← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كمحتفَرٍ من أرضٍ طَهُر ماؤُه بِمَكْثٍ أو بإِضافةٍ. ويَدخُلُ في ذلك ما بُنيَ في الأرض من الصَّهاريج والبَحرات، بخلاف إناءٍ طَهُر ماؤُه، لكنْ إذا انْفَصلَ، حُسِبت غَسْلَةَ واحدةً. وحَرُم -على غير خَلَّال- إمساكُ خمرٍ لتخلُّلٍ، بل تراقُ في الحال. فإنْ خَالفَ فصارَ خَلًّا بغير تخليلٍ، طَهُر. بطهارتِها الحكمُ بطهارتِه، حتى ما لم يلاقِ الخلَّ ممَّا فوقه، ممَّا (١) أصابَهُ الخمرُ في غليانِه. (كمحتفرٍ في أرضٍ) فيه ماءٌ كثيرٌ، تغيَّر بنجاسةٍ، ثمَّ زَالَ تغيُّرُه بنفسِه، فيطهرُ هو ومحلُّه؛ تبعًا له. مصنِّف (٢). (أو بإضافةٍ) أي: إضافةِ ماءٍ كثير، أو بنزحٍ بقيَ بعده كثير، ويدخلُ في ذلك ما بُنَي في الأرض من الصهاريجِ والبحرات؛ لأنَّ ذلكَ يَظهرُ بمكاثرتِه بالماءِ الطهور، وهي حاصلةٌ. مصنِّف (٣). (بخلافِ إناءٍ طهُرَ ماؤه) بزوالِ تغيُّرِه بنفسِه، أو بإضافةٍ، أو نزحٍ؛ لأنَّ الأوانيَ وإنْ كانت كبيرةً، لا تطهرُ إلا بسبعِ غَسَلات، فإن انفصلَ عنه الماءُ، حُسِبَتْ غَسْلَةً، ثمَّ يُكمل، ولا يَطهرُ الإناءُ بدون إراقتِه. مصنِّف (٤). (لكنْ إذا انفصلَ … إلخ) أي: إذا انفصلَ الماءُ المنقلِبُ بنفسِه عن الإناءِ. (وحَرُمَ على غير خلَّالٍ … إلخ) وأمَّا الخلَّالُ، فلا يُمْنَعُ من ذلك؛ لئلا يضيعَ ماله. (لتخلُّلٍ) أي؛ لتصيرَ خلًّا بنفسِها، بيدِ غيرِ الخلَّالِ، فإنَّه يُمنَعُ من ذلك. (فإنْ خالفَ) غيرُ الخلَّال وأمسكَها، فصارَ خلًّا ببدِه، بأنْ تخلَّل بنفسِه من غيرِ ضمّ شيءٍ إليه، ومِنْ غيرِ نقلٍ لقصدِ تخلُّل. (طهرَ) وحَلَّ، جوابُ: "إن"

стр. 492

ولا يطهرُ دهنٌ بغَسْلٍ، ولا حُبّ تشرَّبها، والخلُّ المباح: أنْ يُصبَّ على العِنَبِ أو العصير خلٌّ قبلَ غليانه، وقبل أنْ تمضي عليه ثلاثةُ أيامٍ بلياليهنَّ حتى لا يَغلي. قيل للإمام أحمد ﵀: فإنْ صُبَّ عليه خلٌّ فَغَلى؟ قال: يُهرَاق. (ولا يطهرُ دهنٌ) تنجَّس (بِغَسْلٍ) لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائه، وإلَّا لم يَأمر النبي ﷺ بإراقةِ السَّمن الذي وقعتْ فيه الفأرةُ (١). (ولا) يطهر باطنُ (حُبٍّ (٢) تَشرَّبَها) أي: النجاسةَ (لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ … إلخ) ولأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن السمنِ الذي وقعتْ فيه الفأرةُ، فقال: "إن كانَ مائعًا، فلا تقربوه". رواه أبو داود (٣). (وإلَّا لم يأمر النبيُّ ﷺ … إلخ) أي: وإلَّا لو تحقَّقَ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائِه، أو كانَ يُمكنُ تطهيرُه، لم يأمُرُهُم النبي ﷺ بإراقةِ السمن … إلخ. قال في "المبدع": وقال أبو الخطاب: يطهرُ بالغسل منها ما يتأتَّى غَسْله كزيتٍ ونحوه. وكيفيَّةُ تطهيره، أنْ يُجْعَلَ في ماءٍ كثيرٍ، ويحرَّك حتى يصيبَ جميعَ أجزائِه، ثم يترك حتى يعلو على الماءِ، فيؤخذ. وإنْ تركَه في جرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً، وحَرَّكَهُ فيه، وجعل لها بُزَالًا (٤)، يخرجُ منه الماءُ، جاز. (ولا يَطْهرُ باطنُ حُبٍّ … إلخ) ولا يطهرُ عجينٌ تنجَّسَ؛ لأنَّه لا يمكنُ غَسْله، ولا يطهرُ لحمٌ تنجَّسَ وتشرَّبَ النجاسةَ بغسلٍ؛ لأنَّه لا يَستَأْصِل أجزاءَ النجاسةِ مما ذُكِر.

стр. 493

أو سكِّينٌ سُقِيتْها. ويجزئُ في بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه بالماءِ. (أو) أي: ولا تطهر (سكِّينٌ سُقِيتْها) أي: النَّجاسةَ، كما لو سُقيت ماءً نجسًا، أو بولًا، أو نحوه من النجاسات؛ لأنَّ الغَسلَ لا يَستأْصِلُ أجزاءَ النَّجاسة. (ويُجزِئُ في) تطهيرِ (بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه) أي: البولِ، أي: سَتْرُه (بالماء) وإنْ لم ينفصل الماءُ عن محلِّه. والمرادُ أنَّه يَطْهُر بغسلةٍ واحدةٍ، ولا يحتاجُ إلى مَرْسٍ (١) ولا عصر؛ لحديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن أنّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ "تنبيه": يجوز الاستصباحُ بدهنٍ متنجِّسٍ في غير مسجدٍ؛ لجوازِ الانتفاعِ بالنجاسة على وجهٍ لا تتعدى (٢)، وأمَّا في المسجد فلا، لئلَّا يُفضي إلى تنجيسه. ولا يحلُّ أكلُه ولا بيعُه، ويأتي في البيع؛ لأنَّ اللهَ إذا حرَّم شيئًا حرَّمَ ثمنَه. نصَّ على ذلك في "الإقناع" و"شرحه" للمصنِّف (٣). (ويجزئُ في تطهيرِ بولِ غلامٍ … إلخ) قال في "الإقناع" (٤): وبولُ الغلامِ الذي لم يَأْكُلِ الطعامَ لشهوة، نجسٌ. قال المصنِّفُ (٥): صرَّح به الجمهور، كبولِ الكبير -وهو مفهومُ قول الشارح: "تطهير بولِ غلام … إلخ"- لكنْ يجزئُ نضحُه، وهو غمرُه بالماءِ، وإنْ لم ينفصلِ الماءُ عن المحلِّ، ويطهر بالنضح. (ولا يحتاج الى مَرْسٍ ولا عصرٍ) تفسيرٌ لقولِه: "وإنْ لم ينفصل الماءُ عن محلِّه". (بنت مِحْصَن) بكسرِ الميم، وسكون الحاءِ المهملة، مع فتحِ الصاد، كما ضبطَه المصنِّف بخطِّه.

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لم يأكلِ الطَّعامَ إلى النبيِّ ﷺ ، فأجلَسَه (١) في حِجْره، فَبَالَ على ثوبِه، فدعا بماءٍ فَنَضَحه ولم يَغْسِله. متفقٌ عليه (٢). وقولها: لم يأكل الطعام، أي: بشهوةٍ واختيارٍ وطلبٍ؛ لا عَدَم أكْلِه بالكلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُسقى الأدويةَ، والسُّكَّرَ، ويحنَّكُ حين الولادة. وقيْؤُه كبولِهِ، بل هو أخفُّ. وعُلم منْه أنَّه لو أكل الطعامَ لشهوةٍ غُسِل سبعًا، وأنَّه يُغْسَل من الغائط مطلقًا، وأنَّه يغسل بولُ أُنثَى وخُنْثَى؛ لقوله ﵊: "إنَّما يُغْسَل من بولِ الأُنثى، وينضحُ من بولِ الذَّكَر" رواه أبو داود (٣). والحكمةُ فيه: أنَّ بولَ الغلام يخرجُ بقوَّةٍ فينشر، وأنّه يَكثرُ حملُه على الأيدي، فتعظُمُ المشقَّةُ بغَسْلِه، أو أنَّ مِزَاجَه حارٌّ، فبولُه رقيقٌ، بخلاف الجارية. (ويُحنَّكُ حينَ الولادة) التحنيكُ: مضغُ التمرِ ثم دلكُه في فمِ الصبيِّ. (وعُلِمَ منه أنَّه لو أكلَ الطعامَ لشهوةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في مُختَرَزاتِ المسألة. (سبعًا … مطلقًا) أي: سواءٌ كان يأكلُ الطعامَ لشهوةٍ، أو لا. (وأنَّه يُغسَل بولُ أنثى وخنثى … إلخ) عطفٌ على قوله: "أنه لو أكلَ الطعامَ … إلخ". (والحكمة … إلخ) جوابٌ عما يُقال: لماذا حكمتمْ على بولِ الغلامِ الذي لم يأكلْ طعامًا لشهوةٍ بغمرِه بالماء، دونَ الجاريةِ، مع أنَّ الخِلْقَةَ واحدةٌ؟ وهذا الجوابُ من باب: الريحانُ يشمُّ ولا يُذاق.

стр. 495

وإنْ خفي موضعُ نجاسةٍ، غُسِل حتى يتيقَّنَ زوالَها. وقال الشَّافعيُّ ﵀: لم يتبيَّن لي فرقٌ من السُّنَّة بينَهما (١). وذكر بعضهم أنَّ الغلامَ أصلُه من الماء والتراب، والجاريةَ من اللَّحم والدَّم، وقد أفادَه ابنُ ماجه في "سُننه" (٢). وهو غريب. (وإنْ خفي موضعُ نجاسةٍ) في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو مصلًّى صغيرٍ (غُسِل) وجوبًا ما احتُمِل أنَّ النجاسةَ أصابتْهُ (حتى يتيقَّنَ زوالَها) أَي: النجاسةِ؛ فلا يكفي الظَّنُّ ليخرجَ (وإن خفيَ موضعُ نجاسةٍ في بدنٍ أو ثوبٍ) أو بقعةٍ يمكنُ غَسْلُها، وأرادَ الصلاةَ في ذلك، غُسِلَ كلُّ محلٍّ احتُمِلَ أنَّ النجاسةَ أصابتْهُ، من البدن أو الثوب. (حتى يتيقَّنَ زوالَها) "حتى" غائيَّةٌ، أي: فيستمرُّ الغَسْل حتَّى يتيقَّن زوالَها؛ لأنَّ النجاسةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فلا تَزولُ إلا بيقينِ الطهارةِ؛ لأنَّه اشتبهَ الطاهرُ بالنجسِ، فوجبَ عليه اجتنابُ الجميعِ حتى يتيقَّن الطهارةَ بالغَسْلِ، كما لو خفي المذكَّى بالميت، فإنْ كانت في إحدى الكمَّين ونسيه، غَسَلَهُما، وإنْ رآها في بدنه، أو ثوبِه الذي عليه، ونسيَ موضِعَها، غسلَ كلَّ ما يدركُهُ بصرُهُ منهما. وإنْ لم يعلم جهتَهَا من البدنِ أو الثوبِ، بأنْ لم يدرِ أهيَ فيما يدركُه بصرُه منهما، أو لا، غسلَهُمَا جميعًا. فلو صلَّى مع وجودِ النجاسةِ الخفيَّةِ في بدنِه، أو الثوبِ الذي خَفِيَت فيهِ، بدونِ الغَسْل المذكورِ، لم تصحَّ صلاتُه، ولأنَّه تيقَّن المانع من الصَّلاةِ، فلم يبح له إلَّا بيقينِ زوالِه، كمن تيقَّنَ الحدثَ، وشكَّ في الطهارةِ. دنوشري. (فلا يكفي الظنُّ) قال ابنُ قندس (٣): يُؤْخَذُ من ذلك أنَّ غَسْلَ النجاسةِ يعتبرُ له اليقينُ، ولا يكفي غلبةُ الظَنِّ في إزالتِها، بل لابدَّ من العلمِ أنَّه أزالَها الغَسلُ. ويُقَوِّي ذلكَ عبارةُ "المقنع" (٤) وغيره،

