← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاستيعاب؛ بجامعِ الأمر بمسحهما، ولأنَّه ﵊ مَسَحَ جميعَه (١)، وفِعلُه يبيِّن الآية. أو أُنثى. وهو فرضٌ بالإجماع، وسنده النصُّ، ويعتبرُ بغالبِ الناس، فلا عبرةَ بالأفرع، ولا بالأجلح، كما سبق في حدِّ الوجه، ولأنَّ اللهَ أمرَ بمسحِ الرأسِ في الوضوء، وبمسح الوجه في التيمُّم، فوجبَ الاستيعابُ فيهما، ولأنَّه ﵊ مسحَ جميعَ رأسِه، وفعلُهُ وَقَع مبيِّنًا للآيةِ الكريمة. والباء فيهما للإلصاقِ، أي: ألصِقُوا المسحَ برؤوسِكم، لا ما استرسلَ منه، وأمَّا دعوى أنَّ الباءَ إذا وليتْ فعلًا متعدِّيًا، أفادت التبعيضَ في مجرَّدِها، فغيرُ مسلَّمٍ؛ دفعًا للاشتراك، ولإنكار الأئمَّةِ ذلك. قال أبو بكر: سألتُ ابنَ دريد (٢) وابنَ عرفة عن الباء للتبعيض؟ فقالا: لا نعرنه. قال ابن بَرهَان: من زَعَم أنَّ الباءَ للتبعيض، فقدجاءَ عن أهلِ اللغة بما لا يعرفونه. وأمَّا قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الأنسان: ٦]، وقول الشاعر: شربنَ بماءِ البحر (٣) فمن باب التضمين، كأنَّه قيل: يروى (٤).

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والرأسُ من حدِّ الوجه إلى ما يُسمَّى قَفا، ويكون بماءٍ جديدٍ غيرِ ما فَضَلَ عن ذراعيه، وكيفما مَسَحَه، أجزأ، ولو بأصبع أو نحوِ خِرْقة، حتى لو أصابه ماءٌ فأمَرَّ يدَه عليه. والمسنونُ أن يبدأَ بيديه مَبْلولَتين من مقدَّم رأسه، فيضعَ طرفَ إحدى سبابتَيْه على وما روي أنَّه ﵊ مسحَ مقدَّمَ رأسِه، فمحمولٌ على أنَّ ذلك مع العمامة، كما جاءَ مفسَّرًا في حديث المغيرة بن شعبة (١). ولا يجبُ مسحُ ما استرسلَ من شعر الرأس؛ لأنَّ الرأسَ كلُّ ما علا وارتفع، وفُهِم من قوله: "ظاهر رأسه" أنَّه لو مسحَ ما تحتَ الشعرِ من البشرةِ فقط، لم يجزئه، كما لو غَسَل باطنَ اللحيةِ دون ظاهرِها، فلو حَلَقَ البعضَ فنزلَ عليه شعرُ ما لم يَحلِق، أجزأَه المسحُ عليه. قاله في "الإنصاف" (٢). وقال في "الإقناع" (٣): وإن نزلَ الشعرُ عن منبته، ولم ينزلْ عن محلِّ الفرض، فمسحَ عليه، أجزأَه، ولو كان الذي تحت النازل محلوقًا. انتهى. وابتداءُ مسحٍ يكون من حدٌ أعلى الوجه، وانتهاؤُه إلى ما يُسمَّى قفا، بالقصر. والبياضُ الذي فوقَ الأذنينِ من الرأس؛ لأنَّ الرأسَ اسمٌ لما ترأَسَ وعلا، فيجبُ مسحُه (٤) معه، وذَكرَ جماعةٌ أنَّه ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه. وفهم من قوله: فوق الأذنين، أنَّ البياض الذي تحتَ الأذنين وخلفهما، ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه ولا غسله قولًا واحدًا. والكيفيَّةُ المسنونةُ في المسح أنَّه يضعُ طَرَفَ إحدى سبابتَيْه على طَرَفِ الأُخرى، ويضعُ

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . طَرَفِ الأُخرى، ويضعَ إبهامَيْه على صُدْغيه، ثمَّ يُمِردّهما على قفاه، ثمَّ يردّهما إلى مقدَّمه -ولو خاف انتشارَ شَعَرِه- بماءٍ واحد، فلو وضع نحوَ يده، على رأسه مبلولًا بلا مَسْحٍ، لم يجزئْه، ويجزئ غسلُه مع الكراهة إن أمرَّ يدَه وإلَّا، فلا، ما لم يكنْ جُنبًا وينوي الطهارتين. الإبهامَيْنِ على الصُّدْغين، ثمَّ يُمِرُّ يدَيْه من مقدَّمِه إلى قفاه، ثم يَرُدُّ بدَيْه إلى الموضعِ الذي بدأَ منه، وهو مقدَّمُ الرأسِ، مسحةً واحدةً؛ لحديثِ: مسحَ رسولُ الله ﷺ رأسَه بيدَيْه، فأقبلَ بهما وأدبرَ، بدأ بمقدَّمِ رأسِه، ثمَّ ذهبَ بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهُما إلى المكانِ الذي بدأَ منه. رواهُ الجماعة (١). فإنْ كانَ ذا شعر يخافُ أن ينتفشَ بِرَدِّ يدَيْه، لم يردَّهُما. نصَّ عليه الإمامُ أحمد، لأنَّه قد رُوي عن الرُّبَيِّع أنَّ رسولَ الله ﷺ توضَّأَ عندَها، فمسَحَ الرأسَ كلَّه، من فَرْقِ الشعر، كلَّ ناحيةٍ لمصبِّ الشعرِ، لا يحرِّكُ الشعرَ عن هيئته. رواه أبو داود (٢). وعنه: تبدأُ المرأةُ من وسطهِ إلى مقدَّمِه، ثمَّ من الوسطِ إلى مؤخَّرِه. قال في "المغني" و"الشرح": وكيفَ مسحَ بعدَ استيعاب [قدرِ] الواجبِ، أجزأَه (٣). وفُهِم من قوله: يُمِرُّ يدَيْه. أنَّه لو وضعَ يدَهُ مبلولةً على جميعِ رأسِه، أو بلَّها وهي عليه، ولم يمرَّ يدَه، لم يجزئه في الأصحِّ؛ لأنَّه مع عدمِ الإمرار، لم يحصل المسحُ المأمورُ به. دنوشري مع زيادة. (قياسًا) أي: يمسحُ جميعَ ظاهرِ الرأس؛ لأجل القياس، فهو منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لأجله. (ما لم يكن جنبًا إلخ) أي: فإنَّه إذا كانَ جُنُبًا واغتسلَ، فإنَّه لا يجبُ أنْ يُمِرَّ يدَه على

стр. 319

ثمَّ أُذنيه (ثمَّ) يَمسَحُ (أذنيه) رأسِه بالمسح، فإنَّه ليسَ من فروضِ الغُسلِ، ولا من شروطِه. (ثمَّ يمسحُ أذنيه) أي: ثمَّ بعدَ أن يمسحَ رأسَه، يُدخِلُ سبابتَيه في صِماخي أذُنيه، ويمسحُ بإبهامَيه ظاهرَهُما، ويمسحُ بسبابتَيه باطنَهُما. وهذه الصفةُ المسنونةُ في مسحِ الرأسِ والأذنين؛ لحديثِ: مسحَ ﷺ برأسِه وأذنيهِ، باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهامَيه (١). ولا يجبُ مسحُ ما استترَ بالغضاريف؛ لأن الرأسَ الذي هو الأصلُ لا يجبُ مسحُ المستترِ منه بالشعر، حيثُ لم يخرج عن حدِّ الفرض، فأُذُنٌ من باب أولى. ويجزئُ المسحُ كيف مسح، أي: على أي حالةٍ كانت، وبأي آلةٍ، فيكفي المسحُ بيده، وبحائلٍ كخشبةِ (٢) وخِرْقَةٍ مبلولتين حيث وصلت البِلَّة إلى الشعر. ويجزئُ عن مسحِ الرأس في الوضوء غَسلٌ، بأنْ يوصِلَ الماءَ إلى ظاهرِ شعرِ رأسِه وبشرتِه، مع إمرارِ يدِه؛ لما رُوي عن معاوية أنه توضَّأ للنَّاس، كما رأى النبي- ﷺ -يتوضأ، فلمَّا بلغَ رأسَه غَرَفَ غَرفَةً من ماء، فتلقاهَا بشمالِه، حتى وضَعَها على وَسَط رأسه، حتى قَطَر الماءُ، ثمَّ مسَح من مقدَّمِه إلى مؤخَّرِه، ومن مؤخرِه إلى مقدَّمه. رواه أبو داود (٣). ولأنَّه إذا أمَرَّ يَده مع الماءِ، فقد وجِد المسحُ المأمورُ به في الآية الكريمة، وعنه: يجزئُه غَسلُه، ولو لم يمرَّ يدَه. والأوَّلُ المذهب؛ لأنَّ فرضَ الرأسِ المسحُ، لا الغَسلُ. أو

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ظاهرَهما وباطنَهما؛ لأنَّهما من الرَّأس كما في حديثٍ رواه ابنُ ماجه، وتقدَّم (١). والبياضُ فوقهما تحتَ الشَّعَر من الرأس، فيجب مسحُه معه، وكيف مَسَحَهما، أجزأ. إصابة ماء، بالرفع عطفٌ على قوله: غسل (٢)، يعني: إذا أصابَ رأسَ المتوضِّئِ ماءٌ، بأنْ عَرَّضَ رأسَه لمطرٍ، أو ميزابٍ، فإنَّه إنَّما يُجزِئ مع إمرارِ يدِه على رأسِه، وإلَّا فلا؛ لأن مُجرَّدَ حصولِ الماءِ على رأسه لا يجزئه، فمتى وضعَ يدَهُ على ذلك البللِ، ومسحَ به رأسَه، فقد مسحَ بماءٍ غيرِ مستعمل، فصحت طهارتُه. قال في "الفروع" (٣): وإنْ أصابَه ماءٌ، أجزأهُ إن أمَرَّ يده. انتهى. ولا يستحبُّ تكرار مسح الرأس؛ لما روى ابن عباس أنَّه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكرَ الحديثَ كلَّه، ثلاثًا ثلاثًا، وقال: ومسحَ برأسه وأذنيهِ مسحة واحدةً. رواه أبو داود والإمام أحمد (٤). وفعلُه ﷺ مبينٌ لمَا وجبَ في المسحِ، ولأنه مسح في طهارةٍ عن حدث، فلم يُسَنَّ تكرارُه، كالمسح على الجبيرة، والخُفَّين، والوجه واليدَين في التيمم. انتهى. دنوشري مع زيادة. (ظاهرَهُما وباطنهما) قال في "الإقناع" و"شرحه" للمصنِّف (٥): وإن حصل في بعض أعضائه شَقٌّ أو ثقبٌ، لزمه غسله في الطهارتين؛ لأنه صار في حُكمِ الظاهر، فينبغي التيقُّظُ

