← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بالساكن بعد حرف المد واللين، فليس، في كلام العرب، ساكن يلفظ به، إلا وقبله حرف متحرك، أو مدة على حرف مد، تقوم مقام الحركة، ألا ترى أن بعض العرب يحرك الساكن الذي قبل المشدد ليصل بالحركة إلى اللفظ بالمشدد، فآثر الحركة على زيادة المد فيقول في: دابّة، دأبة، وقد قرئ «ولا الضألين» أبدل من الألف همزة مفتوحة، ليصل بها إلى النطق باللام (١) المشددة (٢)، ومن هذا الباب في المد قوله: ﴿آللهُ﴾ «النمل ٥٩» و ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ «الأنعام ١٤٤» لأنه أبدل من ألف الوصل ألف صحيحة (٣) ليفرّق بين الاستفهام والخبر، فلمّا أتى بعدها حرف مشدد لأجل إدغام لام التعريف فيما بعدها، زادوا في مدّ الألف، التي هي عوض من ألف الوصل، لتقوم المدة مقام الحركة، فيوصل بها إلى اللفظ بالمشدد (٤)، وقوي المد في ذلك، لأن لفظة الاستفهام، وليس في الكلام موضع يثبت لألف الوصل فيه عوض (٥) في الوصل غير هذا النوع «وايم الله» في الاستفهام وفي القسم (٦). «١٧» وعلة ذلك أنك لو حذفت ألف الوصل في هذا، على أصل حذفها في الوصل في جميع الكلام، لم يكن بين الخبر والاستفهام فرق، لأن الخبر في هذا ألفه مفتوحة، والاستفهام ألفه مفتوحة، فلا يكون بينهما (٧) فرق، فأبدلوا من ألف الوصل ألفا صحيحة زائدة، ليفصل (٨) بين الاستفهام والخبر، فلمّا وقع بعدها

стр. 107

المشدد زيد في مدها للعلة التي ذكرنا، والوقف في هذا كالوصل، لأن العلة باقية في الوقف كالوصل (١). فأما الوقف على أواخر الكلم، التي قبل الآخر منها حرف مد ولين، نحو: «عليم، وخبير، ويعلمون» (٢) وشبهه، فإنه يلزم من وقف بالسكون أو بالإشمام فيما يجوز فيه الإشمام، أن يمد بين الساكنين مدّا غير مشبع، لالتقائهما في الوقف، ولا يلزم إشباع المد لأن الوقف والسكون عارضان (٣). «١٨» فإن قيل: فلم لا يمدّ هذا كمد «محياي، والّلائي» (٤) في الوقف، في قراءة من أسكن الياء في الوصل، وكلاهما اجتمع فيه ساكنان في الوقف (٥)؟ فالجواب أن سكون الياء في «محياي، والّلائي» لازم في الوصل والوقف على قراءة من قرأ بذلك (٦)، فوجب أن يلزم فيه المد المشبع، لالتقاء الساكنين، لتقوم المدة مقام حركة يوصل بها الى النطق بالساكن الثاني. و «يعلمون، وخبير» وشبهه إنما سكن في الوقف، فسكونه عارض، والحركة فيه منوية مرادة، فضعف إشباع (٧) مدّه لذلك، وأيضا فإنه قد وصل إلى اللفظ به بحركته ثم أسكن للوقف، وليس كذلك «محياي، واللائي» في قراءة من أسكن في الوصل، فمدّ «يعلمون» وشبهه في الوقف غير مشبع لما ذكرنا، فإن رمت الحركة فيما يجوز فيه روم الحركة فمدّه أقل من ذلك، لأنه قريب من المتحرك، لإتيان الرّوم للحركة فيه، وحروف المد واللين هن مدّات في خلقهن، لا بدّ فيهن من

стр. 108

المد على (١) انفرادهن، وإن قلّ (٢). ولا يحسن ترك المدّ في اسم «الله» لأن تركه يوجب حذف الألف منه، وذلك غير جائز إلا في شعر (٣)، والوقف عليه بالإسكان أو بالإشمام لا بدّ فيه من مد زائد على ما ذكرنا، لالتقاء الساكنين، وإن وقفت عليه بروم الحركة كان المدّ أقل.

