← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الجرحُ (١) في عضوٍ غيرِ الوجه، لزمه غسلُ ما قبله، ثمّ كان الحكمُ فيه كما ذكرنا في الوجه. وإن كان في وجهِه، ويدَيه، ورجلَيه، احتاج في كل عضوٍ إلى تيمُّم في محلِّ غسله؛ ليحصلَ الترتببُ. فلو غسل صحيحَ وجهِه، ثمّ تيمَّم لجريحِه وجريحِ يدَيه تيمُّمًا واحدًا، لم يجزئه. ويبطلُ وضوءُه هذا وتيممُه بخروجِ الوقت؛ لاعتبار الموالاة. الوجهِ واليدين في حالة واحدةٍ، فيفوت الترتيبُ. وهذا بخلافِ التيمم عن جُملةِ الطهارةِ، حيث يسقطُ الترتيبُ فيه؛ لأن الحكمَ له دونَها، وإن كان التيمُّم عن بعضها، نابَ [عن] (٢) ذلك البعضِ، فيُعتبر له ما يعتبر فيما ينوبُ عنه من الترتيبِ. دنوشري. (فلو غسل صحيحَ وجهِه .. إلخ) مفرع على قوله: "وإنْ كان في وجهِه ويديه ورِجليه … إلخ". (لاعتبار الموالاة) اللامُ موجِبةٌ تعليليةٌ. أي: يبطل وضوءُه هذا وتيمُّمِه بخروج الوقتِ؛ لأن الترتيبَ والموالاةَ فرضان في الحدث الأصغرِ. قال في متن "المنتهى" (٣): ويلزم مَن جُرحُه ببعض أعضاءِ وضوئه -إذا توضَّأ- ترتيب [، فيتيمَّم له عند] غَسله لو كان صحيحًا، وموالاةٌ، فيعيد غَسلَ الصحيحِ عند كل تيمُّم. قال شارحه (٤): حيث فاتت الموالاةُ، أو خرج الوقتُ؛ لأنَّ التيممَ يُشترط له دخولُ الوقت ويبطل بخروجه، فلو كان الجرحُ في رِجله، فتيمَّم له عند غسلِها، ثم بعد زمنٍ تفوت فيه الموالاةُ، خرج الوقتُ، بطل تيمُّمُه، وبطلت طهارتُه بالماءِ أيضًا؛ لفواتِ الموالاةِ، وخروجِ الوقت، فيعيد غَسلَ الصحيحِ، ثم يتيمَّم عَقِبَه. وعُلم منه أنّه لو خرج الوقتُ فورًا قبل مُضي زمن لا تفوتُ فيه الموالاةُ، أنّه يعيدُ التيممَ فقط؛ لخروج الوقت، ولم تبطل طهارةُ الماءِ. وحاصل هذه المسألةِ: أنه إذا فاتت الموالاةُ قبل أن يتيمَّم، بطلت الطهارةُ من أصلها مطلقًا، سواء خرج الوقتُ أو لم يخرج الوقتُ؛ لفوات شرطِها. وإذا خرج الوقتُ بعد التيمَّمِ ولم تفتِ الموالاةُ، بطلَ تيمُّمه فقط

стр. 457

ويجب طلب ماءٍ وعلم من قوله: "في حدث أصغر" أنَّه لا ترتيبَ ولا موالاةَ في حدث أَكْبَرُ، بل إن شاء غَسَل الصحيحَ، ثم تيمَّم لما بقي، وإن شاء عكس. ولا تبطل طهارتُه بالماء إذن بخروج الوقت، بل يبطل التيمُّمُ فقط؛ لعدم اعتبار الموالاة في الغُسل، بخلاف الوضوء. (ويجب) بدخولِ وقتِ كلِّ صلاة (طلبُ ماءٍ) على من عَدِمه وظن وجودَه، أو شك ولم يتحقق عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، بخروج الوقتِ، ولا يعيد غَسلَ الصحيحِ؛ لعدم فواتِ الموالاةِ المفروضةِ في الوضوء، ثم يعيدُ التيممَ فقط بعد دخولِ الوقتِ. وهذا بخلاف ما تقدّم في المسح على الخفين من أنّه إذا ظهر بعض القدمِ إلى ساق الخف ونحوِه، يستأنف الطهارةَ ولو لم تفتِ الموالاة. والفرق بينهما: أن ثبوتَه مشروطٌ فيه، وإذا انتفَى الشرط انتفى المشروط، والمسحُ على الخفين يرفع الحدثَ، والحدثُ لا يتبعَّض، فإذا خلعه، عادَ الحدث. وأمّا التيمم، فإنه خاص بالجُرح الذي يتيمم عنه، ولا تعلقَ له بغيره، ولا دخلَ له في رفع الحدثِ؛ لأنَّه مبيح لا رافع، فإذا بطلَ بخروج الوقتِ وقبل فواتِ الموالاةِ، أُعيد فقط. وهذا مبنيٌّ على صحة تفريق النيةِ على أعضاءِ الطَّهارة. وهو الصحيح المشهور. وعلم مما تقدّم أن التيمُّم عن جرحٍ لو كان في غُسل جنابةٍ، لم تبطل طهارته بالما، بفوات الموالاةِ، ولا بخروج الوقتِ؛ لعدم اشتراطِها فيه. (ولا تبطلُ طهارتُه بالماءِ إذن) أي: حينَ إذا تيمَّم من الحدثِ الأكبرِ الجريحُ. (ويجبُ بدخول وقتِ كل صلاة طلبُ ماءٍ) الباءُ سببيةٌ؛ لأنه لا أثرَ لطلبه قبلَ ذلك، ولا يعتد بطلبه قبلَ دخولِ وقتِ الصّلاة، بل يُشترط في وجوب الطلبِ دخولُ الوقتِ؛ لأنه سببٌ للصلاة يختص بها، فلزمه الاجتهادُ في طلبه عند الإعوازِ، وكالقِبلةِ، وكالشَّفيع إنما يطلب بالشفعة بعد البيعِ. ويلزمه طلبه لوقتِ كل صلاةٍ، ولا يشترط أنْ يتيممَ عقبَه، بل يجوز بعدَه من غيرِ تجديدِ طلبٍ.

стр. 458

في رَحْلِه، وقُربه، ومن رفيقه، وبدلالة ولا يقال: لم يجدْ. إلا لمن طلب الماءَ. إذا علمت هذا، فيلزمُه طلبُ الماء (في رَحْلِه) أي: ما يسكنُه، وما يستصحبه من الأثاث، فيفتِّش من رَحْلِه ما يمكنُ أن يكون فيه. (و) يطلب الماءَ أيضًا في (قرْبه) أي: ما قَرُبَ منه عرفًا، فيسعى في جهاتِه الأربعِ، إلى ما جرت عادةُ القوافلِ بالسعي إليه. (و) يجبُ طلبُه (من رفيقه) بأن يسألَه عن موارده، وعما معه، ليبيعَه، أو يبذلَه له، وإن كان سائرًا، طلبه أمامه فقط. (و) يجبُ طلبُه (بدلالة) ثقةٍ عليه، فإن دله عليه ثقةٌ، أو عَلِمه، لزمه قصدُه، فإن (ولا يُقال: لم يجدْ. إلَّا لمَن طلب) فيطلبُ (الماءَ في رَحله) وهو ما يُرحل به، من إِداوة، وكوز، وغيرِهما. وفي مَسكنه وما يستصحبُه من أثاث، بأن يفتِّشَ فيه حيث أمكن أن يكونَ فيه ويسعَى في جهاتِه الأربعِ. (أي: ما قرُبَ منه عرفًا) أو عادةً، أي: ما قربَ من رَحله عرفًا أو عادةً؛ لأن ذلك هو الموضعُ الذي يُطلب فيه الماءُ عادةً، بأنْ ينظرَ وراءه، وأمامَه، وعن يمينِه، وعن شمالِه، فإنْ رأى خُضرةً، أو شيئًا يدل على الماءِ، قصده واستبرأه، وإنْ رأى رَبوة، أو شيئًا قائمًا، أتاه فطلبه عندَه. وقيل: قدرَ ميلٍ، أو فرسخٍ، في ظاهر كلامِهم. وقيل: ما تتردَّد القوافلُ إليه للرعي والاحتطاب. ورجَّحه جماعةٌ. وقيل: مد نظرِه، بشرط الأمنِ على نفسه، وأهلِه، ومالِه، إلى حدّ يلحقه غوثُ الرِّفاق مع ما هم عليه من التشاغل بفعلهم، وعدمِ فَوتِ رُفقته، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك قريبًا. وفُهم ما تقدم أنه لو تيمم قبلَ طلبِ الماءِ، لم يصح تيممُه. دنوشري. (ويجب طلبُه من رفيقه) لأن التيمُّم بَدَل، فلم يَجُز العدولُ إليه إلا بعد تحقق فقدِ المبدَلِ (فإن دله عليه ثقة، أو علِمه، لَزِمه قصدُه) قريبًا منه عُرفًا، ولم يخف بقصده إيَّاه فوتَ وقت ولو كان الوقتُ الذي يخاف فوته للاختيار، بأن يظن أنه [إذا] (١) اشتغل بطلبِ الماء فاته

стр. 459

بلا ضررٍ قبله، فإنْ نَسِيَ قدرتَه عليه تيمَّم قبل ذلك، لم يصح، ولا أثرَ لطلبه قبل الوقت. ومحلُّ وجوب طلبه: إذا كان (بلا ضرر) عليه في ذلك. فلو خاف فوتَ رفقته، أو خاف على نفسه، أو مالِه في طلبه خوفًا محقَّقًا، لا جُبنًا: وهو الخوفُ بلا سبب. والمحقَّقُ: كما لو كان ببنَه وبينَ الماء نحو سبُع، أو حريقٍ، أو لص، أو خاف غريمًا يلازمُه ويعجز عن أدائه، أو خافت امرأة، أو أمردُ فسَّاقًا، لم يجبِ الطلبُ إذن، بل يحرُم الطلبُ عليهما مع خوفِ المحذور. (قبله) أي: التيمم. والظرف متعلِّق بـ "طلب" أو بـ "يجب"، يعني: أنَّه يجب ما ذُكر من الطَّلب قبل التيمُّم. (فإنْ نسي قُدرتَه عليه) أي: على الماء، أو جَهلَه بموضعٍ يمكنه استعمالُه وقتُ الاختيارِ، ولا يدركُ الصلاةَ بالوضوءِ إلا في وقت الضرورةِ، أو لم يخفْ بطلب الماءِ فوتَ رفقةٍ، أو فوتَ عدوٍّ، أو فوتَ مالٍ، أو لم يخف على نفسِه إنْ قصدَ الماءَ لِصًّا، أو سَبُعًا، أو عدوًّا، أو نحوَ ذلك، ولو كان المخوفُ منه فسَّاقًا يفسُقون بطالب الماءِ، بشرط أن يكونَ الخائفُ غيرَ جبانٍ، وهو الذي يخافُ بلا سببٍ يُخاف من مِثْله، كالذي يخاف بالليل بغير وجودِ شيءٍ، فلا التفاتَ لخوفه، ولا يُباح له التيممُ في هذه الحالةِ، أو لم يخف على ماله -إذا قصدَ الماءَ وترك دابتَه، أو أهلَه، أو مالَه -شرودًا، أو سرقة، أو غيرَهما، أو أنْ يأتيَ إلى أهله لصٌّ، أو سبعٌ، فإذا انتفى جميعُ ما تقدم ذِكره، لزمه قصدُه، أي: قصدُ الماء ولم يصح تيممُه في هذه الحالةِ؛ لأنه قادرٌ على استعمال شرطِ العبادةِ بقطع مسافة قريبةٍ، فلَزِمه كغيره من الشروط، ما لم يخف فوتَ الوقتِ. دنوشري مع زيادة. (لم يجب الطلبُ إذن) أي: حين خافَ شيئًا مما ذُكر، لم يلزمه قصدُه، وتيمم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّه ليس بقادرٍ على استعمال الماءِ، لخوف الضررِ، أشبهَ المريضَ. دنوشري. (فإن نسي قدرتَه عليه … إلخ) أو ثمنه، أو جَهِلَه، أو ثمنه بموضع يمكن استعمالُه، كأن يجدَه في رَحله الذي في يده، أو ببئرٍ بقُربه، أو أعلامُها ظاهرةٌ، أو مع عبدِه، ولم يَعلم به السَّيد، ونسي العبدُ أنْ يُعْلمه، أو أدرجَ أحدٌ الماءَ في رَحله ولم يُعلمه به، وتيمَّم وصلَّى،

