← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12713

أحاديث ومرويات في الميزان 2 - حديث الفينة

محمد عمرو بن عبد اللطيف

Полный текст (179 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وخالفهما جمهور أصحاب الزهري فرووه عنه عن سعيد وأبي سلمة كما ذكرتُ. قال الدارقطني ﵀: " والصحيح عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة، وحديثه عن عبيد الله غير مدفوع (١) لأنه قد اجتمع عليه اثنان والله أعلم". قلت: إن كان يعني ﵀ احتمال صحته؛ ففي القلب من ذلك، فإن الرواة عن يونس لم يتفقوا على ذلك، فرواه شبيب بن سعيد عن يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة كما قال الدارقطني، وشبيب وإن كان دون ابن وهب في الحفظ إلا أن حمل رواية يونس على ما يوافق الجماعة أولى، وإن كانت الأخرى هي المحفوظة عن يونس، فقد خالفة أثبت ثلاثة في الزهري وهم: مالك وابن عيينة ومعمر وانضم إليهم الليث بن سعد، وابن جريح، وعقيل بن خالد الأيلي. وأحياناً كان بعض الرواة عن بعض هؤلاء يفردون سعيداً ـ وحده ـ أو أبا سلمة ـ وحده ـ والله المستعان. وعَوْداً إلى حديث عتبة أبي عمرو عن الشعبي عن أنس فإن رواية العقيلي قد اختصرت المتن جداً. فإنني رجعت إلى كتاب "الفرائد على مجمع الزوائد" لأخي الحبيب

стр. 72

الشيخ / خليل بن محمد العربي ـ حفظه الله ـ لأثبت في نسختي اسم (عتبة أبي عمرو) بعد استدراكي إياه على الحافظ الهيثمي ﵀ إذ جعله (عتبة بن يقظان) وإن لم يصرح باسم أبيه كما بيَّنتُ. فإذا به أيضاً يستدرك على قوله في "المجمع" (١/٣٢٢) : " رواه البزار، وفيه عتبة أبوعمرو. روى عن الشعبي، وروى عنه محمد بن الحسن الأسدي، ولم أجد من ... ذكره ... " لكنه اختصر كلامه، قائلاً: " قلت: الراجح أنه: عتبة بن عمرو المكتب، فقد ترجم له ابن حبان في الثقات، ... وقال: يروي عن الشعبي شيخه في هذا الحديث، بالإضافة إلى أنه كوفي كما نسبه ابن حبان، وإسناد البزار إسناد كوفي، وكذلك عادة كثير من الرواة (١) أن يسموا أبنائهم باسم آبائهم (تحرفت إلى: آباءهم) ، ثم يكتنوا بها، وصاحب الترجمة كنيته أبو عمرو (تحرفت إلى: أبو عمر) فهذه أمور عدة ترجح ما ذهبت إليه، والله أعلم، وعتبة بن عمرو هذا ترجم له البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان " أهـ. قلت: هذه متابعة لي من أخي الحبيب أزداد بها يقيناً بما هداني ربي جلَّ وعزَّ إليه، وإن فاتته بعضُ مصادر الترجمة، والنصُّ على كنيته في أحدها، وفاته وصفُ الطبراني في حديث الخلافة لـ (عتبة أبي عمرو) بأنه (المكتب) ، ونصُّ الدارقطني في (الأفراد) على أنه (عتبة بن عمرو

стр. 73

أبو عمرو) بل في حديث الشعبي أيضاً بأنه (عتبة بن عمرو) كما سيأتي ـ بإذن الله ـ، فالحمد لله على توفيقه. أما رواية البزار للحديث ـ بطوله ـ فأني أسوقها الآن: قال ﵀: " حدثنا عمر (١) بن محمد بن الحسن ثنا أبي عن عتبة أبي عمرو (٢) عن الشعبي عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: من يكلؤنا (٣) الليلة؟ فقلت: أنا. فنام ونام الناس ونمت، فلم نستيقظ (٤) إلا بحر الشمس، فقال: أيها الناس، إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد يقبضها ويرسلها إذا شاء، فاقضوا حوائجكم على رسلكم. فقضينا حوائجنا على رسلنا، وتوضأنا، وتوضأ النبي ﷺ فصلى ركعتي الفجر، ثم صلى بنا". قال البزار: " لا نعلم رواه عن الشعبي عن أنس إلا عتبة، ولا حدث به

стр. 74

إلا محمد بن الحسن الأسدي " كما في "كشف الأستار" (٣٩٦) و"مختصر الزوائد" (١) للحافظ ﵀ (٢٤٧) . وكنت قد وجدت الحديث في "أطراف الغرائب والأفراد" (مسند أنس) (٢/١٢٨) تحت عنوان: (عامر الشعبي عن أنس) (رقم ٩٣٩) ، وقال الدارقطني ﵀: " غريب من حديث الشعبي عن أنس، تفرد به عتبة بن عمرو عنه، وتفرد به محمد بن الحسن الأسدي عن عتبة بن عمرو " ولم يستطع المحققان ـ عفا الله عنهما ـ إثبات طرف المتن على الصواب، فأثبتاه هكذا: "كنت مع رسول الله ﷺ فقال: من " كلو " ما فعلت أنا ... " الحديث. مع كثرة الوسائل الهادية إلى أن صوابه: " من يكلؤنا؟ فقلت: أنا " وإنما التوفيق من الله وحده. ثم إنني أثناء بحثي عن طرف: " من يكلؤنا الليلة " ـ لتأكيد أنه الصواب ـ وجدتُ متعلقاً وحجة لمن ذهب إلى أن عتبة بن يقظان الراسبي كنيته (أبو عمرو) إذ كان من جملة المصادر التي وقعتْ عيناي عليها: "كنى الدولابي" (٢/٤٥) ، فإذا به ـ تحت عنوان: " من كنيته أبو عمرو " (٢/٤٣) ـ يذكر: " وأبو عمرو عتبة بن اليقظان " ثم يروي حديثه (٢/٤٥ ـ ٤٦) : " أخبرنا أحمد بن شعيب (وهو الإمام النسائي) قال: أنبا عمر بن محمد بن الحسن قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عتبة أبو عمرو ـ وهو ابن اليقظان ـ عن الشعبي عن أنس ... " فذكر الحديث بطوله.

стр. 75

فالظاهر أن الإمام النسائي ﵀ أورد هذه الترجمة وهذا الحديث في كتابه "الكنى"، ولعله هو القائل: " وهو ابن اليقظان " ولو كان القائل هو الراوي عن عتبة أبي عمرو (محمد بن الحسن الأسدي) ؛ لكانت القضية محسومة، وما أرى هذا التعيين إلا ممن دونه، وبذلك يَثْبُتُ أن الخلاف في تعيين (عتبة أبي عمرو) قديم جداً. وقد قال النسائي ﵀ في "الكنى": " أبو زحارة عتبة بن يقظان غير ثقة " كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٧/١٠٤) والذي كناه بذلك هو الراوي عنه، وبَلَدِيُّه وقِرنه أبو هلال محمد بن سليم الراسبي. قال عباس الدوري في "تاريخه" (٤/٣٢٣ رقم ٤٦٠٣) : " سمعت يحيى يقول: قد روى أبو هلال عن عتبة بن يقظان أبي زخَّارة، هكذا قال سليمان بن حرب: أبو زخَّارة ". فهو ينكر على سليمان بن حرب إعجام الحاء فحسب. هذا والذي أخَّر وقوفي على ذلك النص في " كنى الدولابي " أنني وجدته يكنيه (أبا زحارة) ويستدل على ما في "تاريخ الدوري" فلم يخطر ـ وقتها ـ على قلبي قط أنه سيكنيه كنية أخرى في موضع آخر، فأستغفر الله على تقصيري. وقد وقع سقط وتحرف في "كنى الدولابي" (١/١٨٤) ففيه " وأبو زحارة " ثم انتقل إلى كنية أخرى ولكن ختم (أفراد الزاي) بإيراد نص الدوري، وفيه: " عتبة بن بوطان " هكذا والله، فلا أدري أهو خطأ يتعلق بالطباعة كما عهدناه بكثرة في هذه الطبعة السقيمة، أم تَحَرَّفَ الاسمُ

