← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويُكرَه لصائمٍ بعدَ الزَّوالِ (١). (ويكره) التّسَوُّكُ (٢) (لصائمٍ) ولو واصَلَ (٣) الصوم (٤) (بعد الزوالِ) بيابسٍ أو رَطْبٍ؛ لحديث أبي هريرة يَرفعُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ" متفق عليه (٥). وهو إنَّما يَظهر غالبًا بعد الزوالِ، فاختصَّ الحكمُ به. فإن قيل: لِمَ وصَف دمَ الشَّهيدِ بريحِ المسكِ بلا زيادةٍ، وخلوف فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ رِيْحًا منه، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ مِن الصومِ؟ أجيب: بأنَّ الدَّمَ نَجِسٌ؛ فغايتُه أنْ يرفعَ إلى أنْ يَصيرَ طاهرًا، بخلافِ الخلوفِ. ويستحبُّ غسلُ ما على السواكِ بسبب التسوُّكِ، وإنْ كان بسواك غيره. وذكر في "الرعاية" أنَّه يقولُ عند التَسوُّكِ: اللهمَّ طهِّر قلبي، ومحِّصْ ذنوبي. مصنِّف (٦). (فاختصَّ الحكمُ به) ولأنَّه أثرُ عبادةٍ مستطابٌ شرعًا، فتُستحَبُّ استدامتُه كما ينبغي استدامةُ دمِ الشهيد، فإنَّ اللونَ لونُ الدم، والريحَ ريحُ المسك (فإن قيل … إلخ) حاصلُ الإيرادِ على الحديث الشريف أنَّه وصفَ خلوفَ فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ من ريحِ المسك، ودمَ الشهيدِ بريح المسك، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ، فكانَ القياسُ أن يكونَ دمُ الشهيدِ أطيبَ من ريحِ المسك، وحاصلُ الجواب: أنَّ خلوفَ فمِ الصائمِ كانَ كذلكَ لطهارتِه في الأصل، بخلافِ دمِ الشهيد. (بخلاف الخلوف) فإنَّه طاهرٌ في الأصل، وقد نقل المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤١] أنَّه رُويَ أنَّ موسى ﵇ وَعد بني إسرائيلَ أنْ يأتيَهم بعدَ مهلِك فرعون

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويسنُّ السِّواكُ (١) لصائمٍ (٢) بيابسٍ قبلَ الزوالِ؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما لا أُحْصِي يَتسوَّك وهو صائمٌ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والبخاري تعليقًا (٣). وقالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مِن خيرِ خِصالِ الصائمِ السِّواكُ" رواه ابن ماجه (٤). وهما محمولان على (٥) ما قبل الزوالِ؛ لما روى البيهقيُّ بإسنادِه عن عليٍّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا صُمتم، فاستاكوا بالغداة، ولا بكتابٍ منَ الله تعالى، فبه بيانُ ما يأتونَ وما يذرون، فلمَّا هلكَ سألَ ربَّه، فأمرَه بصيامِ ثلاثين، فلمَّا أتمَّ أنكرَ خلوفَ فيه، فتسوَّكَ، فقالت الملائكةُ: كنَّا نَشَمُّ من فيكَ رائحةَ المسك، فأزلتَه بالسواك، فأمرَه أن يختليَ ثلاثينَ ليلةً، يصومُ نهارَها ويقومُ ليلَها (٦). دنوشري. (وحسَّنه) أي: نقلَ تحسينه. (البيهقيُّ … إلخ) هذا دليل الحَمْلِ. ("إذا صمتُم فاستاكوا … إلخ") هذا مقيَّدٌ، وما قبلَه مطلقٌ، فحملَا عليه، بمعنى أنَّهما يقيَّدان بقيدِه، بدليلِ قول الشارح: (وهما محمولان … إلخ).

стр. 248

ويتأكَّد عندَ صلاةٍ، تستاكوا بالعشِيِّ" (١). ويباح له (٢) برَطْب قبْلَه. (وَيتأكَّد) التسوُّك، [أي: يزدادُ طلبُه وفضيلتُه] (٣)) (عند صلاةٍ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي، لأَمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" رواه (ويباحُ له برَطْبٍ قبْلَه) أي: قبلَ الزوال، والرَّطْب: الليِّنُ الهشُّ؛ لعدمِ وجودِ الخُلوفِ في ذلك الوقت، فأبيحَ فيه، ولم يُكرَهْ؛ لأن الرَّطْبَ مَظِنَّةُ التَّخلُّل منه، فلذا أُبيحَ به، بخلافِ اليابس، فيُستحبُّ، كما تقدَّم. (ويتأكَّد عند صلاة … أي) يتأكدُ استحبابُ السواك في عشرة مواضع، ذكر المصنِّف منها ثلاثةً، والشارحُ ذكرَ سبعةً. ("لولا أنْ أَشُقَّ") أي: خَوفَ أنْ أَشُقَّ، فـ "لولا" شرطُها ثابتٌ، وجوابُها منفيٌّ. فقولُه: "لأمرتُهم" أي: أمرَ إيجاب، وإلَّا فأمرُ النَّدبِ موجود. ("لأمرتهم بالسواك … إلخ") يعني: لأمرتُهم أمرَ إيجابٍ، فانصرفَت محافظتُه واهتمامُه ﷺ بشأنِه إلى تأكيدِ الاستحبابِ عندَ القيامِ إلى الصلاة؛ لما في إيجابِه عندَ كلِّ صلاةٍ من المشَقَّة والحرج، ولقوله ﵊: "صلاةٌ بسواك أفضلُ من سبعينَ صلاة بغيرِ سواك" (٤)، وهذا عامٌّ في الفرضِ والنفل، حتى صلاة المتيمِّمِ، وفاقدِ الطهورين، الذي

стр. 249

وانتباهٍ، الجماعة (١). يعني: أمرَ إيجابٍ؛ لحديث أحمدَ (٢): "لولا أَنْ أشُقَّ على أمَّتي، لفرضْتُ عليهم السِّواكَ". قال الشافعي (٣): لو كان واجبًا لأَمرهم به، شَقَّ أو لم يَشُقَّ. (و) يتأكَّد عند (انتباهٍ) مِن نومِ ليلٍ أو نهارٍ؛ لقولِ عائشةَ: "كان النبيُّ ﷺ لا يَرقُد مِن ليلٍ أو نهارٍ فيستيقظ إلا تسوَّك قبل أن يتوضَّأ" رواه أحمد (٤). يصلِّي على حَسَب حاله، وصلاةِ الجنازة، والظاهرُ أنَّه لا يدخلُ فيه الطَّوافُ، وسجودُ الشكر، والتلاوة. "مبدع". (قال الشافعيُّ: لو كانَ واجبًا … إلخ) قال الشارحُ في "مناهيه" (٥): أقولُ: يمكنُ حملُ الحديثِ على أنَّ اللهَ تعالى خيَّر رسولَه ﷺ في فرضِ السواك وعدمِه، كأنَّه قيل له: إنْ جعلتَه فرضًا، فقد جعلنَاه فرضًا، فخافَ ﷺ من المشقَّة، فاختارَ عدمَ الفرضيَّة. ويحمل كلام الإمام الشافعيِّ على أنَّه لو كان السواكُ فرضًا لا تخيير فيه، لأمرَ به، وبلَّغه على كلِّ حال. فتدبَّر. (وانتباهٍ) الموضعُ الثاني: عند انتباهٍ (من نوم)؛ لأنَّ النائمَ يتغيَّر فاهُ؛ لانطباقِه وقتَ النوم، فيتأكَّدُ إستياكُه عندَ انتباهه منه، ولما رَوى حُذيفةُ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك. متفقٌ عليه (٦). يقال: شاصَه وماصَه، إذا غسلَه. وقيل: هو الدَّلْكُ. وظاهر قوله: "من نوم" أنَّه يشمَلُ نومَ الليلِ ونومَ النهار.

стр. 250

وتغيُّرِ فَمٍ. (و) يتأكد عند (تَغَيُّرِ) رائحةِ (فَمٍ) بأكلٍ أو غيرهِ. وعند وضوءٍ (١)، وقراءةٍ، ودخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ، وإطالةِ سكوتٍ، وخلوِّ مَعِدَة مِن طعامٍ، واصفرارِ أَسنانٍ. (و … عند تغيُّر رائحةِ فم) والموضعُ الثالث: عند تغيُّر رائحةِ فمٍ بسكوتٍ طويلٍ، أو أكلِ شيءٍ يُغَيِّرُ رائحةَ الفم، وجوعٍ أو عطشٍ؛ لأنَّ السواكَ مشروعٌ لتطييبِ رائحةِ الفم، فيتأكَّدُ عندَ تغيُّرِه، ولأنَّ تغيُّرَ رائحتِه يؤذي الملَكَيْن؛ لأنَّ مقعدَهما عند نابيه. والفم: مثلَّث الفاء. حفيد. (وعندَ وضوءٍ) والموضعُ الرابع: عندَ وضوءٍ في المضمضة. قاله في "المحرر" وغيره؛ لقوله ﵊: "لأمرتُهم بالسواك مع كلِّ وضوء" رواه الإمام أحمد (٢)؛ لأنَّه أبلغُ في التنظيف. زاد في "الرعاية": وعندَ الغُسْل أيضًا. (وقراءة) والموضع الخامس: عندَ إرادةِ قراءةِ قرآنٍ. قاله في "الفروع" (٣)، وسبقَه إليه أبو الفرج. وحكمتُه أمران: تعظيمُ القرآن، وفصاحةُ اللسان. ويتأكَّدُ السواكُ أيضًا عند (دخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ) وصفرةِ أسنانٍ، وخلوِّ معدةٍ من طعام. وكان التسوُّكُ واجبًا على النبيِّ ﷺ لكلِّ صلاةٍ؛ لما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: أُمِر بالوضوءِ عند كلِّ صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمِر بالسواك لكلِّ صلاةٍ (٤). وهر الأنسبُ في حقِّه ﵊؛ لأنَّ ثوابَ الواجبِ أعظمُ من ثوابِ المسنون. دنوشري مع زيادة.