стр. 321

مرَّةَ، ثمَّ يغسلُ رجلَيْه مع كَعْبيه ثلاثًا، والمسنُونُ: أنْ يُدخِلَ سبَّابتيه في صِماخَيهما، ويمسحَ بإبهامَيْه ظاهرَهما، ولا يجبُ مَسحُ ما استتر بالغَضَاريف (١)، ويكونُ مسحُ رأسِه وأذنيه (مرّة) لأنَّ أكثرَ مَن وَصَفَ وضوءَ رسولِ الله ﷺ ذَكَرَ أنَّه مسح رأسَه واحدة. قال أبو داود (٢): أحاديثُ عثمانَ الصحَاحُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مسحَ الرأس واحدة. (ثمَّ يَغسِلُ رجليه مع كعبيه) للنصِّ (ثلاثًا) لحديث عثمان (٣) وغيرِه. والكعبان: هما العظمانِ الناتئانِ، أي: المرتفعانِ في جانبي الرِّجل. لثُقبِ الأذنِ في الغُسل، وأمَّا في الوضوء، فلا يجب مسحه، كالمستتر بالشعر، ولمَا فيه من الحرج. (ولا يجبُ مسحُ ما استتر بالغضاريف) جمعُ غضروف، داخلَ قُوفِ الأذن، أي: أعلاها أو مستدار سُمِّهَا (٤)، بضمِّ السين، وتشديدِ الميم مع الكسر، وفتحِ الهاء، وهو خَرقُ الأذن؛ لأنَّ السَّمَّ بمعنى الخَرق؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] والسَّم هو الخَرق. قال في "الإقناع" (٥): ولا يستحبُّ مسحُ عُنُقٍ، ولا تكرارُ مسحِ رأسٍ وأذنٍ. (والمسنونُ) أي: والمسحُ المسنون، فهو صفة لموصوفٍ محذوف، مبتدأ، وجملةُ: "أنْ يُدخِلَ" وما عطف عليه في محل رفع خبر. (مرَّةً:) بالنصب، خبر "يكون" المحذوفة مع اسمها، التي قدَّرَها الشارح. (ثم يَغْسِلُ رجلَيه مع كعَبيه) أي: ثمَّ بعدَ مسحِ رأسِه وأذنَيْه، يغسلُ رجلَيه مع كعبَيه، أي: كعبي كلِّ رجلٍ، وإلّا فهي أكعبٌ أربعةٌ؛ للآيةِ الكريمة، فلفظُ الكعبَين يوزَّع على كلِّ

стр. 322

ثمَّ يقولُ رافعًا بصرَه للسماءِ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريْكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. (ثمَّ) بعد فراغِه من الوضوءِ (يقولُ) ندبًا حالَ كونه (رافعًا بصرَه) ووَجهَهُ (للسماء: أشهدُ أن لا اله الا الله وحد. لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) لحديثِ عمرَ يرفعُه قال: "ما مِنْكم مِن أحَدٍ يتوضَّأ، فَيُبلِغُ -أو يُسبغ- الوضوءَ، ثمَّ يقول: … "وذكر ما فَرد من أفرادِ الأرجل، فيقتضي أنَّ كلَّ رِجلٍ تُغسَلُ إلى الكعبَين، وإنَّما كانَ فرضَ الرجلينِ الغسلُ، وإن كان واقعًا بعد ما يُمسح، لأن المعطوفات إذا تكرَّرتْ، فالصحيحُ أنها على الأوَّل، وحُكمُه الغَسلُ، ويؤيّدُ وجوبَ الغَسل قراءة سيِّدِنا نافع، وابنِ عامر، وعاصم، والكسائي، فإنَّهم قرؤوا بالنصبِ: "أرجلَكم" (١) بالعطف على اليدين، والواو تُشَرِّك في اللفظ وفي الحكم، فيقتضي غسلَهُما، ومن قرأ بالجرِّ، فللمجاورة (٢). (والكعبان: هما العظمان الناتئان، أى: المرتفعان) اللَّذان في أسفل الساق من جانبي القدمِ عندَ مَفصِل الساق والقدم. وقال محمدُ بن الحسن (٣): هما في مشط القدم، وهو مَعقِدُ الشِّراكِ من الرّجلِ، بدليل قولِ الله : ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فدلَّ هذا التفسيرُ على أن في الرجل كعبين لا غير، ولنا أنَّ الكِعاب المشهورةَ هي التي ذكرنا، وما رُوي عن النعمانِ بنِ بشير قال: كانَ أحدُنا يُلصِقُ كعبَه بكعبِ صاحبه في الصلاة (٤)، وقولُه تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ حجَّة لنا تقتضي أنَّ الكعبَين المعهودَين هما الغايةُ في غسلِ الرِّجلين والغايةُ داخلة في المغيَّا في هذا المحل؛ لأنها من جنسِ ما قبلها. (لحديثِ عمر) رواه مسلم؛ عن عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ قال:"من توضأ فأحسنَ الوضوءَ، ثمَّ قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه

стр. 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تقدَّم "إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانية، يدخلُ من أيِّها شاء" رواه مسلم (١). ورواه الترمذي (٢) وزاد فيه: "اللَّهُمَّ اجعلْني من التوَّابين، واجعلْني من المتطهِّرين" زاد في ورسولُه. إلا فُتِحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء" (٣). (رواه الترمذيُّ وزاد فيه إلخ) ورواهُ الإمام أحمد وأبو داود، وفيه: "ثم رفع بصره إلى السماء" (٤). وأمَّا الأذكارُ والأدعيةُ في أثناء الوضوء، فقال ابنُ القيّم: الأذكارُ التي تقولُها العامَّةُ عند كل وضوءٍ لا أصل له عنه ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وفيه حديثٌ كَذِبٌ عليه ﷺ (٥). وكذا قال الإمام النوويُّ من الشافعيَّة ﵀ (٦)، وبحث بعض محقِّقيهم فقال: بل ورد في ذلك حديثٌ ضعيفٌ، ويُعْمَلُ به في فضائل الأعمال (٧). والأدعيةُ التي تُقَالُ عند

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "الإقناع" (١) على روايةِ الترمذي: "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِك، أشهدُ أن لا إله إلا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليك" (٢). غسلِ الأعضاء على هذه الرواية، هي أنْ يقولَ المتوضئُ عند غسلِ الوجه: اللهمَّ بيِّض وجهي يومَ تبيضُّ وجوه، وتسودُّ وجوه. وعندَ غسلِ يدِه اليمنى: اللهمَّ أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حسابًا يسيرًا. وعندَ اليد اليسرى: اللهمَّ لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري. وعند مسحِ الرأس: اللهمَّ حرِّم شعري وبشَري على النار. وعند مسحِ الأذنين: اللهمَّ اجعلني من الذين يستمعونَ القول فيتَّبعُون أحسنَه. وعند غسلِ الرِّجلين: اللهمَّ ثبِّت قدمي على الصراط يوم تَزِلُّ الأقدام. انتهى. دنوشري. (أستغفركَ وأتوبُ إليك) أي: أطلبُ منكَ وقايةَ شر الذنبِ الماضي، حيثُ وَرَدَ مقرونًا بالتوبة، فإن لم يصحبْهُ الندمُ على الذنبِ الماضي، بل كانَ سؤالًا مجرَّدًا، فهو دعاءٌ محضٌ، وإن صحبَهُ ندمٌ، فهو توبةٌ. والعزمُ على الإقلاع من تمام التوبة. وإنْ ورد الاستغفارُ مجرَّدًا، دخلَ فيه طلبُ وقايةِ شرِّ الذنبِ الماضي [بالدعاء والندم عليه، ووقاية شر الذنب] المتوقَّعِ بالعزم على الإقلاعِ عنه، وهذا الاستغفارُ الذي يمنعُ الإصرارَ والعقوبةَ. والحكمةُ في خَتْمِ الوضوء والصلاةِ وغيرهما بالاستغفار، كما أشارَ إليه ابنُ رجب في"تفسير سورة النصر" (٣): أنَّ العبادَ مقصِّرُون عن القيامِ بحقوقِ الله كما ينبغي، وأدائِها على الوجهِ اللائقِ بجلالِه وعظمتِه، وإنَّما يؤدُّونَها على قدرِ ما يطيقونَه، فالعارفُ يَعرِفُ أن قَدرَ الحق أعلى

стр. 325

ويغسلُ أقطعُ باقِيَ فرضِه. (ويغسِلُ) وجوبًا (أقطعُ) يدٍ أو رجلٍ (باقيَ فرضِه) أي: ما بقي من محلِّ فرضٍ أصلًا أو تَبَعًا، كرأسِ عَضُدٍ وساقٍ، وكذا تيمُّم، فإن لم يَيقَ شيءٌ، استُحِبَّ مسحُ محلٍّ قُطِع بماءٍ لا ترابٍ. وأجلُّ من ذلك، فهو يستحيي من عملِه، ويستغفرُ من تقصيره فيه، كما يستغفرُ غيرُه من ذنوبه وغفلاته. مصنِّف (١). (ويغسل أقطعُ باقي فرضه) يعي: أن مَن قُطِعَ من دونِ مَفصِلِ المِرفَق ومَفصِل الكعب، بأنَّ قُطِعَ من القدمِ واليدِ شيءٌ، وبقيَ شيءٌ، فإنه يَغسِل ما بقيَ من محلِّ فرضٍ وجوبًا؛ وذلكَ لبقاءِ محلِّ الفرضِ، فوجبَ غَسلُه؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطَعتم" متفق عليه (٢). وأمَّا الأقطعُ من مَفصِل مِرفَق وكعب، فيَغسِلُ طَرَفَ عَضُد المقطوع المِرفق، ويَغسِلُ طَرَفَ ساق المقطوع الكعبِ؛ لأن المِرفَقَ والكعبَ يجبُ غسلُهما، وهما عبارة عن مجموعِ رأسي العظمين، وقد بقي أحدُهما، وذهبَ الآخر، فلا يسقطُ الميسور بالمعسور. وأمَّا الأقطعُ مما فوقَ مَفصِل المرفَقِ والكعبِ، فإنه لا يجبُ عليه غَسلٌ بلا نزاع؛ لأن محل الفرضِ قد زال بالكليَّةِ مع زيادةٍ، لكن يُستَحَبُّ له أنْ يمسحَ محل القَطعِ بالماء؛ لئلا يخلو العضو عن الماء في الجملة، وكالوضوء في الحكم تيمُّم، فإذا قُطِعت اليدُ من مَفصِل الكوع، وجبَ أنْ يمسحَ محلِّ القطعِ بالتراب، وإن كان القطعُ ممَّا فوق المَفصِل من دونه، وجبَ التيمُّمُ على ما بقيَ من محل الفرضِ، وإن كانَ القطعُ ممَّا فوق المَفصِل، سُنَّ له أنْ يمسحَ محلَّ القطعِ بالتراب. انتهى. دنوشري مع زيادة.

