← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وإن استُحيضتْ مَنْ لها عادةٌ، بأنْ جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ، جَلَسَتْها. (وإن استُحيضت مَنْ) أي: امرأة (لها عادةٌ) مستقرَّة، واستحاضتها (بأن جاوز دمُها أكثرَ الحيض) وهو خمسةَ عشر كما تقدَّم (جلستْها) أي: عادتَها، ولو كان لها تمييزٌ صالح؛ لعموم قولِه ﷺ لأمِّ حبيبة إذ سألْته عن الدَّم: (وإن استُحضيت مَن لها عادةٌ) أي: وهي مَن تَعرفُ وقتَ حيضِها وطُهرِها وشهرِها وتكرَّر. ولمَّا فرغَ الشارحُ من الكلامِ على ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكامِ، شرعَ في الكلامِ على أقسام المستحاضةِ المعتادةِ فقال: "وإن استُحضيت إلخ" لا يقال: المتكلِّم مختلفٌ، فلا يُقالُ: لمَّا فرغ الشَّارحُ، شرعَ المصنفُ، لمغايرة المتكلِّمِ؛ لأنَّا نقول: نزِّلا منزلةَ شخصٍ واحدٍ (بأنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضَ) تصويرٌ للاستحاضةِ (جلسَتها، أي:) قدْرَ (عادتِها) في مثلِ زمنِها، فإن كانت خمسًا من أوَّل الشهرِ، فاستُحضيت، فإنَّها تجلسُ خمسًا من أوَّل كلِّ شهرٍ (ولو كان لها تمييزٌ) لأن النبيَّ ﷺ أمر بالعادة غيرَ واحدةٍ من المستحاضات ولم يَفْصل، وفرَضَهنَّ كلَّهن غيرَ مميِّزات، والتمييزُ إنَّما جاءَ عنه في فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش (١)، وقد صحَّ أنَّه ردها إليه، وفد نُقل عن الإمامِ أحمدَ أنَّها نَسِبت أيامَها، فعُلم أنَّه ردها إلى التَّمييز، لأنَّها ذكرت أنَّها ناسيةٌ، ويدلُّ عليه قولُه ﵊: "المستحاضةُ تدعُ الصلاةَ قدْرَ أيامِ أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لوقت كلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتصلِّي" رواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّها معتادةٌ، فلم تلتفتْ إلى صفة الدَّم كغير المعتادةِ. واعلَمْ أن العادةَ على ضربين: متَّفقة، ومختلفة، بمداخَلةٍ ومباينَةٍ، فالمتفقةُ أن تكونَ

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "امكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثُمَّ اغتسلي وصلِّي" رواه مسلم (١). ولأنَّ أيَّامًا متساويةً، كسبعةٍ في كلِّ شهرٍ، فإذا استُحيضت جلستْها فقط. والمختلفةُ قسمان: إمَّا أن تكونَ على ترتيبٍ، مثلُ أنْ ترى في شهرٍ ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثَّالث خمسةً، ثم تعودُ إلى مِثلِ ذلك. فهذه إذا استُحيضت في شهرٍ أربعًا، فعرفت نَوْبَتَه، عَمِلت عليه، ثمَّ على الذي بعدَه، والذي بعدَه، على العادةِ، وإنْ نَسِيت نوبتَه، جلَسَت الأقلَّ من عادتها، وهو ثلاثةٌ في هذه الصُّورة، ثم تغتسلُ وتصلِّي بقيَّةَ الشهرِ، وإنْ عَلِمت أنَّه غيرُ الأولِ وشكَّت: هل هو الثَّاني أو الثَّالثُ، جلست أربعةً؛ لأنَّها اليقينُ، ثم تجلسُ في الشَّهرين الأخيرين ثلاثةً ثلاثةً، وتجلسُ في الرابع أربعةً أربعةً، ثم تعودُ إلى الثَّلاثة كذلك أبدًا. ويكفيها غُسلٌ واحدٌ عند انقضاء المدَّةِ التي جلسَتها، كالنَّاسية، وصحَّح في "المغني" (٢) و"الشَّرح" (٣) أنَّه يجبُ عليها الغسلُ أيضًا عند مُضيِّ أكثرِ عادتِها. وإمَّا أن تكونَ على غير ترتيبٍ، مِثلُ أن تحيضَ في شهرٍ ثلاثةً، وفي الثَّاني خمسةً، وفي الثَّالث أربعةً، فإنْ أمكنَ ضبطُه بحيث لا يختلفُ، فهو كالأوَّل، فتجلسُه حيث عرفت قَدْرَه، وإن لم يمكنْ، جلَسَت الأقلَّ من عادتِها في كلِّ شهرٍ، واغتسلَت عَقِبَه. وذكر ابنُ عقيل أنَّها تجلسُ أكثرَ عادتِها في كلِّ شهرٍ، كالنَّاسية للعَدَد، وبعَّده صاحبُ "المغني" (٤)؛ إذ فيه أمْرُها بترك الصَّلاةِ وإسقاطِها عنها مع يقين الوجوبِ عليها، بخلاف النَّاسيةِ، فإنَّا لا نعلمُ عليها صلاةً واجبةً يقينًا، والأصلُ بقاءُ الحيضِ. والمذهبُ الأوَّل. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاحٍ. ("أمكُثي قدْرَ ما كانت .. " إلخ) وهو عامٌّ في كلِّ مستحاضة، ولأنَّ العادةَ أقوى (حيضَتُك) بفتح الحاءِ: المرَّة. وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخِرْقةِ التي تستثفرُ (٥) بها المرأةُ،

стр. 528

إنْ علمتْها. العادةَ أقوى؛ لكونها لا تبطلُ دلالتُها؛ بخلاف نحوِ اللون إذا زاد على أكثر الحيض، بطلت دلالتُه. ولا فرق بين أن تكونَ العادةُ متَّفقةً، أو مختلفةً. لكن إنَّما تجلسُ المستحاضةُ عادتَها (إن علمتْها) بأن تعرفَ شهرها، وهو ما يجتمع لها فيهِ حيضٌ وطهرٌ صحيحان، وأقلُّه أربعةَ عَشَرَ يومًا، وتعرفَ وقتَ حيضها منه، ووقتَ طُهرها، وعددَ أيامها، فإن لم تعلمْ عادتَها، بأن جَهِلت شيئًا مما ذُكر، عملت (١) بتمييزٍ صالح، بأن يكونَ بعضُ دمِها أسودَ، أو ثخينًا، أو مُنتنًا، ولم ينقضْ عن أقلِّه، ولم يجاوِز أكثرَه، فتجلسُه، وتتركُ ما عداه. والحالةِ. والفتحُ خطأٌ، والصوابُ الكسرُ؛ لأن المرادَ بها الحالةُ، قاله الخطَّابي (٢)، وردَّه القاضي عياضٌ (٣) وغيرُه، قالوا: الأظهرُ الفتحُ، لأن المرادَ: إذا أقبل الحيضُ. وهو الذي في الفروعِ اليونينيَّة (٤). اهـ. ق س. (لا تبطلُ دَلالتُها) دلالة: مثلَّثة الدالِ، والفتحُ أفصحُ. مصنِّف (إن عَلِمَتها) شرطٌ لقوله: "جلسَتْها" الذي هو جوابٌ للشَّرط، وجوابُ الشرطِ الثاني محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبلَه، كقوله تعالى: ﴿وَفَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] تقديرُه: وحيثُ قلنا: إنّ المستحاضةَ تجلسُ عادتَها، فمحلُّه (إن عَلِمَتْها بأنْ تَعْرفَ شهرَها .. إلخ) تصويرٌ للعلم بالعادةِ. (بأنْ جَهِلَت شيئًا) من ذلك، مِن شهرِها، ووقت حيضِها، وعددِ أيَّامها (عَمِلَتِ بتمييزٍ صالحٍ) أي: إن كان لها تمييزٌ، بأن يتميَّزَ بعضُ الدماءِ عن بعضٍ، كما لو كان بعضُها ثخينًا أو أسودَ أو منتِنًا، والبعضُ الآخَرُ رقيقًا أو أحمرَ أو غيرَ منتنٍ، فتجلسُ الثخينَ والأسودَ والمنتنَ فقط. والتمييزُ الصَّالح: ألا ينقصَ الأسودُ ونحوه عن أقل الحيضِ ولا يجاوزَ أكثرَه، ولا ينقصَ الأحمرُ ونحوه عن أقلِّ الطهرِ؛ ليُمكنَ أن يكونَ

стр. 529

وصُفْرةٌ وكُدْرةٌ زمنَ عادةٍ حيضٌ. (وصُفرةٌ، وكُدرةٌ) أي: شيء كالصديد، يعلوه صفرةٌ وكدرة (زمنَ عادةٍ) أي: في أيام عادةِ حيضِها (حيضٌ) تجلسُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو يتناولُهما. ولأنَّ النِّساءَ كنَّ يبعثنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُفْرةُ، طهرًا فاصلًا بين حيضتين. قال في "المبدع": وظاهرُه: لا فرقَ بين أنْ يكونَ التمييزُ متَّفقًا، مثل أنْ ترى في كلِّ شهرٍ ثلاثةً أسودَ، ثم يصيرُ أحمرَ، وتعبُرُ أكثرَ الحيضِ، أو مختلفًا، مثل انْ ترى في الأوَّل خمسةً أسودَ، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث ثلاثةً، أو بالزِّيادة فيهما، فالأسودُ حيضٌ على كلِّ حالٍ. ح ف. (أي: شيءٍ كالصديد) قال الجوهريُّ (١): صديدُ الجُرحِ: ماؤه الرقيقُ المختلِط بالدَّم قبل أن تَغلُظَ المِدَّة (٢) (وهو يتناولُهما) الصُّفرةَ والكُدرةَ في أيَّامها (بالدرجة) قال في "النهاية" (٣): هكذا يُروى: بكسر الدَّال وفتحِ الراءِ، جمع: دُرْج، وهو كالسَّفَط الصغيرِ تضعُ فيه المرأةُ خِفَّ متاعِها وطيبَها. وقال ق س: بالدِّرَجَة، بكسر الدَّالِ وفتحِ الراءِ والجيمِ، جمعُ: دُرْج، بالضمِّ مع السكونِ. وبضمِّ أوَّله وسكونِ ثانيه في قول ابنِ قُرْقُول (٤)، وبه ضبطَه ابنُ عبد البرِّ في "الموطأ" (٥)، وعند الباجيِّ (٦) بفتح الأوَّلين، ونُوزعَ فيه. وهو وِعاءٌ أو خِرْقةٌ. وقولُه: (فيها الصُّفرة) الحاصلةُ من أثَر دمِ الحيضِ بعد وضعِ ذلك في الفَرْج لاختيار الطُّهر؛ وإنَّما اختيرَ القُطن لبَيَاضه، ولأنه يُنشِّف الرُّطوبةَ، فيظهرُ فيه من آثار الدَّمِ ما لم يظهرْ في غيره.

