← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1270

هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي

ابن قائد

Полный текст (1 389 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ويحرُمُ أيضًا معه عقدُ نكاحٍ، ولا يصح، ولا فديةَ، وتصحُّ الرَّجعةُ، ويحرمُ أيضًا جماعٌ، و (١) مُذَكَّى في حقّ المضطرِّ، فيكونُ نجسًا طاهرًا بالنِّسبةِ إليهما، وفيه نظرٌ، انتهى. ويمكنُ الجوابُ: بأَنَّا لا نسلِّمُ أن كلامَ "الإقناع" و"المنتهى" يقتضي ذلك؛ إذ الظاهرُ أَنَّ معنى قولِهما: "إنَّه ميتةٌ" أي: كالميتةِ في الحِلِّ والحرمةِ، لا منْ كلِّ وجهٍ حتى في (١) النجاسةِ، إذ المشبَّهُ لا يُعطى حكمَ المشبَّهِ به من كلِّ وجهٍ، ويدلُّ على ما ذكرنا تفريعُهم على ذلك: أنَّه لا يباحُ إِلَّا لمن يباحُ له أَكلُها. والله أعلم. والسَّابع: عَقدُ النِّكاحِ، وفد ذكره بقوله: (و (١) يحرمُ أيضًا معه) أَي: حالَ الإحرامِ (محقدُ نكاحٍ) فلو تزوَّجَ مُحْرِمٌ، أو زوَّجَ مُحْرِمةً، أو كان وليًّا أو وكيلًا في النِّكاح، حَرُم (ولا يصحُّ) لما روى مسلم عن عثمانَ مرفوعًا: "لا يَنكحُ المُحْرِم، ولا يُنْكَحُ" (٢). (ولا فديةَ) في عقدِ النكاحِ كشراءِ الصَّيدِ، ولا فرقَ ببن الإحرامِ الصَّحيحِ والفاسد. وكرهَ لمحرمٍ أن يخطبَ امرأةً كخطبةِ عقدِه، أو حضورِه، أو شهادتِه فيه. (وتصحُّ الرَّجعةُ) أي: لو راجَعَ المحرمُ امرأتَه، صحَّت بلا كراهةٍ؛ لأنَّه إمساكٌ. وكذا شراءُ أمَةٍ لوطءٍ. والثامن: الوطءُ، وإليه الإشارةُ بقولهِ: (ويحرمُ أَيضًا جماعٌ) فإنْ فعلَ بأنْ غيَّبَ المحرمُ الحشفةَ في قبُلٍ أو دُبُرٍ من آدميٍّ أو غيرِه، حَرُم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ

стр. 877

ويفسدُ نسكهُما قبلَ تحللٍ أوَّل، لا بعدَه، ويمضيان في فاسدِه، ويقضيان فورًا. فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابنُ عباس: هو الجماعُ (١). (ويفسدُ نسكهُما) أي: الواطئ والموطوءة، إنْ كان الوطءُ (قبلَ تحلُّلٍ أوَّل) ولو بعدَ الوقوفِ بعرفةَ، ولا فرقَ بينَ العامد والسَّاهي؛ لقضاءِ بعضِ الصَّحابةِ بفسادِ الحجِّ ولم يستفصل (٢). و (لا) يفسدُ نسكهُما إنْ كان الوطءُ (بعدَه) أي: بعدَ التَّحلُّلِ الأوَّلِ، لكنْ عليه شاةٌ، و [المضيُّ للحلِّ؛ لفساد إحرامه] (٣)، كما في "الإقناع" (٤)، فيُحرِمُ منه لطوافِ الزِّيارةِ (٥). (ويمضيان في فاسده) أي: يجبُ على الواطئ والموطوءة المضيُّ في النُّسكِ الفاسِد، ولا يخرجان منه بالوطءِ، رُوي عن عمر وعليٍّ وأبي هريرة وابن عباس (٦)، فحُكمُهُ كالإحرامِ الصَّحيحِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (ويقضيانـ) ـه وجوبًا (فورًا) أي: ثاني عامِه، رُويَ عن ابن عباس وابن عمر (٧). وغيرُ المكلَّفِ يقضي بعد تكليفِه، وحَجَّةُ الإسلامِ فورًا من حيث أحرمَ أَوَّلًا إنْ كان قبل

стр. 878

وتحرُمُ المباشرةُ دون الفرْجِ، ولا تُفسِدُ ولو أنزلَ. والمرأةُ كالرَّجلِ، إلَّا في اللِّباسِ، وتغطيةِ الرَّأسِ وتظليلِ مَحْمِلٍ، ويحرمُ عليهما القُفَّازانِ. ميقاتٍ، وإلَّا، فمنه وسُنَّ (١) تفرُّقهما (٢) في قضاءٍ من موضعِ وطءٍ إلى أن يحلَّا. ونفقةُ مكرهةٍ (٣) على مُكرِهٍ، وإلَّا، فعليها. وعمرةٌ كحجٍّ، فيفسدُها قبلَ تمامِ سعيٍ لا بعدَه، وقبلَ حَلقٍ، وعليه شاةٌ، أي: في الصورتين. والتَّاسع: المباشرةُ دونَ الفَرجِ، وذكرهَا بقوله: (و (٤) تحرُمُ المباشرةُ) أي: مباشرةُ الرَّجلِ المرأةَ (دون الفرْجِ ولا تُفسِدُ) المباشرةُ النُّسكَ (ولو أنزلَ) وعليه بَدَنةٌ، إِنْ أنزلَ بمباشرةٍ، أَو قُبْلةٍ، أَو تكرارِ نظرٍ، أَو لمسٍ لشهوةٍ، أَو أَمنى باستمناءٍ؛ قياسًا على بَدَنة الوطءِ، وإنْ لم ينزلْ، فشاةٌ كفدية أذًى (٥). وخطأٌ في ذلك كعَمْدٍ. (والمرأةُ كالرَّجلِ) فيما تقدَّمَ (إلا في اللِّباس) أي: لباسِ المخيطِ (و) إلَّا في (نغطيةِ الرَّأسِ وتظليلِ مَحْمِلٍ) فلا يحرمُ ذلك عليها. (ويحرُم عليهما) أي: على الرَّجل والمرأةِ (القُفَّازان) وهما: شيءٌ يُعْملُ لليدين يُدخَلان فيه، يسترُهما من الحرِّ (٦)، كما يُعملُ للبُزَاة، وَيفديان بلبسهما. ويحرمُ على المرأةِ أيضًا البُرْقعُ (٧)؛ لقوله ﷺ : "لا تتنقبِ المرأةُ، ولا تَلْبَسِ القُفَّازيْن" رواه

стр. 879

وإحرامُها في وجهِها، فلا تُغطِّيه، وتسدُلُ لحاجةٍ. فصل يُخيَّر في فِدْيةِ حَلْقٍ، وتقليمٍ، وتغطيةِ رأسٍ، وطِيبٍ، بين صيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو إِطعامِ ستَّةِ مساكين، كلُّ مسكينٍ مدَّ بُرٍّ، أو نصفَ صاعٍ تمرٍ، أو شعيَرٍ، أو ذبحِ شاةٍ. البخاريُّ وغيرُه (١). (وإحرامُها) أي: المرأةِ (في وجهها، فلا تُغطِّيه) لقوله ﷺ : "إحرامُ الرَّجلِ في رأسهِ، وإحرامُ المرأةِ في وجهها" (٢) فتضعُ الثَّوبَ فوقَ رأسِها (وتسدلُ) على وجهها (لحاجةٍ) كمرورِ الرِّجالِ قريبًا منها. ويُباحُ لها التَّحلِّي بنحو خَلخالٍ وسوارٍ ودُمْلُج (٣). ويُسنُّ لها خضابٌ عندَ إحرامٍ، وكُرِهَ بعدَه. وكُرِهَ لهما اكتحالٌ بإثمدٍ لزينةٍ. ولهما لبسُ معصفرٍ وكحليٍّ، وقطعُ رائحةٍ كريهةٍ بغير طيبٍ. وله لبسُ خاتمٍ. ويجتنبان الرَّفثَ والفسوقَ والجدالَ. وتُسنُّ قلَّةُ كلامِهما إلَّا فيما ينفعُ. فصل (يُخيَّرُ في فِدْيةِ حَلْقٍ) فوقَ شعرتين (وتقليمٍ) فوقَ ظُفرين (وتغطيةِ رأسٍ وطيبٍ) ولُبسِ مخيطٍ (بين صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، أو إطعامِ ستَّةِ مساكين) يُعطى (كلُّ مسكينٍ مدَّبُرٍّ، أَو نصفَ صاعٍ تمر، أو شعيرٍ، أو ذبحِ شاةٍ) لقوله ﷺ لكعبِ بن عُجْرة: "لعلَّك آذاك هَوَامُّ رأسِك"؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال: "احلِق رأسَك، وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ (٤)، أو أَطْعم ستَّةَ مساكين، أو انسُك شاةٍ" متفق عليه (٥). و"أو" للتَّخيير، وألحقَ الباقي بالحلق.