стр. 76

على الحافظ الدولابي ﵀ وبذلك لا يكون كرر ذكر (عتبة بن يقظان) في الموضعين؟؟ ومقصودي الآن أن نص الراوي عن الشيخ على كنيته بعد أن سماه وسمى أباه هو المقدم على نص مَن دونه على شيخ مكنّىً في إسنادٍ على أنه (ابن فلان) . وأسأل الله أن يجلي لي هذا الأمر أكثر مما تقدم، فقد طال جداً ... الأخذ والردّ فيه. والآن انتقل إلى تلخيص ما خلصت إليه من التراجم والأحاديث المتقدمة: ١ ـ أن عتبة بن عمرو المكتب قد روى عنه جماعة من الثقات وغيرهم. ٢ ـ أنني لم أقف على رواية بعض المنصوص عليهم عنه: كالوليد بن مسلم، ومحاضر بن المورع، وأبي صَيْفي، ولا على روايته عن بعض شيوخه كقتادة. ٣ ـ أنه لم ينص على توثيقه توثيقاً مطلقاً إمام معتبر، ومع أن إدخال ابن حبان إياه في كتابه "الثقات" لا يلزم منه هذا المعنى، فإن توثيقه أيضاً لأهل هذه الطبقة غير معتبر (!) بل إنه في كتابه الآخر ـ "مشاهير علماء الأمصار" ـ نص على إتقان جماعة ووثقهم بصيغ رفيعة جداً (١) ، وغيره من النقاد يرون فيهم عكس ذلك، ولا يحضرني الآن للتدليل على ما أقول.

стр. 77

٤ ـ أن أبا حاتم الرازي ـ على سعة علمه ـ لم يعرفه، بمعنى أنه لم يعرف حاله في الحديث. وإمام الجرح والتعديل لم يعرف عنه أكثر من كونه شيخاً لعبد الله بن إدريس الأودي، كأنه ـ على غزارة محفوظه ـ لم يبلغه عنه أكثر من تلك القصة التي لا يصلح أن نمرّ عليها مرور الكرام، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أنه مُقِلٌّ جداً في الرواية. ٥ ـ على الرُّغم من حرصي الشديد على اقتناص أي حديث يتعلق به، فأني لم أجد إلى الآن حديثاً له رواه أكثرُ من واحد، ولم أجد له أيضاً حديثاً صح إسناده إليه أو لم يصح، توبع عليه إسناداً ومتناً من ثقة أو غير ثقة. ٦ ـ قد يكون متشيعاً لكوفيته، ولكونه مذكوراً في بعض كتب القوم من أصحاب (جعفر الصادق) ﵀، وإن كان الأمران لا يصلح واحد منهما كدليل قطعي على ذلك، ففي أهل الكوفة جماعة من أهل الفضل والسنة كزائدة بن قدامة وغيره كما أن فيهم من هو مذكور بغير التشيع كعمر بن ذر وأبيه، فإنهما من المرجئة، وهذا ما سأناقشهُ في العنصر التالي. أما الأمر الآخر، ففي (جامع الرواة) كثير من أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان، بل فيهم بعض الغلاة الشَّتَّامين لمثل عثمان ﵁ وللسلف ـ في النصوص التي في كتبنا ـ؛ ومع ذلك يعتبرونه عامي المذاهب (!!) كعباد بن يعقوب الرواجني. ٧ ـ الأمر الأدهى من سابقه ـ إن ثبت عليه التشيع بغير غلو ـ أن قول

стр. 78

(محارب بن دثار) الثقة الزاهد ﵀ له يدل بظاهره أنه كان ينتحل بدعة أخرى من بدع الاعتقاد، لأنه أقره ولم يرد عليه! ٨ ـ عجباً لعدم ذكر الذهبي له في "ميزان الاعتدال" من أجل قول ابن معين وأبي حاتم فيه، بل ومن أجل قصته مع محارب بن دثار ﵀، وعدم استدراك الحافظ لذلك في "اللسان" وابن العراقي في "الذيل" (لِلَّهِ) فهذا لو فات واحداً فكيف فات الجميع؟! ٩ ـ قد يكون هو الذي قال فيه الدارقطني ﵀ " لا بأس به " وقد لا يكون، لاسيما والمثبت في كنيته في "سؤالات البرقاني": " أبو عمر"، أقول هذا مع علمي بوقوع تصحيفات فيه، لاسيما و (ابن نهشل) المذكور في نفس الترجمة لم أَدْرِ من يكون، وهل هو (أبو نهشل) المجهول الذي نص أكثرهم أو دل صنيعه على تفرد المسعودي عنه أم لا؟ وقد قلَّبْتُ اسمه على وجوه فلم أستدل عليه. ١٠ـ أنه لم يبين سماعه لهذا الحديث الغريب الذي سأتعرض لنكارة متنه في آخر البحث ـ بحول الله وقوته ـ؛ لم يبين السماع من عكرمة ـ عفا الله عنه ـ كما لم ينص على سماعه منه أحدٌ من مترجميه فيما أعلم، وهو إن كان ينزل إلى الرواة عن عكرمة كقتادة بن دعامة ـ عفا الله عنه ـ فلا يؤمن عليه أيضاً الإرسال. ١١ـ أن عكرمة ﵀ خاصةًّ قد رَوَى عنه جمع كبير من الثقات كأيوب السختياني، وثور بن زيد الديلي، وثور بن يزيد الرحبي، وأبو بشر جعفر بن إياس ـ وهو جعفر بن أبي وحشية ـ، وحصين بن عبد الرحمن

стр. 79

السلمي، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وعاصم الأحول، وعمرو بن دينار المكي وعمران بن حدير، وقتادة، وأبي إسحاق الشيباني، فأين كانوا حين حَدَّث عكرمة بهذا الحديث الغريب الذي يطمئن الذين اعتادوا على إتيان ذنب مخصوص الحين بعد الحين أو أقاموا على ذنب مخصوص حتى فارقوا الدنيا؛ على أن النبي ﷺ أثبت لهم صفة ومنزلة الإيمان " ما من عبد مؤمن ... "؟ وكان الرواة يحتوشون عكرمة أينما ذهب في أقل من هذا، بل أين كان من دونهم ـ مطلقا أو في عكرمة خاصة ـ كهشام بن حسان، وسماك بن حرب وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وعبد العزيز بن أبي رواد، والحسين بن واقد المروزي، ومطر الوراق، وأبي حريز (١) ؟ أم أنه اختص عتبة بن عمرو المكتب، الذي خفي حاله على كبار الأئمة، بهذا الحديث الفريد في بابه إن كان لقيه؟! فلما عرضنا هذا الإسناد ـ الإمام البخاري، عن أحمد بن الصباح الرازي، عن علي بن حفص المدائني، عن عتبة بن عمرو المكتب، عن عكرمة، عن ابن عباس ـ على إسناد الطبراني الذي بدأت بإيراده ـ الحسن بن العباس الرازي، عن أحمد بن أبي سريج الرازي، عن علي بن حفص المدائني، عن عبيد المكتب الكوفي، عن عكرمة، عن ابن

