← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

باب زكاة النقدين يجبُ في الذَّهبِ إذا بَلَغ عشرينَ مثقالًا، وفي الفضَّة إذا بلغتْ مئتي درهمٍ خالصةً، ربعُ عُشْرِهما. باب زكاة النقدَيْن أي: الذهبِ والفِضَّةِ. (يجبُ في الذَّهب إذا بَلغَ عشرينَ مثقالًا، وفي الفضَّة إذا بلغتْ مئتي درهمٍ خالصةً) من الغشِّ، [وفاعلُ: "يجب" قولُه] (١): (ربعُ عُشرهما) أي: الذهب والفضَّة؛ لحديث ابنِ عمر وعائشةَ مرفوعًا: "أنَّه كانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عشرينَ مثقالًا نصفَ مثقال" رواه ابن ماجه (٢). وعن عليٍّ نحوه (٣). وحديثِ أنسٍ مرفوعًا: "في الرِّقَة (٤) ربعُ العُشرِ" متفقٌ عليه (٥). والاعتبارُ بالدِّرهم الإسلاميِّ الذي وزنه ستَّةُ دوانق. والدَّانقُ: حبَّتَا خَرُّوبٍ، فالدِّرهم: ثنتَا عشرةَ حبَّة خَرُّوبٍ (٦)، وهو [أي: الدِّرهم] (٧): نصفُ مثقالٍ وخُمسُهُ. فالمثقالُ: درهمٌ وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ. فالعشرونَ مِثْقالًا: ثمانيةٌ وعشرونَ درهمًا وأربعةُ أسباعِ درهمٍ، وبدينار الوقتِ الآنِ الذي زِنَتُه درهمٌ وثُمنٌ: خمسة وعشرونَ دينارًا وسُبُعا دينارٍ وتُسعُهُ. وبيانُ ذلك: أنَّ الخمسةَ والعشرينَ دينارًا فيها من الدراهم خمسةٌ وعشرونَ درهمًا

стр. 807

ويُضَمُّ أحدُهما إلى الآخرِ في تكميلِ نصابٍ، ويُخْرَجُ عنه بالقيمة، … صحيحة، وفيها خمسةٌ وعشرونَ ثُمنِ دِرْهم، [وهي ثلاثةُ دراهم وثُمن درهم] (١)، فمجموعُها ثمانيةٌ وعشرونَ درهمًا وثُمنُ درهم. وذلك يَنْقُص عن دَراهم (٢) النِّصاب -[التي ذكرها] (٣) - أربعة أسباع دِرهمٍ، إلا ثُمنَ درهمٍ، فَتَبْسُطُ الدِّرهم من مَخْرَجِ سُبع الثُّمن، وهو ستَّةٌ وخمسونَ، فَتأخذُ أَربعةَ أسباعِها، اثنين وثلاثين، وتُسْقِط منها ثُمنَ الدِّرهم، وهو سبعةٌ، فيبقَى (٤) خمسةٌ وعشرونَ جزءًا من ستَّةٍ وخمسينَ جزءًا من الدِّرهم، وهي قَدرُ نقصِ الخمسةِ والعشرين دينارًا [بدينار الوقت] (٥) عن دراهم (٦) النِّصاب، فإذا أردتَ نِسْبَةَ قَدرِ هذا النقصِ من الدِّينار، فَزِدْ على بَسطِ الدِّرهَم ثُمنَه؛ لأنَّ دينارَ الوقت وزنُه -[كما تقدَّم] (٥) - درهمٌ وثُمنٌ، فتَزيدُ على الستَّة والخمسين ثُمنَها سبعةً، يجتمعْ ثلاثةٌ وستُّون، ثم انسب الخمسةَ والعشرينَ جُزْءًا منها، تَجِدْها سُبعين وتُسعًا، كما تقدَّم فتأمَّل. ويزكَّى مغشوشٌ، إذا بَلَغَ خالصُهُ نصَابًا وزنًا (٧). (ويُضَمُّ أحدُهما) أي: الذهبُ والفضَّةُ (إلى الآخرِ في تكميلِ نصابٍ) بالأجزاءِ لا بالقيمة، فلو مَلَكَ عَشرةَ مثاقيلَ ومئةَ درهمٍ، فكلٌّ منهما نصفُ نصابِ، ومجموعُهما نصابٌ (ويُخْرَج) (٨) كلٌّ منهما (عنه) أي: عن الآخر (بالقيمة) فلو كان عندَه أربعونَ دينارًا، فالواجبُ فيها دينارٌ أو قيمتُه من الفضَّة، وكذا عكسُه.

стр. 808

وقيمةُ العُرُوضِ إليهما. ويباحُ لذَكَرٍ من فِضَّةٍ خاتَمٌ، وقبيعةُ سيفٍ، (و) تُضَمُّ (قيمةُ العُرُوض) أي: عُرُوض التِّجارة (إليهما) فمنْ له عشرةُ مثاقيل، ومتاعٌ قيمتُه عشرةٌ أخرى. أو له مئةُ درهم، ومتاعٌ قيمته مثلُها، ضَمَّ كلًّا منهما إلى الآخَر. ولو كان له ذهبٌ وفضَّةٌ وعُروضٌ، ضَمَّ الجميعَ في تكميلِ النِّصاب. ويُضمُّ جيِّدُ كُلِّ جنسٍ ومضروبُه إلى رديئِه وتِبْرِه، ويُخرَجُ من كُلِّ نوعٍ بحصَّته، والأفضلُ من الأعلى، ويجزِئُ رَدِيءٌ عن أَعلى مع الفَضْل. (ويباحُ لذَكرٍ مِنْ فِضَّةٍ خاتَمٌ) لأنَّه ﷺ اتَّخذَ خَاتَمًا من وَرِق. متفقٌ عليه (١). والأفضل (٢) جَعْل فَصِّه (٣) مما يلي كفَّه. وله جَعْلُ فَصِّه مِنْه ومن غيره. والأَوْلى في يساره، وكُره بسبَّابةٍ وَوسْطى، وأنْ يُكتَبَ عليه ذِكرُ الله تعالى: قرآنٌ أو غيرُه. ولو اتَّخَذَ لنفسِه عِدَّة خواتيم (٤)، لم تَسقُط الزَّكاةُ فيما خَرجَ عن العادة، إلَّا أنْ يتَّخِذَ ذلك لولدِه أو عبده. (و) يباحُ له (قَبيعةُ سيفٍ) وهي: ما يُجْعَلُ على طَرَف القبضَة، قال أنس: "كانتْ قَبيعةُ سيفِ رسول الله ﷺ فِضَّةً" (٥).

стр. 809

وحِليةُ مِنْطَقةٍ، ونحوها. ومن ذهبٍ قَبيعةُ سيفٍ، وما دعت إليه ضرورةٌ، كأنف. ولنساءٍ منهما ما جرتْ عادتُهنَّ بلُبسِه ولو كَثُر. (و) يباحُ له (حِليةُ مِنْطقَةٍ) وهي ما يُشَدُّ به الوسط، وتُسمِّيها العامَّةُ حِياصةً. واتَّخذَ الصحابةُ المناطقَ مُحلَّاةً بالفضَّة. (ونحوها) أي: المذكورات، كحِلْية جَوشنٍ (١)، وخُوذَةٍ، وخُفٍّ، ورَانٍ (٢)، وحَمائلِ سيفٍ (٣). ولا يُباحُ غيرُ ذلك كَتَحْلِيَة الرِّكابِ، ولباسِ الخيل، كاللُّجُم (٤)، وتحليةِ دَوَاةٍ، ومِقلَمَةٍ (٥)، ومُشْطٍ، ومُكْحُلةٍ، وميلٍ، ومرآةٍ، وقنديلٍ. (و) يُبَاحُ لذَكَرٍ (من ذهبٍ قَبيعةُ سيفٍ) لأنَّ عمرَ كان له سيفٌ فيه سبائكُ من ذهبٍ (٦) (وما دَعتْ إليه ضرورةٌ كأنفٍ) وربطِ أسنانٍ؛ لأنَّ عَرْفجةَ بنَ أسعدٍ (٧) قُطِعَ أنفُة يومَ الكُلَاب، فاتَّخذَ أنفًا من فضَّةٍ فأَنْتَن عليه، فأَمَره النبي ﷺ ، فاتَّخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود (٨). (و) يباحُ (لنساءٍ منهما) أي: الذهب والفضَّة (ما جرت عادتُهنَّ بلُبسه، ولو كَثُر) كطوقٍ، وخلخَالٍ، ومقالدَ، وتاجٍ، وما أَشبهَ ذلك؛ لقوله ﷺ : "أُحِلَّ الذهبُ والحريرُ

стр. 810

ولا زكاةَ في حَلْيٍ مباحٍ، مُعَدٍّ لاستعمالٍ، أو إعارةٍ. وتجبُ في مُحرَّمٍ، وما أُعِدَّ لِكراءٍ أو نفقةٍ. للإناثِ من أمَّتي، وحُرِّم على ذُكُورها" (١). ويباحُ لهما تَحَلٍّ بجوهرٍ ونحوِه، كياقوتٍ (٢). وكُرِه تختُّمُها بحديدٍ، وصُفْرٍ (٣)، ونحاسٍ، ورَصاصٍ. (ولا زكاةَ في حَلْي) ذكرٍ أو أنثى (مباحٍ، مُعَدٍّ لاستعمالٍ، أو اعارةٍ)؛ لقوله ﷺ : "ليس في حَلْي زكاةٌ" رواه الطبرانيُّ عن جابر (٤)، حتَّى ولو اتَّخذَ الرجلُ حَلْي النِّساء لإعارتهنَّ، أو بالعكس، إنْ لم يكنْ فِرارًا. (وتجبُ) زكاةٌ في حَلْي (مُحرَّمٍ) كَسَرْجٍ، ولجَام، وآنيةٍ، (و) في (ما أُعِدَّ لِكِراءٍ أو نفقةٍ) إذا بَلغَ نِصابًا وزنًا؛ لأنَّها إنما سَقطت فيما أُعِدَّ للاستعمال، بصَرْفه عن جهةِ النَّماء، فيَبقى ما عداه على مقتضى الأصل. فإنْ كان مُعَدًّا لتجارةٍ، وجبت الزكاةُ في قيمته كَعْرض. ومباحُ صناعةٍ إذا لم يكن لتجارةٍ، يُعتبر في نصابٍ بوزنه، وفي إخراجٍ بقيمتِه.