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والكُدْرةُ، فتقول: لا تعْجَلْنَ حتى تريْن القَصَّة البيضاء (١). تريدُ بذلك الطُّهْرَ من الحيض. قال في "المصباح" (٢) ما معناه: والقَصَّة -بفتح القاف-: الجصُّ، وجاء هذا على التَّشبيه. قال أبو عبيد: معناه أن تخرجَ القطنةُ، أو الخرقةُ التي تحتشي بها المرأةُ، كأنَّها قَصَّة لا تخالطُها صفرة. انتهى. وفي "الكافي" (٣): قال مالك وأحمد: هي ماءٌ أبيضُ، يَتْبعُ الحيضةَ. وعُلم من قوله: "زمَن عادة" أنَّها لو رأت صُفْرةَ، أو كُدْرةً في غيرِ زمنِ العادة، لم يكنْ حيضًا، ولو تكرَّرَ، فلا تجلسُه. وقولُه: (القَصَّةَ البيضاءَ. . . إلخ) بفتح القافِ وتشديدِ الصَّاد المهمَلة: ماءٌ أبيضُ يكون آخِرَ الحيضِ، يتبيَّن به نَقاء الرَّحم، تشبيهًا بالجَصِّ، وهو النَّورة - ومنه: قصَّص دارَه، أي: جصَّصها. وقال الهَرويُّ: معناه: أنْ تُخرِجَ ما تحتشي بها الحُيَّضُ نقيًّا كالقَصَّة، كأنَّه ذهبَ إلى الجُفوف. قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النِّساءِ وأهلِ المعرفةِ فرقٌ بيِّن. (هي ماءٌ أبيضُ) أي: القَصَّة البيضاءُ. مصنِّف (٤). (لم يكن حيضًا ولو تكرَّر، فلا تجلسُه) يعني: ما رأته من الصُّفرة أو الكُدرةِ لم يكن حيضًا، فالتذكيرُ بهذا الاعتبارِ، أو أنَّه ذكر باعتبار الخبرِ، أي: لم يكن الصُّفرةُ أو الكدرةُ حيضًا في غير زمنِ عادتِها؛ لقول أمِّ عطيَّة: كنا لا نَعُدُّ الصفرةَ والكُدرةَ بعد الطُّهرِ شيئًا. رواه أبو داود، والبخاريُّ ولم يَذكر: بعدَ الطُّهرِ (٥). "كشاف القناعِ" (٦) وإيضاح.

стр. 531

ومَنْ حدثُه دائمٌ، يغسلُ محلَّه، ويشدُّه، (ومَنْ حدثُه دائمٌ) كمستحاضة، من به سلس بول، أو مَذْي، أو ريح، أو جرحٌ لا يرقأُ دمه (١)، أو رعافٌ دائم (يَغْسِلُ) وجوبًا (محلَّه) أي: محلَّ الحدث الملوَّث به؛ لإزالة ما عليه من النجاسة، ويحشي المحلَّ بنحو قطنةٍ طاهرة (ويشدُّه) أي: المحلَّ، أي: يعصبْه بطاهرٍ يمنعُ النجاسة حسب الإمكانِ، إن لم يمتنع (٢) بالحشْو. فإن كثُرَ دمُ المستحاضة، اسْتَثْفَرتْ بخرقةٍ عريضةٍ، مشقوقةِ الطرفين، تتلجَّم بها، وتوثق طرفَيْها في شيء آخرَ قد شدَّتْه على وسطها، (ومَنْ حَدَثُه دائمٌ) أي: مستمرٌ، كمستحاضةٍ وما عُطف عليها، فهؤلاءِ حكمُهم حكمُ المستحاضة، إلَّا في الغسل، فإنَّ استحبابَه يختصُّ بالمستحاضة؛ لما تقدم في باب الغُسل تساويهم معنىً، وهو عدمُ التحرُّز من ذلك، فوجب المساواةُ حكمًا. والمستحاضةُ: هى التي ترى دمًا لا يصلحُ أنْ يكون حيضًا ولا نِفاسًا، حكمُها حكمُ الطَّاهرات في وجوبِ العبادات وفعلها، لأنَّها نجاسةٌ غيرُ معتادةٍ، أشبهت سلس البولِ، اهـ. دنوشري وزيادة. (أي: يَعصِبه) وجوبًا بشيءٍ يمنعُ الخارجَ (حَسَبَ) أي: قَدْرَ (الإمكان) فإذا أرادت المستحاضةُ الطَّهارة، فتغسل فرجهَا، وتحتشي بقطنٍ أو ما يقوم مقَامه، فإنْ لم يمنعْ ذلك الدمَ، عصبَتُه بشيءٍ طاهرٍ يمنعُ الدمَ حَسَبَ الإمكانِ (بخرْقةٍ عريضةٍ، مشقوقةِ الطرفين، تتلجَّم بها، وتُوثق طرفَيْها في شيءٍ آخرَ قد شدَّتْه على) جنبيهَا و (وسطها) على الفَرْج؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لحَمْنة حين شكت إليه كثرة الدَّم "أنعت لكِ الكُرْسُفَ -يعنى القُطن- تحشين به المكان" قالت: إنَّه أكثرُ من ذلك

стр. 532

ويتوضَّأُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ. فإن غلَب وقطَر بعد ذلك، لم تبطل طهارتُها. (ويتوضأ) مَن حدثُه دائمٌ (لوقتِ كلِّ صلاة) إن خرج شيء؛ لقوله ﵊ لفاطمةَ بنتِ أبي حبَيْش: "وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ، حتى يجيءَ ذلك الوقتُ" قال: "تلجَّمي" (١) قال في "المبدع": وظاهرُه: ولو كانت صائمةً، لكن يتوجَّه أنْ تَقتصرَ على التَّعصيب فقط. "كشَّاف القناع" (٢). (فإن غلبَ وقطَرَ. . إلخ) فإنْ كان ممَّا لا يمكنُ عصبُه، صلَّى على حسَب حالِه؛ لِفِعل عُمرَ (٣). ولا يَلزم مَن حدثُه دائمٌ إعادةُ الغسلِ والتَّعصيبِ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ الحدثَ مع غَلَبته وقوَّته لا يمكنُ التحرُّز من خروجِه. ومحلُّ عدمِ لزومِ إعادةُ الغُسل والتعصيبِ لكلِّ صلاةٍ، إنْ لم يُفرِّط مَن به الحدثُ الدائم، أمَّا إذا فرَّط، فإنَّه يَلزمُه إعادةُ الغُسلِ والتعصيبِ لكلِّ صلاةٍ. "منتهَى" (٤) و "شرحُه". (لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش. . إلخ) وفي لفظٍ قال: "توضَّئي لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (٥) قال الترمذيُّ: حديثٌ حسن صحيحٌ (٦). وقولُه: "توضَّئي لكلِّ صلاةٍ" يجبُ حملُه على المقيَّد به؛ لأنَّها طهارةُ ضرورةٍ، فتقيَّدت بالوقت، كالتيمُّم، وعلى قياسه: إذا توضَّأتْ قبلَ الوقتِ لغير صاحبةِ الوقتِ، بطلَ بدخوله، كالتيمُّم؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه إذن، فتنوي استباحةَ الصلاةِ. وفُهم من قولِه: "إنْ خرج شيءٌ" أنَّه إذا لم يخرجْ شيءٌ، لم يجب الوضوءُ،

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رواه أحمد (١). وتتعَيَّن نيةُ الاستباحة لدائم الحدث، ولو قلنا: إنَّ طهارتَه ترفعُ الحدث. وظاهر ما تقدَّم: أنَّه لا تبطل الطهارةُ بخروج الوقت، كما لو توضَّأ قبل طلوع الشَّمس، فلا تبطل طهارتُه إذا طلعتْ. قال المجدُ (٢) وغيرُه: وهو أولى، وجزم به ناظم المفردات فقال: وبدخولِ الوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطلُ … لمنْ بها استحاضةٌ قد نقلوا لا بالخروجِ مِنْه لو تطهَّرتْ … للفَجْرِ لَمْ يبطل بشمسٍ ظَهَرتْ وقال أبو يعلى (٣): تبطلُ بكلِّ واحد منهما، أي: بخروج الوقت ودخولِه. وجزم به في "الإقناع" (٤). ولا تلزمُ إعادةُ غَسل وعَصْب لكلِّ صلاة إن لم يُفرِّط، فإن لم كما ذكره في "الفروع" (٥) نصَّ عليه فيمن به سَلَسُ البولِ. وتصلِّي بوضوئها ما شاءَت من الصَّلوات، حاضرةً، وفوائتَ، أو جمعًا، أو نذرًا، ما لم يَخرج الوقتُ، كما تجمعُ بين فرضٍ ونوافلَ اتِّفاقًا؛ لأنَّها متطهِّرة، أشبهت المتيمِّمَ. دنوشري. (ولو قلنا: إنَّ طهارته إلخ) غايةٌ لقوله: "وتتعيَّن" (وظاهرُ ما تقدَّم) مِن قوله: "يتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (وتتعيَّن نيةُ الاستباحةِ) ولو انتقضَتْ طهارتُها بطروءِ حَدَثٍ غيرِ الاستحاضةِ. "كشاف القناع" (٦). (وقال أبو يعلَى: نبطلُ. . إلخ) قال الدنوشري: قلتُ: وهذا الخلافُ يكاد أنْ يكونَ لفظيًّا؛ إذ يَلزمُ على الأوَّل أنَّه إذا توضَّأ للظُّهر في وقته، ثمَّ دخلَ

стр. 534

ولا تُوطأُ مستحاضةٌ إلا لخوفِ عَنَتٍ. يخرجْ شيء أصلًا، لم يلزمْ أن يتوضأَ لكلِّ صلاة. ويصلِّي دائمُ الحدث عَقِبَ طهارته ندبًا. (ولا توطأ مستحاضةٌ) بل يحرم (إلا لخوفِ عَنَتٍ) أي: زنًى منه أو منها؛ لقول عائشة: المستحاضةُ لا يغشاها زوجُها (١). فإن خاف العَنَتَ أحدُهما، أُبيح وَطْؤُها، ولو لواجد الطَّوْل. وكذا إن كان به شَبَق شديدٌ؛ لأنّه أخفُ من الحيض، ومدَّتُه تطول بخلاف الحيض، ولأنَّ وطْءَ الحائض يتعدَّى إلى الولد، فيكون مجذومًا. وحيثُ حرُم وطءُ مستحاضة، فلا كفَّارةَ فيه. وقتُ العصرِ، لم يبطُل وضوءُه، مع أنه يبطلُ بدخول الوقتِ. قال المصنِّف على "الإِقناع" (٢): قال في "الإنصاف" (٣): وهي شبيهةٌ بمسألة التيمُّم، والصحيحُ فيه أنَّه يبطلُ بخروج الوقتِ. بل يحرُمُ، وهو من المفرَداتِ، ويَلزمُه التعزيرُ؛ لأنَّه فَعَلَ معصيةً لا حدَّ فيها ولا كفَّارة. وإنما حَرُمَ وطءُ المستحاضةِ في الفَرْج؛ لقول عائشةَ. . إلخ، ولأنَّ بها أذَى، فحَرُمَ وَطؤها، كالحائضِ. قال في "المبدع": فإن وطئَ أثِم، ولا كفَّارة عليه في الأشهَر. (أي: زنًى منه أو منها) تفسيرٌ للعَنَت، وهو الوقوعُ في الزنى، قدَّمه غيرُ واحدٍ، وقال في "الرِّعاية": أو عنت العُزوبةِ بعدم الطَّول لنكاحِ حُرَّةٍ، أو ثمنِ أمَةٍ، وإنما أُبيح النِّكاحُ مع خوفِ العنتِ، منه أو منها؛ لأنَّ حكمَه أخفُّ من حكمِ الحيضِ، ومدَّته تطولُ، بخلاف الحيضِ. دنوشري. (وكذا إنْ كان به شَبَقٌ) أي: أن الشبق مثلُ العَنَت في إباحة الوطءِ ولو لم يصل إلى حالٍ تُبيحُ وطءَ الحائضِ، بأنْ كان واجدَ الطَّولِ لنكاح غيرِها. مصنِّف على "الإِقناع" (٤) (لأنَّه أخفُّ من الحيض إلخ) أي: لأن حكمَ الاستحاضةِ أخفُّ من حكم الحيضِ، ومدَّته تطولُ. "كشَّاف القناع" (٤) بإيضاح.