стр. 80

عباس ـ؛ لما فعلنا ذلك اكتشفنا أن إسناد الطبراني معلولٌ، لا تقوم له قائمة وأن ترجمة البخاري لعتبة المكتب والحديث الذي ساقه له فيها بما يدل دلالة قاطعة على أنه حديثه المعروف به؛ كل ذلك كشف زَيْفَ وعوار الإسناد الذي أتى به الحسن بن العباس الرازي ـ شيخ الطبراني ـ وهو رجل ثقة من كبار القراء، غير موصوف بحفظ ولا إتقان ـ عفا الله عنهم ـ جميعاً. وذلك لأن اللبس واقع منذ وقت مبكر في حياة بعض شيوخ البخاري، فقد لاحظه عباس الدوري وسطره في " تاريخه " حين قال: " كذا قال يحيى عن ابن إدريس عن عتبة المكتب. ولم يقل عبيد المكتب ". ثم لاحظه ابن حبان لما قال في ترجمة " عتبة " من "الثقات": " وليس هذا بعبيد بن عمرو المكتب ". فبين الرجلين تشابه شديد: * فهذا كوفي، وذاك كوفي. * وهذا مكتب، وذاك أيضاً مكتب. * وهذا يروي عن الشعبي، وذاك كذلك بما يدل على اشتراكهما في الطبقة. * وعتبة اسم والده: عمرو. وعبيد حَكَى ابن حبان في ترجمته أنه يقال له كذلك، بل قال في ترجمة عتبة ما ذكرته قريباً جداً.

стр. 81

* واسمَا الرجلين مما يتشابه عند أهل العلم قال الخطيب ﵀ في "تلخيص المتشابه في الرسم" (٢/٨١٨) (باب الخلاف في الأبناء والأباء معاً) : (عبيد بن أبي عبيد وعتبة بن أبي عتبة) (لِلَّهِ) فأورد في الأول رجلين، وفي الثاني ثلاثة رجال. هذا ما لاح لي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ ًفمن نفسي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] . وللمرة الثانية أذهل عن قضية خطيرة، هي: (هل يمكن للطبراني ﵀ في "معاجمه" أن يتفرد بحديث صحيح خلت منه الكتب الستة و "المسند" و"الصحاح" والكتب المشهورة؟ ولذلك سأجعل مناقشة ذلك بعد إيراد كلام العلماء حول الطريق الأولى خاصَّةً، ولكن باختصارٍ غير مُخلٍّ ـ بإذن الله ـ. ٢ ـ طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃ ـ. قال الطبراني ﵀ في "الكبير" (١٢/٥٦ رقم ١٢٤٥٧) و "الأوسط" (٦/٨٩ رقم ٥٨٨٤) ـ واللفظ له ـ: " حدثنا محمد بن علي بن مهدي ـ زاد في الكبير: العطار ـ الكوفي، قال: نا محمد بن سليمان بن بزيع (١) الكوفي، قال: نا مصعب بن المقدام، عن أبي معاذ، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية،

стр. 82

عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مؤمن (١) إلا وله ذنب يصيبه الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةَ، إنَّ المؤمن نسَّاءٌ (٢) ، إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ ". وقال في الأوسط: " لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي بشر إلا أبو معاذ، وهو سليمان بن أرقم " كذا قال ﵀ وسأبين ما في هذا عند الترجمة لأبي معاذ. ورواه أبو القاسم التيمي الأصبهاني ﵀ في "الترغيب والترهيب" (٢٦) من وجه آخر عن محمد بن محمد بن علي بن مهدي به، ولفظه: " ما من مؤمن إلا وله ذنب لا يفارقه الفينة بعد الفينة حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن نسَّاء، إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ ". ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٨٠٩) من طريق محمد بن المظفر الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، أنبا محمد بن سليمان الخزاز، ثنا مصعب ابن المقدام به، ولفظه: " ما من مؤمن إلا وله ذنب يصيبه الفينة بعد الفينة، لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، وإن المؤمن خُلِقَ نسَّاء إذا ذُكِّر ذَكَرَ ".

стр. 83

تراجم رجال إسناد الطبراني: ١ ـ محمد بن علي بن مهدي العَطَّار الكوفي. * قال الحافظ حمزة بن يوسف السهمي ﵀ في "سؤالاته للدارقطني وغيره من المشايخ في الجرح والتعديل" (٤) : " وسألته ـ يعني: الدارقطني ـ عن محمد بن علي بن مهدي الكوفي، فقال: ثقة ". وقال أيضاً (٧٨) : " وسألته عن محمد بن علي بن مهدي بن زياد أبي جعفر العطار بالكوفة، فقال: لا بأس ". كذا أثبتها المحقق ـ عفا الله عنه ـ والجادة أن يقول: " لا بأس به "، فالله أعلم. وقد عزا الموضعين إلى (معجم شيوخ الإسماعيلي الترجمة ٧٣) ، ولم يتفطن في الأول إلى أنه سيأتي، ولا في الثاني إلى أنه تقدم، ولم يأت في فهارس الكتاب إلا معزواً إلى الموضع الأول فقط، فليتنبه طالب العلم إلى هذا حتى لا يعتمد عليها اعتماداً كلياً. لكنني استفدت فائدة كنت أستشرف لها وللوقوف عليها، ألا وهي نسبته إلى إحدى القبائل، فوجدت الإسماعيلي يقول في "معجم شيوخه" (٧٣) : "أبو جعفر محمد بن علي بن مهدي بن زياد الكندي العطار، كوفي ". وبعد زمان نظرت في فهارس "معجم ابن المقريء" عسى أن يكون قد روى عنه ونَسَبَهُ، وكنت لم أرجع بعدُ إلى كتاب الإسماعيلي تارة أخرى، فوجدت شيئاً يستحق التنبيه،

стр. 84

ففي فهرس الشيوخ: " أبو بكر محمد بن علي بن مهدي بن حرب النجار التستري " روى عنه (٢٢٧) عن أبي يوسف يعقوب بن سفيان وهو الفسوي الحافظ ﵀ بل وفي الحديث الذي يليه (٢٢٨) أيضاً. فإني لا آمن ـ واللهِ ـ أن يأتي أحد المغفلين أو المجازفين ـ فيعرِّف أحد الرجلين على أنه الآخر!! وهذا كثير ومشاهد من أدعياء التحقيق هداهم الله، فإذا ضممنا جملة هذه المعطيات بعضها إلى بعض، فسنعرِّف هذا الشيخ بأنه: (أبو جعفر محمد بن علي بن مهدي بن زياد الكندي الكوفي العطَّار) . والحمد لله على توفيقه. وحاله في الحديث أنه: (ثقة) ، فإن كل ثقة ـ عَدْل تامّ الضبط ـ يصدق عليه أنه (لا بأس به) لا العكس، وذلك أيضاً عند صدور اللفظين من ناقد واحد، لا مطلقاً. فقد وُجِد من النِّاس من يجد الرجل قد وثقه أمثال أحمد وابن معين وأبي زرعة وأبي داود والنسائي والدارقطني، وقال فيه أبوحاتم " صالح " أو " شيخ صالح " فيحمل جميع هذه التوثيقات على أن أصحابها جميعاً أرادوا أنه (عَدْل) (!!) للتوصل بل الهروب من وصف الحديث بالصحة، فالله المستعان. ٢ـ محمد بن سليمان بن بزيع الكوفي: لا أعرف عن هذا الرجل أكثر من اسمه، وأنه قد رَوَى عنه أكثر من واحد حَسْبُ!

