع، إشارة للجواز. دنوشري. (ويكره لداخل نحو خلاءٍ كلامٌ فيه … إلخ) سواءٌ كان ذلك واجبًا، أو مُستحبًّا، أو مباحًا، فالواجب كردِّ السَّلام وتشميت العاطس، والمستحبُّ كإجابة المؤذِّن، فإنْ سمعَ

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: سواء كان ذلك الكلام مباحًا خارجَه أو مندوبًا، كذِكر اللهِ تعالى ولو سلامًا أو رَدّه؛ لما روَى (١) ابنُ عمرَ قال: مرَّ بالنبي ﷺ رجل، فسلَّم عليه وهو يبول، فلم يردَّ عليه. رواه مسلم، وأبو داود (٢) وقال: يُروى أنَّ النبيَّ ﷺ تَيمَّم (٣)، ثم ردَّ على الرجلِ السلامَ. موذِّنًا، أجابه بقلبه دون لسانه، والمباح كسؤاله عن شيء، وكقوله لغلامته أو أمته: اقضي الحاجةَ الفلانيَّةَ. وإنَّما كان ذلك مكروهًا؛ لما قيل: إنَّ المَلَكَين الموكَّلَين ينعزلان عند دخولِ الخلاء (٤)، فإذا تكلم أحوجهما إلى العَودِ، فيلعنانه. لعلّه يصفونه بالبعد عن العمل بالسُّنَّة على حدِّ قوله ﵊: "من غَشَّنا، ليس منا" (٥) أي: ليس على سُنَّتنا وطريقتنا، فالمراد باللَّعن مطلقًا الطردُ والإبعادُ، وليس المراد به الطردَ من رحمة الله تعالى، وهذا هو الذي ينبغي أن يُحملَ عليه هذا، وإلَّا فغالبُ النَّاس كفَّار -والعياذُ بالله تعالى من موجبِ الطردِ من رحمةِ العزيزِ الغفارِ- بدليل تجنُّب الشارح ونحوِه هذه العبارة الموجبة لذلك (٦). (أي: سواءٌ كان) ذلك الكلام (مباحًا … إلخ) هذا تفسيرٌ للإطلاق، كان عليه أن يقول كغيره: أو واجبًا كردِّ سلام. إلَّا أنَّه أعطى الحكم بالمثال، فقال: (أو ردّه) عطفًا على "ذِكر الله" أي: كذِكر الله، ولو سلامًا، أو كرَدِّه. (تيمَّم) أي: بعد قضاءِ الحاجةِ [ثم] ردَّ ﵇.

стр. 218

وبوله في نحوِ شَقٍّ، لكن يجب على داخلِ نحوِ الخلاءِ تحذيرُ معصومٍ عن هَلَكة كأعمى وغافلٍ، يحذرهما عن نحوِ بئرٍ أو حيَّةٍ؛ لأنَّ مراعاةَ حفظِ المعصومِ أهمُّ. فإن عطَس، أو سَمِع أذانًا، حَمِد الله، وأجاب بقلبِه، ثم يَقضي الأذانَ بلسانِه إذا فرَغ. وتَحرُم القراءةُ وهو متوجِّهٌ على حاجتِه. (و) يُكره (بولُه في نحو شَقٍّ) بفتح الشينِ المعجمةِ، ونحوه سَرَبٌ -بفتحِ السينِ والراءِ المهملتين-: وهو ما يتَّخذه الدَّبيب والهوامُّ بيتًا في الأرضِ؛ لما روَى قتادةُ، (لكن يجبُ على داخلِ نحو خلاء) هذا استدراك على الإطلاق، وهل إذا تكلم في هذه الحالة يَلعنانه (١) المكان أو لا؟ لم أرَ فيه نصًّا، لعل هذا مستثنًى، وأنَّ اللعنَ مختصٌّ بما ذكر. (وأجابَ بقلبه) متعلِّق بالفعلين قبلَه، ولم يُحرِّك لسانه، وذكر ح ف: له أن يَذكر اللهَ فيه بقلبه، ويُكره السلامُ عليه وهو فيه. (ويُكرَه بولُه في نحو شَقٍّ، بفتح الشين) واحدُ الشُّقوق، وهو ما انشقَّ من الأرض. وقوله: (وسَرَب، بفتح السِّين والراء) وهو عبارة عن الثُّقب، (وهو ما يتَّخذه الدَّبيبُ … إلخ) وقد رُويَ أن سعدَ بنَ عبادة بال بجُحْر بالشام، ثم استلقى ميتًا، فسُمع من بئر بالمدينة قائل يقول: نحن قَتَلْنا سَيِّدَ الخَز … رَجِ سعدَ بنَ عُبادَه ورَمَينَاه بِسَهمَيـ … ـن فَلَمْ نُخطِ فُؤادَه

стр. 219

ومَسُّ فَرْجِه بيمينِه، عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِس (١) قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُبال في الجُحْر. قالوا لقتادةَ: ما يُكره مِن البول في الجُحْر؟ قال: يقال (٢): إنَّها مساكنُ الجِنِّ. رواه أحمد وأبو داود (٣). ومثلُ السَّرَب ما يُشبهه، ولو فَمَ بَالوعةٍ. (و) يُكره (مَسُّ فَرْجه بيمِينِه) في حالِ البولِ وغيرهِ؛ لخبر أبي قتادةَ يَرفعه: "لا يُمسِكَنَّ أحُدكُم ذَكَرَه بيمينِه وهو يَبولُ، ولا يَتمَّسح مِن الخلاءِ بيمينِه". فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليومَ الذي مات فيه (٤). ولأنَّه يُخشَى أن يَخرج منه دابَّةٌ تؤذيه، أو [تردُّه عليه فتنجِّسه] (٥)، والمرادُ بهذا النَّهي المذكور في الحديث الكراهةُ، كما ذكره في "الفروع" (٦)، وكذا يكره البولُ على نارٍ؛ لأنَّه يُورِث السَّقَم. ومثله البولُ على قَرَع (٧): وهو الموضع المتجرِّد من النبْتِ، بين بقايا منه. دنوشري بإيضاح. (في الجُحر) الجُحر، بضمّ الجيم وسكون الحاء: الثُّقب المستدير النازلُ في الأرض. (لخبر أبي قتادة يرفعه: "لا يمسكنَّ أحدُكم ذَكَره … " إلخ) هذا دليلٌ على كراهية مَسكِ الفَرجِ

стр. 220

واستنجاؤُه بها بلا عُذْرٍ، متَفَّق عليه (١). وغيرُ حالِ البولِ مثلُه و (٢) أولى؛ لأنَّ وقتَ البولِ مظنَّةُ الحاجةِ، فغيرُه أولى. وكذا يُكره مسُّ فرجٍ أبيح له مسُّه بيمينِه، كزوجتِه وأمَتهِ، ومَن دونَ سبعٍ، تشريفًا لليمنى (٣). (و) يُكره أيضًا (استنجاؤه بها) أي: بيمينِه (بلا عُذرٍ) كما لو قُطعت يُسراه أو شُلَّت، أو جُرحَت. باليمين، وظاهرُه اختصاصُ النَّهي بحالة البول، ولكن أُلحق به الاستنجاءُ؛ لأنَّه متَّصِل به، وربّما خرجَ منه شيءٌ وهو يستنجِي، فحكمُه كحكمِه في النَّهي، وأمَّا دليلُ كراهيةِ الاستجمار باليمين؛ فلما رَوى سلمانُ قال: "نهانا رسولُ الله ﷺ عن كذا، وأن نستنجيَ باليمين" رواه مسلم (٤). فإنْ فعل، أجزأه مع الكراهة؛ لأنَّ الاستجمارَ حصل بالحَجَر لا باليد، فلم يقع النَّهيُ على ما يستنجى به؛ لكون النَّهي نهيَ تأديبٍ لا تحريم، وقيل: يَحرم، ويصحُّ. ومحلُّ الكراهة إذا فعل ذلك بلا حاجةٍ، أمَّا مع الحاجة، فلا كراهة، كصغر حَجَرٍ تعذَّر وَضعه بين عقبيه، وهما مؤخَّر القدمَين، أو تعذَّر وضعُ الحَجَر الصَّغير بين إصبعَيه، أي: إبهامي قدمَيه، فيأخذ الحَجَر بيمينه، ويمسح ذَكَره بشماله، فلا كراهةَ حينئذٍ على الصَّحيح من المذهب. وقيل: يُمسِكُ ذَكَره بيمينه، ويأخذُ الحَجَر بيساره، ويمسحُه به، وحاصلُه: أَنَّه إن كان الاستجمار من الغائط، أخذ الحَجَر بيساره، فمسح به، وإن كان من بول، أمسك ذَكره

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن عَجز عن الاستنجاء بيدَيه وأمكنه برِجله أو غيرِها، فَعَل (١)، وإلَّا فإن أمكنه بنحوِ زوجةٍ، لزمه، وإلَّا تمسَّح بأرضٍ أو خشبةٍ ما أمكن. فإن عَجز، صلَّى على حسَب حالِه، وإن قَدَر على شيءٍ مِن ذلك بعدُ، لم يُعِد، ذكره ابن عبد الهادي (٢) في "مُغنيه" (٣) بمعناه. قال المصنِّف (٤): قلتُ: بل متى قَدَر عليه ولو بأجرةٍ يَقدِر عليها، لزمه، ولو ممَّن لا يجوزُ له نظرُه؛ لأنَّه محل حاجتِه. انتهى. [وهو معنى كلامِ "الإقناع"] (٥)، حيثُ كانت الأجرةُ التي يَقدر عليها مِن غيرِ إضرارٍ، لكن لم يَذكر في "الإقناع" جوازَ النظر] (٦). بشماله، ومسحه على الحَجَر إن كان كبيرًا، فإن كان صغيرًا، أمسكه بين عقبَيه أو إبهامَي قدمَيه، ومسح عليه إن أمكنه، وإلا أمسك الحَجَر بيمينه، ومسح بيساره الذكر عليه، وبكل حالٍ تكون اليُسرى هي المتحرِّكة؛ لأنَّ الاستجمار إنَّما يحصل بالتحركة، فإن كان أقطعَ اليسرى، أو كانت شلَّاء، أو بها مرض، استجمرَ بيمينه؛ للحاجة. قال في "التلخيص": بيمينه أولى من يسارِ غيره. دنوشري مع زيادة.