стр. 460

وتيمَّمَ، أعاد. ويتيمَّمُ لكلِّ حدَثٍ، (وتيمم، أعاد) لتقصيره، كمصلٍّ عريانًا، ناسيًا أو جاهلا للسترة (١)، وذلك كأنْ يجد الماء بعد التيمُّم في رَحلِه وهو في يده، أو في بئرٍ بقُربه، أعلامُها ظاهرةٌ، يتمكنُ مِن تناوله منها، فلا يصح تيمُّمُه، ولا صلاتُه إذن. فأمَّا إن ضلَّ عن رَحلِه، وبه الماء، وقد طلبه، أو كانتْ أعلامُ البِئرِ خفيَّةً، ولم يكن يعرفُها، أو يعرفُها وضلَّ عنها، أو رأى دونَ الماء سوادًا بليلٍ ظنه عدوًّا، فتبيَّن عدمُه بعد أن تيمَّم وصلَّى، فإنه لا إعادةَ عليه في ذلك. (ويتيمم لكل حَدَثٍ) أكبرَ أو أصغرَ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]، والملامسة: الجماع. ولقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]. فإنه لا يجزئه له على المذهبِ المنصوصِ، ويعيدُ في جميعِ هذه الصورِ؛ لأنه تيمَّم مع قدرته على الماءِ، ولأن النِّسيانَ لا يُخرجه عن كونِه واجدًا، وشرطُ إِباحةِ التيممِ عدمُ الوِجدانِ الحِسِّيِّ أو الشرعيِّ، ولأنها طهارة تجب مع الذِّكر، فلم تسقظ بالنِّسيان، كما لو نسي الحدثَ وصلى محدِثًا، ثم تذكَّر، كمصلٍّ عريانًا ومكفّرٍ، يصومُ ناسيا للسترة والرَّقَبةِ، فإنه لا تصحُّ صلاتُه، ولا يجزئه الصومُ، ولا يعتدُّ بما فعله. "المنتهى" مع "شرحه" (٢). (فأما إن ضل عن رَحله … إلخ) هذا مفهومُ قوله: "كأنْ يجد الماءَ في رَحله" وقوله: "أعلامُها ظاهرة". (ويتيمَّم) بالبناءِ للمفعول، أي: يُشرع التيممُ لكل حدثٍ، أي: لجميع الأحداثِ. أمَّا للحدث الأصغرِ، فبالإِجماع، وسندُه قولُه تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وأما للأكبر، ففي قول أكثر العلماء منهم الأئمةُ الأربعةُ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾

стр. 461

ولنجاسةٍ ببدنٍ تضره إزالتُها، ولو حضرًا، أو عَدِمَ ما يزيلُها بعد تخفيفِها ما أمْكَنَ ولا إعادةَ. (و) يتيمم (لكلِّ نجاسةٍ) لا يُعفى عنها (ببدن) فقط (تضرهُ إزالتُها) أي: النجاسة، أو يضره الماءُ الذي يزيلُها به. (ولو) كان الضررُ من بَرْدِ (حضرًا) لعدمِ ما يسخن به الماء (أو عدم) مَن ببدنه نجاسة (ما يزيلها) به؛ وذلك لعموم حديث أبي ذرٍّ كما تقدم (١). وعُلم من كلامه: أنه لا يتيمَّم لنجاسةِ ثوبه، ولا بقعته؛ لأنَّ البدنَ له مدخلٌ في التيممِ للحَدَث، فدخل فيه التيمُّم للنجس، بخلاف الثوبِ، والبقعةِ. ولا يتيمم لنجاسةٍ معفو عنها، وإنما يتيمم لنجاسةِ البدن (بعد تخفيفِها) أي: النجاسة عن بدنه (ما أمكن) أي: حسب إمكانِه، بمسحِ رَطبة، وحَكِّ يابسة، وجوبا، فلا يصحُّ التيمُّم لها قبل ذلك، وحيثُ تيمَّم للنجاسة كما تقدَّم، وصلَّى، فإنَّه (لا إعادةَ) عليه، سواءٌ كانتْ بمحلٍّ صحيحٍ، أو جريحٍ والملامسةُ: الجِماع. وكان ابنُ مسعود ﵁ ومَن وافقه لا يرى التيمُّمَ للجُنُب. وحكمُ الحائضِ والنفساءِ إذا انقطع دمُها حكمُ الجنبِ. دنوشري. (ويُتيمم لكلِّ نجاسةٍ … ببدن) أي: ببدنِ المتيمم؛ لأنَّها طهارةٌ في البدن ترادُ للصَّلاة، أشبهت الحدثَ إذا عَجَزَ عن غسلها؛ لعدم ماءٍ، أو خوفِ ضررٍ في بدنه، ولو من بردٍ، حضرًا أو سفرًا، لكن بعد تخفيفِها ما أمكنَ، بمسح رَطبِها وحكٍّ يابِسها (وجوبًا) أي: على وجهِ الوجوبِ واللزومِ. (فإنَّه لا إعادةَ عليه) لأنه ﷺ لم يأمر عَمرَو بنَ العاصِ بالإعادة (٢)، ولو وجبت لأمَره؛ لأن تأخيرَ البيانِ عن وقت الحاجةِ ممتنعٌ. دنوشري.

стр. 462

فإنْ عَدِمَ الماءَ والترابَ، صلى الفرضَ فقط على حسبِ حالهِ، ولا يزيدُ على ما يجزئُ، (فإن عدِمَ) مريدُ الصَّلاةِ وهو مُحدِثٌ، أو ببدنهِ نجاسةٌ (الماء والتُّرابَ) كمن حُبِس بمحل لا ماءَ فيه ولا تُراب، أو وجدهما ولم يمكنه استعمالُهما لمانع، كمن به قروحٌ لا يستطيعُ معها مسَّ البَشَرَة بوضوءٍ ولا تيمُّم، وكمريضٍ عجز عن استعمالهما، وعمن يطهِّره بأحدهما (صلى الفرضَ فقط على حسبِ حالِه) أي: على قَدرِ حاله، أي: على الصفة التي هو عليها وجوبًا؛ لقوله ﵊: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" (١) ولأنَّ العجزَ عن الشَّرْط لا يوجبُ تركَ المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال. (ولا يزيدُ) عادمُ الماءِ والتُّرابِ (على ما يجزئُ) في الصلاة من قراءةٍ وغيرها، فلا يستفتح، ولا يتعوَّذُ، ولا يُبَسْمِلُ، ولا يقولُ: آمين، ولا يقرأ زائدًا على الفاتحة، (بوَضوءٍ) بفتح الواو: الماء (ولا تيممٍ) أي ترابٍ (صلَّى الفرضَ) أي: فرضًا (فقط) لا النوافلَ مطلقًا، ولا يستبيحُ فرضًا آخَرَ على هذه الصفةِ، إلا إذا عجزَ عن استعمالِ أحدِهما، فيخاطبُ بالطَّهارة عند إرادةِ فِعْل كلِّ فرضٍ، ولا يكتفي بالتعذُّر السابقِ على حسَب حالِه من غير طهارةٍ بماءٍ ولا تراب، على الصَّحيح من المذهبِ. دنوشري. (أي: على الصفةِ التي هو عليها) وهو من المفردات ولو كان على بدنه نجاسة. (ولا يزيد عادمُ الماء والتراب على ما بجزئُ) أي: على ما يجزئ من صلاة وغيرها (٢) … عدم جواز صلاته. وأما تقيد صاحبِ "المنتهى" في "شرحِه" (٣) بالجنب، فغيرُ ظاهرٍ. ح ف. (فلا يستفتحُ … إلخ) تفريع على قوله: "ولا يزيدُ … إلخ" أي: وعلى هذا لا يزيدُ في القراءة وغيرِها على ما يجزىُ في الصلاة من الواجباتِ والأركانِ، فلا يقرأ زائدًا على الفاتحةِ، ولا يأتي بالسنة، ولا يسبِّح، زائدا على

стр. 463

ولم يعد. ولا يسبِّح، ولا يسأل المغفرة أكثرَ من مرة، ولا يزيد على ما يجزئ في طُمأنينةِ ركوعٍ، وسجودٍ، وجلوسٍ بين السجدتين، ولا على ما يجزئ في تشهد. وإذا فرغ من قراءةِ الفاتحة، ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد، نهض، أو سلَّم في الحال؛ لأنها صلاةُ ضرورة، فتقيَّدت بالواجب؛ إذ لا ضرورةَ للزائد. وفي "تصحيح المحرَّر" لابن نصر الله الكِناني (١): فإن زاد على مجزئٍ من رُكنٍ أو واجبٍ، أعاد. انتهى. ولا يقرأ خارجَ الصَّلاة إن كان جنبًا ونحوَه. (ولم يُعِدْ) مصلٍّ على حسبِ حالِهِ عندَ عدمِ الماءِ والتراب؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عُهدَتِه المرة الواحدةِ، ولا يزيدُ على ما يجزئُ في طُمأنينته، وركوعه، وسجودِه، وجلوس بين السجدتين، فإذا فرغَ من قراءة الفاتحةِ، ركع في الحال، وإذا فرغ من التشهد الأول، نهضَ في الحال، وإذا فرغ من التشهُّد الأخيرِ، سلَّم في الحال. ولا يقرأُ من القرآنِ في غير الصلاة إلا بقَدر آيةٍ فأقل. ولا يؤم مَن صلَّى على حسَب حالِه شخصا متطهّرًا بأحدهما؛ لكون المتطهّر بالماءِ أو الترابِ ارتفع حدثه، أو استباحَ الصلاةَ بالتراب أو الماء بخلاف مَن صلَّى على حسَب حالِه، فإنه ليس متطهَّرًا بالكلّية، فلا يكونُ إمامًا لهما، ولا لأحدِهما؛ لأنَّ ما ليس بطاهرٍ لا يؤم طاهرًا. دنوشرى مع زيادة. (ولم يُعِدْ) هذا المصلي (على حسَب حالِه) على إحدى روايتَين، أصحهما: لا يعيد (لأنه أتَى بما أُمر به، فخرجَ من عُهدته) فلا يؤمرُ بإعادته؛ ولأنَّه أحدُ شروطِ الصلاةِ، فسقط عنه

стр. 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتبطلُ صلاتُه بنحو حَدَثٍ فيها، فيستأنفُها على حسب حاله، لا بخروجِ الوقتِ فيها. ولا يؤم عادمُ الماء والتراب متطهّرًا بأحدهما، وله أن يؤم مثلَه. ولو صُلي على ميتٍ على حسبِ حالهِ لعدمِ الماءِ والترابِ، ثم وجِدَ أحدُهما، بطلتْ، ووجب أن يُغَسَّل أو يُيمَّم، ثم يصلَّى عليه. ويجوز نبشُه لأحدهما مع أمن تفسُّخه. بالعجز، كسائر شروطِها. وعلى هذه الروايةِ مشى في "المنتهَى" (١) و "الإقناع" (٢). والثانية: بلى. واختاره الأكثرُ؛ لأنه عذرٌ نادرٌ لا يشقُّ، فلم تسقط به الإعادةُ. "شرح المنتهَى". (وتبطل صلاتهُ) أي: صلاةُ مَن صلَّى على حسَب حالِه (بنحو حدثٍ) كطروء نجاسةٍ لا يُعفَى عنها على بدنه أو ثوبِه (فيها) أي: في صلاته التي صلاها على حسَب حالِه؛ لأن حدوث المنافي للصلاة فيها يقتضي بطلانَها. قال في "المنتهَى" و"شرحِه": وإنْ وجد مَن عدمَ الماءَ ثلجًا وتعذر تذويبُه بشيءٍ، جاز المسحُ على أعضائه، لزومًا؛ لأنه ماءٌ جامد تعذَّر استعمالُه في الطهارةِ الاستعمالَ المعتادَ، وهو الغَسلُ؛ لعدم ما يُذيبه، فوجبَ أن يستعملَ الاستعمالَ المقدورَ عليه، وهو مسحُ الأعضاءِ به الواجبِ غسلُها، وصلى بهذا المسحِ، ولم يُعِد صلاتَه إن جرى، أي: إنْ سال الثلجُ بمسٍّ؛ لأنه حينئذ يصيرُ غَسلًا، فلا إعادةَ عليه، وفُهم منه أنه إذا لم يَجرِ بالمسِّ، أعاد. ومثلُه: لو صلَّى بلا تيمُّم مع وجود طينٍ يابسٍ عنده؛ لعدم ما يدقه به ليكونَ له غبارٌ. (ولا يؤم عادمُ الماء … إلخ) لعدم صحَّةِ اقتداءِ المتطهّرِ بالمحدِث العالمِ بحدثه. وعُلم منه أنه يؤمُّ مثلَه. "كشَّاف القناع" (٣). (ويجوز نبشُه لأحدهما) أي: للغُسل أو التيمُّمِ (مع أمن تفسُّخِه) لأنه مصلحةٌ بلا مفسدةٍ. فإنْ خيفَ تفسُّخُه، لم يُنبش. "كشاف القناع" (٤).