стр. 811

باب زكاةِ العُرُوض إذا بَلَغَتْ قيمتُها نصابَ نقدٍ، ومَلَكَها بفعلِه بنيَّةِ التِّجارةِ، زكَّى قيمتَها، لا منها، فإنْ مَلَكها بإرثٍ، أو بغير نيَّةِ التِّجارةِ، ثمَّ نواها لها، لم تَصِرْ لها. وتُقَوَّمُ عندَ الحول بالأَحظِّ للفقراء من ذهبٍ أو فضَّةٍ. ومن اشترى عَرْضًا بنصابِ أثمانٍ، أو عُرُوضٍ، باب زكاة العُروض (١) جمع عَرْض، بسكون الراء: وهو ما أُعِدَّ لبيعٍ وشراءٍ؛ لأَجْلِ رِبْحٍ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُعرَضُ، ليُباع ويشترى، أو لأنه يُعرض ثمَّ يَزول. (إذا بَلَغتْ قيمتُها) أي: العُرُوضِ (نصابَ نقدٍ) عشرينَ مثقالًا، أو مئتي درهمٍ (ومَلَكها بفِعْله) كبيعٍ، ونكاحٍ، وخُلْعٍ، وقَبولِ هبةٍ، ووصيَّةٍ، واستردادِ مبيعٍ (بنيَّةِ التِّجارة) عند التملُّك، أو استصحابِ حكمها فيما تعوّض عن عَرْضِها (زَكى قيمتَها) لأنَّها محلُّ الوجوب لاعتبارِ النِّصابِ بها (٢). و (لا) تُجْزِئُ الزكاةُ (منها) أي: العُروضِ (فإنْ مَلَكَها بـ) غير فعلِه كـ (إرثٍ، أو) مَلَكَها بفعلِه (بغير نيَّةِ التِّجارة، ثمَّ نواها لها، لم تَصِرْ لها) أي: للتجارة؛ لأنَّها خلافُ الأصلِ في العُرُوض، فلا تصيرُ لها بمجرَّدِ النيَّة. إلَّا حَلْيَ لُبسٍ، إذا نواهُ لِقُنْيَةٍ، ثمَّ نواهُ لتجارةٍ، فيُزَكِّيه. (وتَقوَّمُ) عُرُوضٌ (عندَ) تمام (الحَوْلِ بالأَحَظِّ للفقراء) أي: أهلِ الزكاةِ، لا خصوصِ الفقراء، وإنَّما ذَكَرَهُمْ؛ جَريًا على الغالب (من ذهبٍ أو (٣) فضَّةٍ) فإنْ بَلَغَت قيمتُها نصابًا بأحدِ النقدَيْن دونَ الآخر، اعتُبر ما تَبْلغُ به نصابًا، ولا يُعْتبَرُ ما اشتُرِيت به. (ومن اشترى عَرْضًا بنصاب أثمانٍ، أو) نصابِ (عُرُوضٍ) بَنَى على حَوْلِه

стр. 812

أو باعها به، بَنَى على حوله، لا بسائمةٍ. (أو باعها) أي: العُروض (به) أي: بنصابٍ من أثمانٍ (بَنَى على حَوْله) لأنَّ وضعَ التِّجارةِ على التَقلُّب والاستبدالِ بالعُرُوض (١) والأثمان، فلو انقطعَ الحَوْلُ، لَبَطلتْ زَكاةُ التِّجارة. و (لا) يَبني على الحول إنْ باعَ العُرُوضَ (٢) أو اشتراها (بـ) نصابِ (سائمةٍ) لاختلافِهما في النِّصاب والواجب، إلَّا أنْ يشتري نصابَ سائمةٍ لتجَارةٍ، بمثله لقُنيةٍ؛ لأنَّ السَوْم سببٌ للزَّكاة قُدِّم عليه زكاةُ التِّجارةِ (٣)؛ لقُوَّتها، فبزوال المُعَارِض يَثبُتُ حُكمُ السَّوم؛ لظُهوره.

стр. 813

بابُ زكاة الفطر تجبُ على كلِّ مسلمٍ فَضَل عن قوتِه، وقوتِ عياله، وما يحتاجُه يومَ العيدِ وليلتَه، ما يخرجُه. باب زكاة الفطر وهو اسمُ مصدرٍ من أَفطرَ الصائمُ إفطارًا. والمرادُ بها: الصدقةُ عن البَدَن. وإضافتُها إلى الفطر من إضافةِ الشيء إلى سببه. (تجبُ على كُلِّ مسلم) من أهلِ البوادي وغيرهم، وتجبُ في مال يتيمٍ؛ لقول ابن عمر: "فَرَضَ رسولُ الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تَمْرٍ (١)، أو صاعًا من شعيرٍ، على العبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبيرِ، من المسلمين، وأَمَرَ (٢) بها أنْ تُؤتَى (٣) قبلَ خُروج الناس إلى الصَّلاة" متفقٌ عليه، ولفظُه للبخاري (٤). (فَضَل عن قوتِه، وقوتِ عياله، وما يحتاجُه) لنفسِه، أو لمن تلزمُه مؤونَتهُ، مِن مسكنٍ، وعبدٍ، ودابَّة، وثيابِ بِذْلةٍ (٥)، ونحو ذلك (يومَ العيد وليلتَه). وقوله: (ما يخرجُه) فاعل: "فَضَلَ"، أي: زادَ على ما ذُكِر ما يجبُ إخراجُه، وهو صاعٌ -كما سيأتي- عن نفسِه أو غيرهِ. وإنَّما اعتُبِر أنْ يكونَ فاضلًا عن حوائجه الأصليَّة؛ لأنَّها أهمُّ، فيجبُ تقديمُهَا؛ لقوله ﷺ : "ابدأ بنفسِكَ، ثمَّ بمن تعوله (٦) " (٧)

стр. 814

ولا يمنعُهَا دَينٌ إلَّا مع طلبٍ. فيُخرِجُ عن نفسه وعمَّن يَمُونه حتى من تبرَّع بمؤونتِه رمضان، فإنْ لم يَجِد لجميعهم، بدأَ بنفسه، فزوجتِه، فرقيقه، فأُمِّه، فأبيه، ولا يُعتَبرُ لوجوبِها مِلْكُ نصاب. وإن فَضَل بعضُ صاعٍ، أَخْرَجَه. (ولا يَمنعُ) وجوبَـ (ـها ديْنٌ) لأنَّها ليستْ واجبةً في المال (إلَّا مع طَلَبِ) الدَّينِ، فيُقدَّم عليها؛ لأنَّه أهمُّ. (فيُخرِجُ) زكاةَ الفِطر (عن نفسه) لما تقدَّم (وعمَّن) أي: عن مُسْلمٍ (يَمُونُه) أي: يقومُ بمؤُونَتِه، أي: نفقته، من زوجةٍ، وقريبٍ، وخادمِ زوجةٍ، إنْ لزمته مؤونته، وزوجةِ عبده، وقريبهِ الذي يلزمُه إعفافه؛ لعمومِ قوله ﷺ : "أدُّوا الفِطْرة عمن تَمونون" (١) فتلزمُه عنْ كلِّ منْ يَمُونه (حتى) فطرةُ (من) أي: شخصٍ (تبرَّع بمؤونته) جميعَ (رمضان) فتلزم المتبرِّعَ؛ لعمومِ الحديث السابق، بخلافِ ما لو تبرَّعَ بها بعضَ الشهر. ولا تلزمُه فِطرَةُ كافرٍ يَمُونه، ولو عبدًا، ولا أجيرٍ وظِئْرٍ استأجرَهُما بطعامهما، ولا من وجبتْ نفقتُه في بيت المال، كلقيطٍ. (فإنْ لم يَجِدْ) مُخرِجُ فطرةٍ (لجميعِهم) أي: لجميع من تلزمه فطرتُه (بَدَأ بنفسه) لأنَّ نفقةَ نفسِه مقدَّمة، فكذا فطرتُها (فزوجَته) لوجوبِ نفقتها مطلقًا (٢)، ولتأكُّدِها؛ لأنَّها معاوضةٌ (فرقيقه) لوجوب نفقَته مع الإعسار، ولو مرهونًا، أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارةٍ، (فأمِّه) لتقديمها في البِرِّ (فأبيه) لحديث: مَن أَبرُّ يا رسول الله؟ (٣).

стр. 815

فولدِه، فأقربَ في ميراثٍ، وعبدٌ بين شركاءَ عليهم صاعٌ. وتستحبُّ عن جنينٍ، ولا تجبُ لزوجةٍ ناشزٍ. ومن لَزِم غيرَه فطرتُه، فأخرجَ عن نفسِه، أجزأ. (فولدِه) لوجوبِ نفقته في الجملة (فأقرب في ميراثٍ) لأنَّه أَوْلى من غيرِه، فإن استوى اثنان فأكثر، ولم يَفْضُل إلَّا صاعٌ، أُقرعَ. (وعبدٌ بين شركاءَ عليهم صاعٌ) بحسبِ مِلْكهم فيه، كنفقته. وكذا مَن وَجبَت فِطرتُه على اثنين فأكثر، يُوزَّعُ الصَّاع بينهم بحسَب النَّفقة (١). (وتُستحَبُّ) فِطرةٌ (عن جنينٍ) لفعلِ عثمانَ ﵁ (٢). ولا تجبُ عنه، كما لا تجبُ الزَّكاةُ في أجِنَّةِ السَّوائم. (ولا تجبُ) فِطرةٌ (لزوجةٍ ناشزٍ) لأنَّه لا تجبُ نفقتُها، وكذا من لم تجبْ نفقتُها لصغَرٍ ونحوِه؛ لأنَّها كأجنبيَّةٍ، ولو حاملًا. ولا لأَمَةٍ (٣) تسلَّمها ليلًا فقط، وتجبُ على سيِّدِها. (ومن لَزِم غيرَه) بالنَّصب على المفعوليَّة (٤)، وقوله: (فطرتُه) فاعل، كزوجةٍ وقريبٍ مُعْسِرٍ (فأَخرج عن نفسِه) بلا إذنِ من تلزمُه (أجزأَ) لأنَّه المخاطَبُ بها ابتداءً، والغيرُ مُتحمِّلٌ، ومن أخرجَ عمَّن لا تلزمُه فِطرتُه بإذنِه، أَجزأَ، وإلَّا، فلا.