стр. 535

ويُستحبُّ غُسْلُها لكلِّ صلاةٍ. وأكثرُ النفاسِ (ويستحب غُسلها) أي: المستحاضة (لكلِّ صلاة) لأنَ أمِّ حبيبة استُحِيضت، فسألتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ. متفق عليه (١). (وأكثر) مدَّة (النفاس) وهو: دمٌّ تُرخيه الرَّحم مع ولادةٍ وقبلَها بيومين، أو ثلاثة مع أمارةٍ على الولادة، كتألُّم، وهو بقيَّةُ الدَّمِ المحْتُبَس في مدَّةِ الحمل لأجله [وأصلُه لغةً: من التنفس، وهو الخروجُ من الجوف. أو مِن نفَّس الله كُربته: أي: فرَّجها] (٢) (وهو دمٌ تُرخيه الرَّحِمُ إلخ) هذا معنى النِّفاسِ إصطلاحًا، فاليومانِ والثلاثةُ نِفاسٌ، فتتركُ الصومَ والصلاةَ بالأمارة على قُربه، ولا تحتسبُ. قال في "شرح الهدايةِ": وعلى أصلنا أن ما تراه الحاملُ قبلَ الوضعِ بيومين أو ثلاثةٍ نِفاسٌ، وإن لم تُحسب من المدَّةِ. نقله ح ف. واستشكَلَه الدنوشري فقال: فإن قلت: إن ابتداءَ مدَّةِ النفاسِ من ابتداءِ خروجِ بعض الولدِ، فكيف تتركُ الصومَ والصلاةَ قبل الولادةِ بيومين أو ثلاثةٍ (٣) … وهي التوجعُّ والتألُّم ألحقت به فصار حكمُها كحكمِها (من التنفُّس) قال الخطَّابي: وأصلُ هذه الكلمةِ مأخوذٌ من التنفس، وهو الدمُ، إلَّا أنَّهم فرَّقوا فقالوا: نَفَست، بفتح النونِ، إذا حاضت، وبضمِّ النونِ، إذا وَلَدت (٤). "ثم سمِّي الدمُ الخارجُ إلخ" (٥) تسميةً مجازيةً، من تسمية المسبِّب -أعني الدمَ- باسم السَّبب، أى: الولادة. فهو مجازٌ مرسَلٌ، علاقتُه السببيَّة.

стр. 536

أربعون يومًا، ولا حَدَّ لأقلِّه. (أربعون يومًا) من ابتداءِ خروج بعضِ الولد. (ولا حدَّ لأقلِّه) أي: النِّفاس؛ لأنَّه لم يَرد تحديدُه، فرُجع فيه إلى الوجود. ويثبت حكمُ النِّفاس بوضع ما يتبيَّن فيه خَلقُ إنسان. (أربعون يومًا) وعنه: ستون يومًا. والأوَّل المذهبُ. قال الترمذي: أجمعَ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبي ﷺ ومَن بعدهم على أن النُّفَساء تدع الصلاةَ أربعين يومًا، إلَّا [أن] ترى الطُّهرَ قبل ذلك، فتغتسلُ وتصلِّي (١)؛ لقول عليٍّ: لا يَحِلُّ للنُّفساء إذا رأت الطهرَ ألا تصلِّي (٢). ولأنَّه حكم بانقضاءِ نفاسِها، وذلك معلقٌ على مُطلَق الطُّهرِ، لكن قال (٣): إذا كان أقل من ساعة، ينبغي أن لا يُلتفتَ إليه، وإنْ كان أكثرَ من ذلك، فظاهرُه أنَّها تغتسلُ وتصلِّي. ولم يقل بالستِّين أحدٌ من الصّحابة، وإنَّما قالَه مَن بعدَهم. دنوشري. (ولا حدّ لأقلّه) فيثبُتُ حكمُه ولو بقطرة، كما أنَّه لا حدّ لأكثر الطُّهر؛ لأنَّها قد تلد الولدَ عاريًا، ولأنَّه لم يَرِد الشرعُ بتحديده. وحكى البخاري في "تاريخه": أن امرأةً وَلَدت بمكةَ، فلم تَرَ دمًا، فلقيَت عائشةَ، فقالت: أنتِ امرأةٌ طهركِ اللهُ (٤). فعلى هذا لو وَلدت ولم ترَ دمًا، فهي طاهرٌ لا نفاس لها. صرّح به في "المغني" (٥) وغيرِه؛ لأنَّ النّفاس هو الدمُ، ولم يوجَدْ. وغالبُه -كما قال المجدُ وابنُ تميم وابنُ حمدان وغيرُهم- ثلاثةُ أشهرٍ. مصنّف (٦). (ويثبتُ حكمُ النفاس بوضع ما) أي: شيءٍ (يتبيَّن فيه خلقُ إنسان) ولو كان الوضعُ بتعديها على نفسِها، كما سيأتي، نصَّ عليه. فلو وضعَت علَقَةً أو مُضغةً لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكمُ النِّفاس؛ لعدم تبينِ خلقِ الإنسانِ غالبًا في ثلاثةِ أشهر. قال بعضُ العلماءِ: إن المَنيَّ يمكثُ في الرحم مدّة

стр. 537

فإنْ طهرتْ فيها، تطهرتْ، وصلتْ. ويُكْرَهُ وطؤُها فيها، فإن عاد الدمُ فيها، فمشكوك فيه، (فإنْ طهرت) النفساءُ بأن انقطعَ دمُها (فيها) أي: في الأربعين (تطهَّرت) وجوبًا، أي: اغتسلت، وتوضأت، أو تيمَّمَت (وصلت) وصامت، كسائرِ الطاهرات. (ويُكْرَه وطؤها) زَمَنَ الطُّهر (فيها) أي: في الأربعين بعد الغُسل. قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيَها زوجُها على حديثِ عثمان بن أبي العاص: أنَّها أتتْه قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقرَبِيني (١). ولأنَّه لا يأمن عودَ الدَّمِ زمنَ الوطءِ. (فإن عاد الدَّمُ) بعد انقطاعه (فيها) أي: في الأربعين (فـ) ـذلك الدمُ العائد (مشكوك فيه) أي: في كونه نفاسًا، أو فسادًا؛ لتعارض الأمارتين فيه، كما لو لم تَرَهُ أربعين يومًا لا يتغيَّر، ثم يمكثُ مِثلَها علقةً، ثم يمكثُ مِثلَها مضغةً، ثم يُنفخُ فيه الروحُ. والولدُ يتغذى بدم الحيضِ حينئذٍ. ح ف مع زيادة. (تطهَّرت) ولو كان أقل من يوم، كالنقاءِ زمنَ الحيضِ. قال في "الإقناع" (٢): فإن انقطعَ في مدته، فطاهر، تغتسلُ وتصلِّي؛ لأنَّه طهر صحيح. قلت: وتصومُ إن بلغ الطهرُ يومًا. وعنه: إن رأت النقاءَ أقل من يومٍ، لا يثبتُ لها أحكامُ الطاهراتِ. دنوشري. (على حديثِ عثمانَ) "على" بمعنى اللام (ولأنه لا يأمنُ عودَ الدمِ زمنَ الوطء) فيكونُ واطئًا في نفاس. ويجبُ عليها الصَّلاةُ والصومُ المفروضُ. وأمَّا النقاء زمنَ الحيضِ فلا يُكره وَطؤها فيه. وربّما يفرّق بينهما بأن يقالَ: إن النفساءَ ضعيفة جدًا بسبب الولادةِ، فعَظمُها ولحمُها في غاية الوَهنِ والضعف، بسببِ ما اعتراها من مرضِ الموتِ، وهو النّفاسُ مع التألم، فلا تتحملُ الوطءَ زمنَ الطهرِ، بخلاف الحائضِ. وفرّق الحفيدُ، ونظر فيه صاحبُ "المبدع"، انظره فيه. (مشكوك فيه) أي: فهذا الدمُ الذي رأته بعدَ الولادةِ دم مشكوك فيه، أي: في كونه دمَ نِفاس

стр. 538

تصومُ وتصلي، وتقضي الصومَ المفروضَ، وهو كحيضٍ فيما تقدَّم. مع الولادة، ثُمَّ رأته في الأربعين فـ (تصومُ وتصلِّي) معه؛ لأنَّ سببَ الوجوب متيقن، وسقوطُه بهذا الدم مشكوكٌ فيه. (وتقضي الصومَ المفروض) ونحوَه، مما فعلته مع الدم العائد؛ احتياطًا؛ لأنَّها تيقنت شَغْل ذِمتها به؛ فلا تبرأ إلَّا بيقين، ولا تُوطأ في هذا الدم. (وهو) أي: النِّفاس (كحيض فيما تقدَّم) مما يحرُمُ: كصلاة، وصومٍ، ووَطْءٍ في فرج. ويجبُ: كغُسلٍ، وكفارةٍ بوطءٍ فيه. ويسقط: كقضاء صلاة، ويحل: كاستمتاع بما دون فَرْج، إلَّا في اعتدال، وكونه لا يوجب بلوغًا، ولا يحتسبُ به في مدَّة إيلاء. أو دمَ فساد. فعلى المذهبِ، يجبُ عليها أن تصومَ وتصليَ ما فُرض عليها ولو مع وجودِ هذا الدم؛ لأنَّ ذمتها مشغولة بالعبادة المفروضةِ، فلا تسقُطُ بهذا الدَّمِ المشكوكِ فيه. دنوشري. (وتقضي الصومَ المفروض) الذي صامَته فيه؛ لأنَّ فِعلَه مع الشك ليس بمُبرئٍ لِمَا تُيقَّن شغلُ ذمتها به. ولا تقضي الصلاةَ المفروضةَ فيه؛ لأنَّه على تقديرِ كونِه دمَ نفاس، لا يجب عليها صلاة، فلا تقضيها. وإنما أوجبنا فِعلَهما فيه احتياطًا؛ لاشتغال ذمّتِها بما فُرض عليها. (ولا توطأ في هذا الدم) الذي عاوَدَها، كما لا توطأ المبتدأةُ في الدم الزائدِ على اليومِ والليلةِ قبلَ تَكرارِه. قال الشارح في حاشيته على "المنتهَى" (١): والظاهرُ وجوبُ الكفارةِ، قياسًا على وجوبِ قضاءِ نحوِ الصَّوم، وقولُ المصنّفِ (٢): إِنه كالدم الزائدِ على اليوم والليلةِ في المبتدأةِ قبلَ تَكراره. غيرُ ظاهرٍ؛ إذ المبتدأةُ لا تقضي ما فعلَته من الواجباتِ في الزائد قبلَ تَكرارِه. وقال الشَّيخُ مرعيّ في "غايته": ويتجه: لا كفارةَ (كحيض) أي: حكمُ النفَساء حكمُ الحائضِ في وطئها، فيلزمُه به الكفارة الواجبةُ في وطء الحائضِ. نَقَله حربٌ، وقاله غيرُ واحدٍ من الأصحابِ. دنوشري.

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإن ولدت توأمين، فأولُ نفاس وآخرُه من الأوَّل، فلو كان بينهما أربعون، فلا نفاس للثاني. ومن صارت نفساءَ بتعدِّيها بضَرْب بطنِها، أو شُربِ دواءٍ، لم تَقضِ. (وإنْ وَلَدت توأَمَين) أي: وَلَدين. (من الأوَّل) لأنَّه دمٌ خرجَ عَقِبَ الولادةِ، فكان نِفاسًا، كحملٍ واحدٍ وضَعَته. دنوشري. (فلو كانَ بينهما) أي: فعلى هذا الحكمِ: لو كان بينهما، أي: انقضَى بين الوَلَدين أربعونَ يومًا. دنوشري. (فلا نِفاس للثاني) نصًّا، بل هو دمُ فساد؛ لأن الولدَ الثَّاني تَبَعٌ للأول، واندرجَ حكمُه فيه، فلم يُعتبر في آخِرِ النِّفاس، كما لا يعتبرُ في أوّله. دنوشري. (لم تقضِ) الصلاةَ زمنَ نِفاسِها. قال في "الفروع" (١): لأنَّ وجودَ الدمِ ليس بمعصية من جهتِها. ولأنَّها لا يُمكنُها قَطعُه، فأنيط الحكمُ به، كما لو تعدى على نفسِه بضربِ ساقِه وصلَّى جالسًا، فإنَّه لا إِعادةَ عليه؛ لكونه صارَ عاجزًا. دنوشري.