стр. 465

ولا يصح تيمُّمٌ إلا بتُرابٍ طَهورٍ، مباحٍ، (ولا يصح تيمُّم إلا بترابٍ طَهور) لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وما لا غبارَ عليه، لا يمسحُ بشيءٍ منه. وقال ابن عباس: الصعيدُ: ترابُ الحَرْثِ. والطيِّبُ: الطاهر (١). يؤكده قولُه ﷺ : "وجُعل لي الترابُ طهورا" رواه الشافعي وأحمدُ من حديث عليٍّ، وهو حديث حسن (٢). فلا يصح التيممُ برملٍ، ونُورة (٣)، وجصٍّ، ونحتِ حجارةٍ ونحوِه. ولا بترابٍ زالت طهوريَّتُه، كالمتناثر من المتيمم؛ لأنه كالماء المستعمل في طهارة واجبة. وإن تيمم جماعة من موضعٍ واحدٍ، صحَّ، كما لو توضؤوا من حوضٍ يغترفون منه. (مباحٍ) فلا يصحُّ بمغصوبٍ، كالوضوء به. قال في "الفروع": (٤) (لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ .. إلخ) سند لكون من شروطِ صحةِ التيمم الترابُ؛ لأنه كالماءِ المستعمَل. أي: لأنه مثلُ الماءِ المستعمل؛ لأن وجهَ ذلك أنَّه ترابٌ مستعملٌ في طهارة إباحةِ الصلاة، أشبهَ الماءَ المستعملَ في الطهارة. (وما لا غبارَ عليه … إلخ) أخذه من قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ فهو مشعِر بالتراب الذي له غبار. (وقال ابنُ عباسٍ … إلخ) هذا تفسيرٌ للآية. (الطيِّب: الطاهرُ) يعني: الطَّهور. ح ف. (يؤكده) أي: يؤكِّد قولَ ابنِ عباسٍ: "وجُعل لي الترابُ طَهورا" فخصّ ترابَها بحكم الطهارةِ، وذلك يقتضي نفيَ الحكمِ عما عداه. "كشَّاف القناع" (٥). هذا (فلا يصحُّ التيمم برمل .. إلخ) محترزُ المتنِ، على اللفِّ والنشرِ المرتَّب. (كالوضوء به) أي: لا يجوز التيممُ بتراب مغصوبٍ، كما لا يجوز الوضوءُ بالماء المغصوبِ. وقال بعضُهم: يُكره إخراجُ جِص المسجدِ وترابِه، للتبرُّك وغيره، والتبركُ لا

стр. 466

له غبارٌ، لمْ يغيّره طاهرٌ غيرُه، وظاهرُه ولو بترابِ مسجد، ولعله غيرُ مراد؛ فإنَّه لا يُكْرَه بترابِ زمزم مع أنَّه مسجد. ولابُدَّ أن يكون غيرَ محترق، فلا يصح بما دُقَّ من نحو خَزَفٍ؛ لأنَّ الطّبْخَ أخرجه عن أن يقعَ عليه اسمُ التراب. (له غبارٌ) يعلَق باليد أو غيرِها، لا بسَبْخَة (١) ونحوِها، مما ليس له غبار، ولا بطينٍ رطبٍ، لكن إن أمكن تجفيفُه والتيمُّمُ به قبلَ خروج الوقت، جاز، لا بعده. (لم يغيره) أي: الترابَ الطهورَ (طاهر غيرُه) كجص، ونُورة، ودقيق بُرٍّ، ونحوِه، مما له غُبار، فإن خالطه شيء مما ذُكر، وكانت الغلبةُ لغير التراب، لم يصح التيممُ يمنع صحَّةَ التيممِ. وقال بعضُهم: لو تيمَّم بتراب غيرِه، جازَ في ظاهر كلامِهم؛ للإذن فيه عادة وعرفًا، كالصلاة في أرضه، كما ذَكَره في "المبدع". (وظاهرُه) أي: ظاهرُ كلامِ الأصحاب. منه. (ولعلَّه غيرُ مرادٍ) وهو كذلك. قال في "الإقناع" (٢): ولا يُكره التيمُّم بترابِ زمزمَ مَع أنه مسجدٌ. (فلا يصح بما دُق من نحوِ خزف) هذا مثال للمَنفيِّ، وهو الاحتراقُ، فلا يجوز التيممُ بالمحترِقِ، كالذي يُدق من خزف ونحوِه؛ لأن الاحتراقَ أخرجه عن أنْ يقعَ عليه اسمُ الترابِ. (له غبار يعلَقُ باليد … إلخ) فيجوزُ التيممُ بكل ترابٍ على أي لونٍ كان، بشرطِ أن يكونَ له غبار يعلقُ باليد، ومن ثَم لو ضربَ بيده على تراب، أو لِبد، أو شجرةٍ، أو شعرٍ له غبارٌ يَعلَق باليد، أو بِساطٍ .. إلخ، من كل مالَه غبارٌ طَهورٌ يعلقُ باليد، فإنه يصح التيممُ به. وكذا لو سحقَ الطينَ وتيمم به، ولو كان مأكولا، كالطّين الأرمنيّ، إلا أن يكونَ بعد الطبخِ، فلا يُجزئه، على المشهور؛ لأنَّ الطبخَ أخرجه من أنْ يقعَ عليه اسمُ الترابِ. وفُهم من قولِه أنَّه لا يصحُّ من (مَقْبرة تكرر نبشُها) لأنه نجس، وإلا، جاز؛ لأن الأصلَ طهارتُه، والأصلُ لا يزولُ بالشك. وكذلك السبخةُ ونحوها مما ليس له غبار يعلقُ باليد، فإنَّه لا يصح التيممُ به. دنوشري. (طاهرٌ غيرُه) بالتخفيف، أي: غيرُ التُّراب، كجِصٍّ، بكسر الجيمِ وفتحِها، معروف -ويسمَّى في زمننا: الجبص- قال أبو

стр. 467

ولو على لِبْدٍ ونحوهِ. به، كماءٍ خالطه طاهرٌ غَلَبَ على بعضِ أوصافه. فإن كان المخالط لا غبارَ له، لم يمنعِ التيمُّمَ بالتراب، كبُرّ وشعير، وإن خالطته نجاسة، لم يَجُزِ التيممُ به وإن كثر. ذكره ابنُ عقيل. ولا يجوز التيمُّمُ بترابِ مقبرة تكرَّرَ نبشُها (١)، وإلا، أو شُكَّ فيه، جاز. ويصح التيمُّمُ بما لَه غبارٌ (ولو على لِبْدٍ ونحوِه) كثوبٍ، وبساطٍ، وحصيرٍ، وحائطٍ وصخرةٍ، وحيوان، وبَرذَعَةِ (٢) حمار، وشجرٍ، وخشبٍ، وعِدل (٣) شعيرٍ، ونحوه، مما عليه غبارٌ طهورٌ، حتى مع وجودِ تراب. وأعجب الإمامَ أحمدَ ﵀ منصور اللغوي (٤): ليس بعربي صحيحٍ. "مُطلِع" (٥). (فإنْ خالطه شيءٌ مما ذكر) من الجص وما عُطف عليه، فإن كانت الغلبةُ للتُّراب، جازَ التيممُ به، وإن كانت الغلبةُ للمُخالط، لم يجز التيمم، قياسًا على الماءِ. (ف) ـأمَّا (إنْ كان المخالط لا غبارَ له) يعلقُ باليد (لم يمنع التيمُّم) لأن الإمامَ أحمدَ ﵁ قد نص على جواز التيممِ من الشَّعير؛ وذلك لأنه لا يحصلُ على اليدِ منه ما يحولُ بين غبارِ التراب وبينها، بخلاف ما إذا خالطه جصٌّ أو نُورةٌ وغلبتْ أجزاؤه عليه، فإنَّه لا يصحُّ التيمُّمُ به. "شرح المنتهَى" (٦).

стр. 468

فصل وفروضُه: مسحُ وجهِه، ويدَيْه إلى كوعيه. حملُ التَّراب للتيمُّم. وقال الشيخ تقي الدين ﵀: لا يحمله (١). وظهَّره في "الفروع" (٢)، وصوَّبه في "الإنصاف" (٣)؛ إذ لم يُنقَلْ عن أحدٍ من الصحابة ﵃ مع كثرةِ أسفارهم. فصل (وفروضُه) أي: التيمّمِ لحدثٍ أو نجاسةٍ قسمان: مشترَكٌ ومختصٌّ: فالمشتركُ ثلاثة لابد منها في كل تيمُّم: أحدها: (مسحُ وجهه)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] سوى ما تحت شعرٍ ولو خفيفًا، وداخلَ فمٍ وأنفٍ، ويكره. (و) الثاني: مسحُ (يدَيه إلى كوعيه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ وإذا عُلق حكم بمطلَق اليدَين، لم يدخل الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج. وحديثِ عمار قال: بعثني النبي ﷺ في حاجةٍ فأجْنَبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تتمرَّغُ (فصل: … ويُكره) أي: يكرهُ إدخالُ الترابِ في الفمِ والأنفِ. قال في "الانصاف" (٤): مرادُه بقوله: مسحُ جميع وجهِه، سوَى المضمضةِ والاستنشاقِ قطعًا، بل يكره. انتهى. (والثاني: مسحُ يديه إلى كوعَيه) أي: لا المِرفقَين. وهو من المفرَدات. والكوعُ: ما يلي إِبهامَ اليدِ من العَظم. والبُوعُ: ما يلي إِبهامَ الرَّجل، كما نظَمَه بعضُهم بقوله:

стр. 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الدابةُ، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلك له فقال: "إنَّما كان يكفيكَ أنْ تقول (١) بيديك هكذا" ثمَّ ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم مسح الشِّمال على اليمين، وظاهرَ كفيه ووجهَه. متفقٌ عليه (٢). ولو أمَر المحل على ترابٍ أو صَمدَهُ -أي: نصبَهُ- لريحٍ، فعمَّه ومسحَه به، صحَّ؛ لا إن سَفَتهُ (٣)، فمسحه به (٤). وإنْ تيمَّمَ ببعض يده، أو بحائلٍ، أو يمَّمه غيرُه، فَكَوضوء. وعظمٌ يلي الإبهامَ كوعٌ وما يلي … لخنصَره (٥) الكرسوعُ والرُّسغ في الوسط وعظمٌ يلي إبهامَ رِجل ملقَّب … ببوعٍ فخذ بالعلمِ واحذر من الغَلَط دنوشري. (ولو أَمرّ المحلَّ … إلخ) أي: محلَّ التيمُّمِ، وهو الوجهُ واليدانِ، والمسحُ منه، وقد وجِد، فإنْ لم يمسح به فيهما، لم يصح تيمُّمه؛ لِتَركه المسحَ المأمورَ به. (أي: نَصَبه) أي: نصب المحل الذي يجبُ مسحُه في التيمم (لريحٍ، فعمَّه) الترابُ بعد التصميدِ (ومسحَهَ به، صح) التيمُّم في الصُّورتين إنْ نواه -كما لو صمدَ أعضاءَ الوضوءِ بعد نيَّته للمطر حتى جرى الماءُ على أعضائه (لا إنْ سفته) الرّيحُ من غير نيّةٍ (فمَسَحه به) أي: بالتُّراب، فإنَّه لا يصحُّ التيممُ، لأن اللهَ أمَرَ بقصد الصَّعيدِ، ولم يوجَد القصدُ. فإنْ لم ينوِ حتى حصل في المحل، ثم مسحَ وجهَه بغير ما عليه، صحَّ، وإلا فلا. دنوشري. (وإن تيمَّم) المتيمّمُ (أو بحائلٍ) أي: أو تيمَّم بحائل، كخِرقةٍ أو نحوِها (فكوضوءٍ) فإنه يصح حيث نواه

стр. 470

وتعيينُ نيَّةِ استباحةِ ما يتيمَّمُ له، مِنْ حَدَثٍ، أو نَجَسٍ. (و) الثالث: (تعيينُ نيَّة استباحةِ ما) أي: شيءٍ (يتيمَّمُ له) كصلاةٍ أو طوافٍ، فرضًا أو نفلًا أو غيرهما. (مِن) متعلقٌ بقوله: "يتيمَّم"، أو بـ "استباحة" أي: مِن أجل (حدثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، (أو نَجَسٍ) أي: نجاسةٍ ببدنٍ، ويكفيه لها تيمُّمٌ واحد، ولو تعدَّدت مواضعُها. وصفةُ التعيين: أن ينويَ (١) استباحةَ صلاة الظهر مثلًا من الجنابة، إن كان جُنُبًا، أو من الحدَثِ (٢) إن كان مُحدِثًا، أو من النجاسة إن كان نجسًا، وما أشبهَ ذلك. وإنما اعتُبِر (٣) التعيينُ؛ تقوية لضعفه، فإنْ نَوى حدثا وأطلق، لم يجزئه عن الحَدَثين. أو نَوى رفعَ حدثٍ، لم يصحَّ تيمُّمه؛ لأنه مبيحٌ لا رافع؛ لأنه طهارةُ ضرورة. المتيمم؛ لأن اللهَ تعالى أمر بالمسحِ ولم يعيِّن آلتَه، والنيَّةُ من المتيمم دون الميمِّمِ؛ لأنه هو الذي يتعلق به الحكمُ من الصحة وعدمِها. دنوشري. قال محمد الخلوتي: هذه المسألةُ تقدمت صريحًا في قوله (٤): "ومَن وضئ، أو غسل، أو يمم، بإذنه، ونواه، صح، لا إن أكرِه فاعلٌ" فذِكرها هنا مجرَّدُ تتميمٍ، فتدبَّر، فلا تكرار. (وتعيين نية استباحه ما يتيمَّم له) تَبعَ في عدّ ذلك في فروض التيمُّم "المنتهى" (٥) دونَ "الإِقناع" (٦) حيث عدَّ الفروضَ أربعةً، بإسقاط النيةِ؛ لأنها شرطٌ في كل العباداتِ. (أَصغرَ) وهو ما أوجبَ وضوءًا (أو أكبرَ) كحيضٍ ونفاسٍ. فينوي استباحةَ الفرضِ من الحدثِ الأكبرِ، أو الأصغرِ، أو منهما إن كانا، أو ينوي استباحةَ ما شَرطُه الطهارةُ، كالصلاة والطوافِ