стр. 251

ويبتدئُ بجانبِ فمِه الأيمنِ، ويَدَّهِنُ غِبًّا. (وَيَبتدئُ) المتسوِّكُ ندبًا (١) (بجانبِ فمِه الأيمن)؛ لحديث عائشة "أنَّ النبيِّ ﷺ كان يُحِبُّ التيامنَ في تنعُّلهِ، وترجُّلهِ، وطهورِه، وفي شأنه كلِّه" متفق عليه (٢). مِن ثنايا الجانبِ الأيمنِ إلى أضْراسِه، قاله في "المطلع" (٣)، وجزم به في "الإقناع" (٤). وقال الشهابُ الفتوحيُّ في قطعتهِ على "الوجيز": يَبدأُ مِن أَضْراسِ الجانبِ الأيمنِ. (ويَدَّهِنُ) ندبًا في بَدَنٍ وشَعَرٍ (غِبًّا) (من ثنايا الجانب … إلخ) يتعلَّق بقوله: (ويبتدئُ) أي: بيساره، ثم يمرُّه بعد ذلك على لسانه، وسقفِ حلقه بلطفٍ. دنوشري. (وطُهوره) بضمِّ الطاءِ. أي: يسنُّ له بداءةٌ بالجانبِ الأيمن في تطهيره من الحدث الأكبر أو الأصغر. (وفي شأنِه كلِّه) أي: ويسنُّ بداءةٌ أيضًا بالجانبِ الأيمنِ في شأنه كلِّه، كترجيلٍ، وانتعالٍ، ولبسِ ثوبٍ، وخُفٍّ وسراويلَ، ودخولِ مسجدٍ، والاستنجاءِ، والامتخاطِ. والخروجُ من المسجدِ بضدِّ ذلك؛ لأنَّ اليمينَ لما شَرُفَ، واليسارَ لما خَبُثَ. (وقال الشهاب الفتوحي) اسمه: أحمد، تولَّى قضاء عسكر، وهو والدُ صاحب "المنتهى". (ويَدَّهن غِبًّا) هذا شروعٌ في غير السِّواك، هو مأخوذٌ من غَبِّ الإبلِ، وهو أنْ تَرِدَ الماءَ وتدعَهُ يومًا، وأما الغِبُّ في الزيارةِ، ففي كلِّ أسبوعٍ، وفي صلاةِ الضحى عدمُ المداومةِ عليها. حفيد. ونقل المصنِّفُ في "شرحه" على "الإقناع" عن الشيخ تقيِّ الدين ما نصُّه: يفعلُ ما هو الأصلحُ للبدنِ، كالغُسلِ بماءٍ حارٍ ببلدٍ رطبٍ؛ لأنَّ المقصودَ ترجيلُ الشعرِ، وهو فعلُ

стр. 252

ويكتحل وترًا. أي: يفعله يومًا ويتركه يومًا؛ لأنَّه ﵊ "نهى عن التّرجُّل إلا غبًّا" رواه النسائي، والترمذيُّ وصححه (١). والترجيل (٢): تسريحُ الشعَرِ ودهنُه. ولحيةٌ كرأسٍ. (ويكتحلُ) ندبًا كلَّ ليلةٍ الصحابةِ، وأن مثلَه نوعُ المأكلِ والملبس، فإنَّهم لمَّا فتحوا الأمصارَ، كان كلٌّ منهم يأكلُ من قوتِ بلدِه (٣)، ويلبَسُ من لباسِ بلده، من غير أنْ يقصِدوا قوتَ المدينة ولباسها. قال: فالاقتداءُ به تارةً يكونُ في نوعِ الفعل، وتارةً في جنسِه، فإنَّه قد يُفعَل الفعلُ لمعنًى يَعُمُّ ذلكَ النوعَ وغيرَه، لا لمعنًى يَخصُّه فيكونُ المشروعُ هو الأَمرَ العامَّ. قال: وهذا ليس مخصوصًا بفعلِه وفعلِ أصحابه، بل وبكثيرٍ ممَّا أمرهُم به، ونهاهُم عنه (٤). (أي: يفعلُه يومًا ويتركُه يومًا) هذا تفسيرٌ للغِبِّ تفسير مراد، وإنَّما يفعلُ كذلك ليتشرَّبَ بدنُه ما يدَّهِنُ به في ذلك اليوم المتروك، ثم يدَّهِنُ بعدَه. وقد يُطلَقُ الغِبُّ ويرادُ به: أحيانًا وأحيانًا، كصلاةِ الضحى فإنَّ عدمَ المداومةِ عليها أفضلُ، وكما في قولهم: زُرْ غِبًّا تزدد حُبًّا (٥). أي: زر الأحبابَ أحيانًا أحيانًا، يشتاقوا إليك، ويزدادوا فيك حُبًّا. دنوشري بإيضاح. (ويكتحل وِتْرًا … إلخ) أي: وسُنَّ اكتحالٌ كلَّ ليلةٍ قبلَ نومٍ

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بإثمدٍ مطيَّبٍ بمسكٍ (وِتْرًا) في كلِّ عينٍ ثلاثًا قبلَ النَّومِ؛ لما روَى ابنُ عباس عنِ النبيِّ ﷺ : "أنَّه كان يكتحلُ بالإِثْمِدِ كلَّ ليلةٍ قبلَ أنْ ينامَ، وكان يكتحل في كلِّ عينٍ ثلاثةَ أميالٍ" رواه أحمد (١). (بإثمدٍ مطيَّبٍ بمسكٍ وتْرًا، في كلِّ عينٍ ثلاثًا) وثلاثة بتأنيثِ العدد؛ لأنَّ المعدودَ مذكَّرٌ، لكن لما كان المعدودُ محذوفًا، جازَ تذكيرُ العددِ، وإن كانَ المعدودُ مذكَّرًا؛ لقوله ﷺ : "من صام رمضانَ، وأتبعَه ستًّا من شوَّال … " إلى آخر الحديث (٢). أي: ثلاثةَ أميال، وقيل: المسنونُ أنْ يكتحلَ ثلاثًا في اليمين، واثنينِ في اليسار؛ ليحصِّل الوِتْرَ في العينين. ويردُّه الحديثُ المذكور في الشرح؛ لأنَّ لكلِّ عينٍ حُكمًا بنفسِها. وسنَّ له نَظَرٌ في مرآةٍ، وأنْ يقول عنده: اللهمَّ كما حسَّنتَ خَلْقي، فحسِّن خُلُقي (٣)، وحَرِّم وجهي على النار. وقال حنبل: رأيتُ أبا عبدِ الله، وكانت له صِيْنِيَّةٌ فيها مرآةٌ، ومُكْحُلَةٌ، ومُشْطٌ، فإذا فَرغَ من قراءة حِزْبِه، نَظَرَ في المرآة، واكتحلَ، وامتشطَ. والحكمةُ في ذلك أن يُزيلَ ما عسى أنْ يكونَ بوجهه من أذى، ويتذكَّر نعمةَ الله عليه الذي خَلَقه فأحسنَ خَلْقَه وخُلُقَه. وسُنَّ له تَطيُّبٌ بالطِّيب، وهو ما لَه رائحةٌ طيِّبةٌ؛ لحديث: "أربعٌ من سُننِ المرسلين، الحياءُ، والتعطُّرُ، والسِّواكُ، والنكاح" رواه الإمامُ أحمد (٤). فيتطيَّبُ الرجلُ بما ظَهَر ريحُه،

стр. 254

فصل ويجبُ ختانُ ذكرٍ وأنثى عند بلوغٍ، (ويجبُ ختانُ ذكرٍ وأنثى) وخُنثى مشكِل؛ لقوله ﷺ لرجل أسلم: "أَلْقِ عنكَ شَعَرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ" رواه أبو داود (١). وفي قولِ النبيِّ ﷺ : "إذا التقى الختانان، وجبَ الغسلُ" (٢) دليلٌ على أنَّ النساءَ كُنَّ يختتنَّ، وقياسًا على الرجلِ. ووقتُ وجوبِه (عندَ بلوغٍ) أي: بُعَيدَه؛ لقولِ ابن عباسٍ: وكانوا لا يختِنُون الرجلَ وخفيَ لونُه، والمرأةُ في غير بيتها عكسُه؛ لأنَّها ممنوعة إذن ممَّا يَنُمُّ عليها به من ضَرْبٍ برجلٍ ليُعلَم ما تُخفِي من زينتها، ومن نعلٍ صرارة، وغير ذلك، وأمَّا ببيتِها فلها أنْ تتطيَّبَ بما شاءت. دنوشري مع زيادة. (ويجبُ ختانُ ذكرٍ وأنثى وخنثى … إلخ) أي: ذكره وفرجه عند بلوغ، وفاقًا للشافعيَّةِ، وخلافًا للمالكيَّةِ. وإنَّما كان الختانُ واجبًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال (لرجلٍ أَسْلَمَ … إلخ)، والأمرُ للوجوب، ويدخلُ وقتُ الوجوبِ بالبلوغِ؛ لأنَّ الإنسانَ قبلَ البلوغِ ليسَ بأهلٍ للتكليف، فإذا بلغَ، خُوطِبَ بالوجوب. فيحصلُ ختانُ الذَّكَر بأخذِ الجِلْدةِ التي فوقَ الحَشَفَةِ كلِّها. ونقل الميموني: أو أكثرها. والأنثى بأخذِ الجِلْدةِ التي فوقَ محلِّ الإيلاجِ، تُشبِهُ عُرفَ الديك، ولا تُؤخذ كلُّها من امرأةٍ، نصًّا، يستحبُّ أن لا تُؤخذَ كلُّها. نصَّ عليه. ولحديث: "اختتنَ إبراهيمُ خليلُ الرحمن، بعد مَا أتتْ عليه ثمانونَ سنةً" رواه البخاريُّ ومسلم (٣). وقد قال تعالى:

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حتى يُدرِكَ. رواه البخاريُّ (١)؛ ولأنه قبلَه ليس مكلَّفًا ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، ولأنَّه من شعائرِ المسلمين، فكانَ واجبًا كسائرِ شعائرهم، ولأنَّه يجوزُ كشفُ العورةِ والنظرُ إليها لأجله، فدلَّ على وجوبه. ودليلُ وجوبِ الختانِ على النساء حديث: ("إذا التقى الختانان … إلخ") فدل هذا على أنَّهنَّ كن يختتنَّ، وعنه: لا يجبُ ختانُ النساءِ؛ لأنَّه إنَّما وجبَ على الرجال؛ لما يستر الكَمَرَة (٢) من الجِلْدة التي فوقَها؛ من أجل أنَّه لا ينقى ما تحتَها إلَّا بأخذِها، حيثُ كانت تنفتق، والمرأةُ ليست كذلك، والأوَّل المذهب. وإنَّما وجبَ ختانُ قُبُلَي الخُنثى المشكلِ؛ احتياطًا. قال الشيشيني: لكن إنْ كانَ صغيرًا له دون السبع، ختنَه الرجالُ والنساء، وإنْ كان بالغًا نظرت، فإنْ كان يُحسنُ ذلك بنفسِه، تولَّاه، وإنْ لم يمكنْه ذلك، اشتُرِي له جاريةٌ تحسِنُه. فإنْ لم يمكنه ذلكَ، جازَ أنْ يتولَّاه الرجالُ والنساء؛ لأنَّه موضعُ ضرورةٍ. ولو خُلِق لشخصٍ ذكران عاملان لم يتميَّز الأصليُّ منهما من الزائد، خُتِنَا جميعًا. وكما أنَّه يجبُ الختان، يجبُ قطع سرَّةِ المولودِ؛ لأنَّه لا يتأتَّى ثبوتُ الطعامِ إلَّا بذلك. قال بعضهم: والحكمةُ في ختانِ الرجلِ تطهيرُه من النجاساتِ المختلفةِ تحتَ القُلْفَة. والمقصودُ من ختانِ المرأةِ تعديلُ شهوتها؛ لأنَّها إذا كانت قَلْفَاء، كانت شديدةَ الشهوةِ، فلهذا توجدُ الفواحشُ في نساء التترِ والفرنج ما لم توجدْ في نساء المسلمين. فالختانُ على كلِّ حالٍ يُقلِّلُ الشهوةَ، ويطهِّرُ المحلَّ. وكان ابنُ عباسٍ ﵁ يشدِّدُ في أمرِ الختان،

стр. 256

ما لم يَخَفْ على نفسِه، (مما لم يَخَفْ على نفسِه) مِن الختانِ؛ فيسقط وجوبُه، كالوضوءِ والصلاةِ عن قيام. قال ابنُ قندسٍ (١): فظاهر ذلك أنَّ الخوفَ المسقِطَ للوضوءِ والغسلِ، مسقطٌ للختانِ. وحيث تقرَّر الوجوبُ، فيُختن ذَكَرٌ بأَخذِ جِلْدة حشَفةِ ذكرٍ، وهي القُلْفة والغُرْلة -بالغين المعجمة والراء- ويجزئ أكثرها. وأنثى بأَخْذِ جِلْدةٍ فوقَ محلِّ الإيلاجِ تُشبِه عُرف (٢) الدِّيك. ويستحبُّ أن لا تؤخذَ كلُّها، نصًّا. حتى رُوي عنه أنَّه قال: لا حجَّ ولا صلاةَ لمن لم يختتِنْ (٣). ويحملُ ذلك على الكمال. (مما لم يخفْ على نفسِه) التلفَ حينئذٍ، فإنْ خافَ، سقطَ الوجوبُ؛ لأنَّ ما هو آكدُ من الختانِ، كالوضوءِ والغسل، يسقطُ بخشيةِ التلف، وينتقلُ إلى بدلِه، أو يصلِّي على حَسَب حالِه، فهذا من باب أَوْلى. قال في "المنوَّر" و"المنتخب": ويجبُ ختانُ بالغٍ آمنٍ. قال في "الفصول": يجبُ الختانُ إذا لم يخف التَّلَفَ. وإذا خافَ التلف يباحُ إذن ولا يجب، فإنْ شاءَ اختتنَ، وإنْ شاءَ تركَ، ولا إثمَ عليه، فيسقطُ الوجوبُ مع خوفِ التلف، وينتقلُ إلى الإباحة. دنوشري مع زيادة. (ويستحبُّ أْن لا تؤخذَ كلُّها، نصًّا) أي: نصَّ عليه الإمامُ. بل يقتصرُ على ما يقعُ عليه

стр. 257

وزمنَ صِغَرٍ أفضلُ. وخُنْثَى مشكِلٌ، يجمع بينهما؛ احتياطًا. (و) الختانُ (زمنَ صِغَرٍ أفضلُ) إلى التمييزِ. الاسم؛ لما رُويَ أنَّه ﵊ قال لأمِّ عطيَّة، وكانت تخفض النساءَ: "يا أمَّ عطيَّة إذا خفضتِ فأشمِّي، ولا تَنْهَكي، فإنَّه أَسَرَى للوجه، وأحظى عند الزوج" (١). أي: لا تبالغي في القطعِ، فإنَّه يؤثِّرُ في انقطاعِ الشهوةِ، واتركي الموضعَ أشَمَّ، أي: مرتفعًا (٢)، وقوله: "أسرى للوجه" أي: أصفى، وقيل: عَنَى به ما يحصلُ لها في نفس الزوجِ من الحُظوَة لها. وختان المرأة يسمى خفضًا، [وطعام] (٣) الختان (٤) إعذارًا. شيشيني. (والختان زمنَ صِغَرٍ أفضلُ) قال الشيخ محمد البهوتي رحمه الله تعالى: هذا ينبغي أنْ يُزَاد على المواضع الثلاثِ التي المسنونُ فيها أفضلُ من الواجب، وقد نظمَها السيوطيُّ فقال: الفرضُ أفضل من تطوُّعِ عابد … حتى ولو قد جاءَ منه بأكثر إلَّا التطهُّرَ (٥) قبلَ وقتٍ وابتدا … ء بالسلام كذاك إبرا معسر (٦) وزدت ما هنا في بيت فقلت: وكذا ختانُ المرءِ قبلَ بلوغِه … تمِّمْ به عقدَ الإمامِ المكثر (٧)

стр. 258

ويُكرَه القَزَعُ، وكُره بسابعٍ، ومِن ولادةٍ إليه. وإن أَمرَه به وليُّ أمرٍ في حَرٍّ، أو بردٍ، أو مرضٍ يخاف منه الموت، ولو بزعم الأطباءِ أنَّه يتلف (١)، ضمن. وجاز أن يختنَ نفسَه إن قَوِيَ عليه وأَحْسَنَهُ. وإن ترَكه بلا ضررٍ مع اعتقادِ وجوبِه، فسَق. ومَن ولد بلا قُلْفةٍ، سقط عنه، وكُره إمرار الموسَى عليه. ولا تُقطَع أصبعٌ زائدةٌ. (ويكره القَزَع) -مِن قَزَعِ السَّحابِ، أي: تقطُّعه (٢) -: وهو حَلْقُ بعضِ قال الدنوشري: فيُعايا بهذه المسألة، ويقال لنا: مسنونٌ أفضلُ من واجبٍ؟ وكذا إبراءُ المعسِر، فإنَّه أفضلُ من إنظارِه إلى ميسرةٍ، وإبراءُ المعسِر سُنَّةٌ، وإنظارُه واجب. وكذلك ابتداءُ السلامِ، فإنَّه سُنَّة، ورَدُّهُ واجبٌ، والابتداءُ أفضلُ من الردِّ. وكذا التطهُّرُ قبلَ دخولِ الوقتِ أفضلُ من التطهُّرِ بعدَ دخولِه، مع أنَّه قبلَه سُنَّةٌ، وبعدَه واجبٌ. (وكُرِه بسابعٍ) أي: وكُرِه الختانُ بسابعِ يومٍ من الولادة؛ لما في ذلك من التشبُّه باليهودِ، ولأنَّ الصغيرَ لا يتحمَّلُه في ذلك الوقتِ، ورُبَّما يُخشَى عليهِ التلفُ، ولم يَحرُم؛ لأنَّه غيرُ محقَّقٍ. وعنه: لا يُكرَه في ذلك اليوم. قال الخلَّال: والعملُ عليه. قال الدنوشري: قلت: والمذهبُ الأوَّلُ. وكُرِه الختانُ أيضًا من يوم الولادة إلى اليوم السابع. (أنَّه يُتلِفُ، ضَمِنَ) أي: ضَمِنَهُ وليُّ الأمرِ. (ويُكْرَه القَزَعُ) بفتحِ القاف والزاي، وقد عرَّفَه -رحمه الله تعالى- بقوله: وهو حَلْقُ

стр. 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رأسٍ (١)، وتركُ بعضِه؛ لقولِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن القَزَعِ، وقال: "احْلِقه كلَّه، أو دَعْهُ كلَّه" رواه أبو داود (٢). فدخل فيه حَلْق مواضعَ مِن جوانبِ رأسِه وتركُ الباقي، وحَلْقُ وَسَطِه مع تركِ جوانبِه، كما تفعله شَمامِسَةُ النصارى، وعكسه، كما يفعلُه كثيرٌ من السَّفِل (٣)، وحَلْق مقدَّمه دونَ مؤخَّره. بعضِ الرأسِ، وتركُ بعضٍ؛ لحديث: نهى النبيُّ ﷺ عن القَزَع، وقال: "احلقه كلَّهُ" رواه أبو داود. ولا يُكرَهُ حَلْقُ الرأس، ولو لغيرِ نُسُكٍ، لكن يسنُّ اتخاذُ الشعر، وأنْ يغسلَهُ ويسَرِّحَه متيامنًا، ويَفْرُقه، ويكونُ للرجل إلى أذنيه، وينتهي إلى مَنْكِبَيه، كشعرِه ﷺ (٤)، ولا بأس بزيادةٍ على مَنْكِبَيْه، وجعله ذُؤَابةً (٥)، ولم يُحفَظ أنَّه ﷺ حَلَقَ رأسَه إلَّا في نُسُك، وحَلَقَ رأسَه بعدَ البعثةِ أربعَ مرات؛ في عمرةِ الحديبية، وفي عمرةِ القضاء عند المروة، وفي عمرةِ الجِعِرَّانة، وفي حجَّة الوداع بمنى بعد نحره الهدي (٦). وقال أبو عبيدة: كانت له عقيصتان (٧). وأمَّا المرأةُ، فيُكرَه لها حَلْقُ رأسِها، وقَصُّه من غير عذرٍ. ويحرمُ لمصيبةٍ، وبغير رضا زوجِها. دنوشري. (فدخَل فيه) مفرَّعٌ على تعريفِ القَزَع، فالذي دخلَ فيه أربعُ صورٍ ....

