← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إنَّما عَنى به اليُسرى قَبْلَ اليمنى؛ لأنَّ مخرجَهما في الكتاب واحدٌ (١). فلو نكَّسَ وضوءَه، لم يحتسبْ بما غَسَله قبلَ وجهه. وإن توضّأ أربعَ مرَّاتٍ منكَّسًا، صحَّ إن كان متقاربًا؛ لأنَّه يحصلُ له في كلِّ مرةٍ غَسْلُ عضوٍ، ولو غَسل أعضاءَه دَفعةَ، لم يصحَّ. وأمَّا الترتيبُ بين اليُمنى واليُسرى من اليدين أو الرجلين، فهو غيرُ واجب، وإنَّما هو مسنونٌ فقط. والإجماعُ على ذلك، كما حَكَاه ابنُ المنذر (٢)؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرَ مخرجَهُما واحدًا، فقال: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. والعاجزُ عن الوضوءِ يستأجِرُ مُوَضِّئًا وجوبًا بأَجْرِ المِثْل، فإنْ عَجَز أيضًا، تيمَّمَ وصلَّى ولم يُعِدْ. كما سيأتي في بابه. دنوشري. (إنَّما عَنَى به) أي: إنَّما قَصَد سيِّدُنا عليٌّ كرَّم الله وجهَه بقوله ذلك أنْ يبتدأ بيدِه اليسرى قبل يده اليمنى، أو يبدأ برجلِه اليُسرى قبل اليمنى، وهذا لا يضرُّ؛ لأنَّ الترتيبَ بينهما سُنَّةٌ. (فلو نَكَّسَ وضوءَه إلخ) هذا محترزُ قوله: "وخامسها: الترتيبُ". (منكَّسًا، صحَّ إنْ كان إلخ) يختِمُ بوجهه، ويبدأُ برجلَيْه، فيحصل له من المرَّةِ الأُولى غسلُ الوجه، ومن الثانية غسلُ اليدين، ومن الثالثةِ مسحُ الرأسِ ومن الرابعة غسلُ الرجلَيْن. وعلمتَ ما في كلامِه من التغليب، أي: تغليبِ الغسل على المسح، إذ لم يحصل له في المرَّة الثالثةِ إلَّا مسحُ رأسه. منه. (ولو غسل أعضاءَه دفعةً، لم يصحَّ) غايةٌ لقوله: "فلو نكَّس إلخ" ويُتصوَّر كما ذكر المصنِّف على "المنتهى": بأنْ وضَّأَهُ أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ، لم يُجْزئْهُ (٣). بأن كانت الأربعةُ غَسَل كلُّ واحدٍ منهم عضوًا مِنَ الأربعة أعضاء في آنٍ واحدٍ، فهذا عدمُ تنكيسٍ وليسَ بترتيب.

стр. 282

وموالاةٌ، فلو انغمس في كثيرٍ بنيَّة رفعِ الحدث، فإن خرج مرتّبًا ومسحَ رأسه في محلِّ مسحه، صحَّ، وإلا، فلا. (و) سادسُها: (موالاةٌ) لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] فالأوَّلُ شرطٌ، والثاني جوابُه، ومتى وجِدَ الشرطُ وهو القيامُ، وجبَ أن لَا يتأخرَ عنه جوابُه وهو غَسْل الأعضاء، فيستلزم موالاتَها، يؤيِّدُه ما روى خالدُ بنُ مَعْدَان: "أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي وفي ظَهْرِ قدميْه لُمْعَة قدرَ الدِّرهمِ لمْ يصبْها الماءُ، فأمره أنْ يعيدَ الوضوءَ" رواه أحمد (١). فلو لم تجبِ الموالاةُ، لأجزأه غَسْلُ اللمْعَة فقط. والموالاةُ في الأصل: مصدرُ والى الشيءَ يواليه: إذا تابعه (٢). والمرادُ هنا ما أشار إليه بقوله: (﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾) والمعنى على تقديرِ محذوفٍ: إذا أردتمُ القيامَ إلى الصلاةِ مُحْدِثين. وقال الآخرون: بل المرادُ على عمومِه، إلَّا أنَّه في حقِّ المحدِث واجبٌ، وفي حقِّ غيرِه مندوبٌ. ق س. باختصار. (وهو غسلُ الأعضاء) وإذا تأخَّرَ الغَسلُ أو بعضُه، انْتَفَى ما ذُكِر، وهو القيام، وهو لا ينتفي إلَّا لعذر.

стр. 283

بأنْ لا يَؤَخِّرَ غَسْلَ عضوٍ حتَّى يَجِفَّ ما قبلَه. (بأن لا يؤخِّر) المتوضئ (غسلَ عضوٍ) أو مسحَه (حتى يجفَّ) بكسر الجيم، أي: ينشَف (ما) فاعلُ: "يجفَّ" أي: العضو الذي (قبلَه) في زمنٍ معتدلِ الحرِّ والبرد، أو قَدْرَه من غيرِه. (أي: العضو الذي قبلَه) أي: وبقيَّةُ عُضْوٍ حتى يَجِفَّ أَوَّلُه. والمعنى: أو بأنْ يؤخِّر غسلَ بقيَّةِ عُضْوٍ حتَّى يَجِفَّ أوَّلُه. (أو قَدْرَهُ من غيرِه) أي: منِ غيرِ المعتدل، بأنْ توضَّأ في زمنٍ حارٍّ أو باردٍ، فلا تفوتُ الموالاةُ في الزَّمنِ الحارِّ إلَّا إذا مَضَى زمنٌ بَقَدْرِ الزمنِ المعتدلِ، حتى ولو جفَّ العضو [قبلَ العضو] (١) الذي يريدُ غَسْله. وإذا تراخى في الزمن البارد، فإنَّه يضرُّ، ولو لم يَنْشَفِ العضو قبلَ العضوِ الذي يريدُ غَسْلَه، ويضرُّ، أي: يبطلُ غسلُ العضوِ الأوَّلِ إنْ جَفَّ العضو المغسولُ قبلَ غسلِ ما بعدَه، إذا كان الجفافُ لاشتغال المتوضئِ بتحصيلِ ماءٍ، بأنْ فَرَغَ الماءُ في أثناءِ الوضوء، فاشتغَلَ بتحصيلِ ماء لبقيَّةِ وضوئِه، فجفَّ العضو الذي غسلَه، فإنَّه يضرُّ؛ لفواتِ الموالاة المفروضةِ، ووجبَ الاستئنافُ. أو جفَّ العضو الأوَّلُ لاشتغالٍ بتبذيرٍ أو إسرافٍ في الماء الذي غسلَ به العضوَ الثاني، بأنْ زَادَ على الثلاث، فيضرُّ ذلك؛ لأنَّ الإسرافَ في الماء ليس من الطهارة الشرعيَّة. أو جفَّ العضو الأوَّلُ لاشتغالٍ بنحوِ إزالةِ نجاسةٍ، أو إزالةِ وَسَخٍ، كشمعٍ، ودُهْنٍ، وعجينٍ لاصقٍ بالعضو، يمنعُ وصولَ الماءِ إلى البشرةِ، ونحوه كجبيرةٍ بَرِئ ما تحتَها، وكان ذلك الاشتغالُ لغيرِ طهارةٍ، بأنْ كانت إزالةُ النجاسةِ والوسخِ في غيرِ أعضاءِ الوضوءِ، أمَّا إذا كانَ ذلكَ في أعضاءِ الوضوءِ وكانا مانعَيْنِ لإيصالِ الماءِ إلى أعضاءِ الطهارة، فاشتغلَ بإزالَتِهِما، حتَّى جفَّ العضو الأوَّلُ، فإنَّه لا يضرُّ، ولو فاتتِ الموالاة. حتى ولو قُلْنا: إنَّ الحدثَ يرتفعُ قبلَ زوالِ حكم الخَبَث، واغْتُفر ذلك؛ لأنه حينئذٍ مشتغلٌ بأفعال الطهارة. كما أنَّه لا يضرُّ اشتغالٌ بسنَّةٍ من سُنَنِ الوضوءِ، كتخليلِ لحيَةٍ كثيفةٍ، وأصابعَ، ومبالغةٍ

стр. 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلا يؤخِّر غسلَ يديه حتى يجفَّ وجهُه، ولا مسحَ رأسه حتى تجفَّ يداهُ، ولا غسلَ رجليه حتى يجفَّ رأسُه لو كان مغسولًا. وعُلم منه أنَّه لو أخَّر مسحَ الرَّأس مثلًا حتى جفَّ الوجهُ دون اليدين، لم يضرَّ. في كمالِ إسباغِ الوضوء بالماء، بأنْ اشتغلَ بدَلْكِ ما ينبُو عنه الماء، وتبليغِ الماءِ مواضعَه من أعضاءِ الطهارة، وتردُّد الدَّلك على العُضوِ حتى جفَّ ما قبلَه، فإنه لا يضرُّ. وكإزالةِ شكٍّ، بأن يُكِّررَ غسلَ ذلكَ العُضوِ؛ إزالةً للشك، حتى يتيقَّنَ أنَّه أكملَ غَسْلَه، فجفَّ ما قبلَه، فإنَّه لا يضرُّ أيضًا. أو جَفَّ العضو الأوَّلُ بتكرارِ غسلِ العضو الثاني؛ لإزالة وسوسة. ووجهُ ذلك: أنَّ الوسوسةَ شكٌّ في الجملةِ، فَتُستَحبُّ إزالتُها، فلا يضرُّ اشتغالُه بها. أمَّا لو اشتغَل بغيرِ ما ذُكِر من تخليل لحيةٍ كثيفة، وإسباغٍ، وإزالةِ شكٍّ، أو وسوسةٍ، كما لو توضَّأ غيرَ مستقبلٍ القبلةَ، فانتقلَ من مكانِه؛ ليستقبلَ القبلةَ، فجفَّ العضو الذي غسلَه، فإنَّه يضرُّ، ويستأنفُ الوضوءَ؛ لأنَّ الاشتغالَ بهذه السنَّة ليسَ راجعًا لأعضاءِ الطهارة. دنوشري مع زيادة. (فلا يؤخِّرُ غسلَ يديه إلخ) مفرَّعٌ على تعريفِ الموالاة. ويسقط الترتيب والموالاة مع غُسْلٍ، أي: طهارةٍ كبرى؛ لأنَّ المغسولَ فيها بمنزلةِ العضو الواحدِ، فلم يُشتَرط لها ترتيبٌ ولا موالاةٌ، بخلافِ الطهارةِ من الحدثِ الأصغرِ. (وعُلِم منه) أي: فُهِم من قولِه في التعريف قبلَه.

стр. 285

وشُرِطَ له، ولغُسلٍ نيةٌ، شروط صحَّة الوضوء (وشُرِط) بالبناء للمفعول (له) أي: للوضوءِ، أي: شُرِطَ لصحَّةِ وضوءٍ (ولـ) صحَّةِ (غسْلٍ) ولو مستحبَّيْن، ولتيمُّمٍ ولو مستحبًّا، أو عن نجاسةٍ ببدن (نيَّةٌ) بالرفع، نائبُ فاعل: "شُرط"، وكذا ما عُطِفَ عليه. وإنَّما اشتُرطَتِ النِّيَّةُ فى ذلك؛ لأنَّ (وشُرِط له إلخ) ولما فَرَغَ من ذِكرِ فروضِ الوضوء، شَرَع في ذكرِ شروطِه مع ذكرِ شروطِ العُسْلِ استطرادًا؛ لكونِ غالبِها شرطًا في الوضوءِ أيضًا، فقال: (وشُرِطَ له ولغُسْلٍ نيَّةٌ) أي: يُشترَطُ لوضوءٍ وغُسْلٍ، ولو كانا مستحبَّينِ نيَّةٌ، خلافًا لأبي حنيفة حيثُ جعلها سنَّةً، والحاصلُ أنَّ شروطَ الوضوءِ أحدَ عشر، ذكر المصنِّفُ بعضَها، والشارحُ بعضَها، ونظمَها صاحبُ "الإقناعِ" فقال: أيا طالبًا منِّي شروطَ وضوئِه … ستُوضَحُ إنْ شاءَ الإلهُ بلا عُسرِ فأوَّلُها الماءُ الطَّهورُ وكونُهُ … مُبَاحًا وتمييزٌ مع الفَقْدِ للكُفْر وتقديمُ الاستنجاءِ بالماءِ أولًا … أو الحجرِ المُنْقِي ونيَّةُ ذي الطُّهرِ وأنْ تدخلَ الأوقاتُ في حقِّ من به … من البولِ إسلاسٌ وأشباهُ ذي الضُّرِّ وعقلٌ، فراغٌ من مناف لطهره (١) … إزالةُ ما قد يمنعُ الماءَ أنْ يجري على جلدِه كالشمعِ ثمَّ نقاؤهَا … من الحيضِ أو شبهٍ فواحد مع عشرِ والنية لغةً: القصدُ، يقال: نراك الله بخيرِ، أي: قصدَك به، ومحلُّها القلب، فلا بدَّ أنْ يقصِد التقرُّبَ إلى الله تعالى بقلبه، وأن يُخْلِصَها إلى الله تعالى؛ لأنَّه عملُ القلب. وشرعًا: العَزْمُ على فعلِ الشيءِ. ويُزَادُ في [حدِّ] عبادةٍ (٢): تقرُّبًا إلى الله تعالى، كما سيأتي في بابه.