стр. 471

كذا ترتيبٌ، وموالاةٌ في حَدَثٍ أصغرَ. وإنْ نوى حدثًا، أو نَجَسًا، لم يُجزِئه عن الآخر، وإنْ نواهُما، كفى. وأما المختصُّ فشيئان أشار إليهما بقوله: (وكذا ترتيبٌ) بأن يَمسحَ وجهَه قبل يديه. (وموالاةٌ) بأنْ لا يُؤَخِّر مسحَ يديه [عن وجهه] (١)، بحيثُ لو كان وجهُه مغسولًا لجف في زمنٍ معتدل، أو قدرُه من غيره، فهذان لا يَجبان في كل تيممٍ بل (في حدثٍ أصغر) خاصَّةً، فلا يَجبان في حدثٍ أكبر، أو نجاسةٍ ببدن؛ لأنَّ التيمُّم مبنيٌّ على طهارةِ الماء، وهما فرضان في الوضوء دونَ ما سواه. (وإنْ نَوى) محدِثٌ ببدنه نجاسةٌ (حَدَثًا) فقط، لم يجزئه عن النجاسة (أو) نوى (نجسًا) أي: نجاسة ببدنه فقط (لم يُجزئه) التيمم (عن الآخر) أي: الحدث، بل يجزئه عما نواه فقط. وكذا لو نَوى حدثًا أصغرَ أو أكبرَ، لم يجزئه عن الآخر (وانْ نَواهُما) أي: الحدثَ والنجاسةَ، أو نَوى الأصغرَ والأكبرَ والنجاسةَ بتيممٍ واحدٍ (كفى) أي: أجزأه ذلك. ومس المصحفِ، أجزأه عن ذلك؛ لأنها طهارةُ ضرورة، فلم تَرفع الحدثَ، كطهارةِ المستحاضةِ، فلم يكن بدٌّ من التعيين؛ تقوية لضَعفه. دنوشري. (وموالاة في حدثٍ أَصغرَ) في المسألتين؛ لأنهما فرضانِ في المبدَل، فكذا في البَدَل؛ لأن التيمم بدل عن الطهارة بالماءِ، والترتيبُ والموالاةُ فرضان في طهارةِ الحدثِ الأصغر، فكذا في التيمم له. "شرح المنتهَى" (٢). (وهما) أي: الترتيبُ والموالاةُ. (في الوضوءِ) فكذا في التيمُّم القائمِ مَقامَه. مصنف (٣). (وإن نوى حَدَثًا … إلخ) هذا مفرع على تعيين النيةِ على طريقة شيخِ الإسلامِ بأن الواو عنه. (كفى) التيمم الواحدُ عن الجميعِ، بناءً على تداخلُ الطهارتين في الغُسل. (أو) للتفريع. وقال ابنُ عقيلِ في الحدثِ والنجاسة: الأشبهُ عندي: لا

стр. 472

وإنْ نَوى نفلًا، أو أطْلقَ، لم يُصلِّ به فرضًا، وإنْ نواهُ، صلَّى كلَّ وقتِه. قلت: والظاهرُ هنا اعتبارُ الترتيب والموالاة. وإنْ تَنوعت أسبابُ أَحَدِ الحدثين، فَنَوى أحدَها، أجزأ عن الجميع، لكن لو نَوى الاستباحةَ من أحدها، على أنْ لا يَستبيحَ من غيره، لم يُجزِئه، على قياس ما تقدَّم في الوضوء، وأولَى؛ لضعفه. (وإنْ نوى) بتيمُّمه (نفلًا) أي: استباحةَ نفل الصَّلاة، لم يصلِّ به فرضًا (أو أَطلق) النية للصلاة، بأنْ نوى استباحةَ الصَّلاة، ولم ينوِ فرضًا، ولا نفلًا (لم يصلِّ به فرضًا) لأنه لم ينوه فلم يحصلْ له، بل يصلي به نفلًا في الصورتين. أما في الأولى؛ فلنيتِه (١) النفلَ، وأمَّا في الثانية؛ فلأنه أقل ما يُحمَلُ عليه الإطلاق. وطواف كصلاةٍ فيما تقدم. (وإنْ نواه) أي: الفرضَ بتيممه (صلى كلَّ وقتِه) فروضًا ونوافل، فمن تيمَّم لظهرٍ مثلًا، صلَّى ما دامَ الوقتُ ما شاءَ من الفرضِ والنفلِ. أمَّا الفرضُ؛ فلنيته، وأما النفلُ؛ فلأنَّه أخف، ونيةُ الفرضِ تَتضمَّنُه. فمن نَوَى شيئًا استباحَه يتداخلان، كالكفارات والحدود إذا كانت من جِنسَين. قال في "الشَّرح": والأصحُّ الأوَّل. مصنف على "الاقناع". (وإن تنوعت أسبابُ أَحدِ الحدثين) بأنْ بالَ وتغوَّط وخرجَ منه ريحٌ، ونوى واحدًا منهما، أجزأ تيمُّمه عن الجميع؛ لأن حكمَها شيءٌ واحد، وهو إمَّا إيجادُ الوضوء أو الغُسلِ، كطهارة الماءِ. مصنّف (٢) مع زيادة. (لكن لو نَوى … إلخ) استدراكٌ على قولِه: "أجزأ عن الجميعِ". (وطوافٌ كصلاة فيما تقدم) بأن لم يعيّن فرضَهما ولا نفلَهما وتيمَّم، لم يفعل إلا نفلَهما؛ لأنه لم ينوِ الفرضَ، فلم يحصلْ له، وفارقَ طهارةَ الماءِ؛ لأنها ترفعُ الحدثَ، فيباحُ له جميعُ ما يمنعه. مصنف (٣). (فمَن نوى شيئًا، استباحه .. إلخ) تفريعٌ على قولِه: "وإنْ

стр. 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثلَه ودونَه، لا ما فوقَه، فأعلاه: فرضُ عينٍ، فنذرٌ، فكفايةٌ، فنافلةٌ، ففرضُ طوافٍ، فنفلُه، فمسُّ مصحفٍ، فقراءةٌ، فلُبثٌ. نواه … إلخ" فمَن نوى بتيمُّمِه شيئًا، أي: فِعلَ شيءٍ من العباداتِ التي تُشترط لها الطهارةُ، كالصلاة، استباحه. أي: استباحَ ذلك الشيءَ المنوي فِعلُه، واستباحَ ما كان مِثلَه؛ لأنها طهارة صحيحة أباحت فرضًا، فأباحت ما كان مثلَه، كطهارةِ الماءِ. وعنه: لا يَجمع بين فرضَين. والأصح: أنه يَتنفل قبل الفرضِ ثم يصليه وما شاءَ، فروضا ونوافلَ، إلى آخرِ وقتِها. فمتى نوى بتيممه فرضًا معيَّنًا، أو مُطلقًا، كظهر، أو عصرٍ، استباح فِعلَه وفعلَ مثله كقضاءِ فرائضَ إلى آخر الوقتِ. واستباحَ ما كان دونَه أي: دونَ فرضِ العينِ، كصلاةٍ منذورةٍ، وراتبةٍ، وطوافٍ، ومسّ مصحفٍ، إلى آخر الوقتِ أيضًا. لا أعلاه. (ومِثْلَه) لأنه تيمم صحيح أباح فرضًا، فأباحَ فرضَين في الوقتِ، كطهارة الماءِ؛ لأن كل تيمُّم أباحَ شيئًا، أباح ما هو من نوعِه. حفيد. (ودونَه) كمنذورة، وفائتةٍ؛ لأنه منويٌّ ضمنًا، ولأنه إذا جاز فعلُه، فمن باب أولى فعلُ ما دونَه. وله فعلُه قبلَه وبعدَه. ولا يستبيحُ ما هو أعلى منه؛ لأنه غيرُ منوي صريحًا، ولا ضِمنًا. حفيد. (فأعلاه) أي: أعلى ما يُستباح بالتيمم (فرضُ عينٍ) كواحدةٍ من الصلوات الخمسِ (فنذرٌ) أي: فيلي فرضَ عينٍ في الفضيلةِ نذرٌ. أي: ما نذر لله أن يصليَه؛ لأن النذرَ دون ما وجبَ شرعًا. (فكفايةٌ) أي: ففرضُ كفايةٍ، كجنازةٍ وعيدٍ. (فنافلةٌ) كتحية مسجدٍ، كراتبةٍ، فجميعُ النوافلِ في درجةٍ واحدةٍ، مطلقًا، سواء كانت راتبة أو غيرَ راتبةٍ. فالفاءُ في قوله: "فكفاية … إلخ" للترتيب. فدرجةُ كل واحدٍ تحتَ ما بعده. دنوشري بإيضاحٍ. "فنافلةٌ" لكن لا يصحُّ نفل معين -كسُنة راتبةٍ- بنية نفلٍ مُظلق، كما في "الرعاية". (فنَفْلُه) قال الجد الشِّهاب: مقتضاه: أن الطواف الفرضَ أعلى من نافلة الصَّلاةِ، وإلا فلا فائدةَ في التقييد بنفلٍ (١). ومقتضى ما في "الفروع" (٢): أن فرضَه ونفلَه دون النافلةِ،

стр. 474

ويَبطلُ تيمُّمُه بخروجِ وقتٍ، قال المصنف (١): وسكوتُهم عن الوطءِ يُعلَم منه أنَّه دونَ الكل. (ويبطلُ تيمُّمه) مطلقًا (بخروجِ وقتٍ) أو دخوله ولو لغير صلاةٍ، ما لم يكن في صلاةِ جمعة، أو ينوي -وهو في وقتِ الأولى- الجمعَ في وقتِ ثانية، ثم تيمم للمجموعة أو لفائتةٍ، فلا يَبطُل بخروج وقت الأولى. قال: ويُباح الطوافُ بنية النافلةِ في الأشهر، كمسِّ مصحفٍ، قال شيخُنا: ولو كان الطوافُ فرضًا، وقال أبو المعالي: لا. اهـ. وقال في حاشية "التنقيح": واختار أبو المعالي أنه لا يُباح الطراف بنيتها، وهو الصحيح؛ لأن النافلةَ دون الفرضِ. حفيد. (بخروج وقتٍ) كما لو تيمَّم وقتَ الصبحِ، بطلَ بطلوع الشمس (أو دخوله) كما لو تيمَّم بعد الشروق، بطل بالزوال؛ لأن التيمم طهارةُ ضرورة، فتقيدت بالوقت، كطهارة المستحاضةِ، ولو كان في الصلاة، ما عدا الجُمُعة، وكما لو تيمَّم لطوافٍ، ومس مصحفٍ، وصلاةِ جنازةٍ، وصلاةِ نافلةٍ، ونحوِها، كتيممه لسجودِ شكرٍ، ونجاسةٍ على بدنِه، فإن التيمُّم في جميع هذه الصورِ يبطلُ بخروج الوقتِ الذي تيمم فيه؛ لأن طهارتَه انتهت بانتهاءِ وقتِها، فبطَلَت، كما لو انقضت مدةُ المسحِ وهو في الصلاة. "فائدة": لو تيمم لجِنازة، ثم جيءَ بأخرى، فإن كان بينهما وقت يُمكنه التيمم، لم يصل عليها حتى يتيممَ لها، وإلا صلى. كما ذَكَره في "المبدع". دنوشري مع زيادة. (ما لم يكن في صلاة جمعةٍ) مستثنى من قوله: "ويبطل تيمُّمه … إلخ" يعني أنه لو خرج الوقتُ وهو في صلاةٍ، بطلتْ ما لم يكن في صلاةِ جمعة، فإنها لا تبطلُ بخروج وقتِها وهو فيها؛ لأنها لا تُقضى ولا تُعاد ثانيًا. (أَو ينوي) أي: أو ما لم ينوِ الجمعَ في وقتِ ثانيةٍ، بأن تيمم مَن يُباح له الجمعُ في وقتِ الظهر لصلاتها مجموعةً مع العصرِ جمعَ تأخيرٍ. (أو لفائتةٍ) أي: تيمَّم لفائتةٍ في وقت الأولى "إقناع" (٢) (فلا يبطلُ بخروج وقتِ الأولى) أي: فلا يبطلُ تيممه

