← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن جابرٍ: "كان أحدُنا يمرُّ في المسجدِ جُنُبًا مجتازًا" رواه سعيدُ بنُ منصور (١). وسواءٌ كان لحاجةٍ" أوْ لا، ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِهَ الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَه طريقًا. وشُرِطَ لجواز مرورِ حائضٍ ونفساءَ بمسجدٍ أنَّ تأمنا تلويثَه. قال في "الفروع" (٢) في باب الوضوء: ويباحُ هو وغُسْلٌ في مسجدٍ إنْ لم يُؤذِ به أحدًا، حكاه ابنُ المنذر إجماعًا، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك. وقال بعضُ الأصحاب: لا يجوز، ولعلَّه على روايةِ أنَّ المستعمَل في رَفْعِ الحدث نجسٌ، وعلى هذا فهو واضحٌ. وتكرهُ إراقةُ ماءِ الغُسْل والوضوءِ بالمسجد، وبمحلٍّ يُداسُ، كالطريق، ونحوِها، تنزيهًا للماء؛ لأنَّه أثرُ عبادةٍ، كما جزَمَ به في "الرعاية". ويمنَعُ من عبورِ المسجد -كما ذكره في "الإقناع"- واللبثِ فيه مجنونٌ، وسكران، وحائضٌ، ونفساء، ولو انقطع دمهما (٣). قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (٤). ويمنعُ أهلُ الذِّمَّةِ من دخولِ مساجدِ الحِلِّ، ولو بإذن مسلمٍ، كما يُمنَعُون من دخولِ حَرَمِ مكَّة، ويجوزُ دخولُ المسجدِ للذِّمِّي إذا استؤجِرَ لعمارته، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. ويمنعُ من المسجدِ أيضًا من عليه نجاسة تتعدَّى ولا يُتَيمَّمُ لها لعذرٍ، وقال بعضهم: يُتيَمَّمُ لها للعذر، وهو ضعيف. ويُكْرَه للمكلَّف القادرِ على المنع تمكينُ صغيرٍ من المسجد. نقل مهنَّا: ينبغي أنَّ تُجنَّبَ الصبيانُ المساجدَ.

стр. 422

وقولُ ما وافقَ قرآنًا ولم يقصِدْه، كالبسملةِ، والحمدلةِ. (و) لمن عليه غُسْلٌ (قولُ ما وافقَ قرآنًا) من الأذكار (ولم يَقصِدْه) أي: القرآنَ (كالبَسملةِ، والحمدلةِ) وآيةِ الاسترجاع، والرُّكوب (١). وعُلم منه أنَّه لو قصد القرآنَ، حرُم، وكذالو قرأ مالا يوافقُه ذِكرٌ، ولم يَقْصِدْ به القرآنَ. وله تهجِّيه، وتحريكُ شفتيه به إن لم يبيِّنِ الحروفَ، ونظرٌ في مصحف، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ. قال الدنوشري: قلت: لأنَّ الصغيرَ لا يتحرَّزُ من النجاساتِ غالبًا، فلا يُؤمَنُ منه التلويثُ، والمراد إذا كانَ صغيرًا لا يميِّزُ، وكانَ لغيرِ مصلحَة ولا فائدةٍ. وقال في "الآداب الكبرى": يباحُ غَلْقُ أَبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله فيه. انتهى (٢). قال في "المنتهى" و"شرحه" (٣): وَيحرمُ تكسُّبُ [صنعة] فيه. أي: في المسجدِ، قليلًا كان التكسب أو كثيرًا، احتاج إليه أَوْ لا؛ لأنَّه ليس معدًّا للصناعة وإنَّما هو معدٌّ للعبادة والاعتكاف. وفُهِم من قولِه: تكسُّب. أنَّه لو عَمِل لنفسِه خياطَةً أو غيرها، لا للتكسُّب، فإنَّه يجوزُ. اختارَه الموفَّقُ، وصاحبُ "منتهى الغاية" (٤)، وغيرُهما. وقال ابن البنَّا: لا يجوز. واستثنَى بعضُهم من حُرمَةِ التكسُّب بالصنعةِ الكتابةَ، قال: لأنَّها نوعُ تحصيلٍ للعلم. (وله تهجِّيه) هو تعدادُ حروفِه بأسمائها؛ لأنَّه ليسَ بقراءةِ للقرآن، فتبطلُ به الصلاة؛ لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه، وله التفكُّر فيه. (ونحريك شفتيه به … إلخ) فإنْ بيَّن الحروفَ، حَرُمَ، ولو لم يُسْمِع نفسَه، وله إجراؤُه على قلبِه، وإن لم يَسمَعِ القراءةَ. وقوله: (ونظر في مصحف) ولمن وجبَ عليه غسلٌ نظرٌ في المصحف من غير تلاوة. ح ف. (وعلم منه أنَّه لو قَصدَ القرآنَ، حَرُمَ) هذا مفهومُ المتنِ.

стр. 423

ويسنُّ غُسلٌ لجمعةٍ، (ويسنُّ غُسلٌ لـ) ـــصلاةِ (جمعةٍ) لحديث أبي سعيدِ مرفوعًا: "غُسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحْتَلِم"، وقولِه ﷺ : "مَنْ جاء مِنْكم الجمعةَ، فليغْتَسِلْ" متَّفقٌ عليهما (١). وقوله: "واجبٌ" أي: متأكَّدُ الاسْتِحْباب، بدليل قولِه ﷺ : "من توضَّأ يومَ الجمعة، فبها ونعمتْ، ومن اغْتَسَل، فالغُسْل أفضَلُ" رواه أحمدُ (٢). (ويُسَنُّ غُسْل لصلاةِ جمعةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في الأغسالِ المستحبَّة، وهي ستَّةَ عشرَ غًسْلًا، ذكر الشارحُ البعضَ، وقد تقدَّم ذكرُ الأغسالِ الواجبة (وقولِه ﷺ : "مَن جاء مِنْكم .. إلخ" الأمرُ به محمولٌ على الاستحباب؛ بدليل أنَّ عثمان ﵁ أَتى الجمعة بغير غُسْلٍ (٣). وعنه: يجب الغُسْل على من تَلزَمُهُ الجمعة؛ عَملًا بظاهرِ الأمرِ، والصحيحُ الأوَّلُ؛ لعدمِ وجوي الحدثِ، فأقلُّ أحواله (٤) الاستحباب، وعلى الروايتين ليسَ الغسلُ شرطًا لصحَّتها، والغسلُ مسنونٌ للجمعة، لالليوم، كما هو صريحُ كلامِ المؤلِّفِ رحمه الله تعالى. دنوشري. (فبها) أي: فبالرُّخصَةٍ أَخَذَ، ونِعْمَتِ الرخصةُ.

стр. 424

وعيدٍ، ووقتُ غُسْلِ الجمعةِ في يومها لذَكَرٍ حَضَرَها، ولو لم تجبْ عليه، كعبدٍ، ومسافرٍ إن صلَّى. وعند مضيٍّ، وعن جماعٍ أفضلُ (١). وهذا الغُسْلُ آكدُ الأغسال المسنونة. (و) يُسَن غُسْلٌ لصلاةِ (عيدٍ) في يومها (لذكرٍ حَضَرَها) يعني: لا امرأةً ولا خنثى، محمد الخلوتي. (كعبدٍ) بأقسامِهِ السبعةِ، حتَّى المبعَّض، إذا كان بينَه وبينَ سيِّده مهايأةٌ (٢)، ووقعت الجمعةُ في نوبَتِهِ. (ومسافرٍ إنْ صلَّى) كل منهما، أي: إنْ أرادَ الصلاةَ. (وعند مضيٍّ) أي: والغسلُ للجمعة عند مضيٍّ إليها أفضلُ من الغسل إليها قبل ذلك. (عن جماعٍ (٣) أفضلُ) من كونِه عن غير جماعٍ؛ لأنَّه إذا جامعَ أهلَهُ ومضَى إلى الجمعةِ تَبْرُدُ شهوتُه، وتجتمع حواسُّه بقضاء (٤) وَطَره. (وهذا الغسلُ آكَدُ الأغسال) أي: غسلُ الجمعةِ آكدُ الأغسالِ المستحبَّةِ باتِّفاق "المنتهى" و"الإقناع" (٥)، واختلَفوا فيما يليه في الأفضليَّة غُسْلُ العيد [أَم غُسل من غسَّل ميتًا، فذهب في "المنتهى" إلى تقديم غُسْلِ العيد] (٦)، والمصنِّفُ تبعَه، ولكلٍّ وجهة. (وعيدٍ في يومها) لأنَّها صلاةٌ يُشتَرطُ لها العددُ المعتبر، أشبهَت الجمعةَ، ولأنَّه يومُ زينةٍ وتطيُّب، وهو مسنونٌ، وهذا هو الغُسْل الثاني من المستحبَّات.

стр. 425

ومن غسلِ ميتٍ، لحاضرها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يغتسلُ لذلك. رواه ابن ماجه (١). (و) يُسَنُّ غُسْلٌ (مِن) بكسر الميم: أي: لأجل (غسلِ ميتٍ) مسلمٍ، أو كافر؛ لما روى أَبو هريرة مرفوعًا: "من غَسَّل ميتًا، فليغتسلْ، ومن حملَه، فلْيتوضأ" رواه أحمدُ (٢). وهو محمولٌ على الاستحباب؛ لأنَّ أسماءَ غسَّلتْ أبا بكرٍ وسألتْ: هل عليَّ غُسْلٌ؟ قالوا: لا. رواه مالكٌ مرسلًا (٣). (لحاضرِها) إنْ صلَّى صلاةَ العيد، ولو منفردًا على الصحيح من المذهب. ذكره جمعٌ من الأصحابِ، وسيأتي في بابِ صلاة العيد التنبيهُ على ذلك في قوله: "وسنَّ لمن فاتته قضاؤها في يومها على صفتها". وقيل: لا يستحبُّ الغُسْلُ لها، إلَّا إذا صلَّاها في جماعةِ. وقيل: يستحب الغسلُ للعيدِ، ولو لم يصلِّها. (أي: لأجلِ غسلِ ميتٍ) أشارَ بهذا التفسيرِ إلى أنَّ "من" تعليليَّةٌ.

стр. 426

وإفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال. ولكسوفٍ، واستسقاءٍ، وإحرامٍ، (و) يُسَنَّ غُسْلٌ من (إفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال) مَنيٍّ فيهما، و"الواو" بمعنى (أو). قال ابنُ المنذر (١): ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسل من الإغماء. متفقٌ عليه من حديثِ عائشة (٢)، والجنونُ في معناه، بل أَولى. وأمَّا مع الإنزال، فيجبُ الغُسل. وتقدَّم التفصيلُ فيما إذا أفاق نحو نائم، ووجد بلَلًا. (و) يُسَنُّ غُسْلٌ (لِـ) ــصلاةِ (لكسوفٍ، واستسقاءٍ) لأنَّ كليهما عبادةٌ يجتمع لها النَّاسُ، كالجمعة، والعيدين. (و) يُسنُّ غُسْلُ لـ (إحرامٍ) بحجٍّ، أو عمرةٍ، أو بهما؛ لما روى زيدُ بنُ ثابت: "أنَّ و (مِنْ إفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال) هذا هو الرابعُ والخامسُ من الأغسالِ المستحبَّة بغير خلافٍ نعلمُه. وقوله: (ثبتَ أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسلَ من الإِغماء) وليسَ بواجب. وقوله: (بل أَولى) لأن مدَّتَهُ تطولُ فلا يؤمَن أن يَحتِلمَ فيه. وزوالُ العقل في نفسه لا يوجبُ الغسلَ، كالنوم. وحكى بعضُهم روايةً بوجوبِ الغُسْلِ للجنونِ والإغماء؛ لأنَّ الأصلَ في أفعالِه ﵊ الوجوبُ، لكنَّ المشهورَ عند الأصحاب الاستحبابُ -لأنَّ الغُسلَ لا يجبُ بدونِ الإنزال- إطراحًا للشكِّ، واستحبابًا لليقين. وفهم من قوله: "بلا إنزال" أنَّه لو كانَ فيهما إنزالٌ باحتلامٍ، أو غيرِه، وجبَ الغُسْل لوجود الإنزال. (كالجمعة والعيدين) أي: كصلاةِ الجمعة والعيدين؛ لأنَّ كلًّا منهما صلاةٌ يجتمعُ لها الناس، فاستحبَّ الغُسْل لكلِّ. (و … لإحرامٍ بحجٍّ) أي: يسنُّ الغسْلُ لإرادةِ إحرامٍ بحج … إلخ، هذا الثامنُ من الأغسالِ المستحبَّة (٣) … يستحبُّ لكل من يريد الإحرام. دنوشري.