стр. 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الإخلاص الذي هو النيَّة مأمورٌ به، ولحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات" (١) أي: لا عملَ جائزٌ إلا بالنِّية، ولأنَّ النصَّ دلَّ على الثَّواب في كلِّ وضوءٍ، ولا ثوابَ في غير ويسنُّ نطقٌ بها سرًّا، وإنَّما كانتِ النيَّةُ شرطًا في الطهارتين الواجبتين والمستحبتين؛ لخبرِ "الصحيحين": ("إنَّما الأعمالُ بالنيَّات"). وأكَّدهُ بقوله: "وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" إلى آخره، رواه مسلم، وقوله ﵊: "لا عملَ إلا بنيَّةٍ" (٢)، ولأنَّ الطهورَ عملٌ وعبادةٌ، فأشبهَ سائرَ العباداتِ، ومن شرطِها النيَّةُ. وأمَّا إزالةُ النجاسةِ فلا يُشتَرطُ لها نيَّةٌ؛ لأنَّها من قَبيلِ التُرُوكِ، وهي لا يُشتَرطُ لها نيَّةٌ، فالنيَّةُ شرطٌ في كُلِّ غُسْلٍ، إلَّا غُسْل كتابيَّةٍ، ومسلمةٍ ممتنعَةٍ عن الاغتسال من الحيض لوطءِ حليلِها المسلم، فَتُغَسَّلُ قهرًا عليها، لحقِّ الزوجِ في الوطءِ؛ لأنَّه لا يباحُ له وطؤها إلَّا بعدَ غُسْلِها. ولا يُشتَرطُ نيَّةٌ في غُسْلِ الكتابيَّةِ والمسلمة الممتنعةِ للعذر؛ لأنَّ الكتابيَّةَ ليست من أهل النيَّة؛ لكونها كافرة، والمسلمة لم تقصِد الغُسلَ بالكليَّةِ، وإنَّما غُسِّلَتْ قهرًا عليها؛ لحقِّ الزوجِ، وهو الوطءُ، كما إذا امتنعَ المسلمُ من أداءِ الزكاةِ، فإنَّها تُؤخَذُ منه قهرًا، ولو بلا نيَّةٍ، فلا يُباح له وطؤها إلَّا بعدَ غُسْلِها، ولو بلا نيَّةٍ. والصحيحُ أنَّها لا تصلِّي بهذا الغُسْل؛ لتجرُّدِه عن النيَّةِ المشروطَةِ شرعًا، ويقاسُ على ذلك منعُها من الطوافِ، ومسِّ المصحفِ؛ لعدمِ وجودِ الطهارةِ الشرعيَّةِ. وإنما أُبيحَ وطؤُها

стр. 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مَنويٍّ إجماعًا، إلا غُسْل ذِمِّيَّة -ولو حربيَّة- لحيْضٍ ونفاسٍ وجنابةٍ، ومسلمة ممتنعة بهذا الغسل المجرَّدِ عن النيَّة؛ لحقِّ زوجِها في وطئها، وإنَّما لمْ يصحَّ أنْ يُنْوَى عن المسلمة الممتنعة؛ لعدم تعذُّرِها منها؛ لكونها من أهلها، فلا يُنْوَى عنها. دنوشري. وقد نَظَمَ بعضُهم ما يتعلَّقُ بالنيَّة في بيتٍ فقال: حقيقةٌ (١) حكمٌ محلٌّ وزَمَن … كيفيَّةٌ شرطٌ (٢) ومقصودٌ حَسَن فالنيَّة لها معنيان، لغةً واصطلاحًا. ولها حكمٌ: وهو شرط. ولها محلٌّ: القلبُ. ولها زمنُ فعلِ العبادات، وكيفيَّتُهَا تختلفُ باختلافِ الأبواب. شرطها: الإسلامُ والعقلُ والتمييز. ومقصود: تمييزُ رُتَبِ العباداتِ من العادات (٣). (أو عن نجاسةٍ ببدن) أي: ويُشتَرط لتيمُّمٍ عن نجاسةٍ ببدنٍ نيَّةٌ؛ لأنَّه مبيحٌ لا رافع، فاحتيجَ إلى النيَّة؛ لضعفه. (لأنَّ الإخلاص إلخ) تعليلٌ لكونِ النيَّةِ شرط. (ولحديث) عطفٌ على قوله: "لأن الإخلاص إلخ". وقوله: (ولأنَّ النصَّ) عطفٌ على الأوَّل، أخذًا من أنَّ المعاطيفَ إذا تكرَّرت بالواو، تكون على الأول. وكذا ما عُطِف عليه من قوله فيما يأتي في المتن: (وطهورية ماء وإباحته إلخ). (إجماعًا) لعلَّه ليسَ على إطلاقِه، وإلَّا فنحو القراءةِ لا تحتاجُ إلى نيَّةٍ. منه. (إلا غُسْل ذمِّيَّةٍ إلخ) مستثنًى من أنَّ النيةَ شرطٌ في كلِّ غُسْلٍ وجنابةٍ. عبَّر في جانبِ الذمِّيَّة بالغُسْل من الجنابةِ دون المسلمة، إشارةً إلى أنَّ الذمِّيَّة تغتسلُ لحليلها من الجنابة، دون المسلمة، فإنَّها لا تغتسل من الجنابة لحليلها، بل من الحيضِ. (ومسلمةٍ) عَطْفٌ على مقدَّرٍ، أي: وإلَّا غُسْل مسلمةٍ.

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في حيضٍ ونفاس، فتُغسَّل قهرًا بلا نيَّة؛ للعذر، كممتنعٍ من زكاة، ولا تصلِّي به المسلمةُ. وقياسُه كما في "شرح المنتهى" (١): منعُها من نحو طوافٍ وقراءةٍ مما يتوقَّف على الغُسْل. ويُنوى عن ميتٍ ومجنونٍ غُسِّلا (٢)؛ لتعذُّرها منهما. ولا يعيدُه مجنونٌ أفاق، كما بحثه المصنِّف. (فتُغَسَّلُ قهرًا بلا نيَّه؛ للعذر) أي: تُغَسَّل كلٌّ من الذمِّيَّةِ والمسلمِ الممتنِعَةِ قهرًا بلا نيَّةٍ؛ للعذر. وفي التسميةِ وجهان، ذكرهما في "الفروع" (٣) في "عشرةِ النساء". قال في "الإنصاف" (٤): قلت: إنَّ التسميةَ لا تجب. لكن ظاهرُ كلامه هنا أنَّ المقدَّم وجوبُها؛ لأنَّه حَكَى الثاني بـ: قيل. مصنِّف (٥). (كممتنعٍ من زكاةٍ) تنظيرٌ لقوله:"فتُغَسَّلُ قهرًا بلا نيَّة"، يعني: تُؤخَذُ منه الزكاةُ قهرًا، وتَسقُط النيَّة، أي: يسقطُ اشتراطُ النيِّةِ؛ للعذر. (ولا تُصلِّي به المسلمة) أي: بالغُسْلِ المذكورِ. (كما في "شرح المنتهى" أي: للمصنِّف، أعني الشيخَ منصور. (ممَّا يتوقَّفُ على الغُسْل) بيانٌ لقوله: "من نحو طوافٍ إلخ"؛ لأنَّه إنَّما أُبيح وطؤُها؛ لحقِّ زوجها فيه، فيبقَى ما عداه على أصلِ المنع، ولا يُنوى عنها؛ لعدمِ تعذُّرِها منها، بخلافِ الميِّت. مصنِّف (٥). (ويُنوى) الغسلُ (عن (٦) ميت) ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير. ومجنونة (٧) مسلمةٍ، أو كتابيَّة حاضت، ونحوه. (كما بحثَه المصنِّف) في "حاشيته" على "الإقناع"، أصل العبارة في "الإقناع"، وقال أبو

стр. 289

وطَهوريَّةُ ماءٍ، وإباحتُه، (و) شُرِطَ لوضوءٍ وغُسْلٍ (طهوريَّةُ ماءٍ) أي: كونُ الماء طهورًا؛ لأنَّه لا يرفع الحَدَثَ غيرُه. (وإباحتُه) أي: كونُ الماء مباحًا؛ لحديثِ: "مَنْ عَمِلَ عملًا لَيْسَ عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ" (١) فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غسْلٌ بمغصوبٍ ونحوهِ، كمسبَّل للشرب. المعالي في المجنونةِ: لا نيَّةَ؛ لعدمِ تعذُّرِها مآلًا؛ لأنَّها تفيقُ، بخلاف الميِّت، وأنَّها تعيدُ الغُسلَ إذا أفاقت. قال بعده في "الحاشية": قلت: وأنها تُصلِّي وتَفعلُ ما تفعلُه الطاهراتُ على الأوَّل؛ لوجودِ النيَّةِ الصحيحة، غايةُ الأمر أنَّها من الغاسل؛ لتعذُّرها من المجنونة، بخلافِ الممتعةِ والكافرةِ. وأقرَّه على ذلك البهوتي، ووافقَه على ذلك الشارح تلميذه. (غُسِّلا) أي: وإنَّما ينوى عن ميتٍ ومجنونٍ غُسِّلا؛ لتعذُّرِ النيَّة منهما، فيقومُ بها غيرهما عنهما ممَّن هو من أهلِ التكليف. دنوشري. (وطهوريَّة ماءٍ) الشرطُ الثاني من شروطِ الوضوء والغُسْل: طهوريَّةُ ماءٍ، احترازًا من الطاهر والنجس، فإنَّهما لا يرفعان حَدَثًا، ولا يُزِيلان خبثًا، وإنَّما يستعملُ الماءُ الطاهرُ في العادات دون العبادات، وأمَّا المتنجِّسُ فلا يجوزُ استعماله في الطهارة، وقيل: يجب غسله فكيف يُطهِّرُ غيرَه؟! (وإباحته) أي: والشرط الثالث: إباحتُه، أي: إباحةُ الماءِ الذي يُرادُ استعمالُه في رَفْعِ الحدث الأكبرِ والأصغرِ، فلا يصحُّ رَفْعُه بماءٍ محرَّمٍ؛ لأنَّه قربةٌ إلى الله تعالى، ولا يُتَقَرَّبُ إليه بمعصيةٍ. ("فهو ردٌّ") أي: مردودٌ. (فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غسلٌ إلخ) محترزُ قولِه: "وإباحته". (كمسبَّل للشُّرب) مثالٌ للنحو، وكذا مسروقٌ ومودَعٌ مجحودٌ.