стр. 475

ومُبْطِلٍ ما تيمم له، ووجودِ ماءٍ، ولو في صلاةٍ، لا بعدَها. (و) يَبطُل تيممه أيضًا بشيءٍ (مُبطلٍ ما تيمّم له) من الطهارتين، فيبطُل تيممه عن وضوء بما يُبطِله من نومٍ ونحوه، وعن غسلٍ بما يَنقضُه، كخروجِ مني بلذةٍ. ولو تيمم لحدثٍ وجنابةٍ تيمُّمًا واحدًا، ثم خرجَ منه ريح مثلا، بَطَل تيممه للحدث، وبقي تيممه للجنابة بحاله. (و) يظل تيممه أيضًا بـ (ـوجودِ ماءٍ) مقدورٍ على استعماله بلا ضررٍ على ما مرَّ. ولو اندَفقَ الماء أو كان قليلا، فيستعملُه، ثم يتيممُ لِمَا بَقيَ. (ولو) كان وجودُه (١) الماءَ (في صلاةٍ) أو طوافٍ، فيَبطُلان، فيتوضأ أو يَغتَسل، ويَبتدئُ الصلاةَ، أو الطوافَ، و (لا) إعادةَ على واجدِ الماء (بعدها) أي: الصلاةِ، أي: بعدَ انقضاءِ الصلاة، وكذا الطواف، لكن يُستحب لواجدِ الماءِ في الوقت استعمالُه، وإعادةُ الصلاة كما بحثه المصنف (٢). ومحله في نحو ظهرٍ كعِشاء لا صبحٍ وعصرٍ؛ لأن ذلك وقت نهيٍ. بخروج وقتِ الفريضةِ الأولى التي هي الظهرُ؛ لأن وقتَيهما قد صارا وقتًا واحدًا بنية الجمعِ. قال محمد الخلوتي: وهذا بخلاف جمعِ التقديم، فإن تيمُّمه بخروج وقتِ الأولى يبطل؛ لأنا لو أبطلنا تيمُّمَه في المسألةِ الأولى بخروج وقتِ الأولى، كان فيه تحجيرٌ عليه، بخلاف الثانيةِ، فإنه قد فعلَ ما يُتيمَّم لأجله. (فيبطل تيمُّمه عن وضوءٍ .. إلخ) مفرَّع على قوله: "ويبطل تيمُّمه .. إلخ" فيبطل التيمُّم عن حدث أصغرَ بنواقض الوضوءِ، وهو ما خرجَ من السبيلين، أو لمس امرأة لشهوة، ونحوهما، وعن حدثٍ أكبرَ بمُوجِباته السابقةِ، من خروجِ المنيِّ دَفقًا بلذة، ونحوِ ذلك. (ولو تيمَّم لحدثٍ … إلخ) ويبطل تيمُّمه أيضًا بوجود ماء مقدورٍ على استعمالِه بلا ضرر، على ما مرَّ في موضعِه. قال في "الفروع" (٣): وإن قدَرَ عليه في تيمُّمه، بطل، وكذا بعدَه قبل الصلاةِ،

стр. 476

والتيمُّمُ آخرَ الوقتِ لراجي الماءِ أولى. ويَبطُل التيمُّم أيضًا بزوال مبيحٍ، كبُرءِ مرضٍ، أو جرحٍ تيمَّمَ له. (والتيمُّمُ آخرَ الوقتِ) المختارِ بحيثُ يدركُ الصلاة كلها قبلَ خروجِه (لراجي) وجودِ (الماء أَولَى) لأنَّ الطهارةَ بالماء فريضةٌ، والصلاةَ في أول الوقتِ فضيلة، وانتظارُ الفريضة أولى، وكذا لو استوى عندَه احتمالُ وجودِ الماءِ وعدمِه، وأما العالِمُ وجودَه، فمن باب أولى. والأصلُ في ذلك قولُ عليٍّ في الجُنُب: يتلومُ ما بينَه وبينَ آخر الوقت، فإن وَجَد الماءَ (١)، وإلا تيمَّم (٢). ومعنى "يتلَوَّم": يمكثُ ويَنْتظر (٣). فإنْ تيمم وصلَّى، أجزَأه، ولو وَجد الماء بعدُ. وعُلِم ممَّا تقدَّم أنَّ التقديمَ لِمُتحقِّق وذَكَره بعضُهم إجماعًا. وشَمِل ذلك ما لو كان الماءُ قليلًا لا تكفي طهارتَه، فيستعملُه ويتيمَّم للباقي. اهـ دنوشري. (بزوالِ مبيحٍ) للتيمم، كما لو تيمَّم لمرض، فعُوفي، أو لبردٍ، فزال، أو لجبيرةٍ وَضَعها على غير طهارةٍ وتضرر بقَلْعها، فتيمم، ثم برئَ ما تحتَها؛ لأن التيمم طهارةُ ضرورة، فيزولُ بزوالِ تلك الضرورةِ. "شرح المنتهَى" (٤). (وكذا لو استوَى عند .... إلخ) يعني أن مَن استوَى عنده الأمران، مثلُ مَن ترجَّح عنده وجودُ الماءِ، في الحكمِ. فالتيمُّم له آخرَ الوقتِ أولى. (وعُلم مما تقدم) مِن قوله: "لراجي … الماءِ، (أنَّ التقديمَ لمتحقق العدمِ) أي: تقديمَ التيمُّم في وقتِ الفضيلةِ. وقولُه: ........

стр. 477

وصفتُه: أنْ ينويَ، ثم يسمّيَ، ويضربَ التُرابَ بيدَيْه، مُفَرَّجتَي الأصابع، بعدَ نَزْعِ نحوِ خاتَمٍ، ضربةً العدمِ، أو ظانه أولى. (وصفته) أي: التيمم: (أن ينويَ) استباحةَ ما يتيمم له، كفرضِ الصلاة من حدثٍ أصغرَ أو أكبرَ، أو نجاسة. (ثم يُسَمِّي) وجوبًا فيقول: باسم الله. لا يقوم غيرُها مقامَها، وتَسقطُ سهوا. (ويضربُ الترابَ بيديه) حالَ كونهما (مُفرَّجتي الأصابع) ليصلَ الترابُ إلى ما بينَهما (بعدَ نزع نحو خَاتم) كَحَلقة بيده؛ ليَصِل الترابُ إلى ما تحتَه (ضربةً) بالنصب مفعول مطلق، عاملُه: "يضرب" أي: يضربُ الترابَ ضربةً واحدةً. قال الأثرمُ: قلت لأبي عبد الله: التيمُّمُ ضربةٌ واحدة؟ فقال: نعم، للوجْهِ والكفين، ومن قال: ضربتين، فإنما هو شيءٌ زادَه. انتهى. فإنْ كانَ الترابُ ناعما، فوَضَعَ يدَيْه بلا ضرب فَعَلِق بهما، كفى. وكُرِهَ نفخُ ترابِ يديه إن كان قليلا، فإنْ ذَهبَ به، أعادَ الضربَ. (أو ظانه) أي: ظان عدمِ الماءِ (أَولى) من الانتظارِ إلى آخر الوقتِ المختارِ، فـ"أولى" متعلق بقوله: "أن التقديمَ". (أن ينويَ) بالتيمم (استباحةَ مما يتمم له) مع تعيينِ ما يتيمَّم عنه، مِن حدثٍ، أو نجاسةٍ (ثم يسمي) إنْ تذكَّر التسميةَ (وبضرب الترابَ بيديه … إلخ) على التُّراب أو غيرِه، مما له غبارٌ طَهور، كلِبد، أو ثوبٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو بَرذَعةِ حمارٍ، أو بغلٍ، ونحوِها. (ضربة واحدةً) اِعلم أن الضربَ ليس بشرط فيه، بل القصدُ حصولُ الترابِ في محلِّه. فلو كان ناعمًا، فوضعَ يديه عليه، أجزأه. ولو أوصله بخِرقة، أو بيد، أو بعضِها، جازَ. وكذا لو نَوى وصمدَ للرِّيح حتى عمَّت محلَّ الفرضِ بالتُّراب. ذكره القاضي والشريف. كما لو صمدَ أعضاءَه للمطر حتى جرت على أعضائه. دنوشري.

стр. 478

يمسحُ وجهَه بباطنِ أصابعهِ وكفَّيْه براحتَيْه، ويُخلِّلُ أصابعَه. ثمَّ (يَمْسَحُ وجهَه) جيمعَه (بباطن أصابعه) فإنْ بقي منه شيءٌ لم يصلِ الترابُ إليه، أمَرَّ يدَه (١) عليه إنْ لم يفصلْهَا عنه؛ لأنَّ الواجبَ تعميمُ المسح لا تعميمُ التراب، فإنْ فصلَها (٢) وقد بقيَ عليها غبارٌ، مَسحَ بها ما بقي، وإلَّا أعادَ الضرب. (و) يَمسحُ ظاهرَ (كفَّيه براحتّيْه) استحبابًا؛ لحديثِ عمَّار، وتقدَّم (٣). فإنْ قيل: قد ذُكر في حديثِ عمَّار لفظُ: المرفقين، فتكونُ مفسرةً للمراد بالكَفَّين. أُجيب: بأنَّه لا يُعَوَّلُ على هذا الحديث، إنَّما رَواهُ سلمة وشكَّ فيه، ذكره النَّسائيُّ (٤) مع أنَّه قد أُنكِر عليه، وخَالَفَ به سائرَ الرواة الثقات. ولو مَسحَ وجهَه بيمينه، ويمينَه بيسارِه، أو عَكَسَ، صحَّ. (ويُخلِّلُ أصابعَه) ليصلَ التُّرابُ إلى ما بينَها (٥)، وإنْ مَسحَ بضربتين: بإحداهما وجهَهُ، وبالأُخرى يدَيْه، جاز. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 479

باب إزالة النجاسة يجبُ لكلِّ مُتَنَجِّسٍ سَبْعُ غسلاتٍ باب إزالة النَّجَاسةِ الحُكْمِيَّة أي: الطارئةِ على محلٍّ طاهرٍ. والمرادُ بإزالتها: تطهيرُ مواردها. وذكر أيضًا النجاساتِ وما يُعْفَى عنه منها. وخرجَ بالحُكْمِيَّة العينيَّة؛ كعظمِ ميتةٍ وجلدِها؛ فإنَّها لا تَطهرُ بحال. (يجبُ) أي: يُشترَطُ (لِـ) تطهيرِ (كل مُتَنَجِّسِ) حتى أسفلِ خُفٍّ وحذاءٍ وذيلِ امرأةٍ (سبعُ غسلات) لعمومِ حديثِ ابن عمر: "أُمِرنا بغسلِ الأنجاسِ سبعًا" (١) فينصرفُ إلى أمره ﷺ . (باب إزالةِ النجاسةِ الحُكْمِيَّة، أي: الطارئةِ على محلٍّ طاهِرٍ) تفسيرٌ للنجاسةِ الحكميَّة، وحكمِ زوالها، وذكرِ ما يُعفَى عن يسيرِه منها، وما لا يُعفَى عنه، ففي الترجمةِ حذفٌ، أي: بابُ كيفيَّةِ إزالةِ النجاسةِ الحكميَّةِ، وبابُ حكمِ زوالِها، وبابُ ما يعفى … إلخ، فالمقصودُ من هذا الباب بيانُ كيفيَّةِ إزالةِ النجاسةِ، وحكم الغسالَةِ، وبيانُ حكمِ الحيوانِ النجسِ والطاهرِ، وفَضَلاتِها. والنجاسةُ لغةً: الشيءُ المُسْتَقْذَر، ويَحرمُ التضمُّخُ بها بلا عذرٍ، واحْتُرِزَ به عن العينيَّةِ، فإنَّها لا تُطهَّر بغسلِها بحالٍ، وسيأتي معنى كلٍّ منهما شرعًا في بابِ اجتنابِها. (حتى أسفل خُفٍّ) وحتى أسفل حذاءٍ، وهو النَّعْلُ، وحتى ذيل امرأةٍ، (سبعُ غسلات) ومحلُّ ذلك إذا كانتِ النجاسةُ على غيرِ الأرضِ ونحوها، وسيأتي حكمُ تطهيرِها، أمَّا وجوبُ غَسْلِ أسفلِ