стр. 260

وثَقْبُ أُذنِ صبيٍّ، ونتفُ شيبٍ، وتغييرُه بسوادٍ. (و) يُكره (ثَقْبُ أُذُنِ صبيٍّ) لا جاريةٍ، نصًّا؛ لحاجتِها للتزيُّنِ، بخلافه. (و) يُكره (نتفُ شيبٍ) (١) لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن نَتْفِ الشَّيْبِ، وقال: "إنَّه نورُ الإِسلامِ" (٢). وأوَّل مَن شابَ: إبراهيمُ ﵇، وهو ابنُ مئةٍ وخمسينَ سنةً، قاله الحجَّاوي في "الحاشية" (٣). (و) يكره (تغييرُه) أي: الشيبِ (بسوادٍ) لحديثِ أبي بكرٍ: أنَّه جاءَ بأبيهِ رضيَ اللهُ (ويكره ثقبُ أُذُنِ صبيٍّ، لا جاريةٍ، نصًا) لأنَّ الذكرَ ليسَ بمحلٍّ للحُلِيِّ، وقيل: يحرُمُ ثقبُ أذنِ الصبيِّ. واختاره ابن الجوزي، ولعلَّه؛ لما فيه من التشبُّه بالنساء. دنوشري. (ويُكرَهُ نتفُ شَيْبٍ) لقوله ﷺ : "من شابَ شيبةً في الإِسلامِ، كانت له نورًا يومَ القيامة". رواه الخلَّال في "جامعه" (٤). ويسَنُّ خضابُه بحناء وكَتَم، ولا بأسَ بوَرْسٍ وزَعْفران. (ويكره تغييره) أي: تغييرُ الشيبِ وصبغُه بسوادٍ؛ لما في ذلك من تغيير نُورِ الإِسلام، والمطلوبُ بقاؤُه. ومحلُّ تغيير الشيبِ ما لم يكن تدليسًا في بيعٍ أو نكاح، فيحرُمُ حينئذٍ. وقد هجا بعضُ الشعراءِ من يغيِّرُ الشيبَ بسوادٍ فقال:

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عنهما إلى النبيِّ ﷺ ورأسُه ولحيتُه كالثَّغامَة (١) بياضًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "غيِّروهما، وجنبوه السوادَ" (٢) فإن حصل بالسوادِ تدليسٌ في بيعٍ أو نكاحٍ، حَرُم. وسُنَّ خضابُ شيب بحنَّاءٍ وكَتَمٍ؛ لما تقدم، ولحديث أبي ذرٍّ: "إن أحسنَ ما غيَّرتم به هذا الشيبَ الحناءُ والكَتَمُ" رواه أحمد (٣). والكَتَمُ -بفتح تين ومثناة فوقية-: نباتٌ باليمن، صِبغُه أسودُ، يميل إلى الحُمرة. وصِبغُ الحناءِ أحمرُ؛ فالصِّبغُ بهما معًا يَخرج بين السوادِ والحُمرةِ. ولا بأسَ بخضابِ وَرْسٍ وزَعفران. صَبَغَ الشعرَ مُذْ رَأى الشيبَ وافى … بعدَ نورٍ جَلَبَ الظلامَ إليه فكفاهُ بأنَّه شيخُ سوءٍ … سَوَّدَ اللهُ وجههُ بيديه (كالثَّغَامة) جمعه ثَغَام، وهو نبتٌ في الجبلِ، يبيضُّ إذا يَبِسَ. شبَّه به الشيبَ. خالد على "قواعد" ابن هشام: بجامع البياض. وقوله: (بياضًا) أي: في البياض، فهو منصوبٌ بنزعِ الخافض.

стр. 262

ويُسَنُّ استحدادٌ، (ويسنُّ استحدادٌ) وهو حَلْقُ العانةِ بالحديدِ؛ لحديث أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الفِطرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ" متَّفق عليه (١). وله قَصُّه وإزالتُه بما شاء، والتنويرُ في عانةٍ وغيرِها، فعله الإِمام أحمدُ؛ اقتداء به ﷺ ، (" ونتفُ الإبط" متفقٌ عليه) زادَ مسلم (٢): "وإعفاء اللحية، والسواكُ، والاستنشاقُ، والاستنجاءُ، بالماءِ، وغسلُ البَرَاجِم" يعني: عقد الأصابع. مرعي في "تفسيره". (والتنويرُ في عانة … إلخ) أي: ويسنُّ التنويرُ في عورةٍ وغيرها. وأوَّل من صُنِعَت له النُّوْرَة (٣) ودخلَ الحمَّامَ سيدُنا سليمانُ بن داود عليهما الصلاة والسلام، وذلك أنَّه لما تزوَّجَ بلقيسَ، قالت له: لم يمسَّني حديدٌ قطُّ. فقال: سليمانُ للشياطين: انظروا إليّ شيئًا يذهبُ بالشعر. فقالوا: النُّورةُ. فكانَ أولَ من صُنِعَتْ له (٤). وتُحْلَقُ العانةُ في كلِّ أسبوعٍ، ولا يتركُه فوقَ الأربعين يومًا عند الإِمام أحمد؛ لأنَّه يُبَرِّد الشهوةَ (٥).

стр. 263

وحَفُّ شاربٍ، كما رواه ابنُ ماجه (١) مِن حديثِ أمِّ سلمةَ، لكن تُكرَه كثرتُه. قال في "الفروع" (٢): وسكتوا عن شعر الأنفِ، فظاهرُه بقاؤه، ويتوجَّه: أخذُه إذا فَحُش. (و) سُنَّ (حَفُّ شارب) أو قصُّه، وحفُّه أوْلى، نصًّا. قال في "النهاية" (٣): إحفاءُ الشواربِ أن تُبالِغ في قصِّها. (من حديثِ أمِّ سلمة) وسنده ثقاتٌ، وأعِلِّ بإرسال؛ لأنَّ قتادةَ قال: ما اطَّلى النبيُّ ﷺ (٤). دنوشري. ونقل المصنِّفُ في "شرحه" على "الإقناع" (٥) عبارةَ "الفروع" (٦) ونَصُّها: قال في "الفروع": وقد أُعِلَّ بالإرسال. وقال أحمد: ليس بصحيح؛ لأنَّ قتادةَ قال … إلخ. (لكنْ تُكرَهُ كثرته) استدراكٌ على قوله: "والتنوير في عانة … إلخ" أي: يُكرَه كثرةُ التنوير. قاله الآمدي؛ لأنَّه يُضعِفُ حركةَ الجماعِ. مصنِّف على "الإقناع" (٧). (وسنَّ حَفُّ شاربٍ) وهو إزالةُ الشعرِ النابتِ على الشفة العليا، بقصِّ طرفه، سُمِّي به، لانغماسِه في الشراب. (قال في "النهاية": إحفاءُ الشواربِ أن تبالغَ في قصِّها) وكذا قال ابن حجر في "شرح

стр. 264

وتقليمُ ظُفُرٍ، (و) سنَّ (تقليمُ ظُفُر) يدٍ ورِجْلٍ؛ لحديث أبي هريرةَ، وتقدَّم. ويكون في التقليمِ مخالفًا، فيبدأُ في اليمنى: بخنصرٍ فوسْطى فإبهامٍ فبِنْصرٍ فسبَّابة. [وفي اليسرى: بإبهامٍ، فوسطى، فخنصرٍ، فسبَّابة، فبِنْصرٍ] (١)؛ لما روِيَ: "مَن قصَّ أظافره مخالفًا، لم يَرَ في عينيه رمدًا" (٢) وفسَّره ابنُ بطَّة بما ذكر، البخاري" (٣): الإحفاءُ بالحاء المهملة والفاء: الاستقصاءُ، ومنه: "حتى أحْفَوه بالمسألة" (٤). وإعفاء لحيته، ويكونُ كلَّ جمعةٍ أيضًا؛ لأنَّه يصيرُ وحشًا بتركه، ويدلُّ لكونِه كلَّ جمعةٍ، ما أخرجَه البغويُّ بسندِه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النبيَّ ﷺ كان يأخُذُ أظفارَه وشاربَه كلَّ جمعةٍ (٥). ويدلُّ لقصِّ الشارب وإعفاءِ اللحية خبر الديلمي: "إنَّا آلَ محمَّدٍ نعفي لحانا، ونقصُّ شواربنا، وإنَّ آلَ كسرى يحلقون لِحاهم، ويُعْفُون شواربَهم، هَدْيُنَا مخالفٌ لهَدْيهم" (٦). وحَرَّم الشيخُ حَلْقَ اللحية، ولا يُكرَه أخذُ ما زادَ على قبضةٍ، ولا ما تحتَ حَلْقٍ، وأخَذَ أحمدُ من حاجبَيْه وعارضِه. دنوشري. (وسُنَّ تَقْليمُ ظفرٍ) أي: ويسنُّ تقليمُ الأظفارِ مخالفًا، على الكيفيَّةِ التي ذكرَها الشارح.

стр. 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قاله في "الشرح الكبير" (١). وقد أخَذ بعضُهم مِن (٢) كلِّ أصبع الحرفَ الأوَّلَ، فرمز لليمنى (٣) بقوله: خوابس، ولليسرى بقوله (٤): أوخسب. فالخاءُ في "خوابس" للخنصرِ، والواو للوسطى، وهكذا إلى آخرها. ويستحبُّ غسلُ الأظفارِ بعد قصِّها تكميلًا (٥) للنظافة. ويستحبُّ غَسْلُها بعدَ قصِّها؛ تكميلًا للنظافة، ويكونُ ذلكَ يومَ الجمعةِ قبلَ الصلاةِ، أو يومَ الخميسِ آخرَ النهار. ويستحبُّ أن لا يحيفَ عليها في الغزو؛ لأنَّه قد يحتاجُ إلى حلِّ حبلٍ أو شيءٍ. ويستحبُّ دفنُ ما قلَّم من أظفارِه، أو زال من شعره. قال مهنَّا: سألتُ الإمامَ أحمد عن الرجلِ يأخذُ من شعرِه وأظفارِه، أيدفنُه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قلت: أبلغَكَ فيه شيءٌ. قال: كان ابنُ عمر يفعله (٦). وعن بعض الصحابة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعلُه (٧).

стр. 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد نظمَ بعضُهم كيفيَّةَ ترتيبِ قصِّ الأظفار فقال: ابدأْ بيُمنَاكَ وبالخِنْصَر … في قصِّ أظفارِكَ واستبصِر وثنِّ بالوسْطَى وثلِّثْ كما … قد قيلَ بالإبهامِ والبِنْصَر واختتم الكفَّ بسبابةٍ … في اليدِ والرجلِ ولا تَمْتَر وفي اليدِ اليُسرى بإبهامِها … والإصبعِ الوسطى وبالخِنْصَر وبعدَ سبَّابتِها بِنْصرٌ … فإنَّها خاتمةُ الأيسَر فذاك أمْنٌ حُزتَه يا فتى … من رَمدِ العينِ فلا تَزْدَر هذا حديثٌ قد رُوِي مسندًا … عن الإمامِ المرتضَى حيدر (١) ونظمَها بعضُهم ترتيبًا آخرَ من روايةٍ أُخرى، فقال: وقصُّ يمنى أثبتن خوابس … أوخس لليسرى وباخامس فالخاءُ لخنصرِ اليمنى، والواو للوسطى، والباءُ للبِنْصَر، والسينُ للسبَّابةِ، ثم الألفُ للإبهام، والواو للوسطَى، والألفُ لإِبهام اليسرى، والخاءُ للخنصر، والسينُ لسبَّابتِها، والباء لبِنْصَرها. ويروى عن سيدنا عليٍّ أنَّه قال: من قصَّ أظفَاره على هذهِ الصفةِ أمنَ من الرمد. دنوشري. هذه طريقةُ الغزاليِّ (٢)، وضعَّفَها السادةُ الشافعيَّة (٣)، واعتمدوا طريقةً أخرى، بأنْ يبدأ بخنصرِ اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى.