стр. 290

وإزالةُ ما يَمنعُ وصولَه، وانقطاعُ موجبٍ. (و) شُرِطَ لوضوءٍ وغُسْلٍ (إزالةُ ما) أي: شيءٍ (يَمنعُ وصولَه) أي: الماء إلى البشرة، كعجينٍ ونحوهِ على أعضاء وضوءٍ، أو على بدنٍ في غُسْلٍ. (و) شُرِطَ لوضوءٍ وغُسْلٍ (انقطاعُ موجِب) بكسر الجيم، أي: يُشترَطُ للوضوء انقطاعُ ما يوجبُه، وهي نواقضُ الوضوء. ويشترَطُ للغُسْلِ انقطاعُ ما يوجبه، وهي موجباتُ الغُسْلِ الآتية. وشُرِطَ أيضًا عقلٌ، وتمييزٌ، (وإزالةُ ما يمنعُ وصولَه) أي: والشرطُ الرابع إزالةُ ما على البشرةِ من مانعِ وصولِ الماءِ للبشرةِ من شمعٍ، أو دُهْنٍ، أو عجينٍ لاصقٍ، بخلافِ أثرِ الحنَّاء ونحوه، مِنْ كلِّ مالا يمنعُ وصولَ الماء فإنَّه لا يضرُّ. (وانقطاعُ موجِب) لما في ذلك من المنافاةِ بينَ رفعِ الحدثِ وبينَ ما يُوجِبُه، فلا يصحُّ رفُعه مع وجودِه بالفعل؛ ولما في ذلك من الجمعِ بين الضِّدَّينِ، وهو غيرُ مُمكنٍ، ولأنَّ الحدثَ قد يُطلقُ على نفسِ الخارجِ. إلَّا إذا كانَ حدثُه دائمًا، فإنَّه تصحُّ طهارتُه مع ديمومته، لكنْ بعدَ غَسْلِ المحلِّ، وتعصيبِه. وسَلَكَ في هذا التعبير ما سَلَكَه صاحب "الإقناع" (١) وهو أَولى من تعبير "المنتهى" بقوله: وفراغ خروج خارج (٢). إذْ هو خاصٌّ بالخارجِ من السبيلين، وما هُنا أعمُّ؛ لشمولِه ما إذا كانَ يتوضَّأُ، وهو يمسُّ امرأةً بشهوةٍ، أو وهو يأكُلُ لحمَ الجزورِ، وشمولهِ ما إذا كانَ يغتسلُ، وهو يجامعُ حليلَتَهُ. (وشُرِط أيضًا) للوضوء والغسل: (عقلٌ) فلا تصحُّ طهارةُ المجنونِ؛ لعدمِ صحَّةِ نيَّتِهِ. فأفادَ بقوله: "أيضًا" اشتراكَ الثلاثةِ بينَ الوضوء والغسل، ولعدم ذكرها مع قوله: "ولوضوء" أفادَ عدم الاشتراكِ في "دخولِ الوقتِ"، وما عُطِفَ عليه. (وتمييز) المُتَطهِّر، وهو

стр. 291

وتجبُ فيهما التسميةُ مع الذِّكْر، وإسلامٌ لسوى من ذُكرِ، ولوضوءٍ دخولُ وقتٍ على من حَدَثُه دائمٌ لفرضه، واستنجاءٌ أو استجمار، كما تقدَّم. (وتجب فيهما) أي: في الوضوءِ والغُسْل، وكذا تيمُّم (التسميةُ) أي: قولُه في بلوغُه سبعًا؛ لأنَّ الوضوءَ والغُسْلَ من قبيل العبادات المشروطِ لها النيَّة، ومن لم يميز لا اعتبار لنيَّته ولا لقصده. (وإسلامٌ) فلا يصحُّ طهارة الكافر؛ لعدم صحَّة نيَّته المشروطة في الطهارة؛ لأنَّه ليسَ من أهل النيَّةِ. (لسوى من ذُكِر) يعني أنَّه يستثنى من اشتراط الإسلام والعقل والتمييز (١) مسألتان لا يشترط لهما النيَّةُ؛ للعذر، أشار الشارحُ رحمه الله تعالى إليهما بقوله: "لسوى من ذكر"، وهما الكتابيَّةُ، والمسلمةُ المجنونة، فإنَّهما يُغَسَّلان من الحيضِ لحلِّ وطءِ حليلِهما المسلم. فهذه الشروطُ المذكورةُ مشتركةٌ بين الوضوء والغسل. ونبَّه على الشروطِ الخاصَّة بالوضوءِ وحدَه بقوله: (ولوضوءٍ دخولُ وقتٍ) لصلاةٍ، وطوافِ فرضٍ على من حدثُهُ دائمٌ، إذا توضَّأ لفرضِ ذلكَ الوقت؛ [لأنَّها طهارة] (٢) ضرورة، وهي ضعيفةٌ في نفسها؛ لأنَّها مبيحةٌ لا رافعةٌ للحدث، كالتيمُّم، وليس لها قوَّةُ التقديم، فاشتُرِط لها دخولُ الوقت، واحترز بقولِه: "لفرضه" عمَّا إذا توضَّأَ لنافلةٍ، أو جَنَازةٍ، أو طوافٍ ونحوِه، فإنَّه لا يُشتَرطُ لذلك الوقتُ، ويكون وقتُها عندَ إرادةِ فعلِها، فيصحُّ ذلكَ كلَّ وقتٍ. (واستنجاءٌ) عطف على: "دخول وقت إلخ"، أي: يشتَرط لوضوء وحدَه دخولُ وقتٍ على من حَدَثُه دائمٌ، واستنجاءٌ بماءٍ طَهور، واستجمارٌ بحجرٍ ونحوِه، من كلِّ طاهرٍ جامدٍ مباحٍ مُنْق، كحجرٍ وخشبٍ وخرقٍ، كما تقدَّم في بابه. (وتجبُ فيهما التسميةُ) لمَّا أنهى الكلامَ على شروطِ الوضوء، ذكرَ واجبَ الوضوء.

стр. 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أوَّل ذلك: باسم الله؛ لحديث (١): "لا وضُوءَ لمن لمْ يَذكُرِ اسمَ الله عليه" رواه أحمدُ وغيرُه (٢). وقِيْسَ الغُسْلُ والتيمُّمُ عليه، لكنْ إنَّما تجبُ التسميةُ فيما ذُكر (مع الذُّكر) بضمِّ الذَّالِ وكَسْرِها. قاله ابنُ مالكٍ في "مثلَّثه". وقال الكسائيُّ: الذِّكرُ باللسان ضدُّ الإنصات، وذالُه مكسورةٌ. وبالقلب ضدُّ النسيان، وذالُه مضمومةٌ. ومحلُّ التَّسمية: اللسانُ. ووقتُها عند أوَّلِ واجبٍ وجوبًا، وأولِ مسنونٍ ندبًا، كالنِّيَّة على ما سيأتي. وعُلِمَ منه أنَّها تسقطُ سهوًا. نصًّا. قال المصنِّف: قلتُ: مقتضى قياسِهم -أي: لسقوطها سهوًا على واجباتِ الصَّلاة- أنَّها تسقطُ جهلًا. والظاهرُ إجزاؤُها بغيرِ العربيَّةِ ولو ممن يحسنُها كالذَّكاة؛ إذ لا فرقَ. انتهى (٣). (وعُلِم منه) أي: وفُهِم من قوله: "مع الذِّكر" أنَّه لو لم يذكرْها حتى فرغ من وضوئه، لم تلزمْه إعادتُها؛ لأنَّ الواجبَ يسقطُ بالسهوِ.

стр. 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد يقال: إلحاقُها بأذكارِ الصَّلاة أشبهُ؛ بجامعِ العبادة، وإن ذَكَرها في أثناءِ وضوءٍ أو غُسْلٍ أو تيمُّمٍ، ابتدأ عند صاحب "المنتهى" (١) ولم يَبْنِ، خلافًا "للإقناع" (٢) (أشبهُ) أي: أنسبُ (بجامع العبادة) أي: فلا تُجزِئُ من قادرٍ بغيرِ العربية. منه. (خلافًا "للإقناع" بأنَّه إذا ذَكر التسميةَ في أثناءِ الوضوءِ، أو الغُسْل، أو التيمم، سمَّى وبنى. قال المصنِّف عليه (٣): لأنَّه لمَّا عُفِي عنها مع السهوِ في جملةِ الطهارة، ففي بعضِها أَولى. قال صاحب "الإقناع" في "حاشيته" (٤): هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. اختارَه القاضي، والموفَّق في "المغني" (٥)، و"الكافي" (٦)، والشارح (٧)، وابن عبيدان (٨)، وابن تميم، وابن رزين (٩) في "مختصره"، و"المستوعب"، و"الرعاية الصغرى"،

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن تركها عمدًا، لم يصحَّ. و "روضة الفقه" (١)، و "الحاوي الكبير" (٢)، وحكاه الزركشيُّ عن الشيرازي (٣)، وابنِ عبدوس (٤) انتهى. وشارح "المحرر"، والشيخ يوسف المرداوي في كتابه: "نهاية الحُكْم المشروع في تصحيح الفروع"، والعُسْكُرِيّ (٥) في كتابه: "المنهج"، وغيرهم، خلافًا لما صحَّحَه في "الإنصاف" (٦) وحكَاه عن "الفروع" (٧) ولم يذكر غيرَه. انتهى المقصودُ منه. والذى صحَّحه في "الإنصاف" مشى عليه صاحب "المنتهى" (٨) قال: لكن إنْ ذكرَها في بعضه، ابتدأ. قال في "شرحه" (٩): لأنَّه أمكنهُ أنْ يأتيَ بها على جميعِه، فوجبَ كما لو ذكرها في أوَّله. انتهى. (فإن تركَها عمدًا إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "تسقط سهوًا".

стр. 295

فينوي عندَها، ويشيرُ بها أخرسُ ونحوه [كمعتقلٍ لسانُه] (١). (فينوي عندها) أي: عندَ التَّسمية، يعني أنَّه يجبُ الإتيانُ بالنِّيَّة عند أوَّلِ واجبٍ في وضوءٍ أو غُسلٍ أو تيمُّمٍ، وهو التسميةُ، حيث أرادَ تقديمَ التَّسمية على غَسْل الكَّفين في وضوءٍ وغُسْلٍ. فإن قدَّم غسلَهما على التسمية، فسيأتي. (ويشيرُ بها أخرسُ ونحوه) أي: يشير بالتسميَةِ في الوضوء والغسل والتيمُّم، فظاهرُه وجوبًا، ومثلُه المعتقلُ لسانُه. ويأتي في "صفة الصلاة" أنَّه يُحرِمُ بقلبِه، فلم يعتبرُوا مع ذلك إشارةً، وينبغي إلحاقُ ما هنا به؛ لعدمِ الفرق. قال المصنف في "كشاف القناع" (٢): إلَّا أنْ يكونَ فرقٌ، نحو أن يُقَال: الإشارةُ الى التبرُّك ممكنةٌ، كرفعِ رأسهِ إلى السماء، بخلاف افتتاحِ الصلاة، فإنَّه لا يُعْلَم من الإشارةِ إلى السماء. انتهى. (فينوي عندها) مفرَّعٌ على قوله: "وشرط له ولغُسْلٍ نيَّةٌ" هذه كيفيَّةُ النيَّةِ، ولها ثلاثُ صورٍ، ذَكَرَ المصنِّفُ اثنتين، والشارحُ واحدةً. (وهو التسمية) أي: أوَّلُ واجبٍ فيما ذُكِر، التسميةُ. (حيثُ أراد إلخ) فهي حيثيَّةُ تقييد، والمراد بالتقدُّمِ هنا عدمُ التأخُّر، ووجودُها مقترنةً بفعلِ الواجب، لأنَّ النيةَ شرطٌ لصحَّةِ الواجباتِ والمفروضات. فلو فُعِلَ شيءٌ من الواجباتِ قبل تقدُّمِ النيَّة، لم يصحَّ. دنوشري. صح. (فإن قَدَّم غسلَهُما) مفرَّعٌ على قوله: بالحيثية، أي: غسل الكفين. وقوله: (فسيأتي) أي: عندَ قوله: "ويسنُّ أنْ ينوي إلخ" لكون النيَّة سنَّة، فتارةً تكونُ واجبةً وتارةً تكونُ سنَّةً.