стр. 326

ويباحُ تنشيفٌ، ومُعِينٌ. (ويباحُ) لمتطهِّر (تنشيف) أعضائِه، أي: مسحُها بنحو منديلٍ؛ لما روى سلمانُ: "أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ، ثمَّ قلبَ جُبَّةً كانت عليه، فمسح بها وَجْهَه" رواه ابن ماجه (١). (و) يباحُ (مُعِيْنٌ) لمتطهِّر يقرِّب ماءَ وضوئه أو غُسلِه، أو يصبُّه عليه؛ لأنَّ المغيرةَ (ويباحُ تنشيف) أي: يباحُ للمتوضِّئِ تنشيفُ ماءِ الوضوءِ. قاله الحسنُ وابنُ سيرين (٢)، ولا يستحبُّ التنشيفُ من ماءِ الوضوءِ. وجزم به في "الوجيز"؛ لأنه إزالةُ أثرِ العبادة، فلم يستحبّ، كإزالةِ دمِ الشهيد. وعنه: يكرهُ التنشيف وفاقًا للشافعية؛ لأنَّه ﷺ بعدَ غُسلِه من الجنابة أتتهُ ميمونةُ بمنديلٍ، فردَّهُ، وجعلَ يقول بالماء هكذا، ينفضُه. رواه الشيخان (٣). والمذهبُ عدمُ الكراهة. وأجاب المصنف عن الحديثِ بقوله: وتركُ النبي- ﷺ [لا يدلُّ على الكراهة]، فإنَّه قد يَترُكُ المباحَ، وأيضًا هذه قضيَّةٌ في عين، يحتملُ أنَّه ترك المنديل لأمر يختصُّ بها. قال ابنُ عباس: كانوا لا يَرَون بالمنديل باسًا، ولكن كانوا يكرهون العادةَ (٤). ولأنَّه إزالةٌ للماءِ عن بدنه، أشبه نفضه بيده (٥). (ويباحُ مُعِينٌ) أي: ويباحُ للمتوضِّئ أيضًا مُعِينٌ، ولو لغير عُذْرٍ، كتقريبِ ماءِ الوضوء أو الغُسلِ إليه، أو صبَّه عليه؛ لما رَوى المغيرةُ بنُ شعبة، قال: بينَا أنا مع رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ، إذ نَزَلَ فقضى حاجته، [ثم جاء]، فصببتُ عليه من إِداوةٍ كانت معي، فتوضأ، ومسحَ

стр. 327

ومن وُضِّئ ابنَ شُعبة أفرغ على النبيِّ ﷺ مِن وضوئِه. رواه مسلم (١). والأفضلُ تركُهما. (ومن وضِّئ) بالبناء للمفعول، أي: وضَّأه غيرُهُ، على خفَّيهِ. متفق عليه، ولفظُه لمسلم (٢). فرضيَ به ﷺ ولم يمنعهُ، فكان دليلًا على إباحته. وعنه: يُكرَه المعينُ من غير عُذرٍ؛ لما فيه من الرفاهية بترك المشقَّةِ المحصِّلَة للأجر. قال الإمام أحمد: ما أُحِبُّ أن يعيننَي على وضوء أحدٌ؛ لأنَّ سيدَنا عمر قال ذلك (٣). وقد يجبُ المعينُ ولو بأجرِ المثل في حقّ الأقطعِ ونحوه، فإن وَجَدَ من يُيَمّمه، ولم يجد من يوضِّئة، لزمَهُ ذلك، فإنْ لم يجد، صلَّى على حسَب حاله. وسُنَّ في المعين كونه عن يسارِ المتوضِّئ؛ لأنَّه أعونُ، وليسهلَ تناولُ الماء عند الصبّ. المصنف (٤). كما يسنُّ أن يكونَ إناءُ الوضوء إذا كان ضيِّق الرأسِ عن يسارِ المتوضئ؛ ليصبَّ منه بيسارِه، ويتلقَّاه بيمينه، فيسهل تناول الماء باليمين، وإنْ لم يكن إناءُ الوضوء ضيِّقَ الرأس، بأنْ كان رأسُه واسعًا، فالسنَّةُ أن يجعلَه عن يمينه؛ ليغترفَ منه بسهولة. دنوشوي مع زيادة. (والأفضلُ تركُهما) أي: تركُ التنشيف والمُعِين. (ومن وضِّئ إلخ) عبارة "المنتهى" مع "شرحه" للدنوشري: ومن وضِّئَ، أو غُسِّل، أو يُمّم،

стр. 328

بإذنِه ونواه، صحَّ. مسلمًا كان ذلك الغيرُ أو كتابيًا، ومثلُهُ غُسلٌ وتيمُّمٌ. (بإذنه) أي: بإذنِ المفعول به. قال المصنف (١): قلتُ: وكذا تمكينُه من ذلك بأنْ ناولَه أعضاءَه من غيرِ قولٍ. انتهى. وهو داخل في مُطلَقِ الإذن؛ لشمولهِ الإذنَ العرفيَّ. (ونواهُ) المتوضئ ونحوه (صحَّ) وكُرِه بلا عُذْرٍ، بالبناء لما لم يسمَّ فاعلُه، أو وضَّأه، أو غسَّلَهُ، أو يمَّمَهُ غيره، فإنْ كانَ بإذنِ المتطهِّر، ونوى الطهرَ، صحّ طهرُه على الصحيحِ من المذهبِ حيث نواه؛ لأن الفاعلَ آلةٌ، فلا تُشتَرطُ نيَّتُه. وقيل: تشتَرطُ نيَّةُ الفاعل أيضًا إنْ كان مسلمًا، والصحيحُ الأوَّلُ. ولا تصح الطهارةُ إن أكرِهَ فاعلٌ على الفعلِ، فإنْ أكره إنسان إنسانًا آخرَ على أنْ يوضئَهُ، أو يصبَّ عليه الماءَ، فوضَّأه، أو صبَّه عليه مكرهًا، لم يصحَّ الوضوءُ، ولو مع النيَّةِ من المتطهِّر؛ لكون منفعته مغصوبةً بالإكراه، فلا تصحُّ معه العبادة. وإن أُكرِهَ المتوضّئُ على الوضوءِ، أو على غيرِه من العبادة، فإنْ فَعَل ذلك لداعي الشرع، لا لداعي الإكراهِ، صحَّت، وإلّا، فلا تصحُّ طهارتُه، والله أعلم. (مسلمًا كانَ ذلك الغيرُ إلخ) لوجودِ النيَّة والغَسلِ المأمور به. مصنِّف (٢). (المتوضِّئُ ونحوه) أي: كالمغتسلِ والمتيمِّمِ. ومفهوم كلامه كغيره، أنَّه لو وضِّئَ بغير إذنِه، لم يصحَّ، ولو نواهُ مفعولٌ به؛ لعدمِ الفعلِ منه (٣) أصالةً ونيابةً، ولم أقفْ على من صرَّحَ به. مصنف. (وكُرِه بلا عُذرٍ) وإنَّما كُرِه؛ لعدمِ الحاجةِ إليه، وخروجًا من خلافِ من قال بعدمِ الصحَّة. "كشاف القناع" (٤).

стр. 329

ويُسنُّ في وضوءٍ سواكٌ، فإن أكره المتوضئُ شخصًا يوضئُه أو يغسله أو ييمِّمُه، لم يصحَّ كما قال في "المنتهى" (١): لا إنْ أُكرِهَ فاعل. وإنْ أَكرهَ مَنْ يَصبُّ عليه الماء لم يصحَّ، أيضًا، كما في "الإقناع" (٢). وقيل: يصحُّ. قال المصنِّف (٣): وهو أظهرُ؛ لأنَّ النهيَ يعودُ لخارج؛ لأن صبَّ الماءِ ليس من شَرْطِ الطَّهارة. انتهى. وفيه نَظَر؛ فإنَّ هذه الصورةَ كالتي قبلها في غَسل جزءٍ من اليد في محلِّ غسلها، وليست من قبيل الصبِّ الخارجِ عن شَرْطِ الطهارة في كلِّ الأعضاء بل في الأكثر، فإنّ المتوضِّئَ في هذه الصورةِ هو الذي يوصلُ الماءَ إلى وجهِهِ ورأسِه ورجليه وأكثرِ يديه، [لا إلى جميعِ يديه] (٤)؛ لأنَّ أولَ جزءٍ يلاقي الماءَ من يديه يصيِّر غسلَه بفعل المُكْرَه -بفتح الرَّاء- فلم يصحَّ، والله أعلم. سنن الوضوء ولما فرغ المصنِّفُ من بيان صفة الوضوء، أشارَ إلى بعض مسنوناته، فقال: (ويسن في وضوء سواك) عند مَضْمَضَةٍ، كما تقدَّم بدليلِه (لا إنْ أُكُرِهَ فاعل) هذا ما صرَّح به في "المنتهى" (١). ومثَّلَ له بقوله: (فإن أُكره المتوضِّئ شخصًا إلخ) وذكر تعليلَ ذلك الدنوشري. (وفيه نظر إلخ) أي: في قول المصنف: "وهو أظهر"؛ (لأنَّ النهي إلخ) ووافق الشارحَ على ذلك الدنوشري في القولِ المتقدِّم. (ويُسَنُّ في وضوءٍ سواكٌ) وقد مرَّ تعريفُه وأحكامُه في بابه.

стр. 330

وغَسْلُ كفَّيْه إنْ لم يكنْ قائمًا من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ، فيجبُ. (وغسلُ كفَّيه) ثلاثًا (إن لم يكن قائمًا من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ) فإن كان قائمًا منه (فيجبُ) غسلُهما ثلاثًا؛ تعبُّدًا، بنيَّةٍ شُرِطَتْ، وتسميةٍ وَجَبتْ، ويسقطُ غسلُهما والتسميةُ سهوًا. ومقتضى كلامِ "المبْدِع": أنَّه لو تذكَر غَسلَهما في الأثناء، لم يستأنف، بلْ ولا يغسلهما، بخلافِ تسميةٍ في وضوءٍ؛ لأنَّها منه. قاله المصنَّف (١). والسنةُ لغةً: الطريقةُ. واصطلاحًا: ما فعلَهُ النبيُّ ﷺ وواظبَ عليه، ولم يدلَّ دليلٌ على وجوبِه، ويستحقُّ فاعلُها الثوابَ، ولا يجبُ بتركِها عقابٌ. (وغَسْلُ كفَّيه) وثانيها: غسلُ يدي متوضِّئ إلى الكوعينِ قبلَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لأن سيدَنا عثمان وعليًا وعبدَ الله بنَ زيدٍ وَصفُوا وضوءَ النبي ﷺ ، وذكروا أنه غسلَ كفَّيهِ ثلاثًا (٢)، ولانَّهما آلة تَنْقُلُ الماءَ إلى الأعضاءِ، ففي غسلِهما احتياط لجميعِ الوضوءِ، ومحل كونِ غسلِهما لذلك النوم تعبُّدًا خلافًا للأئمة الثلاثة؛ للحديثِ الوارد في ذلك، وهو قولُه ﷺ : "إذا استيقطَ أحدُكم من نومِه، فلا يغمسْ يدَه في الإناء حتى يغسلَها ثلاثًا، فإنَّه لا يدري أينَ باتتْ يدُه" رواه الشيخان البخاريُّ ومسلم (٣). وفي لفظ: "فليغسِل يدَه" (٤). والأمرُ للوجوب حتى يصرفَه صارفٌ، فبقيَ على حالِه. فقولُه: (نومِ ليلٍ) احترزَ به عن نومِ النهار. وقوله: (ناقضٍ لوضوءٍ) احترزَ به عن نومِ الليل، إذا كان غيرَ ناقضٍ للوضوء، فإنَّه لا يجبُ غسلُهما بذلك، والأمرُ التعبديُّ لا يعلَّلُ ولا يُعقَلُ معنَاه. وقولُه: (ثلاثًا) فلا يُجزِئُ أقل منها.