стр. 267

ونَتْفُ إبطٍ. وحَرُم نمْصٌ، ووشْرٌ، ووَشْمٌ. (و) سُنَّ (نتفُ إبطٍ) لخبر أبي هريرةَ (١)، فإن شقَّ، حلَقَه أو تنوَّر. ويكون ما ذُكر مِن استحدادٍ، وحَفِّ شاربٍ، وتقليم ظُفرٍ، ونتفِ إبطٍ، يومَ الجمعة قبل الصَّلاة، كلَّ أسبوع، وكُره تركُه فوقَ أربعينَ. ويُدفَن الدَّمُ (٢) والشعرُ والظفرُ. (وحرم نَمصٌ) وهو: نتفُ الشعرِ مِن الوجهِ. (ووَشْر) وهو: بَرْدُ الأسنانِ؛ لتُحدَّد وتُفَلَّج وتُحَسَّن (ووَشْم) وهو: غَرْزُ الجِلْدِ بإبرةٍ وحشوهُ كُحلًا. قلت (٣): والظاهرُ طهارةُ المحلِّ الموشومِ بالغسل، إذا لم يبقَ إلا مجردُّ لونِ أثرِ الوَشْمِ، كلوْنِ نجاسةٍ عجَز عنه. وكذا يَحرُم وصلُ شعرٍ بشعرٍ؛ لما رُوِيَ "أنَّه ﷺ لعَن الواصلةَ والمستوصِلَة، (وحَرُمَ نمصٌ) لما فيه من التدليس. (ووَشْرٌ) وهو بَرْدُ الأسنانِ وتفليجُهَا وتحسينُها. ويحرم وَشْمٌ: وهو غَرْزُ الجلدة بإبرةٍ أو نحوها، فيخرجُ الدمُ ويحشَى المحلُّ كُحْلًا، وفيه انتقال الدم، ثم حبسُه، فيصيرُ حاملًا للنجاسَةِ. ويحرم أيضًا وَصْلٌ: وهو وصلُ الشعرِ بالشعر، ولو كان الوصلُ بشعرِ آدميٍّ أو بهيمةٍ، فيظنُّ الرائي أنَّه أصليٌّ، وأنَّه من شعرِها، فيحرُم ذلك كلُّه، ولو كان بإذنِ زوجٍ. وأمَّا الوصلُ بغيرِ الشعر، فإنْ كانَ بقدرِ ما تشدُّ به رأسَها، فلا بأسَ به للحاجة؛ لأنَّ المحرَّم إنَّما هو وصلُ الشعرِ بالشعر؛ لما فيه من التدليس والغَررِ، بخلافِ غيره؛ لظهوره.

стр. 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والنّامِصَةَ والمتنمِّصةَ، والواشِرةَ والمستوشِرةَ" (١). واللَّعنةُ على الشيء تدلُّ على تحريمهِ؛ لأنَّ فاعلَ المباحِ لا تجوزُ لعنتُه. فمن وشِم باختيارِه، ولم يخفْ ضَررًا بإزالتِه، أزاله وجوبًا، بكشطِ الوشمِ، وإلَّا بأنْ خافَ ضررًا، لم تجبْ إزالتُه، وصحَّت صلاتُه وإمامته؛ لعذره. وتصحُّ الصلاةُ مع وصلِ شعرٍ طاهرٍ، وإن كانَ فعلُه حرامًا؛ لأنَّ الحرمةَ ليست راجعةً لذاتِ الشعرِ، وإنَّما هي راجعةٌ لما يترتَّبُ عليه من التدليس، ولا تصحُّ مع نَجِسٍ. وأباحَ ابنُ الجوزيِّ (٢) النمصَ وحدَه، وفي "الغنية" وجهٌ أنَّه يجوزُ بطلبِ زوجٍ، ولها حَلْقُ الوجهِ وحفُّهُ وتحسينُه بتحمُّرٍ ونحوه؛ لَما في ذلك من حصولِ المصلحةِ من تحسينِ المرأةِ لزوجِها وسيِّدِها، حيثُ حلَّت له من غيرِ مضرَّةٍ. قال في "الفروع" (٣): ويتوجَّه إباحةُ تحميرِ (٤) وجه، ونقشٍ، وتطريفٍ (٥) بإذنِ زوجٍ فقط. ويكرهُ حفُّه لرجلٍ. ويحرم التدليسُ والتشبُّه (٦) بالمردان. ويحرُم التلذُّذُ بشعرِ أجنبيَّة متَّصلٍ، لا بائن. دنوشري مع زيادة.

стр. 269

باب الوضوء باب الوضوء مِنَ الوضاءَةِ، وهي النظافةُ. وهو -بالضَّمِّ-: اسمٌ للفعلِ. وبالفتحِ: اسمٌ للماءِ (بابٌ الوضوء) بالتنوين، وهو خبرٌ للمبتدأ المحذوفِ، تقديرُه: هذا بابٌ يُذْكَر فيه فروضُ الوضوء، وشروطُه، وصفتُه. والوضوء مبتدأٌ، خبرُه قوله: "استعمالُ ماء طهور إلخ". بضمِّ الواو، اسمُ مصدر، وهو فعلُ الطهارةِ، ومصدرُه التَّوضُّؤُ، على التعلُّم والتكلُّم، يقال: توضأْتُ بالهمز، ويجوز على قلَّةٍ: توضَّيتُ بالياء، وكذا: قَرَأتُ. واختلَفوا في أنَّ الوضوءَ هل شُرع تعبُّدًا أو لمعنًى؟ فقال جماعة: هو معقولُ المعنى، والمقصودُ به النظافةُ. وقال آخرون: هو تعبُّدِيٌّ غيرُ معقولِ المعنى؛ لأنَّ فيه مسحًا، وهو لا يفيدُ تنظيفًا، ولأنَّ التكليفَ بالتعبُّداتِ أشقُّ على النفسِ، وأدلُّ على الطاعةِ، وأَخلَصُ للعبادةِ ممَّا هو معقولُ المعنى. واختلَف العلماءُ في أنَّ الأمورَ التعبديَّةَ هل شرعت لحكمة عند اللهِ خفيت علينا، أو ليس كذلك، والمقصودُ بها الامتثال للثواب؟ والأكثرون على الأول. وأجمعَ العلماءُ الآن على أنَّه لا يجبُ إلا على المُحْدِث. وصرَّح به في "المنتهى" و"الإقناع" (١) اللَّذَينِ هُما عمدةُ المذهبِ. واختلفوا في أنَّه هل كان واجبًا أوَّلَ الإِسلام على كلِّ قائمٍ للصلاةِ، ثمَّ نُسخ بتخصيصه بالمحدِث، أو لم يجب أوَّلًا إلا على المحدث؟ شيشيني بإيضاح. (من الوضاءة) أي: هو في اللُّغةِ مأخوذٌ من الوضاءةِ (وهي النظافة إلخ) يقال: وَضُؤَ الرجل، أي: صار وَضِيئًا، أي: نظيفًا، فهو في اللُّغةِ عبارةٌ عن النظافة والحُسْنِ.

стр. 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الذي يُتوضَّأ به. وقيل: بالفتح فيهما. وقيل: بالضَّمِّ فيهما، وهو أضعفُها (١). وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في الأعضاءِ الأربعةِ على صفةٍ مخصوصة (٢). والأصلُ فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وخبر: "لا يقبلُ الله صلاةً بغيرِ طَهور" (٣). دنوشري وزيادة. (وهو أضعفها) أي: الضَّمُّ أضعفُ اللغات، يقتضي أنَّ اللغاتِ الأربعةَ ضعيفةٌ؛ أخذًا من "أفعل" التفضيل، إلَّا أن يقال: "أفعل" التفضيل ليسَ على بابه، بل المرادُ أصلُ الفعلِ، أي: الضمُّ فيهما ضعيفٌ من اللغات، أو أنَّه على بابه بالنظرِ للفتح فيهما؛ لأنَّ الجمعَ ما فوقَ الواحدِ، كما عند الفرقيين (٤). (في الأعضاء الأربعة) التي هي الوجهُ، واليدان، والرأس، والرجلان. (على صفةٍ مخصوصةٍ) من قِبَل الشارع، وهي تقديمُ غسلِ الوجهِ على اليدين، واليدينِ على مسحِ الرأس، ومسحِ الرأسِ على غَسْل الرجلين، مع الموالاة. ولم يَذْكرِ المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- الإباحةَ في الحدِّ؛ استغناءً عنها بما ذَكرَه في حدِّ الطهارةِ، التي من جُمْلَتها الوضوء، وعملًا بقاعدةِ: إنَّ الشيءَ إذا أُطلِق لا يَنصرِفُ إلَّا إلى فردِه الكامل. قال بعضهم في غسلِ الأعضاءِ المذكورةِ في الوضوء دون غيرِها من بقيَّةِ الأعضاء: إنَّه ليس في البدن ما يتحرَّكُ للمخالفةِ أسرعُ منها، فأمرَ بغسلِها ظاهرًا؛ تنبيهًا على الطهارة الباطنة، ورتَّبَ غسلَها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة، فأمرَ بغسلِ الوجه، وفيه الفمُ

стр. 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفُرض بمكَّة مع الصلاةِ، كما رواه ابنُ ماجه (١)، والأنفُ، فابتدأ بالمضمضةِ؛ لأنَّ اللسانَ أسرعُ الأعضاءِ حركةً وأكثرُها، وهو كثيرُ العطَبِ، قليلُ السلامةِ غالبًا، كما قال بعضهم: يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانه (٢) … وليس يموتُ [المرءُ] من عثرةِ الرِّجْلِ فعثرتُه من فيه تَرمي (٣) برأسِه … وعثرتُه بالرِّجل تَبْرَا على مهلِ (٤) ثم بالأنفِ؛ ليتوبَ عما يشمُّ من المُحرَّماتِ [ثمَّ بالوجه ليتوب عمَّا نظر] (٥)، ثمَّ باليدين؛ ليتوبَ عن البطشِ المحرَّمِ، ثمَّ خصَّ الرأسَ بالمسحِ؛ لأنَّه مجاورٌ لمَا تقعُ فيه المحرمات (٦)، ثمَّ بالأُذُنِ؛ لسماعِ المكروهِ من الغناء، ثمَّ بالرِّجل؛ لمشيِها وسعيِها إلى ما لا ينبغي، ثمَّ أَرشدَه الشارعُ بعدَ ذلك إلى تجديدِ الإيمان، بإتيانه بالشهادتَين، واكتفَى بغسلِ هذه الأعضاء عن بقيَّة البدنِ، مع أنَّ الحدثَ يحلُّ جميعَ البدنِ، كجنابةٍ؛ للنصِّ على ذلك، واقتداءً بفعلِه ﷺ . دنوشري. (وفُرِضَ بمكَّة مع الصلاة) قبل الهجرة بسنةٍ، وليسَ من خصوصيَّاتِ هذه الأمَّة، وإنَّما الخاصُّ بها: الغرَّةُ والتحجيلُ. حفيد.