стр. 427

ودخولِ مكَّةَ، النبيَّ ﷺ تجرَّد لإهلاله، واغْتَسَلَ" رواه التِّرمِذي وحسَّنه (١). وظاهرُه: ولو مع حيضٍ، ونفاسٍ. وصرَّح به في "المنتهى" (٢). (و) يُسنُ غُسْل لـ (ـــدخول مكةَ) لفعله ﵊، متَّفق عليه (٣). وظاهرُه: ولو مع حيضٍ، أو بالحَرَمِ، كمن بمنًى إذا أراد دخولَ مكَّة. (ولو مع حيضٍ ونفاسٍ)؛ لأن أسماءَ بنتَ عميس نُفِسَت بمحمدِ بنِ أبي بكرٍ، بالشجرة، فأَمَر رسولُ الله ﷺ أبا بكر أنَّ يأمرَها أنَّ تغتسلَ، وتُهِلَّ. رواه مسلم (٤) من حديث عائشة. قال في "المبدع": لا يقال: أمرها به من حيث النفاس، فلا ينهض دليلًا؛ لأنَّ حدثَ النفاسِ مستمرٌّ، لا يؤثِّر فيه (٥)، فتعيَّن ما قُلنا. نفست، يقال: نُفِسَت المرأةُ، بضمِّ النون، إذا وَلدت. وبفتحِها، إذا حاضَت (٦). وأوجبَ بعضُ العلماءِ دمًا على تركِ الغُسْلِ للإحرام. (لدخولِ مكة) هذا التاسعُ من الأغسال المستحبَّة، أي: إن أرادَ دخولَ مكَّة، كأنْ يكونَ بالحرم، ثُمَّ يريد الدخولَ إلى مكَّةَ، فيستحبُّ الغُسلُ لذلك. قال في "المستوعب": حتى الحائض. وقال في "الإقناع" (٧): ولا يستحبُّ الغُسلُ لدخولِ طيبةَ، ولا للحجامةِ والبلوغِ، وكلِّ اجتماعٍ.

стр. 428

وطوافِ إفاضةٍ، ووداعٍ، ووقوفٍ بعرفةَ، ومبيتٍ بمزدلفةَ، ورميِ جِمارٍ. ويُسنُّ غُسْلٌ لدخول حَرَمِها (وطوافِ إفاضة، و) طوافِ (وداعٍ، ووقوفٍ بعرفةَ، ومبيتٍ بمزدلفةَ، ورميِ جِمارٍ) لأنَّها أنساكٌ يجتمعُ لها النَّاسُ، ويزدحمون، فيعرَقون، فيؤذي بعضُهم بعضًا؛ فاستُحبَّ الغُسْل كالجمعة "تتمَّة": قال في "الإنصاف" (١): وقتُ الغسلِ للاستسقاء عند إرادةِ الخروجِ الى الصلاة، والكسوفِ عند وقوعِه، وفي الحجِّ عندَ إرادةِ النُّسكِ الذي يريد فعله قريبًا. انتهى. ويسنُّ الغسلُ لـ (طوافِ إفاضةٍ) ولطوافِ الزيارة، وبه صرَّح في "المنتهى" (٢)، أي: زيارة الكعبةِ الشريفة، وطواتُ الزيارةِ هو الذي بعدَ دخولِ مكَّة، وقبل الوقوفِ بعرفة. (وطوافِ وداعٍ) هذا الثاني عشر من الأغسالِ المستحبَّةِ وفاقًا (٣)، ويكونُ عندَ الخروج من مكَّة بعدَ فراغِ النُّسُك. (ووقوفٍ بعرَفَة) وفاقًا لمالك والشَّافعي. (ورمي جمارٍ) أي: يسنُّ الغسلُ لرميِ جمارٍ، هذا هو الخامس عشر من الأغسال المستحبَّة، واقتصر عليها المصنِّف؛ لأنَّ هذه كلَّها أنساكُ، في مواضعَ يجتمعُ لها الناسُ، ويزدحمون فيها، فيَعرقون، فربَّما يؤذي بعضُهم بعضًا؛ فاستحبَّ لها الغُسْل، كالجمعة. وظاهرُه أنَّه لا يستحبُّ لغيرِ ذلك، وفي "منسك" ابن الزاغُونيِّ: ولِسَعْيٍ. وفي "الإشارة" و"المذهب": وليالي منى، وعنه: ولحجامةٍ. ونصَّ أحمد: ولزيارة قبرِ النبيِّ ﷺ . قال الدنوشري: قلت: وهو أولَى الجميعِ؛ لشرفِه ﷺ . وقيل: ولكلٍّ اجتماع مستحبٍّ، كما هو قياسُ المذهبِ، ذكره في "الرعاية".

стр. 429

فصل والغُسْلُ الكاملُ: أنْ ينويَ، ثُمَّ يسمِّيَ، ويتيمَّمُ للكلِّ لحاجة، ولما يُسَنُّ له الوضوءُ لعُذْرٍ. ولا يُسَنُّ غُسْلٌ لدخولِ طَيْبَةَ، ولا لحجامةٍ، وبلوغٍ، وكلِّ اجتماع. فصل في صفة الغسل (والغُسْلُ) إمَّا كاملٌ وإمَّا مُجزِئٌ. (فالكامل) المشتملُ على الواجباتِ والسُّنَن: (أن ينويَ) أي: يقصدَ رفعَ الحَدَثِ الأكبر، أو استباحةَ نحوِ صلاةٍ (ثُمَّ يسمِّي) فيقول: باسم الله، لا يقومُ غيرُها مَقامها. (ويتيمَّمُ للكلِّ) أي: لكلِّ الأغسالِ المستحبَّة في الأصحِّ، استحبابًا؛ لأنَّ للبدل حكم المبدل. (لحاجة) وهي: عدمُ الماء، أو تعذُّر استعمالِه؛ لعدوٍّ، أو فقدِ آلةٍ يستقي بها من البئر، أو نحو ذلك من كلِّ ما يبيحُ التيمُّمَ. (ولما يُسَنُّ له الوضوءُ) كقراءةٍ، وتدريسِ علمٍ، ونحوِ ذلك. (لعُذْرٍ) والعذرُ هو الحاجةُ المتقدِّمَةُ، ولعلَّ الشارحَ -رحمهُ الله تعالى- غاير بين العبارتين؛ للتفنُّنِ في التعبير، وعدم التكرار. (فصل في صفة الغسل) لمَّا فرغَ من الكلامِ على الغُسْلِ الواجبِ والمستحبِّ، شَرَع في بيانِ صفتِه، إذ العلمُ بالصفةِ متأخِّرٌ على العلمِ بالموصوفِ، فقال: "فصلٌ في صفةِ الغُسل"، وينقسمُ إلى قسمين، كاملٍ ومُجزئ: (فالكامل) الفاء لتفصيل المجمل، أي: واجبًا كان أو مستحبًا، وسمي كاملًا؛ لاشتماله على السُّننِ والواجبات. (أن ينوي) من يَصِحُّ منه الغُسْلُ رفعَ الحدثِ، أو استباحةَ ما تجبُ لهُ الطهارةُ، وأمَّا الميتُ والمجنونُ، فيُنوَى عنهما إذا غُسِّلا. دنوشري. (ثُمَّ يسمِّي) بأنْ يقولَ: بسم الله. بعدَ أنْ ينوي.

стр. 430

ويغسلَ يديه ثلاثًا، وما لوَّثه، ويتوضأَ، ويحثيَ على رأسه ثلاثًا (ويَغْسِلَ) بعد ذلك (يَدَيهِ ثلاثًا) كالوضوء، لكنْ هنا آكدُ؛ باعتبارِ رفع الحَدَثِ عنهما (١)، ولفعله ﵇ (٢). (و) يغسل (ما لوّثه) أي: ما أصابه من أذًى؛ لحديث عائشةَ: "فيُفرغ بيمينِه على شِمَالِه، فيغسِلُ فَرْجَه" (٣). وظاهرُه: لا فرقَ بَيْنَ أنَّ يكونَ على فرجِه، أو بقيَّةِ بدنه، وسواءٌ كان نجسًا، أو مستقذَرًا طاهرًا، كالمنيِّ. (ويتوضأ) كاملًا؛ لقوله ﵊: "ثُمَّ يتوضأُ وضوءَه للصَّلاة" (٤). (ويحثي على رأسه ثلاثًا) أي: يُفْرغُ على رأسه ثلاثَ غَرَفات بكفَّيْه. وأصلُه: من حثى قال أصحابنا: هي هنا كالوضوءِ؛ قياسًا لإحدى الطهارتين على الأخرى. (ويغسلَ يَدَيْه ثلاثًا) أي: وجوبًا إنْ كان قائمًا من نومِ ليلٍ، وإلَّا وَجَبَ غسلُهما مرَّة، ويسنُّ ثلاثًا، كما في الوضوء، ويكونُ الغَسْلُ خارجَ الماء، قبلَ إدخالِهما الإناءَ. ج ف وزيادة. (ويغسلُ ما لوَّثهُ) أي: ما لطَّخَهُ من أذى منيٍّ أو غيره، بفرجِه أو ببقيةِ بدنِه، نجِسًا كانَ -كما صرَّح به في "المحرَّر"- أو طاهرًا مستقذَرًا، كالمنيِّ، أو غيرَ مستقذرٍ، كعجينٍ، ونحوه. ويكون الغسلُ بشمالِه، ويُفرغُ عليه بيمينه، وذلك مستحبٌّ، إلَّا أنْ يكونَ ما لَوَّثَهُ جافًّا يمنعُ وصولَ الماءِ، فيجب. ح ف وزيادة. (ثمَّ "يتوضَّأُ وضوءَه للصلاة") (٥) … الغسل استحبابًا قبل الغسل بعده إلَّا أنْ ينتقضَ بمسِّ فرجِه، أو غير ذلك. ح ف. (وأصلُه من حَثَى

стр. 431

يُرَوِّيه، ويعمَّ بدنَه غسلًا ثلاثًا، الترابَ يحثُوه، أو يحثيه: إذا هاله بيده (١)، فشُبَّه ما هنا به. (يُرَوِّيه) (٢) أي: رأسَه، أي: يروِّي بكلِّ مرَّة أصولَ شَعَره؛ لقولِ ميمونةَ: ثُمَّ أفرغَ على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ (٣). (ويعمّ) بعد ذلك بقيَّة (بدنه) بإفاضةِ الماء عليه (غَسْلًا) لا مسحًا؛ لقولِ عائشةَ: ثُمَّ أفاضَ على سائرِ جسده (٤)، وقولِ ميمونةَ: ثمَّ غَسَلَ سائرَ جَسَدهِ (٥) (ثلاثًا) قياسًا التراب … إلخ) يقال: حَثَوتُ أحثو حثوًا، كغَزَوْتُ، وحَثَيْتُ أحثي حثيًا كرميت، فمصدرُه إمَّا واويٌ أو يائيٌّ، لقولِ ميمونةَ: "ثُمَّ أفرغَ على رأسِه ثلاثَ حثيات" (٦). يروِّي بها في كلِّ مرَّةٍ أصولَ الشعر؛ لقولِه ﵊: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابة، فاغسلوا الشعرَ، وأَنْقوا البشرةَ". رواه أَبو داود (٧). (فشُبِّه ما هنا به) بأنْ شَبَّه تفريغَه الماءَ على رأسِه، بإهالةِ الترابِ، ثُمَّ استُعِير اسم المشبَّه به للمشبَّه، استعارةً تصريحيَّة. (ثم أفاضَ على سائرِ جسده) أي: بقيَّةِ جسدِه. (ثلاثًا) ما ذكرَه من الثلاث، هو الصحيح، وجزم به في "المغني" (٨)، و"الوجيز"،

стр. 432

متيامنًا ويغسلَ قدميه بموضعٍ آخرَ. على الوضوء، حالَ كونه (متيامنًا) فيبدأ بشقِّه الأيمن، ثُمَّ الأيسرِ؛ لما تقدَّم أنَّه ﵊ كان يعجِبُه التَّيمُّنُ في طهوره (١). ويدلُكَه، أي: بدنَه بيديه؛ لأنَّه أنقى، وبه يتيقَّن وصولَ الماءِ إلى مغابِنه (٢)، وجميعِ بدنه، ويخرجُ من خلافِ من أوجبه. ويتفقَّد أصولَ شَعَرِه، وغَضَاريفَ أذنيه، وتحتَ حلقه وإبطيه، وعمقَ سُرَّته وحالبَيْه، وبَينَ أَلْيتيه، وطَيِّ ركبتيه، ويكفي الظنُّ في الإسباغ. (و) يتحوَّل عن موضعه، فـ (يَغْسِل قدمَيْه) ولو في حمَّام ونحوهِ (بموضعٍ آخرَ) لقول ميمونةَ: "ثُمَّ تنحَّى عن مقامه، فغَسَل رجليه" (٣). وقيل: مرَّة، ولم يرجِّح في "الفروع" (٤) شيئًا. دنوشري. (ويخرج من خلات من أوجبه) كمالكٍ ولنا قولُ النبيِّ ﷺ لأمِّ سَلَمة في غُسْلِ الجنابةِ: "إنَّما يكفيكِ أنَّ تحثي على رأسكِ الماءَ ثلاثَ حَثَيات، ثم تفيضينَ عليكِ الماءَ فتطهرين". رواهُ مسلم (٥). (وحالبيه) قال في "الصحاح" (٦): الحالبان: عرقان يكتنفان السُّرَّةَ. مصنِّف على "الإقناع" (٧). (ويكفي الظنُّ في الإسباغِ) أي: يكفي ظنُّ المغتسلِ في الإسباغ، بأنْ يكتفي بغلبةِ الظَّنِّ في إسباغه جميعَ الأعضاءِ بالماء، وإيصالِه إلى ما يجبُ غسلُه أو مسحُه، على الصحيحِ من المذهب، ولا يُشتَرطُ تحقُّقُه. دنوشري.