стр. 880

وفي جزاءِ صيدٍ بين ذبحِ مِثْلٍ إنْ كان، وإطلاقِه لمساكينِ الحَرَمِ، أو تقويمِه بدراهمَ يشتري بها طعامًا يجزئُ في فطرةٍ، فيطعمُ كُلَّ مسكينٍ مدَّ بُرِّ، أو نصفَ صاعٍ من غيرِه، أو يصومُ عن طعامِ كلِّ مسكينٍ يومًا. وأمَّا دمُ تمتُّع وقِرانٍ، فهَدْيٌ، فإن عَدِمه، صام ثلاثةَ أيَّامٍ في الحجِّ، والأفضلُ: كونُ آخرِها يومَ عرفة، وسبعةً إذا فرغَ من أفعالِ الحجِّ. ويجبُ بوطءٍ في فَرْجٍ وبمباشرةٍ (و) يُخيَّر (في جزاءِ صيدٍ بين ذبحِ مثل) الصَّيد (إنْ كانَ) له مِثلٌ من النَّعَم (وإطلاقِه) أي: المثلِ، أَي: إِعطائِه ودفعِه (المساكينِ الحَرَم) وهو: المقيمُ به والمجتازُ ممَّنْ له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ (أو تقويمهِ) أي: المثلِ بمحلِّ التَّلفِ، أو قُربهِ (بدراهمَ يشتري بها طعامًا يجزئُ، في فطرةٍ) أو يُخرجُ بقدرِه من طعامِه (فيطعمُ كلَّ مسكينٍ مُدَّ برٍّ، أو نصفَ صاعٍ من غيره) كتمرٍ وشعيرٍ (أو يصومُ عن طعام كلِّ مسكينٍ يومًا) لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [٩٥ من سورة المائدة]. وإن بقيَ دونَ مدِّ بُرٍّ، صامَ يومًا، ويخيَّرُ فيما لا مثلَ له بينَ إطعامٍ وصيامٍ. (وأَمَّا دمُ تمتُّعٍ وقِرانٍ، فـ) يجبُ (هَدْيٌ) بشرطِه السَّابقِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والقارنُ بالقياسِ على المتمتِّعِ (فإنْ عَدِمه) أي: الهَدْيَ، أو عَدم ثمنَه ولو وجدَ من يُقرضُه (صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحجَّ، والأَفضلُ كونُ آخِرها يومَ عرفة) وإنْ أَخَّرَها عن أيَّام مِنًى، صامَها بعدُ، وعليه دَمٌ مطلقًا، أي: سواءٌ أخَّرَ الصَّومَ لعذرٍ، أَوْلا (و) صامَ (سبعة) أيَّامٍ (إذا فرغَ من أَفعالِ الحجِّ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعُلِمَ من كلامِه: أَنَّ له صومَها بعدَ أَيَّامِ مِنًى وفراغِه من أفعالِ الحجَّ، ولا يجبُ تتابعٌ ولا تفريقٌ في الثَّلاثةِ ولا السَّبعةِ. (ويجبُ بوطءٍ في فرْجٍ وبمباشرةٍ (١)) دونَه

стр. 881

مع إنزالٍ في الحجِّ قبلَ تحلُّلٍ أوَّل بَدَنةٌ، وبعدَه وفي العمرةِ شاةٌ، وكذا هي إنْ طاوعتْه. ومن كرَّرَ محظورًا من جنسٍ قبلَ فديةٍ، فواحدةٌ، إلَّا في صيد، ومن أجناسٍ لكلِّ جنسٍ فداء، رفضَ إحرامَه، أَوْ لا. (مع إنزالٍ في الحجِّ قبلَ تحلُّلٍ أَوَّل بدنةٌ) فإنْ لم يجدْها، صامَ عَشَرةَ أيامٍ: ثلاثةً في الحجِّ وسبعةً إذا رجعَ؛ لقضاءِ الصَّحابةِ (١). (و) يجبُ إنْ فعلَ ذلك في الحجِّ (بعده) أي: بعد التحلُّل الأوَّلِ شاةٌ، (و) كذا إنْ فعله (في العمرة) وجبَ عليه (شاةٌ، وكذا هي) أي: المرأةُ (إنْ طاوعتْه) فيلزمُها ما ذُكرَ منَ الفديةِ في الحجِّ والعُمرةِ. وعُلمَ منه: أَنَّه لا فديةَ على مكرَهةٍ. (ومَن كرَّرَ محظورًا من جنسٍ) واحدٍ بأنْ حلقَ، أو قلَّمَ، أو لَبِسَ مخيطًا، أو تطيَّبَ، أو وطئَ ثُمَّ أعادَه (قبلَ فديةٍ) لما سبقَ (فـ) عليهِ فديةٌ (واحدةٌ) سواءٌ فَعَلَه متتابعًا، أو متفرِّقًا؛ لأنَّ الله تعالى أَوجَبَ في حَلقِ الرَّأسِ فديةً واحدةً، ولم يفرِّقْ بينَ ما وقعَ في دَفعةٍ أو دَفَعاتٍ. وإنْ كفَّرَ عن السَّابقِ، ثمَّ أَعادَه، لزمتْةُ الفديةُ ثانيًا (إلَّا في صيدٍ) ففيه بعددِه، ولو في دَفعةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. (و) من فعلَ محظورًا (من أَجناسٍ) بأنْ حلقَ، وقلَّمَ أظفارَه، ولبسَ المخيطَ، فعليهِ (لكلِّ جنسٍ فداؤُه) الواجبُ فيه، سواءٌ (رَفَضَ) أي: قطعَ (إحرامَه، أَوْ لا) إذ التحلُّلُ مع (٢) الحجِّ لا يحصلُ إلَّا بأحدِ ثلاثةِ أشياءَ: كمالِ أفعاله، أو التَّحلُّلِ عندَ الحصْرِ، أو بالعذرِ إذا شَرَطَه في ابتدائِه، وما عَدا هذه لا يتحلَّلُ به، ولو نوى

стр. 882

ويسقطُ بنسيانٍ، وجهلٍ، وإكراهٍ، فديةُ لُبْسٍ وطِيْبٍ، وتغطيةِ رأسٍ، دونَ وطءٍ، وصيدٍ، وحَلْقٍ، وتقليمٍ. وكلُّ هديٍ أو إِطعامٍ فلمساكينِ الحرمِ، إلَّا دمَ أذًى ولُبسٍ، ونحوِهما، التَّحلُّلَ، لم يَحلَّ، ولا يفسدُ إحرامُه برفضِه، بل هو باقٍ يلزمُه (١) أحكامُه، وليسَ عليه لرفضِ الإِحرام شيءٌ. (ويسقطُ بنسيانٍ، وجهلٍ، وإكراهٍ، فديةُ لُبْسٍ، وطِيْبٍ، وتغطيةِ رأسٍ) لحديثِ: "عُفِي لاُمَّتي عن الخطأ، والنِّسيانِ، وما استُكرهُوا عليه" (٢). ومتى زال عذرُه، أزالَه في الحال (٣) (دون) فديةِ (وَطْءٍ، وصيدٍ، وحَلْقٍ، وتقليمٍ) فتجبُ مطلقًا؛ لأنَّ ذلك إتلافٌ، فاستوى عمدُه وسَهْوه، كَمَالِ الآدميِّ (٤)، فإن استدامَ لُبسَ مخيطٍ أحرمَ فيه ولو لحظةً فوقَ المعتادِ من خلعه، فَدى ولا يشُقُّه. (وكلُّ هَدْيٍ أَو اِطعامٍ) يتعلَّقُ بِحَرمٍ أو إحرامٍ، كجزاءٍ صيدٍ، ودَمِ مُتعةٍ، وقِرانٍ، ومنذورٍ، وما وجَبَ لتركِ واجبٍ، أو فعلِ محظورٍ في الحرم (فـ) إِنَّه يلزمُه ذبحُه بالحرم. قال (٥) أحمد: مكَّةُ ومِنًى واحدٌ. والأفضلُ نَحْرُ ما بحجٍّ بمنى، وما بعُمرةٍ (٦) بالمروْةِ، ويلزمُ تفرقةُ لحمِه، أو إطلاقُه (لمساكينِ الحرمِ) لأنَّ القصدَ التَّوسعةُ عليهم، وتقدَّم أنَّهم المقيمُ به، والمجتازُ مِنْ حاجٍّ وغيرِه ممَّن لهَ أَخذُ زكاةٍ لحاجةٍ، وإنْ سلَّمه لهم حيًّا فذبحوه، أجزأ، و إلَّا، ردَّه وذبحَه (إلَّا دمَ أذًى) أي: حلقٍ (و) دمَ (لُبسٍ ونحوِهما) كطِيْبٍ وتغطيةِ رأسٍ

стр. 883

فبه (١)، وحيثُ فعلَه. ودمُ إحصارٍ حيثُ أحْصِرَ، ويجزئُ صومٌ، وحَلْقٌ بكلِّ مكانٍ. والدَّمُ شاةٌ، أو سُبُع بَدَنةٍ أو بقرةٍ. فصل (فـ) لا يتعيَّن بالحَرَمِ، بل يجزئ (به) أي: بالحرمِ (و) يجزئ (حيثُ فعلَه) من حِلٍّ، أو حَرَمٍ، وكذا كلُّ محظورٍ فَعَلَه خارجَ الحرم. (ودمُ احصارٍ حيثُ أُحصِرَ) لأنَّه ﵊ نَحَرَ هدْيَه في موضعِه بالحُدَيْبيِة (٢). وهي من الحلِّ. (ويجزئُ صومٌ وحلقٌ بكلِّ مكانٍ) لأَنَّه لا يتعدَّى نفعُه لأحدٍ؛ فلا فائدةَ لتخصيصه. (والدَّمُ) المطلَقُ كأضحيةٍ (شاةٌ) جَذَعُ ضأنٍ، أو ثنِيُّ مَعْزٍ (أو سُبعُ بَدَنةٍ أو بقرةٍ) فإنْ ذبحَها، فأفضلُ، وتجبُ كلُّها. وتجزئُ بقرةٌ عن بدَنةٍ ولو في جزاءِ صيدٍ، كعكسهِ. وعن سَبعِ شياهٍ بدنةٌ، أو بقرةٌ مطلقًا (٣). فصلٌ في جزاءِ الصَّيدِ وهو مِثْلُه في الجملة إنْ كان، وإلَّا، فقيمتُه. فيجبُ المِثلُ من النَّعمِ فيما له مِثلٌ؛ لقرلهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وجعلَ النبي ﷺ في الضَّبعِ كبشًا (٤). ويرجَعُ فيما قضت فيه الصَّحابةُ إلى ما قَضَوْا به، فلا يُحتاجُ أنْ يُحكمَ عليه مرَّةً أُخرى؛ لأَنَّهم أعرفُ، وقولُهم أقربُ إلى الصَّوابِ؛ ولقوله ﷺ : "أَصحابي

стр. 884

في النَّعامة بَدَنةٌ، وفي حمارِ الوحشِ [و] (١) بقرِه، كالنُّجومِ، بأيِّهمُ اقتديتُم، اهتديتم" (٢). ومنه (في النَّعامة بَدَنةٌ) رُوي عن عمرَ وعثمان وعليٍّ وزيدٍ وابن عباس ومعاويةَ (٣)؛ لأَنَّها تشبهها. (وفي حمارِ الوَحشِ) بقرةٌ. رويَ عن عمر (٤) (و) في (بقره) أي: الوَحْشِ، أي: في الواحدةِ منه بقرةٌ. رُوي عن ابن مسعود (٥).