стр. 85

وذلك بعد بحث طويل، وتفتيش دؤوب، لكن لا يصل إلى التقليب ـ مثلاً ـ في "المعاجم"، والمصادر التي لا تتصف بعلو، مثل أسانيد الخطيب في "تاريخه" وغيره و"شعب الإيمان" ونحو ذلك، وإنما كان أكثر ذلك ـ بعد اليأس من وجوده في المصادر المشهورة مثل "سؤالات الدارقطني" و "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"لسانه" وكتب (المشتبه) ـ في الفهارس الشاملة كـ "فهرس الدعاء" و"الأوسط" للطبراني وفهرس رجال "تاريخ جرجان" وفهرس رجال "بغية الطلب" وغير ذلك. فاستعنت بأخٍ لي حبيب ليبحث عنه في (الحاسب الآلي) ، فلم يفده إلا بموضعين: الأول: وقوعه في إسناد للطبراني في "الكبير" هو هذا الإسناد! الثاني: وقوعه في ترجمة (إسماعيل بن أبان الوراق) من "تهذيب الكمال" (٣/٨) في جملة الرواة عنه، لكن الحافظ المزي ﵀ لم ينسبه، وهذا يشعر بأنه لا يعرف عنه أكثر من وقوعه في بعض الأسانيد، لكنه لم يورده في جملة الرواة عن (مصعب بن المقدام الخثعمي) شيخه في هذا الحديث، مع ظهور شدة اعتنائه بـ " معاجم الطبراني " في إيراد شيوخ المترجم له والرواة عنه. ثم لما رُزِقتُ كتاب " مجموع فيه مصنفات أبي الحسن الحمّامي " وجدت في "جزء من حديثه عن شيوخه" تخريج أبي الفتح بن أبي الفوارس (٢٥) من طريق الحضرمي ـ وهو محمد بن عبد الله بن سليمان الحافظ الملقب بـ (مُطَيَّن) ـ حدثني جعفر بن حرب: حدثنا

стр. 86

محمد بن سليمان بن بزيع: حدثنا حسين الأشقر عن مسعر، عن عبد الملك بن عمير القبطي، أن علياً ﵇ كان يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعراً، وأنتم تثلطون ثلطاً، فأتبعوا الحجارة الماء ". قال أبو الفتح بن أبي الفوارس ـ عقبه ـ: " غريب من حديث مسعر، وهو غريب من حديث حسين الأشقر ". ووصف الحديث بأنه " غريب من حديث حسين الأشقر " ـ على الرُّغم من كونه متروكاً ـ ربما أدان ابن بزيع لولا أنني لم أجد ترجمة لجعفر بن حرب الراوي عنه. وشيخ بن الحمامي ـ الحسن بن محمد السكوني ـ روى عنه الحاكم، وقال: ... " ثقة مأمون ". وعارضه الشيخ مقبل بن هادي ﵀ في "تراجم رجال الحاكم" (رقم ٦٠٥) بأن الدارقطني في "غرائب مالك" روى حديثاً هو شيخه فيه، وقال: "هذا باطل بهذا الإسناد ومَن دُوْنَ مالك ضعفاء "، ثم قدَّم قول الدارقطني لأنه أعلم من الحاكم. وقال الشيخ حمدي السلفي ـ حفظه الله تعالى إن كان لم يزل حياً يرزق ـ في حاشية "مسند الشهاب" (٢/٢٤) : " عبد الله بن محمد بن جعفر اتُّهِمَ بوضع الحديث، ومحمد بن سليمان الخزاز ضعيف، ومصعب بن المقدام صدوق له أوهام، ورواه الطبراني في الأوسط ... (٤٦٠ مجمع البحرين) من طريق سليمان بن بزيع الكوفي عن مصعب به، وسليمان منكر الحديث ... ".

стр. 87

قلت: ابن جعفر هذا هو القزويني أبو القاسم الشافعي ـ مذهباً ـ القاضي، نزيل مصر. قال فيه الدارقطني ﵀: " كذاب يضع الحديث " كما في "سؤالات الحاكم له" (١١٥) ، ولم يتفرد بالحديث من هذا الوجه، بل تابعه محمد بن علي ابن مهدي العطار الثقة ـ كما تقدم ـ لكنه سمى الراوي عن مصعب: محمد بن سليمان بن بزيع الكوفي، وهو الذي نحن بصدد الكلام عنه الآن. وظني ـ وهذا هو الظن بأمثاله (لِلَّهِ) ـ أنه أراد الإغراب، هذا إن كان سمعه من ابن بزيع حقاً ولم يَدَّعِ سماعه للحديث منه. وقد وهم الشيخ ـ عفا الله عنه ـ في قوله أن الطبراني رواه في "الأوسط" عن (سليمان بن بزيع الكوفي) ، وبناء على ذلك قال: " وهو منكر الحديث "؛ فإنما هو (محمد بن سليمان بن بزيع الكوفي) كما بيّنتُ، بل أذهب إلى أن سليمان ليس والده، فإن الظاهر من مجموع ما لديَّ من معطيات حوله أنه مصري، وليس كوفياً، والتي منها: * أن ابن يونس قال فيه: " منكر الحديث "، وابن يونس هو صاحب "تاريخ مصر". * وأنه يروي عنه إبراهيم بن أبي الفياض البرقي، وهذا رجل توفي بمصر، ويروي عن أشهب بن عبد العزيز صاحب مالك، وهو مصري ﵏ جميعاً ـ. ثم لاح لي أن أستفيد من حديث عزاه الحافظ ﵀ في ترجمة (سليمان ابن

стр. 88

بزيع) هذا إلى ابن عبد البر في "جامع بين العلم"، وأحسست بشدة أنني سأتوصل إلى شيء ما فلما رجعتُ إلى "الجامع" وجدته روى الحديث (١٦١١، ١٦١٢) من طريقين عن البرقي عنه عن مالك بإسناده إلى علي ﵁ قال البرقي في أولهما: " حدثنا سليمان بن بزيع الإسكندراني ... " (!!!) فالحمد لله على توفيقه، وأشهد أن هذا العلم إلهام. أما (محمد بن سليمان الخزاز) الذي ضعفه الشيخ السلفي ـ كأنه تبع في ذلك المدعوَّ أحمد بن الصديق الغماري ـ عليه من الله ما يستحق ـ في "فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب" (٢/٦٣ رقم ٥٢٦) ، لكن هذا الغماري ذهل عن إعلاله بالراوي عنه، ذاك الوَضَّاع! فهو (محمد بن سليمان بن هشام بن سليمان بن عمرو بن طلحة اليشكري الشطوي البصري ثم البغدادي الخزاز ابن بنت سعيدة بنت مطر الوراق ويعرف بـ: أخي هشام) وهو من أفراد ابن ماجه، وهو واه منكر الحديث، اتهمه الخطيب بوضع حديث. وهو يروي عن أقران (مصعب بن المقدام) كوكيع وأبي معاوية وأبي أسامة والمحاربي وابن علية ونحوهم. ٣ـ مصعب بن المقدام: هو (أبو عبد الله مصعب بن المقدام الخثعمي، مولاهم الكوفي) مختلفٌ فيه جرحاً وتعديلاً، وقد روى له مسلم في الشواهد والترمذي والنسائي وابن ماجه.

стр. 89

* قال ابن الجنيد في "سؤالاته" (٢٥٢) : " سئل يحيى بن معين ـ وأنا شاهد ـ عن مصعب بن المقدام الخثعمي، فقال: ما أرى به بأساً ". وقال ابن الغلابي: قال أبو زكريا ـ يعني: يحيى بن معين ـ: " مصعب بن المقدام ثقة ". وقال ابن شاهين في "الثقات" (١٣١١) عنه: " كان صالحا، لا بأس به ". * وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: " المصعب بن المقدام ضعيف ". وهذان في ترجمته من "تاريخ بغداد" (١٣/١١١) . * وقال الإمام أحمد بن حنبل: " كان رجلاً صالحاً، رأيت له كتاباً، فإذا هو كثير الخطأ، ثم نظرت في حديثه، فإذا أحاديثه متقاربة عن الثوري "، كما في "تهذيب التهذيب" (١٠/١٦٦) ولم أجده في مصدر آخر (١) . * وقال الآجري في "سؤالاته" (٤٤٣) : " وسئل أبو داود عن مصعب بن المقدام، فقال: لا بأس به ".