стр. 433

والمجزئُ أنْ ينويَ، ويسمِّيَ، ويعمَّ بدنَه غَسْلًا، مرَّةً. (و) الغُسْلُ (المجزئ) وهو المشتملُ على الواجبات فقط: (أن) يزيلَ ما به من نجاسةِ أو غيرِها ممَّا يمنع وصولَ الماء إلى البَشَرة إن وجِد. و (ينويَ) كما تقدَّم (ويُسمِّيَ، ويعمَّ بدنَه) حتَّى فمه، وأنفه، وظاهر شَعَرٍ (١) وباطنه، مع نقضِه لحيضٍ ونفاسٍ، وحتى حشفةِ أقلف أمكنَ تشميرُها، وما تحت نحوِ خاتم فيحرِّكُه، وحتى ما يظهرُ من فرجِ امرأةٍ عند قعودِها لقضاء حاجةٍ، لا ما أمْكنَ من داخله، ولا داخل عينٍ، كما تقدَّم في الوضوء (٢). ويكون تعميمُ بدنه بالماء (غَسْلًا) فلا يجزئ المسحُ (مرَّةً) فلا يجبُ التَّكَرار. (وينوي كما تقدَّمَ) بأن ينوي رفعَ الحدث، أو استباحةَ أمرٍ لا يُبَاحُ إلَّا بالغُسْل والوضوء، كالصَّلاةِ، والطوافِ، ومسِّ المصحف. (إن وجِد) ما يمنعُ وصولَ الماءِ. (ويَعُمُّ بدنَه) أي: يَعُمُّ بالماءِ جميعَ بدنِه، لا ما أمكن من داخلِ العينين، بل ولا يسحبُّ؟ فظاهره إباحة التطهير والاغتسال من غيرِ وضوءٍ، والمرادُ بتعميمِه أنْ يغسلَ الظاهر جميعَه، حتَّى حَشَفَةَ الأقلف، إن أمكنَ تشميرها، كما جزمَ به ابنُ تميم؛ لأنَّها جزءٌ من بدنِه لا مشقَّة في غسلِه، فوجبَ كبقيَّة ظاهرِ البدن. "شرح المنتهى" (٣). (وحتى ما يظهرُ من فرجِ امرأةٍ عندَ قُعودها لقضاء حاجتـ) ـــــها، أي: لقضاءِ الحاجةِ، كالبولِ، والغائط، فيجبُ غسلُ ما يظهرُ من فرجِها؛ لأنَّه يمكنُ تطهيرُه من غيرِ ضَرَرٍ، لا ما لا يظهرُ من داخلِ فرجِها. ويجبُ غسلُ جميع الشعرِ في الجنابةِ، ظاهره وباطنه، حتى باطنِ اللحيةِ الكثيفةِ في الجنابة، كالوضوءِ، والمذهب الأوَّل.

стр. 434

ويُسنُّ وضوءٌ بمُدٍّ، ويُسنُّ وضوءٌ بمُدٍّ، ويجب نقضُ الشعرِ للغُسْل من الحيضِ، روايةً واحدةً؛ لأنَّ الحيضَ جنابةٌ غليظَةٌ، ولأنَّ مُدَّتَهُ تطولُ، فيلبَّدُ، فشُرعَ النقضُ طريقًا موصِلًا إلى إيصالِ الماء إلى أصولِ الشعر. والنفساءُ كالحائضِ، فيجبُ أنْ تَنْقُضَ شعرَها للنفاس أيضًا، لا للجنابة؛ لمشقَّة تكرُّرِها، إذا روَّت أصولَها. ويرتفعُ حدثٌ قبل زوالِ حكم خبثٍ، إذا كانَ على شيءٍ من محلِّ الحدثِ الأصغرِ أو الأكبرِ نجاسةٌ لا تمنعُ وصولَ الماء إليه -من جنابةٍ أو حيضٍ- ارتفعَ الحدثُ قبل زوالِها، ويبقى حكمُها إلى أنَّ تُغْسَلَ العددَ المشروطَ في تطهيرِها، وإذا مَنعَتْ وصولَ الماءِ إلى البدن، فلا إشكالَ في توقُّفِ صحَّة الغُسْلِ وارتفاعِ الحدثِ الأكبرِ عن ذلك المحلِّ على زوالِها. وتسنُّ الموالاةُ بينَ جميعِ أجزاءِ البدنِ في الغُسْلِ، ولا تُشتَرطُ على الصحيح من المذهب، كما لا يشترطُ فيهِ الترتيب، فإنْ فاتتِ الموالاةُ، بأنْ جفَّ ما غَسَله من بدنِه، ولو بزمنٍ معتدِلٍ قبلَ غسله بقيَّتَه، وأرادَ أنَّ يُتِمَّ غُسْلَهُ، جدَّدَ لإتمامه نيَّةً وجوبًا؛ لانقطاعِ النِّيَّةِ المشروطةِ بفوات الموالاة، والظاهر أنَّه لا يجب أنَّ يجدِّد تسميةً؛ لأنَّ النِّيةَ شرطٌ، فيعتبرُ استمرارُ حكمِها إلى آخرِ العبادة، بخلاف التسمية (١) … تقدُّم النية فيه على العبادة بعدَ دخولِ وقتها هو ما تفوتُ به الموالاة، وأنَّ اليسيرَ المغتفرَ هو ما لا تفوتُ الموالاة [به]. ويسَنُّ أيضًا أخذُ سِدْرٍ في غسل كافرٍ أسلم، كإزالة شعره، أي: يسنُّ أخذُ السدرِ في غُسْلِ الكافرِ إذا أسلم، كما يسنُّ له إزالةُ شَعْرِه. دنوشري مع زيادة. (ويسنُّ وضوءٌ بمدٍّ) أي: بزِنَةِ مُدٍّ من الماء. وزِنَةُ المُدِّ بالدراهمِ مئة وإحدى وسبعونَ درهمًا إسلاميًّا، وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ، وزنته بالمثاقيل عشرونَ مثقالًا، وزنتُه بالأرطالِ رطلٌ

стр. 435

واغتسالٌ بصاعٍ. وكُرِهَ إسرافٌ، و) يُسَنُّ (اغتسالٌ بصاعٍ): وهو أربعةُ أمداد؛ لما روى أنسٌ "أنَّ النبيَّ ﷺ كان يتوضَّأ بالمُدِّ، ويغتسلُ بالصَّاع" متفق عليه (١). (وكُرِهَ اسرافٌ) في ماء؛ لحديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على سَعْدٍ وهو يتوضَّأ فقال: "ما هذا السَّرَفُ"؟ فقال: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قال: "نعم، وإن كُنْتَ على نهرٍ جارٍ" رواه ابنُ ماجه (٢). وثلثٌ عراقيٌّ، ورطلٌ وسبعٌ وثلثُ سُبعِ رطلٍ مصري. انظر "المنتهى" (٣) في باقي الأوزان. (ويسَنُّ اغتسالٌ بصاعٍ) أي: بزنةِ صاعٍ من الماءِ وزنتُه بالدراهمِ الإسلاميَّة ستُّمئةِ درهمٍ، وخمسةٌ وثمانونَ درهمًا، وخمسةُ أسباعِ درهيم، وبالمثاقيل أربعةٌ وثمانون مثقالًا، وزنتُه بالرطل العراقيِّ خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ عراقيَّةٌ، فيكونُ أربعةَ أمدادٍ، وأومأ الإمامُ أحمد في رواية ابن مشيش (٤) أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ من الماء، اختاره في "الخلاف" و"منتهى الغاية"، والمذهبُ الأوَّل. دنوشري. وانظر "المنتهى" (٥) في باقي الأوزان. (وكُرِه اسرافٌ في ماءٍ) أي: في الماءِ الذي يُغْتَسل أو يُتَوضَّأُ به، ولذلك نكَّر الشارح

стр. 436

وإن أسبغَ بدونهِ، أو نوى بغُسْلهِ الحَدَثين، أو استباحةَ الصَّلاةِ، كفى. (وإن أَسْبَغَ) أي: أتمَّ الوضوءَ أو الغُسْلَ (بدونه) أي: بدون (١) ما ذُكِرَ، بأن توضَّأ بدون مُدٍّ، واغْتَسَلَ بدون صاعٍ، أجزأه ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالغُسْل، وقد فعلَه، ولم يُكْرَه. والإسباغُ: تعميمُ العضوِ بالماء، بحيثُ يجري عليه، ولا يكونُ مسحًا. (أو نوى بغُسْله) رفعَ (الحَدَثين) الأصغرِ والأكبرِ، أجزأ عنهما. ولم يلزمْه ترتيبٌ، ولا مُوالاةٌ. وظاهرُه كغيره يَسْقُطُ مسحُ الرأس حينئذٍ. (أو) نوى بغُسْله (استباحةَ) نحوِ (الصَّلاة) كطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ. أو نوى رفع (٢) الحَدَثِ وأطْلَقَ، فلم يقيِّدْه بأكبرَ، ولا بأصغرَ (٣) (كفى) أي: أجزأ الغُسْلُ عن الحَدَثين. "ماء". والإسرافُ: الزِّيادةُ الكثيرةُ، ولو على نهر جارٍ. (ولا يكون مسحًا) فإنْ مَسَحهُ، أو أمرَّ الثلجَ عليه، لم تحصل الطهارةُ به، وإن ابتلَّ به العضو، إلَّا أنْ يكون خفيفًا، ويجري على العضو. (أجزأَ عنُهما) والظاهرُ أنَّه لو نَوى الغُسْلَ، لا يجزئُه، ولا يرتفعُ حدثهُ، كما لو نَوى طهارةً أو وضوءًا، وأطلق؛ لأنَّ الغُسْلَ يَشملُ الواجبَ والمسنونَ والمباحَ، والطهارةُ للمباح غيرُ مُجزئَةٍ. انتهى. دنوشري. (أو نوى بِغُسْلِه استباحةَ نحو الصلاة) وهذه معنى عبارة "المنتهى" ونصُّها: أو نوى بغسلِه أمرًا لا يباحُ إلا بوضوءٍ وغسل؛ أجزأَ عنهما. انتهى (٤). كصلاةٍ وطوافٍ ومسِّ مصحفٍ، أجزأَ هذا الغسلُ عن الطهارتين، الكبرى والصغرى، ولو لم ينوِ الوضوء، فلو نوى رفع الحدث، أو أطلقَ، ارتفعا، واندرج الأصغر تحت الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] جعلَ الغسلَ غايةً للمنعِ من الصلاةِ، فإذا اغتسلَ، وَجَبَ أنْ لا يُمنَع منها، ولأنَّهما عبادتان من جنسٍ، فدخلتِ الصغرى في أفعال الكبرى بالنية، كأفعال العمرة تدخلُ في أفعالِ الحجِّ فيما إذا أحرم قارنًا. ولا يرد عليه قوله ﵊: "وإنَّما