стр. 331

والبِداءةُ قبلَ غَسْلِ وجهٍ بمضمضةٍ، فاستنشاقٍ، (والبِداءةُ) بكسرِ الباء والمدِّ، والضُّم لغةٌ، بمعنى الابتداء (قبلَ غَسْلِ وجهٍ بمضمضةٍ، فاستنشاقٍ، ويكونُ الغَسْلُ بنيَّة شُرِطَت لصحَّة غَسلِهما، وبتسميَة واجبة لغسلِهما على الصحيح من المذهب؛ لأنها طهارةٌ مستقِلَّة، فشُرِطَ ووَجَبَ لها ما ذُكِر. ويَسقطُ وجوبُ غَسْلِهما إذا تركَه سهوًا، وتسقط التسميَةُ أيضًا سهوًا؛ لأنَّ ذلكَ أمرٌ تعبديُّ، فيسقط بالنسيانِ، كبعضِ الواجبات، وهو التسميَةُ، فلو توضَّأ ولم يغسلهُما ذاكرٌ لذلك، لم يصحَّ وضوءُه، وفسدَ الماءُ الذي غمسَ فيه كلَّ يدِه، حيثُ كانَ قليلًا، والظاهرُ أنَّ السقوطَ سهوًا، إذا لم يتذكر إلا بعد فراغِ الطهارةِ فلو تذكَّر في الأثناءِ، ابتدأَ، قياسًا على نسيانِ التسميَةِ في الوضوء (١). وقيلَ: غسلُهما معلَّلٌ بوهمِ تضمُّخ يديه بالنجاسة، فعلى هذا يكون غَسْلُهما لمعنى حصلَ فيهما. وهذه المسألةُ من مفردات مذهبنا. وقد قيل: إن بعضَهم استغربَ هذا الحديثَ، واستبعدَه، فانْتَبَه من نومِه، فوجَدَ يدَه في دُبُرِه. وإذا استيقظَ محبوسٌ، أو أعمى ونحوه من نومٍ لا يدري نوم ليلٍ أم نوم نهارٍ، لم يجب غسلُهما. دنوشري مع زيادة. (والبِداءةُ قبل غَسْلِ وجهٍ إلخ) والثالث من سنن الوضوء: بِداءةُ المتوضِّئِ قبلَ غسل وجهِه بمَضْمَضَة بيمينه، فاستنشاقٍ بيمينِه، واستنثارٍ من أنفهِ بيسارِه، فالبِداءةُ بهما قبلَ غسلِ الوجهِ مسنُونة. وهما فرضان، قال في "الإنصاف": يستحب تقديم المَضمَضَةِ على الاستِنشاق (٢)؛ لما رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه دَعا بوضوءٍ، فتمضْمَضَ، واستنشَقَ، ونَثَر بيدِه

стр. 332

ومبالغةٌ فيهما لغيرِ صائمٍ، ومبالغةٌ فيهما) أي: في المضمضةِ والاستِنْشَاقِ (لغيرِ صائمٍ) فتكرَه له كما تقدِّم. اليسرى، ففعلَ هذا ثلاثًا، ونثرَ بيدِه اليسرى ثلاثًا، ثمَّ قال: هذا طُهور نبيّ الله ﷺ . رواه الإمامُ أحمد والنسائيُّ (١). (ومبالغةٌ فيهما لغيرِ صائمٍ) والرابعُ من سُنَنِ الوضوء: مبالغةٌ فيهما، أي: في المَضْمَضةِ والاستنشاقِ لغير صائم. أمَّا المبالغةُ فيهما لصائمٍ، فمكروهةٌ على الصحيح من المذهب؛ لحديثِ لقيطِ بنِ صَبِرَة أَنه قال: قلت: يا رسولَ الله، أخبرني عن الوضوء؟ فقال ﷺ : "أسبغ الوضوءَ وخلِّل بينَ الأصابعِ، وبالغ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا". رواه الخمسة، وصحَّحَه الترمذيُّ وغيره (٢). ولاحتمالِ وصولِ الماء إلى الجوف بالمبالغة المنهيِّ عنها في حقِّه، فيفطرُ بذلك. أمَّا لو سَبَقَ ماءُ المَضْمَضَة والاستِنْشاقِ إلى جوفِ الصائم من غيرِ مبالغَةٍ ولا قَصدٍ، فإنه لا يُفطِر بذلك. وإنَّما لم تجب المبالغةُ في الاستنشاقِ كما هو مُقْتَضى الأمرِ في الحديث؛ لسقوطِهما بصومِ النفل، والواجبُ لا يَسقطُ بالنَّفْلِ. وعن الإمام أحمد: وجوبُ المبالغةٍ فيهما على المفطر، وأمًا المبالغةُ في بقيَّةِ الأعضاءِ فهي مسنونَةٌ مُطلقًا للصائم وغيره، وفي الوضوءِ والغُسْلِ؛ لأنَّ وصولَ الماءِ منها إلى الجوفِ مؤتمنٌ، فكانت مسنونَة مطلقًا للصائم وغيره. وقد عرَّف صاحبُ "المنتهى" (٣) -كالشارح (٤)؛ لزيادة الإيضاح- المبالغةَ في أعضاء الوضوء بقوله: ففي مضمضةٍ إدارةُ الماءِ بجميع الفم، بحيثُ يبلغُ الماءُ أقصى الحَنَك، ويصلُ إلى الحلق، ووجهي الأسنانِ، واللسانِ، واللِّثَاتِ مع إمرارِ إصبعه.

стр. 333

وتخليلُ لحيةٍ كثيفةٍ، (وتخليلُ لحيةٍ) وبقيَّةِ شعورٍ (كثيفةٍ) في الوجه والمبالغةُ في الاستنشاق: جذبُه بنَفَسٍ إلى أقصى أنفٍ، وهو الخيشومُ، مع إدخال الإصبعِ الأيسرِ، وإزالةِ ما فيه من الأذى. هذه صفةُ المبالغةِ فيهما. والواجبُ في المضمضة: الإدارة، أي: أدنى إدارةٍ، ولو ببعضِ الفم، فلا يكفي وضعُ الماءِ في فيه بدونِ إدارةٍ. والواجبُ في استنشاقٍ جذبُه إلى باطنِ أنفه، ولو لم يبلغْ أقصاه، فلا يكفي وضعُه في أنفه من غير جذبٍ. وله بلعُ الماءِ الذي تَمَضْمَضَ به بعدَ إدارته، فلا يُجزِىُ جعلُ مضمضة في حلقه أولًا، أي: قبل الإدارة وَجُورًا (١)، أي: من غير إدارة، ولا يحصلُ به أداءُ فرضِ المضمضة. ولا يجزئُ أيضًا جعلُ استنشاق سعوطًا (٢)، أي: من غير جذبٍ بنَفَسٍ إلى باطنِ أنفٍ، فلا يحصلُ الاستنشاقُ المفروضُ بذلكَ؛ لعدمِ الجذبِ المشروطِ فيهما. ولا يفصلُ بينَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لوجوبِ الموالاةِ بينهما. وأما الترتيبُ بينهما وبينَ الوجهِ فإنَّه غيرُ واجبٍ. والمبالغةُ في غيرِ المضمضة والاستنشاق: دَلْكُ المحلِّ الذي ينبو، أي: يرتفعُ ويزولُ عنه الماء والدلكُ: إمرارُ اليد على الأعضاء المغسولة. دنوشري مع زيادة. (وتخليلُ لحيةٍ كثيفةٍ) والخامس من سُنَنِ الوضوء: تخليلُ لِحيةٍ، بكسر اللام، جمعها لِحّى، بكسر اللام وضمِّها. كثيفة بالمثلثة. وفاقًا للحنفيَّة. وتخليلُ اللحيةِ الكثيفةِ يحصلُ بكفِّ من ماء، بأنْ يضَعَهُ من تحتِها، ثمَّ يخلِّلَها بأصابعه متشبِّكةً في لحيته؛ اتِّباعًا لفعلِه ﷺ ، ولما رَوى أنسُ بن مالك أن النبيَّ ﷺ كان إذا توضَّأَ أخَذَ

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كفَّا من ماءٍ، فجعلَه (١) تحت حنكِه فخلَّلَ به لحيتَه، وقال: "هكذا أمَرني ربِّي"، رواه أبو داود (٢). وقال في "الإقناع" (٣): تخلَّلُ (٤) اللحيةُ عندَ غَسْلها، وإذا شاء عند مسح رأسه. نصَّ عليه. وقد صحَّ أن لحيتَه الكريمةَ -شرَّفها الله تعالى- كانت كثَّةً (٥). ويجزِئُ غسلُ ظاهرها، ويسَنُّ غسلُ باطنِها، وأن يزيدَ في ماء الوجه، وأمَّا شعرُ الوجهِ الخفيفُ فيجبُ غَسْلُهُ وما تحتَه، فالمتوضِّئ مخيَّرٌ في تخليلِ اللحيَةِ بينَ أنْ يخلِّلَها على صفة ما تقدَّم، أو يأخذَ كفًّا من ماءٍ يضعُه في جانبها، ويعركها. واللحيَةُ الكثيفةُ: هي التي لا تُرَى منها البشرةُ عند المواجهةِ. وضدُّها الخفيفة، فيجبُ غسلُ ظاهرِهَا وباطنِهَا، وكذا في حكم اللحية عنفقةٌ (٦)، وشارِبٌ، وحاجبانِ، ولحيةُ أنثى وخُنْثَى. فإنْ كان كلٌّ مِنْ هذه الشعورِ المذكورةِ كثيفًا، أجزأَ غَسلُ ظاهرِه، ويُسَنُّ تخليلُ باطنِه، كاللحيَةِ الكثيفةِ. وإن كانت هذه الشعورُ خفيفةً، وجبَ غَسْلُ ظاهرِها وباطنِها، كاللحيةِ الخفيفةِ.

стр. 335

وأصابعَ، وتيامنٌ، (و) تخليلُ (أصابع) يدين ورجلين، فتخليلُ أصابعِ يديه بالتَّشبيكِ، وتخليلُ أصابعِ رجليه بخنصر يديه اليُسرى، يبدأ بخنصرِ رِجله اليُمنى إلى إبهامِها، وبإبهامِ اليُسرى إلى خِنْصرِها، فهو بخِنْصرٍ من خِنْصرٍ إلى خِنْصرٍ. (وتيامنٌ) فيقدِّم اليُمنى على اليُسرى، حتى بين كفَّيْ قائمٍ من نومِ ليلٍ، وبين قال في "الإنصاف" (١): شعرُ غير اللحيةِ كاللحيةِ في الحكم، على الصحيحِ من المذهب، وعليه الجمهور، وجزمَ به في "الرعاية" في لحيةِ المرأةِ. وقيل: يجبُ غسلُ باطنِ ذلك كلِّه مُطْلقًا. انتهى. دنوشري مع زيادة. (وتخليل أصابع) والسادسُ من سنن الوضوء: تخليلُ الأصابعِ من اليدين والرجلين، وهما آكدُ بيدٍ، وبخِنْصَر اليد اليسرى، من أسفلِ خِنْصَر الرجلِ اليمنى إلى خِنْصَر الرجلِ اليسرى؛ ليحصلَ التيامنُ في التخليل (٢)، وقد ورد الخبر بذلك، قال المستوردُ (٣) بن شدَّاد: رأيتُ النبي ﷺ إذا توضَّأ دَلَكَ أصابعَ رجليه بخِنْصِره. رواه أبو داود (٤). هذا إذا كانَ الماءُ يَصلُ إلى الأصابع من غير تخليلٍ، أمَّا إذا كانتِ الأصابعُ ملتفَّةً، ولا يصلُ الماء إليها إلَّا بالتخليلٍ، فحينئذٍ يجبُ، لا لذاته، بل لأداءِ الغَسْل المفروضِ؛ لأنَّ إيصالَ الماءِ إلى العضو واجبٌ. (وتيامنٌ) والسابع من سنن الوضوء: تيامنٌ بينَ الأعضاءِ، كما ذكرنا حتى بين الكفَّينِ للقائمِ من نومِ الليل، وبينَ الأُذنَينِ، قاله الزركشيُّ، وقال الأزجيُّ: يمسحُهما معًا.