стр. 222

واستقبالُ شمسٍ أو قمرٍ. وحَرُمَ لُبْثُهُ فوقَ حاجتِه، وبولُه وتغوُّطُه بطريقٍ، (و) يُكره حالَ قضاءِ الحاجةِ (استقبال شمسٍ أو قمرٍ) بلا حائلِ؛ لما فيهما مِن نُورِ اللهِ تعالى، وقد رُويَ أنَّ معهما ملائكة، وأنَّ أسماءَ اللهِ تعالى مكتوبة عليهما (١). [(وحَرُم) على قاضي الحاجة] (٢) (لُبثُه) في نحوِ خلاءٍ زمنًا (فوقَ حاجته) أي: زائدًا عليها، ولو في ظلمةِ؛ لأنَّه كشفُ عورةٍ بلا حاجةٍ، ومضرٌّ عند الأطباءِ، حتَّى قيل: إنَّه يُدمي الكَبِدَ، ويورث الباسورَ. (و) حَرُم (بولُه وتغوُّطُه بطريقٍ) مسلوك (٣)؛ لحديث أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: (ويكره حالَ قضاءِ الحاجة استقبالُ شمسٍ … إلخ) احترامًا وصونًا لهما عن مقابلتهما بالخارج من السبيلَين؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ تعالى مكتوبةٌ عليهما، ولأنهما آيتان عظيمتانِ من آياتِ الله تعالى؛ لما فيهما من نورِ الله تعالى، وبهما يَستضيءُ الكونُ، ولما روي أن معهما ملائكة من ملائكةِ الرحمن، وأنهما يلعنانه حين استقبالهما بالخارج. دنوشري. (وحرم على قاضي الحاجة لبثه … إلخ) قال ح ف: بأن يمكُثَ على البول أو الغائط بعد فراغِهما، وبعد الاستنجاء. قال البهوتي: وفعله: لَبِثَ، من باب تَعِبَ، ومصدره: اللَّبَث، بفتحتين، وقد تسكن الباء؛ تخفيفًا، واللُّبث، بضمّ اللام وسكون الباء: اسم مصدر. "مصباح" (٤). وحَرُم عليه أيضًا تغوطه بماء مطلقًا، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، جاريًا أو راكِدًا، ولو لم يتنجَّس بذلك؛ لأنَّ النَّفْسَ تعافُه، واستثني من ذلك ماءُ البحر، وما أعِد لذلك كالجاري في المطاهر. دنوشرى مع زيادة. (بطريقٍ مسلوكٍ) أي: تَسلُك فيه الناس؛ لما

стр. 223

أو ظلٍّ نافعٍ، أو مورِدِ ماءٍ، "اتَّقوا اللَّاعِنين". قالوا: وما اللَّاعنانِ؟ قال: "الذي يتخلَّى في طريقِ الناس أو ظلهم". رواه مسلم (١). (أو) أي: وحَرُم بولُه وتغوُّطُه بـ (ظلٍّ نافعٍ) لما تقدَّم، وإضافةُ الظِّلِّ في الحديثِ إليهم؛ دليل على إرادةِ المنتفَع به. ومثله مُتَشَمَّسٌ (٢) زمنَ الشتاء، ومتحدثٌ لا بنحوِ غِيبَةٍ، وإلا فيفرقهم بما يستطيع. (أو) أي: وحَرُم بولُه وتغوطُه بـ (مَوْرِدِ ماءٍ) أي: محلِّ ورودِ النَّاسِ للماءِ؛ لحديث معاذٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: في ذلك من تأذيهم وتلوثهم بالنجاسة عند سلوكهم فيه، ومرورهم به. وعلم من قوله: "مسلوك" أن الطريقَ المجهولَ الذي لا يُسلَك فيه، لا يَحرُم البولُ ولا التغوط فيه؛ لانتفاءٍ العلّة حينئذٍ. ويحرم أيضًا بوله وتغوطه على قبور المسلمين وبينهما، وتأتي في الجنائز. (اتقوا اللاعنين) أي: اجتنبوا. ("أو ظلهم") عطف على "في طريق الناس" أي: الذي يتخلى في طريق النَّاس، والذي يتخلى في ظلِّهم. (أو … ظل نافع) أي: ينفعُ النَّاسَ، ويقيهم من الحرِّ، وقد وردَ في الحديث الشريف: "شدَّةُ الحر من فَيحِ جهنم" (٣). وإنَّما حَرُم ذلك؛ لئلَّا يُفسِد على النَّاس مجالسَهم، ويتضررون بذلك، فيلعنونَه، لما تقدَّم من قوله ﷺ : "اتقوا اللاعنين … " إلخ. وإضافةُ الظلِّ في الحديث إليهم في قوله: "أو ظلهم". (أو بموردِ ماءٍ) وهو محل الورودِ إليه لتستقي النَّاس منه؛ لما في ذلك من إيقاعِهم في التضمخ بالنجاسة، المأمور بالاحتراز عنها، فكان حرامًا. دنوشري.

стр. 224

وتحتَ شجرٍ عليه ثمرٌ. "اتَّقُوا الملاعِنَ الثَّلاثَ: البَرازَ في المواردِ، وقارعةِ الطَّريق، والظل". رواه أبو داود وابنُ ماجه (١). (و) حَرُم بولُه وتغوطُه (تحت شجرٍ) أي: جنسه إن كان الشجرُ (عليه ثمرٌ) يقصَد، ولو غيرَ مأكول كالقُطن؛ لأنَّه يُفسِده، فإن لم يكن عليه ثمرٌ، (" الملاعن الثلاث") سُميت بذلك؛ لجلبِها اللعنَ؛ لأنَّها أماكنُ راحةِ النَّاس، فإذا وجدوا ذلك فيها، قالوا: لعنَ اللهُ مَن فَعَلَه. أو: بمعنى الملعوناتِ؛ لأنَّ الحالاتِ ملعونات؛ أي: صاحبها، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي: مرضية. مصنف. إنْ قيل: المؤمنُ لا تجوزُ عليه اللعنةُ، فما باله قال ذلك؟ إلَّا أن يُقال هذا من قبيل العامِّ الذي أريد به الخصوصُ من أهل الكتاب ونحوِهم، الذين يقصدونَ إفسادَ عبادةِ النَّاس، كالتغوط بالطاهر، وأمَّا في حق المؤمن، فمن بابِ التخويفِ؛ لأجل اجتنابِ ذلك، والحمدُ لله على ذلك، ولهذا نظائرُ لأولي الأبصار. وأجاز الشارحُ في ما يأتي بأن اللعنةَ على الشيءِ تدلَّ على تحريمه؛ لأنَّ فاعل المباح لا تجوزُ لعنتُه. (وتحت شجرٍ … عليه ثمرٌ) مقصود للأَكل أو غيره؛ وذلك لما فيه من إفساد ما قصده النَّاسُ لمصلحتِهم، وصَونًا لها عن التلوث بالنجاسة فتعانه النفوس، وإنْ كانت تطهرُ بالغسل، فحرُم عليه ذلك. واحترز بقوله: "عليه (٢) ثمر" عما إذا لم يكن عليها ثمر، فإنَّه لا يحرُم حينئذ حيث لم يكن لها ظلٌّ نافع. دنوشري. (أي: جنسِه) أشارَ بهذا التفسير إلى أن الإضافةَ للجنس؛ لأنَّها تأتي له اللام. (يقصَد) خرج بذلك الثمرُ الذي لم يقصَد، يُؤيِّد ذلك قولُه: (فإن لم يكن عليه ثمرٌ) أي:

стр. 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جاز إن لم يكن له ظِلٌّ نافعٌ؛ لأنَّ أثرَه يَزولُ بمجِيءِ المطرِ قبل مجِيء الثمرِ. وأجاب بعضُهم عن بولِه ﵊ تحت الأشجارِ والنخلِ: بأنَّ الأرضَ تبلع (١) فَضلته (٢). قلتُ: بل علَّةُ المنعِ مفقودة مِن أصلها؛ لطهارةِ فضَلاته ﷺ (٣). وحرُم حالَ بولٍ وغائطٍ استقبالُ قبلةِ واستدبارُها لم يُقصَد. (لأنَّ أَثره يزول) تعليل لقوله: "جاز" البول والتغوُّط "إن لم … إلخ". (لأنَّ أثَر) ذلك (يزولُ بمجيء المطر … إلخ). يَرِدُ على ذلك (بولُه ﵊ تحت الأشجارِ) فلو كان ذلك غيرَ جائزٍ، لمَا فَعَلَه المعصومُ؟ أجاب: (بأنَّ الأرضَ … إلخ) فحصل الفرقُ بيننا وبينه ﵊. (استقبال قبلة) لا بيت مقدس. ولا كراهةَ في استقباله؛ لأنَّه ليس بقبلة؛ لأنَّه قد نُسخَ حكمُها. (و) يحرم (استدبارها) ببولٍ أو غائطٍ؛ للنهي عن ذلك، لما روى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائطَ، فلا تستقبلوا القِبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". رواه