стр. 437

ويُسنُّ لجنبٍ غَسْلُ فرجِهِ، ووضوؤُه لنومٍ، (ويُسَنُّ لجُنُبٍ) حتَّى حائضٍ ونفساءَ انقطعَ دمُهما (غسلُ فرجه) لإزالة ما عليه من أذًى (ووضوؤُه لنومٍ، لكُلِّ امرئٍ ما نوى" (١)؛ لأنَّ أفعالَ العُمرة دخلتْ واندرجت في أفعالِ الحجٌ بطريق التبعيَّةِ، وكذلكِ رفعُ الحدثِ الأصغرِ يندرجُ في الحدثِ الأكبرِ؛ لحصولِ تعميمِ البدنِ بالغُسْل، ولأنَّ كلًّا من الحدثَين يُحصِّلُ جميعَ البدن، فأجزأَ غَسْلُه عنهما مع نيَّةِ الإطلاق، ولأنَّ لفظَ الحدثِ يشملُهما، فاكتُفِيَ به مع الإطلاق. وفُهِم من قوله (٢): أمرًا لا يباحُ إلَّا بوضوءٍ وغسلٍ. أنَّه لو نوى أمرًا يباحُ بالغُسْلِ فقط دون الوضوءِ، كقراءةِ القرآنِ، أو من انقطع حيضُها أو نفاسُها، استباحةَ الوطء، لم يرتفعْ إلَّا الأكبرُ على الصحيحِ من المذهب. وقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنَّها إنَّما نوتْ ما يُوجِبُ الغُسْلَ، وهو الوطءُ، ذكره أَبو المعالي. والمذهبُ الأوَّل. وعُلِمَ ممَّا تقدَّمَ سقوطُ الترتيبِ والموالاةِ في أعضاء الوضوء؛ لاندراجِها في أعضاءِ الغُسل، فلو اغتسل إلَّا أعضاءَ الوضوء، لم يجب الترتيب فيها (٣)؛ لأنَّ حكم الجنابةِ باقٍ. وإن فاتت الموالاةُ، جدَّد لإتمامه نيَّةً وجوبًا. "تتمَّة": إذا نَوى رفعَ الحدثين، ثُمَّ أحدثَ في أثناء غُسلِه [أتمَّ غسله] (٤)، ثُمَّ إذا أراد الصلاة توضَّأ. دنوشري. (ووضوءه) أي: ويسنُّ لجنبٍ وضوءٌ لإرادة نومٍ، وكُرِه تركُ الجنب الوضوءَ للنوم فقط، أي: خاصَّة، فلا يُكرَه للجنب تركه؛ لما يأتي ذكره، من معاودة وطءٍ وأكلٍ وشربٍ.

стр. 438

وأكلٍ، ومعاودةٍ وَطْءٍ. وأكلٍ) وشربٍ (ومعاودةِ وَطْءٍ) روي ذلك عن عليٍّ وابنِ عمر (١). (ومعاودة وطءٍ) أي: ويسنُّ للجنب أيضًا الوضوء لمعاودة وطءٍ؛ لما روى أَبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أنَّ يعود، فليتوضَّأ بينهما وضوءًا". رواه مسلمٌ وابنُ خزيمة والحاكم، وزادا: "فإنَّه أنشط للعود" (٢). ظاهر كلامهم أنَّهم علَّلوه بخفَّةِ الحدثِ. وعنه: أنَّ ذلكَ خاصٌّ بالرجل؛ لأنَّ عائشةَ أخبرت عنهُ بالوضوءِ، ولم تذكر أنَّها كانت تفعلُه ولا أمرَها بهِ مع اشتراكهما في الجنابة (٣)، والمذهبُ الأوَّل؛ لاشتراكِ الرجلِ والمرأةِ في الجابة، ولتوفُّر العلَّة فيهما. قال في "المنتهى" (٤) و"شرحه": ولكن الغسل لمعاودة الوطء أفضلُ من الوضوء؛ لأنَّه أقوى في النشاط؛ لارتفاعِ الجابة بالكليَّة. (وأكلٍ) أي: ويسنُّ أيضًا لكلٍّ من جُنُبٍ، ولو أنثى، وحائضٍ ونفساء. انقطع دمُهما، الوضوءُ لأكلٍ وشُرْبٍ، وسكتَ في الحديث عن الشُّرْبِ؛ لملازمته للأكل في الحكم بالنصِّ القطعيِّ؛ لما رُويَ عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا أرادَ أن يأكلَ أو ينامَ، توضَّأ، يعني: وهو جنبٌ رواه أَبو داود (٥). وأمَّا غيرُ الجنبِ، فبالقياس عليه. قال في "الإنصاف" (٦): الحائضُ والنفساءُ بعدَ انقطاعِ الدم، كالجنبِ، وقبل انقطاعه لا يستحبُّ لهما الوضوءُ لأجلِ الأكلِ والنوم. قاله الأصحاب. اننهى.

стр. 439

ويباحُ حمام مع أمنِ محرَّمٍ. (ويُبَاحُ) لرجلِ وامرأةٍ دخولُ (حمَّام مع أَمنِ) كل منهما وقوعَ (محرّم) بأن يَسلمَ من النَّظَرِ إلى عورات النَاس ومسها، ومن نَظَرِهِم إلى عورته ومسَّها؛ لما روي أنَّ ابنَ عباس دخل حمَّامًا بالجُحفة (١). وروي عنه ﵊ أيضًا (٢) وحكم الشرب كالأكلِ، صرّح به في "الرعاية". قال في "المنتهى" (٣): ولا يضرُّ نقضُه بعدُ. أي: بعدَ ذلك الوضوء فلا تسن إعادتهُ في ظاهرِ كلامهم، إنْ أحَدثَ قبلَ أنْ يفعلَ ما توضأ لأجلِه، لتعليلِهم بخفة الحدثِ، أو النشاطِ، وقد حَصَلا بالوضوءِ المتقدم. انتهى. دنوشري. (ويباحُ لرجلٍ وامرأةٍ دخول حمامٍ إلخ) لمَّا فرغَ من الكلامِ على الغُسل وصفته، شَرَع في الكلامِ على جملة من أحكامِ الحمَّام. قال في "المنتهى" (٣): ودخولُه بِسُترة مع أمنِ الوقوعِ في محرم مباح. قال شارحه: نصَّ عليه الإمامُ أحمد، فإنه يُروَى أن النبي ﷺ دَخَلَ الحمام (٢)، وأن ابنَ عباس دخلَ الحمامَ أيضًا (٤)، وكان الحسنُ وابنُ سيرين يدخلان الحمام. رواهُ الخلَّال (٥).

стр. 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحمَّام ينعم البدن، ويذهبُ الدرن، وإذا اغتسلَ أو استنجى أو استجمر بحضرة أحدٍ من بني آدم، وَجَبَ عليه سترُ عورته. وإن لم يحضُر أحدٌ، فينبغي أن يستترَ بسقفٍ، أو حائط، أو نحوِهما، وأن لا يرفعَ ثوبَه حتى يدنوَ من الأرضِ. قال الشيخ تقي الدين: وهو آكدُ، فإن تجردَ في الفضاءِ واغتسلَ، جازَ مع الكراهة. وقيل: لا يكره، وذكر القاضي في كراهة كشفِ العورةِ للاغتسال روايتين. قلت: أصحّهما الكراهةُ كما تقدّم. انتهى. "تنبيه": يكرهُ بناءُ الحمَّامِ، وبيعُه، وإجارته. قدَّمَه في "الإنصاف" (١). وقال في "المبدع": كره الإمامُ أحمد بناءَ الحمَّام، وبيعَه وإجارتَه، وقال: من بَنى حمَّامًا للنساء، فليس بعدلٍ، وحرمَهُ القاضي (٢)، وحمله الشيخ تقي الدين على غيرِ البلاد الباردة (٣). قال الدنوشري: قلت: وهو حسنٌ. وقال في رواية ابنِ الحكم: لا تجوزُ شهادةُ من بناهُ للنساء، وكره كسب الحماميٌ، وفي "نهاية" الأزجي: الصحيح: لا. قال في "المنتهى" (٤): وتكْرَهُ القراءةُ والسلامُ فيه. أي: في الحمام، في المنصوص، نقلَ صالح: لا يعجبني؛ لنهي عمر عنه. رواه ابن بطة (٥)، وظاهره: ولو خفضَ صوتَه. وذكر

стр. 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن خاف داخلُ الحمَّام وقوعَ محرّم، كُرِه دخولُه. وإن عَلِمَه، حَرُم، ابنُ عبد البر (١) قال: سُئِل مالكٌ عن القراءةِ فيه، فقال: القراءةُ بكلِّ مكانٍ حسن، وليسَ الحمَّامُ بموضعِ قراءةٍ. وكذا السلام في الأشهرِ، وردُّه مباح، أي: جائزٌ في الأشهر، ورخَّصَ فيه بعضهم، فإنه حسنٌ، والأولى جوازُه من غيرِ كراهةِ؛ لعموم قوله ﵊: "أفشوا السلام بينكم" (٢). والأشياءُ على الإباحةِ ما لم يرد نصٌّ. كما لا يُكرَهُ الذكر؛ لما رَوى النخعي أن أبا هريرةَ دخل الحمامَ، فقال: لا إله الا الله (٣). وعن سفيان قال: كانوا يستحبونَ لمن دخلَ الحمَّامَ أنْ يقول: يا برُّ يا رحيم، ارحمنا، وقنا عذابَ السموم. قال في "الفروع" (٤): وسطحُهُ ونحوه، كبقيَّته، ويتوجه فيه، كصلاة. وفي بعض شروح "المنتهى": فإن خافَ داخلُ الحمامِ وقوعَ محرَّم، كره دخوله. قوله: "ويباح لرجل وامرأة دخول حمامٍ … إلخ" أي: كأنْ خيفَ داخِلَ حمَّامٍ الوقوعُ في محرَّمٍ بدخولِ الحمام، ولم يُتَيقن، كرِه دخولُه حينئذٍ. (وإن علمَه، حَرُم) أي: وإن علم الرجلُ الوقوعَ في محرَّمٍ بدخولِ الحمامِ، أو دخلَتهُ

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكن شرطُ جواز دخولِه للمرأة مع ما ذُكِرَ وجودُ عُذْرٍ من حيضٍ، أو نفاسٍ، أو جنابةٍ، أو مَرَضٍ، أو حاجةٍ إلى غُسل. والأولى في حمَّامٍ غَسلُ قدمَيه، وإبطَيْه بماءٍ باردٍ عند دخوله، ويلزمُ الحائطَ، ويقصد موضعًا خاليًا، ولا يدخل البيتَ الحارَّ حتى يعرقَ في الأول، ويقلل الالتفات، ولا يطيل المقامُ إلا بقدر الحاجة، ويغسل قدميه عند خروجه بماءٍ باردٍ؛ أنثى بلا عذر، حرُمَ الدخولُ مع العلمِ بالوقوع في المحرم. وحَرُمَ على الأنثى بلا عذرٍ، أمَّا معَ وجودِ العُذرِ للمرأةِ، فلا، كتعذر غُسلها ببيتِها، أو وجودِ مرضٍ، أو لخوفِ ضررٍ، أو نزلة، أو لحيض، أو نفاسٍ. ولا يحرُم على المرأةِ دخولُ حمَّامِ بيتها مطلقًا. "تتمة": ينبغي أنْ يُقَدِّم، أي: داخلُ الحمَّامِ، فيشملُ المرأةَ ونحوَها، رِجلَه اليسرى في دخولِ الحمَّام والمُغْتَسَلِ، ونحوهما. [ويحرم] (١) أن يغتسلَ أو يستنجي، أو يستجمر، عُريانًا بين الناسِ، فإن سَتَره إنسانٌ بثوب، أو اغتسلَ عُريانًا في مكانٍ خالٍ، فلا بأس، والستر أفضلُ، وهو مطلوب. ويجوزُ كشف العورةِ للتداوي، والتخلِّي، والغسل. ويجب على الزوج مؤونة نظافةِ زوجتِه، من دُهن، وسِدر، وصابونٍ، وثمنِ ماء شربٍ ووضوءِ، وغُسل من حَيضٍ ونفاسٍ وجنابةٍ ونجاسة، وغسل ثياب، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك في النفقات إنْ شاء اللهُ تعالى، والله أعلم. (لكن شرط جوازُ دخوله … إلخ) استدراك على قولِه: "ويباح لرجل … إلخ" دفعَ به ما يُتوَهمُ ثبوتُه. (والأوْلَى في حمَّامٍ … إلخ) هذا شروع في آدابِ الحمَّام، أي: والأولَى لداخلِ الحمام "غسل … إلخ"، فهو مبتدأ وخبر.