стр. 336

ودلكٌ، وأخذُ ماءٍ جديدٍ للأُذنين، وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ، أذنين، كما قدَّمه في "الإقناع" (١) عن الزركشيِّ (٢). وقال الأزجيُّ: يمسحهما معًا. (ودَلْك) ما ينبو عنه الماء (وأخدُ ماءٍ جديدٍ) (٣) غيرِ ماءِ الرأس (للأذنين، وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ). انتهى. "إقناع" (١). (ودلكٌ) والثامن من سنن الوضوء: دَلْكٌ، بفتحِ الدَّال المهملةِ، مصدرُ دلكتُ الشيءَ دلكًا، من باب قَتَلَ: مَرَسْتَه بيدك، ودلكتُ النعلَ: مسحتها بالأرض، كذا في "المصباح" (٤). (وأَخدُ ماءٍ جديدٍ للأذنين) والتاسعُ من سُنَنِ الوضوء: مسحُ الأذنين بعدَ مسحِ الرأس بماء جديد، لظاهرِهما وباطنِهما، يَمْسَحُ ظاهرَهُما بإبهاميه، وباطنَهما بسبابَتَيه؛ لما رَوى عبدُ الله بن زيد أنه رأى رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ، فأَخَذَ لأذنيه ماءً جديدًا، خلاف الذي لرأسه. رواهُ البيهقيُّ، وقال: إسنادهُ صحيح (٥). فلو مَسحَ الأُذنين مع الرأسِ بماءِ الرأس، أجزأَهُ ذلك، ولكنَّه كير مُصِيبٍ للسنَّةِ. (وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ) والعاشر من سنن الوضوء: غسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ إنْ عمَّتِ الأولى؛ لَما

стр. 337

وكُرِهَ فوقَها. (وكُرِه) زيادةٌ (فوقَها) أي: الثالثة؛ لقوله ﷺ في حديثِ عَمْرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه لمَّا سُئِلَ عن الوضوء، فأَراهُ ثلاثًا ثلاثًا: "فمَنْ زادَ على هذا أو نقصَ، فقدْ أساء وتعدَّى، وظَلمَ" رواه أبو داود (١). وتكلَّم مسلمٌ على قوله: "أو نقص" (٢)، رَوى معاويةُ بن قرَّة عن ابنِ عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ دعا بماءٍ فتوضَّأَ مرَّةً مرَّة، وقال: "هذا وظيفةُ الوضوء الذي لا يَقبَل اللهُ الصلاةَ إلَّا به"، ثمَّ دعا بماءٍ فتوضَّأ مرَّتين مرَّتين، [ثمَّ سكتَ ساعةً] (٣)، ثم قال: "هذا وضوءٌ من توضَّأ به، كان أجرُه مرَّتين"، ثمَّ دعا بماءٍ فتوضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هذا وضوئي ووضوءُ الأنبياءِ من قبلي". رواه الدارقطنيُّ (٤)، وفيه ضعف وانقطاع، واستشهدَ به الحاكم (٥). وقال القاضي وغيره: الأُولَى فريضةٌ، والثانية فَضيلةٌ، والثالثةُ سُنَّةٌ. وقدَّمه ابن عبيدان: قال في "المستوعب": [وإذا قيل لك:] أيُّ موضع تُقَدَّمُ فيه الفضيلةُ على (٦) السنَّة؟ فقل: هنا. مصنف (٧) مع زيادة. (وكُرِهَ فوقها) أي: وكرِه أنْ يَغسلَ المتوضئُ أعضاءَ الوضوءِ فوقَ الثلاثِ غَسلات لكلِّ عضوٍ، والمرادُ بالكراهةِ تَرْكُ الأولَى؛ لما رَوى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى رسولِ الله ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "هكذا الوضوءُ، قمن زادَ أو نقصَ، فقد أساءَ وظلم". رواه الإمامُ أحمد والنسائيُّ وابنُ ماجه. أي: أساءَ

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأوَّله البيهقيُّ (١) على نقصانِ العُضْوِ بالنقصِ، وظلمَ بالزيادةِ؛ لأنه جاوزَ الحدَّ. وقيل عكسُ ذلك؛ لأنَّ الظلمَ نقصانُ حقِّ الغيرِ. قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣] أي: لم تنقص. ولا يُسَن الكلامُ على الوضوء، بل يُكرَه، والمراد بالكراهية تَرْكُ الأولى، فبقي من سُنَنِ الوضوءِ استقبالُ القبلة، ومجاوزةُ محلِّ الفرضِ، واستحضارُ ذِكْرِ النيَّةِ من أوَّلِ الوضوء إلى آخره، والتلفُّظُ بها سرًّا، وأنْ لا يَنْقُصَ ماءُ الوضوء عن مدِّ، كما سيأتي في باب الغسل إنْ شاءَ الله تعالى. وقال الأُبِّيُّ (٢): أساءَ الأدبَ الشرعيَّ، وتعدَّى ما حُدَّ لَه، وظَلَمَ في إتلافِ الماء، ووضعِه في غير محلِّه. انتهى. مصنِّف. (وأَوَّلَه) أي: أوَّل النقص بنُقْصَان العضوِ عمَّا استحقَّه من الثلاث غسلات، وليس النقصُ راجعًا للوضوء، وقيل: تحرم الزيادة للخبر، وقيل: الكراهةُ لغير وسواسٍ. قال الإمامُ أحمد: لا يزيدُ عليها إلَّا رجلٌ مبتلّى. "فائدتان": إحداهما: يُعمَلُ في عدد الغسلات بالأقلِّ، على المذهب، وقال في "النهاية": بالأكثر. الثانية: لو غَسَلَ بعضَ أعضاءِ الوضوءِ أكثرَ من بعضٍ، لم يكره على المذهب، وعنه: يُكره. انتهى. بعضُ الشراح.

стр. 339

فصل واستحسنه الذهبيُّ (١). فصلٌ في مسح الخُفَّين وغيرهما (واستحسنَه الذهبيُّ) أي: استحسنَ قولَ البيهقي. (فصل في مسح الخفَّين) أي: في حكمه وشروطِه ومدَّته ومبطِلاته وكيفيَّته. فحكمُه: الجواز. وشروطه: ثمانية. ومُدَّته: للمقيم يومٌ وليلةٌ، والمسافرِ ثلاثةُ أيام. ومبطلاته: إذا حصل ما يوجِب الغسل إلخ. وكيفيَّته: أنَّه يجب مسحُ أكثرِ أَعلى الخُفِّ. وهو من خصائص هذه الأمَّة. ثمَّ إنَّ وجهَ مناسبتهِ للباب قبلَه: أنَّه لما جاز للمتوضئ أن يَعدِلَ عن غَسل الرِّجلين إلى مسحِ الحائل، أتى به بعدَه، فهو بدل عن غَسل ما تحتَه في الطهارة من الحدثِ. والمسحُ الواقع في الطهارة سنَّةُ أنواع: مسحُ السبيلين في الاستنجاء، ومسحُ الوجه واليدين بالتراب في التيمُّم، ومسح الرأسِ كلِّه في الوضوء، والمسحُ على العِمامة، والمسحُ على الجبيرة، ومسحُ الخُفَّين وما في معناهما، وهو أفضل من غَسل الرجلين؛ لِمَا استدلَّ به الشارح. وقيل: إنْ لم يداوم، المسحُ أفضل. وقد يتعيَّن المسحُ على الخفين فيما إذا كان

стр. 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذكَرَه في باب الوضوء؛ لأنَّه بَدَلٌ عن غَسْل أو مَسْح ما تحته. ومسحُ الخفَّين وما في معناهما رخصةٌ، وأفضلُ مِنْ غَسْلٍ؛ لأنَّه عليه الصلاة المحدِثُ لابسًا لهما مع استيفاء الشروطِ التي تبيح المسح عليهما، وذلك فيما إذا دخل عليه وقتُ الصلاةِ ووجد ما يكفيه لطهارتِه لو مسح على الخفين، ولم يكفِه لها لو غَسَلَ الرِّجلين، فإنَّه يجب عليه حينئذٍ المسحُ على الخفين. والمسح على الخفين يرفع الحَدَثَ الأصغرَ على الصحيح من المذهب، كمسح الرأس. ووجهُه: أنَّ المسح طهارةٌ بالماء، فَرَفَعَ الحدث، كالغَسل، وكمسح الرأس. وليس هو كالتيمم؛ فإنَّه مبيحٌ لا رافع. دنوشري وزيادة. (وغيرِهما) كالمسح على العمامة وخُمُرِ النساء والجبيرة وغيرها، فحصل مغايرةٌ بين قوله: "وغيرِهما" وقوله: "وما في معناهما". والحاصل أنَّه يمسح الخفين وما في معناهما، والعمامةَ وما في معناها، كخُمُر النساء، كالجُرْموق، والجَوربِ الصَّفيق -الذي لا تُرى منه البَشَرة، سواءٌ كان موصوفًا أو غيرَه، كخَرْق، وإنْ كان غيرَ مجلَّدٍ أو منعَّلٍ للنساء- والجبيرةِ. (ومسحُ الخفين) مبتدأ، وقولُه: (رخصةٌ) خبر. وهي لغةً: الانتقالُ من صعوبة إلى سهولة. وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمُعارِضٍ راجح. ويقابلها: العزيمة. وهي لغةً: القصدُ المؤكَّد. وشرعًا: ما ثبت بدليل شرعيٍّ خالٍ عن مُعارضٍ راجح. وهما وصفان للحكم الوضعي. فالمسحُ على الخفين رخصةٌ من الله تصدَّق بها على عباده وسهَّلها لهم. وهو جائزٌ بإجماع أهل السنةِ والجماعة، وثابت بالسنة الصريحة؛ قال الحسن (١): حدثني سبعون مِن أصحاب رسول الله ﷺ (٢). . . (وأَفضلُ من غَسل) يعني أنَّ المسح لِلَابس الخفِّ

стр. 341

يصحُّ المسحُ على خفٍّ والسَّلام وأصحابَه إنَّما طلبوا الأفضلَ، وفيه مخالفةُ أهلِ البِدَع، ولحديثِ: "إنَّ الله يحبُّ أنْ يؤخذَ برُخَصِه" (١)، وَيرفعُ الحَدَثَ. ولا يُسنُّ أن يَلبسَ لِيمسحَ. (يَصحُّ المسحُ على خُفٍّ) في رجليه؛ لثبوتِه بالسنَّة الصريحة. قال ابنُ المبارك: ونحوِه أفضلُ من قَلْعه وغَسلِ الرِّجلين. وهو من المفردات. حفيد. (إنَّما طلبوا الأفضلَ) من الأعمال، وارتكبوه. (ولا يُسَنُّ أنْ يَلبَسَ) الخفَّ (ليمسح) عليه. أي: ولا يُسَنُّ لمن يريد رفعَ الحدث الأصغرِ أنْ يتحرَّى لُبْسَ الخفين بقصد المسحِ عليهما، كما لا يسنُّ له أن يسافرَ ليترخَّصَ، بل يفعل كيفما اتَّفق، كما كان ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح على الخفين إذا كان لابسًا لهما. دنوشري. (يصحُّ المسحُ على خُفٍّ) عند عامَّة أهلِ العلم. وليس في جواز المسحِ على الخفِّ اختلافٌ بين الأئمَّة، كما ذكره ابنُ المبارك (٢). (لثبوته) تعليلٌ لقوله: "يصح المسحُّ". (بالسنَّة الصريحة) أي: التي لا تحتمل غيرَ المسح. وغيرُ الصريحة هي التي تحتمل حكمًا غيرَ المسندَلِّ عليه بها.

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ليس فيه خلاف (١). وقال الحسنُ: رَوى المسحَ سبعون نفسًا، قولًا وفعلًا منه ﵊ (٢). وقال الإمامُ أحمد: ليس في قلبي من المسح على الخفين شيءٌ - أي: شكٌّ- فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ ﷺ . قال في "المبدع": ومن أمَّهاتها حديثُ جرير قال: "رأيتُ النبيَّ ﷺ بال، ثمَّ توضأ ومسحَ على خفَّيه". قال إبراهيمُ النَّخعيُّ (٣): فكان يعجبُهم ذلك؛ لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعد نزولِ "المائدة". متَّفق عليه (٤). فليس منسوخًا بالآية (ومن أُمَّهاتها حديثُ جرير) أي: ومِن معظمها، كـ: "الحجُّ عَرَفةُ" (٥). (فكان يعجبهم ذلك) أي: حديثُ جرير؛ بدليل التعليل. والضميرُ في "يعجبهم" راجعٌ للأَئمَّة الأربعة (٦). (لأنَّ إسلامَ جريرٍ كان بعد نزولِ المائدة) يعني: فتكونُ آيةُ الغَسل متقدِّمة في النزول على إسلامه، فلا يُتوهَّمُ أن تكونَ ناسخةً لآية التيمم (٧)؛ لأنَّ المتقدِّمَ لا ينسخ المتأخِّرَ، فتدبَّر. محمَّد الخلوتي. (فليس منسوخًا بالآية) مفرَّع على التعليل، أي: ولما كان إسلامُ جريرٍ بعد نزول المائدة، فليس المسحُ الذي ثبت بفعله ﷺ منسوخًا بآية الغَسل.