стр. 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في فضاءٍ، ويكفي انحرافُه (١)، وحائلٌ ولو كمُؤخِرَة رَحلٍ، وإرخاءُ ذيله، واستتارٌ بدابَّة. الشيخان البخاري ومسلم (٢)؛ لأنَّ جهةَ القِبلة أشرف الجهاتِ، ولأن الاستدبارَ ضدُّ الاستقبالِ، والشيء يُحمَل على ضدِّه، كما يُحمل على نظيره. وقولُه: (في فضاء) متعلِّق بـ "يحرم"، وهو المكانُ المتَّسِعُ الخالي من الأبنية. (ويكفي) في دَفعِ حرمةِ استقبال القِبلة بالبول أو الغائط (إنحرافه) عنها يسيرًا، إذا كان بعيدًا؛ لقوله ﷺ : "ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". وأمَّا القريبُ إلى القِبلة، فيجبُ انحرافُه عنها، كما هو ظاهرُ كلام صاحب "المحرَّر" (٣). (و) يكفي أيضًا في دَفْعِ الحرمة (حائل) أي: ساترٌ يَحولُ بينه وبين القِبلة، (ولو كمُؤخِرَة رَحْل) فيكفي في الأشهر الاستتارُ (٤) بدابَّة وجدارٍ وجبل، (وإرخاءُ ذيله) ولا يُعتَبر قُربُه منها، كما لو كان في بيتٍ، ويتوجَّه: كسترة صلاة، كما قاله في "الفروع" (٥)، وقال الشِّيشينيُّ: يُندَب أن لا يكونَ بينه وبينَ الحائلِ أكثرُ من ثلاثة أذرعٍ. "كمُؤخِرة رحلٍ" -غايةٌ لـ "حائل"- بضمِّ الميم وسكون الهمزة، ومنهم من يثقِّل الخاء: وهي الخشبةُ التي يستندُ إليها الراكبُ. "كشاف القناع" (٦). كما تقدَّم في المستحبَّات من قوله: "ويستحبُّ لقاضي الحاجة مَسحُ ذَكره بيُسرى يدَيه إذا فرغ … " إلخ.

стр. 227

ويَستجمِرُ، ثمَّ يَستنجِي، (و) إذا انقطع بولُه، ومسحَ ذَكَره، كما تقدَّم، فإنَّه (يَستجمِرُ) ندبًا بنحوِ حجرٍ (ثم يَستنجي) بالماء بعده مرتبًا (١)؛ لقول عائشةَ للنساء: مُرْنَ أزواجَكنَّ أن يُتْبِعوا الحجارةَ الماءَ؛ فإنِّي أستحييهم، وإنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَفعلُه. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه (٢). ولأنَّه أبلغُ في الإنقاءِ. فإن عكس، [بأن استنجى، ثم استجمر] (٣)، كُره. وإن استجمرَ في فرجٍ، واستنجى في آخرَ، فلا بأسَ. (ويستجمر، ثم يستنجي) أي: يُسَنُّ للمستنجي أن يستعمل في استنجائه الأحجارَ أوَّلًا، ثم يُتبِعها بالماء، على الترتيب المذكور في رواية عائشة، فالأمر هنا لمطلق الجمع (٤)، إلَّا أن الجمعَ بينهما مندوبٌ؛ لأنَّه أمرٌ ضمنيٌّ لا صريح، واستفيدَ التَّرتيب من لفظ: "أن يُتْبِعوا" الوارد في الحديث، ولأنَّ الجَمعَ بينهما (أَبلغُ في الإنقاء) وأنظفُ للمحلِّ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيل الأثرَ، فإذا جَمعَ بينهما، فقد أزال العينَ والأثرَ. دنوشري. (فإن عكسَ) كُرِه (بأن استنجَى، ثُمَّ استجمرَ) بأنْ بدأ بالماء أوَّلًا، ثم أتبعه بالأحجار، فهو تصوير للعكس (كُرِه) له فِعْلُ ذلك؛ لما فيه من العَبَث وعدم الفائدة؛ لأنَّ المستنجيَ أزال العينَ والأثَرَ بالماء، فلم يَبقَ للحجر فائدةٌ، فكان مكروهًا. وقيل: إنَّه فِعْلُ الرافضة. دنوشري بإيضاح.

стр. 228

ويُجزئ أحدهما، ولا يُحزِئ استجمارٌ في قُبُلَي خُنثى مُشكِل، ومخرجِ غيرِ فرجٍ. (ويُجزئ) المتخليَ (أحدُهما) أي: الاستجمارُ أو الاستنجاء، فيكفي استجمارٌ ولو مع قدرةٍ على ماءٍ؛ لحديث جابرٍ مرفوعًا: "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائطِ، فليستطب بثلاثةِ أحجارٍ؛ فإنها تُجزئ عنه". رواه أحمد وأبو داود (١). (ولا يُجزئُ استجمارٌ في قُبُلَي خنثى مُشكِل) لأنَّ الأصليُّ منهما غيرُ معلوم، والاستجمار لا يُجزئ إلَّا في الأصليِّ، فإن كان واضحًا، أجزأ الاستجمارُ في الأصليِّ دون الزائدِ، ويجزئ في دبرِه. مصنِّف (٢). (ومخرجٍ غير فرجٍ) عطف على "قُبُلَي" أي: تنجَّس بخارجٍ منه أو بغيره، فلا يكفي فيه إلَّا الماء ولو استدَّ (٣) المعتادُ؛ لأنَّه نادر فلا يثبت له أحكامُ الفَرج، ولمسُه لا ينقِض الوضوء ولا يتعلَّق بالإيلاجِ فيه حُكمُ الوَطءِ، أشبه سائرِ البَدَن. مصنف. (ويجزئُ أحدُهما) أي: يجزئُ من أراد الاستنجاءَ الاقتصارُ على أحدِهما، أي: على الماء فقط، أو على الأحجارِ فقط، في قولِ أكثرِ أهل العلم. أما إجزاءُ الاقتصار على الماء؛ فلما رَوى أنسٌ قال: "كان النبي ﷺ إذا خَرجَ لحاجتِه أَحملُ أنا وغلام نحوي إدواة من ماءٍ، فيستنجي به". متَّفقٌ عليه، ولفظه لمسلم (٤). لكنْ إذا أرادَ المستنجي الاقتصارَ على الماء، يُكثِر صب الماء حينئذ، ويسترخي قليلًا، وَيدلِك المخرَج حتَّى تذهبَ النعومةُ وتأتيَ الخشونةُ. وأمَّا الاقتصار على الأحجار؛ فلقوله ﵊ في حديث جابر: "إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط … " إلخ وإنَّما جاز الاقتصار على الحجر فقط، فلأنه يُزيل العينَ ولو

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والماء أفضلُ مِن الحجَر، وجَمعُهما أفضلُ مِن الماءِ بَقِيَ الأثرُ؛ لأنَّه يُعفَى عنه ما دام بمحله، وإنكارِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص وابنِ الزبير الاستنجاءَ بالماء، وقال سعيد بن المسيب: هل يفعلُ ذلك إلَّا النساءُ (١). (والماء أفضل … إلخ) أي: إذا أرادَ المستنجي الاقتصارَ على الماءِ أو على الحَجَر، فاقتصارُه على الماء أفضلُ من اقتصارِه على الحَجَر؛ لأنَّ الماءَ يُزيل العينَ والأثرَ، فكان أفضلَ، ولأن الذين يستنجون بالماء مَدَحهم اللهُ بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قال أبو هريرة: "نزلت هذه الآية في أهلِ مسجد قُباء لأنهم كانوا يستنجُون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية". رواه أبو داود (٢). والاقتصارُ على الحَجَر جائزٌ بالإجماع، بغيرِ خلافِ بين أهلِ العلم، فتلخص من هذا أن الماءَ أفضلُ. قال في "المنتهى" (٣): كجمعهما، أي: كما أن جمعَهما أفضلُ من الاقتصارِ على أحدِهما. فأصلُ هذه العبارة لصاحب "التنقيح"، وتبعَه عليها صاحب "المنتهى" -رحمه الله تعالى- ونسب صاحبُ "الإقناع" "التنقيح"، إلى السَّهو (٤)، والحال أنه لا سهوَ؛ لأن صاحبَ "التنقيح" شبَّه فضيلةَ الاقتصارِ على الماء وحده بفضيلةِ جمعِهما بجامع أن الماءَ يُزيل العينَ والأثَر، والماء والحَجَر يزيلان العينَ والأثَر كذلك، فحصلت المشابهة بينهما من هذه الحيثية، والمشبه لا يُعطى حكمَ المشبه به من كل وجهٍ، بل إذا شابَههُ ولو في بعضِ الوجوه، صحّ تشبيهه به، فعبارتُه في غايةِ الاستقامة، لا سهوَ فيها ولا ملامةَ. دنوشري. (وجمعهما أفضل من الماء) فقط، والحجرِ فقط، وهذه هي معنى عبارة "المنتهى".