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فآيةُ المائدةِ (١) مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ لا مُؤسِّسة. واختُلف هل الوضوءُ مِن خصائصِ هذه الأمَّةِ بدليل ما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "لكم سيما ليست لأحدٍ مِن الأُمَمِ، تَرِدونَ عليَّ غُرًّا محجَّلينَ مِن أثرِ الوضوءِ" (٢) أو غير مختصٍّ بها، وإنَّما المختصُّ الغُرَّةُ والتحجيلُ؛ ذَهب إلى كلٍّ قومٌ. (فآيةُ المائدة مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ) مفرَّعٌ على قوله: "وفُرِض بمكَّة مع الصلاةِ" وهو جوابٌ عمَّا يقال: فإن قيل: إنَّ آية الوضوءِ مدنيَّةٌ إلخ. (تردون عليَّ غرًّا) وفي روايةٍ: "أنتمُ الغرُّ المحجَّلونَ يومَ القيامة، فمن استطاعَ منكم فليطلْ غرَّتهُ وتحجيلَه" (٣). والغُرُّ: البيضُ الوجوه، كالفرسِ الأغرِّ، وهو الذي في وجهِه بياضٌ. والمُحَجَّلُ: هو الذي قوائمه بيضٌ. والإطالةُ على الغُرَّةِ هي غسلُ الزائدِ على الواجب في اليدين والرجلين. حفيد. (أو غير مختصٍّ بها) واحتجُّوا بالحديثِ الآخر: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" (٤). وأجابَ الأوَّلونَ بضعفه، ولأنَّه لو صحَّ، احَتَمَل أنْ يكونَ خاصًّا بالأنبياءِ دونَ أُمَمِهم، لا بهذه الأمَّة. ورُدَّ بأنَّه وَرَدَ أنَّهم كانوا يتوضَّؤونَ، ففي قصَّة جريج الراهب لمَّا رَموه بالمرأةِ، توضَّأ وصلَّى، ثمَّ قال للغلام: من أبوكَ؟ قال: الراعي (٥).

стр. 273

فروضُه: غسل الوجهِ، فرائض الوضوء (فروضُه) أي: الوضوءِ ستَّةٌ، وهي جمع فَرْضٍ. وهو لغةً: الحزُّ والقَطْع (١). وشرعًا: ما أُثيب فاعلُه، وعُوقِبَ تاركُه. أوَّلُها: (غَسْلُ الوجه)؛ لقولهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقد خرَّجَهُ البخاريُّ في "صحيحه" (٢) من حديثِ إبراهيمَ ﵊، لمَّا مرَّ على الجبَّار ومعه سارة، أنَّها لمَّا دخلَتْ على الجبَّار توضأت، وصلَّت، ودَعَتِ الله . مصنِّف (٣). (أي) فروض (الوضوء ستَّة) والفرض لغةً: التقدير، ومنه: فرضَ القاضي النفقةَ، أي: قَدَّرَهَا. وشرعًا: حكمٌ لَزِمَ بدليلٍ قطعيٍّ. وقد يُقَال: هو ما يُثَابُ على فِعله، ويُعاقَبُ على تركِه، بلا عذرٍ، ويكفر جاحدُه. (أي: الوضوءِ إلخ) تفسيرٌ للضمير، وقد نظمها صاحب "الإقناع" فقال: فروض وضوءٍ غسلُ وجهٍ وبعدَه … يديه ومسحُ الكلِّ من رأسِ ذي الطهرِ وغسلٌ لرجليه وترتيبُ فرضِه … موالاتُه ذي ستَّةٌ عدَّها تدري فإن قيل: إنَّ آيةَ الوضوء مدنيَّةٌ بالاتِّفاق، والصلاةُ فُرِضَت بمكَّة، فيلزَمُ كونُ الصلاةِ بلا وضوءٍ إلى حين نزولها؟

стр. 274

ومنه فمٌ وأنفٌ، (ومنه) أي: من الوجه (فَمٌ وأَنْفٌ) لدخولهِما في حدِّه الآتي، فلا بُدَّ مِن المضمضةِ والاستنشاقِ في الطهارتَين. والجواب: أنَّ هذا اللازمَ غيرُ لازم؛ لجوازِ أنْ يثبتَ الوضوءُ بالوحيِ الغير المتلوِّ؛ لما ثَبتَ عن زيدِ بنِ حارثةَ عن النبيِّ ﷺ : "أنَّ جبريلَ أتاهُ في أوَّلِ ما أوحيَ إليه، فعلَّمه الوضوءَ والصلاةَ". خرَّجه الإِمام أحمد (١). قال الشيخُ برهانُ الدين المحدِّثُ الحلبيُّ (٢): اعلمْ أنْ الوضوءَ أوَّلُ ما فُرِض مع الصلاة. وكذلك في "المبدع". فَدَلَّ هذا على أنَّ الوضوءَ ثبتَ بالوحي الغيرِ المتلوِّ، كما تقدَّم. فائدة: المائدة مقرِّرةٌ لا مؤسِّسة. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاح. ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ أي: مرَّةً؛ لأنَّ أمرَ: "فاغسلوا" لا يدلُّ على التكرار. (ومنه: فمٌ وأنفٌ) فالمضمضةُ والاستنشاقُ واجبان، كما أنَّ غسلَ الوجهِ فرض وواجبٌ؛ (لدخولهما في حدِّه) ولأنَّهما في حكمِ الظاهرِ، بدليل أنَّ الصائمَ لا يُفطِرُ بوصولِ شيءٍ إليهما، ويُفطرُ بعودِ القيءِ إلى باطنِه بعدَ وصوله إليهما، وأنَّه يجبُ غسلُهما من النجاسةِ، ولا يمنعُ الطهارةَ طعامٌ بينَ الأسنان. دنوشري.

стр. 275

وغَسلُ اليدين مع المِرْفقَينِ، (و) ثانيها: (غَسْلُ اليدين مع المرفقَينِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. (وثانيها: غسلُ اليدين مع المِرْقَقَينِ) بكسر الميم وفتح الفاء، أفصحُ من العكس؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ والغايةُ داخلةٌ في المغيَّا، لأنَّها من جِنسِ ما قبلَها، ولأنَّ "إلى" في الآية، بمعنى: "مع"، كقولِه تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله. وكقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. ويجبُ غسلُ شعرِ اليدين والرجلين، ظاهرِه وباطنِه مطلقًا، سواءٌ كان خفيفًا أو كثيفًا، بخلافِ شعرِ الوجه، والفرقُ بينه وبينه: أن الوجهَ مُشتَقٌّ من المواجهةِ، وهي تحصُلُ بظاهرِ الشعرِ الكثيفِ، فاكتُفي بغسلِه، بخلافِ شعرِ اليدين والرجلين. وقد يقال أيضًا: إنَّ كثافةَ شعرِ اليدين والرجلين نادرةٌ، فليس في غسلِه مشقَّةٌ، بخلافِ كثافةِ اللحيةِ. وعنه: لا يجب إدخالِ المِرْفَقين في الغَسل. وبه قال داود (١)، وبعض المالكية، وحُكي عن زُفَر؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالغسلِ إلى المرافق، وجَعلَها غايةً بحرفِ "إلى"، وهو لانتهاءِ الغايةِ، فلا يَدْخلُ ما بعدَها فيما قبلَها، واسْتُدِلَّ لذلكَ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]. وأجيب عن ذلك بأنَّ الغايةَ إذا كانت من جنسِ المغيَّا، دخلَت فيما قبلَها، كالذي نحنُ فيه، وإنْ كانت من غيرِ جنسِه كآية الصيام، لم تدخل. وفعلُه ﷺ يبين مجملَ الكتابِ في قَدْرِ الغَسْل المأمورِ به. ورَوى جابرٌ قال: كانَ النبيُّ ﷺ إذا توضَّأ، أدارَ الماءَ على مِرْفَقيه. أخرجه

стр. 276

ومسح الرَّأسِ كلِّه، (و) ثالثها: (مَسْحُ الرأسِ كلِّه، الدارقطنيُّ (١)، ولأنَّه من بابِ ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا بهِ، فهو واجب. والمِرْفَق: مُلْتقَى عَظْمِ العَضُدِ والذراع. (وثالثها: مسحُ الرَّأس كلِّه) أي: الثالثُ من فروضِ الوضوءِ مسحُ الرأسِ كلِّه، من بشرةٍ، أو شعرٍ، حيثُ كان قصيرًا، غيرَ خارجٍ عن حدِّ الرأسِ بالامتداد والنزول، فلا يجبُ مسحُ ما نزلَ عن الرأسِ من الشعرِ، ولا يجزئُ مسحُ ما نَزَل عن محلِّ الفرضِ، سواءٌ ردَّهُ فعقد فوقَ رأسِه، أمْ لا. ثُمّ إن المسحَ فرضٌ، كما هو المذهب بلا ريب. وعليه جماهيرُ الأصحابِ متقدِّمِهم ومتأخِّرهم. فلا يُعفَى عن تَرْكِ شيءٍ بلا مسحٍ من الرأسِ، ولو للمشقَّةِ، وعنه (٢): يجزئُ مسحُ أكثره، والأوَّلُ المذهب. ووجهُه أنَّ الباءَ للإلصاقِ فيكونُ المعنى: وألصِقوا برؤوسِكم، ولأنَّ اسم الرأسِ يُطلَق على كلِّه حقيقةً، فاقتضَى استيعابَه بالمسحِ، كما يجبُ استيعابُ الوجهِ بالمسحِ في التيمُّمِ في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. قال ابنُ بَرْهان الدين (٣): من زَعَمَ أنَّ الباءَ للتبعيض فقد جاء لأهلِ اللغةِ بما لا يعرفرنَه.