стр. 90

وقال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٣/٣٠٨) : " سألت أبي عن مصعب بن المقدام فقال: هو صالح الحديث ". وقال في ترجمة مصعب بن ماهان منه (٣ /٣٠٩) : " سئل أبي عن مصعب ابن ماهان ومصعب بن المقدام: أيهما أحبُّ إليك؟ فقال: مصعب بن المقدام ". وقد روى عن أبيه أنه قال في ابن ماهان: " شيخ ". قال: " وحكى غيري عن أبي أنه قال: ثقة عابد "، وهذا الغير لم يُسَمَّ. ثم تبين لي أن ما حكاه الحافظ ﵀ في "التهذيب" عن الإمام أحمد ﵀ كان خطأً عليه، فبينما لفظ ابن أبي حاتم ـ الذي ذكرته في الحاشية ـ عن الأثرم محتمل، إلا أن لفظ العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/١٩٨) كان قاطعاً، إذ روى من طريقه قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر مصعب بن ماهان صاحب الثوري فأثنى عليه خيراً، وقال: جاءني إنسان مرة بكتاب عنه، فإذا كثير الخطأ (كذا، ولعل الصواب: فإذا هو ... ) ، فإذا إخال من الذي كتب عنه (كذا) ، فلما نظرت بَعْدُ في حديثه فإذا أحاديثه متقاربة، وفيها شيء من الخطأ ". فالمَعنِيُّ بهذا الكلام هو: (مصعب بن ماهان المروزي ثم العسقلاني) ، واللبس بينهما قريب، فكلاهما معروف بالثوري ـ ويشتركان أيضاً في (داود بن نصير الطائي) ـ رحمة الله تعالى عليه ـ وكلاهما من العباد. على أن النقل نَفْسَهُ فيه خلل وأسقط أموراً لا تدرك من الرواية المختصرة. والكمال لله وحده.

стр. 91

* وقال العجلي: " كوفي متعبد ". كما في "ترتيب معرفة الثقات" (١٧٣٤) للهيثمي والسُّبكي. وقال ابن حبان في "الثقات" (٩/١٧٥) : " أبو عبد الله الكوفي يروي عن الثوري وزائدة وداود الطائي، روى عنه محمد بن رافع وأهل العراق، مات سنة ثلاث ومائتين ". وقال ابن قانع: " كوفي صالح ". * وقال الساجي: " ضعيف الحديث، كان من العباد، قال أحمد بن حنبل ... " إلخ كما في "تهذيب التهذيب". ولاح لي الآن ـ فقط ـ أن الوهم من الحافظ الكبير الإمام زكريا الساجي ... ـ عفا الله تعالى عنه ـ وليس من الحافظ ابن حجر ﵏ جميعاً ـ وبقي أنه لم يتعقبه فحسب، فـ " كم ترك الأول للآخر "!! ثم إن قول الساجي: قال أحمد، أو: قال ابن معين؛ لا يُحتَجُّ به، لأنه لم يدركهما، فينبغي التَأنِّي في مثل ذلك. * وقال البرقاني في "سؤالاته للدارقطني" عنه (٥٠٧) ـ بعد الترجمة لرجلين ـ: " مصعب بن المقدام ثقة ". * وقد رد الخطيب البغدادي ﵀ تضعيف علي بن المديني ـ رحمهما الله ـ له بقوله في "تاريخه" (١٣/١١١) : " قلت: قد وصفه بالثقة يحيى بن معين وغيره من الأئمة ". ثم روى بإسناده إلى ابن الغلابي عن ابن معين توثيقه، وبإسناده إلى ابن الجنيد قوله: " ما أرى به بأساً "، ثم قول أبي داود والدارقطني فيه.

стр. 92

نعم، إطلاق القول بضعفه بعيد، ولكن ينبغي ألا ننسى أن هناك مراتب عِدَّة للرواة فيما بين " ضعيف " و " ثبت ". ولست أرغب في الانشغال بتتبع الأحاديث الذي تفرد بها هذا الرجل الصالح ﵀ كما فعلتُ في غيره، ولكن في الجملة أذهب إلى خطأ القول بإعطائه حكماً واحداً لا ينفكُّ عنه، بل أُفَصِّلُ بأن تفرده عن المشاهير أمثال: سفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس السبيعي، وزائدة قدامة الثقفي، وعبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج المكي، ومسعر بن كدام الهلالي ـ ممن لهم أصحاب كثر ومجالس متواصلة ـ هذا التفرد لا أقبله من مثله. أما إن تفرد عن مثل: داود بن نصير الطائي ـ الثقة الزاهد العابد الذي قطع مجالس التحديث واعتزل الناس ـ فإني أراه محتملاً، ويظهر أنه كان له اختصاص به، فقد تفرد عنه ـ فيما قطع به الطبراني في "الأوسط" ـ باثنين وعشرين حديثاً كلها مستقيمة الأسانيد والمتون، ثابتة عن شيوخ داود فيها. وكذلك لو تفرد عن الضعفاء المرغوب عنهم وعن حديثهم، فلا ضَيْرَ كما في حديثنا (١) هنا، سواءٌ أَكان شيخه أبو معاذ هو سليمان بن أرقم كما جزم الطبراني ﵀، أو عتبة بن حميد الضبي كما خَلُصْتُ إليه في بُحَيثٍ سأذكره، أو ثالث لا يُدرى من هو لِلَّهِ على ألا ننسى أن الراوي عن مصعب نفسه لا يدرى من هو!

стр. 93

هذا، وقد قوَّمَهُ أخي الحبيب الشيخ أبو تراب ـ حفظه الله ـ في ترجمته لدينا بـ " دار التأصيل " على أنه (صدوق) ، وهذا تقويم أعتزُّ به، والحمد لله رب العالمين. ٤ـ أبو معاذ: تقدم أن الحافظ الطبراني ﵀ عَقَّبَ على الحديث في "الأوسط" (٥٨٨٤) بقوله: " لم يرو هذا الحديث عن أبي بشر إلا أبو معاذ، وهو سليمان ابن أرقم ". قلت: للوهلة الأولى حاك هذا الجزم في تعيين أبي معاذ هذا على أنه سليمان ابن أرقم ـ أحد المتروكين ـ حاك في صدري، ولم يركن إليه قلبي الضعيف. فلما بحثت فيما تيسر من مظآنٍّ لم أجد الحافظ المزيّ ﵀ يذكر (سليمان بن أرقم) في جملة شيوخ (مصعب بن المقدام) ولا مصعباً في جملة الرواة عن ... ابن أرقم، ولا أبا بشر الواسطي ـ جعفر بن إياس ـ في جملة شيوخ ابن أرقم، ولا ابن أرقم في جملة الرواة عن أبي بشر في تراجم الثلاثة من "تهذيبه"! كما نظرت في عدة تراجم لابن أرقم في كتب " الضعفاء " فلم أهتد إلى شيء من ذلك. فلم يكن لَدَيَّ أَدْنَى قرينة يترجح بها هذا القول. فما زلت منشغلاً ومهموماً بهذه القضية، حتى لاح لي أنه لن يشفي نهمتي بشأنها سوى الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه القيم ـ على اختصاره ـ:

стр. 94

"المقتنى في سَرْد الكنى" فوجدت فيه جماعة بهذه الكنية لا يكادون يجتمعون ـ في موضع واحد ـ في سواه، فاستبعدت منهم من لا يتصور أن يكون هو، ثم بقي جماعة يصلحون لنفس الطبقة، فلما بحثت بحثاً تفصيلياً في تراجمهم من "تهذيب الكمال" ـ وربما غيره أيضاً ـ لم يترجح لي إلا واحد (١) هو: (أبو معاذ عتبة بن حميد الضَّبِّيّ البصري) . وحجتي في ذلك قول الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀ في ترجمته من "تهذيب الكمال" (١٩/٣٠٥) : " روى عن أبي بشر جعفر بن إياس ... " فذكره أول شيخ له. نعم، لم يذكر مصعب بن المقدام في جملة الرواة عنه، ولكن ذكر ـ ممن يقاربونه في الطبقة ويشاركونه في بعض الشيوخ: (سفيان بن عيينة) و (عبيد الله ابن عبيد الرحمن الأشجعي) و (إسماعيل بن عياش) فأربعتهم يروون عن الثوري. ثم إنه لا ضير على هذا الحافظ الكبير في عدم ذكر ابن المقدام في ترجمته للسبب الذي أُذَكرِّ به دائماً. والذي صارت به نسبة الحديث نسبة منكرة.