стр. 480

إن أَنْقت، وإلَّا، فحتَّى تنقى بماءٍ طَهورٍ ويعتبرُ في كَلِّ غَسْلَةٍ أنْ تستوعِبَ المحلَّ، ويُحسبُ العددُ من أوَّل غسلةٍ، وتكفي السبعُ (إنْ أَنقت) النجاسةَ وأَذْهَبَتْها (وإلَّا) تُنْقِ النجاسَةَ (فـ) يزيدُ على السبع (حتى تنقى) أي: إلى أنْ تذهبَ النَّجاسَةُ. ولابدَّ أنْ تكونَ كلُّ غَسلةٍ من السبع فما فوقها (بماءٍ طهور) لحديثِ أسماءَ قالت: الخُفِّ، وأسفلِ الحذاءِ، فقياسًا على الرِّجْل، وأما ذيلُ المرأةِ، فقياسًا على غسلِ بقيَّةِ الثوبِ. قال البهوتي؛ إنَّما نصَّ على هذه الثلاثة في "المنتهى" (١)، وتبعَه الشارحُ؛ إشارةً إلى محلِّ الخلافِ فيها؛ لأنَّ من الأئمةِ من قال أنَّه يكفي في أسفلِ خُفٍّ والنعلِ الدلكُ بالأرضِ، وأنَّه يُعفَى عن ذيلِ المرأةِ؛ للحرجِ والمشقَّةِ. وأمَّا نفسُ الخُفِّ، والحذاءِ، وثوبِ المرأة، فوجوبُ تطهيرِها محلُّ وفاقٍ، فلم يحتج إلى التنبيهِ عليها. انتهى كما نصَّ عليه. (لحديث أسماءَ) بنتِ أبي بكرٍ الصديق، أمِّ عبد الله بن الزبير، من المهاجراتِ، وكانت تُسمَّى ذاتَ النطاقينِ؛ لما ذُكِر في حديثِ الهجرةِ (٢)، أسلمت بعدَ سبعةَ عشرَ إنسانًا فيما قالهُ ابنُ إسحاق (٣)، وهاجرت [وهي حاملٌ] (٤) بابنِها عبد الله، وكانت عارفةً بتعبيرِ الرؤيا، حتى قيل: أخذَ ابنُ سيرينَ التعبيرَ عن ابنِ المسيِّب، وأخذَهُ ابنُ المسيّبِ عن أسماءَ، وأخذته أسماءُ عن أبيها (٥)، وهي آخر المهاجرات وفاةً، توفيت في جمادى الأوَّل من سنة ثلاث وسبعين بمكَّة، بعد ابنها عبد الله بأيامٍ. بلغت مئةً، لم يسقطْ لها سِنُّ، ولم يُنْكَر عقلٌ، لها في البخاريِّ ستَّة عشر حديثًا ﵂ (٦).

стр. 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جاءت امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إحدانا يُصيبُ ثوبَها من دمِ الحيضَةِ، كيف تصنع (١)؟ قال: "تحته بالماء، ثم تَنْضَحُه، ثمَّ تُصَلِّي فيه" متفقٌ عليه (٢). وأمَرَ بصبِّ ذَنوبٍ من ماء، فأُهرِيق على بولِ الأعرابيِّ (٣). والذَّنوب -وِزَانُ رَسُول-: الدَّلُو العظيمةُ. قالوا: ولا تُسمَّى ذَنُوبًا حتى تكونَ مملوءةً، ويُذكر ويؤنَّث. وقوله: "فأُهرِيق" أي: صُبَّ، وفيه الجمعُ بين الهاء والهمزة، وهر قليل؛ لأنَّ الهاءَ في الأصل بدلٌ من الهمزة، لكن عند الجمعِ بينهما -كما هنا- يُلحظُ في الهاء كونُها عوضًا عن حركةِ الياء في الأصل، ولهذا لا يصيرُ الفعلُ بهذهِ الزيادةِ خماسيًّا (٤). وقوله: (امرأة) والمرأةُ هي أسماءُ، كما وقعَ في رواية الإمامِ الشافعي (٥) بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ الشيخين، عن سفيانَ بن عيينةَ، عن هشام، [عن فاطمة]. ولا يبعدُ أنْ يبهمَ الراوي اسمَ نفسِه. ق س. (قال: "تحتُّه بالماء … " إلخ) قال القاضي عياض: "تحتُّه": تَقْشِرُه وتحكُّه، و "تقرصُه" -بفتح التَّاء، وسكون القاف، وكسر الراء، وبضمِّ التاء وفتحِ القاف، وكسر الراءِ مشدَّدة- تقطعُه بالأصابعِ مع الماء ليتحلَّلَ، و "تنضحُه": تَغْسِلُه. انتهى (٦). مصنِّف. ("ثم تصلِّي فيه") هذه روايةُ ابنِ عساكر (٧).

стр. 482

مع حَتٍّ، وقَرْصٍ لحاجةٍ، وعَصْرٍ، كلّ مرَّةٍ خارجَ الماءِ، (مع حتٍّ وقرْصٍ) لمحلِّ النَّجاسة. والحتُّ: الحكُّ بطرفِ حجرٍ أو عود. والقرصُ -بالصَّاد المهملة-: الدَّلكُ؛ بأطرافِ الأصابعِ والأظْفَار، مع صبِّ الماء عليه (١) (لحاجةٍ) إلى ذلك، ولَو في كلِّ مرَّةٍ، إنْ لم يتضرَّر المحلُّ فيَسقط. (و) مع (عصرٍ) لمغسولٍ تشرَّب النَّجاسة بحسَب الإمكان؛ بحيثُ لا يُخافُ فسادُه، ويُفْعل العَصْرُ (كُلَّ مرَّةٍ) من السَّبع (خارجَ الماء) ليَحْصُلَ انفصالُ الماءِ عنه، فإنْ عَصَرَه في الماء ولو سبعًا، فغسلةٌ واحدةٌ يَبْني عليها. فإن لم يمكن عَصْرُ ما تَشَرَّبَ النَّجاسَةَ، دقَّه وقَلَّبَه، وفي الحديث تعيينُ الماءِ لإزالةِ جميعِ النجاسات، دونَ غيرِه من المائعات إذ لا فرقَ بين الدَّمِ وغيرِه، وهذا قولُ الجمهورِ، خلافًا لأبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف، حيث قالا: يجوزُ تطهيرُ النجاسةِ بكلِّ مائعٍ طاهرٍ (٢). (لحاجةٍ) إلى شيء من ذلك، وهي ما إذا لصقتِ النجاسةُ بالمحلِّ، (ولو في كلِّ مرَّةٍ) ولا تخرج إلا بذلك. (إن لم يتضرَّرِ المحلُّ) المتنجِّسُ بالحتِّ أو القرص، أمَّا إذا تضرَّرَ المحلُّ، فلا يجب؛ لأنَّ الضررَ لا يزالُ بالضرر. فإذا لَصِقَتِ النجاسةُ بها، فإنَّها تعالجُ بما هو أخفُّ من ذلك لتزولَ، على أنَّه لا يَضرُّ بقاءُ اللونِ، أو الريحِ، أو هما. انتهى. دنوشري. (يبني عليها) أي: يتمُّ ما بقيَ من عددِ الغسلات السبعِ عليها. (دقَّهُ) أي: دقَّ ما تشرَّبَ النجاسةَ. (وقلَّبَه) إنْ لم يمكن عصرُه.

стр. 483

فإنْ كانتْ مِنْ كلبٍ، أو خنزيرٍ، وجب تُرابٌ طَهُورٌ، أو نحوه، كأُشنانٍ أو ثقَّلَه كلَّ غسلةٍ حتى يذهبَ أكثرُ ما فيه من الماء، ولا يَكْفي عن عَصْره تجفيفُه. وما لا يَتَشرَّبُ، يطهرُ بمرورِ الماء عليه، وانفصالِه عنه. (فإنْ كانت) النَّجاسةُ (من كلبٍ أو خنزيرٍ) أو متولِّدٍ منهما، أو من أحدِهما (وَجَبَ) في تطهيرها (١) (ترابٌ طهورٌ) فلا يَكْفي ترابٌ نَجِسٌ ولا مُستعملٌ. (أو نحوه) أي: الترابِ (من أشنانٍ) (٢) وصابونٍ ونُخَالةٍ ونحوِ ذلك مما له قَوَّة الإزالة (أو ثقَّلَه كلَّ) مرَّةٍ، حتى يذهبَ أكثرُ ما فيهِ من الماء، ولا يكفي في العددِ تحريكُه في الماء وخَضْخَضَتُه. (ولا يكفي عن عصرِه تجفيفه)؛ لأنَّ التجفيفَ إنَّما يُزيلُ أجزاءَ الماءِ دونَ أجزاءِ النجاسةِ. (فإنْ كانتِ النجاسةُ من كلبٍ … إلخ) هذا تفصيلٌ لقوله: "لكلِّ متنجِّسٍ … إلخ". (أو خنزيرٍ) لأنَّه ثبتَ ذلك في نجاسةِ الكلب، مع كثرةِ البلوى بنجاسته؛ لإباحةِ اقتنائِه، والانتفاعِ به في الجملةِ، وعدمِ ورودِ القرآنِ بتحريمه، فالخنزيرُ الذي يَنْدُرُ التنجُّس منه، ويحرمُ اقتناؤه، وورد القرآنُ بتحريمِه (٣)، أولَى بالتراب في نجاستِه. ح ف. (ولا مستعمل) لأنَّه كالماء المستعمل، فلا يجوز استعماله. (من أُشنانٍ وصابونٍ) ويحرمُ استعمالُ شيءٍ من طعامٍ وشرابٍ، كالدقيقِ ونحوه، في إزالةِ النجاسةِ؛ لما فيه من إفسادِ الطعامِ المُحتَاج إليه بالنجس، كما يُنهَى عن ذبحِ الخيل التي يُجاهَدُ عليها، والإبلِ التي يُحَجُّ عليها، والبقرِ التي يُحرَثُ عليها، ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة اليها. قاله الشيخ، ولا بأسَ باستعمالِ

стр. 484

يَعُمُّ المحَلَّ مع الماءِ، (يَعُمُّ) الترابُ ونحوه (المحَلَّ) المتنجِّسَ (مع الماء)؛ لحديث مسلمٍ (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا وَلَغ الكلبُ في إناءِ أَحَدِكُم، فليغسلْه سبعًا، أُولاهنَّ بالتراب". وقولُ المصنِّف: "مع الماء" إشارةٌ إلى أنَّه لابدَّ من مزجِ التُّراب بالماءِ؛ فيوصلَه (٢) الماءُ إلى المحلِّ المتنجِّس، فلا يكفي مائعٌ غيرُ (٣) الماء ولا ذَرُّه، وإتباعُه الماءَ. وجَعَلُ الترابِ في الأُولى أَوْلَى؛ لموافقةِ لفظ الخبر، وليأتيَ الماءُ بعدَه فينظِّفَه، فإنْ جعلَه في غيرها، جاز، لأنَّه رُوِيَ في حديثِ: "إحداهُنَّ بالتُّراب" (٤). النُّخَالَةِ (٥) الخالصةِ في التَّدَلُّكِ، وغَسْلِ الأيدي بها، وكذا ببِطيخٍ، ودقيقِ الباقلاءِ (٦)، وغيرِهما ممَّا له قُوَّةُ الجلاءِ لحاجةٍ. ("إذا ولغَ") يقال: وَلَغ يَلَغ، بفتح اللام فيهما، ولوغًا بضمِّ الواو: إذا شرب. وقال ابنُ العربي: ويستعملُ الولوغُ في الكلابِ والسباع، ولا يُستعمَل في الآدميِّ. أُبِّيّ (٧). مصنِّف. (ولا ذرُّه وإتباعُه الماءَ) أي: لا يكفي ذرُّ التراب على المحلِّ المتنجِّس، وإتباعُه الماء؛ لقوله ﵊: "أولاهنَّ بالتراب" إذ الباءَ فيه للمصاحبة. (في حديث: "إحداهنَّ بالتراب") وفي حديث: "أولاهنَّ"، وفي حديثٍ: "الثامنة" (٨). فدلَّ على أنَّ محلَّ الترابِ من الغَسَلَاتِ غيرُ متعيِّنٍ (٩). مصنِّف.

