← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولمسُ ذَكَرٍ أو أنثى الآخَرَ لشهوةٍ، الخامس من النواقض: أشار إليه بقوله: (ولمسُ ذَكَرٍ، أو أنثى الآخرَ) بالنَّصْبِ مفعول "لمس" وذلك بأن يَلْمِسَ الذَّكَرُ بشَرة الأنثى. أو تمَسَّ بشرتَه بلا حائل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] بشرط أن يكونَ اللمسُ (لشهوة) للجمع بين الآية والأخبار. فلو حصل اللَّمسُ بلا شهوة، وهي: التلذُّذ بذلك، فلا نقضَ؛ لحديث عائشةَ قالتْ: "كنتُ أنامُ بين يدي رسولِ الله ﷺ ورجلايَ في قِبلته، فإذا سجد، غَمَزني، فقبضْتُ رجليَّ" متَّفق عليه (١) الفَرْجَ اسمٌ لمخرج الحدثِ لا ما قاربَه. وعُلم ممَّا تقدَّم أنَّه لا نقضَ بمسٍّ غير الفَرْجَين من البدنِ. وهو قولُ الجمهورِ من العُلماءِ. وإنَّما ينقضُ مسُّ الفرجِ أو الثقبِ. دنوشري. (ولمسُ ذَكَرٍ أو أُنثى الآخَرَ) هذا من بابِ إضافةِ المصدرِ إلى فاعله. بأن يمسَّ الرجلُ المرأةَ لشهوة، أو تمسَّ المرأةُ الرجلَ لشهوة. واللمسُ في الأصل: الجَسُّ باليد. والمرادُ به: التقاءُ بَشَرتي الرجلِ والمرأةِ. أمَّا كونُ اللمسِ لا ينقضُ إلَّا إذا كان لشهوة، فلِلجمع بين الآيةِ والأخبارِ؛ لأنَّه رُوي عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: فقدتُ رسولَ الله ﷺ ليلةً من الفراشِ، فالتمستُه، فوقعت يدي على بطنِ قدمَيه وهو في المسجدِ، وهما منصوبتان. رواه مسلم (٢) -ونصبُهما دليلٌ على أنَّه كان يصلِّي-[و] رواه النَّسائي (٣). ولو بطلَ وضوءُه، لَفسدت صلاتُه. فاللمسُ الناقضُ للوضوءِ معتبرٌ مع الشهوة؛ لأن المسَّ ليس بحدثٍ في نفسِه، وإنَّما هو داعٍ إلى الحدثِ، فاعتُبرت الحالةُ التي تدعو لها، وهي حالةُ الشهوةِ. وأمَّا كونُ المرأة ينتقضُ وضوءُها بلمس الرجلِ لشهوةٍ، فإنَّها ملامَسةٌ تنقضُ الوضوءَ، فاستوى فيها الذَّكَرُ والأنثى، كالجِماع. سئل الإمامُ أحمدُ عن المرأة تمسُّ زوجَها؟ قال:

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والظاهرُ أنَّ غَمْزَه كان من غيرِ حائلٍ. فينقضُ مع الشَّهوة لمسُ أحدهِما الآخرَ، ولو بزائدٍ لزائد، أو أشَلَّ، أو ميتٍ، [ما] (١) سمعتُ فيها شيئًا، ولكن هي شقيقةُ الرجل، يُعجبني أنْ يتوضَّأ. قال في "الإنصاف" (٢): حكمُ مسِّ المرأة بَشَرةَ الرجلِ حكمُ مسِّ الرجلِ بشَرةَ المرأةِ، على الصَّحيح من المذهب، قطعَ به الأكثرُ، وعنه: لا ينقضُ مسُّ المرأةِ للرَّجل وإن قلنا: ينتقضُ لمسُه لها، وهو ظاهرُ "المغني" (٣)، وأطلقها في "الكافي" (٤) وابنُ عُبيدان وابنُ تَميم. وشرطُ النقضِ باللَّمس أنْ يكونَ بلا حائل؛ لأنَّه مع وجود حائلٍ، لم يلمسْ بشَرَتها، والشهوةُ المجرَّدةُ لا توجبُ الوضوءَ، كما لو وجدت من غير لمسِ شيءٍ. وعمومُ اللمسِ يشمل ما لو كان اللمسُ بزائدٍ لزائدٍ؛ لأنَّ قولَ الأصحابِ: إنْ مسَّ بشرَة الرجلِ بشَرةَ الأنثى، وعكسُه، لشهوة. ويشملها إذا كان بخِلْقة زائدةٍ من اللامسِ أو الملموسِ، كاليد، والرِّجلِ، والإِصبعِ الزائدةِ. وهو صحيحٌ، وعليه الأصحابُ. قال في "المبدِع": ولا فرقَ بين مسِّها بعضو زائدٍ، أو مسِّ عضوٍ زائدٍ منها. وقيل: لا ينقضُ المسُّ بزائد ولا مسُّ الزائد. قال صاحب "النهاية": وهذا ليس بشيءٍ. (أو أشلَّ) أي: أو كان اللمسُ بعضو أشلَّ. قال في "الفروع" (٥): لمسُ زائدٍ وبه كأصليٍّ في الأصحّ، وكذا أشلُّ. وقيل: لا ينقضُ. قال ابنُ عقيل: يحتمل أن تكونَ كالشَّعر؛ لأنَّها لا روحَ فيها. والأوَّلُ المذهبُ. وكما ينقضُ الوضوء بلمس حيٍّ، كذلك ينقضُ الوضوء بلمس مريضٍ، أو مَيْت، حيث كان لشهوة؛ لأنَّ عمومَ اللمسِ يشمل الحيَّ والميتَ والمريضَ، فكما أنَّه يجبُ

стр. 388

لا مَنْ دونَ سَبْعٍ، ولا مسُّ شَعَرٍ، أو ظُفرٍ، أو هَرِم أو مَحْرَمٍ. (لا مَن دونَ سَبْعٍ) أي: لا ينقض لمسُ رجلٍ أنثى دون سبعٍ، ولا لمس أنثى ذكرًا دون سَبْعٍ. (ولا) ينقضُ (مَسُّ شَعَرٍ، أو ظفر) أو سِنٍّ، أو عضوٍ مقطوعٍ، ولا المسُّ بذلك. الغُسلُ بوطء الميتِ، كذلك ينتقضُ الوضوءُ بلمسه. قال في "الإنصاف" (١): أمَّا الميتةُ فهي كالحيَّةِ، على الصحيحِ من المذهبِ، كما جزمَ به في "المستوعِب" و"التَّلخيص". ولمَّا كان عمومُ النصِّ يتناول لَمسَ الهَرِمةِ وذواتِ المَحْرَمِ، قال ﵀: (أو هرمٍ أو مَحْرمٍ) يعني: أنَّ الملموسَ إذا كان هَرِمًا أو مَحْرَمًا، فإنَّه ينتقضُ الوضوءُ بلمسها لشهوةٍ. قال في "الإنصاف" (٢): وأمَّا العجوزُ فهي كالشَّابَّة، على الصحيحِ من المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ من الأصحاب. وكذلك ينتقضُ الوضوءُ بلمس الصغيرةِ التي فوق سبعٍ إذا كانت تُشتهى. وأمَّا المَحرمُ، فهي كالأجنبيَّة على الصَّحيح من المذهبِ. وقيل: لا ينقضُ مسُّ المَحْرَمِ. وقدمه في "الرِّعاية الصُّغرى" دنوشري. (لا مَن دونَ سبعٍ) أي: لا نقضَ أيضًا بلمس مَن لها أوْله دون سبعٍ. يعني: أنَّه لا ينقضُ مسُّ مَن دونَ سبعِ سنينَ مِن ذَكَرٍ أو أنثى. فلا نقضَ بمسِّ الرَّجلِ الطِّفلةَ، ولا مسِّ المرأةِ الطفلَ؛ لأنَّ مَن له دون سبعِ سنين لا يُشتهَى، فلا ينتقضُ الوضوءُ بلمسه. وإنَّما ينتقضُ الوضوءُ بلمس الذي -أو التي- تُشتهَى. وصرّح المجدُ أنَّه لا ينقضُ لمسُ الطفلةِ. وفُهم من قولِه: "مَن دون سبعٍ" أنَّ الصغيرةَ إذا تمَّ لها سبعُ سنين، فإنَّها تكونُ كالكبيرة، فينقضُ الوضوء بلمسها لشهوةٍ، على الصحيح من المذهبِ. (ولا ينقضُ مسُّ شعر إلخ) ولا ينقض لمسُ مطلقِ الشَّعرِ وظُفرٍ وسِنٍّ وعضوٍ مقطوعٍ، لشهوةٍ أو لغير شهوةٍ. نصَّ عليه؛ لانتفاءِ المعنى في المذكوراتِ؛ لأنَّها ليست محلًّا للشهوة،

стр. 389

أو أمردَ، ولا مع حائلٍ، ولا ممسوسٌ فرجُه أو بدنُه، ولو وَجَدَ شهوةً. (أو أَمْرَدَ) يعني لا ينقض وضوءَ رجلٍ مسُّ أمردَ ولو بشهوة؛ لعدم تناولِ الآية له، ولأنَّه ليس بمحلٍّ للشهوة شرعًا. قال في "القاموس" (١): والأمردُ: الشابُّ طَرَّ شاربُه (٢)، ولم تَنْبُت لحيتُه. (ولا) ينقضُ الوضوءَ مسٌّ لفرجٍ، أو لمسٌّ لبدنٍ (مع حائلٍ) أشبهَ ما لو لمسَ الحائلَ وحدَه. (ولا) ينتقض وضوءُ (ممسوسٍ فرجُه) بالرَّفع؛ على أنَّه نائب فاعل: "ممسوس" (أو) ملموسٍ (بدنُه) بالرفع؛ عطفًا على ما قبله (ولو وَجَدَ) ممسوسٌ أو ملموسٌ (شهوةً) لأنَّه لا نصَّ فيه. ولا يصحُّ قياسُه على اللَّامس؛ لفرطِ شهوته. ومتى لم ينقض مسُّ أنثى، استُحبَّ الوضوءُ. ولا يُلتذُّ بلمسه، وإن التُذَّ بالنَّظر إليه؛ لأنَّ ذلك ينفصلُ عنها في حال السَّلامةِ، أشبهَ الدمعَ. ولا يقعُ الطلاقُ، ولا الظِّهارُ، ولا العِتقُ بالإضافةِ إليه، في الأصحِّ، خلافًا لمالكٍ. وقال بعضُهم: وكذا اللمسُ به. وهو متوجِّه. دنوشري. (يعني: لا ينقضُ وضوء رجلٍ مسَّ أَمردَ إلخ) كما ذكره في "الإنصاف" (٣) نصَّ عليه، وقطع به أكثرُ المتقدِّمين، وهو المذهبُ. وخرَّج أبو الخطَّابِ روايةً بالنقض إذا كان لشهوةٍ، وحكاها ابنُ تميمٍ وجهًا، وجزم به في "الوجيز"، قال ابنُ عبيدان: وهذا قولٌ متوجِّه. قال صاحبُ "المنتهى" (٤) رحمه اللهُ تعالى: وليس ببعيدٍ. دنوشري. (ولا ينتقضُ وضوءُ ممسوسٍ فَرْجُه إلخ) ولو انتقضَ وضوءُ اللامسِ بها. وهو المذهبُ. وأمَّا الممسوسُ فَرْجُه -أو الملموس- فإنَّه لا ينتقض وضوءه ولو وجد شهوةً؛ لأنَّه لا فعْلَ منه، فلا ينتقض وضوءه بها، ولا يلزم من نقض وضوء اللامس نقضُ وضوءِ الملموس.