стр. 343

ونحوهِ، وقد استنبطه بعضُهم من القرآن، فحمل قراءةَ النصبِ على الغسل، وقراءة الجرِّ على المسْحِ؛ لئلا تخلو إحداهُما عن فائدة (١). (و) يصحُّ المسحُ على (نحوِه) أي: نحوِ الخفِّ كجُرموق -خُفٍّ قصير (٢) -، وجَوْرَبٍ صفيقٍ من صُوْفٍ أو غيرِه، ولو غيرَ مجلد، أو منعل. (وقد استنبطه بعضُهم) وجه الاستنباط: أنَّه بالجرِّ معمولٌ لـ: "امسحوا" (٣)، وفعلُه ﷺ مبيَّنٌ لمجمَل القرآن، والذي حُفظ عنه ﵊ إنَّما هو المسحُ على الحائل، فيكون المعنى: بحوائل أَرجلِكم، فهو على حذف المضافِ، خلافًا للخوارج. محمَّد الخلوتي. (كجُرْمُوق) وهو (خُفٌّ قصير) وهو وما عُطف عليه مثالٌ لما يستُر محلَّ الفرض وثَبَتَ بنفسه. قال الجوهريُّ: وهو مثالُ الخفِّ يُلبس فوقه (٤)، لا سيَّما في البلاد الباردة، وهو فارسيٌّ معرَّب، ويسمَّى أيضًا المُوْق، ويجمع على أَمواق (٥). وإنما صحَّ المسحُ على المُوْق؛ لَمَا روى بلالٌ قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يمسح على المُوْقَين. رواه الإمام أحمدُ وأبو داود (٦). ولأنَّه ساترٌ يمكن متابعةُ المشي عليه، أَشْبَهَ الخفَّ. دنوشري. (وجَوْرَبٍ) ويصحُّ المسحُ أيضًا على جورب (صَفيقٍ) وهو ما يُتَّخذ (من صوف أو غيره) منسوجٍ بحيث يكون صفيقًا لا تُرى منه البَشَرة وِفاقًا لمالكٍ (٧) وأبي حنيفة (٨). قال الزركشي:

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هو غِشاءٌ من صوف يتَّخذ للدِّفء، وهو فارسيٌّ معرَّب. وفي "شرح المنتهَى" لمصنِّفه: ولعله اسمٌ لكلِّ ما يلبس في الرِّجل على هيئة الخفِّ من غير الجلد. والمسحُ عليه من المفردات (١). وفي "القاموس": الجورب: لِفَافة الرِّجل، والجمع: جَوَارِبَة (٢). ولا يُشترط في لابسِ الخفِّ وما في معناه أنْ يكونَ سليمًا. فيجوز المسحُ حتى لِزَمِنٍ لا يمكنه المشيُ عليه. ويصحُّ المسحُ أيضًا برجل واحدةٍ قُطعت أُخراها من فوقِ فرضِها، بأنْ لم يبقَ من الأخرى شيءٌ، فيجوز لُبْسُ الخفِّ على الباقية، ويمسحُ عليها بمفردها. وفُهم من قوله (٣): قُطعت أخراها. أنَّها لو كانت باقيةً وأراد المسحَ عليها وغَسلَ الأخرى، لم يَجز؛ لأنَّه إذا غسل واحدةً، غُلِّب جانب الغَسل، فيجب غَسلُ ما في الخفِّ تَبَعًا للَّتي غسلها، ولا يصحُّ المسحُ عليها بمفرَدها. وفُهم من قوله: مِن فوق، أنَّها إذا قُطعت مِن دونِ فرضِها، أنَّه لا يصحُّ المسحُ على أَحَدهما وغَسلُ الأخرى، اللَّهم إلَّا إذا لبس الخفَّ على الأخرى، فيمسحُ عليهما معًا. ولا يُشترط أن يكون الخُفَّان من جنسٍ واحد، فلو لبس أحدَ الجُرْموقين في إحدى الرِّجلَين ولبس في الأخرى إحدى الخفَّين، جاز المسحُ عليهما حيث كانا ساترَين لمحلِّ الفرض. ولا يصحُّ المسحُ على الخفَّين لمُحْرِم لَبِسَ الخفَّين لحاجة، وهي ما إذا فقد النَّعلين حالَ الإحرامِ واحتاج للُبس الخفَّين، فلبسهما، فإنَّه لا يصحُّ أن يمسحَ عليهما ولو لبسهما لحاجة؛ لأنَّ المسحَ على الخفين رخصةٌ، ولبس المُحْرِمِ المَخِيطَ رخصةٌ أخرى، فلا

стр. 345

مباحٍ، ساترٍ لفرضٍ، وللمسْحِ على الخفِّ ونحوِه شروطٌ، أشار إلى بعضها بقوله: (مباحٍ) بالجرِّ صفة لـ "خفٍّ"؛ لأنَّ المسْحَ رخصةٌ، فلا تُستباح بالمعصيةِ، فلا يصِحُّ على مغصوبٍ وحريرٍ ولو في ضرورة، كخوفِ سقوطِ أصابعَ بثلجٍ، لكنْ يباحُ حريرٌ لأنثى فقط. (ساترٍ لـ) ـمحلِّ (فَرضٍ) يترخص مرَّتين، بل يَنزِعهما ويغسل رِجلَيه حيث كان قادرًا على الماء. وقيل: يجوز له المسحُ حيث لَبِسهما لحاجة. وهو أَظهرُ كما ذكره صاحبُ "التنقيح" قال: واخترنا جوازَ المسحِ له، وهو ظاهرُ كلامِ الأصحاب؛ لإطلاقهم المسحَ على الخفَّين ولم يستثنوا أحدًا، ولم أَرَ المسألةَ إلا في "الفروع" (١)، وعنده تحقيق. ولا يصحُّ للذَّكَر المسحُ على الخفِّ الحرير. دنوشري مع زيادة. (من صوفٍ أو غيرِه) أشار الشارحُ بقوله: "أو غيره" إشارةً إلى كون الجوربِ من صوف ليس شرطًا، بل هو الغالبُ، ويجوز من غيره كالخِرَق، على المذهب. بعض الشرَّاح. (وللمسح على الخفِّ ونحوه شروطٌ) ولمَّا كان المسحُ على الخفَّين وما في معناهما مشروطًا بشروط ثمانيةٍ، ذكر المصنِّفُ أربعةً، والشارحُ ثلاثةً، وذكرتُ واحدًا ذكره "المنتهى" نبَّه المصنِّفُ على بعضها، والشارحُ على بعضها. الشرطُ الأوَّل: ما أشار إليه بقوله: (مباحٍ) يعني إباحتَه مطلقًا، سواءٌ كانت هناك ضرورةٌ تدعو إلى لُبسه، كخوف سقوطِ أصابعه من شدَّة البردِ والثلجِ إنْ نزعه، أو لم تكن ضرورةٌ. (فلا يصحُّ المسحُ على مغصوب) ونحوِه (وحريرٍ) لِذَكَرٍ (ولو لضرورة) داعيةٍ إلى ذلك، كما تقدَّم. فإنْ لَبِسَه ومَسَح، أعاد الطهارةَ والصلاةَ؛ وذلك لأنَّ المسحَ رخصةٌ، فلا تُستباح مع المعصية، كما لا يَستبيحُ المسافرُ الرُّخَصَ بسفر المعصية. دنوشري.

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو القَدَمُ كلُّه، ساترٍ لمحلِّ فرضٍ: الشرط الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ساترٍ لمحلِّ فرض) فلا يصحُّ المسحُ إلَّا على ما يستُرُ محلَّ الفرض. (وهو القدمُ كلُّه) فلو كان الفرض ظاهرًا، لم يَجز المسحُ عليه؛ لأنَّ حكمَ ما ظَهَرَ الغَسلُ، وحكم ما سُتر جوازُ المسح، ولا سبيلَ إلى الجمعِ ببنهما من غيرِ ضرورة، فوجب الغَسلُ، كما لو ظهرت إحدى الرِّجلَين، فإنَّه يجب أنْ يغسلَ الأخرى، سواءٌ كان ظهورُه لِقصَرِ الحائلِ، أو لصفائه، أو سَعَتِه، أو خَرْقٍ فيه، وإنْ صَغُر حتى موضع الخَرْز. وظاهرُه أنَّ الخَرْزَ إذا انضمَّ ولم يَبْدُ منه شيءٌ أنَّه يجوز المسحُ. وهو المنصوصُ. لكن مال المجدُ إلى العفو عن خَرْقٍ لا يمنع متابعةَ المشيِ نظرًا إلى ظاهر خِفَافِ الصحابة ﵃. وبالغ الشيخ تقيُّ الدين فقال: يجوز على المخرَّق إلا إن تخرَّق أكثره. واختار الشيخ تقيُّ الدين جوازَ المسح على الخفِّ المخروق ما دام اسمُه باقيًا والمشيُ فيه ممكنًا (١). واختاره أيضًا جَدُّه المجدُ وغيرُه من العلماء. واختار الشيخ تقيُّ الدين أيضًا جوازَ المسح [على] الملبوسِ ولو كان دونَ الكعب (٢). والمذهبُ الأوَّلُ. وعِلَّتُه ما تقدَّم. ولا يُشترط في الساتر كونُه صحيحًا، بل لو حصل السَّترُ بمخرَّق أو مفتَّقٍ وينضمُّ بلُبسه، فإنَّه يجوز المسحُ عليه إذا انضمَّ بلُبْسه؛ لحصول السَّترِ به. فإنْ لم ينضمَّ بلُبسه، لم يصحَّ المسحُ عليه؛ لكونه غيرَ ساترٍ حينَئذٍ، أو كان القدمُ يظهر بعضُه (من الخفِّ) (٣) الملبوسِ (لولا شدُّه) أي: ربطُه من أَعلى (أو شَرْجُه) بالشين المعجَمةِ والجيمِ، أي: يزرره، بأن يكون له عُرًى كالزَّربول الذي ليس له ساقٌ، فيُدخِلُ بعضَها في بعض، فيستُرُ بذلك محلَّ الفرض، فإنَّه يصحُّ المسحُ عليه. قال الزركشي: وفي معنى الخفِّ الزَّربولُ الذي له آذان. وقال أبو الحسن الآمديُّ: لا يجوز المسحُ عليه كاللَّفائف. ولنا: أنَّه خفٌّ ساترٌ يمكن متابعةُ المشي فيه، فيصحُّ المسحُ عليه.