стр. 496

ويُعفى عن يسيرِ دمٍ، من العُهْدة بيقينٍ. فإنْ جَهِل جهتَها من نحوِ ثوبٍ، غَسَلَه كلَّه، وإنْ عَلِمها في إحدى يَدَيْه أو كُمَّيه ونسيَه، غسلَهُما. ويصلِّي في صحراءَ ونحوِها، كحَوشٍ (١) واسعٍ خفيَت فيه النجاسة، بلا تحرٍّ، وتقدَّم. (ويُعْفى) في غير مائعٍ ومطعومٍ، بل في صلاةٍ وطوافٍ (عن يسيرِ دمٍ بقوله: غَسْلُ ما يَتيَقَّنُ به إزالَتَها. فأَتى بلفظِ الإزالةِ، وتبعَه فيهِ المصنِّفُ، وهو دالٌّ على ذلكَ أقوى من لفظِ الغَسْل. ويمكنُ أنْ يُقَال: مرادُهم هنا، أنَّه يُعتَبَرُ اليقينُ في إِتيانِ الغَسْلِ على موضعِ النجاسةِ التي قد خَفيت؛ لأنَّه لو غَسَلَ مكانًا من المشكوكِ فيه دونَ غيرِه، لم يتحقَّق أنَّ الغَسْلَ أتى على موضعِ النجاسة، فيَحتملُ أنْ يحصلَ غسلُهما بالكليَّةِ، وأمَّا إِنْ تَحقَّقَ أنَّ الغَسْلَ أتى على موضعِ النجاسةِ، فيَحتملُ أن يُقَال: يكفي غلبةُ الظنِّ في الإزالةِ، كما قيل في رفعِ الحدث، والإنقاءِ في الاستنجاء، على الخلافِ المذكور فيهما، فإن عَرفَ موضعَ النجاسةِ، وشكَّ هل أصابتْ غيرَه، لم يجب أنْ يَغسِلَ إلَّا ما تَيقَّن، جزم به في "شرح العمدة". حفيد. (كحَوشٍ واسعٍ) مثال للنحو، فإنَّه لا يجبُ غسلُ جميعه؛ لما في ذلك من المشقَّةِ والحرج. (بلا تحرٍّ) دفعًا للحرج والمشقَّةِ، فإنْ كان صغيرًا، كالبيتِ والحوشِ الصغير، وخفيتْ فيه النجاسةُ، وأراد الصلاةَ فيه، لزمهُ غسلُهُ كلِّه، كالثوب. مصنِّف (٢). (ويُعفى في غيرِ مائعٍ … إلخ) أي: يُعفَى عنه في الصلاة إذا كان في الثوبِ والبدن ونحوهما؛ لما رُويَ عن عائشةَ قالت: قد يكون لإحدانا الدرع، فيه تحيض، وفيه تُصيبها الجنابةُ، ثمَّ ترى فيه قطرةً

стр. 497

وقيحٍ، وصديدٍ بثوبٍ، أو بدنٍ من حيوانٍ طاهرٍ. وقيحٍ) وهو الأبيضُ الخاثرُ، الذي لا يخالطُه دمٌ (١). (وصديدٍ) وهو الدَّمُ المختلطُ بالقيح (٢). فيُعفى عن يسيرِ (٣) ذلك (بـ) ـنحو (ثوبٍ (٤) أو بدنٍ) إذا كانَ (من حيوانٍ طَاهرٍ) من دمٍ فتَقْصعه بِريقِها. وفي رواية: بلَّتهُ بريقِها، ثمَّ قصعتهُ بظفرها. رواه أبو داود (٥). وهذا يدلُّ على العفوِ عنه؛ لأن الريقَ لا يُظهِّرُه، ويَنْجُسُ به ظُفرُها [وهو إخبارٌ عن دوام فعلٍ] (٦)، ومثلُ هذا لا يخفى على النبيِّ ﷺ ، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه إجماعُ الصحابةِ على الصلاة معه، وكذلك التابعين، ومن عاصرَهم، ولأنَّ الإنسانَ غالبًا لا يمكنهُ صونُ بدنِه وثيابِه عن نجاسةِ القروحِ والجروحِ والدماميلِ، رخِّصَ في تركِ غسلِها؛ دفعًا للحرجِ والمشقَّةِ، إلَّا إذا فحشت (٧)، وفُحشُها لا يَشقُّ التحرُّز منه، فلم يُعْفَ عنه، وإنَّما لم يعفَ عنه في المائع؛ لأنَّه يُنَجِّسُه، ولا في المطعومِ؛ لتعدِّي نجاستِه إلى أكله. واحْتُرِزَ بالدم ونحوه، عن البولِ والغائطِ ونحوهما، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ شيءٍ من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقولِه ﵊: "تنزَّهُوا من البول، فإنَّ عامَّة عذابِ القبر منه" (٨)، ولأنها نجاسةُ لا يشقُّ إزالتُها، فوجبَت، كالكثير. انتهى. حفيد. (وقيح وصديدٍ) معطوفٌ على قوله: "دم"، لأنَّهما كالدم، وأَولى، وكذا ماءُ القروحِ؛

стр. 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الحياةِ من مصلٍّ وغيرِه، ولو دَمَ حيضٍ ونفاسٍ؛ لا من حيوانٍ نَجِسٍ كحمارٍ، أو من سبيلٍ؛ لأنَّه كالبول. وقدرُ اليسير من ذلك: ما لا يَنْقُض الوضوءَ، أي: ما لا يَفْحُشُ في النَّفْس لكن يُعفَى عنها عن أكثر ممَّا يُعفَى عن مثلِه من الدم؛ للاختلافِ فيها، ولهذا قال الإمام أحمد: هو أسهلُ من الدم. حفيد. (من مُصَلٍّ وغيره) معلِّقٌ بقوله: "بثوب … إلخ"، بأنْ كانَ دمَ آدميٍّ غيرِ المصلِّي، أو دمَ حيوانٍ طاهرٍ، مأكولٍ، أو لا، كالهرِّ، وقيل: يختصُّ العفو بدمِ بدنِ نفسِ المصلِّي، وقيحِه، وصديدِه. حفيد. (لا من حيوانٍ نجسٍ) أي: لا إنْ كان الدمُ والقيحُ والصديدُ من حيوانٍ نجسٍ، كالكلبِ، والخنزير، والبغلِ، والحمار، وسباعِ البهائم، وجوارحِ الطير، ممَّا فوقَ الهرِّ خِلْقَةً، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ شيءٍ من فضلاتِه، كعَرَقِه، وريقِه، فدمُه أَولى. قال في "المبدع": وأمَّا ريقُ البغلِ والحمارِ، وعرقُهما، فيعفَى عن يسيرِه، إذا قيلَ بالنجاسة. وهو الصحيح؛ لأنَّه يشقُّ التحرُّزُ منه. قال في "الشرح" (١): وهو الظاهر عن أحمد. قال الخلَّال: وعليه مذهبه. قال الامامُ أحمد: مَنْ يسلَمُ مِن هذا ممَّن يركَبُ الحُمُر؟ إلَّا أنِّي أرجو أن يكون ما جَفَّ (٢) منه أسهل. قلت: لأنَّ الدمَ أبلغُ في النجاسةِ من الريقِ. انتهى. دنوشري. (أو من سبيلٍ) أي: أو كان الدمُ ونحوه خارجًا من قُبُلٍ أو دُبُرٍ؛ لأن حكمَ الخارجِ من السبيلِ حكمُ البولِ والغائطِ، فلا يُعفَى عن يسيرِه.

стр. 499

وعن أثرِ استجمارٍ بمحلِّه. ولا يَنْجُسُ آدميٌّ، ويُضمُّ متفرِّقٌ بثوبٍ لا أكثر. (و) يُعفَى أيضًا (عن أثرِ استْجمارٍ بمحلِّه) بعد الإِنقاء واستيفاءِ العَدَدِ، بلا خلاف. وعُلِم منه أنَّه لو تَعَدَّى محلَّه، إلى الثوب أو البدن، لم يُعْفَ عنه. (ولَا يَنْجُسُ آدميٌّ) ولو كافرًا بموتٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولحديث: "إنَّ المؤمنَ لا يَنْجُس" (١). ولأنَّه لو نَجس، لم يَظْهُر بالغَسْل، وأجزاؤُه وأبعاضُه كَجُمْلَته. (ويُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ بثوبٍ) واحدٍ، بأنْ كان فيهِ بُقَعٌ من دمٍ، أو قيحٍ، أو صديدٍ، فإنْ صار بالضمِّ كثيرًا، لم تصحَّ الصلاةُ فيه، وإلا عفي عنه. مصنِّف (٢). (لا أكثر) أي: ولا يضمُّ متفرِّقٌ في أكثر من ثوبٍ، بل يعتبرُ كلُّ ثوبٍ على حِدَتِه. (ويُعْفَى … عن أثرِ استجمارِ) ما دامَ (بمحلِّه بعدَ الإنقاءِ، واستيفاءِ العدد) المعتبرِ فيه، بغير خلافِ نَعْلَمُه، واقتضَى ذلكَ نجاستَه؛ لأنَّ العفوَ يُشعِر بالنجاسة، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ؛ لأنَّ الباقيَ من عينِ النجاسةِ نجسٌ، فعلى هذا عَرَقُهُ نجسٌ، فينجس الماء اليسير بقعوده فيه، واختار ابنُ حامدٍ طهارتَه، وفُهِمَ منه أنَّه إذا تعدَّى محلَّه بعَرَقٍ، أو نحوِه، فإنَّه لا يُعفَى عنه. دنوشري. (ولا ينجس آدميُّ، ولو كافرًا بموتٍ لـ) عموم (قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ومِنْ جُملةِ تكرمتِه الحكمُ بطهارتِه حيًّا وميتًا. وأما قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمرادُ نجاسةُ الاعتقادِ، وأنَّا نجتنِبُهم كالنجاسة، لا نجاسة الأبدان. ح ف. (ولأنَّه لو نَجُسَ) بالموت (لم يطهرْ بالغَسْل) كسائر الحيوانات التي تنجسُ بالموتِ،

стр. 500

ولا ما لا نَفْسَ له سائلة بموتٍ. وبولُ ما يُؤكلُ لحمُه، وروثُه، (ولا) يَنْجُس (ما لا نَفْسَ) أي: دَمَ (له سائلة) بالنَّصب، والرفع؛ إتباعًا لمحلٍّ اسمِ "لا"، أو لـ "لا" مع اسْمِها (بموتٍ) لخبر أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَاب أحدِكُم، فليَغمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإنَّ في أحدٍ جناحيه شفاءً، وفي الآخرِ داءً" رواه البخاريّ (١). والظاهرُ موتُه بالغَمْس، لاسيَّما إذا كانَ الطعامُ حارًّا، والذي لا نَفْس له سائلة، كالخُنفَساءِ، والعَنْكبوت، والذُّباب، والنَّحلِ، والزُّنْبُور، والنَّمل، والدودِ من طاهر، وكذا ميتةُ جرادٍ وسمكٍ وسائرٍ مالا يعيشُ إلَّا في الماء. (وبولُ ما) أي: حيوانٍ (يُؤكلُ لَحمه) أي: يحل أكلُه، طاهرٌ (وروثُه) أي: روثُ ما يُؤكَلُ لحمُه طاهرٌ؛ لأنَّه ﷺ أمَر العُرَنِيِّينَ (٢) أن يَلحقوا بإبلِ الصدقة فَيشْربوا مِنْ أبوالِها وأَلبْانِها (٣). والنَّجَسُ لا يُبَاحُ شُرْبه، ولو أبيح لِلضَّرورةِ، لأمرهُم بِغَسْلِ أَثرِه إذا وأجزاؤُه وأبعاضُه، كجملتِه. قال في "الإقناع" و"شرحه": ولا ينجسُ الآدميُّ ولا طرفُه، ولا أجزاؤُه، كلحمِه، وعظمِه وعصبِه، ولا مشيمتِه -بوزنِ فعيلة- كيس الولد، ولو كافرًا بموته (٤). (ولا ينجُسُ ما لا نفسَ -أي: دمَ- له سائلة) أي: الذي لا دمَ له سائلةً طاهرٌ، إلَّا أنْ يكونَ متولِّدًا من نجاسةٍ، كدود الحشِّ، وصراصِرِه، فنجِسٌ حيًّا وميتًا. قال في "المبدع": المرادُ بالنفسِ السائلة، الدمُ السائلُ؛ لأنَّ العربَ تسمِّي الدمَ نفسًا، ومنه قيل للمرأة: نفساء؛ لسيلانِ دمِها عند الولادةِ، وسمِّي الدمُ نفسا؛ لنفاستِه في البدن. ويجوز في "سائلة" الرفعُ، والتنوينُ، والنصب، ولا يجرز بناؤه على الفتح من غير تنوين؛ لعدمِ إمكان تركيبِه مع موصوفه؛ لأنَّه مفصول بالجاز والمجرور. حفيد.