стр. 885

وفي الوَعَل بقرةٌ، وفي الضَّبُعِ كبشٌ، وفي الغزال عنزٌ، [وفي وَبْرٍ وضَبٍّ جَدْيٌ، وفي يربوع جفرة] (١)، (وفي الوَعَلِ بقرةٌ) رُوِيَ عن ابن عمر أَنَّه قال: في الأرْوَى بقرةٌ (٢). قال في "الصِّحاح" (٣): الوَعَلُ: هي الأرْوى. وفي "القاموسِ" (٣): الوَعل -بفتحِ الواوِ مع العين وكسرِها وسكونها- تَيْسُ الجبل. (وفي الضَّبُعِ كبشٌ) قال الإِمامُ: حكمَ فيها رسولُ الله ﷺ بكبش (٤). (وفي الغزالِ عَنْزٌ) رُوي عن جابر عنه ﷺ أنَّه قال: "في الظَّبيِ شاةٌ" (٥). (وفي وَبْرٍ) وهو: دُوَيبَّةٌ كحْلاءُ (٦) دونَ السِّنورِ لا ذَنبَ لها (٧)، جَدْيٌ. (و) في (ضَبٍّ جَدْيٌ) قَضَى به عمر وأرْبد (٨). والجَدْيُ: الذَّكرُ من أَولادِ المعزِ، له ستَّةُ أَشهرٍ (٩). (وفي يَرْبوعٍ جَفْرةٌ) لها أربعةُ أشهرٍ (١٠)، رُويَ عن عمر (١١) وابن مسعود (١٢).

стр. 886

وفي أرنبٍ عَنَاقٌ، وفي حمامةٍ شاةٌ، وما لا مِثْلَ له، فيه قيمتُه. (وفي أَرنبٍ عَنَاقٌ) رُويَ عن عمر (١). والعَنَاقُ: الأُنثى من أولادِ المعزِ، أصغرُ من الجَفْرةِ (٢). (وفي حمامةٍ شاةٌ) حَكَمَ به عمرُ (٣) وعثمان (٤) وابنُ عمر (٥) وابن عباس (٦) ونافعُ ابن عبد الحارث (٧) في حمامِ الحرمِ، وقِيسَ عليه حمَامُ الإحرام. والحَمامُ: كلُّ ما عَبَّ الماءَ وهَدَرَ (٨)، فيدخلُ فيه الفواختُ (٩) والوَراشينُ (١٠) والقَطَا (١١) والقُمْرِيُّ (١٢) والدُّبْسيُّ (١٣). وما لم تقضِ فيه الصَّحابةُ، يُرجَعُ فيه إلى قولِ عدليْنِ خَبيرين (ومالا مِثْلَ له) كباقي الطَّيرِ، ولو أكبرَ من الحمامِ (فيه قيمتُه).

стр. 887

فصل يحرمُ صيدُ حَرَمِ مكَّةَ على مُحِلٍّ ومُحرِمٍ. وحكمُه كصيدِ مُحرِمٍ، ويحرُمُ قطعُ شجرِه وحشيشِه، إلَّا اليابسَ والإِذخِرَ. وعلى جماعةٍ اشتركوا في قتلِ صيدٍ، جزاءٌ واحدٌ. فصلٌ في صيدِ الحرَمين (يحرمُ صيدُ حَرَمِ مكَّةَ على مُحلٍّ ومُحرِمٍ) إجماعًا (١)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ يومَ فتحِ مكَّةَ: "إنَّ هذا البلدَ حرَّمه اللهُ يومَ خَلَقَ السَّماوات والأَرضَ، فهوَ حرامٌ بحرمة الله، إلى يوم القيامةِ" (٢). (وحكمهُ) أي: حكمُ صيدِ الحرمِ (كصيدِ مُحرِمٍ) في وجوبِ الجزاءِ، حتَّى على الصَّغير والكافرِ، لكنْ بَحْرِيُّه، لا جزاءَ فيه. (ويحرمُ قطعُ شجره) أي: شجر الحرمِ (وحشيشه) اللَّذَيْنِ لم يزرعْهما آدميٌّ؛ لحديثِ: "ولا يعْضَدُ شجرُها" (٣)، "ولا يُحَشُّ حشيشُها" (٤). (إِلَّا اليابسَ والإذخِرَ) فيجوزُ قطعُهما، والإِذخرُ: حشيشٌ طيِّبُ الرِّيحِ (٥). ويباحُ انتفاعٌ بما زالَ، أو انكسرَ بغيرِ فعلِ آدميٍّ، ولو لم ينفصلْ.

стр. 888

ويحرمُ صيدُ حَرَمِ المدينةِ، وهو: ما بين لابَتَيْها، ولا جزاءَ فيه. وتُضمنُ شجرةٌ صغيرةٌ عُرفًا بشاةٍ، وما فوقها ببقرة. رُويَ عن ابنِ عباس (١). ويُفعلُ فيهما كجزاءِ صيدٍ، ويُضمنُ حشيشٌ وورَقٌ بقيمتهِ، وغُصنٌ بما نَقَصَ، فإن استخلفَ شيءٌ منها، سقطَ ضمانُه، كردِّ شجرةٍ فنبتتْ، لكنْ يُضمَنُ نقصُها. (ويُحرُمُ صيدُ حَرَمِ المدينةِ) لحديثِ عليٍّ: "المدينةُ حرامٌ، ما بينَ عَيْرٍ إلى ثورٍ" (٢)، "لا يُختلى خَلاها -أي: لا يُحشُّ حشيشُها لغير العلف- ولا ينفَّرُ صيدُها، ولا يصلحُ أنْ تقطعَ منها شجرةٌ، إلَّا أنْ يَعلِفَ رجلٌ بعيرَه" رواه أبو داود (٣). (وهو) أي: حَرَمُ المدينةِ؛ بريدٌ في بريدٍ (٤)، وهو ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، كما تقدَّم، وذلك (ما بين لابَتَيها) تثنيةُ لابةٍ، وهي: الحَرَّةُ، أي: أرضٌ تركبُها حجارةٌ سودٌ (٥) (ولا جزاءَ فيه) أي: فيما حَرُمَ من صيدِها، وشجرِها، وحشيشها. قال الإِمامُ أحمد في روايةِ بكر ابن محمد (٦): لم يبلغْنا أن النبيَّ ﷺ ، ولا أَحدًا من الصحابةِ (٧)، حكموا فيه بجزاء.

стр. 889

ويباحُ الحشيش للعلفِ، وآلة حرثٍ ونحوه من شجرِه. (ويباحُ) أخذ (الحشيش) من حرم المدينةِ (للعلفِ) لما تقدَّمَ. (و) يباحُ اتِّخاذُ (آلةِ حرثٍ ونحوهِ) كمساندَ، وآلةِ رَحْلٍ (من شجرِه) أي: شجرِ حَرَمِ المدينةِ؛ لما رَوى أحمدُ عن جابرِ بن عبد اللهِ، أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا حرَّمَ المدينة، قالوا: يا رسولُ، إِنَّا أَصحابُ عملٍ، وأَصحابُ نَضْحٍ، وإِنَّا لا نستطيعُ أَرضًا غيرَ أرضِنا، فرخِّصْ لنا. فقال: "القائمتان، والوسادةُ، والعارِضةُ، والمسْنَدُ، فأمَّا غيرُ ذلك، فلا يُعضَدُ، ولا يخبطُ منها شيءٌ" (١). والمسندُ: عودُ البكرةِ. ومن أَدخلَها صيدًا، فلهُ إمساكُهُ وذبحُه.

стр. 890

باب دخول مكَّة يُسَن دخولُ مكَّةَ نهارًا مِنْ أعلاها، والمسجدِ من بابِ بني شيبةَ. (بابٌ) بالتنوينِ؛ أي: هذا بابُ (دخولِ مكَّةَ)، وما يتعلَّقُ به من طوافٍ وسَعْيٍ. (يُسَنُّ دخولُ مكَّةَ نهارًا) للخبرِ (١)، ولا بأسَ به (٢) ليلًا (مِنْ أَعلاها) من ثَنِيَّةِ كَداءٍ -بالفتحِ والمدِّ، مصروفًا وغيرَ مصروفٍ- وخروجٌ من أسفِلها، من ثنيَّة كُدًى، بالضَّمِ والتَّنوينِ (٣). (و) يُسَنُّ دخولُ (المسجد) الحرامِ (من بابِ بني شيبةَ) لما روى مسلم وغيرهُ عن جابرٍ: أن النَّبيَّ ﷺ دخلَ مكَّةَ ارتفاعَ الضُّحى، وأناخَ راحلتَه عندَ بابِ بني شيبةَ، ثُمَّ دخلَ (٤). ويسَنُّ أنْ يقولَ عندَ دخولِه: بسم الله وبالله ومن اللهِ وإلى اللهِ، اللهمَّ افتحْ لي أبوابَ فضلِكَ. ذكرَه في "أسباب الهداية" (٥).

