← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ظلَّه بعد ظلِّ الزوال. (ظلَّه بعد ظلِّ الزوال) أي: بعد الظلِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، فإنَّ الشمسَ إذا طَلعتْ، رُفِع لكلِّ شاخصٍ ظلٌّ طويلٌ من جانب المغرب، ثمَّ ما دامتِ الشمسُ ترتفع، فالظلُّ ينقص، فإذا انتهتِ الشمسُ إلى وسطِ السماء -وهي حالةُ الاستواء- انتهى نقصانُه، فإذا زادَ الظلُّ أَدْنَى زيادة، دلَّ على الزوال. قال ابنُ قُتيبة (١): الظلُّ يكون غَدْوةً وعشيَّةً، والفيءُ لا يكون إلا بعد الزَّوال؛ لأنَّه فاءَ، ما دامتِ الشمسُ ترتفعُ، فالظلُّ ينقصُ، فإذا انتهتِ الشمسُ إلى وسطِ السماء، انتهى نقصانُه، فإذا زادَ الظلُّ أدنَى زيادةٍ فهو إذن ميلُها عن وسطِ السماءِ، وهو الزوال. مصنِّف (٢). والظلُّ أصلُه الستر، ومنه: إنَّا في ظلِّ فلانٍ. ومنه: ظلُّ الجنَّةِ، وظلُّ شجرِها. وظلُّ الليلِ: سوادُه. وظلُّ الشمسِ: ما سترَ الشخوصُ من سقطها. ذكره ابن قتيبة (٢). مصنِّف (٣). (دَلَّ على الزوالِ) وهو وقتٌ دقيقٌ جدًّا لا يكادُ يُدْرَكُ؛ لخفائِه ودقَّتِه، وَيقْصُر الظلُّ في قُطرِ مصرَ في الصيفِ؛ لارتفاعِها إلى الجوِّ، ويطول في الشتاء، لأنَّها لا ترتفعُ في قبَّةِ الفلك. دنوشري. (قال ابن قتيبة … إلخ) هذا دليلٌ على أن وقتَ الظهرِ من الزوال. (لأنَّه فَاءَ) تعليلٌ لقولِه: (لا يكون إلَّا بعدَ الزوال)، يعني أن الفيءَ مأخوذٌ من فَاءَ إذا رجعَ؛ لأنَّه ذهبَ ثمَّ رجعَ، إذْ بعد وقوف الظلٌ في كبد السماء رجع بزيادتِه بما ذُكِر.

стр. 597

وتعجيلُها أفضلُ إلا في شِدَّة حرٍّ حتى ينكسرَ، ولو صلَّى وحدَه، أو مع غَيْمٍ لمن يصلِّي جماعةً. أي: رجع من جانبٍ إلى جانب. انتهى. ويختلف ظلُّ الزوال، أي: الموجود لكلِّ شاخصٍ وقتَ الزوال بشهر وبلد. (وتعجيلها) أي: الظهر بصلاتها أوَّلَ الوقت (أفضلُ) وتحصلُ فضيلتُه بالتأهُّب أوَّلَ الوقت (إلا في شدَّة حرٍّ) فيُسْتَحَبُّ التأخيرُ (حتى ينكسِرَ) الحرُّ؛ لحديث: "أبرِدُوا بالظهر" (١) (ولو صلَّى وحده) يعني أنَّه يُسَنُّ تأخيرُ الظهرِ في شدَّة الحرِّ للجماعةِ والمنفردِ؛ لعذرٍ، كمرضٍ. وليس المرادُ أنَّه يتركُ الجماعةَ، ويؤخِّر وحدَه كما قد بتوهَّم؛ إذ لا يُترك واجبٌ لسُنَّة. ويؤيِّد ما ذكرناه قولُه كغيره: (أو مع غَيْمٍ لِمن يصلِّي جماعةً) أي: فيستحبُّ تأخيرُ الجماعةِ الظهرَ لقُرْبِ وقتِ عَصْرٍ؛ ليسهلَ الخروجُ لهما معًا. وهذا كلُّه في غيرِ الجمعةِ، فيُسَنُّ تقديمُها مطلقًا. وقولُه: (من جانب) أي: جانب المغربِ، بدليل صَدْر عبارة الشَّارح. وقوله: (إلى جانب) أي: جانبِ المشرق، صحَّ؛ بدليلِ قول السَّامُريِّ في القولة التي تلي هذه. (بشهر) جارٌّ ومجرورٌ، متعلِّقٌ بقولِه: (ويختلفُ ظلُّ الزوالِ) أي: ويختلفُ ظلُّ الزوالِ بالشهرِ والبلدِ، فيختلفُ قدرُ الظِّل الذي تزولُ عنه الشمسُ بالشهرِ؛ لأنَّه كلَّما طالَ النهارُ، قَصُر الظلُّ، وعكسه، فيقصرُ الظِّلُّ في الصيفِ؛ لارتفاعِها الى الجوِّ، ويطولُ في الشتاءِ، لمسامتتها للمنتصِف، ويقصرُ الظلُّ جدًّا في كلِّ بلدٍ تحتَ وسطِ الفلك، وذكرَ السامريُّ وغيره أن ما كانَ من البلادِ تحتَ وسطِ الفلِك، مثلُ مكَّةَ وصنعاءَ، في يومٍ واحدٍ، وهو أطولُ أيَّام السنةِ، لا ظلَّ ولا فيءَ لوقتِ الزوال، بل يُعْرَفُ الزوال هناكَ، بأنْ يظهرَ للشخصِ

стр. 598

ويليه وقتُ العصرِ: إلى مصيرِ الظلِّ مِثْلَيْه بعد ظلِّ الزوالِ، ووقتُ الضرورة إلى غروبِها. ويسنُّ تعجيلُها مطلقًا. (ويليه) أي: وقتَ الظُّهْر (وقتُ العصرِ) المختارُ من غيرِ فَصْلٍ بينهما، ويستمرُّ (إلى مصيرِ الظِّلِّ مِثْلَيه، بعد ظِلِّ الزَّوال) إن كان كما هو المرادُ حيث قيِّد به (ووقت الضرورةِ إلى غروبِها) أي: غروبِ الشمس، فالصلاةُ فيه أداءٌ، لكنْ يأثَمُ بالتأخير إليهِ بلا عُذْرٍ. (ويسَنُّ تعجيلُها) أي: العصرِ (مطلقًا) أي: مع حَرٍّ أو غَنمٍ أو غيرِهما، فيءٌ من نحو المشرِق؛ للعلمِ بأنَّها قد أخذتْ مُغَرِّبةً. فأقلُّ قدرِ ظلِّ الزوالِ، إذا كانَ الشاخصُ بإقليمِ الشامِ والعراقِ قدمٌ وثلثٌ، بقدمِ الآدميِّ، في نصفِ حزيرانَ، وما قاربهُ من الأيَّام ممَّا قبلَه وما بعدَه، وذلك مقارِبٌ لأطولِ أيَّام السنةِ، وأطولُها سابعَ عشرَ حزيران، ويتزايدُ ظلُّ الزوالِ بتقاصرِ النهار، فينتهي إلى عشرةِ أقدامِ وسدسٍ في نصفِ كانونَ الأول، وذلك [مقاربٌ لأقصرِ أيام السَّنة، وأقصرُها سابعَ عشر كانون الأول. (ويسنُّ تعجيلها) أي: العصر؛ لما روى أبو] (١) برزَةَ الأسلميُّ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يصلِّي العصرَ، ثمَّ يرجعُ أحدُنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حيَّةٌ (٢). ولأنَّ المبادرة إلى امتثالِ الأوامرِ أوْلَى عند العقلاءِ، وأحوطُ في تحصيلِ المأمورِ به؛ لكثرةِ آفات التأخير. قال الشيخ تقيُّ الدينِ (٣): الصلاةُ في أوَّلِ الوقتِ أفضلُ، إلَّا إذا كانَ في التأخيرِ مصلحةٌ راجحةٌ، كما في هذا الباب مفصَّلًا، والأحاديث الثابتةُ تدلُّ على هذا، فمنها: ما رَوى الترمذيُّ مرفوعًا: أنَّه قال: "الوقتُ الأوَّلُ من الصلاةِ رضوانُ الله، والوقتُ الآخرُ عفو

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهي الصلاةُ الوسطى، أي: الفُضْلَى. الله" (١). مع زيادة. (وهي الصلاةُ الوسطى) الوسطى مؤنَّثُ الأوسط، بمعنى الخيار، وفي صفةِ النبيِّ ﷺ أنَّه كان من أوَسطِ قومِه (٢). أي: خيارِهم، وليسَ بمعنى متوسِّطة لكونِ الظُّهرِ هي الأُولى، بل بمعنىَ الفُضْلَى، كما في "المبدع" لكن قال ابنُ قندس: من جعلَ الفجر الأولى، فالعصرُ على قوله: الوسطى، ظاهرٌ؛ لأنَّ صلاتينِ قبلَها وصلاتين بعدَها، فهي بينَ أربعٍ، ومَن جعل الظُّهر أُولى، فوجهُ كونِ العصرِ الوسطى أنَّها صلاةٌ بين صلاتين إحداهُما أوَّلُ صلاةِ النهار، والأخرى أوَّلُ صلاةِ الليل. والدليل على كونها الوسطى ما في الصحيحين: أن النبيِّ ﷺ قال: "شغلونَا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (٣). ولمسلم (٤): "شغلونا عن الصلاةِ الوسطى، صلاةِ العصرِ" وفي مصحفِ عائشة: "وصلاة العصر" بدل: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوسْطَى﴾ (٥) [البقرة: ٢٣٨]، وهو مذهبُ أكثرِ العلماءِ من الصحابةِ وغيرهم.

стр. 600

ويليه وقتُ المغرب: إلى مغيبِ الحُمْرَة، (ويليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعَصْر (وقتُ المغرب) وهي وِتْرُ النَّهار، ويمتدُّ (إلى مَغِيْبِ الحُمْرة) أي: الشفقِ الأحمرِ. وذكر الحافظُ ابنُ حجر في "شرح" البخاري فيها عشرين قولًا، وهي: صلاةُ العصر، صلاةُ المغرب، صلاة العشاء، صلاة الفجر، صلاة الظهر، جميعُها، واحدةٌ غيرُ معينة، التوقُّفُ، الجمعةُ، الظهرُ في الأيَّام والجمعةُ في يومها، الصبح والعشاء (١)، الصبح أو العصر على الترديد، صلاةُ الجماعة، صلاةُ الخوفِ، صلاة عيدِ النحرِ، صلاةُ عيدِ الفطرِ، الوترُ، صلاة الضُّحى، صلاةُ الليل (٢). أفاده الحفيد. (وقت المغرب) وهو مصدرُ غَربتِ الشمسُ، بفتحِ الرَّاء، وضمِّها، غروبًا ومغربًا، وهي لغَة تطلقُ على وقتِ الغروبِ، ومكانِه، فتسمَّى بذلكَ لفعلِها في هذا الوقتِ؛ لحديث: "ثمَّ أتاني جبريل حين سَقَطَ القُرْصُ، فقال: قم فصلِّه". رواه الدارقطني (٣). ح ف مع زيادة. (وهي وتر النهار) ليسَ مرادُه الوترَ المشهور، بل إنَّها وترٌ؛ لكونِها ثلاث ركعاتٍ، وقيل لها وترُ النهار، مع أنَّها تُفعَل في الليل، لكونها قريبة منه. دنوشري. (أي: الشفق الأحمر) أي: في الحضرِ والسفرِ، وخرجَ بالأحمرِ الأصفرُ والأبيضُ، إذ (٤) الشمسُ أوَّلَ ما تغربُ يعقُبها شعاعٌ، فإذا بَعُدَت عن الأفقِ قليلًا، زالَ الشعاعُ، وبقيتْ حمرةٌ، ثمَّ ترقُّ الحمرةُ فتنقلبُ صفرةً ثم بياضًا، على حَسَب البعدِ، ولأنَّ ما قبلَ مغيبِ