стр. 501

ومنيُّه، ومنيٌّ آدميٍّ، أرادوا الصَّلاة. وكان ﷺ يصلِّي في مَرَابض الغَنَم (١)، وأَمَرَ بالصلاة فيها (٢). (ومنيُّه) أي: مَنيُّ ما يؤُكَلُ لحمه طاهرٌ كبوله وأَوْلى. (ومَنِيُّ آدميٍّ) طاهرٌ؛ لقولِ عائشة: كنتُ أفركُ المنيَّ من ثوبِ رسول الله ﷺ ، ثمَّ يذهبُ فيصلِّي فيه. متفقٌ عليه (٣). وقال ابنُ عباس: "امسحْهُ عنك بإذْخِرَةٍ (٤)، أو (وكان ﷺ يُصَلِّي في مرابضِ الغنمِ وأمر بالصلاة فيها) وهي لا تخلُو من أبعارِها، وأبوالِها، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونَها في صلاتِهم، ولأنَّه (٥) لو كانت أبوالُها وأرواثُها نجسةً، لتنجَّسَت الحبوبُ التي تدوسُها البقرُ؛ فإنَّها لا تسلمُ من ذلكَ، فيتنجَّس بعضُها، فيختلط النجِسُ بالطاهرِ، فيصيرُ حكمُ الجميعِ حكمَ النجِس. وكذا ما لا نفسَ له سائلة، إلَّا أنْ يكون متولِّدًا من نجاسةٍ؛ لأنَّه ﵊ أمرَ بغمسِ الذبابِ في المائعِ المفضي إلى قتلِه (٦)، مع أنَّ بدنَه لا يَسْلَمُ من بولِه، ولأنَّه طاهرٌ حيًّا وميتًا، فدلَّ على طهارةِ رطوباتِه، وما يتولَّدُ منه، وأنَّه في معنى النبات، ولأنَّ دمَه طاهرٌ فرجيعُه أولَى، ألا تَرى إلى أنَّ دمَ غيرِه من الطاهرات نجسٌ إجماعًا، ورجيعُه مختلَفُ فيه. ح ف. (لقولِ عائشةَ: كنتُ أفركُ … إلخ) لا يقال: إنَّ المنيَّ من الاحتلام، مع أنَّ الأنبياءَ لا يحتلمون؛ لأنَّه من الشيطان، إلا أنْ يقالَ من أثرِ الجماع، ولما رَوى ابنُ عباسٍ قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن المنيِّ يصيبُ الثوبَ، فقال: "إنَّما هو بمنزلة البُصَاقِ والمُخَاط، وإنَّما

стр. 502

وعرقُه، وريقُه طاهرٌ. وكذا سؤْرُ هِرٍّ، وما دونه خِلْقَةً، خِرْقَةِ، فإنَّما هو بمنزلة المُخَاط والبُصَاق" رواه سعيد (١)، ورواه الدارقطني مرفوعًا (٢). وفارقَ البولَ والمذيَ بأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدميٍّ. (وَعَرَقُهُ) أي: عرقُ ما يُؤكلُ لحمُه طاهرٌ (ورِيقُهُ طاهرٌ) كبولهِ وأَولى. (وكذا) أي: كما تقدَّم في طَهارته (سُؤْر هِرٍّ) بضمِّ السِّين (٣) وبالهمزة: وهو فَضلةُ طعامِه وشرابه. (و) سُؤْر (ما) أي: حيوانٍ (دونَه) أي: دونَ الهِرِّ أو مِثلَه (خِلْقَةً) بالنَّصبِ على التمييز، أي: من جهة الخِلْقَة، سواءٌ كانَ طيرًا أو غيرَه. فلو أكلَ هِرٌّ أو نحوه، أو طفلٌ نجاسةً، ثمَّ شَرِب -ولو قَبْلَ أنْ يغيبَ- من ماءٍ يكفيكَ أنْ تمسحَه بِخرقَةٍ أو إذخِرَةٍ". رواه الدارقطنيُّ (٤). ولو كان نجسًا لمَا أجزأَ فركُه، كسائرِ النجاسات، فعُلِم أنَّ ما وردَ من فركِه، وغسلِه، ومسحِه بالإِذْخِر، فلاستقذارِه، لا لنجاستِه، ولأنَّه مبدأُ خَفقِ آدميٍّ، فكانَ طاهرًا، كالجنين (٥). وظاهره طهارتُه، ولو خرج قبل الاستجمار، وهو ظاهرُ قولِ ابن قندس في "حاشية المحرر".

стр. 503

وسباعُ البهائمِ والطَّيرِ مما فوقَ الهرِّ، يسيرِ، فطهور. قال ابنُ تميم (١): فيكونُ الرِّيق مطهِّرًا لها. انتهى. فدلَّ على أنَّه لا يُعفَى عن نجاسةٍ بيدِ بهيمةٍ أو رِجْلِها. نصَّ عليه. وكذا هِرٌّ وطِفْلٌ. (وسباعُ البهائم) مبتدأ، خبرُه مع ما عطف عليه قوله الآتي: "نَجِسٌ". (و) سباعُ (الطَّير) أي: السباعُ من النوعين (مما فوقَ الهرِّ) خلقةً، نجسٌ، وذلك كالأسدِ، والنَّمِر، والذِّئب، والفَهد، والخِنزير، والعُقَاب، والصقر. وقيل: منيٌّ المستجمِر، يعني: طاهرٌ وغيرُه نجِسٌ (٢). وإذا قُلنا بطهارةِ منيّ الآدميِّ، فمنيُّ مأكولِ اللحم أَولى؛ لأنَّه أخفُّ نجاسةً من الآدميِّ؛ بدليلِ طهارةِ بولِه وروثِه، وأمَّا نجاسةُ منيِّ ما لا يؤكَل؛ فلأنَّ لبنَه نجسٌ، فكذا منيُّه، وأَولى. انتهى. ح ف. والمذيُّ مما لا يُؤكَلُ نجسٌ، وهو ماءٌ أبيضُ رقيق لَزِجٌ، كماءِ السيْسَبان (٣)، يخرجُ عند فتورِ الشهوةِ، والإنعاظُ وهو الانتشارُ من غيرِ إحساسٍ بخروجِه؛ قاله المجد في "شرحه"، وفي عبارةٍ له أخرى: يخرجُ بمبادئِ الشهوة. قلت: ولعلَّه يختلفُ باختلافِ أمزجةِ الناس. دنوشري. (وسباع البهائم … إلخ) من كلِّ ما لا يؤكل، وهو أكبرُ من الهرِّ خلقةً، نجسةٌ؛ لمَا تقدَّمَ من أنَّه ﷺ سُئِل عن الماءِ وما ينوبُه من السباع، فقال: "إذا بلغَ الماءُ قلَّتينِ، لم ينجُسْ"، ولو

стр. 504

والحمارُ الأهلي، والبغلُ منه، وعرقُه، وريقهُ. (والحمارُ الأهليُّ) نجسٌ (والبغلُ) المتولِّد (منه) أي: من الحمار الأهليِّ، نجسٌ، وعُلِم منه أنَّ الحمارَ الوحشيَّ والبغلَ منه، طاهران (وَعَرقُه) أي: عرقُ ما ذُكِر من سباعِ البهائم والطَّير … إلخ، نجسٌ (وريقُه) نجِسٌ؛ لتولُّدِهما من النَّجس. كانت طاهرةً لم يحدَّه بالقلِّتين. قال في "المنتهى" و"شرحه": وما لا يُؤكَلُ من الطير والبهائم ممَّا فوق الهرِّ خِلْقَة، نجسٌ كالعُقابِ والصقرِ والحِدَأَةِ، والبُومَةِ والنَّسْرِ والرَّخَمِ (١)، وغرابِ البين والأبقعِ، والفيل، والبغلِ والحمار، والأسدِ والنَّمِرِ والذئب والفهدِ، والكلبِ والخِنزيرِ، وابنِ آوى والدُّبِّ والقرد والسِّمْعِ (٢) والعِسبارِ (٣). وأمَّا ما دونَ ذلك في الخِلْقَةِ، فهو طاهرٌ، كالنمسِ، والنَّسْناسِ، وابنِ عُرْسٍ، والقُنْفُذِ، والفأر (٤). فالعُقَابُ -وما عُطِفَ عليه من سباعِ البهائمِ، والبغلِ والحمارِ- وجوارح الطيرِ نجسان؛ لتولُّدهما من النجس، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ دمِهما، ولأنَّه لا يُعفَى عن شيءٍ من فضلاتِهما. [قال في "المبدع": وأمَّا ريقُ البغلِ والحمار الأهليين، وعرقُهما فيُعفَى عن يسيرِه إذا قيل بنجاستهما، وهو الصحيح؛ لأنَّه يَشقُّ التحرُّزُ منه. قال في "الشرح" (٥): وهو الظاهرُ عن الإمام أحمد. قال الخلَّال: وعليه مذهبه] (٦). دنوشري.

стр. 505

وكلُّ مُسْكِرٍ نَجِسٌ. (وكلُّ مسكرٍ) خمرًا كان أو نبيذًا (نجسٌ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة:٩٠]. ولأنَّه يَحرُم تناولُها من غيرِ ضررٍ، أشبهَ الدم، ولقوله ﷺ : "كل مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرام" رواه مسلم (١). ولأنَّ النبيذَ شرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبةٌ، أشبهَ الخمرَ. قال في "شرح المنتهى" (٢): وكذا الحشيشةُ المسكِرة. [قال المصنف (٣): والمرادُ بعد علاجها، كما يَدلُّ عليه كلام الغَزِّيّ (٤) في شرحه على منظومته. انتهى. ووجهُه أنَّها قبلَ ذلكَ نباتٌ طاهرٌ، والله أعلم] (٥). (وكلُّ مسكرٍ، خمرًا) أي: المائعُ، كما قدَّرَهُ بعضُ مشايخنا، وصرَّح به الشافعيَّةُ (٦)، فعلى هذا البَنْجُ ونحوه طاهرٌ، إلا أنَّ الحشيشةَ المسكرةَ نجسةٌ أيضًا، كما اختاره الشيخ تقيُّ الدين، والحكمةُ في تنجيسِ المسكرِ الإبعادُ عن تناوله، والتشديدُ فيه. حفيد. (والميسرُ) نوعٌ من آلاتِ اللهوِ. منه. (﴿رِجْسٌ﴾) مستقذرٌ خبيثٌ.

стр. 506

باب الحيض (بابٌ) بالتنوين وعدمِه. (الحيض) لغةً: السَّيَلَان، من قولهم: حاضَ الوادي: إذا سال. يُقال: حاضتِ المرأةُ تحيضُ، حيضًا ومحيضًا، فهي حائضٌ وحائضة: إذا جرى دمُها. وتحيَّضتْ: قعدتْ أيامَ حَيضِها عن الصلاة. ويسمَّى فى أيضًا: الطمثَ، والعِرَاكَ، والضَحَكَ. وهو شرعًا: دمُ طبيعةٍ وجبلَّة، (باب الحيض) أي: الحيض والاستحاضة والنفاس، ففي التَّرجمة حذفٌ، إلَّا أنْ يقالَ: ترجمَ لشيءٍ وزادَ عليه. فالحيضُ مصدرُ (حاضت المرأةُ تحيضُ حيضًا … إلخ) قال الجاحظُ: والذي تحيضُ من الحيواناتِ أربعٌ: المرأةُ، والأرنبُ، والضَّبعُ، والخفَّاش (١). (من قولهم) أي: مأخوذٌ من قول العربِ: (حاض الوادي، إذا سالَ)، وحاضت الشجرةُ، إذا سالَ منها شِبهُ الدمِ، وهو الصَّمغ الأحمرُ. واستُحضيت المرأةُ: استمرَّ بها الدمُ وجاوزَ أكثرَ الحيضِ. (يقال: حاضت المرأةُ … إلخ) يقالُ قولًا جاريًا على قانون اللُّغةِ حتى ينهضَ أنَّ يكونَ دليلًا، فهو دليلٌ على أنَّ الحيضَ لغةٌ السَّيَلانُ. وحكمُ الحيضِ ثابتٌ بالإجماع، وسندُه: قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والسنةُ: حديثُ فاطمةَ، وهو قولُه ﷺ : "دعي الصلاةَ أيامَ أقرائك" (٢) (ويسمَّى أيضًا) ومن أسمائه: الإِعصارُ، والإِكبارُ، والنِّفاسُ، والفِرَاكُ، والدارس (٣). (دمُ طبيعةٍ) أي: سَجِيَّة (وجبلَّة) بفتحِ الجيمِ وكسرِها (٤). أي: خِلْقة جَبَلَ اللهُ بناتِ آدمَ عليها،