стр. 485

إلَّا فيما يَضُرُّه، فيكفي مسمَّاه. ويكفي في أرضٍ تنجَّستْ بمائعٍ غَسْلَةٌ تَذْهَبُ بالنجاسةِ، (إلَّا فيما) أي: محلّ (يَضُرُّه) الترابُ (فيكفي مسمَّاه) أي: أقلُّ شيءٍ يُسَمَّى ترابًا؛ دفعًا للضَّرر. (ويكفي في) تطهير (أرضٍ تنجَّست بمائعٍ) كبولٍ، أو نجاسةٍ ذاتِ جِرْمٍ أُزِيلَ عنها، ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ (غَسْلةٌ) واحدةٌ (تَذْهبُ بالنَّجَاسة) أي: بلونِها وريحها؛ ويحسبُ العددُ في إزالتها من أوَّلِ غسلةٍ، ولو قبلَ زوالِ عينها، فلو لم تَزُلْ إلَّا في الغسلةِ الأخيرةِ، أجزأ. دنوشري. (يضرُّه التراب) أي: بأنْ ينقصَ مالِيَّتَه باستيعابِه بالتراب، كالثيابِ الفاخرة (أي: أقلُّ شيءٍ يسمَّى ترابًا) أي: ما يقعُ عليه اسمُ التراب، وإنْ لم يستوعِب المحلَّ. ح ف. (ويكفي في أرضٍ تنجَّسَت بمائعٍ … إلخ) عبارةُ "المنتهى" ممزوجةً "بشرحه" (١): ويُجزِئُ في صخرٍ وأجرنةٍ وأحواضٍ ونحوها، كحيطان وأرضٍ تنجَّسَت بمائعٍ، ولو من كلبٍ أو خنزير، مكاثرتُها بالماء، ولو من مطرٍ وسيلٍ، بحيثُ يغمرُها؛ لأنَّ تطهيرَ النجاسةِ لا تُعتبَرُ فيه النيَّةُ، فاستوى ما صبَّه الآدميُّ وغيرُه، ولو من غير عددٍ حتى يذهبَ لونُ نجاسةٍ وريحُها؛ لأنَّ بقاءهما أو بقاءَ أحدِهما، يدلُّ على بقاءِ النجاسةِ ما لم يعجز عن إذهابهما [فلا يضرُّ، كما] في غيرِ الأرضِ، ويضرُّ بقاء الطَّعمِ (٢)، وتطهيرُ ما تنجَّسَ ببول الصبيِّ الذي لم يأكلِ الطعام لشهوةٍ بالنضحِ، وتطهيرُ الأرضِ المتنجِّسة بمكاثرةِ الماء عليها، ولو لم يَزُل الماءُ فيهما، أي: في الصورتين المذكورتين.

стр. 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لحديث أنسٍ قال: جَاء أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجد، فزجرَه النَّاس، والدليلُ على أنَّ الأرضَ تَطْهُرُ بذلكَ، ما رَوى أنسٌ قال: جاءَ أعرابيٌّ … إلخ، ولو لم يطهر بذلكَ، لكانَ تكثيرًا للنجاسةِ بانتشارها، ولأنَّ الأرضَ مصابُّ الفضلاتِ، ومطارحُ الأقذارِ، فلم يُعتَبر فيها عددٌ؛ دفعًا للمشقَّةِ والحرجِ. والمرادُ بالمكاثرةِ: صبُّ الماءِ على النجاسةِ حتى يغمرَها، بحيث يذهبُ بلونِها وريحِها. (أعرابيٌّ) واسمُه ذو الخويصرة التميمي، هكذا في غالب الشروح. وفي "القاموس" (١) ما نصُّه (٢): وذو الخويصرةِ اليمانيُّ (٣) صحابيٌّ، وهو البائلُ في المسجدِ، والتميميُّ: حرقوصُ (٤) بن زهيرٍ ضِئْضِئُ (٥) الخوارج (٦). وفي البخاري: فأتاهُ ذو الخويصرة (٧)، وقال مَرَّةً: فأتاه عبد الله بن ذي الخويصرة (٨). وكأنَّه وَهَم (٩). انتهى. ثمَّ إنَّ الأعرابيَّ ساكنُ الباديةِ، ضدُّ الحضريِّ، والعربيُّ ضدُّ العجميِّ، والأعرابيُّ منسوبٌ إلى الأعراب، وهم سكَّان البوادي؛ لأنَّ الأعرابَ جمعٌ جرى مجرى القبيلة. (في طائفة المسجد) أي: في قطعةِ من أرضِه، والمرادُ المسجدُ النبويُّ.

стр. 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فنهاهم النبيُّ ﷺ ، فلما قَضى بولَه، أَمَر بذَنُوبٍ من ماءٍ، فأُهرِيقَ عليه (١). وقوله: (فنهَاهُم النبي ﷺ ) عن زجره؛ للمصلحةِ الراجحةِ، وهي رفعُ أعظمِ المفسدتين (٢)، بتركِ أيسرِهما، وهي خشية أنْ يقومَ فينجِّس محلًّا آخر، أو لأنَّه إذا قامَ انقطعَ بولُه، فيتأذَّى بالحُقْنَةِ، أو لأنَّهم أغلظوا في التغيير (٣)، وحقُّهُمُ الرفقُ فيه. (بذَنوبٍ) الذَّنوب، بفتحِ الذال المعجمة: الدلو المُمْتلئُ ماءً. والأمرُ للوجوب، وهو على حذفِ مضافٍ، أي: مظروف ذَنوبٍ، و (مِنْ) تبعيضيَّةٌ، وهي مع مدخولها في محلِّ نصبٍ على الحال. وقوله: (فأُهريق) بزيادةِ همزةٍ مضمومَةٍ، وسكونِ الهاءِ، وضمِّها، وكذا في اليونينيَّة (٤)، ولأبي ذرٍ (٥): "فَهُريق" بضمِّ الهاء. وقوله: (عليه) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرضَ المتنجِّسَةَ لا يطهِّرُها إلَّا الماء، لا الجفافُ بالريح أو الشمسِ؛ لأنَّه لو كان يكفي ذلكَ، لما حصلَ التكليفُ بطلبِ الدلِو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوزُ التيمُّم بها. وقالت الحنفيَّةُ غير زفر (٦): إذا أصابتِ الأرضَ نجاسةٌ، فجفَّت بالشمس، وذهبَ أثرها، جازت الصلاةُ عليها (٧) …

стр. 488

ولا تَطهرُ بشمسٍ، وريحٍ، ولا دَلْكٍ، فإنْ بَقيا أو أحدُهما، لم تَطْهُر ما لم يَعْجز، فلا يَضُرُّ بقاؤُهما، بخلافِ طعم النَّجَاسة، فلا بدَّ من زواله. وفُهِم مما تقدَّم أنَّ الأرضَ لو اختلطتْ بنجاسةٍ ذاتِ أجزاءٍ متفرِّقةٍ، كالرِّمَم (١)، والدَّم إذا جفَّ، والرَّوث إذا اختلَط بأجزاءِ الأرض، فإنَّها لا تطهرُ بالغَسْل، بل بإزالةِ أجزاءِ المكان، بحيثُ يُتَيقَّنُ زوالُ أجزاءِ النَّجَاسة. (ولا تَطهرُ) أرضٌ تنجَّست ولا غيرُها من المتنجِّسات (بشَمسٍ)، ولا (ريحٍ، ولا دَلْكٍ)؛ لأنَّه ﷺ أمَر بغسلِ بولِ الأعرابيّ، ولو كانَ ذلك يُطهِّر، لاكْتَفى به. الماء؛ لأنَّ الواجب هو الإزالةُ، والماءُ مزيلٌ بطبعِه، فيُقاسُ عليه كلُّ ما كانَ مزيلًا؛ لوجود الجامع. قالوا: وإنَّما لا يجوزُ التيمُّمُ به؛ لأنَّ طهارةَ الصعيدِ ثبتتْ شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبتَ بالحديث. انتهى (٢). ق س. (فإنْ بقيا) أي: اللونُ والريحُ. (أو أحدهما) مع القدرةِ على إزالةِ ذلك. (ما لم يعجز) قَيْدٌ في اللون والريح، فلا يطهرُ المحلُّ مع بقائِهما. (فلا يضرُّ بقاؤُهما) أي: فيُحْكَمُ بطهارةِ المحلِّ على الصحيح من المذهب، ولو بقيَ اللون أو الريح عجزًا. محمد الخلوتي. (بخلافِ طعم) فإنَّه يضرُّ؛ لدلالتِه على بقاءِ العينِ، وسهولةِ إزالتِه، فلا يطهرُ المحلُّ مع بقائِه. (فإنَّها لا تطهرُ بالغَسْل) لأنَّ عينَها لا تنقلبُ. (أمرَ بغَسْلِ بولِ الأعرابيِّ) بأنْ يُصَبَّ عليه ذَنوبٌ من ماءٍ، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، ولأنَّه محلٌّ نَجسٌ، فلم يَطْهرُ بالجفافِ، كالثياب، والأواني.

стр. 489

ولا استحالةٍ، إلَّا خمرةً تَنقلِبُ خلًّا بنفسها. (ولا) تَطهرُ النَّجاسةُ أيضًا بـ (استحالةٍ) أي: انتقالٍ من صفةٍ إلى صفة، فالمتولِّد منها، كدودِ جرحٍ، وصراصرِ كُنُف (١)، وكلب وَقَع في مَلَّاحةٍ (٢) فصار مِلْحًا، نَجِسٌ؛ لأنَّه ﷺ نَهى عن أَكل الجلَّالة وألبانِها (٣)؛ لأَكلِها النجاسة، ولو طَهُرت بالاستحالة؛ لم يَنْهَ عن ذلك. (إلَّا) علقةً يُخلَق منها حيوانٌ طاهرٌ، فتطهرُ بذلك. وإلَّا (خَمرةً تَنْقَلِبُ خلًّا بنفسها) فتطهر؛ لأنَّ نجاستَها؛ لشِدَّتها المُسكِرة الحادثة لها، وقد زَالت من غير نجاسةٍ خَلَّفتها، كالماء المتغيِّر الكثير يَزولُ تغيُّره بنفسِه. وكذا لو انقلبتْ خَلًّا بنقلِها من دَنٍّ (٤) إلى دنٍّ أو من موضعٍ إلى غيره بلا قصدِ تخليل. وحَرُم تخليلُها ولو لِيَتيمٍ؛ لحديثٍ مسلم (٥) عن أنس قال: سئل النبي ﷺ عن الخمر تُتَّخذُ خَلًّا؟ قال: "لا". والنبيذُ كالخمرِ فيما تقدَّم. (كدود جرحٍ) وكالميتةِ تصيرُ بتطاولِ الأزمانِ ترابًا، فـ "المتولِّدُ" مبتدأ، خبرُه قوله: "نجسٌ". (يُخلَقُ منها حيوانٌ طاهر) فإنَّها تصيرُ طاهرةً بعد أنْ كانت متنجِّسة، فتطهرُ باستحالتِها حيوانًا طاهرًا، سواءٌ كانَ مأكولًا، أم لا. (فتطهرُ بذلك) أي: بالاستحالةِ. (تنقلبُ خلًّا بنفسِها) أي: من غيرِ نقلٍ، ولا وضعِ شيءٍ فيها. والخمرُ: هي ما أسكرَ من عصيرِ عنبٍ وغيرِه؛ لأنَّها حُرِّمَت وما بالمدينةِ عنبٌ، وما

стр. 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنْ خُلِّلَت ولو بنقلٍ لقصدِ تخليلٍ، لم تَطْهر. ودَنُّها مثلُها يطهرُ بطهارتها، ولو ممَّا لم يلاقِ الخَلَّ مما أصابَه الخمر في غليانه، كانَ شرابُهم إلَّا البُسْرُ (١) والتمرُ، سُمِّيَت بذلك؛ لتخميرِها العقلِ، أي: تغطيتِها إيَّاه، ومنه: خِمَارُ المرأةِ، وكلُّ شيءٍ غَطَّى شيئًا فقد خَمَرَه، أو لأنَّها تُرِكَتْ حتى أدْرَكَتْ واختمرَت (٢). وحكمُها أنَّها تطهُرُ بالاستحالةِ في المنصوصِ، لا نعلمُ فيه خلاقًا؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المُسكِرة (٣)، وهي حادثةٌ، وقد زالتْ من غيرِ نجاسةٍ خَلَفَتْهَا، فوجبَ أن تطهرَ، كالماءِ المتغيِّر بالنجاسةِ إذا زالَ تغيُّره بنفسه. ح ف مع زيادة. (وكذا لو انقلبَتْ خلًّا بنقلِها … إلخ) عطف على قوله: "بنفسها"، بأنْ نُقِلَت من الشمس إلى الظلِّ، أو عكسه، أو من إناء … إلخ، فيما تقدم من التفصيل في الخمرة، فإن انقلبت بنفسِها خلًا، فإنَّها تطهرُ، وكذا لو انقلبَ النبيذُ خلًّا بنقلِه بلا قصدِ تخليل … إلخ. (فإن خُلِّلَت … إلخ) هذا مفهومُ قوله: "بنفسها"، فهو محترزُ ذلك. (ولو بنقل لقصدِ (٤) تخليلٍ، لمْ تطهُر) لأنَّ الشرعَ أكَّدَ تحريمَها، وإيجابَ إراقتِها، فوجب سَدُّ بابِ المعالجةِ في تطهيرِها كفًّا للنفوسِ عن ممارستِها؛ خوفًا من الوقوعِ في المحذور، كما تَحْرُمُ الخلوةُ بأجنبيَّةٍ، خوفًا من الزنى، وهو يستوي فيه تخليلُها بالنقلِ، والطرحِ فيها، كما لو طَرَحَ فيها السُّكَّرَ حتى حلَّت، وذهبتِ الشدَّةُ، فلم تطهر. ح ف. (لقصدِ تخليلِـ) ـها، فلو انقلبتْ خلًّا بنقلٍ من دَنٍّ إلى آخرَ، ومن موضعٍ إلى آخرَ، من غيرِ قصدٍ لذلك، فتطهرُ. (ودَنُّها) أي: الخمرةِ، وهو وعاؤها (مثلها) يطهرُ بطهارتِها؛ لأنَّ مِنْ لازمِ الحكمِ