стр. 109

أول الثاني باب علل المدّ في فواتح السور «١» قال أبو محمد: اعلم أن المدّ في فواتح السور إنما يحذف لاجتماع ساكنين لازمين، فحيثما اجتمعا فمدّ لتفصل بين الساكنين بالمد، الذي يقوم مقام حركة، يتوصل بها إلى اللفظ (١) بالساكن الثاني، فهو مبني على ما قدّمنا من العلل، في المد للمشدد والساكن، يقعان بعد حرف المد واللين، فهو مثله في العلة المتقدمة (٢)، فتمدّ «قاف، وصاد، وسين، وميم، ونون» لاجتماع الساكنين، وأصل هذه الحروف الوقف عليها لأنها حروف التهجي محكية، غير مخبر عنها بشيء، فالسكون والوقف عليها هو أصلها (٣)، فإن تحرك الساكن الثاني لعلة أوجبت ذلك، فمن القراء من يترك المد على حاله، كورش خاصة، على الأصل، ولا يعتدّ بالحركة، لأنها عارضة حدثت لعلة الوقف عليها، والسكون هو الأصل، وذلك نحو: ﴿الم، اللهُ﴾ «آل عمران ١، ٢» و ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ﴾ «العنكبوت ١، ٢» في قراءة ورش، لأنه يلقي حركة الهمزة من «أحسب» على الميم، فلما

стр. 110

كانت الحركة في الميم، ليست بلازمة، أبقى المد على حاله، لسكون الميم وسكون الياء قبلها، وهو القياس، والاختيار في «الم. أحسب الناس» ومنهم من لا يمدّه، لأن الثاني قد تحرّك، فزال لفظ [الميم] (١) لالتقاء الساكنين وعليه أكثر القراء في «الم الله»، وهو الاختيار لإجماعهم على ذلك (٢). «٢» فإن قيل: فلأيّ علة حركت الميم في «الم الله»، وما الفرق بينه وبين «الم. أحسب الناس»؟ «٣» فالجواب أن في حركة الميم في «الم الله» ثلاثة أقوال: الأول أنها فتحت لسكونها وسكون ما بعدها، وهو اللام المشددة، على نية الوصل بما بعدها، ووجبت الحركة فيها، لأنها ليست من حروف المدّ واللين، التي تمدّ للمشدد، فتقوم المدة مقام الحركة. والقول الثاني أنها فتحت لسكونها وسكون الياء قبلها، على نية وصلها بما بعدها، لا على نية الوقف عليها، فهي في هذا الوجه ك «أين، وكيف». والقول الثالث أنها ألقي عليها حركة الألف من اسم «الله» جل ذكره، على نية الوقف عليها، وقطع ألف اسم «الله» للابتداء بها، وعلى أن الألف من اسم «الله» ألف قطع، على قول ابن كيسان (٣)، وإنما وصلت عنده لكثرة الاستعمال، وكذا هي عنده (٤) في كل موضع، أصلها الهمزة والقطع، لكن رفض أصلها، ووصلت بما قبلها لكثرة الاستعمال فهي واللام بعدها بمنزلة «قد». فلما ألقيت حركة الهمزة على الميم تحركت، وصارت بمنزلة «الم. أحسب الناس» في هذا الوجه على قراءة ورش، فأما الفرق، بين «الم الله» و «الم. أحسب الناس» لورش، فهو ما قدّمنا، من أن حركة الميم في

стр. 111

«الم الله» تحتمل ثلاثة أوجه على ما ذكرنا، فهي متمكنة في الحركة، و «الم. أحسب الناس» لا تحتمل حركة الميم في قراءة ورش، إلا وجها واحدا، وهو إلقاء حركة الهمزة عليها، فهي عارضة، فالمد فيه أقوى من المد في «الم الله» وبالمد قراءة ورش (١) فيهما (٢). «٣» قال أبو محمد: فالمد في هذا الفصل، في أوائل السور لالتقاء الساكنين مشبع عند القراء كلهم، غير أن ما وقع بعده مشدد أمكن في المد، من الذي ليس بعده مشدد (٣) نحو: ﴿طسم﴾ «الشعراء ١» في قراءة من أدغم النون في الميم، هو أمكن مدّا من المد في قراءة من أظهر النون (٤) وكذلك المد في: ﴿كهيعص. ذِكْرُ﴾ «مريم ١، ٢» مد الصاد أشبع على قراءة من أدغم الدال، من هجاء صاد في الذال من «ذكر»، من مدّ من أظهر الذال (٥). والعلة في ذلك أن المشدد حرف يقوم مقام حرفين، وفي زنة حرفين، فطال المد قبله باشتغال اللسان بإخراج حرف هو في الأصل حرفان. وأيضا فإن جواز التقاء الساكنين إنما هو في الأصل للمشدد، وقيس عليه غير المشدد، فالأصل أقوى وأولى بالمد من الفرع، ومن القراء من يسوّي بينه وبين غير المشدد في المد (٦). وعلته في ذلك أن المد إنما وجب لاجتماع ساكنين،