стр. 507

يمنعُ ترخيهِ الرَّحِم، يعتادُ أنثى إذا بلغت في أوقاتٍ معلومة. والحيض (يمنعُ) أشياءَ: وكتبَه عليهنَّ. احترزَ به عن دمِ الاستحاضة؛ فإنَّه عارضٌ، لمرض وفسادٍ، وعن دم النِّفاسِ؛ فأنَّه عارضٌ بسبب الولادةِ. والجبلة: بكسر الجيمِ، وبضمِّها، ك: غُرْفة (١). حفيد وزيادة. (تُرخيه الرَّحم) هو بفتح الرَّاء وكسرِ الحاء، وبكسر الراءِ مع سكرنِ الحاء، وبكسرهما، وبفتح الرَّاءِ مع سكون الحاء، كما في نظائره من كلِّ اسمٍ ثلاثيٍّ مفتوحِ الأَوَّل مكسورِ الثاني، وثانيه حرفُ حَلْقٍ. أي: يخرجُ مع الصِّحَّة من غير سببِ ولادةٍ مِن قَعْر الرَّحمِ. والرَّحمُ: بيتُ منبتِ الولدِ ووعاؤه. حفيد مع زيادة. (يعتاد أُنثى إذا بلغت في أوقاتٍ معلومةٍ) وليس بدمِ فسادٍ، بل خلقه اللهُ لحكمة غذاءِ الولدِ وتربيتِه، وهو مخلوقٌ من مائهما، فإذا حملت، انصرفَ ذلك بإذن اللهِ تعالى إلى غذائه؛ ولذلك لا تحيضُ الحاملُ، فإذا وضعت، قَلبه اللهُ لبنًا يتغذَّى به؛ ولذلك قل ما تحيضُ المرضِعُ، فإذا خَلَت منهما، بقي الدمُ لا مصرفَ له، فيستقرُّ في مكانٍ، ثم يخرجُ -في الغالب- في كلِّ شهرٍ ستَّةَ أيامٍ، أو سبعةً، وقد يزيدُ على ذلك ويَقِلُّ، ويطولُ شهرُها ويقصُرُ، بحسب ما ركَّبه اللهُ تعالى في الطِّباع؛ ولهذا أمر النبي ﷺ ببرِّ الأمِّ ثلاثَ مراتٍ وبِبرِّ الأبِ مرَّةً واحدةً. مصنِّف (٢). (يمنع أشياءَ) جعلها المصنِّف ثمانية، و"المنتهى" (٣) اثني عشَرَ، و"الإقناعُ" (٤) خمسةَ عشَرَ شيئًا. فالزائدُ عن كلامِ المصنِّفِ سبعةُ أشياءَ: مسُّ المصحف، ويمنع قراءةَ القرآنِ، ويمنع اللُّبثَ بمسجدٍ، ويمنع سنَّة طلاقٍ، ما لم تسألْه خُلعًا أو طلاقًا على عِوَض، فيباحُ له

стр. 508

الغُسْلَ له، والوضوءَ، والصَّلاةَ، (الغُسْلَ له) أي: للحيض، فلا يصحُّ؛ لقيام موجبه، ولا يمنع الغسلَ لجنابة، أو نحوِ إحرامٍ، بل يُسَنُّ. (و) يمنع (الوضوءَ) فلا يصحُّ؛ لما تقدَّم (و) يمنعُ فِعْلَ (الصلاة) ولو سجدة تلاوةٍ لمستمعةٍ قراءةَ آيةِ سجدة؛ لقيام المانع بها. إجابتُها، وَيمنع اعتدادًا بأَشهُرٍ، إلَّا الاعتدادَ لوفاة، فإنَّه لا يمنعُ الاعتدادَ بالأشهرِ للوفاة وإنْ كانت من ذواتِ الحيضِ، بل يجبُ عليها الاعتدادُ بالأشهر بموت زوجِها وإن كانت الزوجةُ تحيضُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلخ، ولم يفصِّل بين مَن تحيضُ ومَن لا تحيض، ويمنعُ المرورَ بالمسجد، ويمنع ابتداءَ العِدَّة إذا طلَّقها في أثناءِ الحيض. (الغُسل له) أى: مادام الذم يسيلُ، فلو انقطع في أثناءِ مدَّتها، جازَ. قال في "الإقناع" (١): وإنْ طَهُرت في أثناءِ عادتِها طُهرًا خالصًا، لا تتغيَّر معه القُطنةُ إذا حشَتها، فهي طاهرٌ، تغتسل وتصلِّي، ولا يُكره وَطؤها. ا هـ. ح ف. قال الشَّارح في "مناهيه" علبه: وهذا المنعُ يقتضي التحريمَ، كما اسنظهره ابنُ نصر اللهِ في "حواشي الكافي" قال: لأنَّ الإتيانَ بالعبادةِ مع مانع من صِحَّتها تلاعبٌ. اهـ. (ولا يمنعُ الغُسلَ لجنابةٍ) بأن تكونَ الجنابةُ سابقة على الحبضِ مثلًا، أو باحتلام ونحوِه (بل يُسنُّ) الغُسل لذلك تخفيفًا للحدث؛ لِما تقدَّم، وهو بأنَّ كلَّ ما أوجب غُسلًا أوجب وضوءًا. (ويمنع فِعْلَ الصلاء) فرضًا كانت أو نفلًا (ولو سجدة … إلخ) أي: فيحرُمُ، ولا يصحُّ؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] والحيضُ أغلظُ من الجنابةِ، فوجبَ أنَّ يمنعَ من فِعلها في زمنه، كما يمنعُ في حال الجنابةِ، ولقوله ﵊ في حديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: "فإذا أَقبلت الحيضةُ، فدعي الصَّلاةَ، وإذا أَدبرت، فاغسِلي عنكِ الدمَ وصلِّى". متَّفقٌ عليه (٢). ح ف.

стр. 509

ووجوبَها، وفعلَ صومٍ، وطوافٍ، واعتكافٍ، (و) يمنع (وجوبَها) أي: الصلاة إجماعًا. (و) يمنعُ (فعلَ صوم) إجماعًا؛ لقوله ﷺ : "أَلَيسَت إحْدَاكُنَّ إذا حاضَتْ لم تَصُمْ ولم تصلِّ؟ قُلْنَ: بلى" رواه البخاري (١). وعُلم منه أنه لا يمنعُ وجوبَه. (و) يمنع فعلَ (طوافٍ) لقولِه ﷺ لعائشةَ حين حاضَتْ: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أنَّ لا تَطُوفي بالبيتِ حتَّى تَطْهُري" متَّفقٌ عليه (٢). وأمَّا وجوبُه، فباقٍ، فتفعله إذا طَهُرتْ، لكنْ يسقطُ عنها طوافُ الوداعِ، على ما يأتي. (و) يمنعُ فعلَ (اعتكاف) لأنَّه لزومُ مسجدٍ على وجهٍ مخصوص، وقد قال ﷺ : "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُب" رواه أبو داود (٣). (ويمنع وجوبَها، أي: الصَّلاة) فلا تقضيها؛ لأنَّ القضاءَ فرعُ الوجوبِ. قال المصنف (٤): إلَّا ركعتَي طوافٍ؛ لأنها نُسُك لا آخِر لوقته. ويأتي، أي: بعد أنَّ تطهرَ من حيضِها، وليس المرادُ أنَّها تفعلُها وهي حائضٌ، كما يأتي. فيُعايا بها، ويُقال: امرأةٌ حائضٌ تقضي الصلاةَ؟!. (ويمنعُ فعلَ صومٍ) أي: فيحرُمُ، ولا يصحُّ؛ لأنَّه مضعِفٌ، وخروجُ الدمِ مضعفٌ، فلو أُمرت بالصَّوم مع الحيضِ، لاجتمعَ عليها مُضعِفان، والشَّارع ناظرٌ إلى حفظ الأَبدانِ. ح ف. (وعُلم منه أنه لا يمنع وجوبَه) أي: فُهم من تعبيره في جانب الصَّومِ بـ "فِعْل" دون الوجوبِ، كما في سابقهِ.

стр. 510

ووطْئًا في فَرْجٍ، إلا لمَنْ به شَبَقٌ بشرطِه. (و) يمنعُ (وَطْئًا في فَرْجٍ) لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولقولِه ﷺ : "اصنعُوا كلَّ شيءٍ إلا النكاحَ" رواه مسلم (١) (إلَّا لمنْ به شبَق): أي: شدَّةُ شهوةِ النكاح (٢) (بشرطه) بأن يخافَ تشقُّق أُنثيَيْه إنَّ لمْ يَطَأُ، ولا تندفع شهوتُه بدونه في الفَرْج، ولا يجد غيرَ الحائض، من زوجةٍ، أو سُرِّيَّة، ولا يَقدِر على مهرِ حرَّة، أو ثمنِ أمَة. (لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ … إلخ) والمرادُ به (٣) إمَّا موضعٌ، كالمَقِيل والمَبِيت، وهو الفَرْج، فيختصُّ التحريمُ بمكان الحيضِ، وهو الفرجُ، كما سيجيءُ في (الشَّرح). أو (٤) بمعنى الحيضِ، فيكونُ أمرًا بالاعتزالِ حالَ الحيضِ، ومن الاعتزالِ تركُ الوطءِ في الفَرْج، والمرادُ: مادام الدمُ يسيلُ، فلو انقطع في أثناءِ عادتِها، جازَ، كما لو انقطعَ بعدَها. "تنبيه": لو أَرادَ وطأَها، وادَّعت أنَّها حائضٌ، وأَمكنَ، قُبل. ح ف. لأنَّها مؤتَمنة. (إلَّا لمَن به شَبَق) قال في "الصِّحاح" (٥): الشَّبَق: شدَّة الغُلْمةِ. وقال في نصل الغين (٦): الغُلْمة -بالضمِّ- شهوةُ الضِّراب، وقد غَلِمَ البعيرُ واغتلمَ، إذا هاجَ من ذلك. (بشرطه) وهي أربعةُ شروطٍ: الأوَّل: (بأن يخافَ تشقُّقَ أُنثييه إنْ لم يطأُ). الثاني: أن (لا تندفعَ شهوتُه بدونه في الفَرْج (٧)). الثالث: أنْ (لا يجدَ غيرَ الحائضِ من زوجةٍ أو سُرِّيَّة). الرابع: أن (لا يقدرَ على مَهر حرَّةٍ أو ثمنِ أَمَةٍ) ولا كفَّارةَ عليه إذن. لا يُقال: لماذا لم

стр. 511

ويجبُ به دينارٌ، أو نصفُه كفارةً. (ويجبُ به) أي: بوطءِ الحائض في الفرج قبل انقطاع الدَّم، سواءٌ كان في أوَّلِ الحيضِ أو آخرِه (دينارٌ، أو نصفه) أي: نصفُ الدينار (كفارةً) لذلك على التخيير، بشرطِ أن يكونَ الواطئُ (١) ممن يجامِع مثلُه، وهو ابنُ عشر، وأن يولجَ الحشفةَ، أو تدرَها، ولو بحائل لفَّه على ذَكَره؛ وذلك لحديث ابنِ عباس مرفوعًا في الذي يأتي امرأتَه وهي حائضٌ، قال: "يتصَدَّقُ بدينارٍ، أو نصفِ دينار" رواه أحمدُ، وأبو داود، والترمذيُّ، والنسائيّ (٢). وتخييرُهُ بين الشيءِ ونصفِه، كتخييرِ المسافرِ بين القَصْر والإتمام. والدينارُ هنا: المثقالُ من الذَّهب، مضروبًا، أَوْ لا، وتجزئ قيمتُه من الفضَّة فقط يقل: إلَّا لمَن به شَبَقٌ بشروطه؟ لأنَّا نقول: عبارتُه صادقةٌ بذلك؛ لأنَّه مفرد مضافٌ، فيعُمُّ، كما هو مذهبُ الإمامِ أحمدَ. (قبل انقطاع الدَّم) أي: بأن أَولجَ والدمُ يَسيل -ولم يَجز الوطءُ- أمَّا إن أَولجَ بعد انقطاعِه، سواءٌ كان في أثناءِ الحيضِ أو بعد فراغِ مدَّتِه، ولو قبل الغُسل، فلا كفَّارةَ. ح ف. كفَّارةً لدلك) زجرًا له؛ ولهذا أَغنَى وجوبُها عن التَّعزير (٣) في وجهٍ. وهو من المفرَدات. ويجبُ لو (٤) وَطئها وهي طاهرةٌ، فحاضت في أثناءِ وَطْئه، ولو لم يَستدمْ. ح ف وزيادة. (قيمتُه من الفضَّةِ فقط) أي: فلا يُجزئُ إخراجُ القيمةِ إلَّا من الفضة. ح ف