стр. 891

وإذا رأى البيتَ رَفَعَ يَدَيْه، وقال: اللهمَّ أنتَ السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، حَيِّنَا ربَّنا بالسَّلام، اللهمَّ زدْ هذا البيتَ تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابةً، وبِرًّا. [وزِد من عظَّمه وشرَّفه -ممَّن حجَّه واعتمره- تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًّا] (١)، الحمدُ لله ربِّ العالمين كما هو أهلُه، وكما ينبغي لِكرَمِ وجهِه وعزِّ جلالِه، والحمدُ للهِ الذي بلَّغني بيتَه، (وإذا رأى البيتَ، رفعَ يَدَيْهِ)، لفعلِه ﷺ ، رواهُ الشافعيُّ (٢) عن ابن جُرَيج. (وقال) بعدَ رفعِ يديه: (اللهمَّ أنتَ السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، حَيِّنا ربَّنا بالسَّلامِ). روى الشافعيُّ أنَّ ابنَ عمرَ كان يقولُه (٣) والسَّلامُ الأوَّلُ: اسمُه تعالى. والثَّاني: مأخوذٌ من قولِهم: أكرمتُه بالسَّلامِ، أي: التَّحيةِ. والثَّالثُ: السَّلامةُ من جميعِ الآفاتِ؛ أي: سلِّمنا منها بتحيَّتكَ إيَّانا. (اللهمَّ زِدْ هذا البيتَ تعظيمًا) أي: تبجيلًا (وتشريفًا) أي: رِفعةً، وإعلاءً (وتكريمًا) تفضيلًا (ومهابةً) توقيرًا، وإِجلالًا (وبِرًّا) بكسرِ الباءِ: هو اسمٌ جامعٌ للخيرِ (وزِدْ مَن عظَّمةُ وشرَّفه -ممَّن حجَّهُ واعتمرَهُ- تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا ومهابةً، وبِرًّا). رواه الشَّافعيُّ بإسنادِه عن ابن جُريج مرفوعًا (٤). (الحمدُ للهِ ربِّ العالمين) كثيرًا (كما هو أَهلُه، وكما ينبغي لِكرَمِ وجهِه، وعزِّ جلالِه، والحمدُ لله الذي بلَّغني بيتَه،

стр. 892

ورآني لذلكَ أَهلًا، والحمدُ للهِ على كلِّ حالٍ، اللهمُّ إنَّكَ دعوتَ حجّ بيتِكَ الحرامِ، وقد جئْتُكَ لذلك، اللهمَّ تقبَّلْ منِّي، واعفُ عنِّي، وأَصلِحْ لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت. يرفعُ بذلكَ صوتَه. ثمَّ يطوفُ مُضطَبِعًا، يبتدئُ متمتِّعٌ بطوافِ العُمرةِ، وغيرُه بطوافِ القُدُومِ، ويبتدئُ من الحَجرِ الأَسودِ، فيُحاذيه ورآني (١) لذلكَ أَهلًا، والحمدُ للِه على كلِّ حالٍ، اللَّهمَّ إِنَّكَ دعوتَ) إلى (حجِّ بيتِكَ الحرامِ) سُمِّيَ به؛ لانتشارِ حُرمَتِه، وأُريدَ بتحريمِه سائرُ الحرمِ. (وقد جِئْتُكَ لذلك، اللَّهمَّ تقبَّلْ منِّي، واعفُ عنِّي، وأَصلِحْ) بقطعِ الهمزةِ (لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت) ذكَرَه الأَثرمُ، وإبراهيمُ الحربيُّ (٢) (يرفعُ بذلك) الدَّعاءِ (صوتَه) لأَنَّه ذِكْرٌ مشروعٌ أشبه التَّلبيةَ. (ثمَّ يطوفُ) حالةَ كونِه (مُضطَبِعًا) نَدْبًا في كلِّ أسبوعِه، إِنْ لم يكنْ حاملَ معذورٍ (٣). والاضطباعُ: أَنْ يجعلَ وسطَ ردائِه تحتَ عاتِقِه الأيمنِ، وطرفَيْه على عاتِقِه الأيسر (٤). وإذا فرغَ من الطَّوافِ، أزالَ الاضطباعَ. (يبتدئُ متمتِّعٌ بطوافِ العُمرةِ) نَدْبًا؛ لأَنَّ الطَّوافَ تحيَّةُ الكعبةِ، وتحيَّةُ المسجِد الصلاةُ، ويُجزئُ عنها ركعتا الطَّوافِ. (و) يبتدئُ (غيرُه) أي: غيرُ المتمتِّعِ، وهو القارِنُ والمُفْرِدُ (بطوافِ القُدُومِ، ويبتدئُ) طائفٌ (من الحَجَرِ الأسودِ) لِفعلِه ﷺ (٥) (فيُحاذيه) أي: الحَجَرَ، كلَّه أَو

стр. 893

بكلِّ بدنِه، ويستلمُه، ويقبِّلُه، [فإن شقَّ فبيده وقبَّلها] (١) بعضه، طائفٌ (بكلِ بدنِه) ويستقبلُه بوجههِ (ويستلمُه) أي: يمسحُ الحَجَرَ بيدِه اليمنى، وفي الحديثِ: "إنَّه نزلَ من الجنَّةِ أشدَّ بياضًا من اللَّبن، فسوَّدته خطايا بني آدم". رواه الترمذي وصحَّحه (٢) (ويقبِّلُه) بلا صوتٍ يَظهرُ للقُبلةِ؛ لحديثِ عمرَ أن النبيَّ ﷺ ، استقبلَ الحجرَ، وَوَضعَ شَفتيه عليه يَبكي طويلًا، ثُمَّ التفتَ، فإذا هو بعمرَ (٣) يبكي، فقال: "يا عمرُ، هاهنا تُسكبُ العَبَرات". رواه ابنُ ماجه (٤). ويسجدُ عليه؛ فعلَه ابنُ عمرَ (٥) وابنُ عباس (٦). (فإنْ شَقَّ) تقبيلهُ؛ لِنحوِ زِحامٍ (فـ) يستلمُه (بيدهِ وقبَّلها) بلا مزاحمةٍ؛ لما روى

стр. 894

فإنْ شقَّ، أشارَ إليه. ويقول كلَّما استلَمَه: بسمِ اللهِ وَاللهُ أكبرُ، اللهمَّ إيمانًا بِكَ، وتصديقًا بكتابِكَ، ووفاءً بعهدِكَ، واتِّباعًا لسنَّةِ نبيِّكَ محمَّدٍ ﷺ . ثمَّ يجعلُ البيتَ عن يسارهِ ويطوفُ سبعًا، يَرْمُلُ مسلمٌ عن ابن عباس أن النَّبيَّ ﷺ استلمه، وقبَّلَ يَدَه (١). (فإنْ شَقَّ) استلامُه بيدهِ، استلمه بشيءٍ وقبَّلهُ، فإنْ شَقَّ أيضًا (أشارَ إليه) أي: إلى الحجَرِ بيدِه، أو بشيءٍ ولا يقبِّلُه؛ لما روى البخاريُّ عن ابنِ عباس قال: طافَ النبي ﷺ على بعيرٍ، فلمَّا أتى الحَجَرَ، أشارَ إِليه بشيءٍ في يدِه، وكبَّر (٢). (ويقولُ) مستقبلُ الحجرِ بوجههِ (كلَّما استلمه: بسمِ الله واللهُ أكبرُ، اللَّهمَّ إيمانًا بِكَ، وتصديقًا بكتابِكَ، ووفاءً بعهدِكَ، واتِّباعًا لِسنَّة نبيَّك محمَّدٍ ﷺ لحديث عبد الله ابن السَّائبِ: أن النَّبيَّ ﷺ كان يقولُ ذلكَ عندَ استلامهِ (٣). (ثُمَّ يجعلُ البيتَ عن يسارِه) لأنَّه ﷺ طافَ كذلك (٤) (ويطوفُ سبعًا، يَرْمُلُ

стр. 895

الأفقيُّ في هذا الطوافِ ثلاثًا، ثمَّ يمشي أربعًا، يستلم الحجرَ والرُّكنَ اليمانيَّ فقط كلَّ مرَّةٍ، ولا يُقبَّله. ويقولُ بين الرُّكنِ اليمانيِّ والحجرِ: ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذاب النَّار. وفي بقيَّةِ طوافِهِ: اللهمَّ اجعلْه حجًّا مبرورًا، وسَعْيًا مشكورًا، الأُفقيُّ) المحرمُ من بعيدٍ عن مكَّةَ (في هذا الطَّواف) فقط، إنْ طافَ ماشيًا، فيسرعُ المشيَ، ويقاربُ الخطا (ثلاثًا) أي: في ثلاثةِ أشواطٍ (ثُمَّ) بعدَها (يمشي أَربعًا) من غيرِ رَمَلٍ؛ لفعلِه ﷺ (١). ولا يُسَنُّ رَمَلٌ لحامِلِ معذورٍ، ونساءٍ، ومُحْرِمٍ من مكَّةَ، أو قربِها، ولا يُقضى فيها (٢) رَمَلٌ فاتَ، والرَّمَلُ أَولى من الدُّنوِّ من البيتِ. ولا يُسَنُّ رَمَلٌ، ولا اضطباعٌ في غير هذا الطَّوافِ. ويُسَنُّ أنْ (يستلم الحَجَر والرُّكنَ اليمانيَّ فقط كلَّ مرَّةٍ) عندَ محاذاتِهما؛ لقولِ ابنِ عمرَ: كان رسولُ الله ﷺ لا يَدَعُ أنْ يستلمَ الرُّكنَ اليمانيَّ والحَجَر في طوافِه. قال نافعٌ: كان ابنُ عمرَ يفعلهُ، رواه أبو داود (٣). (ولا يُقبِّله) أي: الرُّكنَ اليمانيَّ؛ لأنه لم يُنقلْ، فإن شقَّ استلامُهما، أشار إليهما. وعُلِم من قولهِ: "فقط" أنَّه لا يُسَنُّ استلامُ الشاميِّ، وهو أوَّلُ رُكنٍ يمرُّ به، ولا الغربيِّ وهو ما يليه. (ويقولُ) طائفٌ كلَّما حاذى الحجَرَ: الله أَكبرُ. ويقولُ (بينَ الرُّكنِ اليمانيِّ والحجَرِ: ربنَّا آتنا في الدُّنيا حَسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ. و) يقولُ (في بقيَّهِ طوافِهِ: اللَّهمَّ اجعلْهُ حجَّا مبرورًا، وسَعْيًا مشكورًا،

стр. 896

وذنبًا مغفورًا، ربِّ اغفرْ وارحَمْ، واهدني السَّبيلَ الأقومَ، وتجاوزْ عمَّا تعلمُ، وأنتَ الأعزُّ الأكرمُ، ويذكرُ ويدعو بما أحبَّ. ومن لم يُكملِ السَّبعَ، أو لمْ ينوِه، أو نَكَّسَهُ، وذنبًا مغفورًا، رَبِّ اغفرِ وارحَمْ، واهدني السَّببلَ الأَقومَ، وتجاوزْ عمَّا تعلمُ، وأنتَ الأعزُّ الأَكرمُ. ويذكُرُ، ويدعُو بما أَحبَّ) ويصلي على النَّبيِّ ﷺ ، وَيدَعُ الحديثَ إِلَّا ذِكرًا، أو قراءةً، أو أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكَرٍ، أو مالا بُدَّ منه؛ لحديثِ: "الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ، فمن تكلَّمَ، فلا يتكلَّمْ إِلَّا بخيرٍ" (١). وكان عبدُ الرَّحمن بن عوف يقول: رَبِّ قِنِي شُحَّ نفسي (٢). وعن عُرْوةَ: كان أصحابُ رسول الله ﷺ يقولون: لا إله إلَّا أنتَ، وأنت تُحيي بعدَما أمَتَّ (٣). وتُسنُّ القِراءةُ فيه. (ومَنْ لمْ يُكملِ السَّبعَ) بأنْ تَرَكَ ولو يسيرًا مِنْ شَوطٍ منَ السَّبعةِ، لم يصحَّ؛ لأَنَّه ﷺ طافَ كاملًا، وقال: "خُذوا عنِّي مناسِكَكُم" (٤) (أوْ لم يَنْوِه) أي: الطَّوافَ، لم يصحَّ؛ لأَنَّه عبادةٌ أَشبه الصَّلاة، ولحديثِ: "إِنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ" (٥). (أو نَكَّسَهُ) أي: الطَّوافَ، بأنْ جعلَ البيتَ عن يمينه وطافَ، لم يصحَّ؛ لأَنَّه ﷺ جعلَه عن يسارِهِ في طوافِهِ (٦). وقال: "خُذوا عنِّي مناسكَكُم" (٧).