стр. 347

يثبُتُ بنفسِه. وإلَّا، فحكمُ ما استتر المسحُ، وما ظهرَ الغَسْلُ، ولا يُجمع بينهما؛ فوجب الغَسْلُ؛ لأنَّه الأصل. (يَثْبُتُ) الخفُّ ونحوه في الرِّجْل (بنفسه) من غيرِ شدٍّ؛ إذ الرُّخْصَةُ وردتْ في المعتاد، وما لا يثبتُ غيرُ مُعْتادٍ، لكنْ لو ثبتَ بنعلين، صحَّ المسحُ إلى خَلْعِهما، ويمسحُ على سُيُور (١) النعلين، وما ظَهَر من الخفِّ. وإذا ثبت بنفسه لكنْ يبدو بعضُه لولا شدّه أو شرجه (٢)، كزَربول (٣) له ساقٌ، صحَّ المسحُ عليه. ولا فرقَ في المخرَّق الذي ينضمُّ بلُبْسه بين كونِ الخَرْقِ كبيرًا أو صغيرًا، مِن موضع الخَرْزِ أو غيرِه. دنوشري مع زيادة. (وإلَّا فحكمُ ما استتر .. إلخ) أي: وإلَّا، بأنْ ظهر منه شيءٌ فحكمُ إلخ. "يثبت بنفسه": الشرط الثالث: أشار إليه بقوله: (يثبت بنفسه) أو بنعلَين. وتستمرُّ مدَّةُ المسحِ إلى خَلْعهما ولو قبل اليومِ والليلةِ للمقيم، أو الثلاثةِ أَيامٍ بلياليهنَّ للمسافر الذي لم يَعصِ بسفره؛ إذ الرخصةُ وردت في الخفِّ المعتادِ، وما لا يثبتُ بنفسه ليس في معناه، وحينئذٍ لا يجوز المسحُ على ما سقط؛ لِزوالِ شرطِه، ولا على اللفائفِ في المنصوص. وحكاه بعضُهم إجماعًا؛ لعدم ثبوتها بنفسها، سواءٌ كان تحتَها نعلٌ، أوْ لا، ولو مع مشقَّة في الأصحِّ. لكن حكى ابنُ عبدوسٍ روايةً بالجواز بشرط قوَّتها وشَدِّها. دنوشري. (من غير شدٍّ) أشار بهذا القيدِ إلى مفهومِ كلامِ المصنِّف أنَّه إذا كان لا يثبت إلا بشدٍّ أنَّه لا يجوز المسحُ عليه. وهو كذلك. ويُستثنى من هذا المفهومِ ما لو ثبتَ الجَوْربان بالنَّعلين أنَّه يجوز المسحُ عليهما ما لم يخلع النَّعلَين، ويجب أن يمسحَ على الجَوْربين وسُيُور النعلينِ قَدْرَ الواجب. ويستثنَى منه أيضًا جوازُ المسحِ على الذي يثبتُ بنفسه ولكن يبدو بعضُه لولا شدُّه أو شَرْجُه على المذهب. بعضُ الشرَّاح. (وما لا يثبت) أي: بنفسه (لكن لو ثبتَ بنعلَين) استدراكٌ على قوله: "بنفسه" دَفَعَ به ما يتوهَّم نفيُه.

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن شرْطِ الخفِّ ونحوِه أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه عُرفًا، ولو لم يكنْ معتادًا، كلبدٍ وخشبٍ، وطهارةُ عينه، (ومن شرط الخفِّ ونحوِه أيضًا) أي: كما شُرط له الإباحةُ وما عطف عليها يُشترط أيضًا: إمكانُ مشيٍ فيه: الشرطُ الرابع: ما أَشارَ إليه بقوله: (إمكان مشيٍ فيه عُرفًا ولو لم يكنْ معتادًا) فعلى المذهبِ يصحُّ المسحُ على الجلود، واللُّبودِ، والخشبِ، والزُّجاجِ الصَّفيقِ الذي لا يَصِفُ البَشَرةَ، والحديدِ، ونحوِ ذلك، حيث أمكنَ متابعةُ المشيِ فيه؛ لأنَّه خفٌّ ساترٌ لمحلِّ الفرضِ أَشبهَ الجلودَ، ولأنَّه قد يُحتاج إلى بعضِها في بعض البلادِ، ولا يضرُّ عدمُ الحاجةِ في غيرها؛ لوجودها في الجملة. على أنَّ الضرورةَ ليست شرطًا لصحَّةِ المسح. دنوشري. وطهارةُ عينِه: الشرطُ الخامس: ما أَشارَ إليه بقوله: (وطهارة عينه) فلا يصحُّ المسح على نَجِس، كجلد الكلبِ والخِنزيرِ ونحوِهما، كالَّذي يتولَّد منهما أو مِن أحدِهما، ولا على جلد الميتةِ، ولو مدبوغًا، ولو في ضرورةٍ، كالبلاد الباردة التي يخاف سقوط أصابعِه من شِدَّة بردِها، فإنَّه لا يسوغُ له المسحُ عليها إذا لبسها لضرورة، ويؤمَرُ بنزعها. وإن خاف ولم يَنْزع، تيمَّمَ معها؛ لمَستورٍ بذلك النجسِ، فإن كان النجِسُ خُفًّا، تيمَّم مع خوف نزعِه لغَسل الرِّجلين. وإن كان عِمامةً، تيمَّمَ -مع خوف نزعِها- لمسح الرأسِ. وإن كان جبيرةً، تيمَّم - مع خوف نزعِها- لغَسل ذلك العضوِ المشدودةِ عليه. ولا يمسحُ على ما كان نجِسًا من ذلك جميعِه. ويعيدُ ما صلَّى بالسَّاتر النجسِ. قال المجدُ: هذا هو الأظهرُ. واختاره ابنُ عقيل. قال في "الإقناع" (١): ولو مسح على خفٍّ طاهرِ العينِ، لكن بباطنه أو قدمِه نجاسةٌ لا يمكن إزالتُها إلَّا بنزعه، جاز المسحُ عليه، ويستبيحُ بذلك مسَّ المصحفِ والصَّلاةَ إذا لم يجدْ ما

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وألَّا يَصِفَ القدمَ لصفائه -كزجاجٍ رقيقٍ- أو خِفَّته. يزيل النَّجاسةَ. قلت: ولا يكون هذا مُخرَّجًا على رواية الوضوءِ قبل الاستنجاءِ أو الاستجمارِ؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ الحَدَثَ يرتفع قبل زوالِ حكمِ الخَبَث. وفرَّق المجدُ بينهما بأنَّ نجاسةَ المحلِّ هناك لمَّا أَوجبت الطهارتين، جُعلت إحداهما تابعةً للأُخرى، وهذا معدومٌ هنا، وأُبيح له فِعْلُ الصلاةِ مع النَّجاسةِ للضَّرورة. وقال في "المبدع": والإعادةُ تحتمل وجهين. دنوشري مع زيادة. "وألَّا يَصِفَ القدم": الشرطُ السادس: ما أشار إليه بقوله: (وألَّا يصفَ القدم) أي: لا يصفُ البَشَرة (لصفائه، كالزُّجاج الرقيقِ، أَو خِفَّتِه) كالجَوْرب إذا لم يكن صَفيقًا، بأن كان خفيفًا يَصِفُ القدمَ، لم يَجز المسحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساترٍ لمحلِّ الفرضِ، أَشبهَ النَّعلَ. وبقي شرطٌ نبَّه عليه صاحبُ "المنتهى" (١) بقوله: وألَّا يكونَ واسعًا يُرَى منه بعضُ محلِّ الفرض. فإنْ كان واسعًا بحيث يُرى منه الكعبُ أو بعضُ القدم، فلا يجوز المسحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساترٍ لمحلِّ الفرضِ، أَشبهَ المخرَّقَ الذي لا ينضمُّ بلُبْسه. وإنْ لَبِسَ لابسُ خفٍّ أو نحوِه على خفِّه خفّا آخَرَ لا بعد حدثٍ، بأنْ لَبِسَ الخفَّ الثانيَ قبل الحدثِ ولو مع خَرْقِ أحدِ الخفَّين، سواءٌ كان المخرَّقُ الفوقانيَّ أو التحتانيَّ، صحَّ المسحُ على الفوقانيِّ وإن كان مخرَّقًا، ولا يجوز المسحُ على التحتانيِّ إلَّا أن يكونَ هو الصحيحَ؛ لوجود الساترِ. هذا مع خَرْقِ أَحدِهما، أمَّا إذا كانا مخرَّقين، لم يجز المسحُ على واحدٍ منهما ولو ستر، كما ذكره في "الإنصاف" (٢). وأمَّا إذا كانا صحيحينِ ولَبِسَ الثانيَ قبل الحدثِ، مسح أيَّهما شاء، إنْ شاءَ الفوقانيَّ وإنْ شاءَ التحتانيَّ، بأن يُدخِلَ يده تحت الفوقانيِّ فيمسح عليه، كما ذكره في

стр. 350

وعلى عِمامةٍ محنَّكةٍ، (و) يصحُّ المسحُ (على عِمامة) لقولِ عمرو بن أمية: "رأيتُ النبيَّ ﷺ مسحَ على عمامته وخفَّيه". رواهُ البخاري (١). (محنَّكةٍ) وهي التي يُدَارُ منها تحتَ الحَنَك (٢) كَور "الإقناع" (٣) لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما محلٌّ للمسح، فجاز المسح عليه، كما يجوز غَسْلُ قدميه في الخفِّ مع جواز المسحِ عليه. وإن نزع الفوقانيَّ قبل المسحِ عليه، لم يؤثِّر في بقاء المدَّة. وفُهم من قوله (٤): "لا بعد حدث" أنَّه لو أَحدثَ ثمَّ لَبِسَ الآخَر، أو مسح الأوَّلَ ثمَّ لبس الثانيَ، لم يجز المسحُ عليه، بل على الأسفلِ حيث كان صحيحًا أيضًا. وحاصله: أنَّهما إذا كانا صحيحين، صحَّ المسحُ على أيِّهما شاء، أو كان التحتانيُّ وحدَه صحيحًا، أو الفوقانيُّ وحدَه صحيحًا، صحَّ المسحُ على الفوقانيِّ منهما. وقيل: إذا كان التحتانيُّ وحدَه صحيحًا، لا يصحُّ المسحُ إلَّا عليه. والمذهب الأوّل. ولو لبس أحدَ الجُرْمُوقين في إحدى الرِّجلَين دون الأخرى، جاز المسحُ عليه وعلى الخفِّ الذي في الرِّجل الأخرى؛ لأنَّ الحكم تعلَّق به وبالخفِّ الذي في الرَّجل الأخرى، فهو كما لم يكن تحتَه شيءٌ. وإنْ نَزَع الممسوحَ، بأن كان صحيحًا أو مخرَّقًا وما تحتَه صحيحٌ، لزم نزعُ ما تحته، ولزمه غَسلُ رِجلَيه؛ لأنَّ محلَّ المسحَ قد زال، ونَزْع أَحدِ الخفين كنزعهما؛ لأنَّ الرخصةَ تعلَّقت بهما، فصار كانكشاف القدمِ. (ويصحُّ المسحُ على عِمامة) بشروطٍ أَربعةٍ: ذَكَرَ المصنِّف ثلاثةً والشارحُ واحدًا. الأوّل: كونُها (مُحَنَّكةً: وهي التي يُدار منها تحت الحنكِ كَوْرٌ أو كَوْران) فلا يجوز المسحُ على غير المحنَّكة، وهي الصَّمَّاء؛ لأنَّها لم تكن عِمَّةَ المسلمين ولا يَشُقُّ نزعُها،