стр. 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنه يُذهِبُ الصداعَ، كما في "المستوعِب" (١)، ولا يُكره دخولُه قربَ غروبٍ، أو بين عِشاءَين. وكُرِه بناؤه، وبيعُه، وشراؤهُ، وإجارتُه، وكسبُه، وقراءةٌ فيه، وسلام، لا ذِكر. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 444

باب التيمُّمُ باب التيمُّم (باب) بالتنوين، أي: هذا باب يُذْكر فيه شيءٌ من أحكام التيمم. (التيمُّمُ) لغةً: القصد. (باب. بالتنوين) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ. ويصح عكسُه. لما فرغَ المؤلفُ من الكلام على الطَّهارة الواجبةِ بطريق الأصالةِ، عقبه بذِكر ما يجبُ على سبيل البدلِ، وهو التيمُّم. وإنما قدّم المسحَ على الخف، فذكره تلوَ صفةِ الوضوء، مع كونه بدلًا عن غَسل الرجلين؛ لاختصاصه بالوضوء بخلاف التيممِ، فإنه يكونُ بدلًا عن الوضوءِ والغُسل. (التيممُ لغةً: القصدُ) قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: اقصِدوا. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين. قال الشاعر (١): وما أدري إذا يممتُ أرضًا (٢) … مريدَ (٣) الخيرِ أيُّهما يليني أألخيرُ الذي أنا أبتغيه … أم الشر الذي هو يبتغيني وهو ثابت بالكتاب والسنة. أما الكتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وأمّا السنة، فقولُه ﷺ : "الصعيد الطيب طهورُ المسلمِ وإنْ لم يجد الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ، فأمسَّه جِلدَك". أخرجه أبو داودَ والنسائي (٤)، ولما

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وشرعًا: مسحُ وجهٍ ويدين بترابٍ طَهُور على وجهٍ مخصوصٍ (١). وهو ثابتٌ بالإجماع (٢)، وسندُه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية [النساء: ٤٣]. وحديثُ عمَّار (٣) وغيره. روى عِمرانُ بن حُصَين رضي اللهُ تعالى عنه قال: كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في سَفَر، فصلَّى بالناس، فإذا هو برجل معتزلٍ، فقال: "ما منعك أنْ تصلَّي". فقال: أصابتني جَنابة ولا ماءَ. قال: "عليكَ بالصعيد، فإنَّه يكفيك". متفق عليه (٤). وفُرض في السنة السادسةِ من الهجرةِ. حفيد. (وشرعًا: مسحُ وجهٍ إلخ) عبارةُ "المنتهى" (٥): استعمالُ ترابٍ مخصوص لوجه ويدين. قال شارحُه: لأجل رفعِ حكمِ ما يمنعُ الصلاةَ، مِن حديث، ونجاسةٍ على بدن. والمرادُ بالتُّراب المخصوصِ أن يكونَ ترابًا طَهورًا، مباحًا، غيرَ محترق، له غبار يعلَقُ باليدِ. وكان على المؤلف -رحمه اللهُ تعالى- أن يقول: بنيَّة مخصوصة، مِن شخص مخصوصٍ، وهو مَن عَدِمَ الماء، أو مَن يتضرَّرُ باستعماله. ولكَ أن تقولَ: تعريفُ التيمم: مسحُ الوجهِ واليدين بشيءٍ من الصعيد. كما ذكره في "المبدِع". دنوشري. عُلم مِن ذلك أن الشرحَ "على وجهِ مخصوص" متعلقٌ بقوله: "مسحُ وجهٍ" وذلك الوجهُ هو صفتُه الآتي ذِكرُها، فاندفعَ بذلك ما يقال: كان على الشارح أنْ يزيدَ في التعريف: بنية مخصوصة مِن شخصٍ مخصوصِ. فيكونُ التعريفُ جامعًا مانعًا لا غبارَ عليه ليدل على (٦) … فعله عند عدمه، وقال في "الإقناع" (٧):

стр. 446

بل عن طهارةِ ماءٍ عندَ عَجْزٍ عنه شرعًا، وهو من خصائصِ هذه الأمَّة، لم يجعلْه الله تعالى طَهورًا لغيرها؛ توسعة عليها وإحسانًا إليها (١). وهو (بدلٌ عن طهارة ماءٍ) لأنّه لا يجوزُ عند وجودِ الماء، وتمكنِه من استعماله، بل (عند عجْزٍ عنه) أي: عن الماء (شرعًا) ويجوزُ لكل ما يُفعل بالماءِ، من صلاةٍ، وطوافٍ، وسجودِ تلاوة، وشكر، وقراءةِ قرآنٍ، ومسَّ مصحفٍ -قال بعضُهم: إن احتاجَه- ووطءِ حائضٍ انقطعُ دمُها، ولُبثٍ بمسجدٍ- قال الدنوشري: قلتُ: لأجل الغُسلِ فيه، كما هو مصرَّح به في هذه الصورةِ- ونجاسةٍ على بدن بعد تخفيفِها إنْ أمكن. (عند عجز عنه شرعًا) لاحِسًّا؛ لصِحة التيممِ في بعض الصورِ مع وجود الماءِ. والظرفُ متعلّق بقوله: "بدلٌ عن طهارةِ ماءٍ" قال في "المنتهى" (٢): سوى نجاسة على غير بدنٍ، ولُبث بمسجدٍ لحاجة. ولم يذكرها المصنَّف هنا؛ لذِكرها في باب الوضوء قال شارحُه: الاستثناءُ منقطع من محلِّ النجاسةِ التي يتيممُ لها؛ لأن البدنَ لبس من جنس الثوبِ والبُقعةِ. ويصح أن يكونَ متصلًا بالنظر الى قوله: "لكلِّ ما يُفعل به عند عجز عنه شرعًا". وغيرُ البدنِ، كالثوب والبقعةِ، فلا يصح التيمَّمُ لها إذا كانت على غير البدنِ. فإنْ قلتَ: لأي شيء إذا كانت النجاسةُ على البدن يصح التيمم لها، وإذا كانت على غيرِه لا يصح، فما الفرقُ بينهما؟ قلتُ: لأن النجاسةَ التي على البدنِ تُشبهُ الحدثَ القائمَ بالبدن، وقد عُهد التيممُ عنه، بخلافِ ما إذا كانت على غيرِه، وأيضًا يمكنُ التعري عن الثوبِ ويصلي عُريانًا للضرورة، يومئ استحبابًا فيها، وإن صلَّى قائمًا أو جالسًا وركعَ وسجدَ بالأرض، جازَ، ولا يمكن التعري عن البدنِ. وقولُه: "ولبثٍ بمسجدٍ لحاجة" أي: [وسوى لُبثِ جنب وحائضٍ] (٣)

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: من جهة الشرعِ، وإن لم يعجزْ عنه حسًّا كما سيأتي، وهذا شأنُ البدل. ونفساءَ انقطع دمُها، واحتاجوا إلى اللبث بمسجدٍ لحاجةٍ، أي: لحاجة اللُّبث فيه لغير الغُسل. وهو معطوفٌ على المستثنَى. أعني قولَه: " نجاسة على غير بدنٍ" والتقدير: وسوى لُبث بمسجدٍ في إحدى الصورتين. وهي ما إذا تعذَّر الغُسلُ واحتيج إلى اللُّبث فيه فإنه يجوز (١) … الحاجة الضرورية الداعية الى ذلك وهي خوف اللصوص أو أعوان الظلمة بخروجه من المسجد بعد الغسل، فاغتفر لمن ذكر ذلك بغير تيمم. وهو مستثنى من قوله: "لكل ما يُفعل به" فهو مستثنى متصل من الحكم الثابتِ للمبدَل منه، وهو الوجوبُ أو عدمُه؛ لأنه لمَّا ذكر أن التيممَ بدلٌ عن طهارة الماءِ لكل ما يُفعل به عند العجزِ عنه، فُهم منه أن التيممَ يجبُ حيث تجبُ الطهارةُ بالماء، ويستحب حيث تستحب، فتناول وجوبَ التيمم في الحالة المذكورةِ، فأخرجه بهذا الاستثناءِ من الحيثية المذكورةِ، لا من حيث عدمُ الصحَّةِ كما في النجاسةِ على غير البدنِ. والمتقضي لهذا الحملِ أن الخلافَ بين الأصحابِ في وجوب التيممِ في الحالة المذكورةِ لا في صحّته، فاختار الموفق في "المغني" (٢) وجوبَه، وخالفه غيرُه. وممَّن نصِّ على جوازِه المجدُ. قلت: وهذا الخلافُ لفظيُّ، لا يترتَّب عليه كبيرُ فائدةٍ؛ لأنه يلزمُ من الوجوبِ الجوازُ، وقد يُستعمل الجوازُ مكانَ الصحَّةِ، وقد تُستعمل الصحةُ في محلّ الجوازِ. واللهُ تعالى أعلمُ. دنوشري. (أي: من جهة الشرع) أشار الشارحُ بهذا التفسيرِ إلى أن "شرعًا" منصوب على التمييز، كـ: طابَ محمد نفسًا. (وهذا شأنُ البدلِ) بأن التيممَ لا يجب إلا عند عدمِ الماءِ، ولا يجوزُ مع وجودِ الماءِ إلا لعذرٍ، فاسمُ الإشارةِ راجعٌ لذلك، فشرطُ إباحةِ التيممِ عدمُ وِجدانِ الماءِ. (ويجوزُ حَضَرًا، وسفرًا، ولو غيرَ مباح، أو قصيرًا؛ لأنه عزيمةٌ) أي: لأن التيممَ عزيمةٌ.

стр. 448

فإذا دخلَ وقتُ فرضٍ، أو أبِيحَ نفلٌ، ويجوز حضرًا، وسفرًا ولو غيرَ مباحٍ، أو قصيرًا؛ لأنَّه عزيمة. إذا علمتَ ذلك (فـ) إنَّه يجوز التيممُ بشرطين: أحدُهما: دخولُ وقتِ ما يتيممُ له، وإلى هذا أشار بقوله: (إذا دخل وقتُ) صلاةِ (فرضٍ) أو نفلٍ مقيدٍ بوقتٍ (أو أُبِيحَ نفل) مُطلَقٌ بخروج وقتِ النَّهْي، فلا يصحُّ تيمم لفرضٍ، أو نفلٍ معين، كسُنَّةٍ راتبةٍ قبل وقتهما، نصًّا، ولا لنفلٍ في وقت نُهِيَ عنه، بخلاف ركعتي طوافٍ، فيصح فعلُهما كلَّ وتقدَّم الكلامُ على معناها في بابِ مسحِ الخفين. فيجوزُ في سفر المعصيةِ، كالمسحِ على الجبيرةِ. ولا يجوزُ تركُه، بخلاف الرخص، كالمسحِ على الخفِّ، والفِطرِ في السَّفر، والقصرِ فيه، فإنه يجوز له غَسلُ الرجلين، والصومُ، والإتمامُ في السفر؛ لأنه رجوع إلى الأصل، بخلاف التيمم؛ لأن الماءَ مفقودٌ حسًّا أو شرعًا، فتعذَّر الرجوعُ فيه إلى الأصلِ، فلا يُتركُ. (فإنَّه يجوز التيمم بشرطين إلخ) الفاءُ في جوابِ شرط مقدَّر، أشارَ إليه الشارحُ بقوله: "إذا علمتَ ذلك". فلا يصح التيمم إذا فُقد واحدٌ منهما. وزادَ في "المنتهى" (١) ثالثًا: وهو الترابُ، ولم يجعله المصنفُ شرطًا، انظر لماذا، تبَعًا لصاحبِ "الإقناع" (٢)؟! (فلا يصح تيمم لفرض إلخ) مفرع على قوله: "إذا دخل وقتُ صلاةِ فرضٍ"، "ولو" كانت الصلاةُ "منذورةً بمعين" (٣) أي: بزمن معيَّن، كما لو نذرَ على نفسِه لله تعالى أنْ يصلِّيَ ركعتين في وقتِ الظهر، أو وقتِ العصر مِن يومِ كذا، أو بعدَ طلوعِ الشمسِ بعشرِ دَرَج، فلا يصحُّ التيممُ لهذه الصلاةِ المنذورةِ قبل دخولِ الوقتِ الذي عيَّن إيقاعَها فيه، أي: لصاحبة الوقتِ التي ستحضرُ أو سوت تحضرُ. وأطلق عليها حاضرةً (٤)؛ لكونها قريبةً. دنوشري. (ولا لنفلٍ في وقت نهي عنه) لأنه ليس بوقت لها، ولا يصحُّ فعلُها فيه شرعًا، ولو جهلًا، حتى ما