стр. 897

أو طافَ على الشَّاذَرْوَان، أو جدارِ الحِجْرِ، أو عُريانًا، أو مُحدِثًا، أو نَجِسًا، لم يصحَّ. ثمَّ يصلِّي ركعتَيْن خلفَ المقامِ بـ "الكافرين" و"الإخلاص". (أو طافَ على الشَّاذَرْوان) بفتحِ الذَّالِ المعجمةِ: وهو ما فَضَلَ عن جدارِ الكعبةِ (١)، لم يصحَّ؛ لأَنَّه من البيتِ. فإذا لم يَطُفْ به، لم يطفْ بالبيتِ جميعِه. (أو) طافَ على (جدارِ الحجْرِ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، لم يصحَّ؛ لأنَّه ﷺ طافَ من وراءِ الحِجْر والشَّاذَرْوَان (٢)، وقال: "خُذُوا عنِّي مناسكَكُم" (٣). (أو) طافَ حالة كونِه (عُرْيانًا، أو مُحْدِثًا، أو نجسًا، لم يصحَّ) طوافه؛ لقوله ﷺ : "الطواف بالبيتِ صلاةٌ، إِلّا أَنَّكم تَتَكلمونَ فيه". رواه الترمذيُّ والأثرمُ عن ابن عباس (٤). ويُسَنُّ فعلُ باقي المناسكِ كلِّها على طهارةٍ. وإنْ طافَ المحرمُ لابس مخيطٍ، صَحَّ وفَدَى. (ثُمَّ) إذا تَمَّ طوافُه (يُصلِّي ركعتَيْن) نفلًا، وتُجزئُ مكتوبةٌ عنهما، وحيثُ ركعَهُما، جازَ، والأفضلُ كونُهما (خلفَ المقامِ) لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] يقرأُ فيهما (بـ "الكافرين (٥) " و"الإخلاصِ") بعدَ الفاتحةِ.

стр. 898

فصل ثمَّ يستلمُ الحجَرَ، ثمَّ يخرجُ للسَّعْي من بابِ الصَّفا، فيرقَاه حتَّى يرى البيتَ، ويكبِّرُ ثلاثًا، ويقول ثلاثًا: الحمَدُ للهِ على ما هدانا، لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويمِيتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إِله إلَّا اللهُ وحدَه، صدَق وعْدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه، ويدعُو بما أحبَّ، فصلٌ (ثُمَّ) بعدَ الصَّلاةِ يعودُ و (يستلمُ الحجَرَ) لفعلِه ﷺ (١). ويسَنُّ الإكثارُ من الطَّوافِ كلَّ وقتٍ. (ثمَّ يخرجُ للسَّعيِ من بابِ الصَّفا، فيرقَاه) أي: الصفا (حتَّى يَرى البيتَ) فيستقبلَه (ويكبِّرُ ثلاثًا، ويقولُ ثلاثًا: الحمدُ للهِ على ما هدانا، لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ) وهو حي لا يموتُ، بيدِهِ الخيرُ (وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إله إلَّا اللهُ وحدَه، صدق وعده، ونصرَ عبْدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه) لحديثِ جابرٍ في صفةِ حَجِّه ﵊ (ويدعُو بما أَحبَّ) لحديثِ أبي هريرةَ: أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا فرغَ من طوافِه، أتى الصَّفا، فعَلا عليه حتَّى نظرَ إلى البيتِ، ورفعَ يديه، فجعلَ يدعُو يحمد (٢) الله، ويدعُو بما شاءَ أنْ يدعو. رواه مسلم. ولا يُلبِّي؛ لعدَم نقلِه.

стр. 899

ثمَّ ينزلُ، يمشي إلى قرب العَلم الأوَّلِ بستَّةِ أذرعٍ، فيسعى سعيًا شديدًا إلى العَلم الآخر، ثمَّ يمشي ويرقَى المَرْوَةَ، ويقولُ ما قالَه على الصَّفا، ثمَّ ينزلُ، فيمشي في موضعِ مشْيِه، ويسعى في موضعِ سَعْيه إلى الصَّفا، يفعلُ ذلك سبعًا؛ ذهابُه سَعْيَةٌ، ورجوعُه أُخرى، ويقولُ فيه: رَبِّ اغفرْ وارحمْ، واعفُ عمَّا تعلم، وأنتَ الأعزُّ الأَكرمُ، (ثُمَّ ينزلُ) من الصَّفا (يمشي إلى قُرب العَلمِ الأوَّلِ) ميلٌ أَخضرُ في ركن المسجدِ (بستَّةِ أَذْرعٍ) أي: يمشي من الصَّفا حتَّى يبقى بينَه وبينَ العَلَمِ الأَوَّلِ نحوَ سِتَّةِ أذْرعٍ (فيسعى سعيًا شديدًا إلى العَلَمِ الآخرِ) ميلٌ أخضرُ بفِناء المسجدِ حذاءَ دارِ العبَّاس (١). (ثُمَّ يمشي و) يستمرُّ حتَّى (يرقى المرْوَةَ) مكانٌ معروفٌ، وأصلُها الحجارةُ البرَّاقةُ التي يقدح (٢) منها النَّارُ (١) (ويقولُ) عليها مستقبل القبلةِ (ما قالَه على الصَّفا) مِنْ تكبيرٍ، وتهليلٍ، ودُعاءٍ. ويجبُ استيعابُ ما بينَ الصَّفا والمروةِ، فيلصقُ عَقبِه بأصلهما في الابتداءِ بكلِّ منهما، ويُلصِقُ أصابعَه بما يصلُ إليه من كلِّ منهما، والرَّاكبُ يفعلُ ذلك بدابَّتِه، فمن تركَ شيئًا ممَّا بينَهما ولو دونَ ذراعٍ، لم يجزئْه سعْيُه. (ثُمَّ ينزلُ) منَ المرْوةِ (فيمشي في موضعِ مشيه، ويسعى في موضعِ سعيه إلى الصَّفا، يفعلُ ذلك سبعًا؛ ذهابُه سَعْيَةٌ، ورجوعُه) سَعْيةٌ (أُخرى، ويقولُ فيه) أي: السَّعي ما رواه الإمامُ أحمدُ عن ابن مسعودٍ: أنَّه كان إذا سعى بينَ الصَّفا والمروةِ، قال: (رَبِّ اغفرْ وارحمْ، واعفُ عمَّا تعلمُ، وأَنتَ الأعزُّ الأكرمُ) (٣) يفتتحُ بالصَّفا

стр. 900

وإنْ بدأ بالمَرْوةِ، سقطَ الشَّوْطُ الأوّل. وتُسنُّ فيه الطَّهارةُ والسُّترةُ، وتُشترط نيَّتُه وموالاتُه، وكونُه بعدَ طوافِ نُسُكٍ، ثُمَّ إنْ كان متمتعًا قصَّرَ من شَعَرِه كلِّه، وتحلَّلَ إنْ لم يكنْ معه هَدْيٌ، وإلا، حلَّ إذا فرغَ من حَجِّه. وإذا شرعَ المتمتِّعُ في الطَّوافِ، قَطَعَ التَّلْبيةَ، ويختمُ بالمَروة، للخبرِ (١). (وإن بدأَ بالمروة، سقط الشَّوطُ الأوَّلُ)، فلا يحتسبُ به. (وتُسنُّ فيه الطَّهارةُ) من الحدثِ والنَّجسِ (والسُّترةُ) أي: سترُ العورة، فلو سعى مُحدِثًا، أو نجِسًا، أو عُريانًا، أجزأه. (وتُشترطُ نيَّتُه) أي: السَّعيِ؛ لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ" (٢). (وموالاتهُ) قياسًا على الطَّوافِ. (و) يشترطُ (كونه بعدَ طواف نُسُكٍ) ولو مَسنونًا، كطوافِ القُدومِ (ثُمَّ إن كانَ متمتعًا، قصَّرَ من شعرِه كلِّه) ولو لبَّدَه، ولا يحلقه ندبًا؛ ليوفر (٣) للحجِّ (وتحلَّلَ) لأنَّه تمَّت عُمرتُه، هذا (إنْ لم يكن معه هَديٌ، وإلَّا) بأنْ كان مع المتمتِّعِ هَدْيٌ، لم يقصِّر، وَ (حَل إذا فرغَ من حجِّته) فيُدخلُ الحجَّ على العُمرةِ، ولا يحل حتَّى يفرغَ منهما جميعًا. والمعتمرُ غيرُ المتمتِّع، يحلُّ، سواءٌ كان معه هَديٌ، أوْلا، في أشهرِ الحجِّ، أو غيرهِ. (وإذا شرعَ المتمتِّع في الطَّوافِ، قَطعَ التَّلبيةَ) لقولِ ابن عباس يرفعُه: "كان يُمسكُ عن التَّلبيةِ في العُمرةِ إذا استلم الحجَرَ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤).