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كمحتفَرٍ من أرضٍ طَهُر ماؤُه بِمَكْثٍ أو بإِضافةٍ. ويَدخُلُ في ذلك ما بُنيَ في الأرض من الصَّهاريج والبَحرات، بخلاف إناءٍ طَهُر ماؤُه، لكنْ إذا انْفَصلَ، حُسِبت غَسْلَةَ واحدةً. وحَرُم -على غير خَلَّال- إمساكُ خمرٍ لتخلُّلٍ، بل تراقُ في الحال. فإنْ خَالفَ فصارَ خَلًّا بغير تخليلٍ، طَهُر. بطهارتِها الحكمُ بطهارتِه، حتى ما لم يلاقِ الخلَّ ممَّا فوقه، ممَّا (١) أصابَهُ الخمرُ في غليانِه. (كمحتفرٍ في أرضٍ) فيه ماءٌ كثيرٌ، تغيَّر بنجاسةٍ، ثمَّ زَالَ تغيُّرُه بنفسِه، فيطهرُ هو ومحلُّه؛ تبعًا له. مصنِّف (٢). (أو بإضافةٍ) أي: إضافةِ ماءٍ كثير، أو بنزحٍ بقيَ بعده كثير، ويدخلُ في ذلك ما بُنَي في الأرض من الصهاريجِ والبحرات؛ لأنَّ ذلكَ يَظهرُ بمكاثرتِه بالماءِ الطهور، وهي حاصلةٌ. مصنِّف (٣). (بخلافِ إناءٍ طهُرَ ماؤه) بزوالِ تغيُّرِه بنفسِه، أو بإضافةٍ، أو نزحٍ؛ لأنَّ الأوانيَ وإنْ كانت كبيرةً، لا تطهرُ إلا بسبعِ غَسَلات، فإن انفصلَ عنه الماءُ، حُسِبَتْ غَسْلَةً، ثمَّ يُكمل، ولا يَطهرُ الإناءُ بدون إراقتِه. مصنِّف (٤). (لكنْ إذا انفصلَ … إلخ) أي: إذا انفصلَ الماءُ المنقلِبُ بنفسِه عن الإناءِ. (وحَرُمَ على غير خلَّالٍ … إلخ) وأمَّا الخلَّالُ، فلا يُمْنَعُ من ذلك؛ لئلا يضيعَ ماله. (لتخلُّلٍ) أي؛ لتصيرَ خلًّا بنفسِها، بيدِ غيرِ الخلَّالِ، فإنَّه يُمنَعُ من ذلك. (فإنْ خالفَ) غيرُ الخلَّال وأمسكَها، فصارَ خلًّا ببدِه، بأنْ تخلَّل بنفسِه من غيرِ ضمّ شيءٍ إليه، ومِنْ غيرِ نقلٍ لقصدِ تخلُّل. (طهرَ) وحَلَّ، جوابُ: "إن"

стр. 492

ولا يطهرُ دهنٌ بغَسْلٍ، ولا حُبّ تشرَّبها، والخلُّ المباح: أنْ يُصبَّ على العِنَبِ أو العصير خلٌّ قبلَ غليانه، وقبل أنْ تمضي عليه ثلاثةُ أيامٍ بلياليهنَّ حتى لا يَغلي. قيل للإمام أحمد ﵀: فإنْ صُبَّ عليه خلٌّ فَغَلى؟ قال: يُهرَاق. (ولا يطهرُ دهنٌ) تنجَّس (بِغَسْلٍ) لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائه، وإلَّا لم يَأمر النبي ﷺ بإراقةِ السَّمن الذي وقعتْ فيه الفأرةُ (١). (ولا) يطهر باطنُ (حُبٍّ (٢) تَشرَّبَها) أي: النجاسةَ (لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ … إلخ) ولأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن السمنِ الذي وقعتْ فيه الفأرةُ، فقال: "إن كانَ مائعًا، فلا تقربوه". رواه أبو داود (٣). (وإلَّا لم يأمر النبيُّ ﷺ … إلخ) أي: وإلَّا لو تحقَّقَ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائِه، أو كانَ يُمكنُ تطهيرُه، لم يأمُرُهُم النبي ﷺ بإراقةِ السمن … إلخ. قال في "المبدع": وقال أبو الخطاب: يطهرُ بالغسل منها ما يتأتَّى غَسْله كزيتٍ ونحوه. وكيفيَّةُ تطهيره، أنْ يُجْعَلَ في ماءٍ كثيرٍ، ويحرَّك حتى يصيبَ جميعَ أجزائِه، ثم يترك حتى يعلو على الماءِ، فيؤخذ. وإنْ تركَه في جرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً، وحَرَّكَهُ فيه، وجعل لها بُزَالًا (٤)، يخرجُ منه الماءُ، جاز. (ولا يَطْهرُ باطنُ حُبٍّ … إلخ) ولا يطهرُ عجينٌ تنجَّسَ؛ لأنَّه لا يمكنُ غَسْله، ولا يطهرُ لحمٌ تنجَّسَ وتشرَّبَ النجاسةَ بغسلٍ؛ لأنَّه لا يَستَأْصِل أجزاءَ النجاسةِ مما ذُكِر.

стр. 493

أو سكِّينٌ سُقِيتْها. ويجزئُ في بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه بالماءِ. (أو) أي: ولا تطهر (سكِّينٌ سُقِيتْها) أي: النَّجاسةَ، كما لو سُقيت ماءً نجسًا، أو بولًا، أو نحوه من النجاسات؛ لأنَّ الغَسلَ لا يَستأْصِلُ أجزاءَ النَّجاسة. (ويُجزِئُ في) تطهيرِ (بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه) أي: البولِ، أي: سَتْرُه (بالماء) وإنْ لم ينفصل الماءُ عن محلِّه. والمرادُ أنَّه يَطْهُر بغسلةٍ واحدةٍ، ولا يحتاجُ إلى مَرْسٍ (١) ولا عصر؛ لحديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن أنّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ "تنبيه": يجوز الاستصباحُ بدهنٍ متنجِّسٍ في غير مسجدٍ؛ لجوازِ الانتفاعِ بالنجاسة على وجهٍ لا تتعدى (٢)، وأمَّا في المسجد فلا، لئلَّا يُفضي إلى تنجيسه. ولا يحلُّ أكلُه ولا بيعُه، ويأتي في البيع؛ لأنَّ اللهَ إذا حرَّم شيئًا حرَّمَ ثمنَه. نصَّ على ذلك في "الإقناع" و"شرحه" للمصنِّف (٣). (ويجزئُ في تطهيرِ بولِ غلامٍ … إلخ) قال في "الإقناع" (٤): وبولُ الغلامِ الذي لم يَأْكُلِ الطعامَ لشهوة، نجسٌ. قال المصنِّفُ (٥): صرَّح به الجمهور، كبولِ الكبير -وهو مفهومُ قول الشارح: "تطهير بولِ غلام … إلخ"- لكنْ يجزئُ نضحُه، وهو غمرُه بالماءِ، وإنْ لم ينفصلِ الماءُ عن المحلِّ، ويطهر بالنضح. (ولا يحتاج الى مَرْسٍ ولا عصرٍ) تفسيرٌ لقولِه: "وإنْ لم ينفصل الماءُ عن محلِّه". (بنت مِحْصَن) بكسرِ الميم، وسكون الحاءِ المهملة، مع فتحِ الصاد، كما ضبطَه المصنِّف بخطِّه.

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لم يأكلِ الطَّعامَ إلى النبيِّ ﷺ ، فأجلَسَه (١) في حِجْره، فَبَالَ على ثوبِه، فدعا بماءٍ فَنَضَحه ولم يَغْسِله. متفقٌ عليه (٢). وقولها: لم يأكل الطعام، أي: بشهوةٍ واختيارٍ وطلبٍ؛ لا عَدَم أكْلِه بالكلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُسقى الأدويةَ، والسُّكَّرَ، ويحنَّكُ حين الولادة. وقيْؤُه كبولِهِ، بل هو أخفُّ. وعُلم منْه أنَّه لو أكل الطعامَ لشهوةٍ غُسِل سبعًا، وأنَّه يُغْسَل من الغائط مطلقًا، وأنَّه يغسل بولُ أُنثَى وخُنْثَى؛ لقوله ﵊: "إنَّما يُغْسَل من بولِ الأُنثى، وينضحُ من بولِ الذَّكَر" رواه أبو داود (٣). والحكمةُ فيه: أنَّ بولَ الغلام يخرجُ بقوَّةٍ فينشر، وأنّه يَكثرُ حملُه على الأيدي، فتعظُمُ المشقَّةُ بغَسْلِه، أو أنَّ مِزَاجَه حارٌّ، فبولُه رقيقٌ، بخلاف الجارية. (ويُحنَّكُ حينَ الولادة) التحنيكُ: مضغُ التمرِ ثم دلكُه في فمِ الصبيِّ. (وعُلِمَ منه أنَّه لو أكلَ الطعامَ لشهوةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في مُختَرَزاتِ المسألة. (سبعًا … مطلقًا) أي: سواءٌ كان يأكلُ الطعامَ لشهوةٍ، أو لا. (وأنَّه يُغسَل بولُ أنثى وخنثى … إلخ) عطفٌ على قوله: "أنه لو أكلَ الطعامَ … إلخ". (والحكمة … إلخ) جوابٌ عما يُقال: لماذا حكمتمْ على بولِ الغلامِ الذي لم يأكلْ طعامًا لشهوةٍ بغمرِه بالماء، دونَ الجاريةِ، مع أنَّ الخِلْقَةَ واحدةٌ؟ وهذا الجوابُ من باب: الريحانُ يشمُّ ولا يُذاق.

стр. 495

وإنْ خفي موضعُ نجاسةٍ، غُسِل حتى يتيقَّنَ زوالَها. وقال الشَّافعيُّ ﵀: لم يتبيَّن لي فرقٌ من السُّنَّة بينَهما (١). وذكر بعضهم أنَّ الغلامَ أصلُه من الماء والتراب، والجاريةَ من اللَّحم والدَّم، وقد أفادَه ابنُ ماجه في "سُننه" (٢). وهو غريب. (وإنْ خفي موضعُ نجاسةٍ) في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو مصلًّى صغيرٍ (غُسِل) وجوبًا ما احتُمِل أنَّ النجاسةَ أصابتْهُ (حتى يتيقَّنَ زوالَها) أَي: النجاسةِ؛ فلا يكفي الظَّنُّ ليخرجَ (وإن خفيَ موضعُ نجاسةٍ في بدنٍ أو ثوبٍ) أو بقعةٍ يمكنُ غَسْلُها، وأرادَ الصلاةَ في ذلك، غُسِلَ كلُّ محلٍّ احتُمِلَ أنَّ النجاسةَ أصابتْهُ، من البدن أو الثوب. (حتى يتيقَّنَ زوالَها) "حتى" غائيَّةٌ، أي: فيستمرُّ الغَسْل حتَّى يتيقَّن زوالَها؛ لأنَّ النجاسةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فلا تَزولُ إلا بيقينِ الطهارةِ؛ لأنَّه اشتبهَ الطاهرُ بالنجسِ، فوجبَ عليه اجتنابُ الجميعِ حتى يتيقَّن الطهارةَ بالغَسْلِ، كما لو خفي المذكَّى بالميت، فإنْ كانت في إحدى الكمَّين ونسيه، غَسَلَهُما، وإنْ رآها في بدنه، أو ثوبِه الذي عليه، ونسيَ موضِعَها، غسلَ كلَّ ما يدركُهُ بصرُهُ منهما. وإنْ لم يعلم جهتَهَا من البدنِ أو الثوبِ، بأنْ لم يدرِ أهيَ فيما يدركُه بصرُه منهما، أو لا، غسلَهُمَا جميعًا. فلو صلَّى مع وجودِ النجاسةِ الخفيَّةِ في بدنِه، أو الثوبِ الذي خَفِيَت فيهِ، بدونِ الغَسْل المذكورِ، لم تصحَّ صلاتُه، ولأنَّه تيقَّن المانع من الصَّلاةِ، فلم يبح له إلَّا بيقينِ زوالِه، كمن تيقَّنَ الحدثَ، وشكَّ في الطهارةِ. دنوشري. (فلا يكفي الظنُّ) قال ابنُ قندس (٣): يُؤْخَذُ من ذلك أنَّ غَسْلَ النجاسةِ يعتبرُ له اليقينُ، ولا يكفي غلبةُ الظَنِّ في إزالتِها، بل لابدَّ من العلمِ أنَّه أزالَها الغَسلُ. ويُقَوِّي ذلكَ عبارةُ "المقنع" (٤) وغيره،
следующие страницы →