стр. 230

إلَّا إذا جاوزَ الخارجُ المعتادَ، فيجبُ الماءُ. (إلَّا إذا جاوزَ) أي: تعدى (الخارجُ) بالرَّفع، الموضعَ (المعتادَ) بالنصب، كأنْ ينتشرَ الخارجُ على شيء مِن الصفحة، أو يمتد إلى الحشفةِ امتدادًا غيرَ معتادِ، (فيجب الماء) للمتعدي فقط؛ لأنَّ الاستجمارَ في المعتادِ رخصة؛ لمشقَّة غسلِه، لتكرر نجاستِه، فما لا يتكرر، لا يُجزِئ فيه إلَّا الماءُ، ويُجزِئ استجمارٌ في محل العادةِ، كما لو لم يكن غيره. (إلَّا إذا جاوزَ الخارجُ المعتادَ … إلخ) مستثنى من قوله: "ويجزئُ أحدُهما" أي: ولا يجزئُ في خارجِ من سبيل تعدى يقينًا موضع العادة كأن ينتشرَ الخارجُ إلى الصفحتين، (أو يمتد إلى الحشفة … إلخ) وفي "شرح العمدة": إلى النصف من الألية والحشفة فأكثر، فإن كان أقل من ذلك، عُفي عنه وأجزأ الحَجَر. وظاهر "المحرر" (١) أنَّه إذا تعدى الخارجُ عن مخرجه مطلقًا، فلا يجزئه إلَّا الماءُ الطهور للمتعدَّي فقط؛ لأن الأصلَ وجوبُ إزالة النجاسةِ بالماء الطهور، وإنَّما رُخص في الاستجمار؛ لتكرار النجاسة على المحل المعتاد، فإذا جاوزته، خرجت عن حدّ الرخصة، فوجب غسلها كسائر البدن، في الغسل للمتعدى. نصٌّ عليه. وبه قطع ابنُ تميم (٢)، ويجزئ الاستجمار في نفس المخرج، [وقيل:] (٣) فله الاستجمار في الصفحتَين والحَشَفة، وبه قطع الشيرازيُّ (٤). وإذا استعملَ المستنجي الماءَ في المخرج أو في غيرِه، اشتُرط له العددُ المعتبرُ في إزالة النجاسة، مع خشونةِ المحل كما كان، ونصُّ الإمامِ أنَّه لا يستجمر في غيرِ المخرجِ المعتادِ، ولا يُجزئ فيه إلَّا الماءُ. دنوشري مع زيادة. (الموضع) يشيرُ بهذا إلى أن قولَه: (المعتاد) صفة لموصوف محذوف.

стр. 231

ولا يصح استجمارٌ إلَّا بطاهرٍ، مباحٍ، مُنْقٍ، (ولا يصح استجمار إلَّا بطاهرٍ) جامدٍ (مباح مُنقٍ) كحجرٍ، وخشبٍ، وخِرقٍ (١)؛ لأن النبي ﷺ سُئل عن الاستطابةِ فقال: "بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رَجِيعٌ" (٢)، فلولا أنَّه (ولا يصح استجمارٌ إلا بطاهرٍ) فلا يصح الاستجمار بنَجِسٍ كرَوثٍ ورمةٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعود أتى النبي ﷺ بحَجَرين ورَوثة للاستجمار، فأخَذَ الحَجَريَن، وألقى الروثةَ وقال: "إنَّها ركسٌ" رواه البخاري (٣). والركس: النَّجَس. فرده ﷺ ، وعلله بأنه رِكسٌ، ولم يَرضَهُ للاستنجاء، فوجبَ المصيرُ إليه، ولأنَّه إذا استجمرَ بالنجاسة، فلا يزدادُ المحل إلَّا نجاسةً، وكذلك إذا استجمرَ بنجِسٍ، ثم بطاهرٍ بعدَه، أو استنجى بمائعٍ كخلٍّ وماء بَقْلٍ وورد، فلا يجزئهُ بعد ذلك إلَّا الماءُ الطهورُ. دنوشري وإيضاح. فلا يصح بمحرم، كمغصوب، ومسروقٍ، وموقوفٍ، وفضةٍ؛ لأنه رخصةٌ، فلا تستباحُ بمعصيةٍ. ولو استجمرَ في الحائط الوقْف، لم يصحَّ استجمارُه، وحَرُم ذلك، ولا يجزئهُ إلا الماءُ. نقل ذلك عن والدِ صاحبِ "المنتهى"، قاله ولده، حتَّى ولو كان المستجمِر مستأجرًا للوقف، أو مستأجرًا لحائط ملك، قاله الشَّيخُ عبدُ الرحمن البهوتي. (مُنْقٍ) أي: قالعٍ لعينِ النجاسةِ، مزيلٍ لجِرمها، ولو بقي أثَرُها في المحل، فلا يُجزئُ الاستجمارُ بغير مُنق، كالشيء الصقِيل من زجاج وقَصَبٍ ونحوِهما؛ لأنَّه إذا لم يُنقِ، لم يَحصل منه المقصود من الاستجمار، فلا يجزئه، وإنَّما يُجزئه الاستجمارُ بالمباح المنقي، كخشبٍ وحجَرٍ وخِرَقٍ، فإن استجمرَ بغير مُنْقٍ، أجزأ الاستجمارُ بعده بمُنْق. "فرع": لو استجمرَ ثلاثةُ أنفسٍ بثلاثة أحجار، لكل حَجَر ثلاثُ شُعَبٍ، استجمر كل واحدٍ بشعبةٍ من كل حجر، أجزأهم؛ لحصولِ المعنى والإنقاء.

стр. 232

غيرِ عَظْمٍ، وروثٍ أرَاد الحجرَ وما في معناه، لم يستثنِ الرجيعَ، ولمشاركةِ غيرِ الحجرِ للحجرِ في الإزالةِ. وفُهم منه أنَّه لا يصح استجمارٌ بنجسٍ ولا بغيرِ جامدٍ، كرِخْوٍ ونَدِيٍّ؛ لأنَّه لا يحصل به المقصودُ، [ولا بما لا يُنْقِي] (١) كالأملسِ مِن نحوِ زجاجٍ ولا بمغصوبٍ. (غيرِ عظمٍ ورَوْثٍ) فلا يُجزِئ استجمارٌ بهما؛ لقوله ﵊: "لا تَستنجوا (٢) بالرَّوثِ ولا بالعظامِ؛ فإنَّه زادُ إخوانِكم الجِنِّ". رواه مسلم (٣). فإن لم يُنْقِ، زادَ حتَّى يُنقِيَ، وحدُّ الإنقاءِ بالأحجار ونحوها هو أن يبقى على المخرَج أثَر لا يُزيلُه إلَّا الماءُ. وقال بعضهم: حد الإنقاء بالحَجَر: خروجُ الحَجَر الأخيرِ لا أثَرَ به إلَّا يسيرًا، فلو بقيَ ما يزولُ بالخِرَق لا بالحَجَر، أزيلَ على ظاهر الأوَّل (٤) لا الثَّاني، والمذهبُ الأوَّل. وهذا الأثَرُ نَجِسٌ يُعفى عن يسيرِه ما دام بمحله. وحدّ الإنقاء في الاستنجاء بماء خشونةُ المحل بالغسل وعودُه خَشِنًا كما كان قبلَ خروج الخارج. ولا يُشترَطُ الترابُ مع الماءِ، ولا يشترطُ أيضًا عَودُ المحل إلى الخشونة، بل ظَنُّهَ كافٍ في الإجزاء، فإذا أتى بالعددِ المعتبرَ في الاستجمار، اكتفى في زوال النجاسة بغلبة الظَّنِّ، وقال في "النهاية": لا بُدَّ من العِلم في ذلك. دنوشري مع زيادة (٥). (ولمشاركة غير الحجر) علةٌ لمعلول مقدر في نظم الكلام، تقديره: ولم يَستثنِ غير الحجرِ؛ لمشاركة غير الحجرِ الحجرَ، بل سكتَ عن استثناء ما في معناه؛ لإرادته ذلك، والرجيع: الروث. (غير عظمٍ ورَوثٍ) أي: يَحرم، ولم يصحَّ الاستجمارُ برَوثٍ وعظمٍ، فلا يُجزئُ الاستجمارُ بهما؛ للنَّهي عن ذلك، لما روى ابنُ مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تَستَنجوا

стр. 233

وطعامٍ. (و) غيرِ (طعامٍ) ولو لبهيمةِ، فلا يُجزِئ استجمارٌ به؛ لأنَّه ﵊ علل المنعَ مِن الروثِ والعظامِ؛ بأنَّه زادُ الجِن، فزادُنا وزادُ بهائِمنا أولى (١). وغيرِ ما لهُ حرمةٌ، ككُتب عِلم، وما فيه ذِكرُ اللهِ تعالى. وغيرِ متَّصلٍ بحيوانٍ، كيده، وجِلْده، وصوفِه؛ لحرمةِ الحيوانِ. وغيرِ جِلد سمكٍ وحيوانٍ مُذَكى. بالروْثِ". وروى أبو داود (٢) أَنَّه قال لرويفع بنِ ثابتٍ: "أخْبِرِ النَّاسَ أنَّه من استنجى برجيعٍ أو عظمٍ، فإن محمدًا بَرِيءٌ منه". وهذا عامٌّ في الطاهر منهما وغيره، والنهيُ يقتضي الفسادَ وعدمَ الإجزاء. دنوشري. (وزادُ بهائمنا أَولى) في الحُرمة وعدمِ الإجزاءِ. (وغير ماله حرمة ككتب) حديث وفقه، وكتب مباحةٍ، فيَحرُم ولا يُجزئُ. قلت: رُبَّما يُخشى عليه الكفْرُ والارتدادُ، والعياذُ بالله تعالى. وكذلك يَحرمُ الاستجمارُ بما يَحرم استعمالُه كقِطَعِ ذَهَبٍ وفضَّة. دنوشري. (وغير متَّصلٍ بحيوان) كذَنَبِ البهيمة ويدِها ورجلِها، ويد مُستجمر؛ لأنَّ لذلك حرمة، فهو كالطعام. ولا يجوز أيضًا الاستجمارُ بحيوانِ كعصفور ونحوِه، ولو كان حيا. وبالجملة فيُشَترط في المستجمَر به شرطان (٣): أحدهما: أن يكون جامدًا؛ لأنَّ المائعَ إنْ كان ماء، فهو استنجاءٌ، وإن كان غيرَه، امتزج بالخارج، فيزداد نجاسة.