стр. 540

كتاب الصَّلاة كتاب الصَّلاة هي لغةً: الدعاءُ. وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مَخْصوصة، مُفْتَتحةٌ بالتَّكْبير مختتمةٌ بالتَّسليم. سُمِّيت كتاب الصَّلاة قوله: (هي لغةً: الدعاء) لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم، وإنَّما عُديَ بـ"على"؛ لتَضَمُّنِه معنى الإنزالِ، أي: أنزلْ رحمَتكَ عليهم. قال النبي ﷺ : "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعامٍ، فليُجِب، فإنْ كانَ مفطرًا فليَطْعَم، وإن كانَ صائمًا فليصلِّ" (١). وقال الشَّاعر: تقول بنتي وقد قربتُ مرتحِلًا … يا ربِّ جنبْ أبي الأوصابَ والوجعَا عليكِ مثلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضِي … نومًا فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضطَجعَا (٢) (أقوال) وهي القراءةُ، والتسبيحُ، والتحميدُ، والتسميعُ، وسؤالُ المغفرةِ، والتشهدُ. لا يقال: التعريفُ غيرُ جامع؛ لعدمِ شمولِه لصلاةِ الأخرسِ؛ لأنَّه لا قولَ فيها، لأنا نقول: المقدرُ كالموجود، فهي مشتملة على الأقوالِ المقدَّرةِ، أو أنَّ التعريفَ باعتبارِ الغالبِ، فلا يردُ أيضًا صلاةُ الجنازةِ. (وأفعال إلخ) وهي القيامُ، والقعودُ، والركوعُ، والسجودُ، وغيرُ ذلك، ولا تَرِدُ صلاةُ المريضِ العاجزِ عن القيامِ والقعود، إذ قيل: يومئ بطَرفِهِ؛ لأنَّ هذا حدٌّ لها بحسب الأصل، أو يقال: إنَّ الأفعالَ المستحضرَةَ بالقلبِ كالموجودةِ. ح ف. (مخصوصة) قال في

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صلاةً؛ لاشتمالها على الدُّعاءِ. مشتقة (١) من الصلَوَيْن، تثنية صلَا، كعَصَا، وهما عِرقان من جَانبيَ الذَّنَب، أو عَظْمان يَنْحنيانِ في الركوع والسجود (٢). "المنتهى" (٣): "معلومة" بدل: "مخصوصة". كتب عليها ح ف: في "الفروع" (٤): "مخصوصة"، بدل: "معلومة"، وهي أولى. (لاشتمالِها على الدعاء) من اشتمالِ الكلِّ على البعضِ، فلا يَرِدُ أنَّها كلها دعاء، وتُطْلَقُ أيضًا لغةً على الرحمة، وعلى اللزومِ، وعلى التبعيةِ، وعلى الإقبالِ على الشيءِ تقرُّبًا. وقد قيل: إن الصلاةَ مأخوذةٌ من ذلك، كما حكاهُ القاضي عياض في "تنبيهاته"، وهي مصدر صلَّى يصلِّي، وألِفُها منقلبةٌ عن واو، بدليلِ جمعِها على صلوات، تحركتِ الواو، وانفتحَ ما قبلَها، فقُلِبَت ألفًا، وإنما كُتِبَتْ في المصحف بالواو تفخيمًا. انتهى. ح ف. (مشتقَّة من الصَّلوَين إلخ) وقال ابنُ فارسِ (٥): من صليتُ العودَ، بتشديدَ اللام، إذا لينْتَه؛ لأنَّ المصلي يلينُ ويخشعُ قلبه في صلاته. وردهُ النووي (٦)، بأن لامَ الكلمةِ في الصلاةِ واو، وفي صليت ياء، فكيف يصحُّ الاشتقاق مع اختلافِ الحروف الأصلية، إذْ يُشتَرط في الاشتقاق الأصغرِ التوافقُ في الحروف؟. وجوابُه: أن الواو وقعت رابعة، فقُلِبت ياء؛ لأنَّ القاعدةَ إذا وقعتِ الواو رابعة، تُقْلَبُ ياءً، ولعله ظن أن مرادَه صَلِيَت المخفف، تقول: صَلَيتُ اللحمَ صَليًا، إذا شويتَه، وإنما أرادَ ابنُ فارس المضعفَ.

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال ابن الأعرابي: صَليتُ العصا تصليةً، أدَرْتها (١) على النَّار لتقومها. وقيل: لأنَّها ثانية لشهادةِ التَّوحيد، كالمُصَلي السابقِ من خيل. والأصلُ في وجوبها الكتابُ والسنة والإجماعُ: أما الكتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]. والسنة قولُ النبي ﷺ : "بُنِي الإسلامُ على خمسٍ، شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضان، وحجَّ البيتِ من استطاع إليه سبيلًا". متَّفق عليه من حديث ابن عمر (٢). والأخبارُ في ذلك كثيرة. وأمَّا الإجماعُ، فقد أجمعَ المسلمونَ على وجوبِ خمسِ صلوات في اليومِ والليلةِ. "فائدة": وحكمةُ اختصاصِ الخمسِ بهذه الأوقات، كما قالَه أكثر العلماء، وأبدوا له حِكمًا، من أحسنِها (٣): تذكُرُ الإنسانِ بها نشأتَه، إذْ ولادتُه كطلوعِ الشَّمسِ، ومنشؤُه كارتفاعِها، وشبابُه كوقوفِها عند الاستواء، وكهولتُه كميلِها، وشيوخَتُه كقربِها للغروب، وموتُه كغروبِها، ويزادُ عليه: وفناءُ جسمِه كانمحاقِ أثرها، وهو الشفقُ الأحمرُ، فوجبتِ العشاءُ حيئنذ تذكيرًا لذلك. كما أن كمالَه في البطنِ، وتهيئتَه للخروجِ، كطلوعِ الفجرِ الذي هو مقدَّمةٌ لطلوعِ الشَّمسِ، المشبهِ بالولادةِ، فوجبَ الصبحُ حينئذ لذلك أيضًا، وكان حكمةُ [كون] الصبحِ ركعتين بقاءَ كسلِ النوم، والعصرين أربعًا توفُرَ النشاطِ عندهما بمعاناةِ الأسبابِ، والمغربِ

стр. 543

تجب على كلِّ وفُرِضتْ ليلةَ الإسراء بعدَ مَبْعَثِه ﷺ بنحوِ خمسِ سنين (١). وهي آكدُ أركانِ الإسلام بعد الشَّهادتين. (تجبُ) الخمسُ في كل يوم وليلة (على كلِّ) مُسْلم ثلاثًا؛ لأنَّها وترُ النَّهارِ، ولم تكن واحدة؛ لأنَّها بتراءُ (٢) من البَتْرِ، وهو القطعُ، وألحِقَتِ العشاءُ بالعصرين؛ لينجبرَ نقصُ الليل عن النهار، إذْ فيه فرضان، وفي النَّهارِ ثلاثةٌ؛ لكونِ النفسِ على الحركةِ فيه أقوى. "تنبيه": والأصلُ في مشروعيةِ الصلواتِ الخمسِ أيضًا قولُه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ﴾ إلى آخرِ الآية [الروم: ١٧ - ١٨]، أي: سبحوا الله، بمعنى: صلوا، ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أي: تدخلونَ في المساء، وفيه صلاتان، المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي: تدخلونَ في الصباحِ، وفيه صلاةُ الصبحِ، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراضٌ، ومعناهُ: يحمدُه أهلُهما. ﴿وَعَشِيًّا﴾ عطفٌ على "حين"، وفيه صلاةُ العصر. ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تدخلونَ في الظهيرة، وفيه صلاةُ الظهر. من "تفسير الجلالين". (بنحوِ خمس سنين) وقيل: قبلَ الهجرةِ بسنة، وقيل: بعدَ مبعثِه بخمسةَ عشرَ شهرًا، واقتصرَ على الأوّل في "الإقناع"، والمصنفُ على "المنتهى" (٣) على المشهورِ بين أهل السير. (على كل مسلمٍ) ذكرٍ أو أنثى أو خُنْثى، أو عبد أو مبغضٍ، فلا تجبُ على كافرٍ أصلي، بمعنى أنَّا لا نأمُره بها في كفره، ولا بقَضَائِها إذا أسلم؛ ترغيبًا له في الإسلام، ولأنَّها لو

стр. 544

مكلف (مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ، ذَكَرٍ أو أنْثى أو خُنْثى، حُرٌّ أو عبدٍ أو مُبَعضٍ وَجبت عليهِ حالَ كفرِه، لوجبَ عليهِ قضاؤُهَا، ولأن وجوبَ الأداءِ يقتضي وجوبَ القضاء، واللازمُ منتف، ولقولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الآية [٣٨ من سورة الأنفال]، ولا تصحَّ منه، وتجب عليه وجوبَ عقاب؛ لأنهم مخاطبونَ بفروعِ الإسلام، وكذا حكمُ المرتد، وإذا أسلمَ قَضَى ما فاته قبلَ ردتِه، لا زمَنَها، ولأنَّه أسلمَ خلق كثيرُ في عصرِ النبي ﷺ ومن بعدَه، فلم يَأمر أحدًا بالقضاءِ؛ لما فيه من التنفيرِ عن الإسلام. انتهى. ح ف مع زيادة. (مكلفٍ) وهو البالغُ العاقلُ، فلا تجبُ على مجنونٍ لا يُفيق، فلا يقضيها بعدُ، ولا على صغيرٍ؛ لقوله ﵊: "رفعَ القلمُ عن ثلاث، عن النائمِ حتَّى يستيقظ، وعن الصبيّ حتَّى يحتلِمَ، وعنِ المجنونِ حتَّى يعقل". رواه الإمامُ أحمد والترمذي وأبو داود (١). ولأنَّها عبادة بدنية فلم تلزم غيرَ البالغِ، ولأنَّ المجنونَ غيرُ مخاطبٍ؛ لعدمِ اَلةِ الخطاب، وهي العقل. قال الدنوشري: والأبله، قال في "المختار" (٢): رجل أبلهُ بَينُ البلاهةِ والبَلَهِ، وهو الذي غلبت عليه سلامةُ الصدرِ، وبابه: طَرِب وسَلِم، وتبله أيضًا، والمرأةُ بلهاءُ. وفي الحديث: "أكثرُ أهلِ الجنّة البُلهُ" (٣). يعني: البُلْهَ في أمرِ الدُّنيا؛ لقلةِ اهتمامِهم في أمر الدُّنيا، وهم أكياس في أمرِ الآخرةِ.

стр. 545

غيرِ حائضٍ ونفساءَ. فيقضي نائمٌ ومغمى عليه ونحوه (غيرِ حائضٍ ونُفساءَ) فلا تجبُ عليهما. ولو لم يَبلُغِ المسلمَ المكلَّفَ الشرعُ، أو كان نائمًا أو مُغطًّى عقلُه بإغماء (فيَقضِي نائمٌ ومُغمًى عليه ونحوه) قال بعضهم: الظاهرُ أن هذا المعنى غير مرادٍ هنا، وإنَّما المرادُ بالأبلهِ من يَغلِبُ عليه التغفُّل، وعدمُ المعرفةِ. (غيرِ حائضٍ ونفساء) مستثنًى ممن تجبُ عليه الصَّلاةُ، فلا تجبُ عليهما؛ لقول عائشة ﵂: كنَّا نؤمَر بقضاءِ الصومِ، ولا نؤمَرُ بقضاءِ الصَّلاة (١). ولو كانت واجبة في تلكَ الحالةِ لأُمِرْنَ بقضائِها، كما أمِرنَ بقضاءِ الصوم. ح ف. (ولو لم يبلغ المسلمَ المكلَّفَ الشرعُ) كمن أسلمَ بدارِ الحربِ، أو نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام مسلمًا، مع عدمِ مَنْ يتعلَّم منه، ولم يعلَم بوجوبِها، فيقضِيها إذا علم. إن قلت: إذا لم يبلغْهُ الشرعُ كيف يُحْكَمُ عليه بأنَّه مسلمٌ؟ أجيبَ: بأنَّ المرادَ منهُ تفصيلُ الأحكامِ المكلَّفِ بها، وإلا، فالإسلامُ من جملةِ الشرع. تأمَّل. (أو كان نائمًا) أي: فيجبُ عليه القضاءُ إذا استيقظَ. ح ف. (أو مُغطّى عقلُه بإغماءٍ) أي: فيقضي إذا أفاق، والفرقُ بينه وبينَ المجنونِ، أن الجنونَ تطولُ مدَّتُه بخلافِ الإغماء، ولأنَّه دونَ الجنون في تغطية العقل. وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يلزمُه إلَّا أن يُفيقَ في جُزء من وقتِها (٢). وقال أبو حنيفة: إنْ أغميَ عليه أكثرَ من خمسِ صلواتٍ، لم يقضِ شيئًا، وإلا، قضى الجميعَ (٣). ح ف.