стр. 390

وينقضُ غَسْلُ ميتٍ. السادس من النواقض: أشار إليه بقوله: (وينقض) الوضوءَ (غَسْلُ) -بفتح الغَين المعجمة- أي: تغسيل (ميتٍ) أو بعضِه، ولو في قميصٍ؛ لما روى عطاء: أنَّ ابنَ عمر وابنَ عباس كانا يأمران غاسلَ الميتِ بالوضوء (١). وعن أبي هريرةَ: أقلُّ ما فيه الوضوءُ (٢). ولم يُعرف لهمْ مخالفٌ. والغاسلُ من يقلِّبه ويباشرُه ولو مرَّةً، لا مَن يصبُّ ولا ينتقضُ الوضوءُ أيضًا بانتشارٍ عن فِكرٍ وتكرُّرِ نَظَرٍ، ولامسِّ خنثى مشكلٍ، ولا بمسِّه رجلًا أو امرأةً، ولامسِّ الرجلِ الرجلَ، ولا المرأةِ المرأةَ، ولا لشهوة فيهنَّ. (غَسلُ ميتٍ) كبيرٍ أو صغيرٍ، ذَكَرٍ أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا، وإن كان غَسلُ المسلمِ الكافرَ حرامًا. فينتقضُ وضوءُ غاسلِه ولو غسَّلَه في قميصه، على الصَّحيح من المذهب، وهو المنصوصُ عن الإمامِ أحمدَ وعامَّةِ أصحابِه، [وعليه جماهيرُ] (٣)، وجزمَ به في "الكافي" (٤) و"الوجيز"، وقدَّمه في "المحرَّر" و"الفروع" (٥). وهو من مفرَدات المذهبِ. قال في "المبدِع": ولأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ من مسِّ عورةِ الميتِ غالبًا، فأُقيم مُقامَه، كالنوم مع الحدثِ. (أو بعضِه) أو بعضِ الميت. وظاهرُه: سواءٌ كان بعضُ الميتِ متَّصلًا أو منفصلًا. فلو غسل يدًا، انتقضَ وضوءُه. قال في "الإنصاف" (٦): غَسلُ بعضِ الميتِ كغَسل جميعهِ، على الصَّحيح من المذهبِ. وتعليلُ صاحبِ "المبدع" بأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ من مسِّ عورةِ الميتِ غالبًا ليس بسديدٍ؛ لعدم تحقُّقِ مسِّ الفَرْج، فلهذا علَّله في "المنتهَى" (٧) بكونه تعبُّدًا،

стр. 391

وأكلُ لحمِ إبلٍ خاصَّةً. الماءَ ونحوه، ولا مَنْ يَمَّمه (١). ولا فرق في الميتِ بَينَ المسلمِ والكافرِ، والرجلِ والمرأةِ، والكبيرِ والصغير؛ للعُموم. السابع من النواقض: أشار إليه بقولِه: (وأكلُ لحمِ إبلٍ خاصَّةً) لقوله ﷺ : "توضؤوا من لُحُومِ الإبلِ، ولا تتوضَّؤوا من لُحُومِ الغَنَم" رواه أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ من حديث البراء بن عازب (٢)، وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سَمُرة (٣). فعلى هذا لا فرقَ بين قليلِه وكثيرِه، وكونهِ نِيْئًا أو غيره، [عَلِمَه أو جَهِلَه، وسواءٌ عَلِمَ الحديثَ، أو لا] (٤). لا عن حَدَث. والأمرُ التعبُّديُّ لا يعلَّل ولا يُعقل معناه، وإنما هو أمرٌ توقيفيٌّ، وقفَ عليه الصحابيُّ عن النبيِّ ﷺ ، فيجبُ اتِّباعُه والعملُ به ولو كان مخالفًا للقياسِ. دنوشري. (ولا مَن يمَّمه) أي: لا ينتقضُ وضوءُ مَن يمَّم الميتَ لتعذُّر الغسلِ. (وأكلُ لحمِ إِبلٍ خاصَّةً) بكسرتين، وتسكين الباء. قال في "القاموس" (٥): واحدٌ يقع على الجمعِ، وليس بجمعٍ ولا اسم جمعٍ، جَمْعُه: آبالٌ. وينتقضُ الوضوءُ بأكله، سواءٌ عَلِمَه أو جهله، وسواءٌ كان نِيْئًا أو مطبوخًا، وسواءٌ كان عالمًا بالحديث الواردِ في ذلك، أو لا. وبالنقضِ قال جابر بن سمرة (٦)، ومحمدُ بن إسحاقَ، ويحيى بنُ يحيى، وابنُ المنذر (٧).

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الخطَّابي (١): ذهب إلى هذا عامَّة أصحابِ الحديثِ. والدليل على ذلك قول رسول الله ﷺ : "توضَّؤوا من لحومِ الإِبل .. " إلخ. قال ابنُ خزيمة (٢): لم نَرَ خلافًا بين علماءِ الحديثِ أنَّ هذا الخبرَ صحيحٌ. ومقتضى الأمرِ الوجوبُ، والوضوءُ المقترِن به لا يُحمل إلَّا على موضوعه الشَّرعيِّ، ودعوى النسخِ بحديث جابرٍ: كان آخرُ الأمرَين من رسول اللهِ ﷺ تَرْكَ الوضوءِ ممَّا مسَّته النار، كما رواه أبو داود (٣)؛ مردودةٌ بأمورٍ. منها: أنَّ الأمرَ بالوضوء من لحوم الإبلِ متأخِّرٌ عن نسخ الوضوءِ مما مسَّته النار، أو هو مقارِنٌ له، بدليل أنَّه قرنَ الأمرَ بالوضوءِ من لحوم الإبلِ بالنهي عن الوضوءِ من لحوم الغنمِ، وهي ممَّا مسَّت النار، فلا يكونُ ناسخًا، إذ من شرط النسَّخِ تأخُّرُ الناسخ، وكذلك [إن كان] (٤) بما قبله؛ لأنَّ الشيءَ لا يُنسَخ بما قبله. الثاني: أنَّ النقضَ بلحوم الابلِ يتناول ما مسَّت النارُ وغيرَه، ونسخُ أحدِ الجهتين لا يثبتُ به نسخُ الأخرى، كما لو حرِّمت المرأةُ بالرِّضاع، وبكونها ربيبةً، فنَسْخُ تحريمِ الرَّضاعِ لم يكن ناسخًا لتحريم الربيبة. الثالث: أنَّ خبرَهم عامٌّ، وخبرنا خاصٌّ، فالجمعُ بينهما ممكنٌ بحمل خبرِهم على ما سِوَى صورةِ التخصيصِ. ومِن شرط النسخِ تعذُّرُ الجمعِ بين النَّصَّين (٥). الرابع: أنَّ خبرَنا أصحُّ من خبرِهم، والناسخُ لا بدَّ أنْ يكونَ مساويًا للمنسوخ، أو راجحًا عليه، فتعيَّن حملُ الأمرِ على الوجوب. ومن العجبِ أنَّ المخالفَ في هذه المسألةِ أوجبَ الوضوءَ بأحاديثَ ضعيفةٍ تخالف

стр. 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعُلم من كلامه أنَّه لا نَقْضَ بشرب لبنٍ، ومَرَقِ لَحْمٍ، وأكلِ كَبِد، وطِحال وسَنامٍ، وجلدٍ، وكَرِش، ونحوه. الأصولَ، فأبو حنيفةَ أَوجبه بالقهقهةِ في الصَّلاة دون خارجِها، بحديثٍ مرسَلٍ من مراسيلِ أبي العاليةِ (١). ولا نقضَ بأكل ما سِوَى لحمِ الإبلِ من اللحوم، سواءٌ كانت مباحةً أو محرَّمةً، كلحوم السِّباعِ إذا أُكلت للضَّرورة؛ لكون النقضِ بلحم الإبلِ تعبُّدًا (٢) .. فلا يعلَّل ولا يعقل معناه، ولا يتعدى إلى غيره. وقيل: هو معلل بتشيطنه؛ لأنَّها من الشياطين، كما ورد في الحديث: "على ذِروة كلِّ بعيرٍ شيطانٌ" (٣) إذْ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ، فالكلب الأسودُ شيطانُ الكلابِ، والإبلُ شياطينُ بهيمةِ الأنعامِ، فالأكلُ منها يُورِث قوَّةً شيطانيةً، والشيطانُ يُطفئه باردُ الماءِ. دنوشري. (وعُلم من كلامه) أي: فُهم منه أنَّه لا نقضَ ببقيَّة أجزائه، ككَبِدها، وطِحالها، وكَرِشها، وجلدِها، ومُصْرانها، وسَنامها، ودُهنها، وقلبِها؛ لأنَّ النصَّ لم يتناولْه. ولا بطعام نجسٍ أو محرَّم. ولا نقضَ بشُرب لبنِها، وشربِ مَرَقِ لحمِها؛ لأنَّ الأخبارَ الصحيحةَ إنَّما وردت في اللحمِ، والحكمُ فيه غيرُ معقولِ المعنى، فيُقتصرُ على مَورد النصِّ فيه.

стр. 394

وكلُّ ما أوجبَ غُسْلًا سوى موتٍ، الثامن من النواقض: أشار إليه بقوله: (وكلُّ ما أوجب غُسْلًا سوى موت) (وكلُّ ما أَوجبَ غسلًا إلخ) كرِدَّة عن الإِسلامِ، والعياذُ بالله تعالى، كما درجَ عليه صاحبُ "المنتهى" (١) وذلك لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] ولا شكَّ أنَّ الطهارةَ عملٌ، وحكمُها باقٍ، فوجب أن يحبَطَ بالرِّدَّة، وقولِه ﷺ : "الطهور شطر (٢) الإيمان" والردَّةُ تبطلُ الإيمانَ، فوجب أن يبطلَ ما هو شطره (٣)، ولأنَّها طهارةٌ عن حدثٍ، فأبطلتها الردةُ، كالتيمُّم، لكنَّ الآيةَ دالَّة على أنَّ الردَّة تُحبط العملَ بمجرَّدها، والأكثرُ عن أصحابنا أنَّها لا تُحبطه إلَّا بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] وبنَوا على ذلك صِحَّةَ الحِجَجِ في الإِسلام الأوَّلِ قبل رِدَّتِه، وقضاء ما تَرَك من العبادات في ردَّته، ويلزمُه قضاءُ ما تركَ قبلها، ولا تبطلُ عبادتُه التي فَعَلها في إسلامه، من صلاةٍ وحجٍّ وغيرِهما إذا عاد إلى الإِسلام. ويؤخذُ بحدّ زنًى في ردَّته، نصًا كقبلها، فمتى زنَى، رُجم. والصحيحُ الذي عليه الأكثرون أنَّ المرادَ بالطهور ها هنا التطهيرُ بالماءِ من الأحداثِ. وقال القاضي: لا معنى لجعلها من النواقضِ مع وجوبِ الطَّهارةِ الكبرى إذا عادَ إلى الإِسلام. وقال الشَّيخ تقيُّ الدين (٤): له فائدةٌ تظهر بما إذا عادَ إلى الإِسلامِ، فإنَّا نوجبُ عليه الوضوءَ والغُسلَ، فإن نواهما بالغُسل، أجزأه، وإن قلنا: لم ينتقضْ وضوءُه، لم يجبْ عليه إلا الغُسل. قال الزركشيُّ: ومثلُ هذا لا يَخفى على القاضي، وإنَّما أراد القاضي أنَّ وجوبَ الغُسلِ ملازمٌ لوجوب الطهارةِ الصُّغرى. قلت: وهذا مِن باب دَلالةِ الالتزامِ. ولا ينتقضُ الوضوءُ بما عدا الردَّةِ من الكلامِ المحرم، والغيبةِ، والنميمةِ، والرَّفثَ، والقذف، وقولِ الزُّور، والقهقهةِ ولو داخلَ الصلاةِ، ولا يُستحبُّ الوضوءُ منها. دنوشري.