стр. 277

ومنه الأذنان، ومنه) أي: ومِن الرأسِ (الأذنان)؛ لقوله ﵊: "الأذنانِ مِن الرأسِ" رواه ابنُ ماجه مِن غيرِ وجهٍ (١). ولأنَّ الذينَ وَصفوا وضوءَ النبيِّ ﷺ ذكروا مسحَ رأسِه كلِّه، وما رُويَ على أنَّه ﵊ مسحَ مقدّم رأسِه (٢)، فمحمولٌ على أنَّ ذلكَ كانَ على العمامةِ، كما جاءَ مُفَسَّرًا في حديثِ المغيرةِ بن شعبة (٣). والواجبُ مسحُ ظاهرِ شعرِ الرأسِ، فلو أدخلَ يدَه تحتَ الشعرِ فمسحَ البشرةَ فقط، لم يجزئه، كما لو اقتصر على غسلِ باطنِ شعرِ اللحيَة. وإنْ فقدَ شعرَه، مسحَ بشرَتَه، وإن فقدَ بعضَه، مسحَهُمَا، ما لم يكن الشعرُ ساترًا للمقصود، ولم ينزل عن محلِّ الفرضِ، فيُجْزئُ المسحُ على الشعرِ الساتر لمحلِّ الفرضِ دونَ البشرة. دنوشري. (ومنه الأذنان) أي: والأذنانِ من الرأس؛ لأنهما عضوانِ ناتئان فيه، فكانَ منه، فيجبُ مسحُ ظاهرهِما وباطنِهما. ولا يجبُ مسحُ ما استَتَر بالغضاريفِ من الأُذنيين. فرع: لو خُلِق له رأسانِ ووجهان على رقبةٍ واحدةٍ، ولم يُعلَم الأصليُّ من الزائدِ، وَجَبَ غسلُ الوجهينِ، ومسحُ الرأسَين.

стр. 278

وغَسلُ الرِّجْلينِ مَعَ الكَعْبينِ، (و) رابعها: (غَسْلُ الرِّجلين مع الكعبينِ)؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وهو واضحٌ على قراءةِ النصب، وأما على قراءةِ الجرِّ (١)، فقيل: بالجِوار، والواو تأباه؛ إذ خَفْض الجوارِ يكون في النعتِ والتوكيدِ لا في النَّسَق، كما نقله في "المغني" عن المحقِّقِين (٢). وقال أبو زيد: المسحُ عند العربِ غسلٌ ومسحٌ (٣)، فغايةُ الأمرِ أنَّها تصير بمنزلةِ المجمَل، وصِحاحُ الأحاديثِ تبلغُ التواترَ في وجوب غسلِها، حتى روى سعيدٌ عن ابنِ أبي ليلَى بسَندٍ حسَنٍ قال: أجمع أصحابُ رسولِ الله ﷺ على غَسْلِ القدمين (٤). وقالت عائشةُ: لأنْ تُقطعا أحبُّ إليَّ (ورابعها: غسلُ الرجلين مع الكعبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]) بدخولِ الغايةِ في المُغَيَّا، كقولِه تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، ولأنَّهما من جنس المُغَيَّا، فالكلامُ على الكعبينِ كالكلامِ على المِرْفَقين، فحُكمُهما كحكمهما. والكعبانِ: هما العظمانِ الناتئانِ في جانبي رجلِه عندَ مَفْصِل الساقِ والقَدَم، ويجبُ إدْخالُهما في الغَسْل. وإنْ كانَ أقطع، وجبَ غسلُ ما بقيَ من محلِّ الفرضِ أصلًا أو تَبَعًا، كرأسِ عَضُدٍ وساقٍ. دنوشري. (واضحٌ على قراءة النصب) وجهُ ذلك أنَّها بالنصب معطوفٌ على المغسول، وبالجرِّ عطفٌ على الممسوح.

стр. 279

وترتيبٌ، مِنْ أن أمسحَ القدمين (١). وهذا في حقِّ غيرِ لابسِ الخُفِّ، وأمَّا لابسُه فغَسْلُهما في حَقِّه (٢) غيرُ متعيَّن. (و) خامُسها: (ترتيب) بين الأعضاءِ المذكورةِ كما ذَكَر الله تعالى؛ لأنَّه أدخلَ ممسوحًا بين مغسولين، ولا يُعلم له فائدةٌ غير الترتيب. والآيةُ سِيْقَتْ لبيان الواجب، (خامسها: ترتيبٌ) أي: خامسُ فروضِ الوضوءِ ترتيبٌ بينَ أعضاءِ الوضوءِ على ما ذَكَر الله تعالى في الآيةِ الكريمةِ، فَيُقَدِّمُ الوجهَ؛ لشرفه، ثمَّ اليدين، ثمَّ الرأسَ، ثمَّ الرجلين. فلو تَركَه ولو سهوًا، لم يصحَّ. والترتيبُ لُغَةً: جَعْلُ كلِّ شيءٍ في مرتبته. واصطلاحًا: جَعْلُ الأشياءِ المترتِّبة بحيثُ يُطلَقُ عليها اسمُ الراحد، ويكون لبعضِها نسبةٌ إلى بعضٍ بالتقديمِ والتأخير، في الرُّتبةِ العقليَّةِ، فإنْ غُسِّلَ أعضاؤُه دفعةً واحدةً بإذنه، لم يصحَّ إلَّا عن الوجه؛ لانتفاءِ الترتيب المشروطِ في الوضوء. وحكى أبو الخطاب عن الإمام أحمد روايةً بعدمِ وجوبه، وهو مذهبُ مالكٍ، والثوريِّ، وأصحاب الرأي، واختارَه ابنُ المنذر. وحجَّتُهم في ذلك أنَّ اللهَ تعالى أمرَ بغسلِ الأعضاءِ وعَطَف بعضَها على بعضِ بالواو، وهي للجمع المُطْلَق من غير ترتيب، لا بقبليَّةٍ ولا بعديَّةٍ، ولا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، فكيفما غَسَلَ، كان ممتثلًا، وروي عن عليٍّ أنَّه قال: ما أُبالي إذا تمَّمْتُ وضوئي، بأيِّ أعضائي بدأتُ. والمذهبُ الأوَّل؛ لأنَّ في الآية قرينةً تدلُّ على الترتيب، فإنَّه أدخلَ ممسوحًا بين

стр. 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والنبيُّ ﷺ رتَّب الوضوءَ وقال: "هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ اللهُ الصلاةَ إلّا به" (١). وقولُ عليٍّ ﵁: ما أُبالي إذا تمَّمتُ وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ (٢). قال الإمامُ أحمدُ ﵀: مغسولات، وفيه قطعُ النظير من نظيرِه، ولا نعلمُ لذلك فائدةً غير الترتيب، ولأنَّ الحاكِين لوضوءِ النبيِّ ﷺ إنَّما حكَوه مرتَّبًا، وفِعْلُه مُفَسِّرٌ لمَا في كتاب الله تعالى، وتَوضَّأ رسولُ الله ﷺ مُرتِّبًا، وقال: "هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ اللهُ تعالى الصلاة إلا به وبمثله" (٣). "فائدة": لو انغمسَ المحدِثُ حَدَثًا أصغرَ في ماءٍ كثيرٍ، راكد أو جارٍ، بنيَّةِ رَفْعِ الحدثِ، لم يرتفع إلَّا إذا أخرجَ أعضاءَه مرتَّبَةً، نصًّا. فيُخْرِجُ وجهَه، ثمَّ يديه، ثمَّ يمسَح رأسَه، ثمَّ يَخرُج من الماء، وقد غَسَلَ رجلَيْه.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إنَّما عَنى به اليُسرى قَبْلَ اليمنى؛ لأنَّ مخرجَهما في الكتاب واحدٌ (١). فلو نكَّسَ وضوءَه، لم يحتسبْ بما غَسَله قبلَ وجهه. وإن توضّأ أربعَ مرَّاتٍ منكَّسًا، صحَّ إن كان متقاربًا؛ لأنَّه يحصلُ له في كلِّ مرةٍ غَسْلُ عضوٍ، ولو غَسل أعضاءَه دَفعةَ، لم يصحَّ. وأمَّا الترتيبُ بين اليُمنى واليُسرى من اليدين أو الرجلين، فهو غيرُ واجب، وإنَّما هو مسنونٌ فقط. والإجماعُ على ذلك، كما حَكَاه ابنُ المنذر (٢)؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرَ مخرجَهُما واحدًا، فقال: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. والعاجزُ عن الوضوءِ يستأجِرُ مُوَضِّئًا وجوبًا بأَجْرِ المِثْل، فإنْ عَجَز أيضًا، تيمَّمَ وصلَّى ولم يُعِدْ. كما سيأتي في بابه. دنوشري. (إنَّما عَنَى به) أي: إنَّما قَصَد سيِّدُنا عليٌّ كرَّم الله وجهَه بقوله ذلك أنْ يبتدأ بيدِه اليسرى قبل يده اليمنى، أو يبدأ برجلِه اليُسرى قبل اليمنى، وهذا لا يضرُّ؛ لأنَّ الترتيبَ بينهما سُنَّةٌ. (فلو نَكَّسَ وضوءَه إلخ) هذا محترزُ قوله: "وخامسها: الترتيبُ". (منكَّسًا، صحَّ إنْ كان إلخ) يختِمُ بوجهه، ويبدأُ برجلَيْه، فيحصل له من المرَّةِ الأُولى غسلُ الوجه، ومن الثانية غسلُ اليدين، ومن الثالثةِ مسحُ الرأسِ ومن الرابعة غسلُ الرجلَيْن. وعلمتَ ما في كلامِه من التغليب، أي: تغليبِ الغسل على المسح، إذ لم يحصل له في المرَّة الثالثةِ إلَّا مسحُ رأسه. منه. (ولو غسل أعضاءَه دفعةً، لم يصحَّ) غايةٌ لقوله: "فلو نكَّس إلخ" ويُتصوَّر كما ذكر المصنِّف على "المنتهى": بأنْ وضَّأَهُ أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ، لم يُجْزئْهُ (٣). بأن كانت الأربعةُ غَسَل كلُّ واحدٍ منهم عضوًا مِنَ الأربعة أعضاء في آنٍ واحدٍ، فهذا عدمُ تنكيسٍ وليسَ بترتيب.