стр. 601

ويُسنُّ تعجيلُها إلا ليلةَ مزدلفةَ لمن قصدَها مُحْرِمًا. (ويُسنُّ تعجيلها) أي: المغربِ (إلا ليلةَ مزدلفة) وهي ليلةُ يومِ النَّحر، فيُسَنُّ تأخيرُها (لمن قَصَدَها) أي: مزدلفةَ، حالَ كونِه (مُحْرِمًا) يباحُ له الجمعُ إن لم يوافِ الشفقِ وقتٌ لاستدامِتها، ولا يُعتَبَر مغيبُ الشفقِ الأبيضِ. وقال الموفقُ (١): يعتبر غيبوبةُ الشفقِ الأبيضِ لا لذاته، بل لعارضٍ، وهو دلالتُه على غيبوبةِ الأحمر. دنوشري وزيادة. (ويُسَن تعجيلُها) أي: تعجيلُ المغرِب أفضلُ إلَّا لعذرٍ، إجماعًا؛ لأنَّ جبريلَ صلَّاها بالنبيِّ ﷺ في اليومين حينَ غابتِ الشمسُ (٢)، فدل ذلكَ على أفضليَّةِ تعجيلها، ولما فيه من الخروجِ من الخلاف. قال الإمامُ مالك رحمه الله تعالى: لها وقتٌ واحدٌ مضيَّقٌ مقدَّرٌ آخرُه بالفراغِ منها (٣). قال في "المبدع" (٤): وقالت الشافية: هو عقيبَ غروبِ الشمسِ، بقدرِ ما يتطهَّر ويسترُ عورتَه، ويؤذِّنُ ويقيمُ، ويصلِّي خمسَ ركعاتٍ، الفرض والسُّنَّة (٥). قال بعضُهم: وأكل لقمٍ يكسرُ بها الجوع. والصحيحُ عندهم أنَّه يأكلُ حتَّى يشبع. دنوشري. (إلا ليلةَ مزدلفة) وهي ليلةُ جَمْعٍ، أي: فيستحبُّ تأخيرُها؛ ليصليها مع العشاءِ إجماعًا (٦)؛ لفعله ﵊ (٧). قال في "المبدع" (٨): وسميت جَمْعًا؛ لاجتماعِ الناسِ فيها، وهي ليلةُ عيدِ الأضحى. فيسنُّ تأخيرها. (لمن قصدها مُحرِمًا) أي: قصدَ مزدلفةَ المفهومةَ من المقام.

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مزدلفةَ وقتَ الغُرُوب، فيصلي المغربَ في وقتِها ولا يؤخّر. وكذا يؤخَّر المغربُ في غَيمٍ لمصلِّ جماعةً، وفي جَمْع إن كان أرفق (١). قال في "الفروع": إلا ليلةَ مزدلفة لمُحرِمٍ قَصَدَها (٢)؛ ليصليَها مع العشاءِ الأخيرةِ إجماعًا؛ لفعلِ النبيِّ ﷺ ، وكلامُهم يقتضي أنه لو دفعَ من عرفةَ قبلَ المغربِ، وحَصَلَ بالمزدلفةِ وقت الغروبِ، لم يؤخِّرها، ويصلِّيها في وقتِها. وقد نبَّه على ذلك الشارحُ بقوله: "إنْ لم يواف مزدلفةَ وقت الغروب"، كما قاله في "الفروع" (٣): قال: وكلامُ القاضي يقتضي الموافقة، وهو واضحٌ. دنوشري. (وكذا يؤخَّرُ المغربُ في غيمٍ لمصلٍّ جماعةً) فيسنُّ في حقِّه التأخيرُ؛ ليقربَ من وقتِ الثانية، لكن يخرجُ لهما خروجًا واحدًا طلبًا للأسهلِ المطلوبِ شرعًا، كما تقدَّمَ في الظهر. (وفي جمعٍ) أي: وإلَّا في جمعٍ غير جمع مزدلفة، فإنَّ الأفضل جمعُ التأخيرِ مطلقًا حيثُ جازَ الجمعُ، بأنْ لم ينوِ إقامةً أكثر من عشرينَ صلاة، أو كانَ ناويًا لسفرِ القصرِ من عرفةَ، أو كان له عذرٌ مبيحٌ للجمعِ بين العشاءَين، كمطرٍ يبلُّ الثياب، ووَحلٍ وريحٍ شديدةٍ باردةٍ بليلةٍ مظلمةٍ. (إنْ كانَ أرفقَ) أي: إن كانَ تأخيرُها ليصليَها في وقتِ العشاءِ أرفقَ له من تعجيل العشاء في وقتِ المغرب، فإنَّه يسنُّ له التأخيرُ؛ لأنَّ المستحبَّ في حقِّهِ فعلُ الأرفقِ بهِ، من تأخيرِ الأُولى إلى وقتِ الثانية، وتقديمِ الثانيةِ إلى وقت الأولى. "فائدة": لا يكرهُ تسميةُ المغربِ بالعشاءِ، ولا بالعَتَمَةِ، وبالمغربِ أولى. دنوشري.

стр. 603

ويليه وقتُ العشاء: إلى ثلثِ الليلِ، وتأخيرها أفضلُ إن سَهُلَ، ثم هو وقتُ ضرورةٍ إلى الفجر الثاني، وهو البياضُ المعترضُ بالمشرق. ويليه وقتُ الفجرِ: إلى طلوع الشمسِ، وتعجيلُها أفضلُ. (ويليه) أي: وقتَ المغرب (وقتُ العشاء) ويمتدُّ وقتُها المختار (إلى ثُلُثُ الليل) الأوَّلِ من الغروب. (وتأخيرُها) أي: العشاءِ ليصليها في آخر المختار (أفضلُ ان سهُل) فإِنْ شقَّ ولو على بعضِ المأمومين، كُرِه. ويُكْرَهُ النَّومُ قبلَها، والحديثُ بعدَها إلا يسيرًا، أو لشغلٍ، وأهلٍ (ثمَّ هو) أي: الوقتُ بعدَ ثُلُثِ الليل (وقتُ ضرورة) يَحْرُم تأخيرُها إليه بلا عُذر (إلى) طلوع (الفَجْرِ الثاني، وهو: البياضُ المعترضُ بالمشرق) ولا ظلمةَ بعده، ويقال له: الفَجْرُ الصَّادِق. والأوَّل، ويقال له: الكاذبُ، مستطيلٌ أزرقُ، له شعاعٌ، ثمَّ يُظلم. (ويليه) أي: وقتَ الضرورة للعشاء (وقتُ الفَجْرِ) من طلوعِه (إلى طلوعِ الشمس، وتعجيلُها) أي: الفجرِ (أفضلُ) مطلقًا. ويجب تأخيرٌ؛ لتعلُّم فاتحة، وذِكرٍ واجبٍ أمْكَنَ تعلُّمُه في الوقت. وكذا لو أَمره به والدُه ليصلِّي به، فلا يُكره أَنْ يؤمَّ أباه. وسُنَّ لنَحْوِ حاقِنٍ (١) مَعَ سعةِ الوقت. (أي: وقتَ المغرب) تفسيرٌ للضميرِ، أي: ويلي وقتَ المغربِ الوقتُ المختارُ للعشاءِ، بالكسر والمدِّ، وهو اسمٌ لأوَّلِ الظلام، سُمِّيتِ الصلاةُ بذلك؛ لأنَّها تُفعَل فيه، ويقال لها: عشاءَ الآخرة، وأنكرهُ الأصمعيُّ، وغَلَّطُوه في إنكارِه (٢). (ويمتدُّ وقتُها المختارُ إلى ثلثِ الليلِ الأوَّل) قال في "المبدع": لأنَّ جبريل صلَّاها بالنبيِّ ﷺ في الليلة (٣).

стр. 604

ويدْرك أداء صلاةٍ بإحرامٍ في وقتها. ومَن شَكَّ في دخولِ وقتٍ، لم يُصَلِّ حتى يَغلِبَ على ظنِّه دخولُه باجتهادٍ أو إخبارِ عارفٍ، وإن تبيَّن أنَّه قَبْلَه، أَعاد، ومن صار أهلًا قبل خروجِ وقتها، لزمتْه، وما يُجمَع إليها قَبْلَها. (ويُدْركُ أداء صلاةٍ) حتى جمعة (بـ) تكبيرةِ (إحرامٍ في وقتها) فإذا كبَّر للإِحْرامِ قَبْلَ طلوعِ الشمس أو غُروبِها، كانت كلُّها أداء حتى لو كان التأخيرُ لغيرِ عُذْر، لكنْ يأثم. (ومَنْ شَكَّ في دخول وقت) صلاةٍ؛ ولم يمكنْه مشاهدةُ ما يعرفُ به الوقت؛ لعمًى أو غيرِه (لم يصلِّ حتى يغلبَ على ظنِّه دخولُه) أي: الوقت (باجتهادٍ) ونَظَرٍ في الأدلَّة، أو لَه صنعةٌ، وجَرَتْ عادتُه بعملِ شيءٍ مقدَّر إلى وقتِ الصلاة. ويُستحَبُّ له التأخيرُ حتى يتيقَّن، فإِنْ صلَّى مع الشَّكِّ، أعادَ مطلقًا؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. (أو) بـ (إخبارِ) ثقةٍ (عارفٍ) بالوقت عن يقينٍ، كأن يقولَ: رأيتُ الفجرَ طالعًا، أو: الشَّفقَ غائبًا. فيجبُ العملُ به. فإنْ أَخبره عن ظنٍّ، لم يَعمل به، ويعمل بأذانِ ثقةٍ عارفٍ. (وإن) أَحْرم باجتهادٍ، فـ (تبيَّن أنَّه) أي: إحرامَه (قبلَه) أي: قبل الوقتِ (أعاد) لوقوع ما صلَّاهُ نفلًا، وبقاءِ فرضه عليه. وعُلم منه أنَّه إنْ لم يتبيَّنْ له الخطأ، فلا إعادةَ. وإذا دخل وقتُ فريضةٍ بقدر تكبيرة، ثمَّ طرأ مانعٌ، كجنونٍ وحيضٍ، قُضيت. (ومن صار أهلًا) لوجوبِها بأن بلغَ صبيٌّ، أو أسلمَ كافرٌ، أو أفاقَ مجنونٌ، أو طهُرتْ حائضٌ، أو نفساءُ (قبل خروجِ وقتِها) أي: وقتِ الصلاة، بأن وجدَ ذلك قبلَ الغروب مثلًا، ولو بقدرِ تكبيرة (لزمتْه) أي: العصرُ في المثال المذكور (و) لزمَه (ما يُجمع إليها قبلَها) وهو الظهر. وكذا لو كان ذلك قبلَ الفجرِ، لزمته العشاءُ والمغرب؛ لأنَّ وقتَ الثانية وقتٌ للأولى حالَ العُذْرِ، فإذا أدركَه المعذورُ، فكأنَّه أدركَ وقتَها.

стр. 605

ويجب قضاءُ فائتةٍ فأكثر فورًا مرتَّبًا إلا إذا نَسِيَهُ أو خشيَ خروجَ وقتِ اختيار. ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يَصِفُ البشرةَ. (وبجبُ) على مكلَّف لا مانعَ به (قضاءُ فائتةٍ فأكثر) من الخمس (فورًا) ما لم ينضرَّ في بدنِه، أو معيشةٍ يحتاجها، أو يحضر لصلاةِ عيدٍ (مرتَّبًا) ولو كثرت. وسُن صلاتُها جماعةً (إلا إذا نسيَه) أي: الترتيبَ بين الفوائت حالَ قضائها، أو بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتى فرغَ من الحاضرة، فيسقُطُ الترتيبُ بالنِّسيان؛ للعُذرِ، ولا يسقطُ بجهلِ وجوبه (أو خشيَ خروجَ وقتِ اختيار) الحاضرة فيقدِّمُها، ويسقطُ الترتيب؛ لأنَّها آكدُ، ولا يجوزُ تأخيرُها عن وقتِ الجواز. ويجوزُ تأخيرٌ لغرضٍ صحيح، كانتظارِ رفقةٍ، أو جماعةٍ لها. ومَن شَكَّ فيما عليه مِنْ فوائتَ، وتيقَّن سبقَ الوجوبِ، أبرأ ذمَّتَه يقينًا. وان لم يعلم وقتَ الوجوب، فممَّا تيقَّن وجوبَه. والسادس من الشروط: ما أشار إليه بقوله: (ومنها سترُ العورة) قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): أجمعوا على فسادِ صلاةِ من تَرَكَ ثوبَه، وهو قادرٌ على الاستتارِ به، وصلَّى عريانًا. والسَّتر -بفتح السين-: التغطيةُ. وبكسرها: ما يستر به. والعورةُ لغةً: النقصانُ، والشيءُ المستقبَح، ومنه: كلمةٌ عوراء، أي: قبيحة. وشرعًا: القُبُلُ، والدُّبر، وكل ما يُستحيا منه (٢)، كما يأتي. (فيجبُ) سترُها حتى على نفسه، وفي خلوةٍ، وظلمةٍ، وخارجَ صلاة (بما لا يَصفُ البشرةَ) أي: لونَ بشرةِ العورة، من بياضٍ أو سواد؛ لأنَّ السَّتر إنَّما يحصلُ بذلك، ولا يعتبر أن لا يصفَ حجمَ العضو؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التحرُّزُ عنه، ويكفي سترٌ بغير منسوجٍ، كوَرَقٍ، وجِلْدٍ، ونباتٍ، ولا يجبُ ببَارَيَّةٍ (٣)، وحصيرٍ، وحفيرةٍ (٤)،