стр. 296

أو قبلَها بيسيرٍ رَفْعَ الحَدثِ، (أو) ينوي (قبلَها) أي: قبلَ التسمية، يعني أنَّه يجوزُ تقديمُ النِّيَّة على الطَّهارة (بـ) زمنٍ (يسيرٍ) كصلاةٍ وزكاةٍ (١)، ولا يُبْطِلُها عملٌ يسير، فلو كَثُر، استأنفها. وقولُه: (رفْعَ الحَدثِ) بالنصب، مفعولُ: "ينوي"، فالنِّيةُ محلُّها القلبُ. ويسَنُّ التلفُّظ بها وبما نواه سرًّا. ووقتُها: عند أوَّلِ واجبٍ، كما تقدَّم، أو مسنونٍ، كما سيجيء. (بزمنٍ يسير) يعني أنَّه لا يضرُّ تقدُّمُ النيَّةِ بزمنٍ يسير كتقدم نية الصلاة (٢) … المتوضئ وقارنتِ النيَّةُ فِعْلَ الوضوء، أو تقدَّمتْهُ بزمنٍ يسير، صحَّ وضوءُه (فلو كَثُر، استأنفها) هذا مفهومُ قوله: "بزمن يسير" أي: أنَّه يضرُّ كون التقدُّمِ بزمنٍ كثيرٍ، أي: طويلٍ عرفًا على الصحيحِ من المذهب، وقيل: يجوزُ التقدُّمُ مع ذكرِها، وبقاءِ حكمها. وجوَّز الآمديُّ تقديمَ نيَّةِ الصلاةِ بالزَّمنِ الطويل، ما لم يرتدَّ أو يفسخها، وكذا يخرَّج هنا. والمذهبُ الأوَّل. دنوشري. (ولا يبطلها) أي: النيَّةَ. (ويُسنَّ التَّلَفُّظُ بها) ليوافقَ لسانُه قلبَه، فلا يستحبُّ الجهرُ بالنيَّةِ على أحد الوجهين، وهو المذهبُ المنصوصُ عن الإمام أحمد، وأمَّا الجهرُ بها فإنَّه غيرُ مشروعٍ. قال الشيخ تقيُّ الدِّين: اتَّفقَ الأئمَّةُ على أنَّه لا يُشرَعُ الجهرُ بها، ومن اعتادَه ينبغي تأديبُه، وكذا في بقيَّةِ العبادات، ويكرُه الجهرُ بها وتكرارُها، وهو منهيٌّ عنه عند الشافعيِّ وسائرِ أئمَّةِ الإسلام، وفاعله مسيءٌ، يجبُ نهيُه عنه، ويعزَل عن إمامته إنْ لم ينتَهِ. وفي "سنن" أبي داود أنَّه ﷺ أمرَ بعزلِ إمامٍ لأجلِ بُصاقِه في القِبلة (٣). فإنَّ الإمامَ عليه أن يُصلِّيَ كما كان النبيُّ يصلِّي (٤). دنوشري. (كما سيجيء) عند قولِه: "ويسنُّ أنْ ينوي".

стр. 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وصفتُها: أن ينويَ رفعَ الحدث، أي: يقصدَ بطهارته زوالَ الوَصْفِ المانِع من الصلاة ونحوِها. ولو نوى مع رَفْعِ الحَدَثِ تبرُّدًا، أو تنظُّفًا، أو تعليمًا، أو إزالةَ نجاسة، لم يضرَّ، أو ينوي بطهارته استباحةَ نحوِ صلاةٍ. وهذا في غير دائمِ الحدث، (وصفتها) أي: صفةُ النيَّةِ المشروطةِ في الحدث الأصغر أو الأكبر، والتي نصَّ عليها المصنِّفُ بقولِه: "فينوي عندها أو قبلها إلخ" -كما ذكرَهُ في "المنتهى"-: هي قَصْدُ رفعِ الحدثِ الأصغرِ أو الأكبر، أو ينوي الطهارةَ لما لا يُباح الا بها، أو التجديد إن سُنَّ، بأنْ صلَّى بينهما ناسيًا حدثَه، وأجزأتْهُ نيَّة التجديدِ عن نيَّة رَفْعِ الحدث، ولو كان ناسيًا حدثَه، ارتفعَ ولو لم ينوِ رفْعَ الحدثِ. دنوشري. (ولو نوى مع رَفْعِ الحدث تبرُّدًا إلخ) غايةٌ لقوله: "أنْ ينويَ رفعَ الحدث". وقولُه: "أي: يقصد" تفسيرٌ لقولِه: "أن ينويَ رفعَ الحدث". (أو تعليمًا) أو تعليم وضوءٍ لغيره. (أو إزالةَ نجاسةٍ، لم يضرَّ) أي: لو نَوى مع رَفْعِ الحدث إزالةَ نجاسةٍ على أعضائه، بأنْ غسلهما ينوي به رفع الحدث، ارتفع حدثُه ولو شكَّ في غسلِ عضوٍ، أو مسحِ رأسِه، لزمَه استئنافُ النيَّة، إلَّا أنْ يكونَ وهمًا، كوسواسٍ، فلا يلتفِتُ اليه، وإنْ جعلَ الماءَ في فيه ينوي ارتفاعَ الحدثِ الأصغر، ثمَّ ذَكَر أنَّه جُنُب، فنوى ارتفاعَ الحدثين، ارتفعا. ح ف. (أو ينوي بطهارته استباحة إلخ) عَطَفَ على قوله في صفة النيَّة: "أنْ ينويَ إلخ": "أو ينويَ". والمعنى أنَّ النيَّة قصدُ رفعِ الحدث، أو قصدُ استباحةِ ما تجبُ له الطهارةُ، كالصلاةِ، والطَّوافِ، ومسِّ المصحفِ، وقراءةِ القرآنِ، واللبثِ بالمسجد. ونيةُ الاستباحة تجري على من حدثُه دائمٌ وغيره، فـ "أو" هنا للتَّخيير في حقِّ غيرِ مَن حَدَثُه دائمٌ؛ لأنَّ طهارتَه طهارةُ ضرورةٍ، فلا يصحُّ منه نيَّةُ رفعِ الحدث. وإن انتقضت (١) طهارتُه بطروِّ حدثٍ

стр. 298

أو الطهارةَ للصَّلاةِ مثلًا. وإن نوى ما يُسنُّ له، كقراءةٍ، وأما هو، فيتعيَّن في حقِّه نيةُ الاستباحة، لكنْ لا يحتاج دائمُ الحَدَثِ إلى تعيين نيَّةِ فرضٍ، بخلاف التيمُّم. (أو) ينوي (الطهارةَ للصلاة) أي: لفعلها (مثلًا) بالنصب، على أنَّه مفعولٌ له أو مُطْلَقٌ، أي: أذكرُ الصلاة لأجل التمثيل، أو أمثِّلُ بها تمثيلًا. ويحتمل نصبُه على الحال بمعنى الممثّل به. والمرادُ: أن يقصدَ بطهارته أمرًا يتوقَّف عليها، كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحف. (وإن نوى) بطهارته (ما) أي: أمرًا (يُسنُّ له) التطهُّر (كـ) ـما لو نَوَى الوضوءَ لِـ (ـقراءةِ) قرآنٍ وذِكرٍ غيرِ الحدثِ الدائمِ، كلمسِ امرأةٍ بشهوةٍ، ومسِّ فرجِ آدميٍّ، فلا يكفي أيضًا إلَّا نيَّةُ الاستباحة. دنوشري مع زيادة. (بخلاف التيمم) فإنَّه يحتاجُ في التيمُّم إلى تعيين نيَّة فرضٍ؛ لضعفِه، لأنَّه مبيحٌ لا رافعٌ. (وإنْ نوى بطهارته ما يسنُّ له التطهُّر إلخ) يعني: أنه لو نوى بوضوئه ما، أي: شيئًا تُسنُّ له الطهارة، كقراءةِ قرآنٍ، وذِكرِ الله ، وأذانٍ، وإرادةِ نومٍ، ورَفْعِ شكٍّ في حدثٍ؛ فإنَّه يسنُّ له أنْ يتوضَّأ احتياطًا، وتسكينِ غضبٍ، ولكونِه صَدَرَ منه كلامٌ محرَّمٌ، كشتْمٍ، وفُحْشٍ، وغِيبةٍ، ونميمةٍ، وكإرادةِ فعلِ مَنسكٍ من مناسكِ الحجِّ أو العمرةِ غير طوافٍ، كوقوفٍ بعرفة، ورميِ جمارٍ، أمَّا الطوافُ فتجبُ له الطهارةُ من الحدثِ الأصغر والأكبر مطلقًا، فرضًا كان أو نفلًا؛ لأنه صلاة إلَّا أنه أباح فيه الكلام، وكإرادةِ جلوسٍ بمسجد لاعتكافٍ أو غيره. وقيل: ويسنُّ الوضوء عند إرادة دخولِ مسجدٍ كما قدَّمه في "الرعاية"، ويسنُّ الوضوءُ عند إرادةِ قراءة حديث، وتحديث بعلمٍ، وعند إرادةِ أكلٍ وعندَ زيارةِ قبرِه ﷺ ، وقيل: يسنُّ الوضوءُ عند القهقهةِ مطلقًا، سواءٌ كانت في الصلاة، أو خارجها؛ لأنَّ الوضوءَ ينتقضُ بها إذا كانت في صُلْب الصلاة عند الحنفيَّةِ، ففيه خروجٌ من الخلاف في الجملة. دنوشري مع زيادة. (كما لو نوى الوضوءَ لقراءةِ إلخ) مثالٌ لِـ "ما".

стр. 299

وأذانٍ، ورفعِ شكٍّ، وغضبٍ، أو نوى التَّجديدَ (وأذانٍ) ونومٍ (ورفعِ شكٍّ) في حَدَثِ أصغرَ (وغَضَبٍ)؛ لأنَّه من الشيطان، والشيطانُ من النار، والماءُ يطفئُها، كما في الخبر (١). (أو نَوىَ) بوضوئه (التجديدَ) إن سُنَّ، بأن صلَّى بينهما (أو نوى (٢) بوضوئه التجديدَ إنْ سُنَّ، بأنْ صلَّى بينَهما) أي: بين الوضوئين؛ لخبرِ الإمام أحمد بإسنادٍ حسن: "لولا أنْ أَشُق على أمَّتي، لأمرتُهم بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاة" (٣). وإذا انتفتِ المشقَّةُ، ثبتَ الأمرُ بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاة، ومن جملةِ أحوالِ الأمر أنْ يكونَ للاستحباب، وفهم من قوله: "بأن صلَّى بينهما" أنَّه يُسنَّ (٤) له إذا صلَّى بالوضوءِ الأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا، أمَّا إذا لم يصلِّ به، فإنَّه لا يسنُّ له التجديدُ حينئذٍ. قال الحفيد (٥): أمَّا إذا لم يصلِّ بين الوضوئين فلا يسنُّ التجديد، وإذا لم يسنَّ، فنواه ناسيًا حَدَثَه، لم يرتفع؛ لأنَّه لم ينوِ وضوءًا مشروعًا. قال الجدُّ الشهاب (٦): ومفهومُ كلامِه أنَّه إذا لم يكن ناسيًا حَدَثَه، أنَّه لا يصحُّ ولا

стр. 300

ناسيًا حدثَه، أو الغُسلَ لنحو جمعةٍ أو عيدٍ، ارتفع حدثُه. حالَ كونه (ناسيًا حدثَه) ثمَّ بعد فراغه من الوضوءِ تذكَّر أنَّه كان مُحْدِثًا قبلَ التجديد، ارتفع حدثُه؛ لأنَّه قدْ نوى بطهارته أمرًا تُشرَع له، بل قال في "الشَّرْح الكبير" (١): لو قصدَ أنْ لا يزالَ على طهارةٍ، صحَّت طهارتُه؛ لأنَّها شرعيَّة. وعُلمَ ممَّا تقدَّم أنَّه لو كان عالمًا بحَدَثِه، لم يرتفعْ؛ لتلاعبه. (أو) نوى (الغُسْلَ لنحو جمعةٍ أو عيدٍ) كاستسقاء، وكان عليه نحو جنابةٍ (ارتفعَ حدثُه) إن كان ناسيًا لنحوِ الجنابة، وكذا عكسه، وإنْ نواهما، حصلا، ومِنْ هنا يُعلم أنْ ليس في مسألةِ المتن وعكسِها إلا ثوابُ ما نواه وإن أجزأ عن الآخر، والمستحبُّ أنْ يَغتَسِلَ للواجب ثمَّ للمسنون. يرتفعُ، والمذهبُ أنَّهُ يرتفع، وهو قياسُ ما تقدَّم فيما إذا نَوى ما تُسَنُّ له الطهارةُ من الارتفاع مطلقًا، سواءٌ كان ناسيًا حَدَثه، أَوْ لا. وهذه إحدى طُرُقٍ ثلاث، وهو أصحُّها. وقال الدنوشري: وقوله: ناسيًا حدثه، ليس بقيدٍ حيث صلَّى بينهما، بل لو كان ذاكرًا لحَدَثِه حينئذٍ، ونوى التجديدَ، أجزأَه ذلك؛ لأنَّه وضوءٌ مستحبٌّ حينئذٍ شرعًا، وكذلك لو نوى صلاة وأنَّه لا يستبيحُ غيرَها، ارتفعَ حدثه، ولغا تخصيصُه. (حالَ كونه ناسيًا) فـ "ناسيًا" حالٌ من فاعل "نوى"؛ لأنَّه وصفٌ له، قيدٌ في عامِلِه. (وإن نواهما، حَصَلا) أي: نَوى الواجبَ والمسنون بالغُسْلِ الواحد، أو الوضوءِ الواحد حصلا أي: حصل له ثوابهما، لكن قال في "الإقناع" (٢): والمستحبُّ أن يغتسل للواجب غُسْلًا، ثمَّ للمَسنونِ غُسْلًا آخر. انتهى. (وإنْ أجزأَ) غايةٌ لقوله: "إلا ثوابُ ما نواه".