стр. 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثانيها: أن يكونَ طاهرًا؛ للحديث المتقدِّم. ثالثها: أن يكون مُنْقيًا، فلا يجوزُ الاستجمارُ بالزجاج ولا الحَجَر الأملسِ الصقيلِ، كالبلور، إذ المقصودُ الإنقاء، ولا يحصلُ بذلك. رابعها: أن لا يكونَ محترمًا، فلا يجوزُ بطعام، ولو لبهيمة، وكذا طعامُ الجن، وكتبُ الفقه والحديث وغيرها، [لما فيه من هتك الشريعة] (١). وأن لا يكونَ حيوانًا، ولا متَّصلًا بحيوان. خامسها: أن لا يكون مُحرمًا ذاتًا أو وصفًا، كمغصوب، ومسروق، وموقوف، وقِطَعِ ذهبٍ أو فضةٍ. وقيل: يجوز بالمغصوب، وهو مخرج من روايةِ صحّة الصَّلاة في بُقعةِ غصْب، ورُد بأن الاستجمارَ رخصةٌ، والرخَصُ لا تُستباح بالمعاصي، واختار الشَّيخ تقي الدين الإجزاءَ في ذلك، وبما نُهي عنه، قال: لأنَّه لم يُنْهَ عنه لكونه لا يُنْقي، بل لإفسادِه (٢). ومن مذهبه أن النجاسةَ تُزال بالمائعات (٣)، وهي من باب التروك التي لا تَحتاج إلى نية. ويُرَدُّ عليه بالحديث السابق. وحيثُ قيل بعدمِ الإجزاءِ، فإنه يتعيَّن الماءُ في الشرط الأوَّل، وكذا في الثَّاني، على ما قطع به المجدُ و "الكافي" (٤)، وفي الثالث: يعدلُ إلى طاهر مُنق، وفي الرابع والخامس: يُجزئه الحَجَر؛ جَعلا لوجودِ آلةِ النَّهي كعدمها؟ أو يعدِلُ إلى الماء؛ لعدمِ فائدةِ الحَجَر إذن لنقاءِ المحل؟ فيه وجهان، أرجحُهما أنّه يصحُّ الاستجمارُ بعدَه بمُنْق، قال في "الإقناع" (٥): وإن استجمرَ بغيرِ مُنْقٍ، أجزأ الاستجمارُ بعدَه بمُنْقٍ. دنوشري.

стр. 235

ويشْتَرَطُ ثلاثُ مَسَحاتٍ مُنْقِيةٍ تعمُّ كلُّ مسحةٍ المحلَّ، (ويشترط) لصحة استجمارٍ (ثلاثُ مَسَحات) فلا يُجزِئ أقل منها؛ لقوله ﵊: "فليَذهبْ معه بثلاثةِ أحجارٍ". رواه أبو داود (١). ولقولِ سلمان: "نهانا رسولُ الله ﷺ أنْ نَستنجِيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ". رواه مسلم (٢). (مُنْقِيَة) أي: مُزيلةٍ لعينِ الخارجِ حتَّى لا يَبقى إلا أثَر لا يُزيله إلَّا الماء، فهذا هو الإنقاءُ بنحوِ الأحجارِ، وأمَّا الإنقاءُ بالماء، فَعَوْدُ خشونةِ المحل كما كان، وظنه كافٍ. ويكون الاستجمارُ إما بحجرٍ ذي شُعبٍ، أو بثلاثةِ أحجارِ (تَعُم كل مَسحةٍ) مِن الثلاث وجوبًا، جميعَ (المحل) أي: الدُّبُرِ والصفْحَتَينِ (ويشترَط لصحَّة استجمارٍ … إلخ) أي: فلا يُجزئ في الاستجمارِ أقل من ثلاثِ مسحَاتٍ، بفتح السِّين، جمع مَسْحَة، بالسكون. (منقِية) إمّا بحَجَرٍ كبيرٍ ذي ثلاثِ شُعَبٍ، أو بثلاثةِ أحجار. (هذا هو الإنقاءُ بنحو الأحجار) أي: حدّ الاستنجاءِ بنحو الأحجار. وقوله: (وأما الإنقاء بالماء) أي: الاستنجاء بالماء حتَّى يَنْقَى، ويصحُّ بضمِّ الياء وكسر القاف، فالضمير على الأوَّل راجعٌ للمحلِّ، فهو بالرفع فاعل، وعلى الثَّاني راجعٌ على المستجمِر، فالمحل مفعوله كما تقدَّم. عن "المطلع" (٣). (تَعم كلُّ مسحةٍ المحلَّ) أي: محل الخارج (وجوبًا) وهو المَسرَبةُ والصفحتان؛ وذلك لحديث سلمان … إلخ، وفي معنى الثلاثة ثلاثةُ أطرافِ حَجَرٍ، بخلافِ رمي الجمار؛ لأنَّ المقصودَ ثَم عددُ الرمي، وهنا عدد المسحات، فإذا حصلَ الإنقاءُ بثلاثةِ أحجار، فهي

стр. 236

فإن لمْ تُنق، زادَ. ويستحب قطعُه على وِتْرٍ، ويجبُ لكلِّ خارجٍ (فإن لم تنق) المسحاتُ الثلاثُ (زاد) وجوبًا حتَّى يُنْقي المحل. (ويستحبُّ قطعُه) أي: الاستجمارُ (على وِترٍ) إن زاد على الثلاث. فلو أنقَى برابعة، زاد خامسةً، أو أنقى بسادسة، زاد سابعةً، وهكذا؛ لقوله ﵇: "مَن استجمرَ فليُوتِر". متَّفقٌ عليه (١). (ويجب) استنجاءٌ أو استجمارٌ (لكل خارجٍ) مِن سبيلٍ، معتادًا كان الخارج مجزئة بغير خلاف، وأمَّا الحجرُ الكبيرُ الذي له ثلاث شعب، فيجوزُ الاقتصارُ عليه في ظاهرِ المذهب، اختاره الخرقيُّ وجُل المشايخ، وعنه: لا بُدَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، اختارها أبو بكر والشيرازي؛ لأنَّه ﵊ نصِّ عليها، وعلقَ الإجزاءَ بها، ولأنه إذا استجمرَ به تنجَّسَ، فلم يجزْ، كالصغير، والأوَّلُ أصح؛ لما رَوى جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا تغوّط أحدُكم فليتمسَّح ثلاثَ مرَّاتٍ". رواه أحمد (٢). وهذا يبيِّن أن المقصودَ تكرارُ التمسُّح، لا تكرارُ الممسوح به، ولأنَّه يحصُلُ بالشعبِ الثلاثِ ما يحصلُ بالأحجار، فلا معنى للفرق. كما لو مَسحَ ذكرَه على صخرة عظيمة في ثلاثة مواضع منها. قال ابن عقيل: ولو مسحَ بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع، فهو كالحجر الكبير. وفُهِم من قوله: "تعم كل مسحة المحل" أَنَّه إذا أفرد كل جهة من المخرج بحجر، أَنَّه لا يجزئ. (فإنْ لم تنقِ) الثلاثُ مسحات (زاد) حتَّى تنقي؛ لأنَّ المقصودَ من الاستجمارِ إزالةُ عينِ النجاسة بالأحجار ونحوها. دنوشري مع زيادة. (ويجبُ استنجاء أو استجمارٌ لكلِّ خارج من سبيلٍ) أو ثقبٍ فيما إذا استد المخرج، وانفتحَ غيرُه، ولو أسفل المعدة؛ لقول عائشة ﵂: مُرنَ أزواجكنَّ أن يُتبِعوا

стр. 237

غيرِ ريحٍ، كالبول، أو لا كالمذي؛ لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] لأنَّه يَعم كل مكان ومحل مِن ثوبٍ وبدنٍ، ولقوله ﵊: "إذا ذَهبَ أحدُكم إلى الغائطِ، فليَذهب بثلاثةِ أحجارٍ، فإنَّها تُجزِئ عنه". رواه أبو داود (١)، والأمرُ للوجوبِ، وقال: "إنّها تُجزِئ" ولفظُ الإجزاءِ ظاهرٌ فيما يجب. (غيرِ ريحٍ) لقوله ﵊: "مَنِ استنجَى مِن ريحٍ، فليس منَّا". رواه الطبراني في "معجمه الصَّغير" (٢). قال الإمامُ أحمدُ ﵀: ليس في الريحِ استنجاء في كتاب الله ولا في سُنة رسولِه. وهي طاهرة، فلا تنجَّس ماءً يسيرًا لاقَته. الحجارةَ الماءَ، فإن رسولَ الله ﷺ يفعلُه. رواه الإمام أحمد (٣) واحتج به، والأمر هنا للوجوب، وكلامُه شاملٌ للمعتَاد، كالبولِ والغائط، والنادر، كالدود والحصى، والطاهرِ والنجس، وهو ظاهرُ كلام الأصحاب، وظاهر "المحرر" أنه لا بجبُ في طاهر (٤)، كما سيأتي التنبيهُ عليه، كمني، ودواءٍ تحملَت به، إن قيل بطهارة فرجها. وقد استثنى المؤلفُ -رحمه اللهُ تعالى- من عمومِ هذا الوجوب ثلاثَ مسائل، لا يجبُ فيها استنجاءٌ ولا استجمارٌ، ذكرَ الأولى بقوله: (غير ريحٍ) باتفاق المذاهبِ الأربعة؛ وذلك (لقوله ﵊: "من استنجى إلخ") قال الإمامُ أحمد: ليس في الريحِ استنجاءٌ في كتابِ الله ولا سنة رسولِ الله ﵊، ولأنَّ الاستنجاءَ والاستجمارَ إنَّما يجبُ لإزالةِ النجاسة. (والرجز) أي: النجس (فاهجر) والهجرُ يحصل بالاستنجاءِ أو الاستجمار. (وهي طاهرة فلا تُنجِّس ماءً يسيرًا) بملاقاتها على الصَّحيحِ من المذهب.