стр. 816

وتجبُ بغروبٍ شمسِ ليلةِ الفطر، فمنْ أسلمَ، أو ملكَ عبدًا، أو زوجةً، أو ولِد له بعدَه، لم تلزْمُه فطرتُه، وقبلَه، تَلزم. وتجوزُ قبلَ العيدِ بيومَيْن فقط، ويومَ العيد قبل الصَّلاةِ أفضلُ، وتُكره في باقيه، ويأثم مؤخِّرها عنه، (وتجبُ) فِطرةٌ (بغروب شمسِ ليلةِ) عيد (الفطر) لإضافتِها إلى الفِطْر، والإضافةُ تَقتضي الاختصاصَ والسببيَّة. وأَوَّلُ زمنٍ يُقصَدُ فيه الفِطْرُ من جميع رمضان مغيبُ الشمس من ليلةِ الفطر. (فمنْ أسلمَ) بعد الغروب (أو ملكَ عبدًا) بعدَه (أو) تزوَّج (زوجةً) ودخل بها بعدَ الغروب (أو ولد) بالبناء للمفعول (له) ولدٌ (بعدَه) أي: بعد الغروب (لم تلزمْهُ فِطْرتُه) في جميع ذلك؛ لعدمِ وجودِ سبب الوجوب. (و) إنْ وُجِدتْ هذه الأشياءُ (قبلَه) أي: قبلَ الغروب (تَلزمُ) الفِطرةُ لمن ذُكِر؛ لوجودِ السَّبب. (وتجوزُ) فِطْرةٌ، أي: يجوزُ إخراجُها مُعجَّلةَ (قبلَ العيدِ بيومَين فقط) لما رَوى البخاريُّ بإسناده عن ابن (١) عمر: فَرَض رسولُ الله ﷺ صَدَقةَ الفطر من رمضان، وقال في آخرِه: وكانوا يُعْطُون قبلَ الفِطْر بيومٍ أو يومين (٢). وعُلم من قوله: "فقط" أنَّها لا تُجزئُ قبلَهما؛ لقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطَّلبِ في هذا اليوم" (٣). ومتى قدَّمَها بالزمن الكثير، فَاتَ الإغناءُ المذكور. (و) إخراجُها (يومَ العيد قبل) مُضيِّه إلى (الصَّلاة أفضلُ) لحديثِ ابن عمر السابِق أوَّلَ الباب (٤) (وتُكره في باقيه) أي: باقي يوم العيد بعد الصَّلاة (ويأثم مؤخِّرها عنه) أي: عن يومِ العيد؛ لمخالفته أمرَه ﷺ بقوله: "أَغنُوهم في هذا اليوم" رواه الدَّارقطنيُّ.

стр. 817

ويقضي. والواجبُ صاعٌ بُرٍّ، أو شعيرٍ، أو تمرٍ، أو زبيبٍ، أو أَقِطٍ، فإنْ عدِمَتْ، أجزأَ ما يُقتاتُ من حبٍّ وثمرٍ، لا خبزٌ ولا معيبٌ، ولا القيمةُ. (ويقضيـ) ــها مؤخِّرُها بعدَ يوم العيد؛ لبقائِها في ذمَّتهِ. (والواجبُ) في الفِطْرَة عن كلِّ شخصٍ (صاعٌ) أربعةُ أمداد، وتقدَّم في الغُسل (١)، من (بُرٍّ أو شعيرٍ) أو دقيقِهما أو سويقِهما (أو) صاعٌ من (تمرٍ، أو زبيبٍ، أو أَقِطٍ) يُعمَل من اللَّبن المخيض؛ لقول أبي سعيد الخُدري: "كنَّا نخرِج زكاةَ الفطر إذْ كان فينا رسولُ الله ﷺ صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ" متفقٌ عليه (٢). والأفضل تمرٌ، فزبيبٌ، فبُرٌّ، فأنفعُ (٣)، فشعيرٌ، فدقيقُهما، فسويقُهما، فأَقِطٌ (فإنْ عُدِمت) الخمسةُ المذكورة (أَجزأَ ما يُقتاتُ من حبٍّ وثمر (٤)) كذُرةٍ، ودُخْنٍ، وأَرُزٍّ، وعدسٍ، وتينٍ يابسٍ. و (لا) يُجزِئُ (خبزٌ) لخروجه عن الكيل والادِّخار (ولا) يُجزئُ (مَعيبٌ) كمَسُوسٍ، ومبلولٍ، وقديمِ تغيَّر طعمُه، وكذا مختلط بكثيرٍ ممَّا لا يُجزِئُ، فإنْ قلَّ، زادَ بقدر ما يكون المصفَّى صاعًا. وكان ابنُ سِيرِين يُحِبُّ أن ينقَّى الطعامُ. قال أحمد: وهو أحبُّ إليَّ (٥). (ولا) يُجزِئ إخراجُ (القيمةِ) كالزَّكاة.

стр. 818

ويجوزُ إعطاءُ واحدٍ، ما على جماعةٍ، كعكسه. (ويجوزُ إعطاءُ واحدٍ) من أهل الزَّكاة (ما) أي: فِطرةً واجبةً (على جماعةٍ، كعكسِه) بأنْ يُعطَى الجماعةُ ما على واحدٍ، والأفضلُ أنْ لا ينقصَ مُعطًى عن مُدِّ بُرٍّ، أو نصفِ صاعٍ من غيره. وإذا دفعَها إلى مستحقِّها، فأخرجَها آخذُها إلى دافعها، جَازَ، ما لم يكنْ حيلةً.

стр. 819

باب إخراج الزكاة يجب فورًا إن أمكنَ بلا ضَرَرٍ. ومن جَحَدَ وجوبَها، كفَر، إنْ عَلِمَ، أو عُرِّف، فأصرَّ، فيُستتابُ ثلاثًا، ثمَّ يُقتَل وتُؤخَذ. وبخلًا، تُؤخَذُ منه ويعزَّرُ. وتجبُ في مالِ صغيرٍ ومجنونٍ، ويخرج بابُ إخراج الزكاة (يجبُ) على من وجبتْ عليه زكاةٌ إخراجُها (فورًا) كنَذْرٍ مُطْلَقٍ وكفَّارةٍ؛ لأنَّ الأمرَ المطلَقَ يقتضي الفَورِيَّة، ولأنَّ حاجةَ الفقير ناجزةٌ، والتأخير يُخِلُّ بالمقصود، وربَّما أدَّى إلى الفوات. ومَحلُّ وجوبِ الفوريَّة (إنْ أمكنَـ) ــه الإخراجُ (بلا ضَرَرٍ) كخوفِ رجوعِ ساعٍ، أو على نفسِه أو مالهِ أو نحوه. وله تأخيرُها لأشدَّ حاجةً، وقريبٍ، وجارٍ، ولتعذُّرِ إخراجها من المال؛ لغيبَةٍ ونحوها. (ومن جَحَدَ وجوبَها) أي: الزكاةِ (كَفر، إنْ عَلِم) وجوبَها (أو) كان جاهلًا و (عُرِّف، فـ) ـعَرَف، و (أصرَّ، فيُستَتابُ ثلاثًا، ثمَّ يُقتَل) كفرًا؛ لردَّته بتكذيبِه للهِ ورسولِه، ولو لم يمتنعْ مِنْ أدائها (وتُؤخدُ) الزَّكاةُ ممَّن ذُكِر؛ لوجوبها عليه قبلَ الردَّة. (و) من منعَها (بخلًا) من غير جَحْدٍ (تُؤخَذُ منه) فقط قهرًا، كدينِ الآدميِّ، ولم يكفر (ويعزَّرُ) إنْ عَلِم تحريمَ ذلك، ويُقاتَل إن احتيجَ إليه، ووضَعَها الإمامُ في مواضعها (١). ولا يكفر بقتالهِ للإمام. ومن ادَّعى أداءَها، أو بقاءَ الحول، أو نَقصَ النِّصاب، أو أن ما بيدِه لغيره ونحوه، صُدِّق بلا يمين. (وتجبُ) زكاةٌ (في مالِ صغيرٍ ومجنونٍ) لما تقدَّم (ويخرجُـ) ـها ......

стр. 820

وليُّهما عنهما. والأفضلُ جَعْلُ زكاةِ كلِّ مالٍ في فقراء بلدِه، وَيحرُم نقلُها مسافةَ قَصْرٍ، إلَّا لضرورةٍ. ويجوزُ تعجيلُها لحولَيْن فأقلَّ. (وليُّهما) من (١) مالهما (٢) (عنهما) كصَرْفِ نفقةٍ واجبةٍ عليهما؛ لأنَّ ذلك حقٌّ تَدْخُلُه النِّيابةُ، ولذلك صحَّ التوكيلُ فيه. (والأفضلُ جَعْلُ زكاة كلِّ مالٍ في فقراءِ بلده) ويجوزُ نقلُها إلى دون مسافة قَصْرٍ من بلدِ المال؛ لأنَّه في حكم بلدٍ واحد (ويَحرُم نقلُها) أي: الزكاةِ إلى محلٍّ بينَه وبينَ بلدِ المال (مسافة قَصْرٍ) لقوله ﷺ لمعاذٍ لمَّا بعثَه لليمن: "أَعلِمْهُم أنَّ الله قد افترضَ عليهم صدقةً، تُؤخذُ من أغنيائِهم، فتُرَدُّ على فقرائهم" (٣). بخلافِ نذرٍ، وكفَّارةٍ، ووصيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. فإنْ فعلَ، أجزأَتْ، وَيأثم (إلَّا لضرورةٍ) كأن يكونَ في محلِّ لا فقراءَ فيه، فيفرِّقُها في أقربِ بلدٍ إليه، ولو مسافةً (٤)، وكخائفٍ على نفسه أو ماله، إنْ فرَّقَها في بلدِه، فيفرِّقُها بمحلِّ لا يتضرَّرُ به. (ويجوزُ تعجيلُها) أي: الزكاةِ، أي: إخرجُها قبلَ وجوبها (لحولَين فأقلَّ) لما رَوى أبو عبيدٍ في "الأموال" بإسناده عن عليٍّ أن النبيِّ ﷺ تعجَّلَ من العباس صدقةَ سنتين (٥). ويَعْضُدُه روايةُ مسلم: "فهي عليَّ ومثلُها" (٦).