стр. 901

ولا بأسَ بها في طوافِ القُدومِ سرًّا. (ولا بأسَ بها) أي: التَّلبيةِ (في طوافِ القُدومِ) نصًّا (سرًّا) لئلَّا يخلِطَ على الطَّائفين، وكذا السَّعيُ بعدَه. وتقدَّمَ.

стр. 902

باب صفة الحج سُنَّ لِمُحِلٍّ بمكَّةَ وبقربِها إحرامٌ بحجٍّ يومَ التَّرْويةِ قبلَ الزَّوال، ويجزئُ من حيثُ شاء، ثُمَّ يبيتُ بمنًى نَدْبًا، فإذا طلعتِ الشَّمسُ، سارَ إلى نَمِرَةَ، ويجمعُ بها بين الظُّهرين تقديمًا. بابٌ صفةُ الحجِّ والعُمرةِ وما يتعلَّقُ بذلك (سُنَّ لِمُحِلِّ بمكَّة وبقربها) ولمتمتِّعٍ من عُمرتِهِ (إحرامٌ بحجٍّ يومَ التَّروية) وهو ثامنُ ذي الحجَّةِ، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ النَّاس كانوا يَتروَّونَ فيه (١) الماءَ لما بعدَه (٢). (قبلَ الزَّوالِ) فيُصلِّي بمنًى الظُّهرَ مع الإمامِ. والأفضلُ أن يُحرِمَ من تحتِ الميزاب. (ويجزئُ) إحرامُه (من حيثُ شاء) من بقية الحرم ومن خارجه، ولا دمَ عليه. والمتمتِّع إذا عَدِمَ الهديَ وأراد الصومَ، سُنَّ له أن يُحرم يومَ السابعَ؛ ليصومَ الثلاثةَ مُحرمًا. (ثُمَّ يبيتُ بمنًى) بكسرِ الميمِ مع الصَّرفِ وعدمِه، ويصلِّي مع الإمامِ (ندبًا، فإذا طلعتِ الشَّمسُ) من يومِ عرفةَ (سار) من منًى (إلى نَمِرة): موضعٌ بعرفةَ، وهو جبل عليه أنصابُ الحرمِ، على يمينك إذا خرجتَ من مأزمي عرفةَ تريدُ الموقفَ (٣). فيقيمُ بنمِرةَ إلى الزَّوالِ، يخطُبُ بها الإمامُ أو نائِبُه خطبةً قصيرةً، مفتتحةً بالتَّكبيرِ، يعلمهم فيها الوقوف ووَقتَه، والدَّفعَ منه، والمبيتَ بمُزدلفةَ (ويجمع بها) أي: بنمرةَ، من يجوزُ له الجمعُ (٤)، حتَّى المنفرد (بين الظُّهرين تقديمًا).

стр. 903

ثُمَّ يأتي عرفةَ، وكلُّها موقفٌ، إلَّا بطنَ عُرَنة، وسُنَّ وقوفه راكبًا عندَ الصَّخَراتِ وجبلِ الرَّحمةِ، (ثُمَّ يأتي عرفَة، وكلُّها موقفٌ، إلَّا بطنَ عُرَنة) لقوله ﷺ : "كلُّ عَرَفةَ موقفٌ، وارفعوا عن بطنِ عُرَنةَ" رواه ابن ماجه (١). وعَرفَةُ: من الجبلِ المشرفِ على عُرَنةَ، إلى الجبالِ المقابلةِ له، إلى ما يلي حوائطَ بني عامر (٢). (وسُنَّ وقوفُه) أي: الحاجِّ بعرفةَ (راكبًا) مستقبِلَ القِبلةِ (عندَ الصَّخراتِ وجبل الرَّحمةِ) لقولِ جابرٍ: "إنَّ النَّبيَّ ﷺ جعلَ بَطْنَ ناقتِه القَصواء (٣) إلى الصَّخراتِ، وجعلَ حَبلَ المشاةِ بين يديه، واستقبل القِبلةَ" (٤). وقولُه: "جعلَ حبلَ المشاةِ" أي: طريقَهم

стр. 904

لا صعودُه، ويُكْثِرُ من الدُّعاء، ومِنْ قولِ: لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحيي ويميتُ، وهو على كل شيءٍ قدير، اللَّهم اجعل في قلبي نُورًا، وفي بَصري نُورًا، وفي سَمْعي نُورًا، ويَسِّرْ لي أمري. الذي يسلكُونَه في الرَّملِ. وقيل: أرادَ صفَّهم ومجتمعهم في مشيهِم تشبيهًا بحبلِ الرَّمل (١). و (لا) يُشرَعُ (صعودُه) أي: جبلِ الرَّحمةِ. (ويُكثرُ من الدُّعاءِ، ومن قولِ: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويُميتُ) وهو حيٌّ لا يموتُ، بيده الخيرُ (وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. اللَّهمَّ اجعل في قلبي نُورًا، وفي بصري نُورًا، وفي سمعي نُورًا، ويسِّرْ لي أمري) لحديث (٢): "أفضلُ الدُّعاء [دعاءُ] يومِ عَرَفةَ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيونَ من قبلي: لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له". رواه مالك في "الموطأ" (٣)، وما في المتنِ مأثورٌ

стр. 905

ووقتُه: مِنْ فجرِ يومِ عرفةَ إلى فجرِ يومِ النَّحْرِ، فمَنْ وقفَ به ولو لحظةً وهو أهلٌ له، صحّ حجُّه، ولو نائمًا أو جاهلًا أنَّها عرفةُ. ومَنْ وقف نهارًا، ودَفعَ قبلَ الغُروبِ، ولم يَعُدْ قبلَه، فعليه دمٌ، بخلافِ واقفٍ ليلًا عن عليٍّ (١). (وَوَقتُه) أي: الوقوفِ بعَرفةَ (مِنْ فجرِ يومِ عرفةَ، إلى فجرِ يوم النَّحْرِ) لقولِ جابر: لا يفوتُ الحجُّ حتَّى يطلعَ الفجرُ من ليلةِ جَمْعٍ (٢). قال أبو الزُّبير (٣): فقلت له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم (٤). (فمن وقفَ به) أي: بوقتِ الوُقوفِ بعرفةَ (ولو لحظةً) مُختارًا (وهو) أي: الواقفُ بعرفةَ لحظةً (أَهلٌ له) أي: للحجِّ، بأنْ كان مسلمًا، عاقلًا، مُحرِمًا به (صحَّ حجُّه ولو نائمًا، أَو جاهلًا أنَّها عرفةُ) أو مارًّا بها راجلًا، أو راكبًا؛ لأنَّه حصلَ بعرفةَ في زمنِ الوقوفِ. (ومن وَقَفَ) بعرفةَ (نهارًا، ودفعَ قبلَ الغروبِ، ولم يَعُدْ) بعدَ الغُروبِ من ليلةِ النَّحرِ إلى عرفةَ، أو عادَ إِليها (قبلَه) ولم يقعِ الغُروبِ وهو بها (فعليه دمٌ)، لتركِهِ واجبًا كالإحرامِ من الميقاتِ، فإنْ عادَ إليها ليلةَ النَّحرِ، فلا دمَ عليه (بخلاف واقفٍ ليلًا

стр. 906

فقط. ثُمَّ يدفعُ بعدَ الغُروبِ إلى مُزْدَلِفَةَ بسكينةٍ، ويسرعُ في الفَجْوةِ، ويجمعُ بها العِشاءَيْنِ تأخيرًا فقط) فلا دمَّ عليه؛ لحديث: "من أدركَ عرفات بليل، فقد أدركَ الحجَّ" (١). (ثمَّ يدفعُ بعدَ الغُروبِ) من عرفةَ مع الأميرِ، على طريقِ المأزِمَين (إلى مُزدَلفَة): وهي ما بينَ المأزِمَيْن ووادي مُحَسِّرٍ (٢). وسُنَّ كونُ دفعِه (بسكينةٍ) لقوله ﷺ : "أيُّها النَّاسُ، السكينةَ السكينةَ" (٣). (ويُسرعُ في الفَجوة) أي: الفُرجةِ (٤)؛ لقولِ أُسامةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجوةَ، نَصَّ (٥). أي: أسرعَ؛ لأنَّ العَنَقَ: انبساطُ السيرِ. والنَّصُّ: فوقَ العَنَقَ (٦). (ويجمعُ بها) أي (٧): بمُزدلفةَ بينَ (العِشاءَينِ تأخيرًا) أي: جمعَ تأخيرٍ؛ أي: يُسَنُّ

стр. 907

ويبيتُ بها، وله الدّفعُ بعدَ نصفِ اللَّيْلِ، وفيه قبلَه دمٌ. فإذا صلَّى الصُّبحَ، أتى المشعَرَ الحرامَ، فرقَاهُ أو وقفَ عندَه، ويحمدُ اللهَ ويكبِّرهُ (١)، ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين [١٩٨ - ١٩٩ من سورة البقرة]. ويدعُو حتَّى يُسْفِرَ جدًّا. لمن دفعَ من عرفةَ، أن لا يُصلِّيَ المغربَ حتَّى يصلَ إلى مُزدلفةَ، فيجمع بينَ المغرب والعشاءِ مَن يجوزُ له الجمعُ، قبلَ حطِّ رحلِه، وإنْ صلَّى المغربَ بالطَّريق، تركَ السُّنَّةَ وأجزأه. (ويبيتُ بها) أي: بمزدلفةَ وجوبًا؛ لأنَّ النَبيَّ ﷺ باتَ بها (٢). وقالَ: "خُذُوا عنِّي مناسكَكُم" (٣). (وله الدَّفعُ) من مُزدلفةَ قبلَ الإِمامِ (بعدَ نصفِ اللَّيلِ، و) يجبُ (فيه) أي: في الدَّفعِ من مزدلفةَ (قبلَه) أي: قبلَ نصفِ اللَّيلِ (دمٌ) على غيرِ رُعاةِ حجَّ وسُقاةِ زمزمَ، سواءٌ كانَ عالمًا بالحُكمِ أو جاهلًا، عامدًا أو ناسيًا، هذا إن (٤) وصلَها قبلَ نصفِ اللَّيلِ، ولم يَعُد إليها قبلَ الفجرِ، فإن لم يصلها إلَّا بعدَ نصفِ اللَّيلِ، أو وصلَها ودفعَ منها قبلَه، ثُمَّ عادَ إِليها قبلَ الفجرِ، فلا دمَ عليه. (فإذا) أصبحَ بمزدلفةَ (صَلَّى الصُّبحَ) بِغَلَس (٥)، ثُمَّ (أَتى المشعَرَ الحرامَ) وهو جبل صغيرٌ بالمزدلفةِ، سُمِّيَ بذلكَ؛ لأنَّه من علاماتِ الحجِّ (٦) (فرقاه) إنْ سُهلَ عليه (أَو وَقَفَ عندَه، ويحمدُ اللهَ ويُكبِّرُه) ويهلِّله (ويقرأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين) أي (٧): إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] (ويدعُو حتَّى يُسْفرَ جدًّا) لأنَّ