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقت؛ لإباحتهما إذن. ويصحُ لفائتةٍ إذا ذكرها وأراد فعلَها، ولكسوف عند وجوده، ولاستسقاءٍ إذا اجتمعوا، ولجنازةٍ إذا تمَّ تغسيلُ ميتٍ، أو يُمِّمَ لعُذرٍ، ولعيدٍ إذا دخلَ وقتُه، ولمنذورةٍ بمعين إذا دخل، لا قبلَ ذلك في الكل، ولمنذورةٍ مطلقةٍ كل وقت. له سببٌ، كسجودِ تلاوةٍ، وسنَّة راتبةٍ، وصلاةِ كسوفٍ، وتحية مسجدٍ في غير حالِ خُطبةِ الجُمُعة، وفيها تفعل إذا دخلَ والإمامُ يخطبُ ولو كان وقتَ قيامِ الشمسِ، بلا كراهة. (ويصح لفائتةٍ إذا ذَكرها وأَراد فعلَها) أي: ولا يصح تيمم أيضًا لفائتةٍ من الصّلوات المفروضةِ إلا بشرطين، نبَّه على الأول منهما بقوله: "إذا ذكرها"، وعلى الثاني بقوله: "وأراد فعلَها" فلو تذكرها ولم يُرِد فعلَها، لا يصح له التيممُ بمجرّد التذكر، بل لابدّ لصحّة التيممِ من العزمِ على فِعلها عند التذكر، كما هو الواجبُ شرعًا. ولو قال الشارحُ رحمه الله تعالى: إلا إذا أراد فعلَها. لأغنَى عن قوله: "ذكرها" لأنه يلزمُ من إرادة الفعلِ التذكرُ، ولكان أقصرَ. (ولكسوفٍ عند وجودِه) عطفٌ على قوله: "لفائتة" فلا يصحُّ التيممُ لصلاةِ كسوفٍ قبل وجودِه، ويستمرُّ وقتُه إلى التجلِّي، ولا يُعتمدُ قولُ المقوِّمين في أنّه سيوجدُ في وقتِ كذا. (ولاستسقاءٍ إذا اجتمعوا) عطف على قوله: "لفائتة" فلا يصح التيممُ لصلاة استسقاءٍ ما لم يجتمع الناسُ للصَّلاة لها. (ولجنازة إلخ) عطفٌ على "لفائتة" فلا يصح التيممُ لصلاة جنازة إلا إذا غُسِّلَ الميتُ أو يُمِّمَ لعذر وفُرغَ من طهره. ويُلغز ويُقال: شخصٌ لا يصح تيمُّمه حتى ييمِّمَ غيرَه؟! (ولعبدٍ إذا دخل وقتُه) أي: وقت صلاةِ عيدِ الفطرِ والأضحى (لا قبل ذلك في الكل) أي: لا يصحُّ التيممُ فيما ذُكر إلا بعد دخولِ الوقتِ. وإنما لم يصح التيممُ في المسائل المتقدِّمةِ قبل دخولِ الوقتِ؛ لأنّه طهارةُ ضرورة، فلم تَجُزْ قبل الوقتِ، كطهارة المستحاضَة، وهو مبيح لا رافع، بخلاف الوضوءِ؛ ولأنَّ ما قبل الوقتِ مستغن عن التيمم فيه، فأشبة ما لو تيمَّم عند عدمِ العذرِ. دنوشري. (ولمندورةٍ مطلَقةٍ) عطفٌ على قوله: "لفائتة" أي: ويصح التيممُ لمنذورةٍ مطلَقةٍ، كأنْ نذر أربعَ رَكَعاتٍ، لأن المعاطيفَ إذا تكررت بالواو، تكون على الأول.

стр. 450

وعَدِمَ الماءَ، أو زاد على ثمنهِ كثيرًا، الشرط الثاني: عجزُه عن استعمال الماء حسًّا، كأنْ عدمَ الماء، أو شرعًا، كأنِ احتاجَ إلى الماء في نحوِ شُربٍ، وإلى هذا أشار بقوله: (وعدم الماء) حضرًا، أو سفرًا، بحبسٍ لمتيمِّم عن الماء أو عكسه، أو غيرِ الحبس، كقَطع عدوٍّ ماءَ بلده؛ لعمومِ حديث أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ قال: "الصَعِيدُ الطيبُ طَهُورُ المسلم وإنْ لم يَجِدِ الماءَ عشرَ سنين، فإذا وَجَدَهُ، فلْيُمِسه بَشَرَته؛ فإن ذلك خير" رواه أحمد (١). (أو زاد) الماءُ (على ثمنِه) أي: ثمنِ مِثْلِه قدرًا (كثيرًا) عُرفًا، فيصحُّ التيمُّم. (وعدم الماء) بابُه: علم. فِعل وفاعلٌ. فتعذَّر استعمالُه (بحَبسٍ) لمتيمِّم، بأن حُبس المتيممُ عن الخروجِ في طلب الماء، (أو عكسُه) بأن حُبس الماءُ عن المتيمِّم بوضعه في مكانٍ لا يصلُ إليه (كقطعِ عدوٍّ ماءَ بلدِه) مصدرٌ مضاف لفاعله، و "ماءَ بلدِه" مفعولُه (أو زادَ الماءُ على ثمنه إلخ) أي: أو عدم بذله إلَّا بزيادةٍ كثيرة عادةً على ثمنِ مثلِه في مكانه. فقولُه: "أو زاد الماءُ إلخ" معطوفٌ وهو (٢) مقدّرٌ مِن لفظه وحذفِ أداةِ الاستثناءِ وحرفِ (٣) الجر. والمعنى: إذا دخل وقتُ فرضٍ وعدم الماء أو عدم بذله إلا بزيادة إلخ؛ لأن عليه في رفع الزيادةِ الكثيرةِ ضررًا كثيرًا؛ فلم يلزمه أن يتحمله، كضرر النفس. قال في "المبدع": أو ثمنٍ يعجزُ عن أدائه؛ لأن العجزَ عن الثمن يُبيح الانتقالَ إلى البَدَل، دليلُه العجزُ عن ثمنِ الرقبةِ في الكفارة. وفُهم من قوله: "زيادة كثيرة" أن الزيادةَ اليسيرة تُتحمَّل، ولا تكونُ مبيحةً للتيمم. "فرع": قال في "المبدع": إذا بذل ماءٌ بثمنٍ في الذِّمَّة يَقدر على أدائه في بلده، لم يلزمه في الأصح، واختاره أبو الحسنِ الآمدي؛ لأن عليه ضررًا في بقاءِ الدَّين في ذِمته، وربَّما

стр. 451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعُلم منه أنَّه يلزمُه شراءُ ماءٍ بثمنِ مِثْلِه، أو زائد يسيرًا عرفًا؛ لأنه قادر على استعمالِه إذن من غيرِ ضررِ. فإن عجز عن ثمنِ الماء، أو احتاجَه لنحوِ نفقةٍ، تيمَّم، وكذا يلزمُه شراءُ حبلِ ودَلْوٍ. تلف مالُه قبل أدائه، وقال القاضي: يَلزمه كالكفارة في شراءِ الرَّقبة إذا كان مالهُ غائبًا وأمكنه شراؤها بِنيته، وأجيب: بأن الفرضَ متعلق بالوقتِ، بخلاف المكفِّرِ، وظاهرُه أنّه إذا لم يكن له في بلدِه ما يوفيه، لم يلزمه شراؤه، وصرَّح به في "المغني" (١) وغيرِه؛ لأن عليه ضررًا. (قدرًا كثيرًا) قدّر الشارحُ "قدرًا"، إشارة إلى أنَّ "كثيرًا" صفة لموصوفٍ محذوفٍ. (فإن عجَزَ عن ثمن الماء … إلخ) مفرَّع على قوله: "أو زاد الماءُ على ثمنه كثيرًا". (حبل ودَلْوٍ) أي: ومثلُ ما في الحكم المذكورِ حبلٌ ودلوٌ. يعني: يلزم شراءُ ماء بثمنِ مثلِ الماءِ، وشراءُ حبل بثمنِ مثلِ الحبلِ، وشراءُ دلو بثمن مثلِ الدَّلو، احتيجَ إليهما لاستقاء الماء، أو بزائدٍ عن ثمن المثلِ شيئًا يسيرًا إذا كان معه ما يشتري به فاضلٌ عن حاجته، من نفقةِ نفسِه، وعيالِه، وقضاءِ دينه، ونفقةِ حَيَوان محترمٍ، فحينئذٍ يلزمُه شراؤه؛ لأنّه قادر على استعماله من غيرِ ضررٍ، ولأنه يلزمه شراءُ ستر عورته للصلاة، فكذا هنا. فإذا كثرت الزيادةُ على ثمن المثلِ، فلا يلزمُه الشراءُ؛ لانها تجعل الموجودَ حسًّا كالمعدومِ شرعًا، ولأن ضررَ الزيادةِ اليسيرةِ مغتَفَر على الأصح. وقد اغتُفر الضررُ اليسيرُ في بدنه، مِن صُداع وبردٍ، فهنا أولى. وعنه: لا يلزمُه شراؤه مع زيادة مطلقًا؛ لأنّ عليه ضررًا بالزيادة، كما لو خاف لصًّا يأخذ من مالِه. والمذهبُ الأول. فلا يلزمُه الشراءُ بما يحتاجُ إليه، ولا بثمنٍ في ذمَّته ولو وجده يباعُ نسيئة وقَدَرَ عليه في بلده، على الصَّحيح من المذهبِ. قاله في "الإنصاف" (٢). ومتى عدم واشترى، كان ذلك أفضلَ، ولم

стр. 452

أو خافَ باستعمالهِ ضررَ بدنِه، أو رفيقهِ، (أو خاف باستعماله) أي: الماءِ (ضررَ بدنِه) بعطشٍ ولو متوقَّعًا، أو بجرحٍ، أو مرضٍ يخشى زيادتَه، أو تطاولَه، أو بقاءَ أثرِ شَين، تيمَّم؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]. (أو) خاف باستعماله ضررَ (رفيقه) المحترَم بعطشه، تيمَّم؛ لأن حرمتَه تُقدَّم على الصّلاة، بدليل ما لو رأى غَرِيقًا عند ضِيقِ وقتِها، فيتركُها ويُنقِذه، فتقديمُها على الطهارة بالماء أولى، ولا فرقَ بين رفيقِه المزاملِ، أو واحدٍ من أهل الرَّكب. ويلزمُه بذلُ ماءٍ لعطشِ رفيقِه، لا لطهارته بحال. يُعد إسرافًا؛ لأنه بذلَ مالَه في تكميل عبادتِه، بخلاف العطشانِ لو توضأ ولم يشربْ، فإنه يكونُ عاصيًا؛ لأنه ألقى نفسَه إلى التهلُكة. قاله المجدُ في "شرحِه". ويلزمه أيضًا استعارةُ الحبلِ والدَّلوِ، بأنْ يطلبَهما ممن هما معه على وجه العاريةِ. ويلزمُه قَبولُهما عارية إذا بُذلا له على وجه العاريةِ. ويلزمُه قَبولُ ماء قرضًا وهبةً. ويلزمُه قبولُ ثمنِه فرضًا، بشرط أن يكونَ له قدرة على الوفاءِ؛ لأن المِنة في ذلك يسيرة في العادةِ، فلا يضر احتمالهُما. وإن استغنَى صاحبُ الماءِ عنه ولم يبذله ليتوضَّأ به، لم يكن له أخذُه قهرًا؛ لأن له بَدَلًا. دنوشري مع زيادة. (أو خافَ باستعماله ضررَ بدنِه) يعني أن الإنسانَ إذا خاف الضررَ من استعمال الماءِ في بدنه، إمّا بسبب عطشِ نفسِه، أو بسبب جُرحٍ في بدنه، أو بسبب مرض يخشَى باستعمال الماءِ زيادته في بدنه، أو يخافُ باستعمال الماءِ في بدنه تطاولَ المرضِ، بأن يتأخرَ حصولُ شفائه فورًا بسبب استعمال الماءِ؛ لعموم قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] ولأنه يجوز له التيممُ إذا خاف فواتَ شيء من مالِه، أو ضررًا في نفسِه، من لصٍ، أو سَبُع، أو لم يجد الماءَ إلَّا بزيادة كثيرة على ثمن مثلِه، فَلَأنْ يجوزُ هاهنا أولى. فإنْ لم يخف، لَزِمه استعمالُ الماءِ كالصحيح (أو خافَ باستعماله ضررَ رفيقِه المحترمِ بعطشه) أو رفيقٍ مزاملٍ له، أو من أهل الركب لأنَّه يُخِلُّ بالمرافقة، دَفعُه إلى عطشانَ يخشى تلفه واجب، صرّح به في "المغني" (١) وغيرِه. (فتقديمُها على الطهارة بالماء أَولى) تفريع على الدليل، يعني: حيث