стр. 282

وموالاةٌ، فلو انغمس في كثيرٍ بنيَّة رفعِ الحدث، فإن خرج مرتّبًا ومسحَ رأسه في محلِّ مسحه، صحَّ، وإلا، فلا. (و) سادسُها: (موالاةٌ) لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] فالأوَّلُ شرطٌ، والثاني جوابُه، ومتى وجِدَ الشرطُ وهو القيامُ، وجبَ أن لَا يتأخرَ عنه جوابُه وهو غَسْل الأعضاء، فيستلزم موالاتَها، يؤيِّدُه ما روى خالدُ بنُ مَعْدَان: "أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي وفي ظَهْرِ قدميْه لُمْعَة قدرَ الدِّرهمِ لمْ يصبْها الماءُ، فأمره أنْ يعيدَ الوضوءَ" رواه أحمد (١). فلو لم تجبِ الموالاةُ، لأجزأه غَسْلُ اللمْعَة فقط. والموالاةُ في الأصل: مصدرُ والى الشيءَ يواليه: إذا تابعه (٢). والمرادُ هنا ما أشار إليه بقوله: (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾) والمعنى على تقديرِ محذوفٍ: إذا أردتمُ القيامَ إلى الصلاةِ مُحْدِثين. وقال الآخرون: بل المرادُ على عمومِه، إلَّا أنَّه في حقِّ المحدِث واجبٌ، وفي حقِّ غيرِه مندوبٌ. ق س. باختصار. (وهو غسلُ الأعضاء) وإذا تأخَّرَ الغَسلُ أو بعضُه، انْتَفَى ما ذُكِر، وهو القيام، وهو لا ينتفي إلَّا لعذر.

стр. 283

بأنْ لا يَؤَخِّرَ غَسْلَ عضوٍ حتَّى يَجِفَّ ما قبلَه. (بأن لا يؤخِّر) المتوضئ (غسلَ عضوٍ) أو مسحَه (حتى يجفَّ) بكسر الجيم، أي: ينشَف (ما) فاعلُ: "يجفَّ" أي: العضو الذي (قبلَه) في زمنٍ معتدلِ الحرِّ والبرد، أو قَدْرَه من غيرِه. (أي: العضو الذي قبلَه) أي: وبقيَّةُ عُضْوٍ حتى يَجِفَّ أَوَّلُه. والمعنى: أو بأنْ يؤخِّر غسلَ بقيَّةِ عُضْوٍ حتَّى يَجِفَّ أوَّلُه. (أو قَدْرَهُ من غيرِه) أي: منِ غيرِ المعتدل، بأنْ توضَّأ في زمنٍ حارٍّ أو باردٍ، فلا تفوتُ الموالاةُ في الزَّمنِ الحارِّ إلَّا إذا مَضَى زمنٌ بَقَدْرِ الزمنِ المعتدلِ، حتى ولو جفَّ العضو [قبلَ العضو] (١) الذي يريدُ غَسْله. وإذا تراخى في الزمن البارد، فإنَّه يضرُّ، ولو لم يَنْشَفِ العضو قبلَ العضوِ الذي يريدُ غَسْلَه، ويضرُّ، أي: يبطلُ غسلُ العضوِ الأوَّلِ إنْ جَفَّ العضو المغسولُ قبلَ غسلِ ما بعدَه، إذا كان الجفافُ لاشتغال المتوضئِ بتحصيلِ ماءٍ، بأنْ فَرَغَ الماءُ في أثناءِ الوضوء، فاشتغَلَ بتحصيلِ ماء لبقيَّةِ وضوئِه، فجفَّ العضو الذي غسلَه، فإنَّه يضرُّ؛ لفواتِ الموالاة المفروضةِ، ووجبَ الاستئنافُ. أو جفَّ العضو الأوَّلُ لاشتغالٍ بتبذيرٍ أو إسرافٍ في الماء الذي غسلَ به العضوَ الثاني، بأنْ زَادَ على الثلاث، فيضرُّ ذلك؛ لأنَّ الإسرافَ في الماء ليس من الطهارة الشرعيَّة. أو جفَّ العضو الأوَّلُ لاشتغالٍ بنحوِ إزالةِ نجاسةٍ، أو إزالةِ وَسَخٍ، كشمعٍ، ودُهْنٍ، وعجينٍ لاصقٍ بالعضو، يمنعُ وصولَ الماءِ إلى البشرةِ، ونحوه كجبيرةٍ بَرِئ ما تحتَها، وكان ذلك الاشتغالُ لغيرِ طهارةٍ، بأنْ كانت إزالةُ النجاسةِ والوسخِ في غيرِ أعضاءِ الوضوءِ، أمَّا إذا كانَ ذلكَ في أعضاءِ الوضوءِ وكانا مانعَيْنِ لإيصالِ الماءِ إلى أعضاءِ الطهارة، فاشتغلَ بإزالَتِهِما، حتَّى جفَّ العضو الأوَّلُ، فإنَّه لا يضرُّ، ولو فاتتِ الموالاة. حتى ولو قُلْنا: إنَّ الحدثَ يرتفعُ قبلَ زوالِ حكم الخَبَث، واغْتُفر ذلك؛ لأنه حينئذٍ مشتغلٌ بأفعال الطهارة. كما أنَّه لا يضرُّ اشتغالٌ بسنَّةٍ من سُنَنِ الوضوءِ، كتخليلِ لحيَةٍ كثيفةٍ، وأصابعَ، ومبالغةٍ

стр. 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلا يؤخِّر غسلَ يديه حتى يجفَّ وجهُه، ولا مسحَ رأسه حتى تجفَّ يداهُ، ولا غسلَ رجليه حتى يجفَّ رأسُه لو كان مغسولًا. وعُلم منه أنَّه لو أخَّر مسحَ الرَّأس مثلًا حتى جفَّ الوجهُ دون اليدين، لم يضرَّ. في كمالِ إسباغِ الوضوء بالماء، بأنْ اشتغلَ بدَلْكِ ما ينبُو عنه الماء، وتبليغِ الماءِ مواضعَه من أعضاءِ الطهارة، وتردُّد الدَّلك على العُضوِ حتى جفَّ ما قبلَه، فإنه لا يضرُّ. وكإزالةِ شكٍّ، بأن يُكِّررَ غسلَ ذلكَ العُضوِ؛ إزالةً للشك، حتى يتيقَّنَ أنَّه أكملَ غَسْلَه، فجفَّ ما قبلَه، فإنَّه لا يضرُّ أيضًا. أو جَفَّ العضو الأوَّلُ بتكرارِ غسلِ العضو الثاني؛ لإزالة وسوسة. ووجهُ ذلك: أنَّ الوسوسةَ شكٌّ في الجملةِ، فَتُستَحبُّ إزالتُها، فلا يضرُّ اشتغالُه بها. أمَّا لو اشتغَل بغيرِ ما ذُكِر من تخليل لحيةٍ كثيفة، وإسباغٍ، وإزالةِ شكٍّ، أو وسوسةٍ، كما لو توضَّأ غيرَ مستقبلٍ القبلةَ، فانتقلَ من مكانِه؛ ليستقبلَ القبلةَ، فجفَّ العضو الذي غسلَه، فإنَّه يضرُّ، ويستأنفُ الوضوءَ؛ لأنَّ الاشتغالَ بهذه السنَّة ليسَ راجعًا لأعضاءِ الطهارة. دنوشري مع زيادة. (فلا يؤخِّرُ غسلَ يديه إلخ) مفرَّعٌ على تعريفِ الموالاة. ويسقط الترتيب والموالاة مع غُسْلٍ، أي: طهارةٍ كبرى؛ لأنَّ المغسولَ فيها بمنزلةِ العضو الواحدِ، فلم يُشتَرط لها ترتيبٌ ولا موالاةٌ، بخلافِ الطهارةِ من الحدثِ الأصغرِ. (وعُلِم منه) أي: فُهِم من قولِه في التعريف قبلَه.

стр. 285

وشُرِطَ له، ولغُسلٍ نيةٌ، شروط صحَّة الوضوء (وشُرِط) بالبناء للمفعول (له) أي: للوضوءِ، أي: شُرِطَ لصحَّةِ وضوءٍ (ولـ) صحَّةِ (غسْلٍ) ولو مستحبَّيْن، ولتيمُّمٍ ولو مستحبًّا، أو عن نجاسةٍ ببدن (نيَّةٌ) بالرفع، نائبُ فاعل: "شُرط"، وكذا ما عُطِفَ عليه. وإنَّما اشتُرطَتِ النِّيَّةُ فى ذلك؛ لأنَّ (وشُرِط له إلخ) ولما فَرَغَ من ذِكرِ فروضِ الوضوء، شَرَع في ذكرِ شروطِه مع ذكرِ شروطِ العُسْلِ استطرادًا؛ لكونِ غالبِها شرطًا في الوضوءِ أيضًا، فقال: (وشُرِطَ له ولغُسْلٍ نيَّةٌ) أي: يُشترَطُ لوضوءٍ وغُسْلٍ، ولو كانا مستحبَّينِ نيَّةٌ، خلافًا لأبي حنيفة حيثُ جعلها سنَّةً، والحاصلُ أنَّ شروطَ الوضوءِ أحدَ عشر، ذكر المصنِّفُ بعضَها، والشارحُ بعضَها، ونظمَها صاحبُ "الإقناعِ" فقال: أيا طالبًا منِّي شروطَ وضوئِه … ستُوضَحُ إنْ شاءَ الإلهُ بلا عُسرِ فأوَّلُها الماءُ الطَّهورُ وكونُهُ … مُبَاحًا وتمييزٌ مع الفَقْدِ للكُفْر وتقديمُ الاستنجاءِ بالماءِ أولًا … أو الحجرِ المُنْقِي ونيَّةُ ذي الطُّهرِ وأنْ تدخلَ الأوقاتُ في حقِّ من به … من البولِ إسلاسٌ وأشباهُ ذي الضُّرِّ وعقلٌ، فراغٌ من مناف لطهره (١) … إزالةُ ما قد يمنعُ الماءَ أنْ يجري على جلدِه كالشمعِ ثمَّ نقاؤهَا … من الحيضِ أو شبهٍ فواحد مع عشرِ والنية لغةً: القصدُ، يقال: نراك الله بخيرِ، أي: قصدَك به، ومحلُّها القلب، فلا بدَّ أنْ يقصِد التقرُّبَ إلى الله تعالى بقلبه، وأن يُخْلِصَها إلى الله تعالى؛ لأنَّه عملُ القلب. وشرعًا: العَزْمُ على فعلِ الشيءِ. ويُزَادُ في [حدِّ] عبادةٍ (٢): تقرُّبًا إلى الله تعالى، كما سيأتي في بابه.
следующие страницы →