стр. 821

وتعتبرُ النيَّةُ لإخراجها، ويصحُّ توكيلٌ فيه. وإنَّما يَجوزُ تَعجيلُها، إذا كَمَل النِّصاب، لا عمَّا يستفيده. وإذا تمَّ الحَوْلُ والنِّصابُ ناقصٌ قَدْر ما عجَّله، صحَّ وأجزأه. ولا يُستحَبُّ التعجيل. (وتُعتبرُ النيَّةُ) من مُكَلِّفٍ (لإخراجها) أي: الزكاة؛ لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات" (١). والأَوْلَى قرْنُ النيَّة بدَفْعٍ. وله تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ، كصلاةٍ، فينوي الزكاةَ، أو الصدقةَ الواجبة، ونحوَ ذلك. وإنْ أُخِذَت منه قهرًا، أجزأَتْ ظاهرًا. وإنْ تعذَّر وصولٌ إلى مالكٍ؛ لنحو حبسٍ؛ فأخذَها الإمامُ أو نائبُه، أجْزَأت ظاهرًا وباطنًا. والأفضلُ أنْ يُفرِّقَها بنفسه، ويقول عند دَفْعها: اللَّهُمَّ اجعلْهَا مغنمًا، ولا تجعلْها مَغْرَمًا. ويقول آخِذٌ: آجَرَك اللهُ فيما أَعطيت، وباركَ لكَ فيما أبقيتْ، وجعلَه لك طَهُورًا. (ويصحُّ توكيل) مسلمٍ ثقةٍ مكلَّفٍ؛ كما في "شرح المنتهى" (٢)، وفي "الإقناع" (٣): يصحُّ توكيلُ مميِّزٍ (فيه) أي: في إخراجِها. وتُجزِئُ نيَّةُ موكِّلٍ مع قربِ دَفْع لنحو فقير، وإلَّا، نوى موكِّلٌ عند دَفْعٍ لوكيله، ووكيلٌ عند دَفْعٍ لفقير. ومن عَلِم أو ظنَّ أهليَّة آخِذٍ، كُرِه إعلامُه بها (٤)؛ ومع عدم عادته بأخْذٍ، لم يُجزِئه الدفعُ إلَّا إنْ أَعلَمه.

стр. 822

باب أهل الزكاة وهم ثمانية، فقير: من لم يجدْ نصفَ كفايته. ومسكينٌ: يجدُ نصفَها أو أكثرَها، ويُعْطَيان تمامَ كفايتهما مع عائلتِهما سنةً. وعاملٌ عليها، كجابٍ، وحافظٍ، باب أهل الزكاة الذين لا يجوزُ دفعُها إلى غيرهم (وهم ثمانية) أصنافٍ؛ لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [٦٠ من سورة التوبة]. أحدهم: (فقيرٌ) أشدُّ حاجةً من المسكين؛ لأنَّ الله تعالى بدأ به، وإنّما يبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، وهو (من لم يجد نصفَ كفايتهِ) مع عائلته سنةً، بأن لم يجد شيئًا أصلًا، أو وَجَد دونَ النصف. وإنْ تفرَّغ قادرٌ على التكسُّب للعلم، لا للعبادة، وتعذّر الجمعُ، أعطي. (و) الثاني: (مسكين) الذي (يَجدُ نصفَها) أي: نصفَ كفايته (أو) يَجِدُ (أكثرَها، ويعطَيان) بالبناء للمفعول، أي: يُعطَى الفقيرُ والمسكينُ (تمامَ كفايتهما مع عائلتهما سنة) لأنَّ كل واحدٍ من عائلتهما مقصود دَفعُ حاجته. ويُقلّدُ (١) قولُ من ادّعى عِيالًا أو فَقْرًا، ولم يُعرَف بغنًى. ومن ملَكَ ولو من أثمانٍ مالا يَقومُ بكفايته، فليس بغنيٍّ. الثالث: (عاملٌ عليها، كجابٍ) أي: ساعٍ يبعثُه الإمامُ لأخذِ زكاةٍ من أربابها (و) كـ (حافظ) ـها وكاتبها وقاسمها.

стр. 823

فيُعطَى قدرَ أجرته. ومؤلَّفٌ: السيّدُ المطاعُ في عشيرتِه ممّن يُرجَى إسلامُه، أو يُكَفّ شرُّه، أو يُرْجَى بإعطائه قوّةُ إيمانه، أو إسلامُ نظيرِه، فيُعطَى ما يحصلُ به تأليفُه عند الحاجة إليه. ومكاتَبٌ، ويُفَكُّ منها أسيرٌ مسلمٌ، ويجوزُ شراءُ عبدٍ بزكاته فيَعْتِقُه. وغارمٌ وشُرِطَ كونُه مسلمًا مكلّفًا أمينًا كافيًا (١)، من غير القُربى. (فيُعطى) كل مِمَّن ذُكِر (قدرَ أُجرته) منها ولو غنِّيًا. ويجوزُ كَونُ حامِلها وراعيها مِمن مُنِعَها. (و) الرابع: (مؤلّفٌ) وهو (السيّدُ المطاعُ في عشيرتِه ممّن يُرجَى إسلامُه، أو) يُرجَى (أن يُكَف شَرُّه) بإعطائه من الزكاة (أو يُرجَى بإعطائه قوةُ إيمانه، أو إسلامُ نظيرِه) أو جِبَايَتُها ممن لا يُعطِيها، أو دَفْعٌ عن المسلمين. (فيُعطَى) مُؤلّفٌ (ما يحصُل به تأليفهُ عند الحاجة إليه) أي: إلى إعطانه، فَتَركُ عمرَ وعثمانَ وعلي إعطاءَهم (٢)؛ لعدمِ الحاجة إليه في خلافتِهم، لا لسقوطِ سهمِهم. (و) الخامس: (مكاتَبٌ) فيُعطَى وفاءَ دينه؛ لعجزِه عنه، ولو قبلَ حُلول نَجمٍ، أو مع قدرته على كَسبٍ. (و) يجوزُ أن (يفَكّ) بالبناء للمفعول. أي: يُخلّص (منها) أي: من الزكاة (أسيرٌ مسلمٌ، ويجوزُ شِراءُ عبدٍ) لا يَعتِقُ عليه (بزكاته، فيعتقُه) لا أن يعتِق قنّه، أو مُكاتبَه عنها. (و) السادس: (غارِمٌ) وهو نوعان:

стр. 824

لإصلاحِ ذات بَيْنِ، ولو مع غنًى، أو (١) لنفسه مع فقرِه، ويُعطَى ما يقضي به دَيْنَه، كمكاتبِ. وغازٍ لا ديوانَ له يكفيه، فيعطَى ما يحتاجُه في غَزْوِه، ويجوزُ في حجّ فرضِ فقيرٍ وعُمرَتِه. أحدهما: غارمٌ (لإصلاحِ ذات بيْنٍ) أي: وَصلٍ، بأن يَقَع بين جماعةِ عظيمةٍ كقبيلتَين، أو أهلِ قريتَين، تشاجرٌ في دماءٍ و (٢) أموال، ويَحدث بسببها الشّحناءُ والعداوةُ، فيتوسّط الرجلُ بالصُّلحِ بينهما، ويَلتزمُ في ذمّته مالًا عوضًا عمّا بينهم؛ ليُطْفِئَ الثاثرةَ. فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حَملُه عنه من الصّدقةِ؛ لئلَّا يُجحِفَ ذلك بساداتِ القومِ المصلحِين، أو يُوهِنَ عزائمَهم، فجاء الشرعُ بإباحةِ المسألةِ فيها، وجَعَلَ لهم نصيبًا من الصَّدقةِ (ولو مع غنًى) إنْ لم يَدفع من ماله. النوعُ الثاني: ما أشِير إليه بقوله: (أو) تَديّن (لنفسِه) في شراءٍ مِن كفَّارٍ، أو مباحٍ، أو محرَّمٍ وتاب (٣) (مع فَقره، ويعطَى ما يَقضي به دَينَه) ولو لله تعالى (كمكاتبٍ) أي: كما يُعطَى مُكَاتَبْ وفاءَ دَينِ كتابتهِ، كما تقدّم. ولا يجوزُ -لمن دُفِع له لقضاء دينهِ- صَرْفه في غيرِه، ولو فقيرًا. وإن دُفِع إلى غارمٍ لفَقره، جَاز أنْ يقضيَ منه دينَه. (و) السابع: (غازٍ) في سبيل الله تعالى، إذا كان (لا ديوانَ له يكفيه) أي: ليسَ له فرضٌ في بيتِ المال أصلًا، أو له دونَ ما يكفيه (فيُعطَى ما يَحتاجُه في غزوِه) ذهابًا وإيّابًا ولو غنيًّا. (ويجوزُ) صرفُ زكاةٍ (في حج فرضِ فقيرٍ، وعمرَته) لأنهما من السّبيل.

стр. 825

وابنُ سبيلٍ مُنقطِعٌ بغيرِ بلده، فيُعطَى ما يوصِلُه لبلده. وتُجزِئُ لشخصٍ واحدٍ، ولقريب من غير عمودَيْ نسبِه، لا تلزمُه مؤونتُه، (و) الثامن: (ابنُ سبيلٍ) أي: مسافرٌ (منقطعٌ بغير بلدِه) بسفرٍ مباحٍ، أو محرَّمٍ وتابَ، دونَ مُنْشِئٍ لسفرٍ من بلده إلى غيرها (١) (فيُعطى) ابنُ السَّبيل (ما يوصِلُه لبلده) ولو وَجَد مُقرِضًا. وإن قَصَد بلدًا، أو احتاجَ قبلَ وصولها (٢)، أُعطيَ ما يَصلُ به إلى البلدِ الذي قَصدَه، وما يرجِعُ به إلى بلده. وإنْ فَضَل مع ابنِ السبيل (٣)، أو غازٍ، أو غارمٍ، أو مكاتبٍ، شيءٌ، رَدّه. وغيرُهم يتصرّفُ بما شاء، لِملكِه له مُلكًا مُستَقرًا. (وتُجزِئ) الزكاةُ (لشخصٍ واحدٍ) ولو غريمِه، أو مكاتَبِه، إنْ لم يكن حِيلةً؛ لأنه ﷺ أمر بني زُرَيق بدَفْعِ صدقتِهم إلى سَلَمة بن صخر (٤). وقال لقبيصة: "أقِم يا قَبيصةُ حتى تأتينا الصّدقةُ، فنأمرَ لك بها" (٥). (و) تُجزِئُ (لقريب) مُزَكٍّ، إن كان (من غير عمودَيْ نسبِه) وهما أصلُه وفرعُه، وكان أيضًا (لا تلزمه) أي: المزكي (مؤونتُه) أي: نفقهُ القريب الذي يريد دَفعَ الزكاةِ