стр. 546

أفاقَ. كمغطًّى عقلُه بشربِ دواءٍ، وسَكْران ولو مكرهًا (أفاق) (١) كلٌّ منهم، ما مضَى عليه من الصَّلوات زَمنَ ذلك؛ لحديث: "من نام عن الصَّلاةِ أو نَسيَها، فليُصلِّها إذا ذَكَرَها" رواه مُسلم (٢). وغُشِيَ على عمَّارٍ ﵁ ثلاثًا، ثُمَّ أفاقَ، وتوضأ، وقَضَى تلك الثلاث (٣). ويَقْضي مَن شَرِب مُحرَّمًا حتَّى زَمَن جُنونٍ طَرَأ مُتَّصِلًا به؛ تَغْليظًا عليه. (بشربِ دواءٍ) الشربُ بضمّ الشين، وهو أشهرُها، وبفتحِها، وهو القياس، وبكسرِها، وهو قليلٌ، وقُرِئَ بالثلاثِ قولُه تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (٤) [الواقعة: ٥٥]. والدَّواء، بفتح الدال ممدودًا، وكسرُها لغةٌ فيه، حكاهُما الجوهريُّ (٥)، وفي "القاموس" (٦): مثلثة، وهو ما يُتَنَاول للمداواةِ. وبالقصرِ: المرضُ. (ويَقضي من شَرِبَ محرَّمًا) قيَّده الشارح (٧) بشربِه. وكذا أكلُه، وهو ظاهرُ "التنقيح". ح ف. (طرأَ مُتَّصِلًا به) أي: يقضي الصلاةَ من [طرأ جنونُه] (٨) على السكرِ متصلًا بشربِ

стр. 547

ولا تصحُّ من مجنونٍ ولا كافرٍ، (ولا تصحُّ) صلاةٌ (من مجنونٍ) وغيرِ مميِّزٍ؛ لأنَّه لا يَعقلُ النِّيَّةَ. (ولا) تصحُّ من (كافرٍ) لعدمِ صحَّة نيَّته، ولا تجبُ عليه، بمعنى أنَّه لا يلزمه القضاء إذا أسلم، [لا بمعنى سقوطها عنه في الآخرة] (١)، ويُعاقَبُ عليها وعلى سَائر فروعِ الإسلام إذا مات كافرًا. المحرَّم؛ تغليظًا عليه، وفيه احتمال: لا يلزمُهُ قضاءُ زمنِ جُنُونِه الذي طرأ مُتَّصِلًا بسكرِه؛ لكونِه صارَ غيرَ مكلَّفٍ، والمذهب الأوَّل. دنوشري. (ولا تصحُّ صلاةٌ من مجنون) ولا تجبُ عليه. قال ابن عادل: المجنونُ: الذي ألَمَّت به الجِنُّ، سُمُّوا بذلكَ لاستتارِهم. يقال: مجنونٌ، ومعنونٌ، ومهروعٌ، ومخنوقٌ، ومعتوهٌ، وممسوسٌ؛ لأنَّ المجنونَ ليسَ من أهلِ التكليف، أشبهَ الطفلَ، ولأنَّ من شرطِ صِحَّتِها النيَّةُ، وهي لا تصحُّ من مجنونٍ، ويستثنَى من ذلك ما لو طرأ الجنونُ على الردَّةِ، واتَّصلَ بها، فإنَّه يجبُ عليه قضاءُ أيَّامِ الجنون الواقعةِ في الردَّةِ؛ لأنَّ إسقاطَ القضاءِ عن المجنون رخصة، والمرتدُّ ليسَ من أهلِها، ولو ضُرِبَ رأسُه فَجُنَّ، لم يجبْ عليه القضاءُ على الصَّحيح من المذهب. قاله في القاعدة الثانية بعد المئة (٢). وفي "المستوعب": لا تجبُ الصَّلاةُ على الأبلهِ الذي لا يعقلُ، ولا يفيق، وقال في الصوم: لا يجبُ على المجنونِ ولا على الأبلهِ اللَّذينِ لا يُفيقَانِ. قال في "الفروع": وجَزَمَ به بعضهم (٣). دنوشري مع زيادة.

стр. 548

وإن صلَّى أو أذَّن، فمسلم حكمًا، (وإنْ صَلَّى) الكافرُ على اختلاف أنواعه في دار إسلامٍ أو حرب جَمَاعة، أو مُنْفَرِدًا بمسجدٍ أو غيره، فمسلِمٌ حُكْمًا. (أو أَذَّنَ) الكافرُ ولو في غير وقته (فمسلِمٌ حُكْمًا) أي: ظاهرًا، فلو مَاتَ عَقِب ذلك، فَتَرِكَتُه لأقاربه المسلمين، ويُغَسَّل، ويصلَّى عليه، ويُدْفَن بمقابرنا. وإنْ أرادَ البقاءَ على الكفر، وقال: إنَّما أردتُ التَّهزِّي. لم يُقْبل. (على اختلافِ أنواعه) أصليًّا كانَ أو مرتدًّا، في أيِّ حال أو محلٍّ، بدارِ الإسلامِ أو دارِ الكفرِ، في جماعة أو فرادى، بمسجدٍ أو خارجَهُ. (فمسلمٌ حكمًا) أي: حُكِمَ بإسلامِه في الظاهر قهرًا عليه بصلاتِه أو أذانِه، بمعنى أنَّه لو ماتَ بعدَ الصلاةِ، أو الأذان، قُضِي بتركتِه لأقاربِه المسلمين. وإذا قال من صلَّى أو أذَّنَ -ولو في غير وقتِه-: هو كافرٌ، وإنَّما صلَّى مستهزئًا، أو متلاعبًا، وأرادَ البقاءَ على الكفرِ، فهو مرتدّ، فلو ادَّعَى أَنَّه كانَ متلاعبًا أو مستهزِئًا، لم يُقبلَ منه. ذكره في "عيون المسائل" و "منتهى الغاية" وغيرهما، وكان كما لو نَطَقَ بالشهادتين طائعًا. ولا يُحكَمُ بإسلامِه بالصلاة حتَّى يأتيَ بصلاة يتميَّزُ بها عن صلاة الكفار، من استقبالِ قبلَتِنا، والركوعِ، والسجودِ، فلا يحصلُ بمجرَّدِ القيامِ. أما كونُ الكافرِ يحكَمُ بإسلامِه [إذا] (١) صَلَّى؛ فلقولِه ﷺ : "من صَلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فلهُ مالنا، وعليه ما علينا" (٢). فالظاهرُ من قوله: "وصلَّى صلاتنا" حتَّى يصلِّي ركعة؛ لما يأتي فيمن حَلَفَ لا يُصلِّي صلاة، أنَّه لا يحنث حتَّى يصليَ ركعة، ولأنَّ الصلاةَ على هذه الهيئةِ عبادةٌ تختصُّ بشرعِنا، أشبهَتِ الأذانَ.

стр. 549

ويُؤمَر صغيرٌ بها (ويؤمر صغيرٌ بها) أي: بالصلاة، وفي حجِّه وصومه قاصدًا رمضان، وزكاتِه مالَه، وقيل: وبقيَّةِ الشرائعِ والأفعالِ المختصَّةِ بنَا، كجنازةٍ، وسجدةِ تلاوةٍ: وجهان، أصحُّهما: لا. قال في "الإقناع" (١): ولا يحكم بإسلامه بإخراجِ زكاةِ مالِه، وحجِّه، ولا بصَومِه قاصدًا رمضانَ. "تنبيه": قلتُ: يتعيَّنُ أن يكونَ المرادُ بالكافرِ الذي يُحكَمُ بإسلامِهِ إذا أذَّن: هو من يُنْكِر رسالةَ محمَّدِ ﷺ بالكليَّةِ، كالوثنيّ، والمجوسي، وعُبَّادِ النَّار. أمَّا من يعتقدُ رسالةَ محمَّد ﷺ إلى العربِ خاصَّةَ، فلا يُحكَمُ بإسلامِه بمجرّد الأذان، وإنَّما يحكم بإسلامه حتَّى يشهدَ أن محمدًا رسولُ الله ﷺ بُعِثَ إلى العالَمِين كافّة، كما هو مصرَّحٌ به في باب الزكاة، أو يقول: أنا بريءٌ من كل دينٍ يُخالِفُ دينَ الإسلام. مع الإتبينِ بالشهادتين، وإنَّما يُحكَمُ بإسلامِه بالنسبةِ إلى الأحكامِ المتفقة لا في جميع الأحكام. قال في "المنتهى": ولا تصحُّ صلاته (٢). أي: صلاةُ الذي حُكِم بإسلامه، فإنَّها لا تصح ظاهرًا، فيؤمَرُ بإعادتِها؛ لفقدِ شرطِها، وهو الإسلامُ حالة نيَّتها، ولعدمِ صحَّتها من الكافرِ. وأمَّا في الباطنِ، فقالَ في "المغني": إنْ عَلِمَ أَنَّه كانَ قد أسْلَمَ، ثُمَّ توضَّأ وصلَّى بنيَّةٍ صحيحةِ، فصلاتُه صحيحة، وإلا، فعليه الإعادةُ (٣). ولا يعتدُّ بأذانِه، فلا يسقطُ به فرضُ الكفاية؛ لاشتراطِ النيَّة فيه، وعدمِ صحَّته منَ الكافر. دنوشري. (ويُؤمَرُ صغير بها) لم يبلغْ، ولا تَجِبُ عليه، ولا تصحُّ منه حيثُ لم يكنْ مميّزًا، على الصَّحيح من المذهب، والمرادُ بالصغيرِ هنا هو من لم يبلغ، وإنَّما لم تجبِ الصَّلاةُ على من لم يبلغ على الصَّحيح من المذهب؛ لقولِ النبي ﷺ : "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة، عن الصبيّ حتَّى

стр. 550

لسَبْعٍ، أي: بفعلها (لسبْعٍ) يبلغ، والمجنونِ حتَّى يُفيق، وعن النائم حتَّى يستيقظ" (١). ولأنَّ [من لم يَبْلُغُ صغير] (٢)، فلم تجب عليه كالطفل، ولأن الصغيرَ ضعيف العقلِ والبُنيةِ، ولابدَّ من ضابطِ يضبطُ الحدِّ الذي تَكمُل فيه بُنْيَتُه وعقلُه، فإنَّه يتزايدُ بتزايدٍ (٣) خفيِّ التدريج، فلا يُعلَمُ بنفسه، فَنَصَبَ الشارعُ عليهِ علامةً ظاهرةً، وهي البلوغُ، ولهذا تجبُ به الحدودُ، وتتعلَّقُ بهِ أحكامُ التكليفِ، ومن جُملتِها الصَّلاةُ. دنوشري. (لسبع) وتصحُّ من مُمَيِّز استكملَ سبعَ سنين، على الصَّحيح من المذهب. وقال ابن أبي الفتح في "المطلع" (٤): هو الذي يَفْهم الخطابَ، وَيرُدُّ الجوابَ، ولا ينضبطُ بسنٍّ، بل يختلفُ باختلافِ الأفهام. وصوَّبَهُ في "الإنصاف" (٥)، وقال: إن الاشتقاقَ يدلُّ عليه. ويشهَد (٦) لِصحَّة صلاةِ المميِّز أمرُه ﵊ بضربِ أبناءِ سبعِ سنينَ عليها (٧)، ولولا أنَّها تصحُّ منهم، لم يَأمُر بضربِهم عليها، ولأنَّه ﵊ صلَّى بابنِ عباس، وهو صغيرٌ وأقامهُ عن يمينِه (٨)، ولولا صِحَّتها منه، لم تنعقدِ الجماعةُ بهِ، فعدم (٩) الوجوب لا يمنع الصحَّة، ولأنَّ له نيَّة صحيحةً، وقصدًا صحيحًا، فأشبهَ البالغَ،