стр. 606

وعورةُ رجلٍ وأَمَةٍ ما بين سُرَّة ورُكبةٍ. والحرَّةُ البالغةُ كلُّها عورةٌ في الصلاة إلا وجهَها. وتُسنُّ صلاةُ رجل في ثوبَيْن، ويجزئه في نفلٍ سترُ عورته، وفي فرض سترُها مع أَحَدِ عاتقَيْه. وطينٍ، وماء كَدِرٍ، لعدمٍ؛ لأنَّه ليس بسترةٍ. ويُباح كشفُها لتداوٍ، وتخلٍّ، ونحوهما (١)، ولزوجٍ، وسيِّدٍ، وزوجةٍ، وأَمَة. (وعورةُ رجلٍ) وبالغٍ عشرًا (وأمةٍ) وأمِّ ولد، ومكاتبةٍ، ومدبَّرةٍ، ومعتَقٍ بعضُها، وحرَّةٍ مميزةٍ، ومراهقةٍ: (ما بين سُرَّةٍ وركبةٍ) وليستا من العورة. وعورةُ ابنِ سَبْعٍ إلى عَشْرٍ: الفرجان (٢). (والحرَّةُ) مبتدأٌ أوَّل، و (البالغةُ) صفةٌ (كلُّها) مبتدأ ثانٍ، و (عورةٌ في الصلاة) خبرُ المبتدأ الثاني، والجملة خبرُ الأول، أو كلُّها توكيدٌ للحُرَّة. وقولُه: "عورةٌ" خبرٌ لها. والمعنى: أنَّه يجبُ على الحُرَّةِ البالغةِ أن تسترَ في كلِّ صلاةٍ -فرضًا كانتْ أو نفلًا- جميعَ بدنها؛ لأنَّه عورة (إلا وجهَها) فليس عورةً في الصلاة. (وتسنُّ صلاةُ رجل في ثوَيبْن) كقميص مع رداءٍ، أو إزارٍ، أو سراويل. (ويُجزئه) أي: الرجلَ (في نفلٍ سترُ عورته، و) يجزئه (في فرضِ) عينٍ، أو نَذْرٍ، أو كفاية (سترُها) أي: عورته (مع) ستر (أحدِ عاتقَيْه) بلباسٍ، ولو وَصَفَ البشرةَ؛ لقوله ﷺ : "لا يصلِّي الرجلُ في الثَّوب الواحدِ ليسَ على عاتقِهِ منه شيء" رواه الشيخان عن أبي هريرة (٣). والمرادُ بالعاتق: موضعُ الرِّداء من المَنْكِب (٤). وقولنا:

стр. 607

وصلاتُها في قميصٍ وخمارٍ ومِلْحَفَةٍ، ويجزئ سترُ عورتها. وإن انكشفَ بعضُ عورة وفَحُشَ وطال، أو صلَّى في ثوب نَجِسٍ، أعاد. ويُصلِّي في حرير؛ لعَدَمٍ، ومن حُبس بنَجِسٍ، ولا يعيد. ومن وَجَدَ كفايةَ عورته، سترها، وإلا "بلباسٍ" أي: سواء كان من الثوب الذي سَتَرَ به عورتَه، أم مِنْ غيرِه، لكنْ محلُّه إذا قَدَر عليه، وإلا، فأيُّ شيء سَتَر به عاتِقَه، أجزأه. (و) تُستحبُّ (صلاتها) أي: المرأةِ (في قميصٍ وخِمارٍ) وهو ما تضعُه على رأسِها، وتديرُه تحت حَلْقِها (١) (ومِلْحَفَةٍ) أي: ثوبٍ تلتحفُ به. وتُكره في نِقابٍ وبُرْقُعٍ (ويجزئ) المرأةَ (سترُ عورتها) في فرض ونفل. (وإن انكشف بعضُ عورةِ) مصلٍّ، رَجُلًا كان أو امرأةً (وفَحُشَ) المنكشفُ عُرفًا (وطال) الزمانُ، أعاد. وعُلم منه أنَّه لو قصُر الزمنُ، أو لم يفحش المنكشفُ، لم يُعِد إن لم يتعمدْه (أو صلَّى في ثوبٍ) محرَّمٍ عليه؛ كمغصوب كلُّه أو بعضُه، وكحرير، ومنسوجٍ بذهبٍ، أو فضَّة، إن كان رجلًا واجدًا غيرَه، وصلَّى فيه عالمًا ذاكرًا، أعاد. وكذا إذا صلَّى بمكانٍ غصبٍ، أو صلَّى في ثوبٍ (نجسٍ) نجاسةً لا يُعفى عنها، ولو لعدم غيره (أعاد) الصلاةَ وجوبًا. (ويصلِّي) عريانًا مع غَضبٍ، و (في حرير لعدم) غيرِه، ولا يعيد. وفي نجسٍ لعدمٍ، ويعيد. (و) يصلِّي (بن حُبِس بـ) محلٍّ غَصْبٍ أو (نَجسٍ، ولا يعيد) ويسجدُ على نجاسةٍ يابسةٍ، ويُومئ برطبة غايةَ ما يمكنُه، ويجلس على قدمَيْه. ولا يصحُّ نفلُ آبقٍ. (ومن وَجَدَ كفايةَ عورتِه، ستَرَها) وجوبًا، وتركَ غيرَها، وصلَّى قائمًا؛ لأنَّ سترَها واجبٌ في غيرِ الصلاة، ففيها أولى. (وإلَّا) أي: وإن لم يجدْ ما يسترُها كلَّها، بل

стр. 608

فالفرجَيْن، فإن كفى أحدَهما، فالدُّبُر أَولى، ويُصلِّي جالسًا ندبًا يُومِئُ. ومن أُعير سترةً، قَبِلَها. ويُصلِّي العراةُ جماعةً، وإمامهم وَسْطًا وجوبًا، وكلُّ نوعٍ وحدَه، ويُصلِّي عارٍ قاعدًا بالإيماءِ ندبًا، وإن وجَد سترةً بعضَها (فـ) ـــــلْيَستُرِ (الفرجَيْن) لأنَّهما أفحشُ (فإن) لمْ يكفِهما، بل (كفى أحدَهما، فالدُّبُرُ أَولى) بالستر؛ لأنَّه ينفرج في الركوع والسجود، إلَّا إذا كفَتِ السترةُ منكبَه وعجُزَه فقط، فيسترهما بكونِه يسترُ معظمَ العورةِ، والمغلَّظَ منها، وسترُ المنكب لا بدل له. (ويصلِّي) مَنْ لم يستُرْ فرجَيْه (جالسًا، ندبًا، يُومئ) بركوعٍ وسجودٍ، ولا يتربَّع، بل ينضمُّ، فلو صلَّى قائمًا وركع وسجد، جاز. ولَزِم عريانًا تحصيلُ سترةٍ بثمنِ أو أجرةِ مِثْلٍ، أو زائدٍ يسيرًا. (ومن أُعير سترةً) ليصلِّيَ فيها (قَبِلَها) أي: وجب عليه قَبُولُها، فلا تصحُّ صلاتُه عريانًا؛ لأنَّه قادرٌ على سَترِ عورته بما لا ضرَر فيه، بخلاف الهبة؛ للمِنَّة، ولا يلزمُه استعارتُها. (ويُصلِّي العراةُ جماعةً) وجوبًا، إذا كانوا رجالًا أحرارًا لا عذرَ لهم يبيح تركَ الجماعة؛ إذ الوجوب (١) لا يَسْقط بفوات سُنَّة الموقف، ولأنَّهم أولى بالوجوب من أهل صلاةِ الخوف (و) يكون (إمامُهم) أي: إمامُ العراة (وسْطًا) -بسكون السين المهملة- أي: بينهم (وجوبًا) وإن لم يتساوَ مَن عن يمينِه وشمالِه، فإن تقدَّمهم، بطلتْ، ويصلُّون صفًّا واحدًا وجوبًا. لكن محلُّ ذلك ما لم يكونوا عميانًا، أو في ظلمة. (و) يصلِّي (كلُّ نوعٍ) من رجالٍ ونساءٍ (وحدَه) لأنفسهم إنِ اتَّسع محلُّهم، فإن شقَّ، صلَّى الرجالُ، واستدبرهم النساءُ، ثمَّ عكسوا. (ويصلِّي عارٍ) عاجزٌ عن تحصيلِ سُترة (قاعدًا بالإيماء) بركوعٍ وسجودٍ (ندبًا) في قعودِه وإيمائه، فلو صلَّى قائمًا، وركع، وسجد، جاز (وإن وَجد) مصلٍّ عريانًا (سترةً

стр. 609

قريبةً في الصلاة، سَتَرَ وبَنَى، وإلَّا، ابتدأَ. وكُرِهَ في صلاةٍ سَدْلٌ، واشتمالُ الصَّمَّاءِ، وتغطيةُ وجهٍ، وتلثُّم على فمٍ وأنفٍ، ولفُّ كُمٍّ، قريبةً) عرفًا (في) أثناء (الصلاة، سَتَر) بها عورتَه (وبَنَى) على ما مضى من صلاته (وإلَّا) أي: وإن لم يجدْها قريبةً، بل وجدها بعيدةً (ابتدأ) الصلاةَ بعد سَتْر عورته. وكذا من عَتَقَتْ فيها، واحتاجتْ إليها (١). (وكُره في صلاةٍ سدلٌ) وهو طرحُ ثوبٍ على كَتفَيْه، ولا يردُّ طرفَه على الأخرى (٢). (و) كُره فيها (اشتمالُ الصَّمَّاء) بأن يضطبعَ بثوبٍ ليس عليه غيرُه (٣). والاضطباع: أن يجعلَ وسط الرداءِ تحت عاتقِه الأيمن، وطرفَيْه على عاتقه الأيسر (٤). فإن كان تحته ثوبٌ غيرُه، لم يكره. (و) كُرِهَ فيها (تغطيةُ وجهٍ) بلا سبب؛ لنهيه ﷺ "أن يغطِّيَ الرجلُ فاه" رواه أبو داود (٥). ففيه تنبيهٌ على كراهة تغطية الوجه؛ لاشتماله على تغطية الفم. (و) كُره فيها (تلَثُّمٌ على فَمٍ وأَنْفٍ) رُوي ذلك عن ابن عمر (٦). وفي تغطية الفم تشبُّهٌ بفعل المجوس عند عبادتهمُ النيران. (و) كُره فيها (لفُّ كُمِّـ) ـــه، أي: جمعُه وكفُّه أي: ليمنعه من السجودِ معه بلا

стр. 610

وشَدُّ وَسَطٍ كزُنَّار، وتَحرُم خيلاءُ في ثوبٍ وغيرِه، وتصويرٌ واستعمالُه في غير فرش وتوسُّد. سبب؛ لقوله ﷺ : "ولا أكفُّ شَعَرًا ولا ثوبًا" متفق عليه (١). (و) كُره فيها (شدُّ وسط) ـــه (كزُنَّار) أي: بما يشبه شدَّ الزُّنَّار-بضم أوله كتُفَّاح-: وهو خيطٌ غليظ تشدَّه النصارى على أوساطهم (٢)؛ لما فيه من التشبُّهِ بأهل الكتاب. وفي الحديث: "من تشبَّه بقومٍ، فهو منهم" رواه أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيح (٣). وكُرِهَ للمرأة شدُّ وسطها في الصلاة مطلقًا، لا لرجلٍ بما لا يشبه الزُّنَّار. (وتحرُمُ خُيَلاءُ) بضمِّ الخاء المعجمة، وفتحِ المثناة التحتيَّة والمدِّ، والمنع من الصَّرف؛ لألف التأنيث الممدوة، ومعناه: الكِبْرُ والإعجاب (٤) (في ثوبٍ وغيرِه) كعمامةٍ في الصلاة وخارجها في غيرِ حرب؛ لقوله ﷺ : "من جرَّ ثوبَه خُيلاءَ، لم ينظرِ اللهُ إليه" متَّفَق عليه (٥). ويجوز الإسبالُ من غير خُيلاءَ؛ لحاجة، كسترِ قُبحٍ برِجْلٍ. (و) يَحرُم (تصويرٌ) أي: عملُ صورةِ حيوان؛ لحديث الترمذيِّ (٦) وصحَّحه: "نَهى رسولُ الله ﷺ عن الصورة في البيت، وأنْ تُصنع" فإنْ أُزيل منها ما لا تبقى معه حياةٌ، لم تُكْرَه. (و) يَحرُمُ (استعمالُه) أي: المصوَّر على الذكر والأنثى (في غيرِ فرشٍ وتوسُّدٍ) فيحرمُ استعمالُه في لُبْسٍ، وتعليقٍ، وسترِ جدُر به، لا في فرش، أي: افتراشِه، ولا في توسُّده، أي: جعلِه مِخَدًّا.