стр. 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتجب الكفارةُ، ولو كانَ الواطئُ مكرهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا الحيضَ والتحريم. وكذا هِيَ إنْ طاوعته، فإنْ أكْرهَها، فلا كفَّارةَ عليها. قال المصنِّفُ (١): وقياسُه لو كانتْ ناسيةً، أو جاهلة. ومصرفُها إلى من له أخذُ زكاةٍ لحاجة، كبقية الكفَّارات، ونذرِ مُطلَق. وتُجزِئُ إلى واحدٍ، وتسقطُ بعجزٍ. وإن كرَّرَ الوطءَ في حيضةٍ، أو حيضتين، فكالصوم إذا كرَّر الوطءَ فيه في يومٍ، أو يومين، فلكلِّ حيضةٍ كفَّارةٌ، كما أن لكلِّ يومٍ كفارةً، ولو لم يُكفِّر. (ولو … مكرهًا) أي: ولو كان الواطيءُ مكرَهًا على الوطءِ؛ لأنَّ له نوعَ اختيارٍ بانتشار ذَكرِه. دنوشري. (وقياسُه: لو كانت ناسيةً … إلخ) أي: وقياسُ ما لو كانت مكرهة: لو كانت ناسيةً أو جاهلةً في أنَّه لا يَلزمها كفَّارة. وهذه المسألةُ مَقيسةٌ على ما يأتي في كفَّارة الوطءِ في الصَّوم من أنَّها لا يلزمُها مع الجهلِ والنِّسيانِ شيءٌ، كما صرَّح بذلك في "المغني" و"المبدع". (وكذا هي) أي: المرأةُ كالرَّجل في الكفارة، قياسًا عليه. مصنِّف (١). (إنْ طاوعَتْه) على الوطءِ. (وتُجزئُ) الكفَّارةُ إنَّ دفعها (إلى) مسكينٍ (واحدٍ)؛ لعموم الخبرِ (وتسقط بعجزٍ) حالَ الوطء؛ فإنَّ المعتبرَ في الكفَّارات وقتُ الوجوبِ، ككفَّارة الوطءِ في نهارِ رمضانَ. (فكالصَّوم) أي: فكما لو كرَّره في الصَّوم من أنَّه لو جامعَ في يومٍ، ثمَّ في آخَرَ، ولم يكفِّر، لزمته ثانيةٌ، كمَن أعاده في يومه بعد أن كفَّر. فلو أخَّر بعضَ الكفَّارةِ ثم جامَعَ، قال شيخُنا: الظاهرُ أن بقيَّةَ الكفَّارةِ الأُولى تندرجُ في الثانية، خلافًا لـ "الإقناع" حيث أَوجبَ القضاءَ دون الكفَّارةِ. اهـ محمد الخلوتي

стр. 513

وَيَستمتِعُ منها بما دونَ فَرْجٍ، وإذا انقطع، لم يُبَحْ قبلَ غُسْلٍ، غيرُ صومٍ وطلاقٍ. وبدنُ الحائضِ طاهرٌ. ولا يُكرَه عَجْنُها ونحوه، ولا وضعُ يدِها في مائعٍ. (وَيَستمتع) جوازًا، زوجٌ أو سيِّدٌ (منها) أي: من الحائضِ (بما دونَ فَرْجٍ) أي: بما سوى الفَرْج، كقُبلةٍ، ولَمْسٍ، ووطْءٍ دونَ الفَرْج. زاد في "الاختيارات" (١): والاستمناء بيدها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قال ابن عباس: فاعتزلوا نكاحَ فروجهنَّ. رواه عبدُ بن حميد وابنُ جرير (٢). ولأنَّ المحيضَ اسمٌ لمكانِ الحَيض في ظاهر كلامِ الإمام أحمد. وقاله ابنُ عقيل. كالمقيل والمبيت، فيختصُّ التحريمُ بمكانِ الحيض، وهو الفَرْج. ويسَنُّ سترُه إذن. (وإذا انقطع) دمُ الحيض (لم يُبَحْ) ممَّا يَحرُمُ على الحائض (فبلَ غُسْلٍ) أو تيمُّم لعدمِ الماء (فير صوم) فإذا انقطعَ دمُها قبلَ الفجر، جاز لها أن تنويَ الصومَ؛ لأنَّ وجوبَ الغُسْل لا يمنعُ فعلَ الصومِ، كالجنابة (و) غير (طلاقٍ) فبانقطاع الدمِ يباحُ لزوجها تطليقُها؛ لأنَّ تحريمَه لتطويلَ العِدَّة بالحيض، وقدْ زال ذلك. (وبدنُ الحائضِ طاهرٌ … إلخ) إشارة إلى الردِّ على طائفةٍ من الخوارج، وهم السَّامرةُ، يقولون بنجاسة بدنِ الحائضِ. (ويستمتع جوازًا زوجٌ … إلخ) أي: من القُبلة، واللَّمس، والوطءِ دونَ الفَرْج، ولو فيما تحت الإزارِ. قال ابنُ قندس: جوازُ التمتُّع بالحائض ظاهرُ كلامِ أصحابِنا وإمامِنا، وأنَّه لا فرقَ بين أنْ يأمنَ على نفسه مواقعةَ المحظورِ أو يخافَه. وقطع الأزجيُّ في "نهايته": إذا لم يأمن على نفسه من ذلك، لم يَجزُ؛ لئلَّا يكونَ طريقًا إلى المحظورِ. وقد يقال: يُحمل كلامُ غيرِه على هذا. نقله في "النكت" ثمَّ قال: قلت: إنْ غلبَ على الظنِّ مواقعةُ المحظورِ، فلا شكَّ في التَّحريم. ح ف. (ويُسنُّ سَتْرُه إذن) أي: حين استمتاعِه بما دونَه.

стр. 514

وتقضي الصَّومَ، لا الصلاةَ. وعُلم منه أن الحيضَ يمنع أيضًا سنةَ طلاقٍ، فيكونُ بدعةً محرَّمةً، كما سيأتي. لكنْ محلُّه ما لم تَسْأَلْهُ خُلعًا، أو طلاقًا على عِوَض. ويباحُ أيضًا بعد انقطاعه لُبثٌ بمسجدٍ بوضوءٍ، كما تقدَّم في الغُسْل (١)، فالحصر إضافيٌّ. (وتقضي) الحائضُ (الصومَ) الواجبَ إجماعًا. قاله في "المبدع". لأنَّ الحيضَ إنَّما يمنع فعلَه، لا وجوبَه، و (لا) تقضي (الصلاةَ) إجماعًا، بل يحرمُ عليها؛ لحديثِ معاذة (٢) قالت: سألتُ عائشةَ، فقلتُ: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ فقلتُ: لستُ بحروريةٍ، ولكنِّي أسألُ، فقالت: "كنَّا نحيضُ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ ، فنؤمرُ بقضاءِ الصَّومِ، ولا نؤمرُ بقضاءِ الصَّلاة". متَّفق عليه (٣). ومعنى قولها: "أحرورية": الإنكارُ عليها أن تكونَ من أهل حَرُوراء: مكانٌ تنسب إليه الخوارجُ (٤)؛ لأنَّهم يَرَوْنَ قضاءَ الحائضِ الصلاةَ كالصَّوم؛ لفرطِ تعمُّقهم في الدِّين حتَّى مَرَقوا منه. قال في "الفروع" (٥): ولعل المرادَ إلا رَكْعَتي الطوافِ؛ (ويباحُ أيضًا بعد انقطاعِه لُبثٌ .. إلخ) هذا تورُّكٌ على الحصر بأنَّه ليس حقيقيًّا، وأجاب الشارحُ بأنَّه إضافيٌّ. أي: دون وطءٍ. (وتقضي الصومَ لا الصلاةَ) والفرقُ بينه وبين الصَّلاة: أنَّها تتكرَّر في كلِّ شهرٍ، فيشقُّ عليها قضاؤها، بخلافِه. ولا يقال: النِّفاسُ لا يُقضى صلاتُه، وهو غيرُ متكرِّر؛ لأنَّا نقول: قابَلَ قلَّةُ وقوعِه طولَ مدَّته غالبًا، فأُلحق بالحيض. ح ف.

стр. 515

ولا حيضَ قبلَ تسعِ سنين، ولا بعدَ خمسينَ سنةً، لأنَّهما نُسُكٌ لا آخرَ لوقته، فَيُعَايَى (١) بها. انتهى. يعني: لو حاضتْ بعدَ الطَّوافِ قَبْلَ صلاةِ ركعَتيه، فإنَّها تصلِّيهما إذا طَهرتْ. وتسميةُ ذلك قضاءً تجوُّزٌ؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِهما (٢). (ولا حيضَ قَبْلَ) تمامِ (تسعٍ سنين) هِلاليَّة. فمتى رأتْ دمًا قبلَ بلوغِ التِّسْعِ، لمْ يكنْ حَيْضًا؛ لأنَّه لم يوجَدْ من النِّساءِ مَنْ تحيضُ قبلَها. قال الترمذي (٣): قالت عائشةُ: إذا بلغتِ الجاريةُ تِسْعِ سنين، فهي امرأةٌ. (ولا) حَيضَ (بعدَ) تمامِ (خمسين سنةً) (ولا حيضَ قبل تمامِ تسع سنينَ) هذا هو أقلُّ سِنِّ حيضٍ تحيضُ فيه المرأةُ، على المشهورِ من المذهبِ. فإذا رأت الدمَ لدون تسع سنين، فليس بحيضٍ، بغير خلافٍ بين الأصحاب؛ لأنَّه لم يثبتْ في الوجود والعادةِ لأُنثى حيضٌ قبل استكمالِها. ولا فرقَ بين البلاد الحارَّةِ والباردةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خلقَ دمَ الحيضِ لحِكمة تربيةِ الولدِ في بطن أُمِّه، وهذه لا تصلحُ للحَمْل، فلا توجدُ فيها حكمتُه، فينتفي لانتفاءِ حِكمته. ومَن رأَت من الدَّم ما يصلحُ أنْ يكونَ حيضًا، وقد بلغت هذا السنَّ، حُكم بكونه حيضًا، وحُكم ببلوغها، وثبتَ في حقِّها أحكامُ الحيضِ كلُّها؛ لأنَّه رُوي عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها قالت: إذا بلغت الجاريةُ تسعَ سنينَ، فهي امرأةٌ. والمراد أن حكمَها حكمُ المرأةِ. وعنه: لا حيضَ قبل تمامِ اثنتي عشرَة سنة. قال في "الشرح": والأوَّل أصحُّ. ا هـ. دنوشري. (ولا حيضَ بعد تمامِ خمسينَ سنةً) وهو أكثرُ سنٍّ تحيضُ فيه النساءُ. أي: ينتهي زمنُ

стр. 516

ولا مع حَمْلٍ. لقولِ عائشةَ: إذا بلغتِ المرأةُ خمسين سنةً، خرجتْ من حدِّ الحيض. ذَكَرَهُ الإمامُ أحمد (١). ولا فرقَ بَيْنَ نساءِ العربِ وغيرِهن. (ولا) حَيضَ (مع حَمْلٍ) نصًّا؛ لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا في سَبْي أوْطاسٍ: "لا توطأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتَّى تحيضَ" رواهُ أحمدُ، وأبو داود (٢). فجعل الحيضَ عَلَمًا على براءة الرَّحم، فدلَّ على أنَّه لا يجتمعُ مَعَه. فإذا رأتِ الحاملُ دمًا، فهو دمُ فسادٍ، لا تتركُ له الصَّلاةَ، ولا يُمنعُ زوجُها مِنْ وطئِها. ويُسْتَحبُّ أنْ تغتسلَ بعد انقطاعِه، نصًّا. الحيضِ إلى خمسينَ سنةً، ثم تصيرُ آيِسةً. (لقول عائشةَ إلخ) وعنه: سِتُّون في نساءِ العربِ. وعنه: أنَّها لا تيئَسُ من الحيضِ يقينًا إلى ستِّينَ سنةً، فما تراه من الدَّم فيما بين الستِّين والخمسين، فهو حيضٌ مشكوكٌ فيه، تصومُ وتصلِّي، وتقضي الصومَ المفروضَ فيه؛ لأنَّ وجوبَهما متيقّن، فلا يسقطُ بالشكِّ. دنوشري. (فجُعل الحيضُ عَلَمًا) أي: علامةً، لا العَلَمُ المعهودُ عند النُّحاة. (ولا يمنعُ زوجُها من وَطْئها) قيَّده في "الإقناع" (٣): إذا خافَ العَنَتَ. قال المصنِّف (٤): هذا القيدُ لم أرَه في كلام غيرِه من الأصحاب. قال الشَّارح (٥): أقول: لعلَّه مرادُ مَن أطلق، بل هو أمِينٌ على نقلِه.