стр. 95

وعتبة بن حميد أيضاً مختلف فيه بين أهل العلم وإن كانت نصوصهم فيه قليلة جداً. * قال أبو طالب: " سألت أحمد بن حنبل عن عتبة أبي معاذ فقال: هو عتبة بن حميد الذي روى عنه الأشجعي، وكان من أهل البصرة، وكتب من الحديث شيئا كثيراً. قلت: كيف حديثه؟ قال: ضعيف ليس بالقوي، ولم يشته الناس حديثه ". كما في "الجرح" (٦ /٣٧٠) . * وقال ابن عبد الهادي ﵀ في "بحر الدم" (٦٧٠) : " ضَعَّفه أحمد ". * وقال ابن أبي حاتم: " سألت أبي عن عتبة بن حميد، فقال: كان بصري الأصل كان جوالة في طلب الحديث، وهو صالح الحديث ". * وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/٢٧٢) . * وقال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمته من "الميزان" (٣/٢٨) : "وقد ضُعِّف"، وأورد كلام أبي حاتم وأحمد باختصار، وقال في "المغني" (٢ /٤٢٢) : " ضعيف "، وفي "الكاشف" (٢ /٢٤٥) : " ضعَّفه أحمد ". * أما الحافظ ﵀ فقال في "التقريب" (٤٤٦١) : " عتبة بن حميد الضبيّ، أبو معاذ أو أبو معاوية البصري، صدوق له أوهام، من السادسة ". قلت: لم أجد من كناه أبا معاوية، أما صيغة " صدوق، له أوهام " فمما تختلف فيها الأنظار، فبينما يحسن بعضهم حديث كل من قيلت فيه، يرى البعض أنها من صيغ التضعيف عند الحافظ ﵀.

стр. 96

وقد أوردها في "مقدمة التقريب" (ص ٨١) في المرتبة الخامسة، وقرنها بصيغ أخرى مجزوم بضعف ما تفرد به أصحابها، فقال: " الخامسة: من قصر عن درجة الرابعة قليلاً ـ قلت: صيغ المرتبة الرابعة عنده هي: صدوق، أو: لابأس به، أو: ليس به بأس ـ، وإليه الإشارة بـ: صدوق سيِّء الحفظ، أو: صدوق يهم، أو: له أوهام، أو: يخطئ، أو: تغير بآخره، ويلتحق بذلك من رُمِيَ بنوعٍ من البدعة كالتشيع، والقدر، والنصب والإرجاء، والتجهم مع بيان الداعية من غيره ". قلت: ولا أجد كبير فارق بين حديث الصدوق من أهل السنة والصدوق الذي رُمِيَ ببعض هذه الضروب من البدعة إن كان مأموناً على ما يُحَدِّث به فالله المستعان. بمعنى أن يكون الصدوق الذي رُمِيَ بالإرجاء أو النصب ـ مثلاً ـ مقترناً مع (الصدوق سيء الحفظ) و (الصدوق الذي تغير بأخرة) في مرتبة واحدة فَيُرَدُّ حديث الجميع، فهذا مما أَعْجَبُ له. هذا، وقد لاح لي أمر آخر قد يكشف السِّرَّ في إقحام (أبي معاذ) خاصةً في ... هذا الإسناد، فإن كان صواباً فمن الله وحده، وهو أن (محمد بن سليمان بن بزيع) ـ المتقدم ذكره ـ كان قد بلغه حديث (عتبة بن عمرو المكتب عن عكرمة عن ابن عباس) فتداخل الاسمان عليه (عتبة بن عمرو) و (عتبة ابن حميد) ثم طرأ عليه أمر ما، أو رَغِبَ في أمر ما (لِلَّهِ) فنسي الأسماء أو تناساها وبقيت معه كنية الثاني وحدها:

стр. 97

(أبو معاذ) ، ثم تمادى به الأمر فنسى الإسناد ـ إلا ابن عباس ـ أو رغب في الإغراب أيضاً، فجعله (عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير (١) عنه) !! والله أعلم بصحة هذا الاحتمال أو بعضه من عدمها. يلاحظ أيضاً أن (عتبة بن حميد الضبي) يتشابه مع كُلٍّ من (المُكْتِبَيْن) في أمر، فاسمه كاسم (عتبة المكتب) ونسبته (الضبي) كنسبة (عبيد المكتب) !! وأياً كان الأمر، فهذا إسناد منكر جداً لا يلتفت إليه لتعدد العلل فيه، والتي كان أهمها وجود (محمد بن سليمان بن بزيع الكوفي) هذا في إتيانه بإسناد كالشمس لهذا الحديث: (أبو بشر جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) وهو على شرط الشيخين البخاري ومسلم بل الستة جميعاً. ٥ـ أبو بشر جعفر بن أبي وحشية: هو (أبو بشر جعفر بن إياس ـ أبي وحشية ـ اليشكري البصري ثم الواسطي) . ولن أطيل الكلام عنه، بل سأبدأ بترجمته من "التقريب" (٩٣٨) ثم أعقّب عليها.

стр. 98

قال الحافظ ﵀: " ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، من الخامسة مات سنة خمس (١) وقيل ست وعشرين " أهـ يعني: ومائة. قلت: وهو تابعي صغير، فقد نص البخاري في ترجمته من "التاريخ الكبير" (٢/١٨٦) وأبوأحمد الحاكم في ترجمته من "الكنى" (رقم ٧٨٧) على سماعه من عباد بن شرحبيل اليشكري ﵁، وهو صحابي له حديث واحد، وقد توقف بعضهم في صحبته، قال الحافظ ﵀ في "الإصابة" (٢/٢٦٥) : " قال ابن السكن: يقال: له صحبة، وفيه نظر. قلت: روى حديثه أبو داود والنسائي وابن أبي عاصم بإسناد صحيح عن أبي بشر ـ وهو جعفر بن أبي وحشية ـ سمعت عباد بن شرحبيل ـ رجلاً منا من بني غبرة (٢) ـ قال: " أصابتنا سنة فدخلت حائطاً من حيطان المدينة فأخذت سنبلاً ففركته فأكلته، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ كسائي، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته ... " الحديث. قلت: رواه عنه شعبة، وكذا سفيان بن حسين بنحوه. وعوداً إلى أبي بشر ﵀ فأقول: لم يورده الذهبي ﵀ في "تذكرة