стр. 453

أو بهيمةٍ مُحترمة، تيمَّمَ. ومَنْ وجدَ ماءً يكفي بعضَ طُهْرِهِ، استعمَلَه، ثمَّ تيمَّمَ. [وخرج بقولنا: "المحترم] (١) زانٍ محصَنٌ، ومرتدٌ، وحربيٌّ، فلا يلزم بذلُه له ولو خِيْفَ تلفُه. (أو) خاف باستعماله ضررَ (بهيمةٍ محترمةٍ) له أو لغيره، بخلافِ نحوِ عَقُور (٢)، وخنزيرٍ. وقوله: (تيمَّمَ) جوابُ قوله: "فإذا دخل وقتُ فرضٍ" وما عُطِفَ عليه. يعني: أنَّه إذا وجِدَ الشرطان المذكوران، وجب التيمَّمُ لما يجبُ له الوضوءُ أو الغُسل، وسُنَّ لما يُسَنُ له ذلك. (ومن وجد ماءً) طَهورًا (يكفي بعضَ طهره) في وضوءٍ، أو غُسْل (استعمَلَه) وجوبًا (ثم تيمَّم) للباقي؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم" رواه إنَّ حرمة الآدمي المحترمِ تُقدَّم على الطَّهارة بالماء بطريقِ الأولى. (أو خافَ باستعماله ضررَ بهيمة محترمة) حتى كلب الصيدِ، سواء كانت المحترَمةُ له أو لرفيقه المحترمِ. (تيمَّم. جواب قوله: "فإذا دخل .. " إلخ). قال في "المنتهى" (٣): ولا إعادة في الكل. قال شارحُه: أي: في كل ما تقدّم من الصُّوَر؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عُهدته؛ ولأنه وجبَ عليه طهارة ناب عنها التيمم، فلم تجب الإعادةُ. (ومَن وجدَ ماء طهورًا يكفي بعضَ طهرِه .... إلخ) أي: وإن وجدَ مَن يريد الطهارةَ -حتى المحدثُ حدثًا أصغرَ فقط- ماءً قليلًا، أو ترابًا لا يكفي لطهارته، استعمله وجوبًا، ثم تيمّمَ للباقي؛ لأنَّه قَدَرَ على بعض الشرطِ، فلَزِمه، كالسترة، وكما لو كان بعضُ بدنِه صحيحًا وبعضُه جريحًا، فإنه يلزمه غَسلُ الصحيحِ، ويمسحُ أو يتيمَّم عن الجريح. ولا يصحَّ تيمُّمُه قبل استعمالِ الماءِ؛ لتحقق العدمِ الذي هو شرطُ التيممِ. فلو وجدَ الجُنُبُ ما يكفي أعضاءَ

стр. 454

والجريحُ يغْسِلُ الصحيحَ، ويتيمَّمُ لِمَا يضره الماءُ البخاريّ (١). ولا يصحُّ أن يتيمَّمَ قبلَ استعمال الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فاعتبر استعماله أوَّلًا؛ ليتحقق عدم الماء وليتميَّز ما تيمَّم له. ويقدِّم محدِث على بدنه نجاسة غَسْلَها، ثم يتيمَّم، إلا أن تكونَ في محل يمكن تطهيرُه من الحَدَث، فيستعملُه فيه (٢) عنهما، وتُقدَّم على نجاسةِ بدنٍ نجاسةُ ثوبٍ أو بقعةٍ. (والجريحُ) في بعض بدنِه (يغسلُ الصحيحَ) من بدنه (ويتمَّمُ لما يضرُّه الماء) من الحدثِ، غسلها بنية الحدثَين جميعًا، وتيمَّم للباقي، فيحصلُ له كمالُ الطهارةِ الصغرى وبعض الكبرى، كما فعل عمرُ ﵁. ذكره في "المبدع". "تتمة": لو كان على بدنِه نجاسةٌ وهو محدِثٌ، والماءُ يكفي أحدَهما فقط، غسل النجاسةَ وتيمم للحدث، نصًّا. قاله الأصحابُ. قلت: إلا أن تكونَ النجاسةُ بمحلٍّ يكفي فيه الاستجمارُ؛ لقيام الأحجارِ مَقامَ الماء فيجمعُ بين الطهارتين. فإن قلتَ: الحدثُ يجزئُ عنه التيممُ، وكذلك النجاسةُ النبي على البدنِ، فما وجهُ تقديمِ غَسلِ النجاسة، وأمر بالتباعدِ عنها، والنجاسة جِرمٌ، أو صفة، والحدثُ معنى، والجرمُ أغلظُ من المعنى، فكان مقدَّمًا عليه في التَّطهير. دنوشري مع زيادة. (إلا أن تكونَ … إلخ) اسمُ "تكون" مستترٌ، تقديرُه: إلا أن تكونَ النجاسةُ في أعضاء الوضوءِ، فإنه يستعمل الماءَ عن الحدثِ وغسلِ النجَس. وقوله: "ويقدِّم" أي: المحدِثُ يقدِّم غَسلَ نجاسةِ الثوبِ والبقعةِ على غَسل النجاسةِ التي على البدن؛ لأن النجاسةَ التي على الثوب والبقعةِ لا يجوزُ التيممُ عنها، بخلاف التي على البدنِ.

стр. 455

مرتبًا متواليًا في حَدَثٍ أصغرَ. بدنه، حالَ كلون ما ذُكرَ (مرتبًا متواليًا) وجوبًا إن كان (في حدثٍ أصغرَ) فيتيمَّم لجرحِ بعضِ أعضاءِ وضوئه عند غسله لو كان صحيحًا؛ لأنَّ البَدَلَ يُعطى حكمَ مُبدَلِه. فإذا كان الجُرحُ في الوجه قَدِ استوعبَه، لَزِمَه التيمم أوَّلًا، ثم يتم الوضوءَ. وإن كان في بعضِ الوجه، خُير بين غسلِ الصحيحِ منه ثَم يتيمَّم، وبين التيمم ثمّ يغسل الصحيح. وإن كان (ويتيمم لما يضرّه الماءُ) مفهومُه: إذا لم يتضرر بمسحه بالماء وجبَ، وأجزأ المسحُ عن الغَسل، ويغسلُ الباقي؛ لأن المكلفَ عَجَزَ عن غسل البعضِ وقَدَرَ على مسحه، وهو بعضُ الغَسل، فوجب الإتيانُ بما قدرَ عليه؛ لأنَّ الطهارة شرط للصلاة، فالعجزُ عن بعضها لا يوجبُ سقوطَ جميعها، كالسترة، وكمنَ عجز عن الركوعِ وقدرَ على الإِيماء. وعنه: أن فرضَه التيمُّم. اختاره الخِرَقي. ومحل الخلافِ ما لم يكن الجُرحُ نجسًا، فإنْ كان نَجِسًا، فقال في "التلخيص": يتيمّم ولا يمسحُ. ثم إنْ كانت النجاسةُ معفوًّا عنها، ألغيت نيتها، واكتفي بنية الحدث، وإلا نوي الحدثُ والنجاسةُ إن شُرطت فيها. فإن قيل: المذهبُ: لا تشترط النيةُ لإِزالة النجاسةِ؛ لأنها من قبيل التروكِ التي لا تحتاجُ إلى نية، كالاستنجاء والاستجمارِ. قلت: تجب النيةُ هنا؛ لأنَّ التيممَ طهارةٌ حكميَّة، بخلاف غَسلِ النجاسةِ، وهو الصحيح. وهل يُكتفى بتيمُّم واحدٍ؟ فيه وجهان. قاله في "المبدع". (لأن البدل يُعطى حكمَ مُبدَلِه) من الترتيبِ والموالاةِ (فإذا كان الجرحُ في الوجهِ .. إلخ) هذا تفصيل لقوله: "والجريحُ في بعض بدنِه .. إلخ" فإن كان الجرحُ في جميع الوجهِ، بحيث لا يُمكِنه غَسلُ شيء منه، تيمَّم أولًا ثم أتمَّ الوضوء، وإن كان في بعض الوجهِ، فإنه يخير بين غَسل الصحيحِ منه، ثم يتيمَّم للجريح، وبين التيمم أولًا، ثم يغسلُ صحيحَ وجهِه ويتم الوضوءَ؛ لأن العضوَ الواحدَ لا يجب له ترتيبٌ. وإنْ كان الجرحُ في وجهِه ويديه ورِجليه، احتاجَ في كل عضوٍ إلى تيمُّم في محلِّ غَسله؛ ليحصلَ الترتببُ المفروضُ. فلو غسل صحيحَ وجهِه ثم تيمَّم له وليدَيه تيمُّمًا واحدًا، لم يُجزئه؛ لأنَّه يؤدِّي الى سقوط الفرضِ عن جزءٍ من

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجرحُ (١) في عضوٍ غيرِ الوجه، لزمه غسلُ ما قبله، ثمّ كان الحكمُ فيه كما ذكرنا في الوجه. وإن كان في وجهِه، ويدَيه، ورجلَيه، احتاج في كل عضوٍ إلى تيمُّم في محلِّ غسله؛ ليحصلَ الترتببُ. فلو غسل صحيحَ وجهِه، ثمّ تيمَّم لجريحِه وجريحِ يدَيه تيمُّمًا واحدًا، لم يجزئه. ويبطلُ وضوءُه هذا وتيممُه بخروجِ الوقت؛ لاعتبار الموالاة. الوجهِ واليدين في حالة واحدةٍ، فيفوت الترتيبُ. وهذا بخلافِ التيمم عن جُملةِ الطهارةِ، حيث يسقطُ الترتيبُ فيه؛ لأن الحكمَ له دونَها، وإن كان التيمُّم عن بعضها، نابَ [عن] (٢) ذلك البعضِ، فيُعتبر له ما يعتبر فيما ينوبُ عنه من الترتيبِ. دنوشري. (فلو غسل صحيحَ وجهِه .. إلخ) مفرع على قوله: "وإنْ كان في وجهِه ويديه ورِجليه … إلخ". (لاعتبار الموالاة) اللامُ موجِبةٌ تعليليةٌ. أي: يبطل وضوءُه هذا وتيمُّمِه بخروج الوقتِ؛ لأن الترتيبَ والموالاةَ فرضان في الحدث الأصغرِ. قال في متن "المنتهى" (٣): ويلزم مَن جُرحُه ببعض أعضاءِ وضوئه -إذا توضَّأ- ترتيب [، فيتيمَّم له عند] غَسله لو كان صحيحًا، وموالاةٌ، فيعيد غَسلَ الصحيحِ عند كل تيمُّم. قال شارحه (٤): حيث فاتت الموالاةُ، أو خرج الوقتُ؛ لأنَّ التيممَ يُشترط له دخولُ الوقت ويبطل بخروجه، فلو كان الجرحُ في رِجله، فتيمَّم له عند غسلِها، ثم بعد زمنٍ تفوت فيه الموالاةُ، خرج الوقتُ، بطل تيمُّمُه، وبطلت طهارتُه بالماءِ أيضًا؛ لفواتِ الموالاةِ، وخروجِ الوقت، فيعيد غَسلَ الصحيحِ، ثم يتيمَّم عَقِبَه. وعُلم منه أنّه لو خرج الوقتُ فورًا قبل مُضي زمن لا تفوتُ فيه الموالاةُ، أنّه يعيدُ التيممَ فقط؛ لخروج الوقت، ولم تبطل طهارةُ الماءِ. وحاصل هذه المسألةِ: أنه إذا فاتت الموالاةُ قبل أن يتيمَّم، بطلت الطهارةُ من أصلها مطلقًا، سواء خرج الوقتُ أو لم يخرج الوقتُ؛ لفوات شرطِها. وإذا خرج الوقتُ بعد التيمَّمِ ولم تفتِ الموالاةُ، بطلَ تيمُّمه فقط