стр. 395

أوجبَ وضوءًا. ومَنْ تيقَّن طهارةً، وشكَّ في حَدَثٍ، أو عكسُه، بنى على يقينِه. كجماعٍ، وانتقالِ منيٍّ، وإسلامٍ. (أوجب وضوءًا) وأما الموتُ، فإنَّه يوجبُ الغُسلَ دونَ الوضوء، كما سيجيء. فهذه هي النواقضُ المشتركةُ بين كلِّ متطهِّر. وأما المختصَّةُ بالماسِحِ، كفراغِ المدَّة، فتقدمتْ. والمختصَّةُ بالمتيمِّمِ (١)، ستأتي. (ومن تيقَّن طهارةً، وشكَّ في حَدَثٍ، أو عكسه) بأن تيقَّن حدثًا، وشكَّ في طهارةٍ (بَنَى على يقينِه) الذي كان قبل طُرُوِّ الشكِّ عليه، وهو الطهارةُ في الصُّورة الأولى، والحدثُ في الصُّورة الثانية؛ وذلك لحديث عبدِ الله بن زيد قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ (كجِماعٍ وانتقالِ مَنيٍّ وإسلام) كافرٍ. مثالٌ لـ: "ما" (٢) وكالتقاءِ الختانَين، وحيضٍ، ونفاسٍ. يعني: أنَّ موجِباتِ الغُسلِ كلَّها توجبُ الوضوءَ، إلَّا الموتَ. وظاهرُ ما تقدَّم أنَّ الوضوءَ لا ينتقضُ بغير ما ذكرَ هنا. وقد تقدَّم في باب المسحِ على الحائلِ قولُ المصنف رحمه اللهُ تعالى: ومتى ظهرَ بعضُ رأسٍ وفَحُشَ، أو بعضُ قدمٍ إلى ساقِ خُفٍّ، أو انتقضَ بعضُ العِمامة، أو انقضت المدَّةُ ولو في صلاةٍ، استأنف الطهارةَ، وزوالُ جبيرةٍ كخُفٍّ. لكن ما ذكره المصنِّفُ هنا عامٌّ، وذاك خاصٌّ. دنوشري. (ومن تيقَّن طهارةً وشكَّ في حدث) يعني أنَّ مَن شكَّ في وجود طهارةٍ بعد تيقُّن حدثٍ، أو شكَّ في وجود حدثٍ بعد تيقُّن طهارةٍ، ولو كان شكُّه في وجود الحدثِ في غير صلاةٍ (بنى على يقينه) أي: على ما تيقَّن منهما، أي: من الطَّهارة، أو الحدثِ، فما تيقَّنه منهما، فهو الأصلُ، ولا عِبرةَ بما يطرأ عليه من الشكِّ، والمرادُ بالشكِّ هنا مطلقُ التردُّد، فيشملُ الوهمَ والظنَّ؛ لأنَّه إذا شكَّ، تعارضَ عنده الأمران، فيجب سقوطُهما كالبيِّنتين، فإذا

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرجلُ يخيَّل إليه أنَّه يجدُ الشيءَ في الصَّلاة؟ فقال: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا" متَّفق عليه (١). ولأنَّه إذا شكَّ، تعارض عندَه أمران؛ فوجب سقوطُهما والرجوعُ إلى الأصْلِ، فيُعمل به ولو عارضه ظنٌّ. والمرادُ بالشكِّ هنا خلافُ اليقين، كما هو معناه لغةً على ما في "القاموس" (٢). فإن تيقَّن الطهارةَ والحدثَ، وجَهِلَ أسبقَهُما، فإن جهل حاله قَبْلَهما، تعارضتا، تساقطتا، ويرجعُ إلى اليقين، سواءٌ كان في الصَّلاة أو خارجَها، وسواءٌ تساوَى عنده الأمران أو غلبَ على ظنه أحدُهما؛ لأنَّ غلبةَ [الظَّنِّ] إذا لم يكنْ لها ضابطٌ في الشَّرع، لم يُلتفت إليها، كظنِّ صدقِ أحدِ المتداعيَين، بخلاف القِبلةِ والوقتِ، فإنَّه يُعمل فيهما بغلبةِ الظنِّ. هذا في اصطلاحِ الفقهاءِ. وعند الأصوليِّين: ما استوى طرفاه فشكٌّ، وما اختلفا فالراجحُ ظنٌّ، والمرجوحُ وَهْمٌ. واليقينُ: ما أذعنت النفسُ للتَّصديق به وقطعت به، وقطعت بأنَّ قطعَها صحيحٌ. وقال البيضاويُّ: واليقين: إتقانُ العلمِ بنفي الشكِّ والشبهةِ عنه (٣) بالاستدلال؛ ولذلك لا يوصف به علمُ الباري، ولا العلومُ الضروريةُ. وقال الفخر الرازيُّ (٤): هو العلمُ بالشيءِ بعد أن كان صاحبُه شاكًّا فيه؛ ولهذا لا يوصفُ به اللهُ تعالى. دنوشري. (الرَّجُلُ يخيَّل إليه) أي: أمرُ الرجل. منه (يجد الشيءَ) أي: الحركةَ التي يظنُّها حَدَثًا. مصنِّف. (فإن تيقَّن الطهارةَ والحدثَ) بأن تيقَّن وجودَ حدثِ، وتيقن وجودَ طهارةٍ سابقَين على حالته التي هو عليها (وجهلَ أسبقَهما) أي: جهل السابقَ منهما ولم يعلم الآخِر -بكسر الخاءِ- بأن لم يدرِ الحدثَ قبل الطهارةِ، أو بالعكس (فإنْ جهلَ حاله قبلهما) مفرَّعٌ على

стр. 397

ويحرُمُ بحدثٍ صلاةٌ، تطهَّر، وإلا، فعلى ضدِّها. (ويَحْرُمُ بحَدَثٍ) أصغرَ، أو أكبرَ، أي: بسببه، أو مَعَهُ (صلاةٌ) بالرَّفْع فاعل: "يحرم"، فرضًا كانتِ الصلاةُ، أو نفلًا. ولو صلاةَ جنازةٍ، وسجودَ تلاوة؛ لما روى ابنُ عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يقبلُ الله صلاةَ بغير طهور" رواه مسلم (١)، وهو يعمُّ ما محذوفٍ. أي: عند جهلِه أسبقَهما يَنظرُ في حاله قبلَهما، أي: قبل وجود الطهارة وقبل وجود الحدث، فإن جهل أيضًا حاله قبلهما، فهو محدِثٌ، وتطهَّر للصلاة ونحوِها وجوبًا؛ وذلك لوجود يقينِ الحدثِ في إحدى المرَّتين، والأصلُ بقاؤه، ووجودُ يقينِ الطَّهارة في المرَّة الأُخرى مشكوكٌ فيه، هل كان قبلَ الحدثِ أو بعدَه، فلا يرتفعُ يقينُ الحدثِ بالشكِّ في رفعه، ولأنَّه لا بدَّ من طهارةٍ متيقنةٍ، وليست موجودةً هنا، فوجبَ الوضوءُ. (وإلَّا، فعلى ضدِّها) أي: وإن لم يجهل حالَه قبلَهما، أي: تيقَّن وجودَ الطهارةِ قبلَهما، بل كان عالمًا بها، فهو على ضدِّها، أي: على ضدِّ تلك الحالةِ المعلومةِ له التي كان عليها قبلَهما. فإنْ كان في تلك الحالةِ محدِثًا، فهو الآنَ متطهِّر؛ لأنَّه تيقَّن ارتفاعَ ذلك الحدثِ بطهارةٍ، ولم يتيقَّن زوالَ تلك الطهارةِ بحدث آخَرَ؛ لاحتمال أن يكونَ الحدثُ الذي تيقَّنه هو الذي كان قبلَ الطهارةِ، فلم يَزُل يقينُ الطهارةِ بالشكِّ. وإنْ كان متطهِّرًا، فهو الآنَ محدِثٌ؛ لأنَّه تيقَّن انتقاضَ تلك الطهارةِ بوجود الحدثِ، ولاحتمال أنَّ الطهارةَ التي تيقَّنها هي التي كانت قبل الحدثِ، فلم ترتفعْ بيقين الحدثِ، ولأنَّه تيقَّن الانتقالَ عن تلك الحالةِ التي كان عليها. دنوشري. (ويَحرُمُ بحدَثٍ صلاةٌ) إجماعًا، بشرط القدرةِ على الطهارة. وهو يعمُّ ما ذكرنا من الفرضِ، والنفلِ، والسجودِ المجرَّد، كسجود التِّلاوةِ والشُّكر، وصلاةِ الجنازة، سواءٌ كان عالمًا أو جاهلًا. وحكى ابنُ حزمٍ والنوويُّ (٢) عن بعض العلماءِ جوازَ الصلاةِ على الجنازةِ بغير وضوءٍ ولا تيمُّم.

стр. 398

وطوافٌ، ومسُّ مصحفٍ وبعضِه ذكرنا. فلو صلَّى مُحْدِثًا، ولو عالمًا، لم يكفر، خلافًا لأبي حنيفة (١). (و) يَحْرُمُ بحَدَثٍ (طوافٌ) ولو نفلًا؛ لحديث: "الطوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصلاةِ، إلا أنَّكم تتكلَّمون فيه، فمَنْ تكلَّم، فلا يتكلَّم إلَّا بخيرٍ" رواه الترمذيُّ (٢). (و) يَحْرُمُ بحَدَثٍ (مسُّ مصحفٍ وبعضِه) بيدٍ وغيرِها، حتى جلده المتَّصل به (فلو صلَّى محدِثًا، ولو عالمًا، لم يكفرْ) قال البُهُوتي: لعلَّ المرادَ من غير استحلالٍ. (ويحرُمُ بحدَثٍ طوافٌ) فرضًا كان أو نفلًا؛ لقوله ﷺ : "الطوافُ بالبيت صلاةٌ، إلَّا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ". رواه الشافعيُّ في "مسنَده" (٣). وإذا ثبتَ أنَّه مثلُ الصلاةِ، فلا يصحُّ مع الحدث. قال في "الإنصاف" (٤): وأمَّا الطوافُ، فتُشترط له الطهارةُ، على الصَّحيح من المذهبِ، فيحرمُ فِعْلُه بلا طهارةٍ، ولا يُجزئه. (ويحرمُ بحدثٍ مسُّ مصحفٍ وبعضِه) ولو بغير يدِه، ولو كان الماسُّ صغيرًا، كما ذكره في "الإقناع" (٥)، إِذ مقتضى الحديثِ المذكورِ في "الشَّرح" أنَّه لا يباحُ مسُّه بشيءٍ من جسدِه وهو محدِثٌ حتى يتطهَّرَ، أو يتيمَّم إن احتاجَ، وهو شاملٌ لما يسمَّى مصحفًا، من الكتابة والجلدِ والحواشي والورقِ الأبيض المتصلِ به؛ فلهذا قال الشَّارح: "حتى جلده المتَّصل به" لأنَّه كالجزء منه، فيحرمُ مسُّه بلا طهارةٍ. (بيدٍ وغيرِها) لأنَّ عمومَ المسِّ يشملُ ما كان باليدِ وغيرِها. فكلُّ [شيءٍ] (٦) لاقَى شيئًا، فقد مسَّه. فيحرُمُ مسُّه بصدره. ولا يجوز مسُّه بعضوٍ طهَّره حتى يكملَها؛ لأنَّ أعضاءَ الوضوءِ كالعضو الواحدِ.

стр. 399

بلاحائلٍ، وحواشيه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، أي: لا يمسُّ القرآن، وهو خبرٌ بمعنى النَّهْي. ورُد: بأنَّ المرادَ اللوحُ المحفوظُ. والمطهَّرون: الملائكةُ؛ لأنَ المطهَّر [من طهَّره غيرُه] (١). ولو أريدَ بنو آدمَ، لقيل: المتطهِّرون. والجواب: أنَّ بني آدم على قياسهم، بدليلِ حديثِ ابنِ عمر: أنَ النبَّي ﷺ كتبَ إلى أهلِ اليمن كتابًا، وكان فيه: "لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهر" (٢). قال الأثرمُ: احتجَّ به أحمدُ، ورواه مالك مرسلًا (٣). لكن إنَما يحرم المسُ إذا كان (بلا حائلٍ) لأن النَّهْيَ إنَّما ورد عن مسِّه، ومع الحائل إنما يكون المسُّ له دون المصحف و (إنَّما يحرُمُ المسُّ إذا كان بلا حائلٍ) لأنَّ النهيَ إنَّما تناول مسه ومباشَرَته، ومع وجودِ الحائلِ لا يكون ماسًّا له، وإنَّما يكون ماسًّا للحائل.