стр. 99

الحفاظ" ولكن قال في ترجمته من "السير" (٥ /٤٦٥) : " ... أحد الأئمة والحفاظ "، وهو الذي نبهني ـ قبل غيره ـ على روايته عن عباد بن شرحبيل ﵁ فلما تحققتُ من سماعه منه رأيت البدء بالفائدة المتقدمة. وقد اتفق العلماء على توثيقه، ولكن: * قال يحيى بن سعيد القطان: " كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم ". * وقال الإمام أحمد: " كان شعبة يقول: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، وكان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد ". * وقال المفضل الغلابي عن يحيى بن معين: " جعفر بن أبي وحشية واسطي من أبناء جند الحجاج، طعن عليه شعبة في تفسيره عن مجاهد، قال: من صحيفة ". * وقال أبو طالب: سألتُ ـ يعني: أحمد بن حنبل ـ عن حديث شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر عن النبي ﷺ في التشهد والتحيات، فأنكره، وقال: لا أعرفه (١) . قلت: يروي نصر بن علي عن أبيه ... ـ يعني عن شعبة عن أبي بشر ـ قال: سمعت مجاهداً قال: قال يحيى: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر

стр. 100

عن مجاهد، قال: لم يسمع منه شيئاً، وقال: إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق علمنا التشهد، ليس فيه النبي ﷺ ". قلت: وبقى ثالث لم يسمع منه، وهو سليمان بن قيس اليشكري صاحب صحيفة جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ. دلني على ذلك الشيخ الفاضل حمدي بن عبد المجيد السلفي ـ جزاه الله خيراً ـ في تعليقه على حاشية جامع التحصيل (الترجمة: ٩٩) . * ففي ترجمة سليمان من "تهذيب الكمال" (١٢/٥٥) : " قال البخاري: يقال إنه مات في حياة جابر بن عبد الله، ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر، ولا يعرف لأحد منهم سماعاً منه إلا أن يكون عمرو بن دينار سمع منه في حياة جابر ابن عبد الله ". قلت: هذا النص حكاه الترمذي في "جامعه" عن البخاري عقب الحديث (١٣١٢) (٣ /٦٠٤) إلا أنه قال: " فلعله سمع منه "، وقد تكون لفظة (فلعله) سقطت. وأيضاً دلني على مصدره د. بشار عواد ـ جزاه الله خيراً ـ في حاشية "تهذيب الكمال". أما الرقم الذي ذكره الشيخ السلفي فلا ينطبق على "الجامع" المتيسر الآن. * أما في "التاريخ الكبير" (٤/٣١) ، فقال البخاري: " وروى أبو بشر، وقتادة، والجعد أبو عثمان من كتاب سليمان ... ".

стр. 101

* وقال ابن حبان في ترجمة سليمان من "الثقات" (٤/٣٠٩) : " روى عنه قتادة وأبو بشر، ولم يره أبو بشر ". ٦ـ سعيد بن جبير: هو (سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي ـ مولاهم ـ الكوفي أبو (١) عبد الله) . * قال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٢٢٩١) : " ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة، قتل بين يدي الحَجَّاج دون المائة سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين ". قلت: وبلغ اتفاقهم على ثقته وأمانته وإمامته في الحديث وفي الدين أن الحافظ المزي ﵀ أسهب في ترجمته في "تهذيبه" (١٠/٣٥٨: ٣٧٦) ـ بعد سرد شيوخه والرواة عنه ـ في ذكر فضائله وكراماته وأقواله وأحواله، وقصته مع الحجاج ولم يورد نصاً واحداً في توثيقه إلا بالتبع، حيث قال في آخرها: "وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين، قتل في شعبان سنة خمس (٢) وتسعين وهو ابن تسع وأربعين سنة ".

стр. 102

وأكثر المصادر تجويداً لترجمته: "الطبقات الكبرى" و"حلية الأولياء" و"السير" و"تهذيب الكمال"، وهو من خواص أصحاب عبد الله بن عباس ﵄ ومن المقدمين فيه مع مجاهد، وعطاء، وطاووس، وعكرمة. وقدمه بعضهم على طاووس ـ رحمهم الله تعالى جميعاً بما بذلوا للإسلام والسنة ـ. والآن أنتقل بحول الله وقوته إلى طريق أخرى. ٣ـ طريق داود البصري عن ابن عباس: قال عبد بن حميد ﵀ في "المنتخب من المسند" (٦٧٣) : " أخبرنا يزيد بن هارون أنا عبد الله بن دكين، ثنا قيس الماصر، ثنا داود البصري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن لكل مؤمن ذنباً قد اعتاده الفينة بعد (١) الفينة أو ذنباً ليس بتاركه حتى يموت أو تقوم

стр. 103

عليه الساعة، إن المؤمن خلق مذنباً مفتناً خطاءً نسياً (١) ، فإن (٢) ذُكرِّ ذَكَرَ ". ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٢/٤٣٤ ـ ٤٣٥ رقم ٦٧٢٢ ط. الدار السلفية بالهند) من طريق يحيى بن يحيى أخبرنا عبد الله بن دكين، عن قيس الماصر، عن داود البصري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ... ". ومن طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن الدكين، قال: سمعت قيساً يحدث عن داود البصري ـ وليس بابن أبي هند ـ عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إن للمؤمن ذنباً قد اعتاده الفينة بعد الفينة وذنباً (٣) ليس بتاركه حتى يموت أو تقوم الساعة، إن المؤمن خُلِق مذنباً خطَّاءً نَسَّاءً، إذا ذُكرِّ ذَكَرَ ". قال البيهقي: " وفي رواية يحيى: (إن لكل مؤمن) ، وزاد: (مُفَتَّنَاً خَطَّاءً) ". قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، كما سيتبين من الترجمة لرجاله بحول الله وقوته.

стр. 104

تراجم رجال هذا الإسناد: ١ـ يزيد، شيخ عبد بن حميد ـ رحمهما الله تعالى ـ. هو (أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذي ـ ويقال: زادان ـ بن ثابت السمكي ـ مولاهم ـ الواسطي) . * قال الحافظ الذهبي ﵀ في "تذكرة الحفاظ" (١) (١/٣١٧) : "الحافظ القدوة شيخ الإسلام ". وقال أثناء الترجمة: " وروى أحمد بن زهير عن أبيه (يعني: أبا خيثمة زهير ابن حرب) قال: (كان يُعاب على يزيد حيث ذهب بصره أنه ربما سئل عن حديث لا يعرفه، فيأمر جارية له فتُحَفِّظُهُ إياه من كتابه) . قلت: ما بهذا من بأس، فيزيد حجة حافظ بلا مثنوية ". وزاد إيضاحاً في "السير" (٩ /٣٦٣) ، فقال: " ما بهذا الفعل بأس مع أمانة من يُلَقِّنهُ ويزيد حجة بلا مثنوية ". ثم وجدت الخطيب يقول في "تاريخه" (١٤/٣٣٩) ـ عقب هذا القول ـ: " قلت: قد وصف غير واحد من الأئمة حفظ يزيد بن هارون كان (٢) لحديثه وضبطه له، ولعله ساء حفظه لما كف بصره، وعلتْ سِنُّه، فكان يستثبت جاريته فيما شك فيه، ويأمرها بمطالعة كتابه لذلك ".