стр. 611

وعلى ذَكَر ما غالبه حريرٌ ظهورًا، ومنسوجٌ بذهب أو فضَّة قبل استحالةٍ. ويُباح ما سُدِّي بإبْرِيْسَم وأُلْحِمَ بغيره، (و) يَحرُم (على ذَكَرٍ) استعمالُ (ما) أي: منسوجٍ (غالبُه) أي: أكثرُه (حريرٌ ظهورًا) تمييزٌ محوَّل عن الفاعل، أي: ما كثر ظهورُ الحرير فيه، وزادَ على ما معه من نحو كَتَّان. وعُلِم منه أنَّه لا يَحرُم، إذا استويا ظهورًا، أو كان الغالبُ غيرَ الحرير، ولا عبرةَ بالوزن. (و) يحرُم على ذكرٍ (منسوجٌ بذهبٍ، أو فضَّة) أو مموَّه بأحدِهما، غير ما يأتي في الزكاة من أنواعِ الحلي (قبلَ استحالة) ما ذُكِرَ من الذَّهَب والفِضَّة، فإن تغيَّر لونُه، ولم يحصل منه شيءٌ بعَرْضِه على النَّار، لم يحرُم؛ لعدم السَّرف والخُيلاء. (ويُبَاح) خَزٌّ، وهو (ما سُدِّيَ (١) بإبرِيْسَم) أي؛ حرير (٢) (وأُلحِم بغيره) أي: غيرِ الإبرِيسَم، من نحو صوفٍ أو قطن، لكنْ بشرطِ أن يكونَ الحريرُ مستتِرًا، وغيرُ الحريرِ هو الظاهر، وإلَّا، بأن ظهرَ الحريرُ، واستتر غيرُه، فهو كالمُفحَم المحرَّم، كما قال في "الاختيارات" (٣): المنصوصُ عن أحمدَ وقدماءِ الأصحاب إباحةُ الخزِّ دون المُفحَم. قال المصنِّف (٤): والملحَمُ: ما سُدِّيَ بغيرِ الحرير وأُلحم به. انتهى. فالملحَمُ عكسُ الخزِّ صورةً وحكمًا، وقد اشتبه على كثيرٍ من الناس نحو الثياب البَغدادية مما يسدَّى بالحرير ويُلْحمُ بالقُطْن، لكنْ مع ظهور الحريرِ واستتار القطن، فتوهَّموا أن ذلك من الخزِّ المباح، وغفَلوا عن شرطِ الخزِّ -أعني استتارَ الحرير،

стр. 612

وخالصٌ لحكَّة وحَرْبٍ وقَمْلٍ ومَرَضٍ. وحَشْوٌ وعَلَمُ ثوبٍ ورِقاعٌ وسُجُفٌ، لا فوقَ أربعِ أصابع مضمومةٍ. وكُرِهَ لرجلٍ مُعَصْفَرٌ في غيرِ إحرامٍ ومُزَعْفَرٌ. وظهورَ غيره -وهذا الشرط لا بُدَّ منه، كما يدل عليه مواضعُ من كلامهم، كما في "حواشي الفروع" لابن قُنْدُس (١) وغيرِها. والله أعلم. (و) يُباحُ حريرٌ (خالصٌ، لـ) ــــضرورةٍ، و (حكَّةٍ، و) يباحُ حريرٌ في (حَرْبٍ) مباحٍ إذا تراءى الجمعان إلى انقضاءِ القتال، ولو لغيرِ حاجة (و) يباحُ حريرٌ؛ لحاجة (قَمْلٍ، ومرضٍ) يُنتفع به فيه. (و) يباحُ من الحرير (حشو) جِباب، وفُرُش؛ لعدمِ الفَخْر والخيلاء؛ بخلافِ البِطانة. ويحرُم إلباسُ صبيٍّ ما حَرُم على رجلٍ، وتشبُّهُ رَجْلٍ بأنثى، وعكسُه في لباسٍ وغيرِه. (و) يباحُ من حريرِ (عَلَمُ ثوبٍ) وهو طِرازُه. (و) يباحُ منه (رِقاعٌ وسُجُفٌ) نحو فِراء -بضم السين المهملة والجيم جمع سِجاف- ككتب وكتاب (٢). ومحلُّه: إذا كانت الثلاثةُ قدرَ أربعِ أصابعَ فأقلَّ؛ لما روَى مسلمٌ عن عمرَ: أن النبيِّ ﷺ "نَهى عن لُبس الحريرِ إلَّا موضعَ أصبعين، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ" (٣). و (لا) يباحُ من الثلاثة ما (فوق أربع أصابع مضمومةٍ) بالجرِّ، أي: مضمومٍ بعضُها إلى بعض، فتُعتبرُ الأصابعُ عَرضًا لا طولًا. (وكُرِهَ لَرجُلٍ) ثوبٌ (مُعَصْفَر في غيرِ إحرامٍ، و) كُرِهَ لرَجُلٍ ثوبٌ (مُزَعفَر) مطلقًا؛

стр. 613

ومنها اجتنابُ نجاسةٍ لا يُعفَى عنها، فمن حَمَلَها لأنَّه ﵊ نهى الرِّجالَ عن التَّزَعْفُر. متفق عليه (١). وكُرِه أحمرُ خالصٌ، ومشيٌ بنعلٍ واحدة، وكونُ ثيابه فوقَ نصفِ ساقه، أو تحتَ كعبه بلا حاجةٍ، وللمرأة زيادةٌ إلى ذراع. وكُرِهَ لُبْسُ ثوبٍ يَصِفُ البشرةَ لرجلٍ أو امرأة. وثوب شُهرة، وهو: ما يُشْتَهرُ به عند الناس، ويشارُ إليه بالأصابع. والسابع من شُرُوطِ الصَّلاة: ما أشار إليه بقولِه: (ومنها اجتنابُ نجاسةٍ لا يُعفى عنها) في بدنِ مصلٍّ، وثوبهِ، وبقعتِهما، وعدمُ حملِها؛ لحديث: "تنزَّهوا من (٢) البول؛ فإنَّ عامَّةِ عذابِ القبر منه" (٣)، وقولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (فمَنْ حَمَلَها) أي: النجاسةَ التي لا يُعفى عنها ولو بقارورةٍ،

стр. 614

أو لاقاها ببدنِه أو ثوبِه، لم تصحَّ صلاتُه. وإن طيَّن أرضًا نَجِسةً، أو فَرَشها صَفِيقًا طاهرًا، صحَّت وكُره، وتصحُّ على طاهر بطَرَفه نجاسةٌ، إلا إن تعلَّق به نَجِسٌ ينجزُّ بمشْيه. ومن وَجَدَ به نجاسةً بعد صلاتِه، وعَلِمَ أنَّها كانت فيها، لكن نَسِيَ ونحوه، أعاد، لم تصحَّ صلاتُه، فإنْ كانتْ معفوًّا عنها، كمَنْ حَملَ مستجمِرًا (١)، أو حيوانًا طاهرًا، صحَّت صلاتُه. (أو لاقاها) أي: النجاسةَ التي لا يُعفى عنها (ببدنه، أو ثوبِه، لم تصحَّ صلاتُه) لعدمِ اجتنابه النجاسةَ. وإنْ مسَّ ثوبُه ثوبًا، أو حائطًا نَجسًا لم يستندْ إليه، قابلها راكعًا أو ساجدًا، ولم يلاقِها، صحَّتْ. (وإنْ طيَّن أرضًا نَجسةً، أو فَرَشَها صَفِيقًا طاهرًا) أو بسطه على حيوانٍ نجسٍ، أو صلَّى على بساطٍ باطنُه فقط نجسٌ (صحَّتْ) صلاتُه؛ لأنَّه ليس حاملًا للنجاسة، ولا مباشِرًا لها (وكُرِه) له ذلك؛ لاعتمادهِ على ما لا تصحُّ الصَّلاةُ عليه. (وتصحُّ) الصلاةُ (على طاهرٍ بطَرفه) أي: الطاهرِ (نجاسةٌ) لا يلاقيها، ولو تحرَّك المتنجِّسُ بحركتِه، وكذا لو كان تحتَ قدمِه حَبْلٌ مشدودٌ في نجاسة وما يصلَّى عليه منه طاهرٌ (إلَّا ان تعلَّق به) أي: بالمصلِّي (نجسٌ ينجَرُّ) معه (بمشْيه) فلا تصحّ؛ لأنَّه مستتبع لها، فهو كحامِلها. وإن كانت سفينةً كبيرة، أو [حيوانًا كبيرًا] (٢) لا يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه، صحَّتْ؛ لأنَّه ليس بمستتبعٍ لها. (ومن) أي: أيُّ مصلٍّ (وَجَد به) أي: ببدنِه، أو ثوبِه، أو مكانِه (نجاسةً) لا يُعفى عنها (بعد صلاته، وعَلِمَ أنَّها) أي: النجاسة (كانتْ فيها) أي: في الصلاة (لكنْ نسيـ) ــــها (ونحوه) كما لو جَهِلَها (أعاد) الصلاةَ وجوبًا، كما لو صلَّى محدِثًا ناسيًا

стр. 615

وإلا، فلا. ومن جُبر عظمُه أو خِيْطَ جرحُه بنَجِسٍ، لم يجب إزالتُه مع ضررٍ. وما سقط منه من عضوٍ أو سنٍّ، طاهرٌ. ولا تصحُّ صلاةٌ في مقبرة، وحمَّام، وعَطَنِ إبلٍ، وحُشٍّ، ومجزرةٍ، ومزبلةٍ، وقارعةِ طريقٍ، (وإلَّا) أي: وإن لم يعلم كونَها فيها (فلا) يعيد؛ لاحتمالِ حدوثِها بعدها؛ فلا تَبْطلُ بالشَّكِّ. (ومن جُبر) بالبناء للمفعول (عظمُه) نائبُ الفاعل، بعظمٍ نَجِسٍ (أو خِيْطَ) بالبناء للمفعول (جرحُه) نائبُ الفاعل (بـ) خَيط (نَجسٍ) وصحَّ (لم يجب إزالتُه) أي: النَّجِس (مع ضررٍ) بفواتِ نفسٍ، أو عضوٍ، أو مرضٍ، ولا يتيمَّم له إنْ غطّاه اللَّحْم. وإن لم يخَفْ ضررًا، لزمتْه إزالتُه، وتقدَّم في السواك حكمُ الوشم (١). (وما سقط منه) أي: من آدميٍّ (من عضوٍ، أو سنٍّ) فهو (طاهرٌ) أعادَه أو لم يُعِدْه؛ لأنَّ ما أبين من حيٍّ كميتتهِ، وميتةُ الآدميِّ طاهرة. وإن جعلَ موضع سنِّه سنَّ شاةٍ مُذَكَّاةٍ، فصلاتُه صحيحة، ثبتَتْ، أوْ لا. (ولا تصحُّ صلاةٌ) بلا عُذْرٍ، كحبسٍ -فرضًا كانت أو نفلًا- غير صلاةِ جنازة (في مقبرة) بتثليث الباء، ولا يضرُّ قبران، ولا ما دُفِنَ بداره (و) لا في (حمَّام) داخله، وخارجه، وجميع ما يتبعه في بَيعٍ (و) لا في (عَطَن إبل) بفتح الطاء المهملة، أي: معطِنها بكسرها: وهو ما تقيمُ فيه، وتأوي إليه (٢) (و) لا في (حُشٍّ) بضمِّ الحاء المهملة وفتحِها: وهو المرحاض (٣) (و) لا في (مجزرةٍ، ومَزبلةٍ، وقارعةِ طريقٍ،