стр. 400

وله حمله بلا مسٍّ، (وله) أي: للمُحدِثِ (حملُه) أي: المصحفِ (بلا مسٍّ) "فائدة": في كراهة نَقطِ المصحفِ، وشَكلِه، وكتابة الأخماسِ، والأَعشارِ، وأسماءِ السُّورِ، وعددِ الآياتِ؛ روايتان. وتتخرَّج الروايتان في كتابة الأجزاءِ، والأحزابِ، والأرباعِ، والأثمان، ومكِّيةٍ ومدنيَّةٍ؛ أحدُهما: يكره. وهو اختيارُ مَن يقولُ بها، لأنَّ ذلك مُحدَثٌ، لأنَّه إذا جُرِّدت، لا يكونُ فيه إلَّا كلامُ اللهِ تعالى الذي أنزلَ على رسوله. وبه قال الشعبيُّ والنَّخَعي (١). والروايةُ الأخرى: يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّه صيانةٌ له عن اللَّحن والتصحيفِ. وأجيب عن القولِ بالكراهة: أنَّ ذلك كان خوفًا من التَّغيير، وقد أُمن اليومَ، ولا منعَ كونه محدَثًا؛ فإنَّه من المحدَثات الحسنةِ، كتصنيف العلمِ. وعنه: يستحبُّ نَقْطُه. قال ابنُ حمدان: ومثلُه شَكلُه. ويكره التفسيرُ فيه. وعنه: لا بأسَ به. ويحرُمُ مخالفتُه خط عثمانَ في واوٍ، وياءٍ، وألفٍ، وغيرِ ذلك. نصَّ عليه. "تنبيه": يجوز تقبيلُ المصحفِ. قدَّمه في "الرعاية" وغيرِها. وعنه: يُستحب؛ ولأنَّ عِكرمةَ ابنَ أبي جهلٍ -رضي اللهُ تعالى عنه- كان يضعُ المصحفَ على وجهه ويقول: كتابُ ربِّي، كتابُ ربِّي. رواه الدارميُّ (٢) بإسناد صحيح. وعنه: التوقفُ. ولا يكرهُ تطييبُ المصحفِ ولا جعله على كرسي أو كيس حرير فصل عليه، بل يباحُ ذلك، وتركله على الأرض، وتكره تحليتُه بذهبٍ أو فضَّةٍ. قدَّمه ابنُ تميمٍ وابنُ حمدان. وعنه: لا يكره. وقيل: يحرُمُ كبقيَّة الكتبِ. وقيل: تباحُ عِلاقته للنساء من ذهبٍ أو فضةٍ أو حريرٍ. قال الشيخ تقيُّ الدين (٣): إذا

стр. 401

وتصفحُه بكُمِّه وبعودٍ. كحمله بعِلاقة، وفي كيس، وكُمِّ. (و) لمحدثٍ (تصفُّحُه) أي: تقليبُ أوراقه (بكُمِّه وبـ) نحو (عودٍ) ولا فرقَ في ذلك بين الصَّغيرِ والكبيرِ، لكن لصغيرٍ مسُّ لوحٍ فيه قرآن. ولا يجوزُ لوليِّه تمكينُه من مسِّ المحلِّ المكتوبِ فيه. ويجوزُ لمحدثِ مسُّ تفسيرٍ ولو قلَّ، ورسائلَ فيها قرآنٌ، ومنسوخٍ تلاوتُه. فمن رفع الحدث عن بعض أعضاءِ الوضوء، لم يجزْ مسُّ المصحف به قبلَ كمال الطَّهارة، اعتادَ الناسُ قيامَ بعضِهم لبعض، فقيامُهم لكتاب اللهِ أحقُّ. الحجَّاوي صاحبُ "الإقناع" في "شرحِه على الداليَّة". (كحمله بعِلاقة) بكسر العينِ في الأَجرام، وفتحِها في المعاني. ولا يحرُم أيضًا حملُه في غلافه. دنوشري. (وفي كيسٍ وكُمٍّ) من غير مسٍّ، كما لو حمَلَه في رَحْله وأمتعته. وظاهرُ الشارحِ أنه لا يحرُمُ حملُه ولو بعِلاقته مستقلًا من غير مسٍّ؛ لأن النهيَ إنَّما تناول المسَّ، والحملُ بأنواعِه ليس بمسِّ، فكان جائزًا للمحدِث. (وبعُودٍ) قال في "الإنصاف" (١): لا يحرم حَملُه بعِلاقته، ولا في غِلافه، أو كمِّه، أو تصفحه بكمِّه، أو بعودٍ، أو مسُّه من وراءِ حائلٍ، على الصَّحيح من المذهبِ، وعليه الجمهورُ. قال الدنوشري: قلت: لأن ذلك كله ليس بمسٍّ. وله الكتابةُ منه من غير مسٍّ. جزمَ به كثيرٌ من الأصحابِ، وجعلوه كالتَّقليب بالعود. وهذا إذا لم يحملْه بيده على مقتضَى ما هو في "التلخيص" وغيرِه. (ورسائلَ فيها) آيات من القرآنِ، ولا يحرمُ أيضًا حملُ رُقى وتعاويذَ فيها قرآنٌ. دنوشري. (ومنسوخ تلاوتُه) أي: لا يحرُمُ على المحدِث أيضًا مسُّ منسوخٍ تلاوتُه، والمأثورِ عن الله تعالى (٢)، والتَّوراةِ، والإنجيلِ، على الصَّحيح من المذهبِ؛ لزوال حُكمِ التعبُّدِ بتلاوته. (فإن رفعَ الحدثَ عن بعض أعضاءِ الوضوءِ، لم يَجُز مسُّ المصحف به) أي: بعضوٍ

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو قلنا: يرتفعُ الحدثُ عنه، وفيه وجهان. قال في "الإنصاف": الذي يظهرُ، أنَّ ذلك مراعى، فإن أكملَه، ارتفع، وإلا، فلا (١). طهَّره حتى يُكملَها؛ لأن أعضاءَ الوضوءِ كالعضو الواحدِ، كما تقدَّم (٢) … ظهَّره (٣) في "الإنصاف"، واقتصرَ عليه الشارحُ. (ولو قلنا: يرتفعُ الحدثُ عنه) أي: عن بعض أعضاءِ الوضوءِ؛ لأنَّ الحدثَ الأصغرَ (٤) … كما يقوله الشافعيةُ؛ لأن الجوازَ مشروطٌ بتمام طهارتها.

стр. 403

باب الغسل باب الغسل أي: ما يوجبه، أو يسنُّ له، وصفتُه وغيرُ ذلك. وهو بالضَّمِّ: بمعنى الاغتسال، كما قال ابنُ مالك. ويكونُ بمعنى الماء الذي يُغتَسَل به، وقال الجوهريُّ (١): غسلتُ الشيءَ غَسْلًا بالفتح، والاسمُ الغُسْل بالضَّمِّ، وبالكَسر: ما يُغسَلُ به الرأسُ من خِطْمِيٍّ (٢) وغيرهِ. انتهى. باب الغُسل هذا البابُ يُذْكَر فيه ما يوجِبُ الغُسْلَ، وما يُمنَع [منه] (٣) من لَزِمَه، وما يُستَحبُّ له، وصفتُه، ومسائلُ من أحكام المسجد، والحمَّام. (وهو بالضَّمِّ) يعني أنَّ الغُسْلَ إذا كان بضمِّ الغين، يكونُ اسمَ مصدرِ اغتسلَ، من غَسَل الثوبَ أو البدنَ يغسِلُه غسلًا. وبفتحها (٤) مصدر غَسَلَ (٥)، وبكسرِها ما ذكرَهُ الشارح. وهو واجبٌ إجماعًا، وسندُه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، سُمِّي به؛ لأنه نُهي أنْ يقربَ مواضعَ الصلاة، وقيل: لمَا أفاده الشارح. والجنابةُ أصلها: البُعْدُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] أي: البعيد. (الذي يُغتَسَل به) وهو بالمعنيين لغة: سيلانُ الماء على الشيء. ق س. خرج الوضوءُ؛

стр. 404

يوجبه وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهور في جميع بدنِه على وجهِ مخصوصٍ. والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. يقال: رجل ورجلان ورجالٌ جُنُبٌ. وقد يقال: جنبان وجُنبون. قاله الجوهري (١). وفي "صحيح" مسلم (٢): "ونحن جُنُبان". سُمِّيَ به؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضعَ الصلاة، أو لمجانبةِ الناس حتى يتطهَّر، أو لأنَّ الماءَ جانبَ، أي: باعد محلَّه. (يوجبه) أي: الغسْلَ، يعني إن الحدث الذي هو سببُ وجوب الغُسْل باعتبار أنواعه ستَّةُ أشياء، أيُّها وجد، وجَب الغُسْل. لأنَّه استعمالُ ماءٍ طَهور في الاعضاءِ الأربعةِ. والضميرُ في "بدنه" يرجعُ إلى المستعمِل المعلومِ مِنْ قولِه: "استعمال". أي: قولًا من أهلِ اللغة، وممن يَجري على قوانينهم وليس مطلقًا. وهذا التعبيرُ كثيرٌ، فهو جوابٌ عمَّا يقالُ في الآية: وَصَفَ الجمعَ بالمفرد، وحاصلُ الجوابِ أنه يستوي في ﴿جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والواحدُ والمثنَّى والجمعُ؛ لأنه يجرى مجرى المصدر. ق س. (وهو شرعًا) أي: إنَّ الغسلَ في الشرع، أي: في اصطلاحِ الفقهاء. وقوله: (طهور) مباح. وقوله: (في جميع بدنه) أي: بدنِ المغتِسل. (على وجه مخصوص) المرادُ به: صفتَاه الآتي ذكرُهما، وهما: الكاملُ، والمجزئُ. (﴿جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾) أي: فاغتسِلُوا، والجنبُ الذي أصابته الجنابةُ. ق س. [وهو أنْ يروِّي رأسَه الماء، ثمَّ بقيَّةَ جسدِه ثلاثًا ثلاثًا، ويتيامنُ، ويدلِكُه، ويعيدُ غسلَ رجليهِ بمكانٍ آخر] (٣). (يقال: جنبان … إلخ) حكايته بـ "قد" التي للتقليل.

стр. 405

خروج منيٍّ بلذَّةٍ، أحدها: ما أشار بقوله: (خروج مَنيٍّ) بتشديدِ الياء على وزن غنيٍّ: وهو ماءٌ، غليظٌ، دافقٌ، يخرجُ عند اشتدادِ الشهوة. ومَنيُّ المرأة أصفرُ رقيق (١). ولابُدَّ أن يكون دَفْقًا (بلذَّة) لقول عليِّ: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا فَضَخْتَ الماء، فاغتَسِل، وإنْ لم يكُنْ فاضخًا، فلا تَغتَسلْ" رواه أحمدُ (٢). والفَضْخُ: خروجُه بالغَلَبة. قاله إبراهيم الحربيُّ (٣). فلو خرج بلا لذة من غيرِ نائمٍ ونحوِه، كمجنونٍ، ومغمًى عليه، وسكران، لم يوجب غسلًا، فيكون نجسًا وليس منيًّا، كما في "الرِّعاية". ولا بُدَّ أن يخرجَ المنيُّ من مَخْرجِه أيضًا، فلو انكسر صلبُه فخرج منيُّه، لم يجبْ به (٤) غُسلٌ، وحكمُه: كنجاسةٍ معتادة. (بلذَّةٍ) عندَ خروجه في حق غير نائمٍ ونحوه، كمغمًى عليه، وغير النائم ونحوه: هو اليقظانُ. ويلزم من اللذَّةِ أن تكون دَفْقًا، فلهذا استغنَى المصنف -رحمه الله تعالى- عن ذِكرِ الدَّفْقِ بذكر اللذَّةِ. فلو جامع اليقظانُ وأكسل (٥)، فاغتسلَ لجماعِه، ثمَّ أنزلَ بلا لذَّةٍ بعد غُسْلِه، لم يُعِد الغُسل؛ لِفقدِ اللذَّة المعتبرَةِ شرعًا في وجوبِ الغُسل. ولو خَرَجَ ما يشبهُ المنيَّ لمرضٍ أو برودةٍ من غير شهوةٍ، لم يجت له غُسْلٌ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعيُّ: يجبُ. انتهى. دنوشري. (كمجنونٍ … إلخ) أي: أو من يقظان بغيرِ لذَّةٍ وهو مثالٌ للنحو.