стр. 551

ويُضرَب عليها لعَشْرٍ، وعلى وليِّه تعليمُه إيَّاها أي: يَلْزَم وليَّه أن يأمرَه بالصَّلاة لتَمام سبعِ سنين؛ ليَعتادها ذَكرًا كان أو أنثى. (ويُضربُ) الصغيرُ وجوبًا (عليها لعشْر) سنين؛ لحديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه يرفعُه: "مُرُوا أبناءَكُم بالصَّلاة وهم أبناءُ سبعِ سنين، واضربُوهم عليها لعشرِ سنين، وفرِّقوا بينَهم في المضاجع" رَواه الإمامُ أحمد وغيره (١). (و) يجبُ (على وَليِّه) أي: الصَّغيرِ (تعليمهُ إيَّاها) أي: الصلاةَ وعُلِمَ منه أنَّها لا تصحُّ ممَّن لم يميِّز، وهو كذلك؛ لأنَّ من شرطِ صحَّةِ الصلاةِ النيَّة، وهو لا قَصدَ له، فلم تصحَّ نيته، فلا تصح صلاتُه. ح ف. مع زيادة. (أي: يلزَمُ وليه أن يأمرَه بالصلاة) الأب، ووصيّه، وَيلَزَمُه أيضًا تعليمُه الصلاةَ، والطهارةَ من المحدثين والخبث، كما يَلزَمُ الوليَّ فعلُ ما يعود على إصلاحِ مالِ مُوَلِّيه، وكما يلزمُ الوليَّ على مُوَلِّيه عن المفاسدِ. وإنَّما لَزِمَ الوليَّ تعليمُه الصلاةَ والطهارة؛ لأنَّه لا يمكنُه فعلُ ما أمِر به إلَّا إذا علمه، فإنِ احتاجَ إلى أجرةٍ، فمِن مالِ المميِّزِ، فإنْ لم يكن لهُ مال، فعلى من تلزمُه نفقَتُه. فإنْ قُلتَ: إن المميِّزَ غيرُ مكلَّف، فكيفَ يُؤمَرُ بها لسبع، ويضرَبُ على تركِها لعشرٍ؟ قلتُ: لأنَّه قد نصَّ الإمامُ على وجوبِ الصلاةِ على من بلغَ عشرًا، وعنه أيضًا: إنَّما تجبُ على المراهق، ولأنَّه إذا بلغَ سن العشرِ يلحقُه بعضُ الأحكامِ كلحوقِ النسبِ. فالأمرُ والتأديبُ؛ ليتمرَّنَ عليها، ويعتادَها إذا بلغَ، فالتأديبُ ها هنا كالتأديبِ على تعلُّم الخطِّ والقرآنِ ونحوهما من المباحات. دنوشري.

стр. 552

والطهارةَ وما يحتاجه لدينه، كإصلاح ماله، وإن بَلَغَ في وقتها، (و) تعليمُه (الطهارةَ) بالنَّصب، وكفُّه عن المفاسد (و) تعليمُه (ما يحتاجُه لدينه) من حَلالٍ وحرامٍ وغيرهما (كإصلاح مالِه) أي: كما يلزمُ الوليَّ أنْ يُصلِح مالَ الصَّغير بحفظِه والتَّصُّرفِ فيه بما فيه حظٌّ للصغير. (وإنْ بَلغ) صغيرٌ (في وقتها) أي: الصلاةِ، بأنْ تمَّت مدَّةُ بلوغِه قبلَ خروج وقتِ الصَّلاة، سواءٌ كان في أثناء الصَّلاة أو بعدها (وإنْ بلغَ صغيرٌ) أي: بَلَغَ المميِّزُ. (أي: الصلاة) المفروضة من الصلواتِ الخمسِ. (بأن تمَّت مدَّةُ بلوغِه) هذا مجرَّدُ تمثيلٍ من الشارح، وإلا فيمكن أن تصوَّر بما إذا أنزلَ في الصلاةِ، بأنْ فكَّر مثلًا، فأنزلَ، فإنَّه يُحكَمُ ببلوغِه أيضًا، ويعيدُ الصَّلاةَ؛ لأنَّها باطلةٌ. (أو بعدها) أي: بعدَ أنْ صلَّاها، فلم تجزئهُ عن الفريضة، إلَّا على روايةِ الوجوب، فلا تلزمُه إعادتُها. ذكره في "التلخيص" و "البلغة"، وقدَّم جماعةٌ وجوبَ الإعادةِ مطلقًا، وهو الصحيحُ من المذهب، والقواعدُ تقتضيه، كما يلزمُهُ إعادةُ الحجِّ. وقوله: "في وقتها" فلو خرجَ الوقتُ وهو فيها، فبلغَ، فلا إعادةَ عليه؛ لأنَّه لم يدركْ وقتَ الوجوبِ. نبَّه عليه المجدُ. ولا يلزمُهُ أنْ يتمَّها إذا بلغَ فيها، قالَه في "الفروع" (١)، وحكى فيه في "الإنصاف" (٢) خلافًا، ومشى في "الإقناع" (٣) على الوجوب. قال المصنِّف عليه: قدَّمَه أبو المعالي في "النهاية"، وتبعَه ابنُ عبيدان، وقال في "الفروع" (٤) وغيره: [و] حيثُ وَجَبتْ، لزمَهُ إتمامُها، وإلَّا، فالخلافُ في النَّفْلِ، أي: إنْ قلنا: تجبُ الصلاةُ على ابنِ عشرٍ، فبلغَ فيها، لزمَه إتمامُها وإعادتُها، وإنْ قلنا: لا تجبُ عليه قبلَ البلوغِ، كما هو المذهب، فبلغَ في أثنائِها،

стр. 553

أعادها. ويَحرُم تأخيرُها عن وقت الجوازِ (أعادَها) أي: الصلاةَ وجوبًا؛ لأنَّها نافلةٌ في حقِّه فلمْ تُجزِئْه عن الفريضة -وسُمِّيَ بلوغًا؛ لبلوغِه حَدَّ التكليف. ويُعِيدُ البالغُ أيضًا- تَيمُّمًا، لا وضوءًا وإسلامًا. (ويَحرُم) على من وَجَبَتْ عليه (تأخيرُها) أو بعضِها (عن وقت الجواز) وهو وقتُها المعلوم -ممَّا يأتي- فيما لها وقتٌ واحد، والوقتُ المختارُ فيما لها وقتَان، فوجوبُ إتمامِها مبنيٌّ على القولين فيمن شَرَع في نفلٍ، هل يجبُ عليه إتمامه. والصحيح كما يأتي: لا يلزمُه إتمامُه. فعلى هذا لا يلزمه إتمامها (١). قال ابنُ نصرِ الله، يسألُ عن معنى الإعادة: هل هي بمعنى القضاءِ، أو بمعنى أصلِ الفعل؟ ثانيها. (ويعيدُ … تيمُّمًا) للصلاةِ التي بلغَ فيها إذا كانت بتيممٍ؛ لأنَّ الصلاةَ صارتْ في حقِّه فرضًا بعد أن كانت نفلًا، والتيمُّمُ للنفلِ لا يؤدَّى به الفرضُ، فوجَبَتْ إعادتُها، الصلاةِ والتيمُّمِ. (لا وضوءًا) أي: لا يلزمُه إعادةُ وضوءٍ، ولا إعادةُ غُسْلٍ لجنابةٍ؛ لأنَّ المتوضِّئَ والمغتسلَ لنافلةٍ يجوزُ أنْ يُصلِّيَ به فريضةً، بخلافِ المتيمِّمِ. والفرقُ بينَهما: أنَّ التيمُّم طهارةُ ضرورةٍ، وهو مبيحٌ لا رافعٌ، بخلافِ الطهارةِ بالماءِ. (وإسلامًا) أي: ولا يلزمُه إعادةُ إسلامٍ؛ لصحَّة إسلامِ المميِّز، وقد كانَ إسلامُه صحيحًا، فلا تجبُ عليه إعادتُه، ولأنَّ أصلَ الدينِ لا يصحُّ نفلًا، فإذا وجِد، فعلى وجهِ الوجوب. دنوشري، (عن وقت الجواز) بأنْ يؤخِّرها أو بعضَها إلى وقتِ الضرورة فيمَا لها وقتان، كالعصرِ والعشاءِ، أو إلى وقتِ التي بعدَها فيما لها وقتٌ واحدٌ، كالصبح والظهر والمغرب؛ لقولِه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. قال سعدُ بن أبي

стр. 554

إلا لناوي الجَمْع أو بمشتغلٍ بشرطٍ لها يحصِّله قريبًا. ومحلُّه إذا كان ذاكرًا قادرًا على فعلِها؛ بخلافِ ناسٍ ونحوٍ نائمٍ. (إلَّا لِنَاوي الجَمعِ) لعذرٍ يُبيحُه، كما سيأتي؛ فيباحُ له التَّأخيرُ؛ لأنَّ وقتَ الثانية إذا نوى جَمْع الأُولى إليها، يَصيرُ وقتًا لهما. (أو بمشتغلٍ) كذا بخطِّه بالباء. والأظهرُ اللام: أي: وإلَّا لمشتغلٍ (بشرطٍ لها) أي: الصلاةِ (يحصِّله) أي: الشرطَ (قريبًا) كانقطاعِ ثوبه الذي ليس عنده غيرُه، إذا لم وقاص: إنَّما هو بإضاعةِ الوقتِ (١). وقولِه تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]. قال النخعيُّ: صلَّوا لغيرِ وقتِها (٢). اهـ. ح ف. (ومحلُّهُ إذا كانَ ذاكرًا قادرًا على فعلِها) أي: محلُّ الحرمةِ على من وَجَبَتْ عليه تأخيرُها إلخ حال كونه ذاكرًا لها عندَ تأخيرِها، قادرًا على فعلِها في وقتِها المأمور بإيقاعِها فيه، وذلك لِما رَوى أبو قتادةَ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "ليسَ في النومِ تفريطٌ، إنَّما التفريطُ في اليقظةِ، أنْ تُؤَخَّر الصلاةُ إلى أنْ يدخُلَ وقتُ صلاةٍ أُخرى". رواه مسلم (٣). ولأنَّه بالتأخيرِ من غيرِ عُذْرٍ يكونُ تاركًا للواجب، مخالفًا للأمر، فهو حينئذٍ عاصٍ مستحقٌّ للعقابِ، ولأنَّه لو جازَ له التأخيرُ، لفاتتْ فائدةُ التأقيت. واستثنى المصنِّف -رحمَه اللهُ تعالى- من ذلك صورتين، الأولى ذَكرهَا بقولِه: (إلَّا لناوي الجمع) بين الصلاتينِ في صورةِ جمعِ التأخير، وينوي في وقتِ الأُوْلَى جمعَ التأخير؛ لأنَّه ﷺ كانَ يؤخِّرُ الصلاةَ الأولى في الجَمْعِ، ويصلِّيها في وقتِ الثانيةِ (٤). والصورةُ الثانيةُ أشارَ إليها بقوله: (أو بمشتغلٍ بشرطٍ لها يحصِّلُه قريبًا) كما إذا عَدِم الماءَ للوضوء أو الغسل، أو عَدِمَ السُّترَةَ في أوَّلِ الوقتِ، بأن انقطعَ ثوبُه، وليسَ عندَه غيرُه