стр. 301

وإن تنوَّعتْ أحداثٌ، فنوى أحدَها، (وإن تنوَّعت أحداثٌ) ولو متفرِّقةً في أوقاتٍ تُوجِبُ وضوءًا، كبولٍ، وغائطٍ، وريحٍ، ونومٍ، أو توجبُ غسلًا، كجماعٍ، وخروجِ منيٍّ، وحيض (فنوى) بطهارته (وإنْ تنوَّعت أحداثٌ) وإنْ لم توجدْ معًا، بأن وجِدت متفرِّقَةً، واختلفتْ أنواعُها وأسبابُها، وكانت تلكَ تُوجِب غُسْلًا، كجماعٍ، وحيضٍ، ونفاسٍ، وإنزالٍ، أو وضوءًا، كلمسِ امرأةٍ بشَهوةٍ، وخروجِ بولٍ وغائطٍ، ونجاسةٍ غيرِهما، كقيءٍ، ومسِّ فرجِ آدميٍّ، ونحوِ ذلكَ من أسبابِ الحدثِ، ونوى بغُسْلِه أو وضوئه أحدَها، إنْ كانت النيِّة على أنْ لا يرتفعَ غيرُه، ارتفعَ ما نواه، وارتفع باقيها، ولو لم ينوِ ذلك الباقي؛ لاندراجِه فيمَا نواهُ. وفُهِم من قوله: "على أنَّه لا يرتفع غيره" أنَّ النيَّةَ إذا كانت على هذهِ الصِّفةِ، فإنَّه لا يَرتفعُ إلا ما نَواه فقط؛ لأنَّه ضيَّق على نفسِه بعدَمِ ارتفاعِ ما عدا المنويِّ، فبقيَ ما عَدَاهُ على أصلِه، فإذا عدَّد الطهارةَ بعددِ الأحداثِ، أو تطهَّرَ أيضًا طهارةً مستقلَّةً لم يأتِ بهذا الشرط فيها، ارتفعت كلُّها. دنوشري مع زيادة. (ولو متفرِّقةٌ) أي: ولو وجِدَت متفرِّقَةً. (توجبُ) أي: الأحداث، تفسير لوجودِ الأحداث المتفرِّقَةِ في أوقاتِ الموجباتِ لوضوءٍ أو غسلٍ. وقوله: "أو توجبُ غسلًا" عطفٌ على: "توجِبُ وضوءًا". (فتوى بطهارته) أي: بغُسْلِه أو بوضوئه (١).

стр. 302

ارتفع كلُّها. ويُسنُّ أن ينويَ عند أوَّلِ مسنونٍ (أحدَها) أي: أحدَ الأحداثِ، كالنَّومِ في الأول، والجماعِ في الثاني (ارتفعَ كلُّها) أي: جميعُ الأحداثِ؛ لتداخُلِها، كما لو نوى رفعَ الحَدَثِ وأطلق، لكنْ محلُّ ذلك ما لم يقيِّد النيةَ بأحدِ الأحداث على أن لا يرتفع غيرُه، فإن قيَّد كذلك، لم يرتفعْ غيرُ ما نواه. ولو غَلِط مَنْ عليه حَدثُ نومٍ، فنوى حدثَ بولٍ، ارتفع حدثُه؛ للتداخل. (ويُسنُّ أن ينوي) أي: أن يأتيَ بالنِّيَّة في وضوءٍ وغُسْلٍ (عند أوَّل مسنون) كغَسْلِ (لكن محلُّ ذلك) أي: ارتفاعها كلِّها مشروطٌ بعدم تعيين النيَّةِ ببعضٍ دون بعض، فهو استدراكٌ على قوله: "ارتفع كلُّها". رَفَعَ به ما يُتَوهَّمُ ثبوتُه من ارتفاعِ الأحداث مطلقًا، قيَّدَ بالغُسْل أو الوضوء أحدَها، أَوْ لا. (ولو غَلِط إلخ) قال في "المنتهى": ولا يضرُّ سَبْقُ لسانِه بغيرِ قصدِه (١). كما لو أرادَ أنْ يقول: نويت فرضَ الوضوءِ، فسَبَقَ لسانُه بغيرِ قصدِه وقال: نويتُ الصلاةَ، أو الصوم، أو نحوهما، فإنَّه لا يضرُّ ذلك؛ لأنَّ النيَّةَ محلُّها القلبُ لا اللسان. ولا يضرُّ أيضًا إبطالُ النيَّةِ، أو إبطالُ الطهارةِ بعد فراغِ الوضوءِ، على الصحيح من المذهب؛ لأنَّه قد تمَّ صحيحًا، والعبادةُ الصحيحةُ لا ترجعُ باطلةً بلفظ الإبطال بعد تمامها، وإنَّما تبطلُ بمفسداتِها الشرعيَّةِ، كنواقضِ الوضوء. وقيل: تبطلُ بالإبطالِ، والمذهبُ الأوَّل. وفهم من قوله: "بعد فراغِ الوضوء". لو أبطلَها في أثناء طهارته، بَطَلَ ما مضى منها، ولا يضرُّ توهُّمُه في الإِتيان بالنية. انتهى. دنوشري مع زيادة. (ويُسَنُّ أنْ ينويَ إلخ) أي: يُسَنُّ الإتيانُ بالنيَّةِ عند أوَّلِ مسنونٍ في الطهارة

стр. 303

وجد قبل واجبٍ، فينوي، ثمَّ يُسمِّي، الكفَّين إن (وجد) ذلك المسنون (قبلَ واجبٍ) وهو التَّسمية، يعني أنَّه إذا أراد أن يقدِّم غسلَ كفَّيه على التَّسمية، سُنَّ له الإتيانُ بالنيَّة عند غَسْلِهما؛ لتشملَ النيةُ مسنونَ الطَّهارة ومفروضَها، فيثابُ عليهما. صفة الوضوء الكامل وحيثُ علمتَ ما تقدَّم، وأردْتَ صفةَ الوضوءِ الكامِلِ المشتمِلِ على ما يُسنُّ وما يجب وما يُفترضُ (فـ) ـهو ما أشار إليه بقوله: (ينوي) رفعَ الحَدَثِ، أو يقصد بطهارته ما تجبُ له أو تُسَنُّ، كما تقدَّم في صفةِ النِّيَّة. ويستقبل القبلةَ (ثمَّ يسمِّي) فيقول: باسم الله، لا يقومُ غيرُها مقامَها، فلو قال: باسم الرحمن، أو نحوَه، لم يُجزِئْه. وجِدَ قبلَ واجبٍ، وهو غسلُ اليدين لغيرِ القائمِ من نوم الليل الناقضِ للوضوء، فيسنُّ أنْ يأتيَ بالنيَّةِ عندَ غسلِ اليدين، وقبلَ المضمضةِ والاستنشاق؛ لتشملَ النيَّةُ سننَ الوضوءِ وفروضَه، فيثابُ على كلِّ واحدٍ منهما، ويجبُ الإتيانُ بها عندَ الواجب، وهو التسميةُ، كما ذكرهُ في "الإقناع" (١). (وحيثُ علمتَ إلخ) أشار بهذا الى أن الفاءَ واقعة في جواب شرط مقدَّر في نظم الكلام. (وأردتَ صفةَ الوضوء الكامِلٍ) أي: كيفيَّةَ الوضوءِ الكاملِ التي ينبغي له أنْ يأتيَ بها. (المشتملِ على ما يُسنُّ إلخ) أي: على طريق التفصيل، (فهو ما أشارَ إلخ). (ثم يسمِّي) بأن يقول: بسم الله. (لا يقوم غيرها مقامها) من أسماء الله تعالى، وهي واجبةٌ في الوضوء، والغسل، والتيمم، وغسل كفَّين من يدي قائمٍ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ، فإنْ تركَهَا عمدًا بالكليَّةِ، أو غَسَل بعضَ أعضاءِ وضوئه بغير تسمَيةٍ، ولم يستأنف، لم تصحَّ طهارتُه، والأخرسُ يشير بها.

стр. 304

ثمَّ يغسل كفَّيْه ثلاثًا، ثمَّ يتمضمضُ، ثمَّ يسْتنشِقُ بيمينه، ويسْتنثِرُ بيسارِه ثلاثًا ثلاثًا، (ثمَّ يغسل كفَّيه ثلاثًا) ولو تيقَّن طهارتَهما، ويُقدِّم اليُمنى على اليُسْرى ندبًا (ثم يتمضمضُ) بيمينه قَبْلَ غَسْلِ وجهِهِ ندبًا، ويتسوَّك حالَ المَضْمَضَةِ (ثمَّ يستنشقُ بيمينِه، ويستنثرُ) أي: يستخرجُ ما في أنفه (بيسارِه، ثلاثًا ثلاثًا) بالنَّصب على الحال، يعني أنَّه بتمَضْمَضُ ثلاثَ مرَّاتٍ، ويستنشقُ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ (ثمَّ يغسلُ كفَّيْهِ ثلاثًا) تثنيةُ كَفٍّ، والكفُّ مؤنثَّةٌ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تكفُّ الأَذى عن البدن، وتدفعُ الضرر عنه. (ثمَّ يتمضمضُ، ثمَّ يستنشقُ) ثلاثًا للمضمضة، وثلاثًا للاستنشاق، إنْ شاءَ من ستِّ غرفات لهما، وإنْ شاءَ من ثلاثِ غرفاتٍ لهما، وإنْ شاءَ من غرفةٍ واحدة لهما، وكونُ المضمضةِ والاستنشاقِ من غرفةٍ واحدةٍ للستِّ مرَّاتٍ أفضلُ من ثلاثِ غرفاتٍ، ومن غرفتَيْن؛ لمَا في ذلك من عدمِ الإسراف في ماءِ الوضوء؛ لما روي عن سيدنا عليِّ ﵁ أنَّه توضَّأَ فمضمضَ ثلاثًا، واستنشقَ ثلاثًا من كفٍّ واحد وقال: هذا وضوءُ نبيّكُم ﷺ . رواهُ الإمامُ أحمد في "مسنده" (١). ويشهدُ للثلاث غرفات أنَّه وردَ في لفظ آخر عن عليِّ أنَّه تمضمضَ، واستنشقَ، واستنثر ثلاثًا، بثلاثِ غرفات. متفقٌ عليه (٢). ويشهد للستِّ غرفات ما في حديث جدِّ طلحةَ بن مُصَرِّف، عن أبيه، عن جدِّه، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاق. رواه أبو داود (٣)، ووضوءه كان ثلاثًا ثلاثًا، فلزمَ كونها من ستِّ غرفات.