стр. 112

فكيفما اجتمعا وجب المد لهما، فالمد يوصل بها إلى النطق بالساكن، كان مشدّدا أو غير مشدد، فذلك سواء. «٤» قال أبو محمد: وزيادة المد للمشدد أقوى، وذلك أن الذي أجمع على جوازه من التقاء الساكنين هو أن يكون الأول حرف مد ولين، والثاني حرفا مشددا، فهو (١) الأصل، ثم قيس عليه في الجواز فرع (٢) الساكن غير المشدد بعد حرف المد واللين. وسيبويه لا يجيزه، وكثير من أصحابه على منع جوازه إلا مع المشدد (٣)، والمشدد هو الأصل (٤)، والأصل له مزية على الفرع، والمشبه بالشيء ليس كمثل ذلك الشيء في قوته وتمكنه، فزيادة المد مع المشدد أحسن، لأنه الأصل في جواز التقاء الساكنين، وكلا الوجهين حسن. فأما مدّ «عين» في «كهيعص» وفي «عسق» (٥) دون مد «ميم» قليلا لانفتاح ما قبل الياء في هجاء «عين» وانكسار ما قبل الياء في هجاء ميم، فحرف المد واللين أمكن في المد من مد حرف اللين، وكلا الوجهين ممدود لالتقاء الساكنين. ولو قال قائل: إني أسوي بينهما في المد لأن في كلتيهما ساكنين، اجتمعا، لكان قياسا، لكن تفضيل مدّ «ميم» على مد «عين» أقوى في النظر، وفي الرواية في ذلك لجميع القراء، وأكثر هذا المد إنما أخذ (٦) مشافهة، وليس هو كله بمنصوص. «٥» فأما تفضيل حرف المد واللين في المد على حرف اللين، مع الهمزة، فلا اختلاف فيه نحو: «سوء، وسوءة، وشيء، وسيئت» (٧) في قراءة ورش،

стр. 113

وليس «عين» في المد كمد «شيء» في الوقف، لأن «عين» الساكنان فيه لازمان في الوصل والوقف، و «شيء» إنما عرض فيه لاجتماع ساكنين في الوقف، فهو ك «يعلمون» في الوقف وشبهه الذي مدّه غير مشبع، وقد مضى ذكر ذلك وعلته (١). ف «عين» ألزم في المد من «شيء» في الوقف، في غير قراءة ورش، ألا ترى أنك لا تصل «عين» بما بعدها إلا بالمدّ، وتصل «شيئا» بما بعدها، في غير قراءة ورش، بغير مدّ، فهما مختلفان، فإن وقفت عليهما كان مد «عين» في الوقف كمدّها في الوصل، ويدخل في «شيء» في الوقف من المد مثل ما يكون في «يعلمون» ونجوه في الوقف، غير أن «شيئا» أقل مدا، لأنه ليس فيه حرف مد ولين، إنما فيه حرف لين، وقد بيّنا أن حرف المد واللين، إذ وجب له المد، فهو أمكن في المد من حرف اللين، إذا وجب له المد. «٦» واعلم أن المد مع الساكن بعد حرف المد واللين، والمشدد بعد حرف المد واللين، أقوى منه مع الهمزة، بعد حرف المد واللين، وعلة ذلك أن حرف المد واللين، إذا وقع بعده ساكن مشدد أو غير مشدد، لا (٢) بدّ فيه من المد ضرورة، ليصل بالمدة إلى اللفظ بالساكن، والهمزة إذا وقعت بعد حرف المد واللين لك (٢) أن تدع إشباع المد في الكلام، فتقول: صائم، وقائم، بغير إشباع، قد تثبت الألف والهمزة، ولا تشبع المد، فأما في القرآن فلا بد من إشباع المد اتباعا للرواية، وإلا فترك إشباع المد جائز فيه في الكلام، فما كان المدّ فيه لازما لا بدّ منه، أقوى في المد مما يجوز فيه ترك إشباع المد (٣). «٧» واعلم أن كل كلمة مددتها، لهمزة أو ساكن بعد حرف المد واللين، فإنك إذا وقفت عليها مددتها، والعلة التي من أجلها مددت باقية، مددت أيضا كالوصل ك «جاء، وشاء، وقائم، ودابة» (٤) ونحوه، فإن زالت العلة، التي