стр. 555

ومن جَحَدَ وجوبَها، كفَرَ، يَفْرغ من خِياطته حتَّى خَرجَ الوقتُ، فإنْ كان بعيدًا (١) عُرفًا، صلَّى على حَسَب ما يستطيع، ولمن لزِمَتْه الصَّلاةُ تأخيرُها في الوقتِ مع العزْم عليه. وتسقطُ بموته، ولم يأثمْ ما لم يظنَّ مانعًا كموتٍ وقتلٍ. (ومن جَحَد وُجوبَها) أي: الصلاة، بأنْ قال: ليستِ الصَّلاةُ واجبةً على المُسْلم المكلَّف (كفَر) إذا كان ممنْ لا يجهلُه، وإنْ فعلَها؛ لأنَّه مُكَذِّب لله ورسوله وإجماعِ الأُمَّة (٢). فاشتغلَ بخياطتِه حتَّى خرجَ وقتُ الجوازِ، أو اشتغلَ بتحصيلِ الماءِ، فإنَّه لمْ يأثم بالتأخير، وفي الأصحّ: ويسقط إذنْ بموتِه، كما سيأتي قريبًا. واحترز بقولِه: "قريبًا" عن التحصيلِ البعيد، كالعُرْيان إذا أمكنَه أنْ يذهبَ إلى قريةٍ أخرى ليشتريَ منها ثوبًا، ولا يصلُ إليها إلَّا بعدَ الوقت، وكالعاجزِ عن تعلُّمُ التكبيرِ، والتشهُّد، ونحو ذلك، بل يصلِّي في الوقتِ على حَسَبِ حالِه ولا يؤخِّر. دنوشري. (في الوقت) أي: وقتِ الجواز، فاللامُ للعهدِ الذِّكْرِيِّ. (مع العزم عليه) أي: على فعلِها في الوقتِ، فإنْ عَزَمَ على التركِ، أَثِمَ بالإجماع، ومحلُّ جوازِ التأخيرِ مع العزمِ على الفعلِ. (كموت) الذي به مرضٌ شديدٌ، وغَلَبَ على ظنِّه أنَّه سيموتُ في وقتِها. (وقتل) وذلك كمن وَجَبَ عليه قصاصٌ، وأُمِرَ بقتلِه في وقتِها، فيجبُ عليهِ أنْ يُبَادِرَ بالصلاةِ قبل ذلك. مصنِّف (٣). (ومن جَحَدَ وجوبَها إلخ) أي: ومن تركَ الصلاةَ الواجبةَ جحودًا، مع علمِه بوجوبها.

стр. 556

وكذا تاركُها كَسَلًا إذا دعاه إمامٌ أو نائبُه، وأَبَى حتى تضايقَ وقتُ الثانية عنها، وإن ادَّعى جهلًا وأَمْكَن كحديث إسلامٍ، عُرِّف وجوبَها ولم يُحكَم بكُفْره؛ لأنَّه معذور. فإنْ عُرِّفَ، فعرَفَ وأَصَرَّ، كَفَر. (وكذا) يكفرُ (تاركُها) أي: الصلاةِ (كسَلًا) أو تَهَاونًا لا جُحُودًا [بشرطٍ أشار إليه بقوله] (١): (إذا دَعَاه) أي: أَمَرَه (إمامٌ أو نائبُهُ) لفعلِها (٢) (وأَبَى) أي: امتَنَع من فعلِها وأَصَرَّ (حتَّى تَضايقَ وقتُ) الصَّلاة (الثانيةِ) المختارُ (عنها) أي: عن الثانية، بأنْ (وإنْ ادَّعَى جهلًا) [بأن] (٣) كانَ جحْدُه لوجوبها جهلًا به، كحديث عهدٍ بالإسلام أو من نشأ بباديةٍ بعيدةٍ عن الإسلام، فإنَّه لا يحكم بكفره؛ لأنَّه معذورٌ، وإنَّما يكفرُ تاركُها جهلًا بأن عُرِّفَ وجوبَ الصلاة، فعلم وأصرَّ على جحوده. دنوشري. (فإن عُرِّفَ، فعَرفَ) مفهومُ قوله: "عُرِّفَ وجوبَها" (كفر) (٤) أي: صار مرتدًّا بجحدِها في الحالتين المذكورتين في المتن والشرح؛ لأنَّه مكذِّبٌ للهِ ، ولرسولِه سيدِنا محمدٍ ﷺ ، ولإجماعِ الأمَّة، فصارَ كمنِ اعتقدَ حلَّ الزنى، والخمرِ، وأكلِ لحم الخنزير. (إذا دعاه إمام إلخ) أي: فلا يكفر ولا يُقْتَل قبل الدعايةِ؛ لاحتمال أنَّه تركَها لعذرٍ يَعتقِدُ سقوطَها معه، كالمرض ونحوه، فإذا دعيَ إليها، تبيَّنَ موجبُ تركها، ولأنَّه لا يُعلَمُ أنَّه مصرٌّ على تركِها إلَّا بذلك. ح ف. (وأبى) أنْ يفعلَها (حتى تضايقَ إلخ) قال المصنِّفُ: وإنَّما قيل: إذا تضايقَ وقتُ الثانيةِ؛ لأنَّه إذا ترك الأُولَى لم نعلمْ أنَّه عزمَ على تركِها إلَّا بخروج وقتِها، فإذا خرجَ وقتُها، علِمنا أنَّه تركَها، ولا يجبُ قتلُه بها؛ لأنَّها فائتةٌ، فإذا ضاقَ وقتُ الثانية، وجبَ قتله (٥)، بمعنى أنَّه كان سببًا له.

стр. 557

ويُستتابان ثلاثًا. يُدعَى للظُّهر مثلًا، فيَأْبى حتَّى يتَضَايقَ وقتُ العصر المختارُ عنها، فيُحْكَمُ بكفرِه إذن؛ لقوله ﵊: "بينَ العبد وبين الكفرِ تَرْكُ الصَّلاة" رواه مسلم (١)، زاد أحمدُ والنَّسائيُّ: "فمنْ تَرَكَها، فقد كفر" (٢). (ويُستتابان) أي: جَاحدُها وتاركُها كَسَلًا، أي: تَجبُ استتابتهُما (ثلاثًا) أي: ثلاثَ ليالٍ بأيَّامِها، ويُضيَّق عليهما في مدة الاستتابة. ويُدْعيان كلَّ وقتِ صلاةٍ إليها، فإنْ تَابا بفعْلِها (٣)، (ويستتابان) أي: وحيثُ وجبَ القتلُ على جاحدِ وجوبِ الصلاة، أو على تاركِها تهاونًا أو كسلًا، فإنَّهما يُستَتَابان. وثَنَّى الضميرَ؛ لأن التركَ بالجحودِ قِسْمٌ، وبالتهاونِ أو الكسلِ قسمٌ؛ لأنَّ حكمَهما واحدٌ. ح ف. (فإنْ تابا بفعلِها) زمنَ الاستتابةِ. نقلَ صالح: توبتُه أنْ يصلِّي. وصوَّبه الشيخُ تقيُّ الدين؛ لأنَّ كفرَه بالامتناعِ، كإبليس (٤). لكنْ لابدَّ مع الفعلِ من الإقرار بالوجوب في حقِّ من تركَها جُحودًا، كما يعلمُ ممَّا سيأتي في بابِ الرِّدَّة. وإنْ أجابَ إلى فعلِ الصلاة، تُرِكَ، وأُمِرَ بها، فإن قال: أصلِّي في منزلي. وكلت إلى أمانته، ولم يُجْبَر على فعلِها بمشهدٍ من الناس. ذكره في "الأحكام السلطانيَّةِ" (٥). قلت: ولعلَّه مخصوصٌ بما إذا غَلَبَ على الظنِّ أنَّه يفعلُها. ولا تبطلُ عباداته التي فعلَها قبلَ ردَّتِه بها من صومٍ وصلاةٍ وحجٍّ وغيرِ ذلك، ولا تبطلُ استطاعةٌ على الحجِّ بها، وإذا رجعَ إلى الإسلام، لا يجبُ عليهِ قضاءُ ما تركَه مدَّةَ امتناعِه، كغيرهِ من المرتدِّين.

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإلَّا، ضُرِبتْ عُنُقُهما. قال في "الإقناع": ولا يلزمُه قضاءُ ما تركَ من العباداتِ في رِدَّتِه، ويلزمُهُ (١) قضاءُ ما تركَ قبلَها. دنوشري. (وإلَّا ضُرِبَتْ عنقُهُما) أي: وإنْ لم يتوبا بفعلها، ضُرِبَتْ عنقُهما بالسيف؛ لقول النبيِّ ﷺ : "إذا قتلتُم فأحسِنوا القتلة". رواه مسلم (٢). أي: أحسنوا الهيئةَ من القتلِ. وقال القاضي: يُضرَبُ أوَّلًا لعله يتوب، ثمَّ يقتل. وهل يقتلُ حدًّا أو كفرًا؟ على روايتين، أشهرهما: أنَّه يُقتَل كفرًا، وهي ظاهرُ المذهب. واختارَها الأكثرُ؛ لقولِه ﷺ : "من تركَ الصلاةَ متعمِّدًا، فقد خرج من الملَّةِ". رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ جيد (٣). وقال عمر: لا حظَّ في الإسلامِ لمنْ ترَكَ الصلاة (٤). ولأنَّه يدخلُ بفعلِها في الإيمان، ويخرجُ بتركِها منه، كالشهادتين، فعلى هذه الروايةِ

стр. 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والجمعةُ كغيرها، وكذا تَرْكُ رُكنٍ أو شرطٍ يعتقد وجوبه. حكمُه حكمُ الكفار، من أنَّه لا يُغَسَّل، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَنُ في مقابرِ المسلمين. وذكر الآجريُّ: مَنْ قُتِلَ مرتدًّا، تُرِكَ بمكانه، ولا يُدفَنُ، ولا كرامةَ، وتَبينُ منه زوجتُه قبلَ الدخول، وكذا بعدَه إنْ لم يَتُبْ، ويصلِّي (١) في الأَشْهَر. والرواية الثانية: يُقتَلُ حدًّا. قدَّمَها في "المحرَّر"، وابن تميم، واختارَها ابنُ بطَّة، وذكرَ أنَّها المذهبُ. قال في "المغني" (٢): وهي أصوبُ القولين. وجزمَ بها في "الوجيز" للعمومات، منها: قوله ﵊: "أسعدُ الناسِ بشفاعتي من قالَ: لا إله إلا اللهُ. مخلصًا من قلبه". رواهُ البخاريُّ (٣). وقال: "إنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعتي لأمَّتي يومَ القيامة، فهي نائلةٌ -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- من ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئًا". رواه مسلم (٤). وأجيبَ عمَّا تقدَّمَ بأنَّه يُحمَلُ على كفرِ النعمةِ، أو على معنًى قاربَ الكفرَ، فعلى هذه الرواية حكمُه كأهلِ الكبائر، فتنعكسُ الأحكامُ السابقةُ؛ لأنَّه مسلمٌ. دنوشري. (وكذا تَرْكُ ركنٍ) أي: وكتركِ الصلاةِ جحودًا، أو تهاونًا، أو كسلًا، تَرْكُ ركنٍ منها، أو شرطٍ لها، حيثُ كانَ التاركُ (يعتقدُ وجوبَه) أي: وجوبَ الإتيانِ به، ظاهرُه: ولو لم يكن مُجمَعًا عليه، كالحنبليِّ إذا تركَ الطُّمأنينَة، أو الاعتدالَ، أو صلَّى بالنجاسةِ التي لا يُعفَى عنها، وسيأتي في باب الرِّدَّة أنَّه لا يكفرُ إلا بتركِ ركنٍ، أو شرطٍ للصلاة، مُجْمَعٍ عليه، تهاونًا، والمذهبُ ما في الردة، وهو اختيار الموفَّق (٥)، ومن تابعه، قال في