стр. 406

ومن نائم مطلقًا. (و) يوجبُه: خروجُ المنيِّ (من نائمٍ) ونحوهِ (مطلقًا) أي: بلذَّة، أَوْ لا؛ لتعذُّرها إذن. فلو انتبه بالغٌ، أو مَنْ يمكنُ بلوغُه -كابن عَشْر وبِنْت تِسْع- ووجد بللًا ببدنِه أو ثوبهِ، وجَهِلَ كونَه منيًّا، بلا سببٍ تقدَّم نومَه من بردٍ، أو نَظَرٍ، أو فِكْرٍ، أو ملاعبةٍ، أو انتشارٍ، وَجَبَ الغُسْلُ، كتيقُّنه منيًّا. ووجب أيضًا غَسْلُ ما أصابه من بَدَنٍ وثوبٍ، فمن تقدَّمه سببٌ، لم يجبِ الغُسْل؛ لعدم تيقُّنِ الحدَث. (فلو انتبهَ بالغٌ … إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "ويوجبُه خروجُ المنيِّ من نائمٍ"، فلو أفاقَ نائمٌ ونحوه، كمغمًى عليه، وهو بالغٌ، أو في سنٍّ يَحْتَمِل بلوغَها "كابن عشرٍ … إلخ". (ووجدَ بللًا ببدنِه أو ثوِبه) الذي ينامُ فيه وحدَه، فإنْ تحقَّقَ أنَّه منيٌّ، اغتسلَ فقط دونَ غَسْلِ ما أصابَه البللُ الذي تحقَّقَ أنه منيٌّ؛ لأن المنيَّ طاهرٌ، وعليه إعادةُ المتيقَّنِ من الصلاةِ وهو فيه، وإعادةُ الصلاةِ من آخرِ نومةٍ نامَها، ولا فرقَ بينَ أن يَذكُرَ احتلامًا، أوْ لا. وإنْ رأى في نومِه أنه احتلَم، فانتبهَ، فلم يجدْ بللًا، فلا غُسْلَ عليه إنْ لم يحسَّ بانتقالِه وحبسه، فإنْ أحسَّ بانتقالِه، وَجَبَ عليهِ الغُسْل بالانتقالِ، وإنْ لم يحسَّ بالانتقالِ، وخرجَ منهُ بعد انتباهِه من نومه، لزمَهُ الغُسْل. نصَّ عليه. لكن إنْ وَجَدَ شهوةَ عندَ خروجِه، لزمَه في الحال، وإنْ لم يجد، تبيَّنَّا وجوبَه من حين الاحتلام، فيلزمُه أنْ يعيدَ ما صلَّى بعدَ الانتباهِ، وقبلَ الخروج؛ لأنَّه كانَ جُنبًا، ولم يَعلَم. قاله المجد في "شرحه". وإنْ كانَ ينامُ هو وغيرُه فيه، وكانا من أهل الاحتلامِ، فلا غُسْل عليهما (١)، ولكن لا يأتمُّ أحدُهما بالآخرِ ولا يصافهُّ وحده، وكذا كلُّ اثنين تُيُقّنَ موجبُ الطهارة من أحدهما لا بعينه، كرجلين لمسَ كلُّ واحدٍ منهما أحدَ فرجي خنثَى مُشكلٍ لغيرِ شهوةٍ، والاحتياطُ أن يتطهَّرا. دنوشري. ومحلُّ ذلك المذكور من قولِه: (فلو انتبَه بالغٌ … إلخ) في حقِّ غيرِ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه لا

стр. 407

وإن انتقلَ ولمْ يخرجْ، قال المصنِّف (١): قلتُ: والظاهرُ وجوبُ غَسْل ما أصابه من بدنٍ وثوب؛ لرجحان كونه مذيًّا بقيام سببه إقامة للظن مقام اليقين. انتهى. وأمَّا لو تيقَّن البلل مذيًّا، فنجاسةٌ لا غير. وإن وَجَدَ منيًّا في ثوبٍ لا ينام فيه غيرُه، قال أبو المعالي (٢) والأزجيُّ: لا بظاهره؛ لجوازِ كونه من غيره. قال في "الإنصاف" (٣): وهو صحيح، وهو مرادُ الأصحاب فيما يَظْهَر. فعليه الغُسْل، وإعادةُ المتيقن من الصلاة. وإن كان ينامُ هو وغيرُه فيه، وكان الغيرُ من أهلِ الاحتلام، فلا غُسْلَ عليهما، بل على واحدٍ لا بعينه. ولا غُسْلَ بحُلم بلا بلل، فمن انتبه، ثمَّ خرج بلا لذَّة، وَجَبَ من حينِ الاحتلام، وبها، فمِن خروجه. (وإن انتقل) المنيُّ من رجلٍ، أو امرأةٍ، (ولم يخرجْ) بأن أحسَّ به، فحبَسه، أو يَحتلم، وتنام عيناه ولا ينام قلبه (٤)، ولأن الاحتلامَ من الشيطان والشيطانُ لا يتمثَّلُ له، ولا تَسَلُّطَ له عليه. (لا بظاهره) أي: بظهر ثوبه. (لجواز كونه من غيره) تعليلٌ لقوله: "لا بظاهره"، يعني: يُشتَرطُ لوجوبِ الغُسْل عند أبي المعالي والأزجي أنْ يكونَ المنيُّ في باطنِ الثوبِ، وصحَّحهُ في "الإنصاف". (وبها، فمِن خروجِه) أي: وإن خرجَ المنيُّ بلَذةٍ، وجبَ عليه الغُسْلُ من خروجه منه. (وإن انتقلَ المنيُّ من رجلٍ … إلخ) يعني من موجباتِ الغُسْل انتقالُ منيٍّ، أي: إذا أحسَّ

стр. 408

اغتسلَ له، انحبسَ بنفسه (اغتسلَ) وجوبًا (له) أي: للانتقال؛ لأن أصلَ الجنابة البُعد، ومع الانتقال، قدْ باعد الماءُ محلَّه. ويثبتُ بانتقال مَنيٍّ -ومثلُه حيضٌ- حكمُ بلوغٍ من وجوبِ نحوِ صلاة، وحكمُ فطرٍ من صومٍ، بنحوِ قُبلة وغيرِهما، كوجوب بَدَنة في الحج حيثُ وجبتْ؛ لخروج مَنيٍّ. وفي "شرح المنتهى": كفسادِ نُسُك (١) الرجلُ بانتقال منيِّه، فحبسَه، ولم يخرج، وجبَ عليه الغُسْلُ بمجرَّدِ إحساسِه بانتقاله عن صُلْبه، والمرأةُ بانتقالِه عن ترائِبِها؛ لأنَّ الجنابةَ تباعدُ الماءِ عن محلِّه، وقد وجِد، فتكونُ الجنابةُ موجودةً، فيجبُ بها الغُسْلُ؛ لأنَّ الغُسْلَ يُراعَى فيه الشهوةُ، وقد حصلَت بانتقالِه، والقولُ بوجوبِ الغسلِ بانتقالِ المنيِّ من المفردات. وعدَّ صاحبُ "المنتهى" (٢) موجبات الغسل سبعةً: أوَّلُها: انتقالُ المنيُّ، وعن أحمد روايةٌ أخرى أنه لا يجبُ الغُسْل حتَّى يخرجَ المنيُّ، وعلى المذهبِ لو اغتسلَ لانتقالِ المنيِّ قبلَ خروجِه، ثم خرجَ بعدَ الغُسْل، قال في "المبدع": وكذا لو اغتسلَ لمنيٍّ خرجَ بعضُه، ثمَّ خرجت بقيَّتُه، فلا يعادُ غُسْلٌ له بخروجِه بعدَه بغيرِ شهوةٍ؛ لأن وجوبَ الغُسْلِ تَعلَّقَ بانتقالِ منيٍّ، وقد اغتسلَ له، فلم يجب عليه غسلٌ ثانٍ لبقيَّة المنيِّ إذا خرجت البقيَّة بعد الغسل، على المشهور الذي عليه الجمهور، ولأنَّه جنابةٌ واحدةٌ، فلم يجبْ له غُسْلان، كما لو خَرجَ دفقةً واحدةً؛ لأنَّه خارجٌ لغيرِ شهوةٍ، وإنما يلزمُه الوضوءُ فقط. وكذا لو خرج منيُّه من فرجِها بعدَ غُسْلِها فلا غسلَ عليها، وعليها الوضوءُ. قال ابنُ حمدان: أو خرجَ ما دخلَ فرجَها من منيِّ امرأة بسحاقٍ، فإنَّه لا يجب عليها الغُسْلُ، على المنصوص، وعلى المذهب أيضًا، وهو وجوب الغُسْلِ. وانتقالُ المنيِّ يثبتُ به حكمُ بلوغٍ، وفِطْرِ، وغيرهما، كوجوبِ كفَّارَةٍ فيما لو باشرَ دونَ

стр. 409

ولا يعادُ بخروجهِ بعدُ، بلا لذَّةٍ. وتغييبُ حشفةٍ أصليَّةِ، وهو -كما قال المصنف- مبنيٌّ على القول بفساد النُّسُك بخروج المَنيِّ بالمباشرة. (ولا يُعاد) الغسْل (بخروجه) أي: المنيِّ (بعد) بالبناء على الضَّمِّ؛ لحذف المضاف إليه ونيةِ معناه، أي: بعد الاغتسال من الانتقال. وكذا لو خرج المنيُّ بعد غُسله من جماعٍ لم يُنْزِل فيه، أو خرجت بقيَّةُ منيٍّ اغتسل له؛ لما روى سعيدٌ عن ابن عباس أنَّه سُئِلَ عن الجُنُبِ يخرجُ منه الشيءُ بعد الغُسْل، قال: يتوضأ (١). وكذا ذَكَره الإمامُ أحمدُ عن عليٍّ (٢). لكن يُشتَرط في الصُّوَر الثلاثِ أن يكونَ ما خرج (بلا لذَّة) فلو خرج بلذَّة، اغتسل؛ لأنَّه منيٌّ جديدٌ. الثاني من موجباتِ الغُسْلِ: ما أشار إليه بقوله: (وتغييب) بالرفع عطفًا على قوله: "خروجُ منيٍّ" أي: ويوجبُ (٣) الغُسْلَ أيضًا تغييبُ (حَشَفَةٍ أصليَّه) الفرجِ، أو قبَّل أو لمسَ لشهوةٍ، أو كرَّرَ النظرَ لشهوةٍ فأنزلَ، فعليه بَدَنَةٌ فقط، ولم يَفسُدْ نسكه، كما لو لم يُنزِل، ففسادُ النسكِ بالإمناء، أو بانتقالِ المنيِّ، إنِّما يتمشَّى على قولٍ مرجوحٍ، والمذهبُ خلافهُ، كما هو مصَّرحٌ به في بابه. وكانتقالِ المنيِّ في الحكمِ انتقالُ حيضٍ، فيثبتُ [بانتقاله ما يثبت] (٤) بخروجِه، فإذا أحسَّت بانتقالِ حيضِها قُبيلَ الغروبِ بلحظةٍ، وهي صائمة، ثبتَ لها حُكمُ الفِطْرِ، ولو لم يَخْرج الدَّمُ إلا بعد الغروبِ، ووَجَب عليها القضاءُ. دنوشري مع زيادة. (وتغييب حَشَفَةٍ أصليَّةٍ) أي: حَشَفةِ الذكر، وهي ما تحتَ الجلدةِ التي تقطعُ من الذكرِ في الختان، سواءٌ وجد بذلك شهوة، أوْ لا، وسواءٌ أنزلَ، أم لم يُنزِل.