стр. 616

وأسطحتِها، ومغصوبٍ، وتُكرَه إليها. ولا تصحُّ فريضةٌ في الكعبةِ، ولا على ظهرِها، والحِجْرُ منها، وتُسنُّ النافلةُ فيهما. و) لا تصحُّ الصلاةُ في (أسطِحَتها) أي: أسطحةِ تلك المواضع، وسطحِ نهرٍ (و) لا في (مغصوبٍ). والمنعُ فيما ذُكر تعبُّديٌّ؛ لما روى ابنُ ماجه والترمذيُّ عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ الله ﷺ نهى أنْ يصلَّى في سبعِ مواطن: المزبلةِ، والمجزرةِ، والمقبرةِ، وقَارِعةِ الطريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي مَعَاطِنِ الإبل، وفوقَ ظهرِ بيت الله (١). (وتُكره) الصلاةُ وتصحُّ (إليها) أي: إلى تلك المواضعِ، إن لم يكنْ حائل، وإلّا، فلا كراهة. وتصحُّ صلاةُ جنازةٍ، وجمعة، وعيدٍ، ونحوِها بطريقٍ، لضرورة، وغصبٍ، وعلى راحلةٍ بطريقٍ، وفي سفينة، ويأتي. (ولا تصحُّ فريضةٌ في الكعبةِ، ولا على ظهرِها. والحِجْر) بكسرِ الحاء المهملة (منها) أي: من الكعبة، فلا تصحُّ الفريضةُ فيه، كما لا تصحُّ في الكعبة، وتصحُّ إن وَقَفَ على منتهاها بحيثُ لم يَبْقَ وراءَه شيءٌ منها، أو وَقَفَ خارجَها، وسجد فيها، أو في الحِجْر؛ لأنَّه غيرُ مستدبِرٍ لشيء منها. وتصحُّ النافلةُ والمنذورةُ فيهما: أي: في الكعبةِ والحِجْر، وكذا يصحَّان عليها (وتُسَنُّ النافلة فيهما) أي: في الحِجْر والكعبة،

стр. 617

ومنها: استقبالُ القبلة، فلا تصحُّ بدونه إلا لعاجزٍ ومسافرٍ متنفِّلٍ، ويَفتتحُ الصلاةَ إليها إن لم يشقَّ، ويركعُ ويسجدُ أيضًا إليها ماشٍ. ومن قَرُبَ من الكعبة، ففرضُه إصابةُ عينِها، ومن بَعُدَ، جهتِها. بين الأسطوانتين وِجاهَهُ إذا دخل؛ لفعله ﵊ (١). والشرط الثامن: ما أشار إليه بقوله: (ومنها استقبالُ القبلة) أي: الكعبة، أو جهتِها، سُمِّيتْ قبلةً؛ لإقبال الناس عليها، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] (فلا تصحُّ) صلاةٌ (بدونِه) أي: بدونِ الاستقبالِ (إلَّا لعاجزٍ) كمربوطٍ، ومصلوبٍ لغيرِ القبلةِ، وعندَ اشتدادِ الحربِ (و) إلَّا لـ (مسافرٍ) سَفَرًا مباحًا، طويلًا أو قصَيرًا (مُتَنَفِّلٍ) لا مفترضٍ، إذا كان يقصدُ جهة معيَّنة، فله أنْ يتطوَّعَ سائرًا، لا نازلًا، ماشيًا، أو راكبًا، على راحلتِه حيثُما توجَّهتْ به. (ويفتتحُ) متنفِّلٌ في سفرٍ (الصلاةَ) بالإِحرامِ (إليها) أي: إلى القبلةِ وجوبًا، بالدَّابةِ، أو بنفسِهِ (إنْ لمْ يَشُقَّ) عليه. (ويركعُ، ويسجدُ أيضًا) أي: كما يفتتح (إليها) أي: إلى القبلةِ وجوبًا (ماشٍ) فاعلٌ يتنازعُه: "يركع، ويسجد". أي: لتيسُّر ذلك عليه. وأما الراكبُ، فيركعُ، ويسجدُ إن أمكن بلا مشقَّةٍ، إلَّا، فإلى جهةِ سَيرهِ، ويومئ بهما، ويجعلُ سجودَه أخْفَضَ. وراكبُ المِحَفَّةِ (٢) الواسعةِ والسفينةِ والراحلةِ الواقفةِ، يلزمُه الاستقبالُ في كلِّ صلاتهِ. (ومَنْ قَرُب من الكعبة) بأنْ أمكنه معاينتُها، أو الخبرُ عن يقين (ففرضُه إصابةُ عينِها) ببدنِه كلِّه، بحيثُ لا يخرجُ شيءٌ منه عن الكعبة، ولا يضرُّ عُلوٌ، ولا نزول. (ومن بَعُدَ) عن الكعبة، ففرضُه استقبالُ (جهتِها) فلا يضرُّ التَّيامُنُ والتياسُرُ اليسيران عُرْفًا، إلَّا مَنْ كان بمسجدِه ﷺ ؛ لأنَّ قبلتَه متيقَّنة.

стр. 618

ويَعمل بخبرٍ عن يقين، ومحرابٍ إسلاميٍّ، ويَستدلُّ عليها في السفر بالقطبِ وغيرِه. ولا يَتَّبعُ مجتهدٌ مجتهدًا خالفَه، ولا يَقتدِي به. ويتَّبعُ مقلِّدٌ الأوثقَ عنده. ومن صلَّى بلا اجتهادٍ ولا تقليدٍ (ويَعمل) مَنْ جَهِلَ القبلةَ (بخبر) مكلَّفٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ، ظاهرًا وباطنًا (عن يقين) حرًّا كان أو عبدًا، رجلًا أو امرأة (و) يَعمل أيضًا بـ (ــــمحرابٍ إسلاميٍّ) لأنَّ الاتِّفاقَ عليه مع تَكْرارِ الأعصار إجماعٌ؛ فلا تجوزُ مخالفتُه حيثُ عَلمِه للمسلمين، ولا ينحرف. (ويَسْتَدِلُّ) جاهلُ القبلة (عليها في السفر بالقُطْب) نجمٍ، خفيٍّ، شماليٍّ، حولَه أنجم دائرةٌ كفَرَاشةِ الرَّحى، في أحدِ طرفيها الجَدْي، وفي الآخر الفَرْقَدان (١). يكونُ القُطْبُ وراءَ ظهرِ المصلِّي بالشام، وعلى عاتِقِه الأيسرِ بِمصرَ. وهو أثبتُ أدلَّتِها؛ لأنَّه لا يزولُ عن مكانه إلَّا قليلًا. (و) يستدلُّ عليها أيضًا بـ (ـــغيره) أي: غيرِ القُطْبِ؛ كالشَّمْسِ والقمرِ ومنازلهِما؛ فإنَّها تطلُعُ من المشرِقِ وتغرُب بالمغرِب. ويُستحبُّ تعلُّمُ أدلَّةِ القبلةِ والوقتِ، فإنْ دَخَلَ وخفيتْ، لزمَه، ويقلِّدُ إنْ ضاقَ الوقتُ. (ولا يتَّبعُ مجتهدٌ مجتهدًا خالفَه) وإن كان أعلمَ منه (ولا يَقتدي به) لأنَّ كلًّا منهما يعتقدُ خطأَ الآخر. (ويتَّبعُ مقلِّدٌ) بكسر اللام، لجهلٍ، أو عمًى (الأوثقَ) من مجتهدَيْن، أي: أعلمَهما (عنده) وأصدقَهما وأشدَّهما تحرِّيًا لدينه؛ لأنَّ الصوابَ إليه أقربُ. فإن تساويا، خُيِّر، وإذا قلَّد اثنين، لم يرجعْ برجوعِ أحدِهما. (ومن صلَّى بلا اجتهاد) في القبلة مع قدرته عليه (ولا تقليدٍ) إنْ لم يُحْسِنِ

стр. 619

مع قدرةٍ، أَعادَ، وإلَّا، تحرَّى وصلَّى. ويجتهد عارفٌ لكلِّ صلاةٍ، ويعمل بالثاني، ولا يقضي ما صلَّى بالأوَّل. ومنها: النِّيَّةُ، فيُعتبر أن ينوي عينَ ما يصلِّيه من نحوِ ظهرٍ أو راتبةٍ. ولا يشترط نيَّة فرضٍ الاجتهادَ (مع قدرتـ) ـــه على التقليد، بأنْ وَجَدَ من يقلِّده (أعاد) ولو أصاب؛ [لتركه الواجب عليه] (١) (وإلَّا) أي: وإن لم يَقْدِر على اجتهادٍ ولا تقليدٍ، كأن لم يجدْ أعمًى، أو جاهلٌ مَنْ يقلِّدُه (تحرَّى وصلَّى) ولا إعادة. وإن صلَّى بصيرٌ حَضَرًا، فأخطأ، أو صلَّى أعمًى بلا دليلٍ، مِنْ لَمْسِ نحوِ محرابٍ، أو خبرِ ثقةٍ، أعاد. (ويجتهدُ عارفٌ) بأدلَّة القبلة (لكلِّ صلاةٍ) لأنَّها واقعةٌ متجدِّدةٌ؛ فتستدعي طَلَبًا جديدًا (ويعمل بـ) ــــالاجتهادِ (الثاني) لأنَّه ترجَّح في ظنِّه، ولو في أثناءِ الصلاة، فيبني (ولا يقضي ما صلَّى بـ) ــالاجتهادِ (الأوَّل) لأنَّ الاجتهادَ لا ينقضُ الاجتهادَ. ومن أُخْبِر فيها بالخطأ يقينًا، لَزِمَ قبولُه. وإنْ لم يظهر لمجتهدٍ جهةٌ، صلَّى على حسبِ حالِه. والشرط التاسع: ما أشار إليه بقوله: (ومنها النِّيَّة) وبها تمَّتِ الشروطُ. وهي لغةً: القصدُ، وهو عزمُ القلب على الشيء. وشرعًا: العزمُ على فِعْلِ العبادةِ؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى (٢). ومحلُّها: القلبُ، والتلفُّظُ بها ليسَ بشرطٍ؛ إذ الفرضُ جَعْلُ العبادةِ لله تعالى؛ فلا يضرُّ سبقُ لسانِه بغيرِ ما نواه (فيُعتبر أنْ ينويَ عينَ ما يصلِّيه، مِنْ) فَرْضٍ (نحوِ ظهرٍ) وعصرٍ (أو) نفلٍ كـ (ـــراتبةٍ) ووِتْرٍ؛ لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيّات" (٣). (ولا يُشترطُ نيَّةُ فرْضٍ) في نحوِ ظهرٍ، بأنْ ينويَها فرضًا، بل تكفي نيةُ الظُّهْرِ مثلًا.

стр. 620

ولا أداءٍ، ولا ضدِّهما في ذلك. وينوي مع التحريمة أو قَبْلَها بيسيرٍ في الوقتِ، وإن قَطَعَها، أو تردَّد فيه، بطلت. ويجوز قَلْبُ فَرْضِه نفلًا، إنِ اتسعَ وقتُه، وكُره بلا غرض. (ولا) تُعتبر نيَّةُ (أداءٍ، ولا) نيَّةُ (ضدِّهما) أي: ضدِّ الفرضِ والأداءِ، وهما النَّفْلُ والقضاءُ (في ذلك) المذكور، من الفرضِ والراتبةِ. ولا يشترطُ أيضًا نيَّةُ الإعادة في المعادة، ولا إضافةُ الفعلِ إلى الله تعالى فيما ذكر، ولا في باقي العبادات؛ لأنَّها لا تكون إلَّا لله سبحانه، ولا عددِ الركعات. ومَنْ عليه ظهران، عيَّن السابقةَ؛ لأجلِ التَّرتيب، ولا يمنعُ صحَّتَها قصدُ تعليمِها ونحوِه. (وينوي مع التحريمة) لتكونَ النيةُ مقارنةً للعبادةِ (أو) ينوي (قبلَها) أي: قبلَ تكبيرةِ الإحرام (بـ) زمنٍ (يسيرٍ) عُرْفًا، إنْ وجدتِ النيةُ (في الوقتِ) أي: وقتِ المؤدَّاة والراتبةِ، ما لم يفسخْها. (وإن قَطَعَها) أي: النيةَ في أثناء الصلاة (أو تردَّد فيه) أي: قطعِها (بطلَتْ) لأنَّ استدامةَ النيةِ شرطٌ، ومع الفَسْخ، أو التردُّد لا يبقى مستديمًا. وكذا لو علَّقه على شَرْطٍ، لا إن عزَم على فعلِ محظورٍ قبلَ فعلِه. وإذا شكَّ في الصلاة، في النِّيَّة، أو التَّحريمةِ، استأنفها. وإن تذكَّر أنَّه نوى، وكان ذلك قبلَ قطعِها، فإنْ لم يكنْ أتى بشيءٍ من أفعالِ الصلاة، بنى، وإنْ عَمِل مع الشكِّ عملًا، استأنف، وبعدَ الفراغ، لا أَثَرَ للشكِّ. (ويجوزُ) لمنفردٍ، أو مأمومٍ (قلْبُ فرضِهِ) الذي أَحْرَمَ به في وقته (نفلًا، إن اتَّسع وقتُه) المختارُ؛ لفعل ما أحرم به، ولأداءِ الفرض في وقته. (وكُرِهَ) قلبُ الفَرْضِ نفلًا (بلا غرَضٍ) صحيحٍ، كانْ يُحرِمَ منفردًا، فيريدَ الصلاةَ في جماعة، وإنِ انتقلَ من فَرْضٍ إلى آخرَ بالنية، بَطَلَا.