стр. 238

وطاهرٍ، وما لا يُلَوثُ. (و) غيرِ خارجٍ (١) (طاهرٍ) كَمِنيٍّ وولد بلا دمٍ. (و) غيرِ (ما) أي: خارج (١) (لا يُلَوِّث) أي: لا يَنفصِل منه أثرٌ في المحل يزيله قال في "المبهج": لأنَّها عَرَض باتفاقِ الأصوليين. قال بعض الشارحين: وفيه نظر، لأنَّ من المعلوم أن للريح الخارجةِ من الدبرِ رائحة منتنَة قائمة بها، ولا شكَّ في كونِ الرائحة عَرَضًا، فلو كانت الريحُ أيضًا عَرَضًا، للزمَ قيامُ العَرَضِ بالعَرَض، وهو غيرُ جائزٍ عند المتكلمين. وفي "النهاية": نجسةٌ، فتُنَجس ماءً يسيرًا. قال في "المقنع" (٢): وفيه بُعد. قلت: ولا بُعدَ إن ثبتَ أَنَّه بخارُ نجاسَة، نهايتُه أَنَّه معفوٌّ عنه، حيثُ لم يظهر له صفة، كما قال في يسير سلسِ البول، ودخانِ نجاسة، وغبارها، وبخارها، ما لم يظهر له صفة، حتَّى ذَكرَ أبو الخطَّاب أنَّها غيرُ ناقضةٍ للوضوءِ بنفسها، بل بما يتبعُها من النجاسةِ. وأقول أيضًا: لم يَقُمِ العَرَضُ بالعَرَض في هذه المسألة؛ لأنَّ الريحَ لمَّا جاورت النجاسةَ، جذبت بخارَها، واستتبعتهُ، وأوصلتهُ إلى الخارج، فالريحُ جاذبة لبخار ما جاورَها. المسألةُ الثَّانية: ما أشار إليها بقوله: (وغير … طاهرٍ) أي: لا يجبُ الاستنجاءُ ولا الاستجمارُ من الخارجِ إذا كان طاهرًا، كالمني والحصى والولد العاريين عن الدم أو البللِ، لكن يُشترَطُ في المني أن يكون باقيًا على طهارته، بأن خرجَ بعد الاستنجاء، والاستنجاءُ إنَّما شُرع لإزالةِ النجاسة، ولا نجاسة هنا. المسألةُ الثالثة: ما أشارَ إليها بقوله: (وما لا يلوث) وهو صفة لموصوف محذوف، تقديرُه: الروثُ الملَوث، أي: لا يجبُ الاستنجاءُ بخروج الروثِ اليابس غيرِ المُلَوث

стр. 239

ولا يصحُّ وضوء، ولا تيمم قَبْلَه. الحجر (١)، كالبعر الناشف، [فلا يجب الاستنجاءُ من ذلك] (٢). (ولا يصح وضوء) مَن لزمه استنجاء قَبله (ولا) يصحُّ (تَيمُّمٌ) عن (٣) حدث أو نجاسة، ممَّن لزمه استنجاءٌ (قَبلَه) أي: قَبلّ الاستنجاءِ (٤) أو الاستجمار؛ وذلك لقوله ﵊ في حديث المِقْداد المتَّفق عليه (٥): "يَغسِلُ ذَكره، ثم يَتوضأ" فأتى بـ "ثُمَّ" المفيدَة للترتيبِ (٢). للمخرَج، بأنْ خرجَ جافًا؛ لأنَّه لا أثرَ له بالمحل، فلا يجبُ له استنجاء. كما نصٌّ عليه في "التنقيح". وقال في "المغني" (٦) و "الشَّرح" (٧): القياسُ أَنَّه لا يجب في يابسٍ لا يُنَجِّسُ المحل. وذكر ابنُ تميم ذلك وجهًا. دنوشري مع زيادة. (ولا يصحُّ وضوء .. ولا تيمم .. قبلَه، أي: قبلَ الاستنجاء أو الاستجمار) فهو شرطٌ للوضوء، والمشروطُ لا يصحُّ بدون شرطه، ولأنَّه رتب الوضوءَ في حديثِ المقداد بعد الغَسل، ولأنَّها طهارةٌ يُبطِلُها الحدثُ، فاشتُرِطَ لها تقديمُ الاستنجاء أو الاستجمار، ولأنَّه إذا بقيَ بعضُ الخارجِ على المخرج من غير إزالة، فكأنَ الخارجَ مستصحب للخروج، فلا تصح الطهارةُ مع قيامِ المانع، فعلى هذا لا يَستبيحُ شيئًا من العبادات بدون ما ذُكر، فعلى هذا إذا كانت على غير السبيلين، فكما لو كانت عليهما. ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأنَّ

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نجاسةَ الفرج سببٌ في وجوبِ التيمم، فجازَ أنْ يكونَ بقاؤها مانعًا، هذا بالنسبة إلى التيمُّم، وأمَّا بالنسبةِ إلى الوضوء، إذا كانت النجاسة على غير السبيلين غيرَ خارجةٍ منهما، فإنَّه يصحُّ الوضوءُ قبلَ إزالتها على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطعَ به أكثرهم؛ لأنَّ الحدثَ يرتفعُ قبلَ زوالِ حكم الخَبَث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وسُنَّ للمستنجي بماء أنْ يعتمدَ في الغَسْل على إصبعه الوسطى، ويسترخي قليلًا، ولا يتعرَّضَ للباطن، فإذا غلبَ على ظنِّه زوالُ الخارج، كفى، وسُنَّ للمستنجي أيضًا أن يدلكَ يده اليسرى بتراب لإزالة الرائحة الكريهة، ولا يضر شمُّ رائحة يده، فإنْ كانَ ثَمَّ رائحة، أزالَها استحبابًا. "فرع": يحرمُ منعُ المحتاجِ إلى الطهارة، أي: المطهِّرة الموقوفة، حتى ولو كان الوقفُ على جهةٍ معيَّنةٍ، كمدرسةٍ، ورباطٍ، ولو في ملكه؛ لبذلها للمحتاجِ شرعًا وعرفًا، ولو صرَّح الواقفُ بالمنع، كما ذكره في "المبدع" (١). "فرعٌ آخر": قال الشيخ تقيُّ الدين: تُمنَع أهلُ الذمَّة من دخولِ مطهرةِ المسلمين وجوبًا، إنْ حصلَ بهم ضررٌ من تضييقٍ، أو تنجيسٍ، أو إفسادِ ماءٍ ونحوه، ومع عدمِهِ، ولهم ما يستغنونَ به لا مزاحمة لهم. والله أعلم.

стр. 241

باب السواك وغيره (بابٌ) بالتنوينِ، أي: هذا بابٌ للسِّواكِ وغيرِه. (السِّواكُ) والمِسْوَاكُ -بكسر أولهما-: اسمان للعُودِ الذي يُتسوَّك به. ويطلق السِّواكُ على التسوُّك. وهو شرعًا: استعمالُ عودٍ في أسنان ولثَةٍ ولسانٍ. (باب السواك وغيره) أي: هذا بابٌ للسواك وغيره، أي هذا بابٌ يُذكَر فيه مسائل من أحكام التسوُّك وحكم الادِّهان والاكتحالِ وحكم الخِتان، ونحو ذلك. ويُطلَق السواك على التسوُّك وهو مأخوذ من التساوك، وهو التمايلُ والتردُّد؛ لأنَّ المتسوِّكَ يردِّده في فِيه، ويحرِّكه. يقال: جاءت الإبلُ تتساوك: إذا كانت أعناقها تَضْطَرب من الهزال. وأمَّا السواك فهر في الأصل مصدر: ساك، إذا دلك، ثم جُعلَ اسمًا للآلة كالمسواك. ويجُمَع السواك على سُوك ككتُب، ويقال: سُؤُك، بواوٍ مهموزة، وعليه قول القائل: بالله إنْ جُزتَ بوادِ الأراك … وقبَّلتْ أغصانُه الخضرُ فاك فابعثْ إلى المحبوبِ من بعضِها … فإنَّني واللهِ مالي سواك (١) (وهو شرعًا) أي: معنى التسوُّكِ في الشرع، أي: في عُرفِ أهل الشرع: (استعمالُ عود) من إضافةِ المصدر إلى آلته (في أسنان) الأَوْلَى: في فمٍ؛ ليشملَ ما إذا لم يكنْ له أسنانٌ (ولِثةٍ) بكسرِ اللام، وفتحِ المثلَّثةِ مخففة، وهي ما حولَ الأسنانِ من اللحم، كذا قال الجوهري (٢). وقال غيره هي اللحمُ الذي نبتت فيه الأسنان، فأمَّا اللحمُ الذي يتخلَّلُ الأسنان فهو عَمْر، بفتح العين، وإسكان الميم، وجمعه: عُمُور، بالضم. ابن نصر الله. (ولسان) وسقفِ حَلْق. ويحرِّكُ يدَه بلطفٍ.