стр. 517

وأقلُّه: يومٌ وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشر، (وأقلُّه) أي: أقلُّ زَمَنٍ يصلحُ أن يكونَ دمُه حَيْضًا (يومٌ وليلةٌ) لقولِ عليٍّ ﵁ (١). والمرادُ مقدارُ ذلكَ، أي: أربعٌ وعشرون ساعةً، فلو انقطعَ لأقلَّ منه، فدمُ فَسَادٍ. (وأكثرُه) أي: الحيضِ (خمسةَ عشر) يومًا بلياليها؛ لقول عليٍّ ﵁: ما زادَ على خمسةَ عشر استحاضةٌ، وأقل الحيضِ يومٌ وليلةٌ (٢). (يومٌ وليلةٌ) على المشهورِ. واختاره عامَّةُ المشايخِ؛ لأنّه المفهومُ من إِطلاق اليومِ؛ ومِن ثمَّ قال (٣): يمكن حملُ كلامِ الإمامِ أحمدَ: أقلُّه يومٌ بليلته، فتكون المسألةُ روايةً واحدةً. وقال مالكٌ: لا حدَّ لأقلِّه، فلو رأت دَفعةً واحدةً، كان حيضًا. دنوشري. (وأكثرُه خمسةَ عَشَر يومًا) في ظاهرِ المذهبِ. يؤيِّده ما رواهُ عبدُ الرحمن بن أبي حاتمٍ في "سُننه" عن ابن عمرَ مرفوعًا أنَّه قال: "النساءُ ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ، أمَّا نقصانُ العقل، فشهادةُ امرأتين تعدل شهادةَ رجلٍ، وأمَّا نقصانُ دينِها، فتمكثُ إحداهنَّ شطرَ عُمرِها لا تصلِّي" (٤). قال في "شرح الهداية": وهذا يدلُّ على أنَّه الأكثرُ، ولأن حيضَ الخمسةَ عشَرَ قد

стр. 518

وغالبُه: ستٌّ أو سَبْعٌ. (وغالبُه) أي: الحيضِ (سِتٌّ، أو سبعٌ) لقولِه ﵊ لِحَمْنَة (١): "تحيَّضي في عِلْمِ الله ستَّةَ أيام، أو سبعةً، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعةً وعشرين يومًا، أو ثلاثةً وعشرين يومًا، كما تحيضُ النِّسَاءُ، وكما يَظهُرنَ لميقات" (٢). وأقلْ طُهْرٍ بين حَيْضتين: ثلاثةَ عَشَر، ثبتَ بالعادة، وصحَّ عن العلماءِ، واستيقَنوا ذلك من نسائهم وغيرِهنَّ، بخلاف ما زادَ عليه، فإنه إنَّما نُقل عن امرأةٍ أو امرأتين، فلا يُبنى عليه. قال عبدُ الرحمن بن مَهديٍّ: لم يبلغنا أن امرأة حاضت أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، فيما وصف لنا عنها (٣). وقال إسحاقُ في الخمسةَ عشَرَ: هي إجماعُ أهلِ العلمِ وما عقلوه (٤). فعلى هذا، ما زادَ على الخمسةَ عشَرَ استحاضةٌ، كما نُقل عن عليٍّ ﵁. اهـ. ح ف. (لحَمْنة) قال في "المِصباح" (٥): حَمْنة: وِزانُ تَمْرة، من أسماء النساءِ، منه: حَمنةُ بنتُ جحشٍ بنِ رئابٍ الأسديِّ، وأمُّها أميمةُ بنت عبدِ المطَّلب، عمَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ . (في عِلم اللهِ) أن تحيضي القدرَ الذي عَلِمه اللهُ. (وأقلُّ طهرٍ بين حيضتين ثلاثة عشَرَ) يومًا. هذا هو المختارُ في المذهبِ، وجزمَ به في "الوجيز"؛ لِما روى الإمامُ أحمدُ، واحتجَّ به عليٍّ: أن امرأةً جاءته وقد طلَّقها زوجُها،

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وغالبُه: بقيَّةُ الشَّهْر، كما في حديثٍ حَمْنةً، ولا حدَّ لأكثرهِ. فزعَمَت أنَّها حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيض، فقال عليٌّ لشُرَيح: قل فيها، أي: اِقضِ فيها، فقال شريحٌ: إن جاءت ببيِّنة من بِطانة أهلِها ممَّن يُرضى دينُه وأمانتُه، فشهدت بذلك، وإلَّا فهي كاذبةٌ، فقال عليٌّ: قالون (١). أى: جيِّد، بالرُّوميَّة. وهذا لا يقولُه إلا توقيفًا، وهو قولُ صحابيٍّ انتشر، ولم يُعلم خلافُه، ووجودُ ثلاثِ حِيَضٍ في شهرٍ دليلٌ على أنَّ الثلاثةَ عشَرَ طهرٌ صحيحٌ يقينًا. قال أحمدُ: لا يختلف أن العدَّةَ يصحُّ أنْ تنقضيَ في شهرٍ إذا قامتْ به البينةُ. وعنه: خمسةَ عشَرَ يومًا، وهي روايةٌ عن الإمامِ، حكاها في "المحرَّر" و"الفروع" (٢) وهي قولُ أكثرِ العلماءِ؛ لما تقدَّم من قوله: "تمكثُ إحداكنَّ شطرَ عمرِها لا تصلِّي" وذكر أبو بكر أنَّهما مبنيَّان على أكثرِ الحيضِ، فإنْ قيل: خمسة عشَرَ يومًا، فأقل الطُّهر مثلُه، وإنْ قيل: سبعةَ عشَرَ يومًا، فأقلُّه ثلاثةَ عشَرَ يومًا، والمشهورُ عند أصحابِنا أن أكثرَ الحيضِ خمسةَ عشَرَ يومًا، وأقلَّ الطهرِ ثلاثةَ عشَرَ يومًا، ثم إنَّما يلزم ذلك أنْ لو كان شهرُ المرأةِ لا يزيدُ على ثلاثين يومًا، فإذا زاد، تُصوِّر أنْ يكونَ حيضُها سبعةَ عشَرَ يومًا وطهرُها خمسةَ عشَرَ يومًا وأكثرَ. وقيل: يُزاد على كلِّ عددٍ ليلةٌ. وعنه: لا توقيتَ في الطُّهر بين حيضتين، وهي ما تَعْرفه مِن عادتها. دنوشري. (وغالبه) أي: غالبُ الطهرِ بين حيضتَين (بقيَّةُ الشهرِ) وذلك ثلاثةٌ وعشرونَ يومًا، أو أربعةٌ وعشرون، إذا كانت عادتُها غالبَ الحيضِ، وهو ستٌّ، أو سبعٌ. والشهرُ هو ما يجتمعُ لها فيه حيضٌ وطهرٌ صحيحان. دنوشري. (ولا حدَّ لأكثره) أي: لأكثر الطهر بين الحيضتين؛

стр. 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واعلمْ أن المبتدأةَ بدمٍ، أو صُفْرةٍ، أو كُدْرةٍ، وهي التي ابتدأ بها شيءٌ من ذلك بعد تسعِ سنين فأكثر، تجلسُ بمجرَّد ما تراه أقلَّه، ثُمَّ تغتسل وتصلِّي. لأنّه لا يرِدُ لأكثره تحديدٌ من الشَّرع، ولا نعلمُ له دليلًا؛ ولأنَّ من النساءِ مَن لا تحيضُ أصلًا. قال في "شرح الهداية": نعم يُحَدُّ أكثرُه عند الضَّرورة -في حقِّ مَن استمرَّ بها الدمُ ولا عادةَ لها ولا تمييزَ- بما دون الشَّهر، وهو بقيَّتُه بعد القدْر الذي تجلسه. ح ف. مع زيادة. (واعلَمْ أن المبتدأَة إلخ) إنَّما تُذكر كلمةُ "اِعْلَم" في أوَّل الكلامِ؛ تنبيهًا للمخاطَب إلى أن ما بعدَه واجبُ الحفظِ، واهتمامًا بشأنه. والغرضُ منه بيانُ ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكام. وهي التي رأت دمَ الحيضِ في زمنٍ يُمكن أنْ يكونَ حيضًا، وهو تمامُ تسعِ سنين، ولم تكن حاضت من قبلُ؛ ولذا سمِّيت مبتدأةً، ولا فرقَ بين الأسودِ والأحمرِ والصُّفرةِ والكُدْرةِ. (تجلس) أي: تدعُ الصلاةَ والصيامَ والطوافَ، وكلَّ فعلٍ يُشترط له الطهارةُ، بمجرَّد ما تراه، أي: برؤية الدمِ أو الصُّفرة أو الكُدرة. وهو من المفرَدات. قال ابنُ نصرِ اللهِ في "حاشية الزَّركشي": ظاهرُ كلامِ المصنِّف -أعني "المنتهَى" (١) - والأصحابِ أن المبتدأةَ تجلس يومًا وليلةً، سواء كان دمُ حيضِها متميِّزًا أو لا، وقد "يقال: إنما تجلسُ يومًا وليلةً إذا لم يكن دمُها متميِّزًا، فإنْ كان متميِّزًا، جلست مدَّتَه، فإن انقطعَ لدون خمسةَ عشَرَ يومًا عَمِلت عليه، وإنْ زاد عليها، كانت مستحاضةً. ح ف. (ثم تغتسلُ) عقبَ اليومِ والليلةِ ولو لم ينقطعْ دمُها (وتصلي) لأنَّه آخرُ حيضِها حكمًا، أشبهَ آخِرَه حِسًّا؛ لأنَّ المانعَ منها هو الحيضُ، وقد حُكم بانقطاعه، ولأن العبادةَ واجبةٌ في ذمَّتها بيقين، وما زادَ على أقلِّ الحيضِ مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال أن يكونَ استحاضةً، فلا نُسقطها بالشكِّ، ولو لم تجلسْ [الأقلَّ] (٢) لأدَّى إلى عدم جلوسِها أصلًا. وليس لها أن تصلِّيَ قبل اغتسالِها للحيض؛ لكونه

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإذا انقطع ولم يجاوز أكثرَه، اغتسلتْ أيضًا، تفعلُه ثلاثًا (١). فإن لم يختلفْ، بلغَ يومًا وليلةً، وهو أقلُّ الحيضِ، وظاهرُه أنَّه إذا كان أقلَّ من يومٍ وليلةٍ، لا تلتفتُ إليه؛ لأنه دمُ فسادٍ، ولا تجلسُ لذلك؛ لأنَّه لا يصلحُ أن يكونَ حيضًا، إلا إذا قلنا: أقلُّه يومٌ. والصحيحُ الأوَّل. دنوشري. قولُه: (فإذا انقطعَ) أي: بعدَ ذلك، بأنْ جاوزَ الدمُ أقلَّ الحيضِ ثم انقطع. مصنِّف. قولُه: (لم يجاوز أكَثرَه) أي: أكثرَ الحيضِ، وهو خمسةَ عشَرَ يومًا كما مرَّ، بأن انقطع لستَّة أيامٍ، أو سبعةٍ، أو نحوِ ذلك. دنوشري. قولُه: (اغتسلتْ أيضًا) أي: غُسلًا ثانيًا وجوبًا؛ لصلاحيَّته لأن يكونَ حيضًا؛ احتياطًا للعبادة. ح ف. (تفعلُه ثلاثًا) أي: تفعلُ ما ذُكر، وهو جلوسُها اليومَ والليلةَ وغُسلُها عَقِبَهما ثم غُسلُها عند انقطاعِ الدَّم، تفعل ذلك ثلاثًا، أي: ثلاثَ مرَّات في ثلاثةِ أشهرٍ. والمراد بالشهر في هذا البابِ أعمُّ من الهِلاليِّ؛ لأنه ما يجتمعُ لها فيه الدمُ والطهرُ الصَّحيحان؛ لأنَّ العادةَ لا تثبتُ بدون الثلاثِ، في المشهورِ من المذهبِ؛ لقول النبيِّ ﷺ : "دعي الصلاةَ أيامَ أقرائك" (٢) وهي صيغةُ جمع، وأقلُّه ثلاثةٌ؛ ولأنَّ ما اعُتبر فيه التَّكرار، اعتُبر فيه الثلاثُ، كالأقراء في عدَّة الحرَّة، والشُّهورِ في الآيسةِ والصغيرةِ التي لم تَحِض، وخيارِ المصرَّاة (٣)، ومهلةِ المرتدِّ، وكذا مَن ترك الصلاةَ جُحودًا، أو تهاونًا وكسلًا، فإنهما يُستتابان ثلاثةَ أيامٍ. دنوشري بإيضاحٍ. (فإن لم يختلف) أي: فتجلس الدمَ كلَّه في الشَّهر الرابعِ الذي تكرَّر ممَّا صلحَ حيضًا، وتغتسلُ عند انقطاعِه فقط، لا غير، فلا تثبتُ بمرَّة، ولا مرَّتين؛ لأنَّها إنما تُطلق [على] ما يعودُ كثيرًا، وأقلُّه ثلاثةٌ. وفُهم مِن قوله: "لم يختلف"، أنَّه لو اختلفَ، فما تكرَّر، صارَ عادةً لها، سواءٌ كان الاختلافُ