стр. 560

فصل والأذانُ وتنبغي الإشاعةُ عن تاركها بتركِها حتَّى يُصلِّي. ولا ينبغي السَّلامُ عليه، ولا إجابةُ دعوته. قاله (١) الشيخ تقيُّ الدين. ولا يَكْفرُ بتركِ غيرها من زَكاةٍ، وصومٍ، وحجٍّ غيرَ جاحدٍ لوجوبه. فصل في الأذان والإقامة (والأذان) لغةً: الإعلام. وشرعًا: إعلامٌ بدخولِ وقتِ صلاةٍ، "الإقناع" (٢): وهو أظهر. والله أعلم. (ولا يكفرُ بتركِ غيرها .. إلخ) أي: ولا يكفرُ بتركِ شيءٍ من العباداتِ تهاونًا غير الصلاةِ، فلا يكفرُ بتركِ زكاةٍ بُخْلًا، ولا بتركِ صومٍ، وحجٍّ يحرُمُ تأخيرُه تهاونًا؛ لقول عبد الله بن شقيق (٣): لم يكنْ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ (٤). ويُقتَلُ فيهنَّ حدًّا، لما يأتي في أبوابها، ولا يُقتَلُ بتركِ صلاةٍ فائتةٍ، ولا بتركِ كفَّارَةٍ ونذرٍ؛ للاختلافِ في وجوبِها فورًا. "إقناع" و"شرحه" للمصنِّف (٥). (والأذانُ لغةً: الإعلامُ) لقولِه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]. أي: إعلامٌ، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي: أَعْلِمْهُم بالحجِّ، ويقال: أذَّنَ بالشيءِ يؤذِّنُ أذانًا وتأذينًا وأذينًا، على وزن رغيف، إذا أعلمَ به. وهو اسمٌ وضِعَ موضعَ

стр. 561

والإقامةُ فرضا كفايةٍ أو قربهِ لفجرٍ (١) بذِكْرٍ مخصوص. (والإقامة) لغةً: مصدرُ أقام. وشرعًا: إعلامٌ بالقيامِ إلى الصلاة بذكرٍ مخصوص (٢). وهما (فرضا كفايةٍ) لحديث (٣): "إذا حَضَرَتِ الصلاةُ، فلْيؤذِّنْ لكمْ أحدُكم، ولْيؤمَّكم أكبرُكم" متَفقٌ عليه (٤). والأمرُ يقتضي الوجوبَ. وعن أبي الدرداء مرفوعًا: المصدر، وأصلُه من الأُذُنِ، وهو الاستماع، كأنَّه يُلقِي في آذانِ الناس بصوتِه ما إذا سمعُوه، أُعلِموا أنَّهم نُدبوا لذلك. دنوشري. قال الشارح (٥): اختلف في السَّنَةِ التي شرع فيها الأذان، رجَّحَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ كونَهُ في السنةِ الأُولى من الهجرة (٦). (أو قربِه) أي: قربِ الوقتِ. (لفجرٍ) فقط. (لغةً: مصدرُ أقام) فكأنَّ المؤذِّن إذا أتى بألفاظِ الإقامة، أقامَ القاعدينَ، وأزالَهُم عن قعودِهم. وحقيقتُها إقامةُ القاعدِ. (وهما فرضَا كفايةٍ) على المذهب، وفرضُ الكفايةِ واجبٌ على الجميعِ، ويَسقطُ بفعلِ من يكفي، ويجبُ عينًا على من ظنَّ أن غيرَهُ لا يقومُ به، وإنْ فعلَهُ الجميعُ كان فرضًا في حقِّهم. ولا يُشرَعُ الأذانُ والإقامةُ لكلِّ واحدٍ ممَّن في المسجد، بل حصلتْ لهمُ الفضيلةُ بفعلِ الواحدِ، كقراءةِ الإمامِ للمأموم.

стр. 562

للخَمْسِ على رجال مقيمينَ، فيُقاتَل أهلُ بلدٍ تَرَكُوهما. "ما مِنْ ثلاثةٍ لا يؤذَّنُ ولا تقامُ فيهمُ الصلاةُ، إلا اسْتَحْوَذَ عليهمُ الشيطانُ" رواه أحمدُ والطبرانيُّ (١). ولا يُشْرعان لكلِّ مَنْ في المسجد، بل تكفيهمُ المتابعةُ، وتحصلُ لهم الفضيلةُ (لـ) ــــلصلوات (الخمس) المؤدَّاةِ، والجمعةُ منها (على رجالٍ) أحرار (مقيمين) بقرًى وأمصار، لا على رجلٍ واحد، ولا على نساءٍ، وعبيدٍ، ومسافرينَ، بل يُكرهان لنساءٍ وخَنَاثى، ولو بلا رفعِ صوت. لكن يُسنَّان لمنفرد ذَكَرٍ، وسفرًا، ولمقضيَّة. (فيقاتَل) بالبناء للمفعول، ونائبُ الفاعل قولُه: (أهلُ بلدٍ تركوهما) أي: الأذانَ والإقامةَ. أي: يقاتلهم الإمامُ، أو نائبُه إذا اتفقوا على تركهما؛ لأنَّهما من شعائر الإسلام الظاهرة. وإذا قام بهما من يحصلُ به الإعلام، أجزأَ عن الكلِّ، وإن واحدًا، وإلا، زِيد بقْدرِ الحاجةِ، كلُّ واحد في جانبٍ، أو دفعةً واحدة بمكان واحد، ويقيم أحدُهم، وإن تشاحُّوا (٢)، أُقرع. وتصحُّ صلاةٌ بدونهما، لكن يُكْرَه. (للصلوات الخمس) أي: دونَ المندوبةِ، وفرضِ الكفايةِ. وقوله: (المؤدَّاة) أي: دونَ المقضيَّاتِ، والمنذورةِ. (والجمعةُ منها) أي: لا يُحتَاجُ لذكرِها؛ لدخولِها في الخمسِ، اللهمَّ إلَّا أنْ يُقالَ: الجمعةُ لها أحكامٌ مستقلَّةٌ، فنصَّ عليها استقلالًا، تبعًا "للفروع" (٣)، وإنَّما لم يُشْرَعَا في غير ما ذُكِر؛ لأنَّ المقصودَ منها الإعلامُ بوقتِ الصلاةِ المفروضةِ، والقيامُ إليها، وهذا لا يوجدُ في غيرِها، وإنَّما كانَ كلٌّ منهما فرضَ كفايةٍ؛ لأنَّهما من شعائر الإسلام الظاهرة.

стр. 563

وتَحرمُ أجرتُهما لا رزْقٌ من بيت المالِ؛ لعدمِ متطوِّع، ويُسَنُّ كون مؤذِّن صَيِّتًا، أمينًا، عالمًا بوقت. فإن تشاحَّ فيه اثنانِ، قُدِّمَ أفضلُهما (وتحرُم أجرتهما) أي: يحرُم أخذُ أجرةٍ على أذانٍ وإقامة؛ لأنَّهما قُربتان لفاعلهما (لا رزْقٌ من بيتِ المال) فيجوز أخذُه، وبذلُه (لعدم متطوِّع) أي: فاعلٍ لهما تطوعًا بلا شيء، كأرزاقِ قضاةٍ، وغزاةٍ. (ويُسنُّ كونُ مؤذِّنٍ صَيِّتًا) أي: رفيعَ الصوت؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلام (أمينًا) أي: زائدَ العدالة؛ ليُؤْمن على الأوقات ونساءِ الجيران (عالمًا بوقت) الصلاةِ؛ ليؤذِّن في أوَّله. (فإن تشاحَّ) أي: تنازعَ (فيه اثنان) فأكثر (قُدِّم أفضلُهما) أو أفضلُهم (عالمًا بـ) ـــالـ (ـــوقت) أي: ويسنُّ كونُه عالمًا بالوقت -ولو رقيقًا، ويستأذن سيِّدَه- أي: عالمًا بمعرفةِ الأوقاتِ؛ ليتحرَّاها، فيؤذِّن في أوَّلِها؛ لأنَّه إذا لم يكنْ عالمًا بها لا يؤمنُ منه الخطأُ، واشترطَه أبو المعالي، كالذكوريَّةِ، والعقلِ، والإسلام، ويستحبُّ أنْ يكونَ بصيرًا. قاله في "المغني" (١)؛ لأنَّ الأعمى لا يعرِفُ الوقتَ، فربَّمَا غلطَ. وكره ابن مسعود وابن الزبير أذانَه (٢)، قاله ابنُ تميم. فإنَ كان لهُ من يعرِّفُهُ الوقتَ، لم يكرَه. نصَّ عليه؛ لفعلِ ابنِ أمِّ مكتومٍ (٣). (فإن تشاحَّ) من الشُّحِّ، وهو البخلُ مع حرصٍ (٤). مصنِّف.

стр. 564

في ذلك، ثم في دِيْنٍ وعَقْلٍ، ثم من يَختارُه أكثرُ الجيران، (في ذلك) المذكور من الخِصال. (ثمَّ) إن استويا فيها، قُدِّم أفضلُهما (في دِين وعَقْل) لحديث: "ليؤذِّنْ لَكُمْ خِيارُكم" رواه أبو داود (١) (ثمَّ) إن استويا في ذلك أيضًا، قُدِّم (مَنْ يختارُه أكثرُ الجيران) أي: المصلِّين؛ لأنَّ الأذان لإعلامهم (في ذلك المذكورِ من الخصال) وهي الصوتُ، والأمانةُ، والعلمُ بالوقت؛ لأنَّه ﵊ قدَّم بلالًا على عبد الله بن زيد؛ لكونِه أندى صوتًا منه، وقدَّم أبا محذورةٍ لصوته (٢). وقِسْنَا بقيَّةَ الخصالِ عليه. دنوشري. (ثم إن استويا) أو استووا في الخصالِ المذكورةِ، قُدِّمَ الأفضلُ في دين .. إلخ. (لحديث: "ليؤذِّنْ لكم" إلخ) ولأنَّه إذا قُدِّمَ بالأفضليَّةِ في الصوتِ، ففي الأفضليَّة في ذلك بطريقِ الأَوْلَى، ولأنَّ مراعاتَهُما أَولَى من مراعاةِ الصوتِ، ولأنَّ الضررَ بفقدِهما أشدُّ. دنوشري. "ثمَّ إن استووا" في جميعِ ما تقدَّم. (الجيران … المصلين) قيَّدَ به غيره؛ (لأنَّ الأذانَ لإعلامِهم)، فكان لرضَاهُم أثرٌ في التقديمِ، ولأنَّهم أعلمُ بمنْ يَبلُغُهُمْ صوتُه، ومن هو أعفُّ عن النظرِ إلى عوراتِهم، وحكمُ أكثرِهم كالكُلِّ، وذكر في "الكافي" (٣) أنَّها رواية. دنوشري.

стр. 565

ثم قرعةٌ. وهو خمسَ عشرةَ جملةً، (ثمَّ) إن استوَوْا في الكلِّ، فالمميِّز (قرعةٌ) فأيُّهم خرجتْ له، قدِّم. (وهو) أي: الأذانُ المختارُ؛ لكونه أذانَ بلالٍ ﵁: (خمسَ عشرةَ) ببنائهما على الفتح (جملةً) تمييزٌ، (ثمَّ إن استووا في الكلِّ) أي: في جميعِ الجهاتِ، أو في الاختيارِ، أو عدمه. (فالمميّزُ قرعةٌ) بينهم، فمن خرجتْ له القرعةُ، قُدِّمَ؛ لأنَّها تزيلُ الإبهام (١)، وتجعلُ مَنْ خرجَتْ له كالمُسْتَحِقِّ المتيقَّنِ. وإنَّما شُرِعتِ القرعةُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأوَّلِ، [ثمَّ] لم يجدوا إلَّا أنْ يستهِموا عليه، لاستهموا". متَّفقٌ عليه (٢)، وقد تشاحَّ الناسُ في الأذانِ يومَ القادسيَّة، فأقرعَ بينهم سعدٌ (٣). والقادسيَّةُ: قريةٌ من قرى الكوفة، وكذا الحِيْرة. (وهو خمسَ عشرةَ) بإسكانِ الشين، وفتحِها، وكسرِها (٤). وكونُ الأذانِ خمسَ عشرةَ كلمةً من غير ترجيع. أي: (جملةً)؛ لأنَّ ذلك معنى الكلمة لغةً. [هذا] (٥) هو المشهور؛ لحديث عبد الله بن زيد (٦)، وكان بلالٌ يؤذِّنُ كذلك، ويقيمُ حضرًا وسفرًا مع النبيِّ ﷺ إلى
следующие страницы →