стр. 410

فى فرجٍ أصليٍّ، أو قدرِها إن فقدتْ، بلا حائل (في فَرْجٍ أصليٍّ) لحديثِ أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جَلَسَ بين شُعَبِها الأربع، ثمَّ جَهَدها، فقدْ وَجَبَ الغُسْل" متَّفق عليه (١). زاد أحمدُ ومسلم: "وإن لم يُنْزِل" (٢). وفي حديثِ عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا قَعَدَ بَيْنَ شُعبِهَا الأربعِ، ومسَّ الخِتانُ الختانَ، فقدْ وَجَبَ الغُسْلُ" رواه مسلم (٣). والمرادُ من التقائهما: تقابُلُهما وتحاذيهما، وذلك لا يحصلُ إلا بالتغييب، كما ذكره المصنِّف. وإنَّما عدلَ عن التقاءِ الختانين إلى ما ذُكِر؛ لأنَّهما إذا تماسَّا من غيرِ إيلاجٍ، لم يجب الغُسْل، فلا يجبُ إلا بتغييبِ الحشَفة. وقولُه: "أصليَّة" لا الزائدة، فلا غُسْلَ بتغييبِ حَشَفَةِ الخُنْثَى المشكِل في فرح أصليٍّ؛ لاحتمالِ أنَّها زائدةٌ، وهو طاهر بيقين، فلا غسل عليهما. (أو قدرها إنْ فُقِدَت) أي: ومن موجبِ الغُسْل تغييبُ قَدْر الحَشَفة من مقطوعها بلا حائلٍ؛ لانتفاء التقاء الختانَين والمماسَّةِ مع وجود الحائل، فيجبُ الغُسْل بتغييبِ الحشفة أو قَدْرها. (في فرجٍ أصليٍّ) لا زائدٍ، فلا غُسْلَ بتغييبِ حَشَفَةٍ أصليَّةٍ في فرجِ خنثى مُشكِلٍ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ فرجُهُ خِلقةً زائدةً، وكذا لو جامَعَ كلٌّ من الخُتثَيين الآخرَ بالذكر في القُبُل أو الدبر، فلا غُسْلَ عليهما؛ لاحتمالِ كونِهما رَجُلينِ، أو امرأتين، وإن تواطأ رجلٌ وخنثى في دبريهما، فعليهما الغسل. "فرع": لو قالت امرأةٌ: لي جِنِّيٌّ يجامعني كالرجل، فعليها (٤) الغسل، كما ذكره في

стр. 411

ولو دبرًا، أو مِنْ بهيمةٍ، أو ميتٍ. وما روي عن عثمانَ وغيرهِ (١) من قوله ﵊: "الماءُ مِنَ الماء" (٢) فمنسوخٌ. (ولو) كان ما غُيِّب فيه (دُبرًا، أو) فرجًا (من بهيمةٍ) حتى سمكةٍ، وطيرٍ حيِّ (أو ميتٍ) ولو كان ذو الحشفة مجنونًا، أو مغمًى عليه، أو نائمًا، بأن أدخلَت حشفةَ أحدِ مَن (٣) ذُكر في فرجها، فإنَّه يجبُ الغُسل عليهما؛ للعموم. ولو استدخلَت حشفةَ ميتٍ، "الإقناع" (٤). قال في "المبدع": قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] فيه دليلٌ على أن الجنيَّ يغشَى المرأةَ كالإنسيِّ (٥). والأحكامُ المتعلِّقة بتغييبِ الحَشَفة أو قَدْرِها من مقطوعِها كالأحكام المتعلِّقَةِ بالوطء الكاملِ في الفرجِ الأصليِّ. دنوشري. (فمنسوخ) أي: منسوخٌ مفهومُه من وجوبِ الغُسْل بحديث عائشة المتقدِّم. أفادَه الطوفيُّ في "شرحه" على "الأربعين". (ولو كان ما غُيِّبَ فيه دُبرًا … إلخ) أي: ولو كانَ ما غُيِّبَ فيه دُبرًا لميتٍ، أو لبهيمةٍ. (حتى سمكةٍ) غايةٌ لبهيمة؛ لأنَّه إيلاجٌ في فرجٍ أصليٍّ، فوجب به الغسل، كفرج الآدميَّة. ولا يُشتَرط لوجوبِ الغُسْلِ بتغييبِ الحَشَفَةِ الأصليَّةِ في الفرجِ الأصليِّ بلوغٌ، ولا يقظَةٌ، ولا عقلٌ، لكن يُشتَرطُ كونُه ممن يُجامعُ مثلُه، ولو نائمًا، أو مجنونًا، أو لم يبلغ. دنوشري.

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو بهيمةٍ، فعليها فقط، فلا يُعاد غسْل الميتِ، ويُعادُ غسْلُ ميتةٍ موطوءَةٍ. ولابُدَّ في وجوبِ الغُسْل بالتغييب من كونِ كلٍّ يجامعَ مثلُه، كابن عَشْرٍ وبنتِ تِسْع، فيلزمهما غُسْلٌ، ووضوء لنحو صلاة، بمعنى توقُّف صحَّة ذلك عليه، لا أنَّه يأثم غيرُ البالغ بتركه. فلو كان أحدُهما يجامع مثلُه دون الآخر، فلكلٍّ حكمه، فيجبُ الغُسْل على من يجامع مثلُه فقط دون صاحبِه الذي لا يجامع مثلُه. (ويعاد غسل ميتةٍ موطوءَةٍ) ولعل الفرقَ بينها وبين الميِّتِ أن الفاعلَ لابدَّ من قصدِه حقيقةً أو حكمًا، كالنائمِ، دون المفعول فيه. (مِن كونِ كلٍّ يجامع مثلُه) جارٌّ ومجرورٌ متعلِّق بـ "لابدَّ"، والذي يجامعُ مثلُه، هو ابنُ عشرٍ فأكثر، والتي يجامَعُ مثلُها هي بنتُ تسعٍ فأكثر، كلما ذكرَه عامَّة الأصحاب. قال الدنوشري: والذي أقول: إنَّ هذا بالنظر إلى لحوقِ النسب، وأمَّا بالنظر إلى الجماع، فينبغي أنْ يكونَ الذي يجامعُ مثلُه هو من بلغ سبعًا فأكثر، بدليلِ صحَّة عبادتِه، ووجوبِ غُسْلِه من جماعِه عند إرادتها. ومعنى اللزوم في حقِّ من لم يبلغ أنَّ صحَّة الصلاةِ ونحوها، كالطَّوافِ، ومسِّ المصحفِ، وقراءةِ القرآنِ، مشروطةٌ بالغُسْل، لا أنَّه يأثمُ بالتركِ. وأشار إلى ذلك الشارح تبعًا لـ "المنتهى" (١) بقوله: "بمعنى توقُّف … إلخ" لاشتراطِ الطهارة لجميع ذلك في حقِّ الصغير كالصغيرة. ويباحُ لمن غيَّبَ حَشَفَتَه فى فرجٍ أصليٍّ إذا كان صغيرًا أن يلبثَ في المسجدِ بغيرِ وضوءٍ؛ لعدمِ تكليفِه، ولأنَّه إذا تعذَّرَ الوضوءُ في حقِّ الكبيرِ والشيخ لِلُبْثٍ فيه، جازَ بلا تيمُّم. واستدخالُ ذكرِ أحدِ من ذُكر وهو الميت، والنائمةُ، والنائمُ، والمجنونُ، ومن لم يبلغ، كفعلٍ، فإذا استدخلَتِ المرأةُ ذكرَ أحدِ هؤلاء المذكورين، وجَبَ عليها الغُسْلُ، دونَ الميت، فلا يعادُ غُسْلُه.

стр. 413

وإسلامُ كافرٍ، وعُلم مما تقدم أنَّه لا غُسْلَ بتغييبِ بعضِ الحَشَفَةِ، ولا مَعَ حائلٍ، ولا بالتصاقِ الختانين، وتماسِّهما من غيرِ إيلاجٍ، ولا بسحاقٍ: وهو إتيانُ المرأة المرأةَ، ولا بإيلاجٍ في غيرِ أصليٍّ، أو بغيرِ أصليٍّ، كقُبُل الخنثى، وذَكَرِه. الثالثُ من موجبات الغسل: ما أشار إليه بقوله: (وإسلامٌ كافر) ولو مرتدًّا، فلو غيَّبتِ المرأةُ حَشَفَةَ بهيمةٍ أو قرد، اغتسلَت وجوبًا. ولا فرقَ بين العالِمِ والجاهلِ، فلو مَكَثَ زمانًا لم يُصَل، احتاطَ في الصلاة، ويعيدُ حتى يتيقَّن (١). نصَّ عليه؛ لأنَّه ممَّا اشتهرَت به الأخبارُ، فلم يُعذَر بالجهلِ. والطائعُ والمكرهُ في تغييبِ الحَشَفة سواءٌ؛ لأن موجب الطهارةِ لا يُشتَرط فيه القصدُ، كسبقِ الحدَثِ، والنائم كاليقظان. كما ذكرُه في "المبدع". دنوشري مع زيادة. (بمعنى توقُّف صحَّة ذلك) أي: صلاتِه عليه، وهذا معنى لزومه بأن صحَّة ذلك متوقِّفةٌ على أحدهما، لا إنَّه إذا تركَه يُعاقَبُ عليه؛ لعدمِ تكليفه على الأصحِّ، أمَّا على القول بتكليفِه، فلا يُحتَاجُ إلى هذا التأويل. محمد الخلوتي. (وعُلِم ممَّا تقدَّم … إلخ) هذا مفهومُ المتنِ. (ولو مرتدًّا) أي: يجبُ الغُسْلُ على كافرٍ أسلمَ، ولو كانَ الكافرُ الذي أسلمَ مرتدًّا، أو أصليًا؛ لأنَّ المرتدَّ مساوٍ للأصليِّ في المعنى، وهو الإسلام، فوجبَ مساواتُه له في الحكم، وهو يوجِبُ الغُسْلَ، فيجبُ الغسْلُ بإسلامِ الكافرِ سواءٌ وجِد في كفره ما يوجِبه، كالإمناءِ، أو التقاء الختانين مع تغييب الحشفة، أو لم يوجدْ في حالِ كفرِه ما يوجبُه من جماعٍ، أو إنزالٍ؛ لأن مُوجِبَ الغُسْل هو الإسلام، وإذا وجِد من الكافرِ -حالَ كفره- سببٌ من الأسبابِ الموجبةِ للغُسْل، كتغييبِ الحَشَفَةِ في الفرج، أو نحوِ ذلك، لم يلزمْهُ له غسل إذا أسلم، بل يكفيه غُسْلُ

стр. 414

وموتٌ، أو مميزًا؛ لحديث أبي هريرةَ: أنَّ ثَمَامة بنَ أثال أَسْلَم، فقال النبي ﷺ : "اذهبُوا به إلى حائطِ بني فلانٍ، فمُرُوه أن يَغتَسِلَ" رواه أحمدُ (١). فيجب الغُسْل سواءٌ وجد منه في كُفْرهِ ما يوجبه أوْ لا، اغتسل قَبْلَ إسلامِه أوْ لا. ووقتُ وجوبهِ على مميِّز كما مرَّ. الرابعُ من الموجبات: ما أشار بقوله: (وموتٌ) فيجبُ تغسيلُ الميِّت المسلم ولو الإسلامِ على الصحيح من المذهب، سواءٌ اغتسلَ قبل الإسلام أم لا؛ لعدمِ صحَّة نيَّتِه، إلا حائضًا ونفساء كتابيَّتين اغتسلتَا لوطءٍ لزوجٍ أو سيِّدٍ مسلم، ثمَّ أسلمتا، فلا يلزمُهما إعادةُ الغسل، كما ذكره في "التنقيح" وتبعَه عليه في "الإقناع" (٢). وأنتَ خبيرٌ بما قال المنقِّح، فإن وجدت فيه شيئًا مخالفًا لأصله -أي: "الإنصاف"- فاعتمدْهُ فإنِّي وضعتُه عن تحرير. "فرعٌ": يحرمُ تأخيرُ إسلامٍ لغُسْلٍ أو غيره، ولو استشارَ مسلمًا، فأشارَ بعدمِ إسلامِه، أو أخَّر عَرْضَ الإسلامِ عليه بلا عُذْرٍ، لم يجز، ولم يصرْ مرتدًّا. ذكره في "الإقناع" (٢). (أو مميزًا) يعني: يجبُ الغسلُ بإسلامِ الكافر مطلقًا، سواءٌ كان بالغًا، أو كانَ الكافرُ الذي أسلَمَ مميزًا؛ لأن الإسلامَ مُوجِبٌ للغسل، فاستوى فيه الكِبَرُ والصغر، كالوطءِ، ويكونُ وقتُ لزومِ الغُسْل على المميِّزِ الكافرِ، كوقتِ لزومِه على المسلمِ المميِّز، إذا جامع، وهو ما إذا أرادَ ما يتوقَّفُ على غسْلٍ أو وضوءٍ لغيرِ لبثٍ بمسجدٍ، فلم يأثمِ الصغيرُ بتأخيرِ الغُسْل، وإذا أراد ذلك، فمن شرطِه الغُسْل. دنوشري مع زيادة. (وموتٌ) تعبُّدًا لا عن حدثٍ؛ لأنَّه لو كانَ عن حدثٍ، لم يرتفع مع بقاءِ سببه، وهو الموت، إذ الحائضُ لا يصحُّ غُسْلُها للحيض مع جريان الدم، ويستثنَى من ذلك الشهيدُ