стр. 114

مددت من أجلها في الوقف، تركت المد نحو: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ «آل عمران ١٥٤» و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ «التحريم ٦» وشبهه، إذا وقفت على الكلمة الأولى لم تمدّ، فإن زالت العلة، التي توجب المد في الوصل، مددت على تقدير إثبات تلك العلة، لأن زوالها عارض نحو: «من آمن، والآخرة» (١) في قراءة ورش. ونحو: «هؤلاء إن كنتم، وأولياء، وأولئك» (٢) في قراءة قالون والبزّي يخففان الهمزة الأولى. وقد ذكرنا أن من القراء من لا يمدّ هذا الفصل لقالون والبزي، وعلّلناه فيما تقدّم بزوال لفظ الهمزة (٣). «٨» واعلم أنه، إذا زال الحرف الذي يجب (٤) له المد في الوصل لعلة، تركت المد لزوال الحرف الممدود، فإن وقفت رجع الحرف، ومددت نحو قوله تعالى: ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ «الحشر ٩» تصل بغير مدّ لزوال الواو، لالتقاء الساكنين، الواو واللام، فإن وقفت مددت لرجوع الواو، وقبلها همزة في قراءة ورش.

стр. 115

باب علل اختلاف القراء في اجتماع همزتين «١» اعلم أن أصل هذا الباب على ضربين: ضرب لم يختلف في تخفيف الثانية فيه، وذلك إذا كانت الثانية ساكنة نحو: «أامن، وأادم، وأوتي، وأاتنا (١)» ونحوه، كلهم على تخفيف الثانية وإبدالها (٢) بألف، إذا انفتح ما قبلها، وبياء إذا انكسر ما قبلها، وبواو إذا انضم ما قبلها، وعلى ذلك لغة العرب فيها، قد رفضوا استعمال تحقيق الثانية في هذا النحو حيث وقع. وعلة ذلك أن الهمزة الثانية لمّا كانت لا تنفصل منها الأولى، ولا تفارقها في جميع تصاريف الكلمة، استثقلوا ذلك فيها، مع كثرة استعمالهم لذلك، وكثرة تصرفه في الكلام، فتركوا تحقيقها استخفافا، إذ كانوا يخفّفون المفردة استخفافا، لثقل الهمزة المفردة، فإذا تكرّرت كان ذلك أعظم ثقلا، فإذا لزمت كل واحدة منهما الأخرى كان ذلك أشد ثقلا، فرفضوا استعمال التحقيق للثانية في هذا النوع، لما ذكرنا، وعليه لغة العرب وكل القراء (٣). والضرب الثاني اختلفت العرب والقراء في تحقيق الثانية وتخفيفها فيه، وهو كل همزتين اجتمعتا، ويجوز أن تنفصل الأولى من الثانية نحو: «جاء أحدهم، وهؤلاء إن كنتم، ويشاء إلى» (٤)