стр. 457

ويجب طلب ماءٍ وعلم من قوله: "في حدث أصغر" أنَّه لا ترتيبَ ولا موالاةَ في حدث أَكْبَرُ، بل إن شاء غَسَل الصحيحَ، ثم تيمَّم لما بقي، وإن شاء عكس. ولا تبطل طهارتُه بالماء إذن بخروج الوقت، بل يبطل التيمُّمُ فقط؛ لعدم اعتبار الموالاة في الغُسل، بخلاف الوضوء. (ويجب) بدخولِ وقتِ كلِّ صلاة (طلبُ ماءٍ) على من عَدِمه وظن وجودَه، أو شك ولم يتحقق عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، بخروج الوقتِ، ولا يعيد غَسلَ الصحيحِ؛ لعدم فواتِ الموالاةِ المفروضةِ في الوضوء، ثم يعيدُ التيممَ فقط بعد دخولِ الوقتِ. وهذا بخلاف ما تقدّم في المسح على الخفين من أنّه إذا ظهر بعض القدمِ إلى ساق الخف ونحوِه، يستأنف الطهارةَ ولو لم تفتِ الموالاة. والفرق بينهما: أن ثبوتَه مشروطٌ فيه، وإذا انتفَى الشرط انتفى المشروط، والمسحُ على الخفين يرفع الحدثَ، والحدثُ لا يتبعَّض، فإذا خلعه، عادَ الحدث. وأمّا التيمم، فإنه خاص بالجُرح الذي يتيمم عنه، ولا تعلقَ له بغيره، ولا دخلَ له في رفع الحدثِ؛ لأنَّه مبيح لا رافع، فإذا بطلَ بخروج الوقتِ وقبل فواتِ الموالاةِ، أُعيد فقط. وهذا مبنيٌّ على صحة تفريق النيةِ على أعضاءِ الطَّهارة. وهو الصحيح المشهور. وعلم مما تقدّم أن التيمُّم عن جرحٍ لو كان في غُسل جنابةٍ، لم تبطل طهارته بالما، بفوات الموالاةِ، ولا بخروج الوقتِ؛ لعدم اشتراطِها فيه. (ولا تبطلُ طهارتُه بالماءِ إذن) أي: حينَ إذا تيمَّم من الحدثِ الأكبرِ الجريحُ. (ويجبُ بدخول وقتِ كل صلاة طلبُ ماءٍ) الباءُ سببيةٌ؛ لأنه لا أثرَ لطلبه قبلَ ذلك، ولا يعتد بطلبه قبلَ دخولِ وقتِ الصّلاة، بل يُشترط في وجوب الطلبِ دخولُ الوقتِ؛ لأنه سببٌ للصلاة يختص بها، فلزمه الاجتهادُ في طلبه عند الإعوازِ، وكالقِبلةِ، وكالشَّفيع إنما يطلب بالشفعة بعد البيعِ. ويلزمه طلبه لوقتِ كل صلاةٍ، ولا يشترط أنْ يتيممَ عقبَه، بل يجوز بعدَه من غيرِ تجديدِ طلبٍ.

стр. 458

في رَحْلِه، وقُربه، ومن رفيقه، وبدلالة ولا يقال: لم يجدْ. إلا لمن طلب الماءَ. إذا علمت هذا، فيلزمُه طلبُ الماء (في رَحْلِه) أي: ما يسكنُه، وما يستصحبه من الأثاث، فيفتِّش من رَحْلِه ما يمكنُ أن يكون فيه. (و) يطلب الماءَ أيضًا في (قرْبه) أي: ما قَرُبَ منه عرفًا، فيسعى في جهاتِه الأربعِ، إلى ما جرت عادةُ القوافلِ بالسعي إليه. (و) يجبُ طلبُه (من رفيقه) بأن يسألَه عن موارده، وعما معه، ليبيعَه، أو يبذلَه له، وإن كان سائرًا، طلبه أمامه فقط. (و) يجبُ طلبُه (بدلالة) ثقةٍ عليه، فإن دله عليه ثقةٌ، أو عَلِمه، لزمه قصدُه، فإن (ولا يُقال: لم يجدْ. إلَّا لمَن طلب) فيطلبُ (الماءَ في رَحله) وهو ما يُرحل به، من إِداوة، وكوز، وغيرِهما. وفي مَسكنه وما يستصحبُه من أثاث، بأن يفتِّشَ فيه حيث أمكن أن يكونَ فيه ويسعَى في جهاتِه الأربعِ. (أي: ما قرُبَ منه عرفًا) أو عادةً، أي: ما قربَ من رَحله عرفًا أو عادةً؛ لأن ذلك هو الموضعُ الذي يُطلب فيه الماءُ عادةً، بأنْ ينظرَ وراءه، وأمامَه، وعن يمينِه، وعن شمالِه، فإنْ رأى خُضرةً، أو شيئًا يدل على الماءِ، قصده واستبرأه، وإنْ رأى رَبوة، أو شيئًا قائمًا، أتاه فطلبه عندَه. وقيل: قدرَ ميلٍ، أو فرسخٍ، في ظاهر كلامِهم. وقيل: ما تتردَّد القوافلُ إليه للرعي والاحتطاب. ورجَّحه جماعةٌ. وقيل: مد نظرِه، بشرط الأمنِ على نفسه، وأهلِه، ومالِه، إلى حدّ يلحقه غوثُ الرِّفاق مع ما هم عليه من التشاغل بفعلهم، وعدمِ فَوتِ رُفقته، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك قريبًا. وفُهم ما تقدم أنه لو تيمم قبلَ طلبِ الماءِ، لم يصح تيممُه. دنوشري. (ويجب طلبُه من رفيقه) لأن التيمُّم بَدَل، فلم يَجُز العدولُ إليه إلا بعد تحقق فقدِ المبدَلِ (فإن دله عليه ثقة، أو علِمه، لَزِمه قصدُه) قريبًا منه عُرفًا، ولم يخف بقصده إيَّاه فوتَ وقت ولو كان الوقتُ الذي يخاف فوته للاختيار، بأن يظن أنه [إذا] (١) اشتغل بطلبِ الماء فاته

стр. 459

بلا ضررٍ قبله، فإنْ نَسِيَ قدرتَه عليه تيمَّم قبل ذلك، لم يصح، ولا أثرَ لطلبه قبل الوقت. ومحلُّ وجوب طلبه: إذا كان (بلا ضرر) عليه في ذلك. فلو خاف فوتَ رفقته، أو خاف على نفسه، أو مالِه في طلبه خوفًا محقَّقًا، لا جُبنًا: وهو الخوفُ بلا سبب. والمحقَّقُ: كما لو كان ببنَه وبينَ الماء نحو سبُع، أو حريقٍ، أو لص، أو خاف غريمًا يلازمُه ويعجز عن أدائه، أو خافت امرأة، أو أمردُ فسَّاقًا، لم يجبِ الطلبُ إذن، بل يحرُم الطلبُ عليهما مع خوفِ المحذور. (قبله) أي: التيمم. والظرف متعلِّق بـ "طلب" أو بـ "يجب"، يعني: أنَّه يجب ما ذُكر من الطَّلب قبل التيمُّم. (فإنْ نسي قُدرتَه عليه) أي: على الماء، أو جَهلَه بموضعٍ يمكنه استعمالُه وقتُ الاختيارِ، ولا يدركُ الصلاةَ بالوضوءِ إلا في وقت الضرورةِ، أو لم يخفْ بطلب الماءِ فوتَ رفقةٍ، أو فوتَ عدوٍّ، أو فوتَ مالٍ، أو لم يخف على نفسِه إنْ قصدَ الماءَ لِصًّا، أو سَبُعًا، أو عدوًّا، أو نحوَ ذلك، ولو كان المخوفُ منه فسَّاقًا يفسُقون بطالب الماءِ، بشرط أن يكونَ الخائفُ غيرَ جبانٍ، وهو الذي يخافُ بلا سببٍ يُخاف من مِثْله، كالذي يخاف بالليل بغير وجودِ شيءٍ، فلا التفاتَ لخوفه، ولا يُباح له التيممُ في هذه الحالةِ، أو لم يخف على ماله -إذا قصدَ الماءَ وترك دابتَه، أو أهلَه، أو مالَه -شرودًا، أو سرقة، أو غيرَهما، أو أنْ يأتيَ إلى أهله لصٌّ، أو سبعٌ، فإذا انتفى جميعُ ما تقدم ذِكره، لزمه قصدُه، أي: قصدُ الماء ولم يصح تيممُه في هذه الحالةِ؛ لأنه قادرٌ على استعمال شرطِ العبادةِ بقطع مسافة قريبةٍ، فلَزِمه كغيره من الشروط، ما لم يخف فوتَ الوقتِ. دنوشري مع زيادة. (لم يجب الطلبُ إذن) أي: حين خافَ شيئًا مما ذُكر، لم يلزمه قصدُه، وتيمم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّه ليس بقادرٍ على استعمال الماءِ، لخوف الضررِ، أشبهَ المريضَ. دنوشري. (فإن نسي قدرتَه عليه … إلخ) أو ثمنه، أو جَهِلَه، أو ثمنه بموضع يمكن استعمالُه، كأن يجدَه في رَحله الذي في يده، أو ببئرٍ بقُربه، أو أعلامُها ظاهرةٌ، أو مع عبدِه، ولم يَعلم به السَّيد، ونسي العبدُ أنْ يُعْلمه، أو أدرجَ أحدٌ الماءَ في رَحله ولم يُعلمه به، وتيمَّم وصلَّى،

стр. 460

وتيمَّمَ، أعاد. ويتيمَّمُ لكلِّ حدَثٍ، (وتيمم، أعاد) لتقصيره، كمصلٍّ عريانًا، ناسيًا أو جاهلا للسترة (١)، وذلك كأنْ يجد الماء بعد التيمُّم في رَحلِه وهو في يده، أو في بئرٍ بقُربه، أعلامُها ظاهرةٌ، يتمكنُ مِن تناوله منها، فلا يصح تيمُّمُه، ولا صلاتُه إذن. فأمَّا إن ضلَّ عن رَحلِه، وبه الماء، وقد طلبه، أو كانتْ أعلامُ البِئرِ خفيَّةً، ولم يكن يعرفُها، أو يعرفُها وضلَّ عنها، أو رأى دونَ الماء سوادًا بليلٍ ظنه عدوًّا، فتبيَّن عدمُه بعد أن تيمَّم وصلَّى، فإنه لا إعادةَ عليه في ذلك. (ويتيمم لكل حَدَثٍ) أكبرَ أو أصغرَ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]، والملامسة: الجماع. ولقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]. فإنه لا يجزئه له على المذهبِ المنصوصِ، ويعيدُ في جميعِ هذه الصورِ؛ لأنه تيمَّم مع قدرته على الماءِ، ولأن النِّسيانَ لا يُخرجه عن كونِه واجدًا، وشرطُ إِباحةِ التيممِ عدمُ الوِجدانِ الحِسِّيِّ أو الشرعيِّ، ولأنها طهارة تجب مع الذِّكر، فلم تسقظ بالنِّسيان، كما لو نسي الحدثَ وصلى محدِثًا، ثم تذكَّر، كمصلٍّ عريانًا ومكفّرٍ، يصومُ ناسيا للسترة والرَّقَبةِ، فإنه لا تصحُّ صلاتُه، ولا يجزئه الصومُ، ولا يعتدُّ بما فعله. "المنتهى" مع "شرحه" (٢). (فأما إن ضل عن رَحله … إلخ) هذا مفهومُ قوله: "كأنْ يجد الماءَ في رَحله" وقوله: "أعلامُها ظاهرة". (ويتيمَّم) بالبناءِ للمفعول، أي: يُشرع التيممُ لكل حدثٍ، أي: لجميع الأحداثِ. أمَّا للحدث الأصغرِ، فبالإِجماع، وسندُه قولُه تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وأما للأكبر، ففي قول أكثر العلماء منهم الأئمةُ الأربعةُ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾
следующие страницы →