стр. 621

وينوي إمامٌ ومأمومٌ حالَهما، فإن نوى منفردٌ الإمامةَ أو الائتمامَ، لم يصحَّ. وتبطل إنِ انفردَ بلا عذرٍ يُبيح تَرْكَ الجماعةِ. وصلاةُ مأمومٍ بصلاة إمامِه، ولإمام أن يستخلفَ لمرضٍ وحَصْرٍ عن واجب، (وينوي إمام) جماعةٍ (ومأمومٌ حالَهما) وجوبًا، فينوي الإمامُ الإمامةَ، والمأمومُ الائتمامَ؛ لأنَّ الجماعةَ يتعلَّق بها أحكامٌ، وإنَّما يتميَّزان بالنِّيَّة؛ فكانت شرطًا، رجلًا كان المأمومُ أو امرأةً. وإن اعتقد كلٌّ أنَّه إمامُ الآخَرِ أو مأمومُه، فسدتْ صلاتُهما، كما لو نوى إمامةَ مَنْ لا يصحُّ أن يؤمَّه، أو شكَّ في كونِه إمامًا أو مأمومًا. ولا يشترط تعيينُ الإمام ولا المأمومِ، ولا يضرُّ جهلُ مأمومٍ ما قرأ به إمامُه. وإن نوى زيدٌ الاقتداءَ بعمرٍو، ولم يَنْوِ عمرٌو الإمامةَ، صحَّتْ صلاةُ عمرٍو وحدَه. وتصحُّ نيةُ الإمامةِ ظانًّا حضورَ مأمومٍ، لا شاكًّا. (فإنْ نوى منفردٌ) في أثناءِ الصلاة (الإمامةَ) بأنْ نوى أنَّه إمامٌ لغيره (أو) نوى المنفردُ (الائتمامَ) بأن نوى الاقتداءَ بغيره (لم يصحَّ) لأنَّه لم ينوِه في ابتداءِ الصلاة، سواءٌ صلَّى وحدَه ركعةً، أو لا، فرضً كانتِ الصلاةُ، أو نفلًا. (وتبطلُ) صلاةُ مؤتَمٍّ (إن انفرد) أي: نوَى الانفرادَ (بلا عُذرٍ يبيحُ تَرْكَ الجماعة) كمرضٍ، وغَلَبةِ نُعَاس، وتطويلِ إمامٍ، وإنَّما بطلتْ؛ لتَرْكِ متابعةِ إمامِه، فلو فارقه لعُذرٍ، صحَّتْ، فإن فارقه في ثانيةِ جمعةٍ لعذرٍ، أتمَّها جمعةً. (و) تبطلُ (صلاةُ مأمومِ بـ) ـــبطلانِ (صلاةِ إمامِه) لعُذْرٍ أو غيره، لا عكسه، ويتمُّها منفردًا. (و) يجوزُ (لإمامٍ أن يستخلفَ) من يُتِمُّ الصلاةَ بالمأمومين (لـ) حدوثِ (مَرَضٍ) به (و) لـ (حَضْرٍ) أي: منعٍ (عن واجب) نحو قراءة، أو خوفٍ مِن سَبْقِ حَدَثٍ، لا إنْ

стр. 622

ويبني الخليفةُ على صلاةِ إمامِه. وإن أَحرمَ الراتبُ بمَن أحرم بهم نائبُه، وعاد النائب مؤتمًا، صحَّ. سبقه قَبْلَ الاستخلاف. (ويبني الخليفةُ) أي: من استخلَفَه الإمامُ في إتمام الصَّلاة (على) ترتيب (صلاةِ إمامه) المستخلِف له، لا على ترتيبِ نفسِه، لو كان مسبوقًا. (وإنْ أحرم) الإمامُ (الراتبُ بمَنْ) أي: بمأمومين (أحرم بهم نائبه) لغيبته مثلًا، وبنى على صلاةِ نائبهِ (وعاد) أي: صار الإمامُ (النائبُ مؤتمًّا، صحَّ) لأنَّ أبا بكر ﵁ صلَّى في غيْبة النبيِّ ﷺ ، فجاء النبيِّ ﷺ والناسُ في الصَّلاة، فتخلَّص حتى وقف في الصفِّ، وتقدَّم فصلَّى بهم. متَّفق عليه (١). وإن سُبق اثنان فأكثرُ ببعض الصلاة، فَأُتمَّ أحدُهما بصاحبه في قضاءِ ما فاتهما، أو ائتمَّ مقيمٌ بمثله إذا سلَّم إمامٌ مسافرٌ، صحَّ.

стр. 623

باب صفة الصلاة يُسَنُ قيامُ إمامٍ فمأمومٍ رآه، عند قول: قد قامتِ الصلاةُ. وتسويةُ صفٍّ، وقربُه من إمام. ويقول: اللهُ أكبرُ باب صفة الصلاة سُنَّ خروجٌ إليها بسكينة، ووقار، ويقارب خُطاه. وإذا دخلَ المسجدَ، قدَّم رجلَه اليمنى، واليسرى إذا خرج، كما تقدَّم. ويقول: باسم الله، والسلامُ على رسول الله، اللَّهُمَّ اغفرْ لي ذنوبي، وافتحْ لي أبوابَ رحمتك. ويقوله إذا خرج، إلا أنَّه يقول: أبوابَ فضلك. ولا يُشبِّك أصابَعه، ولا يخوضُ في حديثِ الدنيا، ويجلسُ مستقبلَ القِبلة. و (يُسَنُّ قيامُ إمامٍ، فـ) قيامُ (مأمومٍ رآه) أي: رأى المأمومُ الإمامَ (عند قول) مقيمٍ: (قدْ قامتِ الصلاةُ) لأنَّ النبيِّ ﷺ كان يفعلُ ذلك. رواه ابنُ أبي أوْفى (١). ولا يُحرِم الإمامُ حتى تفرغَ الإقامةُ. (و) تُسن (تسويةُ صفٍّ) بمَنكِبٍ وكعبٍ، فيلتفت يمينًا، فيقول: استووا رحِمَكُم الله. وشمالًا كذلك، ويكمل الأوَّلُ فالأوَّلُ ويتراصُّون. وصفٌّ أوَّلُ لرجالٍ أفضلُ، وله ثوابه وثوابُ مَن وراءَه ما اتصلتِ الصفوفُ، والأخيرُ لنساءٍ أفضلُ (و) يُسنُّ (قُربُه) أي: الصفِّ (من إمام). (ويقول) مصل مطلقًا: (الله أكبرُ) فلا تنعقدُ إلَّا بها نطقًا؛ لحديث: "تحريمُها

стр. 624

قائمًا رافعًا يدَيْه إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه، مضمومةَ الأصابع، ممدودة. ويُسْمِعُه إمامٌ مَن خَلْفه كتسميعٍ وتسليمةٍ أُولى، وقراءةٍ في أُولتَي غَير الظُّهرَيْن التكبيرُ" رواه أحمدُ وغيرُه (١). فلا تصحُّ إن نكَّس، أو قال: الله الأكبر. أو: الجليل، ونحوه. أو مدَّ همزةَ: ألله، أو: أكبر، أو قال: أكبار. وإن مطَّطه، كُرِهَ مع بقاء المعنى، ولا بدَّ أن يأتي بالتكبيرة حال كونه (قائمًا) في فرض مع قدرةٍ، فإن أتى بالتَّحريمةِ، أو ابتدأها، أو أتَّمها غيرَ قائمٍ، صحَّتْ فعلًا، إن اتَّسعَ الوقتُ. ويكونُ حالَ تحريمه (رافعًا يدَيْه) ندبًا، فإن عجز عن رفعِ إحداهما، رفعَ الأُخرى، ويبتدئ الرفعَ مع ابتداءِ التكبير، ويُنهيه مع انتهائِه (إلى حَذوِ) أي: مقابِل (مَنْكبَيْه) لقولِ ابنِ عمرَ: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، رفع يديه حتى يكونا حذوَ مَنْكَبَيْه، ثمَّ يُكبِّر. متَّفقٌ عليه (٢). حالَ كونِ يدَيْه (مضمومةَ الأصابعِ ممدودتَـ) ــــها، مستقبلًا ببطونها القِبْلَة، فإن لم بقدِرْ على الرفع المسنونِ، رفع حسبَ إمكانه، ويسقطُ بفراغِ التَّكْبيرِ كلِّه. وكشفُ يدَيْه هنا وفي دعاءٍ أفضلُ (٣). ورفعُهما إشارةٌ إلى رفعِ الحجاب بينه وبين ربِّه تعالى. (ويُسْمِعُه) بضمِّ أوَّله، أي: يُسمِعُ التكبيرَ كلَّه (إمامٌ) ندبًا (مَنْ خلْفَه) من مأمومين؛ ليتابعوه (كـ) ـــما يُندبُ جَهْرُه بـ (تسميعٍ) أي: قولِ: سَمِعَ اللهُ لمن حمدَه (وتسليمةٍ أولى) فإن لم يُمْكِنْه إسماعُ جميعهم، جهر به بعضُهم؛ لفعل أبي بكر معه ﷺ . متفَقٌ عليه (٤). (و) يُسنُّ جهرُه بـ (ـــقراءة) الفاتحة والسور؛ (في أُولَتي غير الظُّهرَيْن) أي: الظُّهرِ

стр. 625

وغيرُه نفسَه. ثم يقبض كُوعَ يُسراه، ويجعلُهما تحت سُرَّتِه، وينظرُ مسجدَه، ثم يقول: سُبْحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، وتباركَ اسمُكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُكَ. والعصرِ، فيجهر في أُولتي مغربٍ، وعشاءٍ، وفي صبحٍ، وجمعةٍ، وعيدَين، وكسوفٍ، واستسقاءٍ، وتراويحَ، ووِتر بقدر ما يُسمِع المأمومين. (وغيرُه) أي: غيرُ الإمام، وهو المأموم والمنفردُ يُسِرُّ بذلك كلِّه، إلا بقراءةٍ لمنفرد، وقائمٍ لقضاءِ ما فاته، فيخيَّران بَينَ الجهر وعدمِه، وفي نفل ليلًا يراعي المصلحة، لكن ينطقُ مصلٍّ بما قلنا، يُسرُّ به بحيث يُسمع (نفسَه) وجوبًا في كلِّ واجبٍ؛ لأنَّه لا يكونُ كلامًا بدونِ صَوْتٍ، وهو ما يتَأتَّى سماعُه حيث لا مانعَ، فإنْ كان، فبحيث يحصل السماعُ مع عدمِه. (ثمَّ) إذا فَرَغَ من التَّكبير (يقبضُ كُوعَ يُسراه) بكفِّ يمناه (ويجعلُهما تحتَ سرَّته) ندبًا (وينظرُ) مصلٍّ ندبًا (مسجدَه) أي: يجعلُ نظره إلى موضعِ سجوده، فلا يتعدَّاه؛ لأنَّه أخشعُ، إلَّا في صلاةِ خوفٍ؛ لحاجة. (ثُمَّ) يستفتحُ ندبًا فـ (ــــيقول: سُبْحانَك اللَّهم) أي: أنزِّهُك يا ألله عمَّا لا يليقُ بك (وبحمدِك) سبَّحتُك (وتباركَ اسْمك) أي: كَثُرتْ بركاتُه (وتعالى جَدُّك) -بفتح الجيم- أي: ارتفع قدرُك وعَظُم (١) (ولا إلهَ) يستحقُّ أن يُعبَدَ (غيرُك) كان ﷺ يستفتحُ بذلك. رواه أحمدُ وغيرُه (٢).