стр. 908

ثُمَّ يسيرُ، فإذا بلغَ مُحسِّرًا، أسرعَ رَمْية حَجَرٍ، ويأخذُ حصَى الجمارِ سبعينَ حصاةً بينَ الحِمَّصِ والبُنْدُقِ. فإذا وصلَ مِنًى، رمى جمرةَ العقبةِ مِنْ بطنِ الوادي بسَبْعٍ، واحدةً بعدَ في حديثِ جابر: أن النبي ﷺ لم يزل واقفًا عندَ المَشعَرَ الحرامِ، حتَّى أسفرَ جدًا (١). (ثُمَّ) بعدَ الإسفارِ (يسيرُ) قبلَ طُلوعِ الشَّمس بسكينةٍ (فإذا بلغَ مُحسِّرًا): وهو وادٍ بينَ مُزدلفَة ومِنًى، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يحسرُ سالكَهُ (أَسرعَ) قَدْرَ (رَمْيةِ حَجَرٍ) إن كان ماشيًا، وإلا، حَرَّكَ دابَّتَه؛ لأنَّه ﷺ لمَّا أتى بَطنَ مُحسِّرٍ، حرَّكَ قليلًا، كما ذكرَهُ جابر (١). (ويأخدُ حصَى الجمارِ سبعينَ حصاة) من حيثُ شاءَ، وكان ابنُ عمرَ يأخذُه من جَمعٍ (٢). وفعلَه سعيدُ بن جبير وقال: كانُوا يتزوَّدون الحصى مِن جَمْعٍ (٣). وتكونُ الحصاةُ (بينَ الحِمَّصِ والبُنْدُقِ) كحصى الخَذف، فلا يُجزئ (٤) صغيرة جدًّا ولا كبيرة، ولا يُسنُّ غسلُه. (فإذا وصلَ مِنًى) وهي: من وادي مُحسِّرٍ إلى جمرةِ العقبةِ (٥) (رَمى جمرةَ العقبةِ) راكبًا إن كان كذلك. وقال الأكثرُ: ماشيًا. ونُدِبَ أن يستقبلَ القِبلةَ، وأن يرمي على جانبِه (٦) الأيمنِ. ويكونُ الرَّميُ (مِن بطنِ الوادي بسبع) حَصَياتٍ متعاقباتٍ (واحدةً بعدَ

стр. 909

أخرى، يرفعُ يدَه حتَّى يُرَى بياضُ إِبطِه، ويُكبِّرُ مع كل حصاةٍ، ويقول: اللَّهم اجعلْه حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعَمَلًا مشكورًا. ولا يقفُ، ويقطعُ التَّلْبيةَ عندَها، ويرمي بعد طُلوعِ الشَّمسِ نَدْبًا، ويجزئُ بعدَ نصفِ اللَّيلِ، ولا يجزئُ الرَّميُ بغير الحصى، ولا بما رُمِيَ به. أُخرى (١)) فلو رمى دفعةً واحدةً، فواحدة (٢). ولا يُجزِئُ الوَضعُ. (يرفعُ يدَه) اليُمنى حالَ الرمي (حتَّى يُرَى بباضُ إبطه) لأنَّه أعونُ على الرمي (ويُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ، ويقول: اللّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعَمَلًا مشكورًا. ولا يقف) عندَ جمرةِ العَقَبةِ بعدَ رميِها؛ لِضيقِ المكان (ويقطع التَّلْبيةَ عندَها) لقولِ الفضلِ بن عبَّاسٍ: إن النبي ﷺ لم يزل يُلبِّي، حتَّى رَمَى جمرةَ العَقَبَةِ. أخرجاه في الصحيحين (٣). (ويرمى بعدَ طلوع الشَّمسِ نَدبًا) لقولِ جابرٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يرمي الجمرةَ ضُحَى يومِ النحرِ وحدَه. أخرجَه مسلم (٤). (ويُجزئ) رميُها (بعدَ نصفِ اللَّيلِ) من ليلةِ النَّحرِ؛ لما رَوى أبو داودَ عن عائشةَ أن النبي ﷺ أمَرَ أُمِّ سَلَمَة ليلةَ النَّحرِ، فرمت جَمرة العَقَبَةِ قبلَ الفجرِ، ثُمَّ مضَتْ فأفاضَت (٥). فإن غربت شمسُ يومِ الأضحى قبلَ رميِه، رمى من غدٍ بعدَ الزَّوالِ. (ولا يُجزئ الرَّمي بغيرِ الحصى) كجوهرٍ وَذَهَبٍ (ولا) يُجزئُ الرَّميُ (بما رُميَ به) لأنَّه استُعملَ في عبادةٍ؛ فلا يُستعملُ ثانيًا، كماءِ الوضوءِ.

стр. 910

- ثمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه ويَحْلِقُ أو يقصرُ من جميع شعرِه، والمرأةُ تقصر أنمُلةَ فأقلَّ، ثُم قد حل له كل شيءٍ إلَّا - - +-٣٣+٢٢ النساءِ، ولا دَمَ بتأخيرِ حَلْق أو تقديمِه على رَمْيِ أو نحْرِ. (ثمّ ينحَرُ هَدْيًا، إن كان معه) واجبًا كان أو تطوعًا، فإن لم يكن معه هديْ وعليه واجب، اشتراه، وإلا، سُن له أن يَتَطوعَ به. وإذا نحرَ الهدي، فرقَه على مساكينِ الحرمِ. (ويحلقُ) مُستقبِلًا مُبتدِئًا بشقه الأيمنِ نَدبًا (أو يقصرُ من جميعِ شعرِهِ) لا من كل شعرةِ بعينِها (والمرأة تقصر) من شعرِها (أنملةً فأقل) لحديثِ ابنِ عبَّاسِ: ليسَ على النساءِ حَلق، إِنَما على النساءِ التقصيرُ. رواه أبو داود (١). فتقصرُ من كل قرنِ قَدْرَ أنمُلةِ أو أقل، وكذا العبدُ، ولا يحلِقُ إلَّا بإذنِ سَيده. وسُنَ لمن حَلَقَ، أو قصر، أخذُ ظفر، وشاربٍ، وعانةٍ، وإبطٍ. (ثُمَّ) إذا رمى، وحَلَقَ أو قصر، فـ (ـقد حلَّ له كلُّ شيءٍ) كان محظورًا بالإحرامِ (إلَّا النساءَ) وطأ، ومباشرةً، وقُبلةً، ولمسًا لشهوةٍ، وعقْدَ نكاحٍ؛ لما رَوى سعيد عن عائشةَ مرفوعًا: "إذا رميتُم وحلَقتم، فقدْ حَل لكم الطيبُ والثيابُ وكل شيءٍ إلَّا النساء" (٢) (ولا) يجبُ (دم بتأخيرِ حَلق) أو تقصيرٍ عن أيامِ منًى (أو تقديمِه) أي: الحَلقِ أو التَّقصيرِ (على رَمْي أو نَحرٍ) أو عليهما، ولا إنْ نحَرَ، أو طافَ قبلَ رميهِ ولو

стр. 911

فصل ثُمَّ يُفيضُ إلى مكَّةَ ويطوفُ طوافَ الإفاضةِ بالنيَّة، عالمًا؛ لما رَوى سعيد عن عطاء، أن النبي ﷺ قال: "مَن قدمَ شيئًا قبلَ شيءٍ، فلا حَرَجَ" (١). ويحصلُ التحلُّلُ الأوَّلُ: باثنينِ من رمْي وحَلقٍ وطوافٍ، والثَّاني: بما بقيَ مع سعيٍ. ثُمَّ يخطُبُ الإمامُ بمنًى يومَ النَّحرِ خُطبةً، يفتتحُها بالتَّكبيرِ، يُعلمُهم فيها النَّحرَ والإفاضةَ والرميَ. فصل (ثُمَّ يُفيضُ إلى مكَّةَ، ويطوف طواف الإفاضةِ) ويُقالُ (٢): طواف الزيارةِ، ويعينُ كونه طوافَ الإفاضةِ (بالنيَّةِ) وجوبًا، وهو رُكن لا يتم حجه إلَّا به. فظاهرُه أن المفرِدَ والقارنَ لا يطوفانِ للقدومِ، ولو لَم يكونا دخلا مكَّةَ قبلَ ذلك. وكَذا المتمتع يطوفُ للإفاضةِ فقط، كمن دخلَ المسجدَ وأقيمتِ الصَّلاةُ، فإنَّه يكتفي بها عن تحيَّةِ المسجدِ، واختارَه الموفقُ (٣)، والشَّيخُ تقي الدينِ (٤)، وابنُ رجبٍ (٥). ونصّ الإمام (٦) -واختارَه الأكثرُ- أن القارنَ والمفرِدَ إنْ لم يكونا دَخلاها قبلُ، يَطوفان للقدومِ برَمَلٍ واضطباعٍ، ثُمَّ للإفاضة، وأن المتمتعَ يطوف للقدوم بلا رَملٍ ولا اضطباعٍ ثم للإفاضة.