стр. 826

لا هاشميٍّ ومواليه، له، وذلك كخاله وخالته. بل يسنُّ تفريقها في نحو هؤلاء على قدر حاجتهم، الأقرب فالأقرب؛ لقوله ﷺ "صَدقتُكَ على ذي القرابة صَدَقَةٌ وصِلةٌ" (١). وعُلِم منه أنَّها لا تُجزِئُ إلى أصلِه، كأبيه وأمّه، وجدّه وجدّته من قِبَلِهما، وإن عَلَوا. ولا إلى فرعِهِ، كولده وإن سَفَل، من ولد الابن أو البنت، إلا أنْ يكونوا عُمّالًا، أو مؤلّفينَ، أو غزاةً، أو غارمين لذات بَينٍ. وأنها لا تُجْزِئُ أيضًا إلى سائر من تلزمُه نفقتُه، ما لم يكن عاملًا، أو غازيًا، أو مؤلَّفًا، أو مكاتبًا، أو ابن سبيلٍ، أو غارمًا لإصلاحِ ذاتِ بَينٍ. وتجزئُ إلى من تبرّع بنفقته بضمّه إلى عياله، أو تعذَّرت نفقته من زوج أو قريب بنحو غيبة أو امتناع. و (لا) يجزئ دفعُها إلى (هاشميٍّ) أي: مَن يُنسَبُ إلى هاشمٍ، بأنْ يكونَ من سُلَالته، فَدَخل آلُ عباسِ بن عبد المطّلب، وآلُ علي، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عَقيلٍ: أولاد أبي طالب بنِ عبد المطّلب، وآلُ الحارث، وآلُ أبي لهبٍ، ابنَي عبد المطّلب؛ لقوله ﷺ : "إنَّ الصدقةَ لا تَنْبغي لآلِ محمّد، إنما هي أو ساخُ النَاسَ، أخرجَه مسلم (٢). لكن تُجزِئُ إليه إنْ كان غازيًا، أو غَارِمًا لإصلاحِ ذاتِ بَينٍ، أو مُؤَلَّفًا. (و) لا إلى (مواليه) أي: الهاشمّي؛ لقوله ﷺ : "مَوْلَى القومِ منهم" رواه أبو داود والنسائي (٣). وعُلم منه أنها تُجزِئُ إلى بني المطّلب ومَواليهم، كما هو الأصحُّ. ولكل أخذُ صدقةِ تَطَوُّعٍ، ووصيّةٍ، أو نذرٍ لفقيرٍ، لا كفَّارةٍ.

стр. 827

وفقيرةٍ تحتَ غنيٍّ مُنْفِقٍ، ولا عبدٍ غير عامل، ولا زوجٍ. وإنْ أعطَاها لمن ظنَّه أهلًا، فبانَ خلافَه، لم تُجْزِ، إلا غنيًّا ظنَّه فقيرًا. وتستحبُّ صدقةُ تطوُّعٍ بفاضلٍ، وفي رمضانَ، (و) لا إلى (فقيرةٍ تحتَ غنيٍّ مُنفق) ولا إلى فقيرٍ يُنفِقُ عليه من وَجَبت عليه نفقتُه من أقاربه؛ لاستغنائِهما بذلك. (ولا) تُجزئُ إلى (عبد) كاملِ رقٍّ لمُزكٍّ أو غيره (غير عامل) أو مكاتب. (ولا) إلى (زوْج) فلا يُجزِئها دفعُ زَكاتها إليه، ولا بالعكس. (وان أعطَاها لمن ظنه أهلًا، فبانَ خلافه) كما لو دفعَها لمن ظنّه مُسلمًا، فبان كافرًا (لم تجزِ) عنه؛ لأنه لا يخفى غالبًا، وكدين الآدمي (إلا) إذا أعطاها (غنيًّا ظنَّه فقيرًا) فتجزئه؛ لأن النبي ﷺ أعطى الرجلَين الجَلْدَين، وقال: "إنْ شئتُما أعطيتُكُما منها، ولاحظَّ فيها لغنيٍّ، ولا قويٍّ مُكتَسِب" (١). وإنْ أعطاها لمن ظنّه غيرَ أهلٍ، فبان أهلًا، لم تُجزِئه؛ لعدم جزمِه بالنيَّة حالَ الدّفع. (وتُستَحبُّ صدقةُ تَطوعٍ) لأنَّ الله تعالى قد حثّ عليها في كتابه العزيز في آياتٍ كثيرة (٢)، وقال ﷺ : "إن الصدقةَ لَتُظفئ غضَبَ الربِّ، وتدفعُ مِيتةَ السُّوء" رواه الترمذيُّ وحسَّنه (٣). وتكونُ (بفاضلٍ) عن كفايته وكفايةِ من يَمُونه؛ لقوله ﷺ : "اليَدُ العليا خيرٌ من السفلى، وابدأ بمن تَعُول، وخيرُ الصَّدقةِ عن ظَهر غنًى" متَّفَق عليه (٤). (و) هي (في رمضانَ) وكل زمانٍ ومكانٍ فاضلٍ، كالعَشر والحَرمَين آكدُ؛ لقول

стр. 828

ووقتِ حاجةٍ آكدُ، ويأثمُ بما يَنْقُصُ مُؤونةَ تلزمُه، أو يضرُّ (١) بغريمِه. ابن عباس: "كان رسولُ الله ﷺ أجوَدَ الناس، وكان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبربلُ" الحديث. متفَق عليه (٢). (و) في (وقتِ حاجةٍ آكدُ) أي: أفضلُ. (ويأثمُ) من تصدّقَ (بما يَنقُصُ مُؤنةً تلزمُه، أو) بما (يَضُرُّ بغرِيمه) أو كفيله، أو نفسه؛ لقول ﷺ : "كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضَيِّع من يَقوت" (٣).

стр. 829

كتاب الصيام يجبُ صومُ رمضانَ برؤيةِ هلالِه، فإنْ لم يُرَ مع صَحْوِ ليلة الثلاثين، أفطَروا، وإنْ حال دونَه غيمٌ أو قَتَرٌ أو نحوه، وَجَب صومُه كتابُ الصيام هو لغةً: مجرَّدُ الإمساك، يقالُ للساكت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]. وشرعًا: إمساكٌ بنيَّةٍ عن أشياءَ مخصوصةٍ، في زمنٍ معيّنٍ، من شخصٍ مخصوصٍ (١). وفُرِض صَومُ رمضان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابنُ حَجَر (٢): في شعبان. انتهى. فصامَ رسولُ الله ﷺ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا. (يجب صوم رمضانَ برؤيةِ هلالهِ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله ﷺ : "صُوموا لرؤيته، وأفطِروا لرؤيته" (٣). والمستَحبُّ قولُ: شهر رمضان، كما قال الله تعالى. ولا يُكره قولُ: رمضان. (فإن لم يرَ) الهلالُ، بالبناءِ للمفعول (مع صَحْوِ) السماءِ من نحو غيمٍ (ليلة الثلاثين) من شعبان (أَفطَروا) وكُرِه الصومُ؛ لأنه يومُ الشكِّ المنهيُّ عنه. (وإنْ حَالَ دونَه) أي: دونَ هلالِ رمضان، بأن كانَ في مَطلَعِه ليلةَ الثلاثينَ من شعبان (غيمٌ أو قَترٌ) بالتحريك، أي: غَبَرةٌ (أو نحوه) كدخانٍ (وَجَب صومه) أي:

стр. 830

بنيَّةِ رمضانَ، احتياطًا، ويُجزِئُ إنْ ظهرَ منه. وإذا رُئي في بلدٍ، لَزِمَ الصومُ جميعَ الناس. ويصامُ برؤيةِ عَدْلٍ، صومُ يومِ تلك اللّيلة، حُكمًا ظنِّيًّا (بنيَّةِ رمضانَ؛ احتياطًا) وهذا قولُ عُمرَ وابنهِ، وعمرِو بن العاص، وأبي هريرةَ، وأنسٍ، ومعاويةَ، وعائشةَ وأسماءَ ابنتي أبي بكر الصديق ﵃؛ لقوله ﷺ :"إنَّما الشهرُ تسعة وعشرونَ يومًا، فلا تصوموا حتى تَروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكُم فاقدُرُوا له" قال نافع: كان عبدُ الله ابن عمر إذا مضى من الشهر تسعةٌ وعشرونَ يومًا، يَبْعثُ من يَنظرُ له الهلال، فإنْ رُئي، فذاك، وإنْ لم يُرَ، ولم يَحُل دونَ منظرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ، أصبحَ مُفطِرًا، وإن حالَ دونَ مَنْظَره سحابٌ أو قَتَر، أصبح صائمًا (١). ومعنى "اقدُرُوا له": ضَيِّقوا بأنْ يُجعلَ شعبانُ تسعًا (٢) وعشرين، وقد فسَّره ابنُ عمر بفعله، وهو رَاوِيه، وأعلَمُ بمعناه، فيجبُ الرُّجوعُ إلى تفسيره. (ويُجزئُ) صومُ ذلك اليوم (إنْ ظهرَ منه) وتُصَلَّى التراويحُ تلكَ اللّيلة، وتَثبتُ بقيَّة توابعِ الصوم، من وجوبِ كفَّارةٍ بوطءٍ فيه ونحوِه، ما لم يتحقَّق أنَّه من شعبان، لا عِتقٌ أو طلاقٌ معلَّقٌ برمضان. والظاهرُ أن مِن توابعِ الصومِ وجوبَ القضاءِ على من لم يُبيت النيَّة. (وإذا رُئي) الهلالُ، أي: ثَبتت رؤيتُه (في بلدٍ، لَزِمَ الصومُ جميعَ الناس) لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" (٣) وهو خطابٌ للأمةِ كافَّةَ. فإن رآه جماعة ببلدٍ، ثمَّ سافروا لبلدٍ بعيدٍ، فلم يُرَ الهلالُ به في آخر الشهر، أفطروا. (ويُصامُ) وجوبًا (برؤيةِ عَدْلٍ) مُكَلَّفٍ، ويكفي خبرُه بذلك؛ لقول ابن عمر: تَراءَى

стр. 831

ولو عبدًا أو أنثى. وإنْ صامُوا برؤيةِ واحدٍ، أو لغيمٍ، ثلاثينَ يومًا، ولم يُرَ الهلالُ، لم يُفطِروا. ومن رآه وحدَه، فَرُدَّ، أو رأى هلالَ شوَّالٍ وحدَه، صام. الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسول الله ﷺ أني رأيتُه فصامَ، وأمرَ الناسَ بصيامِهِ. رواه أبو داود (١). (ولو) كانَ (عبدًا أو أنثى) أو بدونِ لفظ الشَّهادة. ولا يَختَصُّ بحاكم، ولا يكفي مستورٌ، ولعل المرادَ به: مجهولُ الحال. فيلزمُ الصومُ من سَمِعَ عدلًا يُخبِرُ برؤيتهِ، وتَثبتُ بقيّةُ الأحكام. ولا يقبَل في شَوّالٍ، وسائرِ الشهور، إلَّا ذَكران بلفظِ الشَّهادة. ولو صاموا ثمانيةً وعشرين يومًا، ثم رَأوه، قضَوْا يومًا فقط. (وإنْ صامُوا برؤية واحدٍ) ثلاثينَ يومًا، ولم يُرَ الهلالُ، لم يُفطِروا؛ لقولِه ﷺ : "وإنْ شَهِد اثنان، فصومُوا وأفطروا" (٢). (أو) صاموا (لغيمٍ) ونحوه (ثلاثينَ يومًا، ولم يُرَ الهلال، لم يفطِروا) لأن الصومَ إنَّما كانَ احتياطًا، والأصلُ بقاءُ رمضانَ. وعُلِم منه أنَّهم لو صَاموا بشهادةِ اثنين ثلاثينَ يومًا، ولم يَروه، أفطَروا، صَحْوًا كان أو غيمًا؛ لما تقدَّم. (ومن رآه) أي: هلالَ رمضان (وحدَه) فأخبرَ به (فَرُدَّ) خبرُه لنحو فسقٍ، لزمه الصوم وجميع أحكام الشهر من طلاق وغيره معلَّق به؛ لعلمه أنه من رمضان (أو رأى هلال شوّالٍ وحدَه) ولو عدلًا (صامَ) ولم يُفْطر؛ لقوله ﷺ : "الفطرُ يومَ يُفطر النَّاس،