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صار عادةً تنتقلُ إليه، وتعيدُ صومَ فرضٍ، ونحوهِ فيه. مرتَّبًا -مثلُ أن ترى الدمَ في الشهر الأوَّلِ خمسةَ أيامٍ، وفي الثاني ستَّةً، وفي الثالث سبعةً، فإنَّها تجلس الخمسةَ؛ لتكرُّرها في الثلاثة أشهرٍ، وإنْ تكرَّرت الستَّةُ والسبعةُ، جلسَتهما أيضًا في محلِّهما - أو غيرَ مرتَّب، مثل أنْ تَرى في الشهر الأوَّلِ خمسةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثَّالث ستَّةً أو خمسةً، فتجلس الأربعةَ؛ لتكرُّرها ثلاثًا، فإن تكرَّرت الخمسةُ أو الستَّةُ، جلست في الشَّهر الرابعِ ما تكرَّر فيما سبقَ؛ لأنَّ المتكرِّر حيضٌ دونَ غيرِه. ح ف بإيضاح. (تعيدُ صومَ فرضٍ) أي: تعيدُ بعد التّكرارِ ما فعلَته قبلَه في الزمن الزائدِ على أقلِّ الحيضِ، وفي زمنِ أقلِّه، من الصَّوم الواجبِ ونحوِه؛ لأنَّا تبينَّا أنَّه وقعَ غيرَ صحيحٍ؛ لكونه في زمنِ الحيضِ، ولا يصحُّ فعلُ العبادةِ فيه، ولا تعيدُ الصلاةَ التي فعلَتْها في الزَّمنين. ح ف بإيضاح. (ونحوَه) كطوافٍ واعتكافٍ واجبَين كانت فعلَتْهما فيما تكرَّر ممَّا زادَ على اليومِ واللَّيلة؛ لتبيُّن أن الزمنَ المتقدَّم حيضٌ، ولا يصح فعلُ العبادةِ فيه، لا إنْ أَيِست قبل تكرارِه ثلاثًا، أو لم يَعُد الدمُ بالكلِّية ولو لم تيأَسْ، فإنها لا تُعيد في هاتين المسألتين؛ لتبيُّن صحَّةِ عبادتِها بعدم عودِه، أو بعدم تَكرارِه، فلم يصلُحْ أنْ يكونَ حيضًا. ويحرُمُ وطؤها زمنَ الدمِ الزائدِ على اليومِ والليلةِ قبل تَكراره؛ لاحتمال أنَّه حيضٌ، وإنَّما أمرناها بالعبادة؛ احتياطًا لبراءة ذِمَّتها، فيجب تركُ وَطْئها احتياطًا. ولا يُكره وطءُ المبتدأَةِ إن طَهُرت في أثنائه يومًا فأكثرَ، كغيرِها؛ لأنها رأت النَّقاءَ الخالصَ، مفهومُه: أنَّها إذا طهرت أقلَّ من يومٍ، يُكره وَطْؤها، وليس مُرادًا؛ لأن مَن لها عادةٌ إذا حصلَ لها النَّقاءُ زمنَ الحيضِ ولم تتغيَّر معه قُطنةٌ احتشَت بها، لا يُكره وَطْؤها زمنَه، قلَّ أو كثُر، فهذه مِن بابٍ أوْلى؛ لأنَّها مبتدأَة وليس لها عادةٌ، فهذا القيدُ ليس مرادًا، على طريقة صاحبِ "المغني" (١) وهو الصَّحيحُ الجاري على قواعدِ المذهبِ، وإنَّما خالفه المصنِّف (٢) -رحمه اللهُ تعالى- تَبَعًا لـ"التنقيح". ويشترط لِحلِّ الوطءِ غُسلهما قبلَه.

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وإنْ جاوزه" (١) هذا مفهومُ قولِه فيما تقدَّم في الشَّرح: "فإذا انقطعَ ولم يجاوز أكثرَه" فإذا جاوزَ دمُ المبتدأةِ أكثرَ الحيضِ، فهي مستحاضةٌ؛ لأنَّ دمَها كلَّه لا يصلحُ أنْ يكونَ حيضًا، لمجاوزته أكثرَ الحيضِ، ولا يصلحُ أن يكونَ نِفاسًا. وحكمُها حكمُ الطَّاهراتِ في وجوب العباداتِ. والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدمِ في غير وقتِه من العِرْق العاذلِ، بالذَّال المعجَمةِ، وقيل: المهمَلة، حكاهما ابنُ سِيْده (٢)، والعاذرُ لغةٌ فيه، يَخرج من أدنَى الرَّحم دون قعرِه؛ إذ المرأةُ لها فَرْجان: داخلٌ بمنزلة الدُّبُر، منه الحيضُ، وخارجٌ كالأليتين، منه الاستحاضةُ. ويُعتبر في حقِّها تكرارُ الاستحاضةِ، نصًّا، فتجلسُ قبلَ تكرارِه أقلَّه، كما ذكره في "الإقناع" (٣). ثم هي لا تخلو من حالتين: إمَّا أنْ يكونَ دمُها متميِّزًا، أو غيرَ متميِّز، فإنْ كان متميِّزًا، فقد أشارَ إليه صاحبُ "المنتهى" (٤) بقوله: "فما بعضُه" أي: بعضُ دمِ المبتدأَة التي جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضِ "ثخينٌ" وبعضُه رقيقٌ "أو" بعضُه "أسودُ" وبعضُه أحمرُ "أو" بعضُه "منتِنٌ" وبعضُه غيرُ منتنٍ، وحينئذٍ يكونُ حيضُها زمنَ الدمِ الثخينِ والأسودِ والمنتِن، إذا "صلَحَ" أن يكونَ كلٌّ مِن ذلك "حيضًا" بأنْ لم يَزد على أكثر الحيضِ، ولم ينقصْ عن أقلِّه، فإنَّها "تجلسُه" أي: تدعُ الصومَ والصلاةَ والاعتكافَ؛ لأنَّ ذلك فعلٌ تُشترط له الطهارةُ، فإذا مضَى، اغتسلَت وصلَّت؛ لِما روت عائشةُ ﵂ قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش (٥) إلى رسول اللهِ ﷺ فقالت:

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يا رسولَ اللهِ، إنِّي أستحاضُ فلا أطهر، أفأدع الصلاةَ؟ فقال النبي ﷺ : "إنَّما ذلك عِرْقٌ وليس بالحيضةِ، فإذا أقبلت الحيضةُ، فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت، فاغسِلي عنكِ الدمَ وصلِّي" متفقٌ عليه (١). وإذا عرفَت التمييزَ، وصلَحَ الدمُ الأسودُ أو الثَّخينُ أو المنتِن أن (٢) يكونَ حيضًا، بأنْ لم يُجاوز أكثرَ الحيضِ، ولم ينقصْ عن يومٍ وليلةٍ؛ لأنَّ التمييزَ أمَارةٌ بنفسه، فلم يحتجْ إلى ضمِّ غيرِه، كالعادةِ، فإنَّها "تَجلِسه ولو لم يتوالَ" كأنْ ترى يومًا أسودَ، ويومًا أحمرَ، ويومًا أسودَ، ويومًا أحمرَ، وهلمَّ جرًّا، فإنها تضمُّ الأسودَ، فيصيرُ خمسَةَ عشَرَ يومًا من كلِّ شهرٍ، فيكونُ حيضًا، وزمنُ الدمِ الأحمرِ استحاضة، وكذا لو كانت ترى تسعةَ أيامٍ أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، ثم تسعة أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، ثم تسعة أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، فإنَّها تضمُّ أيامَ الأسودِ الثلاثةَ إلى بعضِها، فيكون حيضُها ثلاثة من كلِّ شهرٍ. "أو" لم "يتكرَّر" يعني: أن دَلالةَ التمييزِ لا تحتاجُ إلى تَكرار، وهو ظاهرُ كلام الإِمامِ أحمد والخِرَقيِّ، واختاره ابنُ عقيل، لأنَّ معناه أنْ يتميَّزَ أحدُ الدَّمين عن الآخَر في الصِّفة، وهذا يوجد بأوَّل مرَّة، فعلى هذا إذا رأت في كل شهرٍ خمسة أحمرَ، ثم خمسةً أسودَ، ثم الباقي أشقرَ، جلسَت زمانَ الأسودِ، ثم تجلسُه في الشهر الثاني والثالثِ والرابعِ ولو لم يتكرَّر، ما لم يجاوزْ أكثرَه. والتمييزُ يحصلُ بأحد أُمورٍ ثلاثةٍ: بالثَّخين، أو الأسودِ، أو المنتِنِ، وما عداه استحاضة، فيصيرُ حكمُها حكمَ الطَّاهراتِ؛ لما ذكرناه، فتغتسلُ عند انقطاعِ الأوَّل، وتصومُ وتتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك. الحالُ الثاني: أن تكونَ غيرَ متميِّزة، واليه أشار صاحبُ "المنتَهى" (٣) بقوله: "وإلَّا" أي: وإنْ لم يكن دمُ المبتدأةِ التي جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ متميِّزًا، بأن كان كلُّه على منوالٍ

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واحدٍ، أو كان متميِّزًا، لكنَّه لم يصلحْ لأنْ يكونَ حيضًا، بأن كان الأسودُ أو الثَّخينُ أو المنتِنُ أقلَّ من يومٍ وليلة، "فـ" إنَّها تجلسُ "أقلَّ الحيضِ من كلِّ شهرٍ" لأنَّ اليقينَ هو الأقلُّ. وقال في "الإقناع" (١) تَبَعًا لـ "الإنصاف" (٢) ": قعدَت من كلِّ شهرٍ غالبَ الحيضِ، سِتًّا أو سبعًا، بالتحرِّي في الستِّ أو السبعِ، عملًا بالغالبِ -وعنه: تجلس أكَثره- اختاره في "المغني" (٣)؛ لأنَّه زمانُ الحيضِ، فإذا رأت الدمَ فيه، جلسَته كالمعتادةِ. وعنه: عادة نسائها، كأمّها، وأختِها، وعمَّتها، وخالتِها؛ لأن الغالبَ شبهُها بهنَّ، وقياسًا على المهرِ، وتُقدَّم القُربى فالقربى. فتلخَّص في هذه المسألةِ أربعةُ أقوالٍ. "حتى يتكرَّر" يعني أن المبتدأةَ المستحاضةَ إذا لم يحصل لها تمييزٌ، أو حصلَ لها تمييزٌ ولكن لم يصلحْ أن يكونَ ما ميَّزته من الدَّم حيضًا، فإنَّها تجلسُ أقلَّ الحيضِ من كلِّ شهرٍ، إلى أن ترى دمًا متميِّزًا يصلحُ أن يكونَ حيضًا ويتكرَّرَ في ثلاثةِ أشهرٍ "فتجلسُ مِن" مثل "أوَّل وقتِ ابتدائها" أي: ابتداءِ الدَّم ستًّا أو سبعًا من كل شهرٍ، بتحرٍّ، إن علمَته، "أو" تجلسُ من أوَّل كل شهرٍ هلاليٍّ إن جهلَتْه" أي: جهلَتْ وقتَ ابتداءِ الدمِ "ستًّا أو سبعًا بتحرٍّ" أي: باجتهادٍ في الستِّ والسبعِ، في ظاهرِ المذهبِ، واختاره الخِرقيُّ، وابنُ أبي موسى (٤)، والقاضي، وجزمَ به في "الوجيز"؛ عملًا بالغالبِ، ولأنَّها تُردُّ إلى غالب الحيضِ وقتًا، فكذا قَدْرًا. فعلى هذا تجتهدُ في الستِّ أو السبعِ، وتفارقُ المبتدأةَ في جلوسها الأوَّلِ، -مع أنَّها مبتدأة نهايتَه- أنَّها مبتدأةٌ مستحاضةٌ؛ لأنَّ تلك أوَّلَ ما ترى الدمَ ترجو انكشافَ أمرِها عن قُرب، ولم يتبيَّن لها دمٌ فاسدٌ، بخلافِ هذه، فإذا عُلم استحاضُتها، فقد اختلطَ الحيضُ بالفاسدِ يقينًا، وليس قرينةٌ؛ فلذلك رُدَّت إلى الغالبِ، عملًا بالظَّاهر. "منتهَى" (٥) مع "شرحه" للدنوشري.