стр. 626

ثم يستعيذُ، ثم يُبسمِل سرًّا، وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحةَ مرتَّبةً مرتَّلةً متواليةً، فإن قطعَها بذِكْر أو سكوتٍ غيرِ مشروع وطال، أو تَرَكَ منها تشديدةً أو حرفًا، أعادها غيرُ (ثُمَّ يستعيذُ) ندبًا فيقول: أعوذُ بالله من الشيطان الرَّجيم (ثُمَّ يبسمِل) ندبًا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم. وهي آيةٌ من القرآن (١)، نزلت فَصْلًا بين السُّوَر غير "براءة" فيُكره ابتداؤُها بها. ويكون الاستفتاحُ، والتعوُّذ، والبسملة (سرًّا) فيُسَنُّ أنْ لا يجهرَ بشيءٍ من ذلك، ويخيَّر في غيرِ صلاةٍ في الجهر بالبسملة. (وليست) البسملةُ (من الفاتحة) وتستحبُّ عند كلِّ فعلٍ مهمٍّ. (ثُمَّ يقرأ الفاتحة) تامَّةً بتشديداتِها، وهي ركنٌ في كلِّ ركعةٍ، فرضٍ أو نفلٍ، وهي أفضلُ سورة، وآيةُ الكرسيِّ أعظمُ آية. وسُمِّيَت فاتحةً؛ لأنَّه يُفْتَتَحُ بقراءتِها الصلاةُ، وبكتابتها المصاحفُ. وفيها إحدى عشرةَ تشديدة. ويقرؤها (مرتَّبةً) وجوبًا، فلو قرأها منكَّسة، لم تصحَّ صلاتُه (مرتَّلةً) ندبًا، فيتمهَّل في قراءتِها، ويقفُ عند كلِّ آية كقرائتِه ﵊ (٢). ويُكرَه الإفراطُ في التشديد والمدِّ. ويقرؤُها (متواليةً) وجوبًا (فإنْ قَطَعَها بذِكْرٍ) غيرِ مشروعٍ (أو) قَطَعَها بـ (ــــسكوتٍ غيرِ مشروعٍ، وطال) القَطْعُ عرفًا، أعادها، فإن كان مشروعًا، كسؤالٍ عند آيةِ رحمة، وكسكوتٍ لاستماع قراءةِ إمامه، وكسجودِه لتلاوةٍ مع إمامه، لم يبطل ما مضى من قراءتها ولو طال. (أو تَرَكَ منها تشديدةً، أو حرفًا) مُجْمعًا عليه، بخِلاف ألف ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] (٣)، أو ترك ترتيبًا (أعادها) أي: الفاتحةَ وجوبًا (غيرُ

стр. 627

مأموم. ثم يقول: آمين. جهرًا في جهريَّة، ثم يقرأ سورةً، تكون في الصبح من طِوال المفصَّل، وفي المغرب من قصارِه، وفي الباقي من أوساطِه. مأموم) وهو الإمامُ والمنفرد، فيستأنفُها إن تعمَّد. وأما المأموم، فهي سُنَّة في حقَّه، فلا يلزمُه إعادتها. (ثمَّ يقول) كلُّ مصلٍّ: (آمين. جهرًا في) صلاةٍ (جهريَّة). ويقوله إمامٌ ومأمومٌ معًا بعد سكتةٍ لطيفة؛ ليُعْلَم أنَّها ليستْ من القرآن، وإنَّما هي طابعُ الدعاء، وهي اسمُ فِعلٍ بمعنى: اللهمَّ استجب. وحرُم وبطلتْ إن شدَّد مِيمَها. وإن تركه إمامٌ أو أسرَّه، أتى به مأمومٌ جهرًا. ويلزمُ جاهلًا تعلمُ الفاتحة، وذكرٍ واجب. ومن صلَّى وتلقَّف القراءة من غيره، صحَّتْ. (ثمَّ) بعدَ الفاتحة (يقرأُ سورةً) كاملةً ندبًا، يفتتحها بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". وتجوزُ آية، إلا أن الإمامَ أحمدَ ﵀ استحبَّ كونَها طويلةً، كآية الدَّين (١) والكرسيِّ (٢)، ونصَّ على جواز تفريقِ السورة في ركعتين؛ لفعلِه ﷺ (٣). ولا يعتدُّ بالسورة قبلَ الفاتحة. وكُرِه اقتصارٌ في الصَّلاة على الفاتحة، وقراءةٌ بكلِّ القرآن في فرضٍ؛ لعدم نقلِه، وللإطالة. و (تكونُ) السورةُ (في) صلاةِ (الصُّبْحِ من طِوال المفصَّل) -بكسرِ الطَّاء- وأولُه سورة "ق"، ولا يُكْرَهُ فيها بقصارِه؛ لعذرٍ، كمرضٍ وسَفَرٍ (و) تكونُ (في) صلاةِ (المغرب من قصارِه) وأوَّلُه سورةُ "الضحى"، ولا يُكرَه فيها بطواله. (و) تكونُ السورةُ (في الباقي) من الصَّلوات كالظُّهرين والعشاء (من أوساطِه) وأولُه سورةُ "النبأ".

стр. 628

ولا تصحُّ بقراءةٍ تَخرُج عن مصحفِ عثمانَ. ثم يَركعُ مكبِّرًا رافعًا يدَيْه، ويجعلُهما على ركبتَيْه، مفرَّجتَي الأصابعِ، ويُسوِّي ظهرَه، ورأسَه بحيالِه، وحَرُم تنكيسُ الكلمات، وتبطلُ به، لا السور والآيات، بل يُكْره، إلَّا في الفاتحة، فيَحْرُم كما تقدَّم. ولا يُكرَهُ ملازمة سورةٍ مع اعتقاد جوازِ غيرها. (ولا تصحُّ) صلاةٌ (بقراءةٍ تَخرجُ عن مصحف عثمان) بنِ عفَّان رضي الله تعالى عنه، كقراءة ابنِ مسعود: "فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعات" (١). وتصحُّ بما وافقَ مصحفَ عثمان، وصحَّ سندُه، وإنْ لم يكنْ من العشرةِ، وتتعلَّقُ به الأحكامُ. وإنْ كانَ في القراءةِ زيادةُ حرفٍ، فهي أولى؛ لأجْلِ الحسناتِ العَشْر (٢). (ثمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ قراءةِ الفاتحة والسورةِ (يركعُ) حالَ كونِه (مكبِّرًا) لقولِ أبي هريرة: كانَ النبي ﷺ يكبِّر إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، ثمَّ يكبِّر حين يركعُ. متَّفقٌ عليه (٣) (رافعًا يَديْه) مع ابتداءِ الرُّكوعِ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: رأيتُ النبيِّ ﷺ إذا استفتحَ الصَّلاةَ، رفعَ يدَيْه حتى يحاذيَ مَنْكِبَيْه، وإذا أرادَ أن يركعَ، وبعد ما يرفع رأسَه. متَّفقٌ عليه (٤). (ويجعلُهما) أي: يضعُ يدَيْه (على ركبَتيْه) حالَ كونِ يدَيْه (مفرَّجتَي الأصابع) نَدْبًا. ويُكْرَه التطبيقُ: بأنْ يجعلَ إِحدى كفَّيه على الأخرى، ثمَّ يجعلَهما بَينَ رُكبَتيه إذا ركع، كما في أوَّلِ الإِسلامِ، ثمَّ نُسِخَ (٥). (ويسوِّي) في الرُّكوع (ظهرَه، و) يكونُ (رأسُه بحياله) أي: بإزاءِ ظهرِه، فلا

стр. 629

ويقول: سبحانَ ربِّيَ العظيم. وأَدنى الكمال ثلاثٌ. ثم يَرفعُ رأسَه ويديه قائلًا، إمامٌ ومنفردٌ: سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه. يرفعُه، ولا يخفضُه؛ لقولِ وابصةَ بنِ معبد (١): رأيتُ النبيِّ ﷺ يصلِّي، وكان إذا رَكَعَ سوَّى ظهرَه، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرَّ. رواه ابنُ ماجه (٢). ويجافي مرفقَيْه عن جنبَيْه، والمجزئُ الانحناءُ بحيثُ يمكنُ -وَسَطًا- مسُّ ركبتَيْهِ بيديه، أو قدره من غيرهِ، ومِنْ قاعدٍ مقابلةُ وجههِ ما وراءَ ركبتَيْه مِنْ أرضٍ أدنى مقابلة، وتتمَّتُها الكمالُ. (ويقولُ) راكعًا: (سبحانَ ربِّيَ العظيم) لأنَّه ﵊ كانَ يقولُها في ركوعِه. رواه مسلم وغيرُه (٣). والاقتصارُ عليها أفضلُ، والواجبُ مرَّةً (وأدنى الكمالِ ثلاثٌ) وأعلاهُ لإمامٍ عشرٌ، ولمنفردٍ العُرْفُ. (ثمَّ يرفعُ رأسَه ويدَيْه) لحديثِ ابن عمرَ السَّابقِ (قائلًا) حالٌ متقدِّمةٌ على صاحبها، وهو (إمامٌ، ومنفردٌ: سَمِعَ اللهُ لمن حمدَه) مرتَّبًا وجوبًا؛ لأنَّه ﵊ كان يقولُ ذلك (٤). قاله في "المبدع" (٥). ومعنى "سمع": استجاب.

стр. 630

وإذا قاما: ربَّنا ولكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السماء، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شئتَ مِن شيءٍ بَعْدُ. ومأموم في رَفْعه: ربَّنا ولكَ الحَمْد. فقط. ثم يَخِرُّ مكبِّرًا ساجدًا، يضع ركبتَيْه ثم يدَيْه ثم جبهتَه وأنفَه، ويكون (و) يقولُ إمامٌ ومنفردٌ، (إذا قاما) أي: انتصبا واعتدلا من الرُّكوع: (ربَّنا ولك الحمدُ، مِلْءَ السماء، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شئْتَ من شيءٍ بعدُ) أي: حمدًا لو كان أجسامًا، لَمَلَأ ذلك. وله [أي: للمصلِّي، سواءٌ كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا] (١) قول: "اللهمَّ ربَّنا ولَكَ الحمدُ" وبلا واوٍ أفضلُ، عكس "ربَّنا لكَ الحمدُ" فالصِّيَغ أربعٌ. (و) يقولُ (مأمومٌ في) حالِ (رفْعِه) مِنَ الرُّكوعِ: (ربَّنا ولكَ الحمدُ. فقط) أي: لا يزيدُ على ذلكَ؛ لقولهِ ﷺ : "إذا قال الإمامُ: سمعَ اللهُ لمن حَمِده. فقولوا: ربَّنا ولَكَ الحمد" متَّفقٌ عليه من حديثِ أبي هريرة (٢). وإذا رفع المصلِّي مِنَ الرُّكوع، فإن شاءَ وضعَ يمينَه على شمالِه، أو أرْسَلَهما. (ثمَّ) إذا فرغَ مِنْ ذلكَ الاعتدالِ حيثُ سُنَّ (يَخِرُّ) حالَ كونِه (مكبِّرًا) ولا يرفعُ يديه (ساجدًا) على سَبْعَة أعضاء؛ لقولِ ابن عباس: أُمر النبي ﷺ أنْ يسجدَ على سبعةِ أعظم، ولا يكفَّ شَعَرًا ولا ثوبًا: الجبهةِ، واليدينِ، والركبتينِ، والرجلين. متَّفقٌ عليه (٣). و (يضعُ ركبتَيْه) أوَّلًا نَدْبًا (ثمَّ يَدْيه، ثمَّ جبهتَه وأنفَه) لما روى الدارقطنيُّ عن ابن عباس مرفوعًا: "لا صلاةَ لمنْ لم يضَعْ أنفَه على الأرض" (٤) (ويكونُ) في سجودِه