стр. 415

وحيضٌ، صغيرًا؛ لقوله ﵊: "اغسِلْنَها" (١)، إلى غيرهِ من الأحاديث كما سيأتي. غير شهيد معركةٍ ومقتولٍ ظلمًا. الخامس من الموجبات: ما أشار إليه بقوله: (وحيضٌ) أي: خروجُ دمِ حيضٍ؛ لقوله ﵊ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: "وإذا ذهبَتْ، فاغتَسِلي، وصلِّي" متفَق عليه (٢). والمقتولُ ظلمًا، وقد أشارَ الشارحُ إليهما بقوله: (غيرَ شهيدِ معركةٍ ومقتولٍ ظلمًا) فيجبُ بقاءُ دمِ الشهيد عليهِ، ويحرم غَسْلُه؛ لأن دمَه يَشهَدُ له يومَ القيامة بالشهادة، ولأن اللونَ لونُ الدمِ والرائحةَ رائحةُ المسكِ. ويمْنَع من لَزِمَه غُسْلٌ، كجنبٍ، وحائضٍ، ونفساءَ، -ويدخلُ فيه الكافرُ إذا أسلم ولم يغتسل- من قراءةِ آية فصاعدًا من كلامِ الله تعالى؛ للنهي عن ذلك. (لقوله ﵊ أي: بدليل مقولِه، ومقولُه من الأحاديث، والأمرُ للوجوب، والضميرُ في: "غيرِه" راجعٌ للحديث الأوَّل، وقولُه: "كما سيأتي" أي: المستثنيان في محلِّه وهو باب الجنائز. (أي: خروجُ دمِ حيضٍ) أشار بهذا التعبير إلى أنَّ [في] (٣) كلامه مضافًا محذوفًا. (لقوله ﵊ لفاطمة … إلخ) ويؤَكده قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية [٢٢٢ من سورة البقرة]. أي: إذا اغتسلنَ فَأتوهنَّ، فمنعَ الزوجَ من وطئِها قبلَ غُسلها، فدلَّ ذلك على وجوبِه عليها، وانقطاعُه شرطٌ لصحَّة الغُسْل له، لا لجنابةٍ في زمنِ الحيض، بل يسنُّ؛ لما فيهِ من التخفيف، ويزولُ حكمُ الجنابةِ بالغُسْل لها، كما سيأتي في بابه إنْ شاء الله تعالى. وقيل: يجث الغُسْلُ بانقطاعه لا بخروجه.

стр. 416

ونفاسٌ، لا ولادةٌ عاريةٌ عن دَمٍ. السادس من الموجبات: ما أشار إليه بقوله: (ونفاسٌ) أي: خروجُ دمِ نفاسٍ، فـ (لا) يوجبُ الغُسْل (ولادةٌ عاريةٌ) أي: خاليةٌ (عن دَمٍ) ولا يحرُم بها وطءٌ، ولا قال الطوفيُّ في "شرح الخرقي": وتظهرُ فائدةُ الخلافِ فيما إذا استشهدتِ الحائضُ قبلَ الطُّهرِ، هل تغسَّلُ للحيض؟ فيه وجهان، إن قلنا: يجبُ الغُسْل عليها بخروجِ الدَّمِ، غُسِّلَت؛ لِسَبْقِ الوجوب، وإن قلنا: لا يجب إلَّا بالانقطاع، لم يجب؛ لأن الشهيدَ لا يُغَسَّلَ. وعلى الأوَّل، تغسَّلُ للوجوبِ بالخروج، وإنْ حصلَ الانقطاعُ حسًّا، أشبَه ما لو طَهُرَت في أثناءِ عادتها. وقال بعضُهم: لا يجبُ الغُسْل على القولين؛ لأن الطَّهرَ شرطٌ لصحَّةِ الغُسْل، أو للسببِ الموجبِ له، ولم يوجد. وينبني عليهما من علَّق عتقًا أو طلاقًا على ما يُوجِب غسلًا، وَقَعَ بالخروج. وعلى الثاني: بالانقطاع. انتهى. دنوشري. (وإذا ذهبت) أي: الحيضةُ. (أي: خروجُ دمِ نفاسٍ) أشار بهذا التفسيرِ إلى أن في كلامِه مضافًا محذوفًا؛ لأنه دَمُ حيضٍ مجتمع. قال في "المغني" (١): لا خلافَ في وجوب الغسل بالحيضِ والنفاسِ. وإنَّما الخلافُ في وقتِ الوجوبِ. وظاهرُه أنه يجب بالخروج كما في متن "المنتهى" (٢)، وهو المذهب، إناطة للحكم بسببه، لكن الانقطاعُ شرطٌ لصحَّتِه اتفاقًا. انتهى. دنوشري. (فلا يُوجِبُ الغسلَ ولادةٌ عاريةٌ … عن دمٍ) يُفَرَّعُ على تفسيره، أي: وحيث كان الموجبُ للغسل خروجَ دمِ النفاس، فلا يجبُ الغسلُ بولادةٍ عَرَتْ عن الدم؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه. ذكرَه في "المبدع"، فلا يبطلُ الصومُ بالولادة العريَّة عن الدَّمِ، وبإلقاءِ عَلَقةٍ أو مُضغةٍ لا تخطيطَ فيها، ولا يحرمُ الوطءُ بها. والولد طاهرٌ. وقيل: يجب الغُسْل للولد

стр. 417

ومَنْ لزمهُ غُسْل، حَرُمَ عليه قراءةُ آيةٍ فأكثرَ، يَفسد صومٌ، ولا بإلقاء عَلَقة، أو مُضْغَة؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه، والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ، يجب غسلُه. (ومن لزمه غُسْلٌ) بأحدِ الأسباب المتقدِّمة (حَرُم عليه قراءةُ آيةٍ) كاملةٍ (فأكثرَ) لحديث عليٍّ: "كان النبي ﷺ لا يحجُبُه -وربما قال: لا يحجزُه- عن القرآن شيءٌ ليسَ الجنابةَ" رواه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، والدارقطني، وصحَّحاه (١). وعُلم من كلامه أنَّه لا يَحرُم عليه قراءةُ بعضِها [ولو كرَّره] (٢)، ما لم يتحيَّل على قراءةٍ العاري عن الدَّم، وهو اختيارُ ابنِ أبي موسى (٣) وابنِ عقيل وابن البنَّا (٤)؛ لأنَّه مظنَّةُ النفاسِ الموجبةِ للغسل، فأقيم مقامَه، كالتقاءِ الختانين، أو لأنه منُّيٌّ منعقدٌ. ورُدَّ بخروجِ العلقةِ، والمضغة؛ فإنَّهما لا يوجبان غُسْلًا بلا نزاع. دنوشري. قال الشيشيني: الولادةُ العاريةُ عن الدم لا تتصوَّرُ غالبًا إلا في السِّقْط. (وعلم من كلامه … إلخ) هذا مُحتَرَزُ المتن. (لا يحرمُ عليه قراءةُ بعضها … إلخ) أي: لا يُمنَعُ الجنبُ من قراءةِ بعضِ آيةٍ على الصحيح من المذهب، كما ذكره في "الفروع" (٥)، خلافًا للامامِ الشافعيِّ رحمَه الله تعالى.

стр. 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تَحْرُم. قال المنقح: ما لم تكنِ الآيةُ طويلةً، أي: كآيةِ الدَّين (١)، فتحرُم قراءةُ بعضها. ووجه ذلك أنَّ بعضَ الآيةِ لا يحصلُ به إعجازٌ كما ذكره في "المبدع"، ولا يجزئُ في الخطبةِ، أشبهَ الذِّكرَ، بخلاف ما إذا طال. (ولو كرَّرَهُ) أي: كرَّر الجنبُ قراءةَ البعضِ من القرآن، فإنَّه لا يَحرمُ، فهو غاية لقولِه: "أنَّه لا يحرم". (ما لم يتحيَّل على قراءةٍ تحرمُ) عليه، بأنْ يقرأ آية، أو آياتٍ متواليةً، ويسكت بينها سكوتًا طويلًا، فإنْ كانَ على وجهِ الحيلةِ، حَرُمَ. وإلا، فلا؛ لأن الحيلَ كلَّها غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من الدينِ، وهي التوسُّلُ إلى المحرَّم بما ظاهرُهُ الإباحةُ. وصفةُ التحيُّل على القراءة -كما ذكرَه الشارحُ في تقريره- كأن قرأ نصفَ آيةٍ، وتركَ نصفَها الآخرَ، ثمَّ قرأ نصفَ أخرى، وترك الآخر، ثمَّ رجعَ إلى الآيةِ الأولى، فقرأ نصفَها الذي تركه، ثمَّ قرأ نصفَ الأخرى المتروك، فقد قرأ آيةً بالتحيُّلِ. (قال المنقِّح) رحمه الله تعالى: محل جوازِ قراءةِ الجُنبِ بعضَ آيةٍ (ما لم تكنِ الآيةُ طويلةً) بحيثُ يكونُ ذلكَ البعضُ منها بقدرِ آيةٍ من غيرها، فيمتنعُ عليه قراءةُ ذلك البعضِ حينئذٍ، ولا يحرُم قراءةُ كلماتٍ يسيرةٍ منها. ولمن لزمَه غسلٌ تهجِّي القرآن، وهو النطقُ بالحروفِ التي هي أجزاء الكلمات القرآنية، وذلك لخروجِه عن نظمِ القرآن وإعجازه، وتبطلُ به الصلاة حينئذٍ. قال في "المبدع": وظاهرُهُ أنَّ من فمُه نجسٌ لا يمنعُ من قراءته -قلت: لأنه ليسَ بمُحدِثٍ حَدَثًا أكبرَ- وَيحتمِلُ المنع، وذكرَ ابنُ تميمٍ أنه أولى.

стр. 419

ولبثٌ بمسجدٍ (و) من لَزِمَه غُسلٌ، حَرُم عليه (لُبْثٌ) بضمِّ اللام: اسم مصدر، لَبِثَ بالمكان: أقام به (بمسجدٍ) ولو مصلَّى عيدٍ، لا جنازةٍ، حتى حائض ونفساء انقطع دمُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقولِه ﷺ : "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُب" رواه أبو داود (١). ومحلُّ حرمة اللُّبْث بالمسجدِ على من وله أيضًا تحريكُ شفتِه بالقرآن وكلماتِه إن لم يُبيِّنِ الحروفَ. قال في "الفروع" (٢): وله قراءةٌ لا تُجزِئُ في الصلاة، لإسراره بها. قلت: بحيثُ لا يسمَعُ نفسَه. قال أبو المعالي: وله أن يَنْظُرَ في المصحفِ من غيرِ تلاوة، ويقرَأ القرآنُ عليه وهو ساكتٌ؛ لأنه في هذه الحالةِ لا يُنسَبُ إلى قراءةٍ، وله التفكر فيه. وله أيضًا قولُ ما وافقَ قرآنًا، ولم يقصِدْهُ، كقولِ عاطسٍ: الحمدُ لله رب العالمين. ونحو ذلك، كقولِه: بسم الله. تبركًا على الغُسل والوضوء، والحمدُ لله عندَ تجددِ نعمة، واندفاعِ نقمة، وكآيةِ الاسترجاعِ، وهي: إنا لله وإنا اليه راجعون. وكآيةِ الركوب، وهي: سبحانَ الذي سَخر لنا هذا وما كنا له مُقرِنين؛ لأنه إذا لم يَقصِد بهذا القول قرآنًا، لا يكون قرانًا. وللجُنُبِ أيضًا أنْ يذكرَ اللهَ تعالى. (حتى حائض … إلخ) غاية لقوله: "ومن لزمه غسل"، وقوله: (انقطعَ دمُها) مع أمنِ تلويثه، ومع خوفه، يحرمُ اللبثُ والعبور. ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ والسبيلُ هو: الطريقُ. ويقاسُ على الجُنبِ الحائضُ والنفساءُ إذا انقطعَ دمُها. ويُكرَه اتخاذُ المسجدِ طريقًا، وقيل: يحرمُ على حائضٍ وجُنُبٍ، كما لو حَصَل تلويثُ.