стр. 242

يُسنُّ التَّسوُّكُ (يُسَنُّ التسوُّكُ) كلَّ وقتٍ. قال في "المبدع": اتفق (١) العلماءُ على أنَّه سُنَّة مؤكَّدة؛ لحثِّ الشارعِ ومواظبتِه عليه وترغيبِه فيه. يوضِّحُه ما رَوتْ عائشةُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: وقيل: إنَّ السواكَ بالريحان يضرُّ لحمَ الفم، وكذا الطرفاءُ (٢) والآس والأعوادُ الذكيَّة. ويكونُ قد نُدِّي بماءٍ، وبماءِ وردٍ أجود، ويغسلُه بعدَه. ويكرهُ التسوُّك بغيرِ المنقي، الذي لا يجرحُ، ولا يضرُّ، ولا يتفتَّت. دنوشري مع زيادة. (يسنُّ التسوك) أي: فالتسوُّك بالعود المتقدِّم ذكرُه مسنونٌ مطلقًا في جميع الأوقات، وذلك (لحثِّ الشارع … إلخ) قال ابنُ عباس ﵄: في السِّواكِ عشرُ خصال: يُذهِب الحَفَر (٣)، ويجلو البصرَ، ويشدُّ اللِّثَة، ويُطَيِّبُ الفمَ، ويُنقي البلغمَ، وتفرحُ له الملائكة، ويرضَى له الربُّ تعالى، ويُوافق السُّنَّة، ويزيدُ في حسناتِ الصَّلاة، ويصحُّ الجسم (٤). وزاد الترمذيُّ الحكيم: يزيدُ الحافظ حفظًا، ويثبِّتُ الشعرَ، ويصفِّي اللون. ولا يبلعُ ريقَه في أوَّل استياكه، فإنَّه يُورِثُ النسيان. فال بعضُهم: ويجلو الأسنانَ ويقوِّيها، ويعينُ على الهضمِ، ويُشهِّي الطعامَ، ويُصفِّي الصوتَ، ويسهِّلُ مجاري الكلام، وينشِّطُ ويَطردُ النومَ، ويخفِّف عن الرأس وفَمِ المعدة، ويُصحُّها. وزاد بعضهم: ويُزْكِي الفطنةَ، ويزيدُ في العقل، وينقي الشيب، ويقوِّي الظهرَ، ويضاعفُ الأجرَ، وأنَّه يُسهِّلُ النَّزْعَ، ويذكِّرُ الشهادةَ عند الموت. وذكر في "شرح العجالة" أنَّ الصلاةَ إذا كانت بالسواكِ وبالجماعة؛ فإنَّها تكونُ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين صلاةً.

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "السِّواكُ مَطْهرةٌ للفمِ مَرضاةٌ للرَّبِّ" رواه الشافعيُّ، وأحمدُ، وابنُ خزيمةَ، والبخاريُّ تعليقًا (١). [ويستثنى مِن ذلكَ الصائمُ] (٢)، ففيه تفصيلٌ يأتي. (مرضاةٌ للربِّ) أي: يحصِّلُ رضى الرَّبِّ، ومعناه: إن فَعل سُنَّةَ السواك، رتَّب اللهُ عليها أنْ يعامِلَ فاعلَه بما يُعامِلُ به الراضي من رَضي عنه، أو يزيلَ به ما يريدُ به الراضي لمن رضي عنه. وروى العباسُ بن عبد المطلب أنَّه دَخلَ على رسول الله ﷺ قومٌ قُلْحٌ، فقالَ لهم النبي ﷺ : "ما لي أراكم تَدخلونَ عليَّ قُلْحًا، استاكوا" (٣). وقُلْحًا بضمِّ القاف، وإسكانِ اللام، جمعُ أَقْلَح، وهي صفرةُ الاسنان. شيشيني. (والبخاري تعليقًا) والتعليقُ: حذفُ الشيخ، من ذلك "الأربعين النواوية"؛ لأنَّه ذكر الإمام علي عن النبي ﷺ وحذف شيخَه (٤). (ويُستثنى من ذلك) أي: من كونِ السِّواك مسنونًا مطلقًا لجميع المسلمين والمسلمات، وفي جميعِ الاوقات: إلَّا لصائمٍ وصائمةٍ بعد الزوال، فيُكْرَه لهما ذلك في المشهور، ويَمتدُّ وقتُ الكراهةِ إلى الغروب.

стр. 244

عَرْضًا، بيُسراه، ويَستاك (عَرْضًا) بالنسبة إلى الأَسنان؛ لما في "مراسيل" أبي داود (١): "إذا استكتم، فاستاكوا عَرْضًا"، ولأنَّ الاستياكَ طولًا قد يُدمِي اللِّثَة، ويفسِد الأسنانَ، [وقد قيل] (٢): إنّه استياكُ الشيطانِ. وفي "الشرح الكبير" (٣): إنِ استاكَ على لسانهِ أو حَلْقه، فلا بأسَ أنْ يستاكَ طُولًا؛ لخبر أبي موسى (٤). (بيُسراه) نقلَه حربٌ، كانتثاره. وحديثُ عائشةَ: "كانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التيامُنَ ما (بالنسبة إلى الأسنان) وطولًا بالنسبة إلى فمه. مصنِّف (٥). (لما في "مراسيل" أبي داود … إلخ) جمعُ مرسل، سماعيٌّ، والقياس: مراسل، مأخوذٌ من الإرسال، وهو الإطلاقُ، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم:٨٣] فكأنَّ المُرْسِلَ أَطلَقَ الإسنادَ، ولم يقيِّدْهُ بجميعِ رواته، والمُرْسَلُ: ما منه صحابيٌّ سقط، بأنْ رفعَه التابعيُّ إلى النبيِّ ﷺ صريحًا أو كنايةً، قال الزرقانيُّ في "شرحه للبيقونية": واختلفوا في الاحتجاجِ بالمرسل، فذهبَ مالكٌ وأحمدُ في المشهورِ عنهما وأبو حنيفةَ، وأتباعُهم من الفقهاءِ والأصوليِّين، والمحدِّثين، إلى الاحتجاجِ به في الأحكام الفرعيَّة وغبرها، كالأمورِ الاعتقاديَّةِ، كالجنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، فإذا وجِدَ حديثٌ مرسلٌ في ذلك، يُستدَلُّ به على ذلك. (كانتثاره) بالمثلثة من النترة (٦)، وهي طرفُ الأنفِ، وهي بيساره.

стр. 245

بعودٍ ليِّنٍ، مِنْ نحوِ أراكٍ. استطاعَ في طهورهِ وترجُّلهِ وتنعُّلهِ وسِواكهِ" (١). قد يُحمل على أنَّه كان يَبدأُ بِشِقِّ فمِه الأَيمنِ. (بعُود ليِّنٍ) يابسٍ أو رَطْبٍ. واليابسُ المندَّى أَوْلى. (من نحو أراك) كعُرجون وزيتونٍ، مُنقٍ لا يَجرحُ، ولا يَضرُّ، ولا يتفتَّتُ. [وكُره بما يَجرح أو يضرُّ أو يتفتَّتُ] (٢)). "(في طهوره) " بضمِّ الطاء، يعني الطهارة، وهي الوضوء والغسل. (وترجُّله) أي: تسريحُ الشعر ودَفنُه، كما يأتي. (كُعرْجُون وزيتون) مثالٌ لنحو الأراك، فالأراكُ أفضلُ ما يُتَسوَّكُ به؛ لفعلِه ﵊، ثمَّ الجريد، ثمَّ الزيتون. وذكر الأزجيُّ أنَّه لا يُعَدل عن الأراك، وعن الزيتون، والعُرْجون -وهو ساعدُ النخل- إلَّا لتعذُّره. دنوشري. (مُنقٍ) أي: يُشترَط في العودِ المذكور أن يُنْقيَ، أي: يُزيلَ القُلْحَ والرائحةَ الكريهةَ التي في الفم، والقُلْحُ: هي الصفرة التي على الأسنان. دنوشري. (لا يجرح ولا يضرُّ) أي: لا يجرح ولا يضرُّ ولا يتفتَّت. دنوشري. (وكُرِه بما يجرح) والذي لا يُنقي، والذي يجرحُ، كالقصبِ الفارسيِّ، والذي يضرُّ، كالريحانِ والرمَّانِ والآس، وما يتفتَّتُ في الفم. ولا يتخلَّلُ أيضًا برمَّانٍ وريحانٍ ونحوه؛ لأنَّه يحرِّك عِرقَ الجُذامِ كما في الخبر (٣)، ولا يتسوَّك أو يتخلَّلُ بما يجهلُه؛ لئلَّا يكون من ذلك.