стр. 631

على أطرافِ أصابعِ رجلَيْه، ويجافي عَضُدَيْه عن جنبَيْه، وبطنَه عن فخذَيْه، وهما عن ساقَيْه، ويُفرِّق ركبتَيْه. ويُكرَه تَرْكُ مباشرةِ الجبهةِ بالمصلَّى بلا عذرٍ. ويقول: سبحانَ ربِّيَ الأعلى. وأدنى كماله ما سبق. ثم يرفعُ مكبِّرًا ويجلسُ مفترِشًا يُسراه، ناصبًا يمناه، (على أطرافِ أصابعِ رجلَيْه) نَدبًا، ويوجِّهُها إلى القبلة (ويجافي) أي: يباعدُ الساجدُ ندبًا (عَضُدَيْه عن جنبَيْه، وبطنَه عن فخدَيْه، وهما) أي: فخذاه، يُبْعِدُهما (عن ساقيه) ما لمْ يُؤذِ جارَه. (ويفرِّق ركبتَيه) ورجلَيه وأصابِعَهما. وله أنْ يعتمدَ بمرفقَيْه على فخذَيْه إنْ طال. (و) لا تجبُ مباشرةُ المصلَّى بشيءٍ مِنْ أعضاء السُّجود السَّبْعة، فتصحُّ ولو مع حائلٍ ليس من أعضاءِ سجوده، لكن (يُكْرَه تركُ مباشرةِ الجبهةِ بالمصلَّى) بفَتْحِ اللامِ المشدَّدةِ: اسمُ مفعول، أي: مكان السُّجود (بلا عُذْرٍ) كحرٍّ، أو بَرْدٍ، فإنْ جعلَ بعضَ أعضاءِ السُّجودِ فوقَ بعضٍ، كما لو وضعَ يَدَيه على فَخِذَيْه، أو جبهتَه على يدَيْه، لم يجزئْه، ويجزئُ بعضُ كلِّ عضوٍ. وإنْ جعلَ ظُهُورَ كفَّيْه، أو قدمَيْه على الأرض، أو سَجَدَ على أطرافِ أصابعِ يدَيه، فظاهرُ الخبر أنَّه يجزئه. ذكره في "الشَّرح" (١). ومَنْ عجز بالجبهةِ، لم يلزمْه بغيرِها، ويومئُ ما يمكنُه. (ويقول) في سجودِهِ: (سبحانَ ربِّيَ الأعلى) على ما تقدَّم في تسبيحِ الركوع [(وأدنى كمالِه) أي: تسبيحِ السُّجودِ (ما سبق) في تسبيحِ الرُّكوع] (٢)، وهو ثلاثٌ. (ثمَّ يرفعُ) رأسَه من هذه السجدةِ الأولى حالَ كوْنِه (مكبِّرًا، ويجلسُ) حالَ دونه (مفترشًا يُسراه) أي: يُسرى رجليه (ناصبًا يُمناه) ويخرجُها من تحتِه، ويثني أصابِعَها

стр. 632

ويقول: ربِّ اغفر لي. ثلاثًا، ثم يسجد الثانيةَ كالأولى، ثم ينهض مكبِّرًا قائمًا على صدور قدمَيْه مُعْتمِدًا على ركبتَيْه، إن سهل، فيصلِّي الثانيةَ كذلك، غيرَ التحريمةِ والاستفتاحِ والتعوُّذ إن تعوَّذ في الأولى، ثم يجلس مفترِشًا، ويداه على فخذَيْه، قابضًا خِنْصَرَ يُمناه وبِنْصَرَها، مُحَلِّقًا إبهامَها مع الوسطى، مشيرًا بسبَّاحتِها عند ذِكْر الله، نحوَ القبلة، ويبسط يَدَيْهِ على فخذيه، مضمومتَي الأصابع. (ويقول) بين السَّجْدتين: (ربِّ اغفر لي. ثلاثًا) ندبًا، والواجبُ مرَّةَ. (ثم يسجدُ) السجدةَ (الثَّانية كالأولى) فيما تقدَّم من التَكبيرِ، والتَّسبيحِ، وغيرهما. (ثمَّ) يرفعُ رأسَه من السجدةِ الثانية، و (ينهضُ) أي: يقومُ حالَ كونِه (مكبِّرًا، قائمًا، على صُدُور قدمَيْه) ولا يجلسُ للاستراحةِ (مُعْتمِدًا على رُكبَتَيْه إن سَهُل) وإلَّا، اعتمد بالأرض. وفي "الغنية": يُكره أن يقدِّم إحدى رجليه (فيصلِّي) الركعةَ (الثانيةَ كذلك) أي: كالأولى (غيرَ التَّحريمةِ) أي: تكبيرةِ الإحرام (والاستفتاح، والتعوُّذِ إنْ تعوَّذ في) الرَّكعة (الأولى) وإلَّا، تعوَّذ في الثَّانية، وغيرَ تجديدِ النيَّةِ، فلا يُشرَعُ ذلك إلَّا في الأولى. (ثمَّ) بَعْدَ فراغِه من الرَّكعةِ الثَّانية (يجلسُ مفترشًا) كجلوسِه بين السَّجْدتين (ويداهُ على فخدَيْه) ولا يُلْقِمُهما (١) ركبتَيْه (قابضًا خِنْصرَ يُمناه وبِنصرَها مُحلِّقًا) بضمِّ الميم، وتشديد اللام المكسورةِ (إبهامَها) أي: إبهامَ يُمنى يديْه (معَ) الأصبع (الوسطى) منها: بأنْ يَجْمَعَ بَين رَأسي الإبهامِ والوسطى، فتُشبه الحلْقةَ من حديدٍ ونحوه (مشيرًا بسبَّاحَتِها) وهي الأصبعُ التي تلي الإبهامَ، سُميت سبَّاحةً؛ لأنه يُشارُ بها للتوحيدِ، الذي هو رأسُ التَّنْزيه، الذي هو معنى التَّسبيح، وتسمَّى أَيضًا سبَّابةً؛ للإشارة بها للسَّبِّ، فيرفعُها مِنْ غيرِ تحريكٍ في تشهُّدِه ودعائه، في صلاةٍ وغيرها (عند ذِكْرِ الله) تعالى؛ تنبيهًا على التوحيد.

стр. 633

ويبسطُ اليُسرى ويقول: التحياتُ لله، والصلوات، والطيِّباتُ، السلامُ عليك أيُّها النَّبِيّءُ ورحمةُ الله وبركاتُه، السلام علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه. وهو التشهُّد الأوَّل. وقولُه: "مُفْتَرِشًا ويداهُ على فخذَيْه، قابضًا، مُحلِّقًا، مشيرًا" أحوالٌ مترادفةٌ، أو متداخلة. (ويبسطُ) أصابعَ يدِه (اليسرى) مضمومة إلى القبلة. وكذا يبسطُ سبَّاحةَ اليمنى في غير حالِ الإشارةِ بها (ويقولُ) سرًا: (التحياتُ لله) أي: الألفاظُ التي تدل على السَّلام، والمُلْك، والبقاءِ والعظمةِ لله تعالى، أي: مملوكةٌ له، أو مختصَّةٌ به (والصلواتُ) أي: الخمسُ، أو الرَّحماتُ، أو المعبودُ بها، أو العباداتُ كلُّها، أو الأدعيةُ (والطيَّباتُ) أي: الأعمالُ الصَّالحةُ، أو مِنَ الكَلِم (السَّلامُ) أي: اسمُ السَّلام، وهو الله، أو: سلامُ الله وتحيتُه (عليكَ أيُّها النَّبيء) بالهَمْزِ من النَّبأ، أي: الخبر؛ لأنه يُخْبِرُ عن الله. وبلا هَمْز، إمَّا تسهيلًا، أو من النبوَّة: أي: الرفعة؛ لأنه مرفوعُ الرُّتبةِ على سائر الخلائق (١) (ورحمة اللهِ وبركاتُه) جمعُ بَرَكة: وهي النَّماءُ والزيادة (١) (السَّلامُ علينا) أي: على الحاضرين، مِنَ الإمام، والمأموم، والملائكةِ (وعلى عباء الله الصَّالحين) جمعُ صالح: وهو القائمُ بما عليه من حقوقِ الله، وحقوق عبادة (٢). وقيل: المكثرُ من العَمَلِ الصَّالحٍ، ويدخلُ فيه النساءُ، ومَنْ لم يشاركهُ في الصَّلاة. (أشْهدُ) أي: أخبِرُ بأنِّي قاطعْ بـ (أنْ لا إله) أي: لا معبودَ بحقٍّ (إلَّا اللهُ) تعالى (وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه) إلى النَّاس كافَّةً. (و) هذا المذكورُ (هو التشهدُ الأولُ) علَّمه النَّبِيُّ ﷺ ابنَ مسعودٍ، وهو في

стр. 634

ثم إن كانت الصلاةُ ثنائيَّة قال: اللهُمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، إئكَ حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمَّد وعلى آلِ محمَّد، كما باركتَ على آلِ إبراهيم، إنكَ حميدٌ مجيدٌ، أعوذ باللهِ من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبرِ، ومن فتنةِ المَحْيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّال. ثم يقول "الصحيحين" (١). (ثم) بعدَ فراغِه من التشهُّد الأوَّل (إن كانتِ الصَّلاةُ) التي أَحرم بها (ثنائيَّةً) كالصُّبحِ والرَّاتبة (قال: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ) لأمرِه ﷺ بذلك في المتَّفق عليه مِنْ حديثِ كعب بن عُجرةَ (٢). ولا يجزئ لو أبدل "آل" بـ "أهل"، ولا تقديمُ الصَّلاة على التشهّد. ثُمَّ يستعيذُ نَدْبًا، فيقول: (أعوذُ بالله من عذابِ جهنّم، ومِنْ عذاب القبرِ، ومِنْ فتنةِ المحيا والممات) أي: الحياةِ والموتِ (ومن فتنةِ المَسِيحِ) بالحاء المهملة (الدَّجَّال). وله الدعاءُ بما ورد في الكتاب، أو السُّنَّة، أو عن السَّلفِ، أو بأمرِ الآخرةِ، ولو لم يُشْبِهْ ما ورد. وليس له الدعاءُ بشيءٍ مما يُقصدُ به ملاذُّ الدنيا وشهواتُها، كقوله: اللهُمَّ ارزقني جاريةً حسناء، أو طعامًا طيِّبًا، وتبطلُ به. (ثمَّ) يسلم وهو جالس؛ لقوله ﷺ : "وتحليلُها التسليمُ" (٣) وهو منها، فـ (ـيقول

стр. 635

عن يمينه: السلامُ عليكم ورحمةُ الله. وعن يساره كذلك. وإن كان في ثلاثيَّة أو رباعيَّة، قام مكبرًا، بعد التشهّد الأوَّل وصلَّى ما بقيَ كالثانية بالفاتحة فقط. ثم يَجلسُ متورِّكًا للتشهُّد الأخيرِ، وكذا المرأةُ، لكن تَضُمُّ نفسَها، وتَسْدلُ رجلَيْها في جانبِ يمينها في جلوسها. عن يمينه: السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله) مرتَّبًا، معرَّفًا، وجوبًا (وعن يساره كذلك). وسُنَّ الْتفاتُه عن يساره أكثر، وأن لا يطوِّل الكلام، ولا يمدَّه في الصّلاة، ولا على النَّاسِ، وأنْ يقفَ (١) على آخرِ كل تسليمة، وأنْ يَنْوِيَ به الخروجَ من الصَّلاة، ولا يجزئُ إن لم يقل: "ورحمةُ الله" في غيرِ صلاةِ جنازةٍ، والأولى أن لا يزيدَ: "وبركاتُه". (وإن كان) المصلِّي (في ثلاثيَّةٍ) كمغربٍ (أو رباعيَّة) كظُهْرٍ (قام) حال كونِه (مكبِّرًا، بعدَ التشهّد الأول) ولا يرفعُ يدَيْه (٢) (وصلَّى ما بقي كـ) ـالرَّكعة (الثانية) لكنْ (بالفاتحةِ فقط) فلا يقرأ فيها سورةً، ويُسِرُّ بالقراءة. (ثمَّ يجلسُ) حالَ كونِه (متورِّكًا للتشهُّد الأخير) بأن يَفرِشَ رِجْلَه اليُسْرى، وينصبَ اليُمْنى، ويخرجَهما عن يمينه، ويجعلَ ألْيتيه على الأرض، ثُمَّ يتشهَّد، ويسلِّم. (وكذا المرأةُ) فتفعلُ مِثلَ جميع ما يفعل الرجلُ مما تقدَّم، حتَّى رفعِ اليدين (لكنْ تضُمُّ نفسَها) في ركوعٍ وسجودٍ وغيرهما، فلا تتجافى. (وتسدلُ (٣) رجليها في جانِب يمينها في جلوسِها) أو تتربَّع، والسَّدْل أفضلُ. وتُسِرُّ بالقراءة وجوبًا إنْ سمعها أجنبي، وخُنْثى كأنثى.
следующие страницы →