стр. 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذكر بعض شُرَّاح البخاري لكيفيَّة المضمضةِ والاستنشاق خمسةَ أوجهٍ: الأوَّلُ: يجمعُ بينهما بغَرْفَةٍ، يتمضمضُ منها ثلاثًا، ويستنشقُ ثلاثًا. الثاني: أن يُدْخِل الماءَ في فيه مرَّةً، ثمَّ أنفِه مرَّةً، ثمَّ يعود إلى الفم، ثمَّ إلى الأنفِ، كلَّ ذلك مرَّة بعد مرَّةِ إلى الثلاثِ في كلِّ واحد. والثالث: ثلاثُ غَرَفَاتٍ لكلِّ، يقسمُها إلى الفم والأنف. الرابع: بغرفتين، كلُّ واحدةٍ لواحد، لكنَّها يدخلها في ثلاثِ مرَّات. الخامس: ستُّ غَرَفَاتٍ، ثلاثٌ لهذا، وثلاثٌ لذلك (١). وفي تسميتها فرضًا روايتان، والمذهب أنَّه يصحُّ أن يُسَمَّيا فرضينِ مستقلَّين في الوضوءِ والغسل في أصحِّ الروايتين؛ لأنَّ بعضَ الفرضِ قد يُطلَقُ عليه فرضٌ، ولأنَّهما في حُكْمِ الظاهرِ، ولو لم يحصْل بهما المواجهة؛ لأنَّ الصائمَ لا يُفطِر بوصولِ مفطِّرٍ إليهما، وأنَّه يجبُ غَسْلُ فمِه من النجاسةِ، كالقَيْءِ ونحوه، ويجبُ غسلُهما من الجنابة، فلا يسقطُ غسلُ واحدٍ منهما سهوًا على المشهور والمذهب؛ لما روت عائشةُ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المضمضةُ والاستنشاقُ من الوضوءِ الذي لابدَّ منه". رواه أبو بكر (٢) في "الشافي" (٣). ومعنى: "لابدَّ منه" أي: لا غنى عنه.

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذلك لحديث عثمان: أنَّه توضَّأ، فدعا بماءٍ فغَسل يَدْيه ثلاثًا، ثمَّ غرفَ بيمينه، ثمَّ رفعَها إلى فِيْهِ فتَمضْمَضَ واستَنْشَقَ بكفٍّ واحد، واستَنْثَرَ بيساره، فَعَلَ ذلكَ ثلاثًا، ثمَّ ذكر سائرَ الوضوء. ثمَّ قال عثمان ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ لنا كما توضَّأْتُ لكم. رواه سعيد (١). والأفضلُ في المضْمَضَةِ والاستنشاقِ أنْ يفعلَهما بغَرفة واحدةٍ، ولا يفصلَ بينهما، بل يأتي بمرَّاتِ المضمضةِ على حِدتها، ثمَّ بمَرَّاتِ الاستنشاقِ كذلك. وتُسَنُّ المبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ، فتُكرَهُ له، وفي بقيَّة الأعضاءِ مطلقًا. فالمبالغةُ في المضمضةِ: إدارةُ الماءِ بجميعِ الفَمِ. وفي استنشاقٍ: جَذْبُه بنَفَسٍ إلى أقصى أنفٍ (٢). والواجب أدنى إدارةٍ في مضمضة، وجذب ماءٍ إلى باطن أنفٍ في استنشاقٍ، وعن أبي هريرة قال: أمرَنا رسولُ الله ﷺ بالمضمضةِ وبالاستنشاقِ (٣). والأمرُ للوجوب ما لمْ يصرفهُ صارفٌ، ومداومتُه ﷺ تدلُّ على وجوبِهما؛ لأنَّ فعله ﷺ يصلحُ أنْ يكونَ بيانًا لأمر الله تعالى، وبوجوبهما قال ابنُ المبارك وابن أبي ليلى (٤). انتهى. دنوشري مع زيادة. (أنه توضَّأ فدعا إلخ) أي: أراد أن يتوضَّأَ. (ثم قال: إنّ النبيَّ ﷺ … إلخ) أي: عثمان توضَّأَ كما توضَّأ ﷺ . (مطلقًا) قال في "شرح المنتهى" (٥): في الوضوء والغُسْل، ومع الصومِ والفطر.

стр. 307

ثمَّ يغسلُ وجهَه مِنْ مَنبتِ شَعَرِ الرَّأسِ المعتادِ فلا يكفي مجرَّدُ وضعِ ماءٍ فيهما. والمبالغةُ في بقيَّة الأعضاءِ: دَلْكُ ما ينبو عنه الماء. (ثمَّ يغسلُ وجهَه) للنَّصِّ، فيأخذُ الماءَ بيديه أو بيمينِه ويضمُّ إليها الأخرى، ويغسلُه بهما ثلاثًا. وحدُّ الوجه: (من مَنبت) أي: موضعِ نبات (شَعَرِ الرأسِ المعتادِ) غالبًا، فلا عِبْرةَ بالأَفْرع: الذي ينبتُ شَعَرُه في بعضِ جبهتِه. ولا بالأجْلَحِ: الذي انْحَسَرَ شعُره عن مقدَّم رأسه (١) (دلكُ ما ينبو عنه الماء) أي: المحلّ الذي يتباعد ويرتفع عنه الماء، والدلكُ: إمرارُ اليد على الأعضاءِ المغسولة. دنوشري. (ثم يغسلُ وجهَهُ) أي: ثمَّ بعدَ المضمضة والاستنشاق يغسل وجهه. (ثلاثًا) أي: ثلاثَ غسلات، الأولى فرضٌ، والثانيةُ والثالثة سنَّتان حيثُ عمَّت الأولى. ولو عطف بالواو بدل "ثمَّ" في هذا المحلِّ لكان أَولى وأنسب؛ لعدم إيهام الترتيب المفروض بينهما وبين الوجه، وأما العطف في بقيَّة الفروض بـ: "ثمَّ" المقتضية للترتيب، فهو على بابه، وقد يُقالِ: إنَّ "ثمَّ" هنا على بابها من حيثُ الترتيبُ المسنون، كتقديمِ اليمنى على اليسرى في غسلِ اليدين على الرجلين. انتهى. دنوشري. (وحدُّ الوجه) طولًا من منابت (شعرِ الرأسِ المعتادِ غالبًا) وهي مبدأ تسطيح الجبهةِ، فلا عبرةَ بالأغمِّ الأفرع، بالفاء: وهو الذي ينبتُ شعرُه في بعضِ جبهتِه إلى قربِ وجهِه، ولا بالأصلعِ الأجلح: الذي انحسرَ شعرُه عن مُقَدَّم رأسِه. فالواجبُ على المتوضئِ أنْ يغسلَ وجهَه في هاتين المسألتينِ من المحلِّ المعتاء لإنباتِ شعرِ غالبِ الرأس، لا من منابت شعره هو حيثُ كان أغمَّ أفرعَ، فيغسلُ بعض الجبهةِ الذي نبتَ عليه الشعرُ وجوبًا. أو كانَ أصلعَ منحسرًا شعرُه عن مُقدَّم رأسِه، فإنَّه لا يجبُ عليه أنْ

стр. 308

مَعَ ما انحدَر مِنَ اللَّحْيين والذَّقَنِ طولًا، (مع ما انْحَدَرَ من اللَّحيين) تثنية لَحْي، بفَتْحِ اللام وكسرِها، وهو كما في "المصباح" (١): عظمُ الحَنَك، أي: ما عليه الأسنانُ. قال: وهو من الإنسانِ حيثُ ينبتُ الشعرُ، وهو أعلى وأسفلُ، وجمعُه: ألْحٍ، بفتحٍ فسكونٍ فكسرٍ، ولُحِيٌّ، بضمٍّ فكسرٍ فتشديد. (والذَّقَنِ) بفتحتَيْن: مجمعُ اللَّحيين (٢) (طولًا) أي: من جهةِ الطُّول. يغسلَ ما انحسرَ عنه الشعرُ من مُقدَّمِ الرأس ممَّا علا على المنبتِ المعتادِ، وهو موضعُ الصلع؛ لأنَّه من الرأس، وإنَّما يجبُ على المتوضئِ أنْ يغسلَ وجهَه من المعتادِ في غالبِ الناس فقط. ويجبُ عليه غسلُ جزءٍ من رأسِه ورقبتِه، وما تحتَ ذَقنِه مع الوجه؛ لأنَّه لا يتحقَّق استيعابُ الوجهِ إلَّا بذلك. دنوشري بإيضاح. (مع ما انحدرَ من اللَّحْيَيْن) أي: وينتهي غسلُ الوجه إلى النازلِ، أي: المنحدرِ من اللَّحْيَيْنِ: وهما العظمانِ اللذانِ في جانبي الوجهِ قد اكتنفاه، وعليهما ينبت شعر اللحية. (ولُحِيٌّ) عطف على "أَلْح" أي: وجمعه: أَلْحٍ ولُحِيٌّ، فـ "لَحْيٌ" له جمعان (٣). وينتهي غسلُ الوجه أيضًا إلى الذَّقَن، بفتح الذال المعجمة والقاف، وهو مجمعُ اللَّحْيَيْن، وهو حدُّ الوجه طولًا، فيحبُ غسلُ ذلك جميعه مع مسترسلِ شعر اللحية طولًا، ويجبُ غسلُ ما خرجَ عن حدِّ الوجه من الشعر طولًا وعَرْضًا وفاقًا للحنفيَّة، وهو ظاهر [المذهب، وعنه: لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولًا وعَرْضًا] (٤)، وهو ظاهر عبارة الخرقي في المسترسل، كما لا يجب غسل ما استرسلَ من شعرِ الرأس، والمذهب الأوَّلُ، وهو أصحُّ؛

стр. 309

وما بينَ الأُذنين عَرْضًا، (و) حَدُّ الوجْهِ (ما بين الأُذنين) أي: من الأُذُنِ إلى الأُذُنِ (عَرْضًا) أي: من جهةِ العَرْضِ، وإنَّما كان ما ذكر حدَّ الوجه؛ لأنَّ به تحصلُ المواجهة، فيدخل فيه عِذَارٌ: وهو شَعَرٌ نابتٌ على عَظْمٍ ناتيء يُسامِتُ صِماخَ الأُذُنِ -بكسر الصَّاد المهملة (١) - أي: خرقَها. وكذا بياضٌ بين عِذار وأذن. نصَّ عليه الخِرَقي (٢). خلافًا لمالكٍ لأنَّ اللحيةَ تُشارك الوجهَ وتوافقه في معنى المواجهة، بخلاف ما نزلَ من مسترسل شعر الرأس وخرج عنه؛ لعدم مشاركته للرأس في الترؤُّس، فيسقطُ مسحُ ما استرسل منه. دنوشري مع زيادة. (وما بين الأذنين عَرْضًا) أي: ويغسلُ وجهَهُ من الأذنِ إلى الأذن، وهو حدُّه عَرْضًا؛ لأنَّ المواجهةَ تقعُ بذلك أيضًا، فيجبُ غسلُ ما بينهما من الرأس، وإنَّ البياضَ الذي بين العِذارِ والأذن من الوجه. نصَّ عليه شيخُ الإسلام الخرقيُّ رحمه الله تعالى، وعلَّلَهُ غيرُه بقولِه: لأنَّه يجبُ غسلُه في حقِّ غير الملتحي، فكذا غيرُه. وحيث حدَّدنا الوجهَ بهذين الحدَّين، فيدخلُ في حدِّه عِذارٌ، فيجبُ غسلُه كاللِّحية، وقد عرَّفه الشارح. ويدخل في حدِّ الوجه أيضًا عارضٌ: وهو ما تحتَ العِذار، وينتهي إلى ذَقَنٍ، فالعارضُ هو الشعرُ النابتُ على الخدِّ واللَّحيين، ويدخلُ أيضًا الحاجبان، وأهداب العينين، والشارب، والعنفقة، فيجبُ غسلُ ذلك جميعه ظاهرًا وباطنًا حيث كان خفيفًا، ولا يدخلُ في حدِّ الوجه صُدْغٌ، وقد عرَّفه الشارح، وهو من الرأس؛ لحديث: "مسحَ رسولُ الله ﷺ