стр. 246

ويُكرَه لصائمٍ بعدَ الزَّوالِ (١). (ويكره) التّسَوُّكُ (٢) (لصائمٍ) ولو واصَلَ (٣) الصوم (٤) (بعد الزوالِ) بيابسٍ أو رَطْبٍ؛ لحديث أبي هريرة يَرفعُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ" متفق عليه (٥). وهو إنَّما يَظهر غالبًا بعد الزوالِ، فاختصَّ الحكمُ به. فإن قيل: لِمَ وصَف دمَ الشَّهيدِ بريحِ المسكِ بلا زيادةٍ، وخلوف فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ رِيْحًا منه، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ مِن الصومِ؟ أجيب: بأنَّ الدَّمَ نَجِسٌ؛ فغايتُه أنْ يرفعَ إلى أنْ يَصيرَ طاهرًا، بخلافِ الخلوفِ. ويستحبُّ غسلُ ما على السواكِ بسبب التسوُّكِ، وإنْ كان بسواك غيره. وذكر في "الرعاية" أنَّه يقولُ عند التَسوُّكِ: اللهمَّ طهِّر قلبي، ومحِّصْ ذنوبي. مصنِّف (٦). (فاختصَّ الحكمُ به) ولأنَّه أثرُ عبادةٍ مستطابٌ شرعًا، فتُستحَبُّ استدامتُه كما ينبغي استدامةُ دمِ الشهيد، فإنَّ اللونَ لونُ الدم، والريحَ ريحُ المسك (فإن قيل … إلخ) حاصلُ الإيرادِ على الحديث الشريف أنَّه وصفَ خلوفَ فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ من ريحِ المسك، ودمَ الشهيدِ بريح المسك، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ، فكانَ القياسُ أن يكونَ دمُ الشهيدِ أطيبَ من ريحِ المسك، وحاصلُ الجواب: أنَّ خلوفَ فمِ الصائمِ كانَ كذلكَ لطهارتِه في الأصل، بخلافِ دمِ الشهيد. (بخلاف الخلوف) فإنَّه طاهرٌ في الأصل، وقد نقل المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤١] أنَّه رُويَ أنَّ موسى ﵇ وَعد بني إسرائيلَ أنْ يأتيَهم بعدَ مهلِك فرعون

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويسنُّ السِّواكُ (١) لصائمٍ (٢) بيابسٍ قبلَ الزوالِ؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما لا أُحْصِي يَتسوَّك وهو صائمٌ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والبخاري تعليقًا (٣). وقالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مِن خيرِ خِصالِ الصائمِ السِّواكُ" رواه ابن ماجه (٤). وهما محمولان على (٥) ما قبل الزوالِ؛ لما روى البيهقيُّ بإسنادِه عن عليٍّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا صُمتم، فاستاكوا بالغداة، ولا بكتابٍ منَ الله تعالى، فبه بيانُ ما يأتونَ وما يذرون، فلمَّا هلكَ سألَ ربَّه، فأمرَه بصيامِ ثلاثين، فلمَّا أتمَّ أنكرَ خلوفَ فيه، فتسوَّكَ، فقالت الملائكةُ: كنَّا نَشَمُّ من فيكَ رائحةَ المسك، فأزلتَه بالسواك، فأمرَه أن يختليَ ثلاثينَ ليلةً، يصومُ نهارَها ويقومُ ليلَها (٦). دنوشري. (وحسَّنه) أي: نقلَ تحسينه. (البيهقيُّ … إلخ) هذا دليل الحَمْلِ. ("إذا صمتُم فاستاكوا … إلخ") هذا مقيَّدٌ، وما قبلَه مطلقٌ، فحملَا عليه، بمعنى أنَّهما يقيَّدان بقيدِه، بدليلِ قول الشارح: (وهما محمولان … إلخ).

стр. 248

ويتأكَّد عندَ صلاةٍ، تستاكوا بالعشِيِّ" (١). ويباح له (٢) برَطْب قبْلَه. (وَيتأكَّد) التسوُّك، [أي: يزدادُ طلبُه وفضيلتُه] (٣)) (عند صلاةٍ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي، لأَمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" رواه (ويباحُ له برَطْبٍ قبْلَه) أي: قبلَ الزوال، والرَّطْب: الليِّنُ الهشُّ؛ لعدمِ وجودِ الخُلوفِ في ذلك الوقت، فأبيحَ فيه، ولم يُكرَهْ؛ لأن الرَّطْبَ مَظِنَّةُ التَّخلُّل منه، فلذا أُبيحَ به، بخلافِ اليابس، فيُستحبُّ، كما تقدَّم. (ويتأكَّد عند صلاة … أي) يتأكدُ استحبابُ السواك في عشرة مواضع، ذكر المصنِّف منها ثلاثةً، والشارحُ ذكرَ سبعةً. ("لولا أنْ أَشُقَّ") أي: خَوفَ أنْ أَشُقَّ، فـ "لولا" شرطُها ثابتٌ، وجوابُها منفيٌّ. فقولُه: "لأمرتُهم" أي: أمرَ إيجاب، وإلَّا فأمرُ النَّدبِ موجود. ("لأمرتهم بالسواك … إلخ") يعني: لأمرتُهم أمرَ إيجابٍ، فانصرفَت محافظتُه واهتمامُه ﷺ بشأنِه إلى تأكيدِ الاستحبابِ عندَ القيامِ إلى الصلاة؛ لما في إيجابِه عندَ كلِّ صلاةٍ من المشَقَّة والحرج، ولقوله ﵊: "صلاةٌ بسواك أفضلُ من سبعينَ صلاة بغيرِ سواك" (٤)، وهذا عامٌّ في الفرضِ والنفل، حتى صلاة المتيمِّمِ، وفاقدِ الطهورين، الذي

стр. 249

وانتباهٍ، الجماعة (١). يعني: أمرَ إيجابٍ؛ لحديث أحمدَ (٢): "لولا أَنْ أشُقَّ على أمَّتي، لفرضْتُ عليهم السِّواكَ". قال الشافعي (٣): لو كان واجبًا لأَمرهم به، شَقَّ أو لم يَشُقَّ. (و) يتأكَّد عند (انتباهٍ) مِن نومِ ليلٍ أو نهارٍ؛ لقولِ عائشةَ: "كان النبيُّ ﷺ لا يَرقُد مِن ليلٍ أو نهارٍ فيستيقظ إلا تسوَّك قبل أن يتوضَّأ" رواه أحمد (٤). يصلِّي على حَسَب حاله، وصلاةِ الجنازة، والظاهرُ أنَّه لا يدخلُ فيه الطَّوافُ، وسجودُ الشكر، والتلاوة. "مبدع". (قال الشافعيُّ: لو كانَ واجبًا … إلخ) قال الشارحُ في "مناهيه" (٥): أقولُ: يمكنُ حملُ الحديثِ على أنَّ اللهَ تعالى خيَّر رسولَه ﷺ في فرضِ السواك وعدمِه، كأنَّه قيل له: إنْ جعلتَه فرضًا، فقد جعلنَاه فرضًا، فخافَ ﷺ من المشقَّة، فاختارَ عدمَ الفرضيَّة. ويحمل كلام الإمام الشافعيِّ على أنَّه لو كان السواكُ فرضًا لا تخيير فيه، لأمرَ به، وبلَّغه على كلِّ حال. فتدبَّر. (وانتباهٍ) الموضعُ الثاني: عند انتباهٍ (من نوم)؛ لأنَّ النائمَ يتغيَّر فاهُ؛ لانطباقِه وقتَ النوم، فيتأكَّدُ إستياكُه عندَ انتباهه منه، ولما رَوى حُذيفةُ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك. متفقٌ عليه (٦). يقال: شاصَه وماصَه، إذا غسلَه. وقيل: هو الدَّلْكُ. وظاهر قوله: "من نوم" أنَّه يشمَلُ نومَ الليلِ ونومَ النهار.

стр. 250

وتغيُّرِ فَمٍ. (و) يتأكد عند (تَغَيُّرِ) رائحةِ (فَمٍ) بأكلٍ أو غيرهِ. وعند وضوءٍ (١)، وقراءةٍ، ودخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ، وإطالةِ سكوتٍ، وخلوِّ مَعِدَة مِن طعامٍ، واصفرارِ أَسنانٍ. (و … عند تغيُّر رائحةِ فم) والموضعُ الثالث: عند تغيُّر رائحةِ فمٍ بسكوتٍ طويلٍ، أو أكلِ شيءٍ يُغَيِّرُ رائحةَ الفم، وجوعٍ أو عطشٍ؛ لأنَّ السواكَ مشروعٌ لتطييبِ رائحةِ الفم، فيتأكَّدُ عندَ تغيُّرِه، ولأنَّ تغيُّرَ رائحتِه يؤذي الملَكَيْن؛ لأنَّ مقعدَهما عند نابيه. والفم: مثلَّث الفاء. حفيد. (وعندَ وضوءٍ) والموضعُ الرابع: عندَ وضوءٍ في المضمضة. قاله في "المحرر" وغيره؛ لقوله ﵊: "لأمرتُهم بالسواك مع كلِّ وضوء" رواه الإمام أحمد (٢)؛ لأنَّه أبلغُ في التنظيف. زاد في "الرعاية": وعندَ الغُسْل أيضًا. (وقراءة) والموضع الخامس: عندَ إرادةِ قراءةِ قرآنٍ. قاله في "الفروع" (٣)، وسبقَه إليه أبو الفرج. وحكمتُه أمران: تعظيمُ القرآن، وفصاحةُ اللسان. ويتأكَّدُ السواكُ أيضًا عند (دخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ) وصفرةِ أسنانٍ، وخلوِّ معدةٍ من طعام. وكان التسوُّكُ واجبًا على النبيِّ ﷺ لكلِّ صلاةٍ؛ لما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: أُمِر بالوضوءِ عند كلِّ صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمِر بالسواك لكلِّ صلاةٍ (٤). وهر الأنسبُ في حقِّه ﵊؛ لأنَّ ثوابَ الواجبِ أعظمُ من ثوابِ المسنون. دنوشري مع زيادة.
следующие страницы →