стр. 832

وإن ثبتَ نهارًا، أمسكُوا، وقَضَوا، كمن بَلَغ، أو أَسلمَ، أو طَهُرت من حيضٍ أو نفاسٍ، أو قَدِم من سفرٍ مُفْطرًا. ويؤمَر به صغيرٌ يُطِيقه؛ ليعتادَه. ومن عَجَز عنه لِكِبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى برؤه، أطعمَ لكُلَّ يومٍ مسكينًا. والأضحى يومَ يُضحِّي الناسُ" رواه الترمذي وصحّحَه (١). وإن اشتبَهت الأشهرُ على نحو مأسورٍ، تحرَّى، وأجزأه إن لم يعلَم تقدُّمه، أو يصادف رمضانَ القابل، فلا يُجزئُ عن واحدٍ منهما. ويقضي ما وَافقَ عيدًا، أو أيَّامَ تشريقٍ. (وإنْ ثبتَـ) ـت رؤيةُ الهلالِ (نهارًا) بأن قامت البينَةُ في أثناءِ النهار برؤيةِ الهلال تلكَ الليلة (أمسكُوا) وجوبًا بقيَّةَ اليوم (وقَضَوا) أي: وجب قضاءُ ذلك اليوم على من لم يبيت النية؛ لمستند شرعيٍّ (كمن بَلَغ) نهارًا مُفطِرًا (أو أَسلمَ) نهارًا (أو طَهُرت) امرأة (من حيضٍ أو نفاسٍ) بأن انقطعَ دمُها نهارًا (أو قدِمَ) مسافرٌ (من سفرٍ) حالَ كونه (مُفطرًا) فيلزمُ كلَّ هؤلاءِ الإمساكُ والقضاءُ. وكذا لو بَرِئَ مريضٌ مُقطرًا. فإن كان صغيرٌ ومسافرٌ ومريضٌ صائِمين، أجزَأهم، وإن عَلِم مسافرٌ أنه يَقْدَم غدًا، لزمَهُ الصوم، لا صغيرٌ عَلِم أنه يبلغ غدًا؛ لعدم تكليفه. وَيلزمُ الصومُ كل مُسلِمٍ مُكَلّفٍ قادرٍ (ويؤمَرُ) بالبناء للمفعول (به) أي: الصومِ (صغيرٌ يطِيقه) أي: يَقدِر عليه، أي: يجبُ على وليّ الصغيرِ المُطِيق للصّومِ، أمرُه به، وضَربُه عليه (ليعتاده) أي: الصّوم. (ومن عجَز عنه) أي: عن الصوم (لِكِبَرٍ، أو مرضِ لا يُرجَى برؤه، أَطعَمَ لكُل يومٍ مسكينًا) ما يُجزئُ في كفّارة، مُدَّ بُرٍّ، أو نصفَ صاعٍ من غيره؛ لقولِ ابن عباس في

стр. 833

وسُنَّ لمريضٍ يضره ومسافرٍ يَقْصُرُ، فِطْرٌ. وإنْ نوى حاضرٌ صومَ يومٍ، ثم سافرَ فيه، فله الفطرُ. وإنْ أفطرت حاملٌ أو مرضعٌ؛ خوفًا على ولديهما، قضتا، وأطعمَ وليُّه، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]: ليست بمنسوخةٍ، هي للكبير الذي لا يستطيعُ الصَّومَ. رواه البخاريُّ (١). والمريضُ الذي لا يُرجى بُرؤُه في حُكم الكبير، لكن إن كانَ الكبيرُ أو المريضُ الذي لا يُرْجَى برؤُه مسَافرًا، فلا فِديةَ؛ لِفطرِه بُعذرٍ معتاد، ولا قضاءَ؛ لعجزه عنه (٢). (وسُنَّ) فِطرٌ (لمريضٍ يضرُّه) الصّومُ. (و) سُنَّ لـ (مُسافرٍ يَقصُرُ فطرٌ) ولو بلا مَشقَّةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكُرِه صومُهما. وجازَ وطءٌ: لمن به مرضٌ يَنتفعُ به فيه، أو به شَبَقٌ، ولم تَندفع شهوتُه بدون الوطء، ويخافُ تَشَققَ أنْثيَيه، ولا كفارةَ، ويقضي مالم يتعذَّر لشبَقٍ، فيُطعِم ككبير. وانْ سافر ليُقطِر، حَرُما (٣). (وإن نوى حاضرٌ صومَ يومٍ، ثم سافرَ فيه) أي: في أثناءِ ذلك اليوم (فله الفِطرُ) إذا فارقَ بيوتَ قريتِه ونحوها؛ لظاهرِ الآيةِ والأخبارِ الصحيحَة، والأفضلُ عدَمُه. (وإن أفطرت حاملٌ، أو) أفطرت (مُرضِعٌ؛ خوفًا على ولديهما (٤)) فقط (قَضَتا) ما أفطرتَاه (وأطعمَ وَليُّه) أي: وَجَب على من يَمون الولدَ، أن يُطعِم عنهما لكل يومٍ

стр. 834

وعلى أنفسهما (١)، قضتا فقط. ومن نَوى صومًا، ثم جُنَّ، أو أغميَ عليه جميعَ نهارِه، لم يَصحّ صومُه، مسكينًا، ما يُجزئُ في كفّارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. قال ابنُ عباس: كانتْ رُخصةً للشيخ الكبير، والمرأةِ الكبيرة، وهما يُطيقان الصِّيامَ، أن يُفطِرا ويُطعِما مكانَ كل يومٍ مسكينًا، والحبلى والمُرضِعُ إذا خافتَا على أولادِهما، أفطرتَا وأطعمتَا. رواه أبو داود (٢) وروي عن ابن عمر (٣). وتجزِئُ هذه الكفارةُ إلى مسكينٍ واحدٍ جُملةً. (و) إنْ أفطرت حاملٌ أو مرضعٌ؛ خوفًا (على أنفُسِهما) فقط، أو مع الولد (قَضَتَا) عددَ الأيام (فقط) أي: بلا فديةٍ؛ لأنهما بمنزلةِ المريضِ الخائفِ على نفسه. ومتى قَبِلَ رضيعٌ ثَديَ غيرِها، وقدرَ أن يستأجِرَ له، لم تُفطِر. وظِئرٌ (٤) كأم. ويجبُ الفطرُ على من احتاجَه لإنقاذِ معصومٍ من هَلَكةٍ (٥) كغَرَقٍ. وليس لمن أبيحَ له فِطرٌ برمضانَ، صومُ غيرِه فيه. (ومن نَوى صومًا، ثم جُنَّ، أو أُغميَ عليه جميعَ نهارِه) بأن لم يُفِق جُزءًا منه (لم يَصحَّ صومُه) لأنَّ الصومَ الشرعيّ الإمساكُ مع النيّة، فلا يُضافُ للمجنون، ولا للمُغمَى عليه.

стр. 835

لا إنْ أفاقَ جُزءًا منه، أو نامَ جميعَه، ويقضي مغمًى عليه. ويجبُ تعيينُ النيَّةِ من الليل، لصومِ كلِّ يومٍ واجب، لا نيَّةَ الفرضيَّة، و (لا) يَفسُد صومُ مَن جُنَّ، أو أغميَ عليه بعدَ النيّة (إن أفاق جُزءًا منه) أي: من النهار، سواءٌ كان من أوّل النَّهار، أو آخرِه (أو) أي: ولا يَفْسُد صومُ من (نامَ جميعَه) أي: جميعَ النَّهار؛ لأنَّ النومَ عادةٌ، ولا يزولُ به الإحساسُ بالكليّةِ. (ويقضي) وجوبًا (مغمًى عليه) ما وَجَبَ زمنَ الإغماء، حيثُ لم يصحّ صومُه؛ لأنَّ مدّتَه لا تطولُ غالبًا، فلم يَزُل به التكليف. وعُلِم منه أنَّه لا قضاءَ على مجنونٍ؛ لزوالِ تكليفه. قال المصنفُ: وينبغي تقييدُه بما إذا لم يتّصل جنُونه بشُربِ محرّم (١). كما مر في الصّلاة (٢). (ويجبُ تعيينُ النيةِ) بأنْ يعتقدَ أنه يصومُ من رمضانَ، أو قضائِه، أو نَذرٍ أو كفارةٍ؛ لقوله ﷺ : وإنما لكل امرئٍ ما نوَى" (٣) (من الليل) لما رَوى الدارقطني بإسنادِه عن عائشةَ مرفوعًا: "منْ لم يُبَيتِ الصيام قبلَ طلوعِ الفجر، فلا صيامَ له" وقال: إسنادهُ كلُّهم ثقات (٤). ولا فرْقَ بينَ أوّل اللّيل أو وسطِه أو آخِرِهِ، ولو أتى بعدَها ليلًا بمُنافٍ للصّوم من نحو أكل ووطءٍ. (لصومِ كل يومٍ واجبٍ) لأنَّ كُل يوم عبادة مفردةٌ، لا يَفسُد صومُه بفسادِ صومِ غيره (لا نيه الفَرضية) أي: لا يشترطُ أنْ ينويَ كونَ الصَّوم فرضًا؛ لأن التعيين يُجزئ عنه.