стр. 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﵀ (١)، وهو مما يغفُل النَّاسُ عنه. لا صُدْغ: وهو ما فوقَ العِذار يحاذي رأسَ الأُذُنِ وينزلُ عنه قليلًا (٢). ولا تحذيف: وهو الخارجُ إلى طَرَفَيِ الجبينِ بين النَّزَعة ومُنتهى العِذَار (٣). ولا النَّزعتان: وهما ما انْحَسَر عنه الشَّعَرُ من فَوْدَيِ الرأس، أي: جانبي مقدَّمه (٤)، بل ذلك (٥) من الرَّأس فيُمسحُ معه. برأسِه وصُدْغَيه وأذنيه مرَّةً واحدةً". رواه أبو داود (٦). فدلَّ ذلك على أنَّ الصُّدْغَ من الرأس، لا من الوجهِ. ولا يدخلُ أيضًا في حدٌ الوجهِ تحذيفٌ، وقد عرَّفَهُ الشارح. قال في "الإنصاف": الصدغُ والتحذيفُ من الرأس على الصحيح من المذهب، واختاره في "الكافي" (٧)، والمجد، وقال: [هو] ظاهر كلام الإمام أحمد (٨). وسمِّي تحذيفًا؛ لجريانِ عادة النساء بحذفِ تلك الشعورِ. ولا يدخلُ أيضًا في حدِّ الوجه النَّزَعَتان، وهما البياضان المكتنفان للناصية أعلى الجبين، وليستا من الوجه؛ لأنَّهما في حدِّ تدوير الرأس، ولا تحصلُ بهما المواجهة، وقال ابن عقيل: هما من الوجه؛ لقول الشاعر:

стр. 311

وما فيه من شَعر خفيفٍ، وظاهرَ الكثيفِ، ويخلِّلُ باطنَه، (و) يغسل وجوبًا (ما فيه) أي: في وجهه (من شَعَر خفيف) أي: يصفُ البشرةَ، فيغسل شعور الوجه الخفيفة، ويغسل ما تحتها من البَشَرة؛ لأنَّ مالا يسترُه الشَّعَرُ يشبه الخاليَ، وغسلُ الشَّعَرِ تبعًا للمحلِّ. (و) يَغْسِلُ وجوبًا من شَعَرِ الوجه (ظاهرَ الكثيف) أي: الساتر للبشرة من لحية وعَنفَقةٍ (١) وشارِبٍ وحاجبين، ولو لأنثى وخُنثى (ويُخلِّل) ندبًا (باطنَه) أي: باطنَ الشَّعَر الكثيف، فيخلِّل لحيتَه الكثيفةَ بكفِّ من ماءٍ يضعُه من تحتِها بأصابعِهِ متشبكة (٢) في اللّحية، أو من جانبها وَيعْرُكها (٣). فإن كان بعضُ شَعَرِه خفيفًا وبعضُه كثيفًا، فلكلِّ حكمهُ. ولا تَنْكحِي إنْ فرَّقَ الدهرُ بيننا … أغمَّ القفا والوجهِ ليس بأنزعَا (٤) وقد يُقَال: إنَّهما إنَّما أُطلِق عليهما أنَّهما من الوجه، وقولُ الشاعر من باب المجاز؛ لمجاورتهما إيَّاه. وقال القاضي: هما من الرأس، وهو الصحيح؛ لدخولهما في حدِّ الرأس؛ لأنَّ الرأسَ كل ما تَرأَسَ وعَلا، فعلى القولين ينبغي غسلُهما مع الوجه، ومسحُهما مع الرأس. فتلخَّصَ من هذا أنَّ الصدغَ والتحذيفَ والنَّزَعتان جميعُ ذلكَ من الرأسِ، فيمسحُ معه. انتهى. دنوشري مع زيادة. (ممَّا يغفُلُ) بابه: نَصَرَ يَنْصُرُ. (ويغسلُ وجوبًا ما فيه من شعرٍ خفيف) فلا يجزئُ غسلُ ظاهرِ جميعِ شعرِ الوجه من لحية إلخ، حيثُ كانَ ذلك خفيفًا، فيجبُ غسلُ البشرةِ معه؛ لأنَّها غيرُ مستورةٍ بالشعرِ، أشبهت التي لا شَعرَ عليها، ويجبُ غسلُ الشعرِ تبعًا للمحلِّ؛ لأنَّه نابتٌ به، إلَّا أنْ يكونَ

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسُنَّ غَسْلُ باطنِ شَعَرٍ كثيفٍ غيرِ شعر لحيةِ الذَّكَرِ فيخلِّلُها فقط. ويجب غَسْلُ ما خرج عن حدِّ الوجه من الشَّعَرِ المُسْتَرْسِل؛ لمشاركتِه للوجه في المواجَهة، بخلافِ ما نزل من الرأس؛ لعدم مشاركتِه له في الترؤُّس. ولا يجبُ غَسْلُ داخل عينٍ لحدث أو نجاسةٍ، بل ولا يُسَنُّ ولو أُمِنَ الضَّررُ، بل يُكره. الشعرُ كثيفًا، لا يصف البشرةَ، أي: لا تُرَى منه البشرةُ، فيجزئُ غسلُ ظاهرِه حينيذٍ؛ لتعلُّقِ الحكمِ به في الوضوء، دونَ ما تحتَه من البشرةِ؛ لحصولِ المواجهةِ به، ولكنْ يسنُّ تخليلُه، أي: يسنُّ تخليلُ الشعرِ الكثيفِ الذي لا يصفُ البشرةَ. قال في "الإنصاف" (١): يُكرَه غسلُ باطنِ اللحية الكثيفة على الصحيح من المذهب. قال في "الرعاية": ويكرهُ غسلُ باطنِها في الأشهرَ. (ولا يجب) بل: ولا يسنُّ (غسلُ داخلِ عينٍ) في وضوءٍ ولا غُسْلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما فعلَه، ولا أمرَ به عندهما، وقد فعلَه بعضُ السلف كابنِ عمر، وابنِ عباس؛ لأنَّه يشاركُ الوجهَ في المواجهة به، فحصلَ لهما الضررُ، وانكفَّ بصرُهما في آخرِ عمرهما من المداومةِ على ذلك (٢).

стр. 313

ثمَّ يدَيه مع مِرْفقَيه ثلاثًا. (ثمَّ) يَغْسِلُ (يديه مع مِرْفقيه) للنصِّ (ثلاثًا) لحديثِ عثمان وغيرِه (١)، حتى مع أصبع ولا يستحبُّ (٢) غسلُ داخلِ العينِ من نجاسةٍ، ولو أَمِنَ الضررَ، بل يكره، وقيل: يجب من نجاسةٍ. والصحيحُ الأوَّلُ، لكن إنَّما يعفى عنها ما دامت بمحلِّها فإذا خرجت، فالواجب غسل ما انتقل بالدمع. "فائدة": يغترفُ ماءَ الوضوءِ بيديه، أو يغترفُ بيمينه، ويضُمُّ إليها الأُخرى. ويُستحبُّ التكثيرُ في ماءِ الوجه؛ لأنَّ فيه غُضُونًا -جمع غَضْن، وهو التَّثَنِّي- ودواخلَ وخوارجَ، ليصل الماءُ إلى جميعِه ويعمَّهُ بالماء. وفي حديث الإمام أحمد: كان النبيُّ ﷺ يتعاهد المأقين (٣). وهما مجرى الدمع من العين. انتهى. دنوشري مع زيادة. (وحاجِبَيْن) سُمِّيا حاجِبَيْن؛ لأنَّهما يحجبانِ عن العينِ شعاع الشمسِ. (وسُنَّ غسلُ باطن شعرٍ) خروجًا من خلافِ من أوجبَه. (فيخلِّلُها فقط) فيُكْرَه غسلُ باطنِها على الصحيح من المذهب، وإنَّما المسنونُ تخليلُها. "إنصاف" (٤). (ثمَّ يغسلُ يدَيْه مع مرفقَيْه) يعني: ثمَّ بعدَ غسلِ وجهِه، يغسلُ يدَيْه مع مرفقَيْه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] أي: معها؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، وهو المراد هنا كما تقدَّم، ولما روى الدارقطني عن جابرٍ

стр. 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . زائدةٍ وظُفرٍ ولو طال، ويدٍ أصلُها بمحلِّ فرضٍ أو غيره، ولم تتميَّز. قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا توضَّأَ أمَرَّ الماءَ على مرفقَيْه (١). وهذا بيانُ الغَسْل المأمورِ به في الآية الكريمة، أو يقال: إنَّ اليدَ تطلقُ حقيقةً إلى المَنْكِب، وكلمةُ "إلى" أخرجتْ ما عدا المِرْفَق، ويجب غسل ما على كلِّ واحدةٍ منهما من سِلْعَةٍ (٢)، وشعورٍ خفيفةٍ وكثيفة. "فائدة": قال في "المبدع": وإن تدلَّت جِلْدة إلى محلِّ الفرض، أو منه، غُسِلَت، وقيل: إنْ تدلَّتْ من محلِّ الفرضِ، غُسِلَت، وإلَّا فلا، ذكره ابن تميم. والمذهبُ الأوَّلُ. وإنْ التحمَ رأسُها في محلِّ الفرضِ، وجبَ غسلُ ما فيه منها. وإذا انكشَطتْ جِلْدةٌ من اليد وقامَتْ، وجبَ غَسْلُها، وإنْ كانت غيرَ حسَّاسَةٍ، كما ذكره في "الإنصاف" (٣). ويجب غسل المرفقين مع إصبعٍ زائدة، ومع غسلِ يدٍ زائدة أيضًا، حيثُ كانَ أصلُها نابتًا بمحلِّ الفرضِ، فيجبُ غسلُها مطلقًا، سواءٌ تميَّزت، أو لم تتميَّز؛ لأنَّ ذلك زيادةٌ بمحلِّ الفرضِ، أشبهت العضوَ الأشلَّ إذا كان أصليًّا، أو كان أصلُها نابتًا بغيرِ محلِّ الفرض، ولم تتميَّز، أي: لم تعلم الزائدةُ من الأصليَّة، بأن استوتا في الخِلْقةِ والعمل، فيجبُ غَسْلُهما حينئذٍ؛ لتخرج من العهدة بيقين، كما لو تنَّجسَت إحدى يَديْه أو رجلَيْه، وجهلَها. وفُهِم من قوله: (ولم تتميَّز) أنَّ الزائدةَ إذا تميَّزَت عن الأصليَّة، لم يجب غسلُ الزائدة، حيثُ كانت بغير محلِّ الفرض، ويجبُ غسل اليدِ الأصليَّةِ والزائدةِ التي لم تتميّز مع أظفارٍ وإنْ طالت؛ لأنَّها متَّصِلةٌ بالأصابع بأصلِ الخِلْقة، فدخلَتْ في مسمَّى اليد. انتهى. دنوشري مع زيادة.