стр. 351

أو ذاتِ ذؤابةٍ، - بفتح الكاف- أو كَوران، وإن لم يكنْ لها ذُؤابة. (أو) أي: وعلى عِمامة (ذاتِ) أي: صاحبةِ (ذؤابةٍ) بضمِّ المعجمة، بعدَها همزةٌ مفتوحة، وهي طرفُ العِمامة المرخيُّ (١). أَشبهت الطاقيةَ والكلتة (٢)، وهي منهيٌّ عن لُبْسها. وقد رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ أَمرنا بالتلحِّي (٣) ونهى عن الاقتعاط. رواه أبو عبيد. والاقتعاط: ألَّا يكونَ تحتَ الحنكِ منها شيءٌ. قال عبد الله: كان أبي يكره أنْ يعتمَّ الرجلُ بالعِمامة ولا يجعلَها تحت حنكِه. فلا يُباحُ المسحُ عليها مع النهي، ولا يتعلَّق بها رخصة. وقد رُوي عنه أنَّه كَرِهَه كراهةً شديدة، وقال: إنَّما يعتمُّ مِثلَ هذا اليهودُ والنَّصارى. قال في "الفروع" (٤): وكره الإمامُ أحمدُ لُبْسَ غيرِ المحنَّكة، والأقربُ أنَّها كراهةٌ لا ترتقي إلى التحريم. واختار الشيخُ تقيُّ الدين (٥) جوازَ المسحِ على العِمامة الصمَّاءِ أيضًا ولو لم تكنْ محنَّكة، وقال: هي كالقلانس المبَّطنة وأَولى؛ لأنَّها في السَّتر ومشقَّة النزعِ لا تقصُرُ عنها. والمذهب الأوَّل. وإذا كانت محنَّكة، جاز المسحُ عليها، سواءٌ كان لها ذُؤَابةٌ أم لم يكنْ؛ لأنَّ هذه عِمَّةُ المسلمين على عهدِه ﷺ ، وهي أكثرُ سَتْرًا، ويشقُّ نزعُها. قال القاضي: وسواءٌ كانت صغيرةً أو كبيرةً؛ لأنَّها تفارق عمائمَ أهلِ الكتاب. وان لم تكن محنَّكةً أو ذاتَ ذُؤابةٍ، لم يجز المسحُ عليها، وهي الصَّمَّاء. والذُّؤابة، بضمِّ الذال … إلخ، قال الجوهريُّ (٦): هي من الشَّعر. وهي النَّاصية، أو منبتُها من الرَّأس. والمراد بالذُّؤابة هنا العِمامةُ المَرخيُّ منها شيءٌ، سمِّي بذلك مجازًا. دنوشري وزيادة. (أو ذاتِ ذؤابةٍ) والأفضلُ في الذؤابةِ أن تكونَ قَدْرَ شِبرٍ، فلو كانت أكثرَ، فلا بأس،

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن لم تكنْ محنَّكةً، قال الإمام أحمدُ في روايةِ الأثرم وغيرِه: ينبغي أن يرخيَ خَلْفه من عمامته، كما جاء عن ابن عمرَ أنَّه كان يعتمُّ ويرخيها بين كتفيه (١). وعن ابن عمر قال: عمَّم النبي ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بعمامةٍ سَوْداءَ، وأرخاها من خَلْفِه قَدْرَ أربعِ أصابع (٢). فلا يصحُّ المسحُ على عمامة صمَّاء (٣). رُوي أنَّ ذؤابة ابنِ الزبيرِ كانت تبلغُ سُرَّتَه، أو ووسطَه (٤). وأمَّا محلُّها، فالسُّنَّةُ أن تكونَ خلفَه. وأمَّا ما يفعله بعضُ الناسِ من إخراج طرفِ العمامةِ عند انتهاءِ لفِّها قدرَ الإِصبعِ، فليس بذؤابة، فلا تخرجُ به العِمامةُ عن الصمَّاء. ولو جعل في عمامةٍ خِرقةً وأَرخاها ذؤابةً، فقال ابنُ عبدِ الهادي: ظاهرُ كلامِهم لا فرقَ. والسنَّة في العِمامة أن تكونَ بيضاءَ. ويجوز أن تكونَ خضراءَ أو سوداءَ. وأمَّا العِمامةُ الزرقاءُ والحمراءُ والصفراءُ، فيُكرهُ لُبسُها؛ لأنَّ ذلك زِيُّ اليهودِ والنصارى والسامرة. ولُبْسُ الطائفةِ الأحمديَّةِ العِمامةَ الحمراء الأولى (٥) … فلا يمنع كونه زِيَّ مَن ذكر. انتهى ما وجدته بخطِّ الوالد. (فلا يصحُّ المسحُ على عمامة صماء) هذا محترز قوله: "محنكة" أو ذات ذؤابة (٦) … ساترة للمعتاد.

стр. 353

ساترةٍ للمعتادِ لرَجُلٍ. (ساترةٍ) بالجرِّ، صفةٌ بعد صفة لـ "عمامة". يعني أنَّه لابدَّ في العِمامةِ من أن تكونَ ساترةً (للمعتاد) سترُه من الرأس؛ فلا يضرُّ كَشْفُ مقدَّم الرَّأسِ، والأذنين، وجوانبِ الرَّأس. ولابدَّ من كونها (لرجُلٍ) المرادُ به الذَّكَر، كبيرًا كان أو صغيرًا، فلا يصحُّ مسحُ أنثى وخنثى عليها، ولو لبساها لضرورةٍ نحوِ بَرْدٍ. ولابدَّ من كونها مباحةً أيضًا، فلا يصحُّ المسحُ على مغصوبةٍ وحريرٍ. الشرط الثاني: سَترُ العِمامةِ من الرأس غيرَ ما العادةُ كشفُه، كمقدَّم رأسِه، وجوانبِه، والأُذنين؛ لأنَّه جرت العادةُ بكشفِه، فيكفي عنه؛ لمشقَّة التحرُّز عن مِثلِه، بخلاف خَرقِ الخفِّ الذي لا ينضمُّ بلُبسه. ولا يجب مسحُ ما جَرَت العادةُ بكشفه مع العمامةِ؛ لأنَّ العمامةَ نابَتْ عن الرأسِ، فانتقل الفرضُ إليها وتعلَّقَ الحكمُ بها، ولأنَّ الجمعَ بينهما يُفضي إلى الجمعِ بين البَدَلِ والمبدَل في عضوٍ واحد، فلم يَجُزْ من غيرِ ضرورة، كالخفِّ، لكنه مستحبٌّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ مسح على عمامته وناصيته، في حديث المغيرةِ، وهو حديثٌ صحيح. دنوشري. (ولابدَّ من كونها) أي: ويشترطُ أن تكونَ لرَجُل إلخ (لِرَجُل) الشرط الثالثُ: كونُها على ذَكَرٍ، فلا يصحُّ المسحُ على عمامةِ المرأةِ؛ لأنَّها منهيَّةٌ عن التشبُّه بالرِّجال، فكانت محرَّمةً في حقِّها، فلا تَترخَّص معه. قال في "الفروع" (١): ولا تَمسح امرأةٌ على عمامة. ويُشترط أيضًا مع ما ذكره أن تكونَ العمامةُ مباحةً، فلو كانت مغصوبةً أو حريرًا، لم يصحَّ المسحُ عليها ولو لَبِسها للضَّرورة، كما ذكره في "الإنصاف". قال في "الرِّعاية" -نقلًا عن "الإنصاف" (٢) -: وإن لَبِسَ عمامةً فوق عِمامةٍ لحاجة، كبرد أو غيرِه، قبل حَدَثِه وقبل مسحِ السُّفلى [مَسَحَ العليا التي بصفة السُّفلى] لأنَّهما صارا كالعمامةِ الواحدة، وإلَّا فلا، كما لو تَرَكَ فوقها مِنديلًا أو نحوَه. فإنَّه لا يصحُّ المسحُ عليه. ويجب مسحُ أَكثرِ العمامةِ؛ لأنَّها

стр. 354

وخُمُرِ نساءٍ مدارةٍ تحت حُلوقِهنَّ (و) يصحُّ المسحُ على (خُمُر نساءٍ) جمعُ خِمار -ككِتَاب وكُتُب- وهو ثوبٌ تغطِّي به المرأةُ رأسَها (١) (مدارةٍ) تلكَ الخُمُر (تحت حُلوقِهنَّ) أي: النساء؛ لأنَّ أمَّ سلمةَ ﵂ كانتْ تمسحُ على خمارها. ذَكَره ابنُ المنذر (٢) ممسوحةٌ على وجه البَدَلِ، فأجزأَ بعضُها، كالخُفِّ. ويختصُّ ذلك بأَكوارها، وهي دوائرُها. قاله القاضي (٣). فإنْ مسح وسطَها فقط، أَجزأَه في وجهٍ، كما يُجزئ بعضُ دوائرِها. وعنه: يجب استيعابُها؛ قياسًا على مسحِ الرأس. وقيل: يُجزئ مسحُ بعضِها. والصحيحُ الأوَّلُ. قال في "الفروع" (٤): ويُجزئ مسحُ أكثرِ العمامةِ، على الأصحِّ. دنوشري وزيادة. (ولابدَّ من كونها مباحةً) أي: ويُشترط أن تكونَ … إلخ. (ويصحُّ المسحُ) أيضًا (على خُمُرِ نساءٍ … مُدارةٍ … تحت حلوقِهنَّ) في إحدى الرِّوايتين. قال في "الإنصاف" (٥): وهو المذهبُ، وصحَّحه في "التَّصحيح" (٦)، والمجدُ في "شرح الهدايةِ". (وكانت أُمُّ سَلَمةَ تمسحُ على خِمارها. ذكره ابنُ المنذر) وفي لفظٍ للإمام أحمدَ: أنَّ النبي ﷺ قال: "اِمسحوا على الخفَّين والخِمار" (٧) ولأنَّه ساترٌ يَشُقُّ نزعُه، أَشبهَ المحنَّكةَ. وعُلم من قولِه: "مدارةٍ تحت حلوقِهنَّ" أنَّ خِمارَ المرأةِ إذا لم يكنْ مدارًا تحتَ حلقِها، لا يصحُّ المسحُ عليه. كما أنَّه لا يصحُّ المسحُ على قلانِسَ ولو محبوساتٍ تحت حلقِه.

стр. 355

في حَدَثٍ أصغَرَ، يومًا وليلةً لمقيمٍ، فلا يجوز المسحُ على الوقاية؛ لأنَّها كطاقيَّة الرَّجل لا يشقُّ نزعُ واحدة منهما. وإنَّما يصحُّ المسحُ على جميعِ ما تقدَّم (في حَدَثٍ أصغرَ) لا أكبرَ؛ لحديث صفوان قال: "أمَرَنا رسولُ الله ﷺ أنْ لا ننزعَ خِفافنا ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ إلَّا من جنابة" (١). وقولُه: (يومًا وليلة) ظرفان للمَسْحِ، يعني أنَّه يصحُّ المسحُ على الخفِّ ونحوِه، [وعلى العِمامةِ] (٢) والخُمُرِ مدَّةَ يومٍ وليلة (لمقيمٍ) وعاصٍ بسفره، أو دونَ المسافة والقلانسُ: مبَّطناتٌ تُتَّخذ للنَّوم. والدَّنِّيَّات: قلانسُ كِبَارٌ كانت القضاةُ تَلبَسُها. قال في "مجمع البحرين": هي على هيئةِ ما تتَّخذه الصُّوفيةُ الآن. وقال في "الإنصاف": لا يباحُ المسحُ عليها، وهو المذهبُ (٣). قال في "الفروع" (٤): ولا يمسحُ قلنسوة. ووجهُ المذهبِ أنَّ القَلَنْسُوةَ لا يشقُّ نزعُها، فلم يَجُز المسحُ عليها. ولا يصحُّ المسحُ أيضًا على لَفَائف، جمع لِفَافة: وهي خِرَقٌ تشدُّ على الرِّجل من غيرِ خياطة، سواءٌ كان تحتَها نعلٌ، أَوْ لا، ولو مع مشقَّةٍ في الأصحِّ. دنوشري مع زيادة. (لا يشقُّ نزعُ واحدةٍ منهما) أي: مِن وقايةِ المرأةِ وطاقيَّةِ الرَّجُل، إلَّا مِن جَنابةٍ، فإنَّنا نَنزعُ الخفَّ وغيرَه. (في حَدَثٍ أَصغَرَ) متعلِّقٌ بقوله: "يصحُّ المسحُ على خفٍّ" أمَّا الحدثُ الأكبرُ، فلا يصحُّ المسحُ عليه، بل يخلعه. (يومًا وليلةً لمقيمٍ) ولو عاصيًا بإقامة، كمَن أَمَره سيِّدُه بسفر، فأَبى أنْ يسافرَ. ويمسحُ
следующие страницы →