стр. 526

وإن استُحيضتْ مَنْ لها عادةٌ، بأنْ جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ، جَلَسَتْها. (وإن استُحيضت مَنْ) أي: امرأة (لها عادةٌ) مستقرَّة، واستحاضتها (بأن جاوز دمُها أكثرَ الحيض) وهو خمسةَ عشر كما تقدَّم (جلستْها) أي: عادتَها، ولو كان لها تمييزٌ صالح؛ لعموم قولِه ﷺ لأمِّ حبيبة إذ سألْته عن الدَّم: (وإن استُحضيت مَن لها عادةٌ) أي: وهي مَن تَعرفُ وقتَ حيضِها وطُهرِها وشهرِها وتكرَّر. ولمَّا فرغَ الشارحُ من الكلامِ على ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكامِ، شرعَ في الكلامِ على أقسام المستحاضةِ المعتادةِ فقال: "وإن استُحضيت إلخ" لا يقال: المتكلِّم مختلفٌ، فلا يُقالُ: لمَّا فرغ الشَّارحُ، شرعَ المصنفُ، لمغايرة المتكلِّمِ؛ لأنَّا نقول: نزِّلا منزلةَ شخصٍ واحدٍ (بأنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضَ) تصويرٌ للاستحاضةِ (جلسَتها، أي:) قدْرَ (عادتِها) في مثلِ زمنِها، فإن كانت خمسًا من أوَّل الشهرِ، فاستُحضيت، فإنَّها تجلسُ خمسًا من أوَّل كلِّ شهرٍ (ولو كان لها تمييزٌ) لأن النبيَّ ﷺ أمر بالعادة غيرَ واحدةٍ من المستحاضات ولم يَفْصل، وفرَضَهنَّ كلَّهن غيرَ مميِّزات، والتمييزُ إنَّما جاءَ عنه في فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش (١)، وقد صحَّ أنَّه ردها إليه، وفد نُقل عن الإمامِ أحمدَ أنَّها نَسِبت أيامَها، فعُلم أنَّه ردها إلى التَّمييز، لأنَّها ذكرت أنَّها ناسيةٌ، ويدلُّ عليه قولُه ﵊: "المستحاضةُ تدعُ الصلاةَ قدْرَ أيامِ أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لوقت كلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتصلِّي" رواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّها معتادةٌ، فلم تلتفتْ إلى صفة الدَّم كغير المعتادةِ. واعلَمْ أن العادةَ على ضربين: متَّفقة، ومختلفة، بمداخَلةٍ ومباينَةٍ، فالمتفقةُ أن تكونَ

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "امكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثُمَّ اغتسلي وصلِّي" رواه مسلم (١). ولأنَّ أيَّامًا متساويةً، كسبعةٍ في كلِّ شهرٍ، فإذا استُحيضت جلستْها فقط. والمختلفةُ قسمان: إمَّا أن تكونَ على ترتيبٍ، مثلُ أنْ ترى في شهرٍ ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثَّالث خمسةً، ثم تعودُ إلى مِثلِ ذلك. فهذه إذا استُحيضت في شهرٍ أربعًا، فعرفت نَوْبَتَه، عَمِلت عليه، ثمَّ على الذي بعدَه، والذي بعدَه، على العادةِ، وإنْ نَسِيت نوبتَه، جلَسَت الأقلَّ من عادتها، وهو ثلاثةٌ في هذه الصُّورة، ثم تغتسلُ وتصلِّي بقيَّةَ الشهرِ، وإنْ عَلِمت أنَّه غيرُ الأولِ وشكَّت: هل هو الثَّاني أو الثَّالثُ، جلست أربعةً؛ لأنَّها اليقينُ، ثم تجلسُ في الشَّهرين الأخيرين ثلاثةً ثلاثةً، وتجلسُ في الرابع أربعةً أربعةً، ثم تعودُ إلى الثَّلاثة كذلك أبدًا. ويكفيها غُسلٌ واحدٌ عند انقضاء المدَّةِ التي جلسَتها، كالنَّاسية، وصحَّح في "المغني" (٢) و"الشَّرح" (٣) أنَّه يجبُ عليها الغسلُ أيضًا عند مُضيِّ أكثرِ عادتِها. وإمَّا أن تكونَ على غير ترتيبٍ، مِثلُ أن تحيضَ في شهرٍ ثلاثةً، وفي الثَّاني خمسةً، وفي الثَّالث أربعةً، فإنْ أمكنَ ضبطُه بحيث لا يختلفُ، فهو كالأوَّل، فتجلسُه حيث عرفت قَدْرَه، وإن لم يمكنْ، جلَسَت الأقلَّ من عادتِها في كلِّ شهرٍ، واغتسلَت عَقِبَه. وذكر ابنُ عقيل أنَّها تجلسُ أكثرَ عادتِها في كلِّ شهرٍ، كالنَّاسية للعَدَد، وبعَّده صاحبُ "المغني" (٤)؛ إذ فيه أمْرُها بترك الصَّلاةِ وإسقاطِها عنها مع يقين الوجوبِ عليها، بخلاف النَّاسيةِ، فإنَّا لا نعلمُ عليها صلاةً واجبةً يقينًا، والأصلُ بقاءُ الحيضِ. والمذهبُ الأوَّل. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاحٍ. ("أمكُثي قدْرَ ما كانت .. " إلخ) وهو عامٌّ في كلِّ مستحاضة، ولأنَّ العادةَ أقوى (حيضَتُك) بفتح الحاءِ: المرَّة. وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخِرْقةِ التي تستثفرُ (٥) بها المرأةُ،

стр. 528

إنْ علمتْها. العادةَ أقوى؛ لكونها لا تبطلُ دلالتُها؛ بخلاف نحوِ اللون إذا زاد على أكثر الحيض، بطلت دلالتُه. ولا فرق بين أن تكونَ العادةُ متَّفقةً، أو مختلفةً. لكن إنَّما تجلسُ المستحاضةُ عادتَها (إن علمتْها) بأن تعرفَ شهرها، وهو ما يجتمع لها فيهِ حيضٌ وطهرٌ صحيحان، وأقلُّه أربعةَ عَشَرَ يومًا، وتعرفَ وقتَ حيضها منه، ووقتَ طُهرها، وعددَ أيامها، فإن لم تعلمْ عادتَها، بأن جَهِلت شيئًا مما ذُكر، عملت (١) بتمييزٍ صالح، بأن يكونَ بعضُ دمِها أسودَ، أو ثخينًا، أو مُنتنًا، ولم ينقضْ عن أقلِّه، ولم يجاوِز أكثرَه، فتجلسُه، وتتركُ ما عداه. والحالةِ. والفتحُ خطأٌ، والصوابُ الكسرُ؛ لأن المرادَ بها الحالةُ، قاله الخطَّابي (٢)، وردَّه القاضي عياضٌ (٣) وغيرُه، قالوا: الأظهرُ الفتحُ، لأن المرادَ: إذا أقبل الحيضُ. وهو الذي في الفروعِ اليونينيَّة (٤). اهـ. ق س. (لا تبطلُ دَلالتُها) دلالة: مثلَّثة الدالِ، والفتحُ أفصحُ. مصنِّف (إن عَلِمَتها) شرطٌ لقوله: "جلسَتْها" الذي هو جوابٌ للشَّرط، وجوابُ الشرطِ الثاني محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبلَه، كقوله تعالى: ﴿وَفَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] تقديرُه: وحيثُ قلنا: إنّ المستحاضةَ تجلسُ عادتَها، فمحلُّه (إن عَلِمَتْها بأنْ تَعْرفَ شهرَها .. إلخ) تصويرٌ للعلم بالعادةِ. (بأنْ جَهِلَت شيئًا) من ذلك، مِن شهرِها، ووقت حيضِها، وعددِ أيَّامها (عَمِلَتِ بتمييزٍ صالحٍ) أي: إن كان لها تمييزٌ، بأن يتميَّزَ بعضُ الدماءِ عن بعضٍ، كما لو كان بعضُها ثخينًا أو أسودَ أو منتِنًا، والبعضُ الآخَرُ رقيقًا أو أحمرَ أو غيرَ منتنٍ، فتجلسُ الثخينَ والأسودَ والمنتنَ فقط. والتمييزُ الصَّالح: ألا ينقصَ الأسودُ ونحوه عن أقل الحيضِ ولا يجاوزَ أكثرَه، ولا ينقصَ الأحمرُ ونحوه عن أقلِّ الطهرِ؛ ليُمكنَ أن يكونَ

стр. 529

وصُفْرةٌ وكُدْرةٌ زمنَ عادةٍ حيضٌ. (وصُفرةٌ، وكُدرةٌ) أي: شيء كالصديد، يعلوه صفرةٌ وكدرة (زمنَ عادةٍ) أي: في أيام عادةِ حيضِها (حيضٌ) تجلسُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو يتناولُهما. ولأنَّ النِّساءَ كنَّ يبعثنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُفْرةُ، طهرًا فاصلًا بين حيضتين. قال في "المبدع": وظاهرُه: لا فرقَ بين أنْ يكونَ التمييزُ متَّفقًا، مثل أنْ ترى في كلِّ شهرٍ ثلاثةً أسودَ، ثم يصيرُ أحمرَ، وتعبُرُ أكثرَ الحيضِ، أو مختلفًا، مثل انْ ترى في الأوَّل خمسةً أسودَ، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث ثلاثةً، أو بالزِّيادة فيهما، فالأسودُ حيضٌ على كلِّ حالٍ. ح ف. (أي: شيءٍ كالصديد) قال الجوهريُّ (١): صديدُ الجُرحِ: ماؤه الرقيقُ المختلِط بالدَّم قبل أن تَغلُظَ المِدَّة (٢) (وهو يتناولُهما) الصُّفرةَ والكُدرةَ في أيَّامها (بالدرجة) قال في "النهاية" (٣): هكذا يُروى: بكسر الدَّال وفتحِ الراءِ، جمع: دُرْج، وهو كالسَّفَط الصغيرِ تضعُ فيه المرأةُ خِفَّ متاعِها وطيبَها. وقال ق س: بالدِّرَجَة، بكسر الدَّالِ وفتحِ الراءِ والجيمِ، جمعُ: دُرْج، بالضمِّ مع السكونِ. وبضمِّ أوَّله وسكونِ ثانيه في قول ابنِ قُرْقُول (٤)، وبه ضبطَه ابنُ عبد البرِّ في "الموطأ" (٥)، وعند الباجيِّ (٦) بفتح الأوَّلين، ونُوزعَ فيه. وهو وِعاءٌ أو خِرْقةٌ. وقولُه: (فيها الصُّفرة) الحاصلةُ من أثَر دمِ الحيضِ بعد وضعِ ذلك في الفَرْج لاختيار الطُّهر؛ وإنَّما اختيرَ القُطن لبَيَاضه، ولأنه يُنشِّف الرُّطوبةَ، فيظهرُ فيه من آثار الدَّمِ ما لم يظهرْ في غيره.

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والكُدْرةُ، فتقول: لا تعْجَلْنَ حتى تريْن القَصَّة البيضاء (١). تريدُ بذلك الطُّهْرَ من الحيض. قال في "المصباح" (٢) ما معناه: والقَصَّة -بفتح القاف-: الجصُّ، وجاء هذا على التَّشبيه. قال أبو عبيد: معناه أن تخرجَ القطنةُ، أو الخرقةُ التي تحتشي بها المرأةُ، كأنَّها قَصَّة لا تخالطُها صفرة. انتهى. وفي "الكافي" (٣): قال مالك وأحمد: هي ماءٌ أبيضُ، يَتْبعُ الحيضةَ. وعُلم من قوله: "زمَن عادة" أنَّها لو رأت صُفْرةَ، أو كُدْرةً في غيرِ زمنِ العادة، لم يكنْ حيضًا، ولو تكرَّرَ، فلا تجلسُه. وقولُه: (القَصَّةَ البيضاءَ. . . إلخ) بفتح القافِ وتشديدِ الصَّاد المهمَلة: ماءٌ أبيضُ يكون آخِرَ الحيضِ، يتبيَّن به نَقاء الرَّحم، تشبيهًا بالجَصِّ، وهو النَّورة - ومنه: قصَّص دارَه، أي: جصَّصها. وقال الهَرويُّ: معناه: أنْ تُخرِجَ ما تحتشي بها الحُيَّضُ نقيًّا كالقَصَّة، كأنَّه ذهبَ إلى الجُفوف. قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النِّساءِ وأهلِ المعرفةِ فرقٌ بيِّن. (هي ماءٌ أبيضُ) أي: القَصَّة البيضاءُ. مصنِّف (٤). (لم يكن حيضًا ولو تكرَّر، فلا تجلسُه) يعني: ما رأته من الصُّفرة أو الكُدرةِ لم يكن حيضًا، فالتذكيرُ بهذا الاعتبارِ، أو أنَّه ذكر باعتبار الخبرِ، أي: لم يكن الصُّفرةُ أو الكدرةُ حيضًا في غير زمنِ عادتِها؛ لقول أمِّ عطيَّة: كنا لا نَعُدُّ الصفرةَ والكُدرةَ بعد الطُّهرِ شيئًا. رواه أبو داود، والبخاريُّ ولم يَذكر: بعدَ الطُّهرِ (٥). "كشاف القناعِ" (٦) وإيضاح.
следующие страницы →