стр. 315

ويُعفى عن يسيرِ وَسَخٍ تحتَ ظُفْرٍ. ثمَّ يمسحُ رأسَه، (ويُعفَى) في الوضوء (عن يَسيرِ وَسَخٍ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، أي: عن وسخٍ يسيرٍ (تحتَ ظُفْر) ونحوِه كشعر ولو منع وصولَ الماء؛ لكثرةِ وقوعه عادةً، فلو لم يصحَّ معه الوضوء، لَبَيَّنه النبيُّ ﷺ ؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة. ومَن خُلق بلا مِرْفَق، غَسَلَ إلى قدرهِ في غالب النَّاس. (ثمَّ يمْسَحُ) جميعَ ظاهر (رأسه) قياسًا على مَسْحِ الوجه في التيمُّم في وجوبِ (ويُعفَى عن يسيرِ وسخٍ) يعني أنَّه لا يَضُرُّ وجودُ وسخٍ يسيرٍ تحتَ ظفرٍ، ونحوه، كداخلِ أنفٍ، وما يكونُ بفتوقِ الرِّجْلِ من الوَسَخِ. وألحقَ الشيخُ تقيُّ الدين كلَّ يسيرٍ مَنَعَ حيث كان على البدن، كدمٍ وعجينٍ ونحوهما، واختاره (١). ولا يضرُّ طعامٌ متخلِّفٌ بين أسنانه، ولو كان ذلك يمنعُ وصولَ الماء إلى البشرة؛ ولأنَّ هذا مما يكثُر وقوعُه عادةً، ولو لم يصحَّ الوضوءُ معه، لبيَّنهُ صلى الله عليه، ولِمَا في ذلك من المشقَّة والحرج، فعُفي عنه. (ويُعفَى في الوضوء) قيَّدَ بالوضوء ليُفْهَم أنَّه لا يُعفَى عنه في غير الوضوء؛ لعدمِ تكررِ غير الوضوء، كالغُسْل، فإنَّه لم يرتفع الحدثُ معه؛ لأنَّ العادةَ لم تَجْرِ به. كما نقله الشارح عن مشايخه النجديين. (ومن خلق بلا مِرْفَقٍ إلخ) أي: من خُلِق بلا مِرْفَقٍ، غَسَل إلى قدرِ مرفقٍ في غالبِ الناس؛ لأنَّ الحكمَ يُنَاطُ بالأعمِّ الأغلبِ، فلا عبرةَ بالذراعِ الطويلِ ولا القصيرِ، وإنَّما المعتبرُ الوسطُ، وهو الغالبُ في الناسِ، فيجبُ الغَسْل بقدرِه. (ثم يمسحُ جميعَ ظاهرِ رأسِه) يعني: ثمَّ بعدَ غسلِ يدَيْه مع مرفقَيْه يمسحُ بالماءِ جميعَ ظاهرِ رأسِه، أي: بماءٍ جديدٍ استحبابًا، فلو مسحَ البشرةَ دونَ الشعرِ، لم يجزئه، ذكرًا كان

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاستيعاب؛ بجامعِ الأمر بمسحهما، ولأنَّه ﵊ مَسَحَ جميعَه (١)، وفِعلُه يبيِّن الآية. أو أُنثى. وهو فرضٌ بالإجماع، وسنده النصُّ، ويعتبرُ بغالبِ الناس، فلا عبرةَ بالأفرع، ولا بالأجلح، كما سبق في حدِّ الوجه، ولأنَّ اللهَ أمرَ بمسحِ الرأسِ في الوضوء، وبمسح الوجه في التيمُّم، فوجبَ الاستيعابُ فيهما، ولأنَّه ﵊ مسحَ جميعَ رأسِه، وفعلُهُ وَقَع مبيِّنًا للآيةِ الكريمة. والباء فيهما للإلصاقِ، أي: ألصِقُوا المسحَ برؤوسِكم، لا ما استرسلَ منه، وأمَّا دعوى أنَّ الباءَ إذا وليتْ فعلًا متعدِّيًا، أفادت التبعيضَ في مجرَّدِها، فغيرُ مسلَّمٍ؛ دفعًا للاشتراك، ولإنكار الأئمَّةِ ذلك. قال أبو بكر: سألتُ ابنَ دريد (٢) وابنَ عرفة عن الباء للتبعيض؟ فقالا: لا نعرنه. قال ابن بَرهَان: من زَعَم أنَّ الباءَ للتبعيض، فقدجاءَ عن أهلِ اللغة بما لا يعرفونه. وأمَّا قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الأنسان: ٦]، وقول الشاعر: شربنَ بماءِ البحر (٣) فمن باب التضمين، كأنَّه قيل: يروى (٤).

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والرأسُ من حدِّ الوجه إلى ما يُسمَّى قَفا، ويكون بماءٍ جديدٍ غيرِ ما فَضَلَ عن ذراعيه، وكيفما مَسَحَه، أجزأ، ولو بأصبع أو نحوِ خِرْقة، حتى لو أصابه ماءٌ فأمَرَّ يدَه عليه. والمسنونُ أن يبدأَ بيديه مَبْلولَتين من مقدَّم رأسه، فيضعَ طرفَ إحدى سبابتَيْه على وما روي أنَّه ﵊ مسحَ مقدَّمَ رأسِه، فمحمولٌ على أنَّ ذلك مع العمامة، كما جاءَ مفسَّرًا في حديث المغيرة بن شعبة (١). ولا يجبُ مسحُ ما استرسلَ من شعر الرأس؛ لأنَّ الرأسَ كلُّ ما علا وارتفع، وفُهِم من قوله: "ظاهر رأسه" أنَّه لو مسحَ ما تحتَ الشعرِ من البشرةِ فقط، لم يجزئه، كما لو غَسَل باطنَ اللحيةِ دون ظاهرِها، فلو حَلَقَ البعضَ فنزلَ عليه شعرُ ما لم يَحلِق، أجزأَه المسحُ عليه. قاله في "الإنصاف" (٢). وقال في "الإقناع" (٣): وإن نزلَ الشعرُ عن منبته، ولم ينزلْ عن محلِّ الفرض، فمسحَ عليه، أجزأَه، ولو كان الذي تحت النازل محلوقًا. انتهى. وابتداءُ مسحٍ يكون من حدٌ أعلى الوجه، وانتهاؤُه إلى ما يُسمَّى قفا، بالقصر. والبياضُ الذي فوقَ الأذنينِ من الرأس؛ لأنَّ الرأسَ اسمٌ لما ترأَسَ وعلا، فيجبُ مسحُه (٤) معه، وذَكرَ جماعةٌ أنَّه ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه. وفهم من قوله: فوق الأذنين، أنَّ البياض الذي تحتَ الأذنين وخلفهما، ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه ولا غسله قولًا واحدًا. والكيفيَّةُ المسنونةُ في المسح أنَّه يضعُ طَرَفَ إحدى سبابتَيْه على طَرَفِ الأُخرى، ويضعُ

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . طَرَفِ الأُخرى، ويضعَ إبهامَيْه على صُدْغيه، ثمَّ يُمِردّهما على قفاه، ثمَّ يردّهما إلى مقدَّمه -ولو خاف انتشارَ شَعَرِه- بماءٍ واحد، فلو وضع نحوَ يده، على رأسه مبلولًا بلا مَسْحٍ، لم يجزئْه، ويجزئ غسلُه مع الكراهة إن أمرَّ يدَه وإلَّا، فلا، ما لم يكنْ جُنبًا وينوي الطهارتين. الإبهامَيْنِ على الصُّدْغين، ثمَّ يُمِرُّ يدَيْه من مقدَّمِه إلى قفاه، ثم يَرُدُّ بدَيْه إلى الموضعِ الذي بدأَ منه، وهو مقدَّمُ الرأسِ، مسحةً واحدةً؛ لحديثِ: مسحَ رسولُ الله ﷺ رأسَه بيدَيْه، فأقبلَ بهما وأدبرَ، بدأ بمقدَّمِ رأسِه، ثمَّ ذهبَ بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهُما إلى المكانِ الذي بدأَ منه. رواهُ الجماعة (١). فإنْ كانَ ذا شعر يخافُ أن ينتفشَ بِرَدِّ يدَيْه، لم يردَّهُما. نصَّ عليه الإمامُ أحمد، لأنَّه قد رُوي عن الرُّبَيِّع أنَّ رسولَ الله ﷺ توضَّأَ عندَها، فمسَحَ الرأسَ كلَّه، من فَرْقِ الشعر، كلَّ ناحيةٍ لمصبِّ الشعرِ، لا يحرِّكُ الشعرَ عن هيئته. رواه أبو داود (٢). وعنه: تبدأُ المرأةُ من وسطهِ إلى مقدَّمِه، ثمَّ من الوسطِ إلى مؤخَّرِه. قال في "المغني" و"الشرح": وكيفَ مسحَ بعدَ استيعاب [قدرِ] الواجبِ، أجزأَه (٣). وفُهِم من قوله: يُمِرُّ يدَيْه. أنَّه لو وضعَ يدَهُ مبلولةً على جميعِ رأسِه، أو بلَّها وهي عليه، ولم يمرَّ يدَه، لم يجزئه في الأصحِّ؛ لأنَّه مع عدمِ الإمرار، لم يحصل المسحُ المأمورُ به. دنوشري مع زيادة. (قياسًا) أي: يمسحُ جميعَ ظاهرِ الرأس؛ لأجل القياس، فهو منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لأجله. (ما لم يكن جنبًا إلخ) أي: فإنَّه إذا كانَ جُنُبًا واغتسلَ، فإنَّه لا يجبُ أنْ يُمِرَّ يدَه على

стр. 319

ثمَّ أُذنيه (ثمَّ) يَمسَحُ (أذنيه) رأسِه بالمسح، فإنَّه ليسَ من فروضِ الغُسلِ، ولا من شروطِه. (ثمَّ يمسحُ أذنيه) أي: ثمَّ بعدَ أن يمسحَ رأسَه، يُدخِلُ سبابتَيه في صِماخي أذُنيه، ويمسحُ بإبهامَيه ظاهرَهُما، ويمسحُ بسبابتَيه باطنَهُما. وهذه الصفةُ المسنونةُ في مسحِ الرأسِ والأذنين؛ لحديثِ: مسحَ ﷺ برأسِه وأذنيهِ، باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهامَيه (١). ولا يجبُ مسحُ ما استترَ بالغضاريف؛ لأن الرأسَ الذي هو الأصلُ لا يجبُ مسحُ المستترِ منه بالشعر، حيثُ لم يخرج عن حدِّ الفرض، فأُذُنٌ من باب أولى. ويجزئُ المسحُ كيف مسح، أي: على أي حالةٍ كانت، وبأي آلةٍ، فيكفي المسحُ بيده، وبحائلٍ كخشبةِ (٢) وخِرْقَةٍ مبلولتين حيث وصلت البِلَّة إلى الشعر. ويجزئُ عن مسحِ الرأس في الوضوء غَسلٌ، بأنْ يوصِلَ الماءَ إلى ظاهرِ شعرِ رأسِه وبشرتِه، مع إمرارِ يدِه؛ لما رُوي عن معاوية أنه توضَّأ للنَّاس، كما رأى النبي- ﷺ -يتوضأ، فلمَّا بلغَ رأسَه غَرَفَ غَرفَةً من ماء، فتلقاهَا بشمالِه، حتى وضَعَها على وَسَط رأسه، حتى قَطَر الماءُ، ثمَّ مسَح من مقدَّمِه إلى مؤخَّرِه، ومن مؤخرِه إلى مقدَّمه. رواه أبو داود (٣). ولأنَّه إذا أمَرَّ يَده مع الماءِ، فقد وجِد المسحُ المأمورُ به في الآية الكريمة، وعنه: يجزئُه غَسلُه، ولو لم يمرَّ يدَه. والأوَّلُ المذهب؛ لأنَّ فرضَ الرأسِ المسحُ، لا الغَسلُ. أو

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ظاهرَهما وباطنَهما؛ لأنَّهما من الرَّأس كما في حديثٍ رواه ابنُ ماجه، وتقدَّم (١). والبياضُ فوقهما تحتَ الشَّعَر من الرأس، فيجب مسحُه معه، وكيف مَسَحَهما، أجزأ. إصابة ماء، بالرفع عطفٌ على قوله: غسل (٢)، يعني: إذا أصابَ رأسَ المتوضِّئِ ماءٌ، بأنْ عَرَّضَ رأسَه لمطرٍ، أو ميزابٍ، فإنَّه إنَّما يُجزِئ مع إمرارِ يدِه على رأسِه، وإلَّا فلا؛ لأن مُجرَّدَ حصولِ الماءِ على رأسه لا يجزئه، فمتى وضعَ يدَهُ على ذلك البللِ، ومسحَ به رأسَه، فقد مسحَ بماءٍ غيرِ مستعمل، فصحت طهارتُه. قال في "الفروع" (٣): وإنْ أصابَه ماءٌ، أجزأهُ إن أمَرَّ يده. انتهى. ولا يستحبُّ تكرار مسح الرأس؛ لما روى ابن عباس أنَّه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكرَ الحديثَ كلَّه، ثلاثًا ثلاثًا، وقال: ومسحَ برأسه وأذنيهِ مسحة واحدةً. رواه أبو داود والإمام أحمد (٤). وفعلُه ﷺ مبينٌ لمَا وجبَ في المسحِ، ولأنه مسح في طهارةٍ عن حدث، فلم يُسَنَّ تكرارُه، كالمسح على الجبيرة، والخُفَّين، والوجه واليدَين في التيمم. انتهى. دنوشري مع زيادة. (ظاهرَهُما وباطنهما) قال في "الإقناع" و"شرحه" للمصنِّف (٥): وإن حصل في بعض أعضائه شَقٌّ أو ثقبٌ، لزمه غسله في الطهارتين؛ لأنه صار في حُكمِ الظاهر، فينبغي التيقُّظُ
следующие страницы →