стр. 105

* وقال الحافظ ﵀ في "التقريب" (٧٨٤٢) : " يزيد بن هارون بن زاذان (١) السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين ". قلت: وأمره ﵀ في الحفظ والإتقان والجلالة والتأله لا يحتاج إلى إغراق في هذا المقام، بل يتلمس في مظانه لمن شاء، ولا شك أن تفرده عن ذاك الواهي ـ الآتي قريباً ـ محتملٌ بداهةً ـ وإن كان كوفياً ـ، فكيف وقد تابعه عند البيهقي في " الشعب " الحافظان الثبتان: يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل المِنْقَريّ البصري؟ والطريف أنه ليس فيهم كوفي أيضاً! ٢ـ عبد الله بن دكين: هو (أبو (٢) عُمَر عبد الله بن دكين الكوفي نَزيل بغداد) . وهو مختلف فيه، ولكن كل من صح عنه أو نُسِب إليه أنه وثقه أو قوَّاه، إما أنه قد صح عنه أيضاً أنه ضعفه أو وهَّاه، أو كان القول بتوثيقه بلاغاً لايثبت أو وَهَماً وغلطاً عليه

стр. 106

وبيانه كالآتي: * قال الآجري ﵀ في "سؤلاته" (١٩١٧) : سألت أبا داود عن عبد الله بن دكين، فقال: بلغني عن أحمد أنه وثقه ". وهذا بلاغٌ لا يُحتج به، وما أحمد ﵀ بالذي يجازف بإطلاق توثيق مثله، أو تخفى عليه المناكير التي أتى بها على قلة حديثه. وقد بحثت فيما تيسر من كتب "السؤالات" وغيرها التي تعتني بنقل أقوال أحمد في الرجال ك "بحر الدم" فلم أقف على أثر لهذا التوثيق ولا غيره، ويلاحظ أيضاً أن أبا داود ﵀ لم يصدر في هذا الرجل برأي حاسم منه. * وقال عباس بن محمد الدوري ﵀ في "تاريخه" (٣/٣٩٢ رقم ١٩٠٧، ١٩٠٨) : " سمعت (١) يحيى يقول: عبد الله بن بكير، كوفي يروي عنه يعلى وأبو نعيم، ليس به بأس، وعبد الله بن دكين كوفي ليس به بأس ". وفصَّل في الرجلين بصورة أكبر في موضع آخر، قال الدوري (٣ /٤٠٤ رقم ١٩٦٥، ١٩٦٦) : " سمعت يحيى يقول: عبد الله بن بكير الغنوي، لا بأس به، سمع منه الفضل بن دكين، وحسين الأشقر، وعبد الله بن دكين، كوفي، وهو ثقة ليس به بأس. قلت ليحيى: عبد الله بن دكين هذا بينه وبين أبي نعيم قرابة؟ قال: لا ".

стр. 107

أي لأن أبا نعيم ﵀ اسمه (الفضل بن دكين) . وحكى جماعة عن يحيى بن معين غير ذلك: قال إسحاق بن منصور عنه: " عبد الله بن دكين ضعيف الحديث ". كما في ترجمته من ... "الجرح والتعديل" (٥ /٤٨ـ ٤٩) . وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز البغدادي في "معرفة الرجال" (١/٥٧ رقم ٥٩) : " وسمعت يحيى بن معين يقول: عبد الله بن دكين، ليس بثقة " وذكر بعده: (عمرو بن شمر) و (حارثة بن محمد بن أبي الرجال) و (أبا المقدام هشام بن أبي هشام) ـ وهو (هشام بن زياد المدني) ـ، ووصفهم بنفس الوصف. وكل هؤلاء متروكون عند أهل العلم. وقال أحمد بن أبي يحيى الأنماطي: " سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الله بن دكين ليس بشيء، يروي عنه أبو نعيم " كما في "الكامل" (٤ /١٥٤٢) . والأنماطي كذبه إبراهيم بن أورمة الأصبهاني، وقال ابن عدي: " له غير حديث منكر عن الثقات". وفيما تقدم غنية، ومعنى ما حكاه ثابت عن ابن معين في رواية ابن محرز. * وقال البرذعي في "سؤالاته لأبي زرعة الرازي" (٢/٣٥٦) : " قلت: عبد الله بن دكين؟ قال: ضعيف الحديث ".

стр. 108

وعنه الخطيب في ترجمته من "تاريخ بغداد" (٩/٤٥٢ـ ٤٥٣) . * وقال ابن أبي حاتم في "الجرح" (٥/٤٩) : " سئل أبي عن عبد الله بن دكين، فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن جعفر بن محمد غير حديث منكر ". * وقال ابن الغلابي: " عبد الله بن دكين ضعيف " كما في "تاريخ بغداد" (٩/٤٥٢) . * وقال النسائي: " ليس بثقة " كما في "تهذيب الكمال" (١٤/٤٧١) . قال المزي: " وقال في موضع آخر: ليس به بأس ". فتعقبه الحافظ في " تهذيب التهذيب " (٥ /٢٠١) : " قلت: إنما نقل هذا القول الثاني عن ابن معين بسنده إليه ". قلت: ومع ذلك لم يتبعه، بل وهَّاه بقوله: " ليس بثقة " وقال أبو الفتح الأزدي: " عبد الله بن دكين ضعيف " كما في آخر ترجمته من "تاريخ بغداد" (٩/٤٥٣) . أما ابن حبان ﵀ فهذا من القلائل جداً الذين فاتوا كتابيه "الثقات" و"المجروحين". * وأورد ابن عدي في ترجمته من "الكامل" (٤/١٥٤٢) من طريق محمد ابن بكار ثنا عبد الله بن دكين، ثنا كثير بن عبيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".

стр. 109

وأورد له (٤ /١٥٤٣) من طريق بشر بن الوليد عنه، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: قال علي بن أبي طالب: " يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خرابٌ من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم خرجت الفتنه، وفيهم تعود ". ثم من طريق يزيد بن هارون عنه ثنا جعفر بن محمد به، قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره بنحوه. قال ابن عدي: " ولعبد الله بن دكين غير ما ذكرت أحاديث يسيرة "، ولم يورد من كلام الأئمة فيه سوى رواية أحمد بن أبي يحيى الأنماطي عن ابن معين: " ليس بشيء " كما تقدم. * وأورد له الخطيب في ترجمته من طريق سعيد بن سليمان عنه: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر ". ومن طريق بشر بن الوليد عنه حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي بن أبي طالب: " ستة لايأمنهم مسلم: اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وشارب الخمر، وصاحب الشطرنج، والمتلهي بأمه "، قال ابن دكين: "فسألته عن المتلهي بأمه، قال: الذي يقول: أمه زانية إن لم أفعل كذا وكذا ". وله في مصنفات الأئمة الستة أثر واحد، قال البخاري ﵀ في "الأدب المفرد" (١٢٥٦) : " حدثنا موسى بن

стр. 110

إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن دكين، سمع كثير بن عبيد قال: كانت عائشة ﵂ إذا ولد فيهم مولود (يعني: في أهلها) لا تسأل غلاماً أو جارية، تقول: خُلِق سوياً؟ فإذا قيل: نعم، قالت: الحمد لله رب العالمين ". هذا هو جميع ما وقفتُ له عليه ـ مع حديث ابن عباس ـ من أحاديث وآثار دون استعانة بأحد سوى الله . أما حديث ابن عباس، فلم أقف له على أصل عن شيخه قيس بن أبي مسلم الماصر، ولا عن شيخ شيخه داود البصري ـ على ما سيأتي فيه ـ وإنما الطريق الوحيدة المحفوظة إلى راويها إلى الآن هي (عتبة بن عمرو المكتب عن عكرمة عن ابن عباس) . وأما حديثه عن كثير بن عبيد عن أبي هريرة ـ مرفوعاً ـ: " أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلا الله ... "؛ فقد تابعه أبو العنبس سعيد بن كثير بن عبيد عن أبيه لكن بأطول من هذا كما رواه أحمد (٢ /٣٤٥) والدارقطني في "سننه" (١ /٢٣١ـ ٢٣٢) من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا سعيد بن كثير بن عبيد قال: حدثني أبي: قال رسول الله ﷺ : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله "، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢٢٤٨) والدارقطني (٢/٨٩) والحاكم (١/٣٨٧) من طرق عن أبي نعيم ثنا أبو العنبس سعيد بن كثير به، ولم يقل: "وأن محمداً رسول الله ".
следующие страницы →