стр. 836

ويَصح نَفْلٌ بنيةٍ من النهار، ولو بعدَ الزَّوال، وإنْ نوى الإفطارَ، أفطر. ومن قال: إنْ كان غدًا من رمضان، ففرضي، لم يصحَّ إلا ليلةَ الثلاثين من رمضان. ومن قال: أنا صائمٌ غدًا إن شاء الله تعالى. متردّدًا، فَسَدَت نيّته، لا متبرّكًا. كما لا يَفسُد إيمانُه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله. غيرَ متردّدٍ في الحال. ويكفي في النيّةِ الأكلُ والشربُ بنيّةِ الصّوم. (ويصِح) صومُ (نَقل بنيةٍ من النهارِ، ولو) كانت النيّةُ (بعدَ الزوال) لقولِ معاذٍ (١)، وابنِ مسعود (٢) وحذيفةَ (٣) وحديثِ عائشةَ: دخلَ عليَّ النبي ﷺ ذاتَ يومِ فقال: "هل عندَكم من شيءٍ"؟ فقلنا: لا. قال: "فإني إذًا صائم" رواه الجماعةُ إلا البخاري (٤). وأمَر بصوم عاشوراءَ في أثنائه (٥). ويُحكَم بالصومِ الشرعيِّ المثابِ عليه من وقت النيّة. (وإنْ نوَى الإفطارَ، أفطر) أي: صارَ كمن لم ينوِ؛ لقطعهِ النيّةَ، وليس كمن أكلَ أو شربَ، فيصحّ أنْ يَنويه (٦) نفلًا بغير رمضان. (ومن قال) في أوّله: (إن كان غدًا من رمضان، فـ (ـهو (فَرضي. لم يصحّ) لعدمِ جزمِه بالنية (إلا) إن قال ذلك (ليلةَ الثلاثين من رمضان) وقال: وإلا فأنا مُفطِر. فبان من رمضان، فيصحُّ؛ لأنه بَنَى على أصلٍ لم يَثْبُتْ زوالُه.

стр. 837

باب ما يُفسِدُ الصوم يَفْسُد صومُ من أكلَ، أو شربَ، أو استَعَطَ، أو احتقنَ، أو اكتحَلَ بما وصل إلى حَلْقِه، أو أدخلَ جوفه شيئًا من (١) أي محلٍّ كان، أو استقاءَ، فقاء، باب ما يفسد الصوم (باب) بالتنوين لفظًا، والمعنى على الإضافة، أي: هذا بابُ (ما يُفْسِدُ الصومَ) ويوجبُ (٢) الكفارة. (يَفسُدُ صومُ من أكلَ، أو شرِبَ، أو استَعَط (٣)) بدُهنٍ أو غيره، فوصَلَ إلى حَلقِه أو دِماغه (أو احتقَنَ (٤) أو اكتحَلَ بما وصلَ) أي: بما عَلِمَ وصولَه (إلى حَلْقِه) لرطوبته أو حِدّتِه، من كُحلٍ، أو صَبِر (٥)، أو قُطُورٍ، أو ذَرُورٍ (٦)، أو إثمدٍ (٧) كثيرٍ، أو يسيرٍ مطيّبٍ؛ لأنَّ العينَ مَنْفَذٌ، وإنْ لم يكن مُعتادًا. (أو أدخلَ جَوفه شيئًا من أي محل كان) غير إحليلِه، فسدَ صومه. (أو استقاءَ) أي: استدعى القيءَ (فَقَاء) فسدَ صومُه؛ لقوله ﷺ : "من استقاءَ عَمدًا فليَقضِ" حسّنه الترمذيُّ (٨).

стр. 838

أو استمنى أو باشر، فأمنى، أو أمذى، أو كررَ النظرَ، فأمنى، أو حَجَم، أو احتَجَم، وظهر دم، عامدا ذاكرًا لصومه، لا ناسيًا أو مكرهًا، ولا إنْ طارَ إلى حَلْقِه ذباب أو غبارٌ، (أو استَمني) فأمنى، أو أمْذَى، فسَد صومُه (أو باشرَ) دون فرجٍ، أو قبَّل، أو لَمسَ (فأمنى، أو أمذى) فَسَد صومُه (أو كررَ النظرَ، فأمنَى) فسَد صومه، لا إن أمذَى. (أو حَجَم أو احتَجَمَ، وظَهَر دمٌ) لقول رسول الله ﷺ : "أفطر الحاجمُ والمحجُوم" رواه أحمدُ والترمذي (١). قال ابنُ خُزَيمة (٢): ثبتتِ الأخبارُ عن رسول الله ﷺ بذلك. ولا يُفطِر بفَصدٍ (٣) ولا شَرْطٍ ولا رُعافٍ. ومحل فسادِ الصوم بما ذُكر، إذا كان الصائمُ فَعَلَ شيئًا من ذلك حالَ كونِه (عامدًا) أي: قاصدًا الفعل، ولو جَهِلَ التحريمَ (ذاكِرا) في الكُل (لصومه). فـ (لا) يفسُد صومُه إنْ فَعَل ذلك (ناسيًا أو مُكْرهًا) ولو بِوَجُورِ (٤) مغمًى عليه معالجةً، فلا يَفْسُد صومُه، وأجزأه؛ لقوله ﷺ : "عُفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استُكرِهوا عليه" (٥)، ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من نَسيَ وهو صائمٌ، فأكلَ أو شَرِبَ، فليُتم صومَه؛ فإنَّما أطعمَهُ الله وسقاه" متفقٌ عليه (٦). (ولا إن طارَ إلى حَلْقِه ذباب أو غبار) من طريقٍ أو دقيقٍ، أو دخانٌ، فلا يفسُد صومُه؛ لعدمِ إمكانِ التحززِ من ذلك، أشبهَ النائمَ.

стр. 839

أو فكَّر، فأنزل، أو احتلَمَ، أو قَطَر في إحليله شيئًا، أو أصبحَ وفي فمه طعامٌ فلفَظَه، ولا إن اغتسلَ أو تمضمض أو استنشق، فدخلَ الماءُ حَلْقَه، ولو بالغَ، أو زاد على ثلاث. وانْ أكلَ ونحوه شاكًّا في طلوع فجرٍ، صحَّ صومه، (أو فكّر، فأنزل) لم يُفطِر؛ لقوله ﷺ : "عُفِي لأمتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم تَعمل به، أو تتكلّم" (١) وقياسُه على تكرار النظر غيرُ مسلّمٍ؛ لأنَّه دونَه. (أو احتَلَم) لم يُفطِر؛ لأن ذلك ليس بسببٍ من جهته. وكذا لو ذَرَعه، أي: غلبَه القَيءُ (أو قَطَر في إحليله) أو غيَّبَ فيه (شيئًا) فوصَلَ إلى المثانةِ، لم يُفطر. (أو أصبحَ وفي فمه طعامٌ، فلفَظَه) أي: طَرَحه، لم يَفسُد صومه، وكذا لو شَقَّ عليه لفظُه، فجرَى مع ريقهِ بلا قصدٍ، لما تقدّم، وإنْ تميّزَ عن ريقِه، وبلَعَهُ (٢) اختيارًا، أفطَر. ولا يُفطِرُ إنْ لظَّخ باطنَ قدمِه بشيءٍ، فوجدَ طعمَه بحلقِه. (ولا إن اغتسلَ أو تمضمضَ، أو استنشق، فدخلَ الماءُ حَلقهُ) فلا يُفطِر؛ لعدمِ القَصدِ، حتى (ولو بالغ) في مضمضمةٍ أو استنشاقٍ (أو زادَ على ثلاثٍ) فيهما، فلا يُفطِر، لكن تكرَه مبالغةٌ في مضمضةٍ و (٣) استنشاقٍ لصائمٍ -وتقدم- وكُرِها له عَبَثا، أو سَرَفًا، أو لحر، أو عطشٍ، كَغوصِه في ماءٍ عَبَثًا أو سَرَفًا، لا لغُسلٍ مشروع، أو تبردٍ. ولا يَفسُد صومُه بمَا دَخلَ حَلقَه بلا قصدٍ. (وإن أكلَ ونحوه) كما لو شَرِبَ، أو جامَعَ، حالَ كونِه (شاكا في طلوع فجرٍ) ولم يتبينْ له طلُوعُه (صح صومُه) ولا قضاءَ عليه ولو ترددَ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الليل ....

стр. 840

لا في غروبِ شمسٍ، وإن اعتقدَه ليلًا، فبانَ نهارًا، قضى. فصلٌ ومن جامعَ في نهارِ رمضانَ، ولو في يوم، لزمَهُ إمساكُه، أو دُبُرٍ، فعليه القضاءُ والكفَارة، وإنْ كانَ دون الفرج، فأنزُل، أو عُذِرَتِ (لا) إنْ أكلَ ونحوه شاكًّا (في غروبِ الشمس) من يومٍ هو صائمٌ فيه، ولم يتبين بعدَ ذلك أنها غرَبت، فعليه قضاءُ صومٍ واجب؛ لأن الأصلَ بقاءُ النهار. (وإنْ) أكلَ ونحوه في وقتٍ (اعتقدَه ليلا، فبانَ نهارًا) أي: ظهرَ طلوعُ فجرٍ، أو عدُم غروبِ شمسٍ (قَضى) الواجبَ؛ لأنه لم يتم. وكذا يقضي إنْ أكلَ ونحوه يعتقده نهارًا، فبانَ ليلًا، ولم يجدد نيةً (١) لواجب، لا من أكلَ ونحوه ظانًّا غروبَ شمسٍ، ولم يتبين له الخطأ. فصل (ومن جامعَ في نهار رمضان) فغيَّب حَشَفةَ ذَكَرِه الأصلي في فرج أصلي (ولو) كان جماعُه (في يوم لزِمَهُ إمساكُه) كما لو كان مُسَافِرًا فقدمَ، أو مريضا فَبرِئ، وكانا مفطرَين، أو رأى الهلالَ ليلتَه ورُدَّت شهادتُه، أو ثَبتت رؤيةُ الهلالِ نهارًا، حتى ولو كان جِمَاعُه قبل الثُّبوت، كما بحثَه المصنفُ (٢). (أو) أي: ولو كان جِمَاعُه في (دبر) أو كان ناسيًا أو مُكرَهًا (فعليه القضاءُ والكفارةُ) أنزلَ، أو لا. ولو أوْلَج خُنْثَى مُشكِلٌ ذَكره في قُبُل خنثى مُشكِل، أو قُبُلِ امرأةٍ، أو أوْلَجَ رجلٌ ذَكرَه في قُبُلِ خُنثَى مُشكِلٍ، لم يَفسُد صَومُ واحدٍ منها، إلا أنْ يُنزِل (٣) كالغُسل (٤). (وإن كان) جِماعُه (دونَ الفرج) ولو عَمدًا (فأنزلَ) منيًّا، أو مَذيًا. (أو عذرَت)