стр. 912

وأوَّلُ وقتِه: مِنْ نِصْفِ ليلةِ النَّحرِ، وسُنَّ في يومِه، وله تأخيرُه، ثم يَسعى متمتِّعٌ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ومَنْ لمْ يَسْعَ مع طوافِ القُدومِ. ثُمَّ قدْ حلَّ له كل شيءٍ، ويشربُ من ماءِ زَمْزَمَ لما أحبَّ، ويتضلَّعُ منه، ويقولُ: بسم اللهِ، اللَّهمَّ اجعلْه لنا عِلمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، ورِيًّا وشِبَعًا (١)، وشِفاءً من كلِّ داءٍ، واغسلْ به قلبي، واملأهُ من خَشيتِكَ. (وأَوَّل وقته) أي: وقتِ طوافِ الإفاضةِ (من نصفِ ليلةِ (٢) النَّحرِ) لمن وقفَ قَبلَ ذلك بعرفاتٍ، وإلَّا، فبعدَ الوقوفِ. (وَسُنَّ) فعلُه (في يومِه، وله تأخيرُه) أي: الطَّوافِ من أيَّامِ منًى؛ لأنَّ آخرَ وقتِه غيرُ محدودٍ كالسَّعي. (ثُمَّ يَسعى متمتِّعٌ بينَ الصَّفا والمرْوة) لحجِّه؛ لأنَّ سعيَهُ الأوَّلَ كانَ لِعُمرتِه (و) يَسعى (مَنْ لم يَسْعَ مع طوافِ القُدومِ) مِن مُفرِدٍ وقارنٍ، ومَن سعى منهما، لم يُعِده؛ لأنَّه لا يستحبُّ التَّطوعُ به كسائرِ الأنساكِ، إلَّا الطَّوافَ؛ لأنَّه صلاةٌ (ثُمَّ قد حلَّ له كلُّ شيءٍ) حتَّى النِّساء، وهذا هو التحلُّل الثَّاني. (ويشربُ من ماء زَمْزَمَ لما أحبَّ ويتضلَّعُ (٣) منه) وَيرُشُّ على بَدَنِه وثوبِه، ويستقبلُ القِبلةَ، ويتنفَّسُ ثلاثًا (ويقولُ: بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ اجعلْه لنا علمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، وريًّا وَشِبَعًا، وَشِفاءً من كل داءٍ، واغسل به قلبي، واملأه من خَشيتِكَ) زادَ بعضُهم: "وحكمتِك"؛ لحديثِ جابرٍ: "ماءُ زمزمَ، لما شُربَ له" رواهُ ابنُ ماجه (٤). وهذا الدعاءُ شاملٌ لخَيري الدُّنيا والآخرة.

стр. 913

فصل ثُمَّ يرجعُ فيبيتُ بمنًى ثلاثَ ليالٍ، ويرمي الجَمَراتِ أيَّامَ التَّشريقِ، فيبدأ بالأولى، وتلي مسجدَ الخَيْفِ بسبعِ حصَيَاتٍ، ويجعلُها عن يسارهِ، ويتأخَّرُ قليلًا، ويدعُو طويلًا، ثم الوسطى، ويجعلُها عن يمينه، فيرميها بالسَّبْعِ، ويتأخَّرُ قليلًا، ويدعُو، ثُمَّ جمرة العقبةِ، ويجعلُها عن يمينه، ويستبطِنُ الوادي، ولا يقفُ عندَها، وكذا يفعلُ في اليومِ الثَّاني والثالث بعدَ الزَّوالِ، ويستقبلُ القبلةَ. فصل (ثُمَّ يرجعُ) من مكَّةَ بعدَ الطَّوافِ والسَّعي (فـ) يُصلِّي ظهرَ يومِ النًّحرِ بِمنًى، و (يبيتُ بمنًى ثلاثَ ليالٍ) إن لم يتعجَّل، وليلتينِ إنْ تعجَّلَ في يومينِ. (ويرمي الجَمَرَاتِ أَيَّامَ التَّشريقِ، فَيبدأُ بما رَمي الجَمرَةِ (الأولى، وتلي مسجدَ الخَيفِ (١)) فيرمِيها (بسبع حصيَاتٍ) متعاقباتٍ، يفعلُ كما تقدَّمَ في جَمرةِ العقبةِ. (ويجعلُها) أي: الجمرةَ (عن يسارِه، ويتأخَّرُ قليلًا) بحيثُ لا يُصيبُه الحصى (ويدعُو طويلًا) رافعًا يَدَيه. (ثُمَّ) يأتي الجَمرَة (الوسطى ويجعلُها) أي: الوسطى (عن يمينه، فيرميها بـ) الحَصَياتِ (السَّبع، ويتأخَّرُ قليلًا ويدعُو) طويلًا. (ثُمَّ) يرمي (جمرةَ العقبةِ) بسبع كذلك (ويجعلُها عن يمينه) (ويستبطِنُ الوادي، ولا يقفُ عندَها، وكذا يفعلُ) ما تقدَّمَ من رميِ الجمارِ الثَّلاثِ على التَّرتيبِ والكيفيةِ المذكورَين (في اليوم الثَّاني والثَّالثِ) من أيَّامِ التشريقِ. ولا يُجزئُ الرَّمي في الأيَّامِ الثلاثةِ إلَّا (بعدَ الزَّوالِ) فلا يُجزئُ قبلَه، ولا ليلًا لغيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ. والأفضلُ: الرَّميُ قبلَ صلاةِ الظهر (ويستقبلُ القبلةَ) في الكلِّ.

стр. 914

وإنْ رماه في الثَّالثِ، أجزأه (١) أداءً، ويرتِّبه بالنيَّةِ، وإنْ أخَّره عنها، أو لم يَبِتْ بها، فَدمٌ، ومَنْ تعجَّل في يومينِ، خرجَ قبلَ الغُروبِ، وسقطَ عنه رميُ اليومِ الثَّالثِ، وَيدْفِنُ حَصاهُ نَدْبًا. وإذا أرادَ الخروجَ من مكَّةَ، ودَّعَ البيتَ بالطَّوافِ، (وإن رماه) أي: الحصى السَّبعين كلَّه (في) اليومِ (الثَّالثِ) منْ أيَّامِ التَّشريقِ (أجزأَه) الرَّميُ، ويكونُ (أَداءً) لأنَّ أيَّامَ التَّشريقِ كلَّها وقتُ الرَّمي. (ويرتِّبُه) وجوبًا (بالنِّيَّةِ) فيرمي لليومِ الأوَّلِ بنيَّتِه، ثُمَّ للثَّاني، وَهكذا كفوائت الصَّلاةِ. (وإن أخَّره) أي: الرميَ (عنها) أي: من أيَّامِ التَّشريقِ، فعليهِ دَمٌ (أو لم يَبِت بها) أي: بمنًى؛ أي: فيها (فـ) عليهِ (دمٌ) لأنَّه تَرَكَ نُسكًا واجبًا. ولا مَبيتَ على سُقاةٍ ورُعاةٍ. ويخطُبُ الإمامُ ثانيَ أيَّامِ التَّشريقِ خُطبة يعلِّمهم فيها حُكمَ التَّعجيلِ والتأخيرِ والتَّوديعِ. (ومن تعجَّل في يومينِ) بأن أرادَ النَّفرَ من منًى في ثاني أيَّامِ التَّشريقِ (خرجَ قبلَ الغروبِ) ولا إثمَ عليه (وسقط عنه رمي اليوم الثَّالثِ، ويَدفِنُ حصاه) أي: حصى الثَّالثِ (نَدْبًا) وفُهِمَ منهُ أنَّه إذا لم يخرج قبلَ الغُروبِ، لزمَهُ المبيتُ والرَّمي مِنَ الغدِ بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ عمرَ ﵁: من أدركه (٢) المساءُ في اليوم الثَّاني، فليُقِم إلى الغدِ، حتَّى ينفرَ مع النَّاسِ (٣). (وإذا أَرادَ الخروجَ من مكَّةَ) بعدَ عودِه إِليها (ودَّع البيتَ بالطَّواف) وجوبًا، إِذا

стр. 915

ويسقط عن حائضٍ. وإنْ أقامَ أو اتَّجَر بعدَه، أعادَه، ومَنْ تركَه، رجعَ إليه إنْ لم يشقَّ، فإن لم يفعلْه، فعلَيْه دمٌ. ويقفُ بالملتزَمِ بين الركنِ والبابِ ملصقًا جميعَه، ويدعُو فيقول: فرغَ مِنْ جميعِ أمورِهِ؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: أمِرَ النَّاسُ أن يكونَ آخر عهدِهم بالبيتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المرأةِ الحائض. متَّفق عليه (١)، ويُسمَّى طوافَ الصَّدَرِ (٢). (ويسقط) طواف الوداعِ (عن حائضٍ) ونُفساءَ؛ لما تقدَّم. (وإنْ أقامَ) بعدَ طوافِ الوداع (أو اتَّجَر بعدَه، أعاده) إذا عَزمَ على الخروجِ وفرغَ من جميعِ أموره؛ ليكونَ آخرَ عهدِه بالبيتِ، كما جرت العادةُ في توديعِ المسافرِ أهلَه وإخوانَه. (ومَن تركَه) أي: طواف الوداعِ غيرَ حائضٍ ونُفساءَ (رجعَ إليه إن لم يشقَّ) عليه الرُّجوعُ بلا إحرامٍ، إنْ لم يبعد من مكَّةَ، وإلَّا، أحرمَ بعُمرةٍ، فيطوفُ وَيَسعى للعمرةِ، ثُمَّ يطوفُ للوداعِ. (فإن لم يفعله (٣)) أي: لم يرجِع، أو شقَّ الرُّجوعُ على مَن بعدَ عن مكَّةَ دونَ مسافةِ قَصرٍ، أو بعُدَ عنها مسافة قَصرٍ -ولا يلزمُه الرُّجوعُ إذًا- (فعليه دَمٌ) لتركهِ نُسُكًا واجبًا. (ويقفُ) غيرُ حائضٍ ونُفساءَ بعد الوداعِ (بالملتزم) وهو مقدارُ أربعةِ أذرعٍ (بينَ الرُّكنِ) الذي به الحجرُ الأسودُ (والباب) (٤) حالَ كونه (ملصقًا) به (جميعه) وجهَهُ، وصدرَهُ، وذراعيهِ، وكفيهِ مبسوطَتينِ (ويدعُو) بما وردَ (فيقول) وهو على هذهِ الحالِ:
следующие страницы →