стр. 420

بلا وضوءٍ، وله المرورُ به، ذكِرَ إذا كان (بلا وضوءٍ) فإن توضؤوا، جاز لهم اللُّبْثُ؛ لقولِ عطاءِ بنُ يسار: "رأيتُ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلِسُون في المسجد وهم مُجْنِبُون إذا توضَّؤوا وضوء الصَّلاة" رواه سعيدُ بنُ منصور (١) والأثرمُ، وإسنادُه صحيح. قاله في "المبدع". ولأنَّ الوضوءَ يخفِّف الحَدَثَ فيزولُ بعضُ ما منعه. قال الشيخُ تقيُّ الدِّين: وحينئذٍ فيجوزُ أنَّ ينامَ في المسجد حيثُ ينامُ غيرُه (٢). (وله) أي: لمن لَزِمَه غُسْلٌ (المرور به) أي: بالمسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهو الطَّريق. نصَّ عليه. والمذهب الأوَّل. دنوشري. (بلا وضوء) فإنْ تعذَّر على من قلنا: يَجوزُ له اللبثُ بالوضوء، واحتيجَ للبثٍ فيه بأنْ وإن الماءُ خارجًا عن المسجد، ويخشَى على نفسِه من أعوانِ الظلمةِ أو اللصوصِ إذا خرج، جازَ اللبثُ في المسجدِ بلا تيمُّمٍ. والأَوْلَى للجُنُبِ أنْ يتيمَّم للبثٍ لغسلٍ في المسجد، يعني: إنْ أرادَ أنَّ يغتسلَ في المسجد، ولم يقدرْ على الوضوءِ ولا الغُسْل عاجلًا، فإنَّه يتيمَّمُ لذلك اللُّبث. قال صاحب "المنتهى" في شرح هذا المحل: وقولُ ابنِ قندس في "حاشيته على الفروع" (٣): واحتاجَ إلى اللبث فيه. مخالفٌ لما تقدَّم من أنَّه إذا تعذَّرَ واحتيجَ للبثٍ، جاز بلا تيمُّمٍ، والظاهرُ تقييده بعدمِ الاحتياج. كما أجاب به ﵀ (٤). قال في "الإنصاف" (٥): وأمَّا لُبثُه فيه لأجلِ الغُسل، فالصحيحُ من المذهبِ أنَّه يتيمُّمُ له. انتهى. قال الدنوشري: قلت: ويُحمَلُ كلامُ "الإنصاف" على الأولويَّةِ، فينتفي التعارضُ بين العبارتين. انتهى. ولا يُكرَه في المسجدِ غُسْل ولا وضوءٌ، ما لم يؤذِ بهما، على الصحيح من المذهب.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن جابرٍ: "كان أحدُنا يمرُّ في المسجدِ جُنُبًا مجتازًا" رواه سعيدُ بنُ منصور (١). وسواءٌ كان لحاجةٍ" أوْ لا، ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِهَ الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَه طريقًا. وشُرِطَ لجواز مرورِ حائضٍ ونفساءَ بمسجدٍ أنَّ تأمنا تلويثَه. قال في "الفروع" (٢) في باب الوضوء: ويباحُ هو وغُسْلٌ في مسجدٍ إنْ لم يُؤذِ به أحدًا، حكاه ابنُ المنذر إجماعًا، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك. وقال بعضُ الأصحاب: لا يجوز، ولعلَّه على روايةِ أنَّ المستعمَل في رَفْعِ الحدث نجسٌ، وعلى هذا فهو واضحٌ. وتكرهُ إراقةُ ماءِ الغُسْل والوضوءِ بالمسجد، وبمحلٍّ يُداسُ، كالطريق، ونحوِها، تنزيهًا للماء؛ لأنَّه أثرُ عبادةٍ، كما جزَمَ به في "الرعاية". ويمنَعُ من عبورِ المسجد -كما ذكره في "الإقناع"- واللبثِ فيه مجنونٌ، وسكران، وحائضٌ، ونفساء، ولو انقطع دمهما (٣). قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (٤). ويمنعُ أهلُ الذِّمَّةِ من دخولِ مساجدِ الحِلِّ، ولو بإذن مسلمٍ، كما يُمنَعُون من دخولِ حَرَمِ مكَّة، ويجوزُ دخولُ المسجدِ للذِّمِّي إذا استؤجِرَ لعمارته، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. ويمنعُ من المسجدِ أيضًا من عليه نجاسة تتعدَّى ولا يُتَيمَّمُ لها لعذرٍ، وقال بعضهم: يُتيَمَّمُ لها للعذر، وهو ضعيف. ويُكْرَه للمكلَّف القادرِ على المنع تمكينُ صغيرٍ من المسجد. نقل مهنَّا: ينبغي أنَّ تُجنَّبَ الصبيانُ المساجدَ.

стр. 422

وقولُ ما وافقَ قرآنًا ولم يقصِدْه، كالبسملةِ، والحمدلةِ. (و) لمن عليه غُسْلٌ (قولُ ما وافقَ قرآنًا) من الأذكار (ولم يَقصِدْه) أي: القرآنَ (كالبَسملةِ، والحمدلةِ) وآيةِ الاسترجاع، والرُّكوب (١). وعُلم منه أنَّه لو قصد القرآنَ، حرُم، وكذالو قرأ مالا يوافقُه ذِكرٌ، ولم يَقْصِدْ به القرآنَ. وله تهجِّيه، وتحريكُ شفتيه به إن لم يبيِّنِ الحروفَ، ونظرٌ في مصحف، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ. قال الدنوشري: قلت: لأنَّ الصغيرَ لا يتحرَّزُ من النجاساتِ غالبًا، فلا يُؤمَنُ منه التلويثُ، والمراد إذا كانَ صغيرًا لا يميِّزُ، وكانَ لغيرِ مصلحَة ولا فائدةٍ. وقال في "الآداب الكبرى": يباحُ غَلْقُ أَبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله فيه. انتهى (٢). قال في "المنتهى" و"شرحه" (٣): وَيحرمُ تكسُّبُ [صنعة] فيه. أي: في المسجدِ، قليلًا كان التكسب أو كثيرًا، احتاج إليه أَوْ لا؛ لأنَّه ليس معدًّا للصناعة وإنَّما هو معدٌّ للعبادة والاعتكاف. وفُهِم من قولِه: تكسُّب. أنَّه لو عَمِل لنفسِه خياطَةً أو غيرها، لا للتكسُّب، فإنَّه يجوزُ. اختارَه الموفَّقُ، وصاحبُ "منتهى الغاية" (٤)، وغيرُهما. وقال ابن البنَّا: لا يجوز. واستثنَى بعضُهم من حُرمَةِ التكسُّب بالصنعةِ الكتابةَ، قال: لأنَّها نوعُ تحصيلٍ للعلم. (وله تهجِّيه) هو تعدادُ حروفِه بأسمائها؛ لأنَّه ليسَ بقراءةِ للقرآن، فتبطلُ به الصلاة؛ لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه، وله التفكُّر فيه. (ونحريك شفتيه به … إلخ) فإنْ بيَّن الحروفَ، حَرُمَ، ولو لم يُسْمِع نفسَه، وله إجراؤُه على قلبِه، وإن لم يَسمَعِ القراءةَ. وقوله: (ونظر في مصحف) ولمن وجبَ عليه غسلٌ نظرٌ في المصحف من غير تلاوة. ح ف. (وعلم منه أنَّه لو قَصدَ القرآنَ، حَرُمَ) هذا مفهومُ المتنِ.

стр. 423

ويسنُّ غُسلٌ لجمعةٍ، (ويسنُّ غُسلٌ لـ) ـــصلاةِ (جمعةٍ) لحديث أبي سعيدِ مرفوعًا: "غُسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحْتَلِم"، وقولِه ﷺ : "مَنْ جاء مِنْكم الجمعةَ، فليغْتَسِلْ" متَّفقٌ عليهما (١). وقوله: "واجبٌ" أي: متأكَّدُ الاسْتِحْباب، بدليل قولِه ﷺ : "من توضَّأ يومَ الجمعة، فبها ونعمتْ، ومن اغْتَسَل، فالغُسْل أفضَلُ" رواه أحمدُ (٢). (ويُسَنُّ غُسْل لصلاةِ جمعةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في الأغسالِ المستحبَّة، وهي ستَّةَ عشرَ غًسْلًا، ذكر الشارحُ البعضَ، وقد تقدَّم ذكرُ الأغسالِ الواجبة (وقولِه ﷺ : "مَن جاء مِنْكم .. إلخ" الأمرُ به محمولٌ على الاستحباب؛ بدليل أنَّ عثمان ﵁ أَتى الجمعة بغير غُسْلٍ (٣). وعنه: يجب الغُسْل على من تَلزَمُهُ الجمعة؛ عَملًا بظاهرِ الأمرِ، والصحيحُ الأوَّلُ؛ لعدمِ وجوي الحدثِ، فأقلُّ أحواله (٤) الاستحباب، وعلى الروايتين ليسَ الغسلُ شرطًا لصحَّتها، والغسلُ مسنونٌ للجمعة، لالليوم، كما هو صريحُ كلامِ المؤلِّفِ رحمه الله تعالى. دنوشري. (فبها) أي: فبالرُّخصَةٍ أَخَذَ، ونِعْمَتِ الرخصةُ.

стр. 424

وعيدٍ، ووقتُ غُسْلِ الجمعةِ في يومها لذَكَرٍ حَضَرَها، ولو لم تجبْ عليه، كعبدٍ، ومسافرٍ إن صلَّى. وعند مضيٍّ، وعن جماعٍ أفضلُ (١). وهذا الغُسْلُ آكدُ الأغسال المسنونة. (و) يُسَن غُسْلٌ لصلاةِ (عيدٍ) في يومها (لذكرٍ حَضَرَها) يعني: لا امرأةً ولا خنثى، محمد الخلوتي. (كعبدٍ) بأقسامِهِ السبعةِ، حتَّى المبعَّض، إذا كان بينَه وبينَ سيِّده مهايأةٌ (٢)، ووقعت الجمعةُ في نوبَتِهِ. (ومسافرٍ إنْ صلَّى) كل منهما، أي: إنْ أرادَ الصلاةَ. (وعند مضيٍّ) أي: والغسلُ للجمعة عند مضيٍّ إليها أفضلُ من الغسل إليها قبل ذلك. (عن جماعٍ (٣) أفضلُ) من كونِه عن غير جماعٍ؛ لأنَّه إذا جامعَ أهلَهُ ومضَى إلى الجمعةِ تَبْرُدُ شهوتُه، وتجتمع حواسُّه بقضاء (٤) وَطَره. (وهذا الغسلُ آكَدُ الأغسال) أي: غسلُ الجمعةِ آكدُ الأغسالِ المستحبَّةِ باتِّفاق "المنتهى" و"الإقناع" (٥)، واختلَفوا فيما يليه في الأفضليَّة غُسْلُ العيد [أَم غُسل من غسَّل ميتًا، فذهب في "المنتهى" إلى تقديم غُسْلِ العيد] (٦)، والمصنِّفُ تبعَه، ولكلٍّ وجهة. (وعيدٍ في يومها) لأنَّها صلاةٌ يُشتَرطُ لها العددُ المعتبر، أشبهَت الجمعةَ، ولأنَّه يومُ زينةٍ وتطيُّب، وهو مسنونٌ، وهذا هو الغُسْل الثاني من المستحبَّات.

стр. 425

ومن غسلِ ميتٍ، لحاضرها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يغتسلُ لذلك. رواه ابن ماجه (١). (و) يُسَنُّ غُسْلٌ (مِن) بكسر الميم: أي: لأجل (غسلِ ميتٍ) مسلمٍ، أو كافر؛ لما روى أَبو هريرة مرفوعًا: "من غَسَّل ميتًا، فليغتسلْ، ومن حملَه، فلْيتوضأ" رواه أحمدُ (٢). وهو محمولٌ على الاستحباب؛ لأنَّ أسماءَ غسَّلتْ أبا بكرٍ وسألتْ: هل عليَّ غُسْلٌ؟ قالوا: لا. رواه مالكٌ مرسلًا (٣). (لحاضرِها) إنْ صلَّى صلاةَ العيد، ولو منفردًا على الصحيح من المذهب. ذكره جمعٌ من الأصحابِ، وسيأتي في بابِ صلاة العيد التنبيهُ على ذلك في قوله: "وسنَّ لمن فاتته قضاؤها في يومها على صفتها". وقيل: لا يستحبُّ الغُسْلُ لها، إلَّا إذا صلَّاها في جماعةِ. وقيل: يستحب الغسلُ للعيدِ، ولو لم يصلِّها. (أي: لأجلِ غسلِ ميتٍ) أشارَ بهذا التفسيرِ إلى أنَّ "من" تعليليَّةٌ.
следующие страницы →