стр. 841

المرأةُ، فالقضاءُ فقط، كمسافرٍ جامعَ في صومه. وإنْ جامعَ في يومَيْن، فكفَّارتان، وإنْ أعادَه في يومه، فواحدة، إنْ لم يكنْ كفَّر للأوَّلِ. ومن جامعَ، ثمَّ مرِضَ، أو جُنَّ، أو سافرَ ونحوه، لم تسقط. ولا كفَّارةَ بغيرِ جماعٍ في نهارِ رمضان. بالبناء للمفعول (المرأة) المجامَعَة: أي: كانت معذورةً بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ (فالقضاءُ) واجبٌ (فقط) أي: دونَ الكفَّارة (كمسافرٍ جامعَ في صومه) في سفره المباح فيه القَصْرُ، أو في مرضٍ يُبيح الفِطْرَ، فعليه القضاءُ دونَ الكفَّارة؛ لأنَّه لا يلزمهُ المُضِيُّ فيه، أشبهَ التَّطوُّعَ، ولأنَّه يُفطِرُ بنيَّةِ الفطرِ فيقعُ الجِماعُ بعدَه. وإنْ طاوعَتِ (١) المرأةُ عامدةً عالمةً، فالكفارةُ أيضًا. (وإنْ جامعَ في يومَيْن) مُتَفَرِّقَيْن أو متواليَيْن (فكفَّارتان) لأنَّ كل يومٍ عبادةٌ مُفْرَدةٌ (٢) (وإنْ أعادَه) أي: الوطءَ (في يومه) الذي وَطِئَ فيه (فـ) كفَّارةٌ (واحدةٌ، إنْ لم يكنْ كفَّر لِـ) ـلْوَطءِ (الأوَّلِ) فإنْ فعلَ، بأنْ جَامَعَ، ثمَّ كفَّر، ثمَّ جامَعَ في يومِه، لزمَهُ كفَّارةٌ ثانية؛ لأنَّه وَطْءٌ محرَّمٌ، وقد تكرَّر، فتتكرَّرُ (٣) هي، كالحجِّ. (ومن جامَعَ) وهو مُعَافًى (ثمَّ مَرِض، أو جُنَّ، أو سافرَ ونحوه) كما لو ماتَ في يومه الذي جامَعَ فيه (لم تَسقُط) الكفَّارةُ عنه؛ لاستقرَارها. (ولا كفَّارةَ) واجبةٌ (بغيرِ جماعٍ في) صيامِ. (نهارِ رمضان) لأنَّه لم يَرِد فيه نَصٌّ، وغيرُه لا يساويه.

стр. 842

وهي عتقُ رقبةٍ، فإنْ لم يجد، فصيامُ شهرَيْن متتابعَيْن، فإن لمْ يستطِع، فإطعامُ ستِّينَ مسكينًا، فإنْ عَجَز، سقطت. فصلٌ كُرِه لصائمٍ جمعُ ريقِه فيبلعَه، وذوقُ طعامٍ، والنَّزعُ جِمَاعٌ. والإنزالُ بالمساحَقَة من مجبوبٍ أو امرأتينِ كالجماع، كما في "المنتهى" (١). (وهي) أي: كفَّارةُ الوطءِ في نهارِ رمضان (عتقُ رقبةٍ) مُؤمنةٍ، سليمةٍ من العيوبِ الضَّارَّة بالعمل (فإنْ لم يجد) رقبةً (فصيامُ شهرين مُتتابعَين، فإن لمْ يستطِع) الصومَ (فإطعامُ ستِّينَ مسكينًا) لكلِّ مسكينٍ مُدُّبُرٍّ، أو نصفُ صاع تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أقطٍ. (فإن عَجَز) عمَّا يُطْعِمه للمساكين (سَقَطت) الكفَّارةُ؛ لأنَّ الأعرابيَّ لمَّا دفعَ إليه النبي ﷺ التمرَ ليُطعمَهُ للمساكين، فأخبرَه بحاجته، قال: "أطعمْهُ أهْلَكَ" (٢). ولم يأمرْهُ بكفَّارةٍ أُخرى، ولم يَذكُرْ له بقاءَها في ذمَّتِه، بخلافِ كفَّارة حجٍّ وظِهارٍ ويمينٍ ونحوها. ويسقطُ الجميعُ بتكفيرِ غيرهِ عنه بإذنه. فصل فيما يُكره ويُستحَبَّ في الصَّوم، وحُكْم القضاء (كُرِهَ لصائمٍ جَمْع ريقه فيبلعَه) بالنصبِ بأنْ مضمرةً، عطفًا على المصدر المتقدِّم، للخروجِ من خلافِ من قال بِفِطْرِه. (و) كُرِهَ له (ذَوقُ طعامٍ) ولو لحاجةٍ.

стр. 843

وعِلْكٌ قويٌّ، فإنْ وَجدَ طعمَهُما بحلقِه، أفطر، وحَرُم مضغُ عِلْكٍ يتحلَّلُ مطلقًا، وبلعُ نخامةٍ، ويفطِرُ بها. وتكرُه قُبْلةٌ، ودواعي وطءٍ لمن تحرِّك شهوتَه. (و) مَضْغُ (عِلْك قويٍّ) وهو الذي كلَّما مضغتَه صَلُبَ وقوِيَ؛ لأنَّه [يجلبُ الفم] (١)، ويَجمعُ الرِّيقَ، ويورثُ العطشَ. (فإن وَجَد طعمَهُما) أي: الطَّعام والعِلْك (بحَلْقِه، أَفطر) لأنَّه أوصلَه إلى جَوْفه (وحَرُم) على صائمٍ (مَضْغُ عِلْكٍ يتحلَّل مُطْلقًا) أي: سواء بَلَع ريقَه أوْلا. (و) حَرُم (بَلعُ نُخامةٍ) سواء كانت من جَوفِه أو صَدْرِه أو دِماغه (ويفطِر بها) أي: بالنُّخامة إنْ وصَلَت إلى فمه؛ لأنَّها من غير الفم. وكذا إذا تنجَّس فمهُ بدمٍ أو قَيْءٍ ونحوه، فبلَعَه، وإن قلَّ؛ لإمكان التحرُّز عنه (٢). (وتُكرَه قُبْلةٌ، ودواعي وطءٍ) كلمسٍ، وتكرارِ نظرٍ (لمن) أي: لصائمٍ (تحرّكُ) القُبلةُ والدَّواعي (شهْوتَه) لأنَّه ﷺ نَهى عنها شابًّا، ورخَّص لشَيخٍ. رواه أبو داود من حديث أبي هريرة (٣). وتَحرُم إن ظنَّ إنزالًا.

стр. 844

ويجبُ اجتنابُ كذبٍ، وغيبةٍ، وشتمٍ. وسُنَّ لمن شُتِم قول: إنِّي صائم. وتأخيرُ سُحورٍ، (ويجبُ) مطلقًا (١) (اجتنابُ كذبٍ، وغيبةِ) ونميمةٍ (وشَتمٍ) لقوله ﷺ : "من لم يَدَع قولَ الزُّور، والعملَ به، فليسَ لله حاجةٌ في أنْ يدَع طعامَه وشرابَه" رواه أحمد والبخاري (٢). ومعنى قوله (٣): "حاجةٌ": أي: رضاءٌ ومحبَّةٌ. قال أحمد: ينبغي للصَّائم أن يتعاهد صومَه من لسانه، ولا يماري، ويصونَ صومَه؛ كانوا (٤) إذا صاموا، قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظُ صومَنا، ولا نغتابُ أحدًا، ولا نعملُ عملًا نجرح (٥) به صومَنا (٦). (وسُنَّ) لصائمٍ كثرةُ قراءةٍ وذِكرٍ وصدقةٍ، وكَفُّ لسانِهِ عمَّا يُكرَهُ. وسُنَّ (لمن شُتِمَ قولُ: إنِّي صائم) جَهْرًا؛ لقوله ﷺ : "فإنْ شاتَمَه أحدٌ، أو قاتَلَه، فليقُلْ: إنِّي صائم" (٧). (و) سُنَّ (تأخيرُ سُحورٍ) إن لم يَخشَ طلوعَ فجرٍ ثانٍ؛ لقول زيد بن ثابت: تَسَحَّرْنا مع النبيِّ ﷺ ، ثمَّ قُمنا إلى الصلاة. قلتُ: كم كانَ بينهما؟ قال: قدرُ خمسينَ آية. متَّفَقٌ عليه (٨). وتحصلُ فضيلتُه بشُرْبٍ، وكمالُها بأَكلٍ. وكُرِه جمِاعٌ مع شَكٍّ في طلوعِ فجرٍ، لا سحور.

стр. 845

وتعجيلُ فِطْرٍ، وكونُه على رُطَبٍ، فإنْ لم يكن فتمرٌ، وإلا فماء، وقولُه عنده: اللهُمَّ لك صُمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِك، اللهمَّ تقبل منِّي إنَّك أنتَ السميعُ العليم. ومن فاتُه رمضان، قَضَى عددَ أيَّامه، وسُنَّ فورًا متتابِعًا، ويَحرُم تأخيرُه إلى رمضان آخَر بلا عذرٍ، (و) سُنَّ (تعجيلُ فطرٍ) لقوله ﷺ : "لا يَزَالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْرَ" متَّفقُ عليه (١). والمراد: إذا تحقَّقُ غروبُ الشَّمس. وله الفطرُ بغلَبَةِ الظَّنِّ. (و) سُنَّ (كونُه على رُطَبٍ) لحديث أنسٍ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُفْطِر على رُطَبَات قبل أنْ يُصلِّي، فإنْ لم تكنْ، فَعَلَى تَمرَاتٍ، فإنْ لم تكنْ تَمَراتٌ، حَسا حسواتٍ من ماء. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسنٌ غريب (٢). (فإنْ لم يكنْ) الرُّطبُ (فتَمْرٌ) إنْ وجَد (وإلَّا) يوجد (فـ) يُفطرُ على (ماء) لما تقدَّم. (وقولُه عندَه)، أي: الفِطر ما وردَ، ومنه: (اللهُمَّ لك صُمْتُ وعلى رزقِك أَفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِكَ، اللهمَّ تقبَّل منِّي إنَّك أنتَ السميعُ العليم) (٣). (ومن فاتَهُ رمضان، قَضَى عددَ أيَّامه) تامًّا كان أو ناقصًا. (وسُنَّ) قضاءُ رمضان (فورًا متتابعًا) لأن القضاء يحكي الأداء، سواءٌ أفْطَرَ بسببِ محرَّمٍ، أَوْ لا. وإنْ لم يَقْضِ على الفَورَ، وَجَبَ العزمُ عليه. (ويحرم تأخيرُه) أي: القضاء (إلى رمضان آخر بلا عذرٍ) لقول عائشة: كان يكونُ عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أنْ أقضيَه إلَّا في شعبان؛ لمكانِ رسول الله ﷺ .
следующие страницы →