стр. 116

وشبهه. ومثل: «أأنذرتهم، وأأقررتم» (١) لأن حذف الأولى من هذا جائز، والوقف على الكلمة الأولى جائز، فالأولى كالمنفصلة من الثانية فيه، غير لازمة لها في كل حال، ففارق ذلك علة الهمزتين في «أادم، وأامن» ونحوه، وعلة ذلك أنه لمّا جاز انفصال الأولى من الثانية آل الأمر إلى جواز انفراد كل واحدة من الأخرى، وذلك غير ثقيل، فجاز الجمع بينهما محقّقتين، إذ الأولى في كلمة والثانية في كلمة أخرى. وهذا النوع على ضربين: ضرب من كلمتين، يجوز لك أن تقف على الهمزة الأولى وتفصلها من الثانية، فصار اجتماعهما في الوصل كأنه عارض، فحسن تحقيقهما في الوصل، إذ لا اجتماع لهما في الوقف، وإذ لا بدّ من تحقيقهما إذا وقفت على الأولى وابتدأت بالثانية، فجرى الوصل في حكم الوقف (٢) في هذا. والضرب الثاني هو ما اجتمعت الهمزتان فيه، في ظاهر اللفظ من كلمة، والتقدير في الأولى أنها منفصلة في النية، لأن لك حذفها في كلام العرب، ولأنها داخلة على الثانية (٣) قبل أن لم تكن فصارت بمنزلة ما هو من كلمتين، وذلك كل همزة استفهام دخلت على ما بعدها من همزة أخرى نحو: «أأنذرتهم، وأأقررتم» وشبهه، الهمزة الأولى دخلت على «أنذر، وأقرر» قبل أن لم تكن. وقد قرئ بحذفها في «أأنذرتهم» (٤)، فهي بمنزلة همزة من كلمة أخرى، إذ الانفصال والزيادة فيها مقدران منويان، فصارت بمنزلة ما هو من كلمتين، فجاز تحقيقهما بخلاف الهمزتين اللتين لا يمكن أن يقدر في الأولى الانفصال من الثانية، ولا يمكن حذفها على وجه، إلا أن تلقى حركتها

стр. 117

على ساكن قبلها، فتكون مرادة منوية. وتحقيق الهمزتين فيما هو من كلمتين في اللفظ أقوى من تحقيقه فيما هو من كلمة في اللفظ، وإن كان تقدير الأولى الانفصال، لأن اللفظ قد جمعهما في كلمة، فشابه ما قد اجتمع على تخفيف الثانية من نحو: «أادم» وما كان من كلمتين، وإن كان اللفظ قد جمعهما، فإن الأولى في تقدير الانفصال من الثانية، إذ الوقف عليها والابتداء بالثانية جائز حسن، فصار اجتماعهما في اللفظ في الوصل كأنه يشبه (١) العارض فحسن تحقيقهما من كلمتين، وقوي ذلك. «٢» فإن قيل: فما بال الهمزة كره فيها التكرير واستثقل، ولم يكره ذلك في سائر الحروف إذا تكررت، إلا على لغة من أدغم الحرف المتكرر في نظيره؟ (٢) فالجواب أن الهمزة على انفرادها حرف بعيد المخرج جلد صعب على الّلافظ به، بخلاف سائر الحروف، مع ما فيها من الجهر والقوة، ولذلك استعملت العرب في الهمزة المفردة ما لم تستعمله في غيرها من الحروف، فقد استعملوا فيها: التحقيق، والتخفيف، وإلقاء حركتها على ما قبلها، وإبدالها بغيرها من الحروف، وحذفها في مواضعها، وذلك كله لاستثقالهم لها، ولم يستعملوا ذلك في شيء من الحروف غيرها، فإذا انضاف إلى ذلك تكريرها كان أثقل كثيرا عليهم، فاستعملوا في تكرير الهمزة من كلمتين التخفيف للأولى، والتخفيف للثانية، والحذف للثانية، والحذف للأولى، وبعضهم يحققهما جميعا، إذ الأولى كالمنفصلة من الثانية، إذ هي من كلمة أخرى (٣).

стр. 118

«٣» فحجة من حقق الهمزتين في كلمة، وهي قراءة أهل الكوفة (١) وابن ذكوان (٢)، في نحو: «أأنذرتهم» وشبهه (٣)، أنه لمّا رأى الأولى في تقدير الانفصال من الثانية، ورآها داخلة على الثانية، قبل أن لم تكن، حقّق كما يحقق ما هو من كلمتين، وحسن ذلك عنده لأنه الأصل، وزاده قوة أن أكثر هذا النوع بعد الهمزة الثانية فيه ساكن، فلو خفّف الثانية، التي قبل الساكن، لقرب ذلك من اجتماع ساكنين (٤)، لا سيما على مذهب من يبدل من الثانية ألفا (٥)، فلمّا خاف اجتماع الساكنين حقّق، ليسلم من ذلك، ولأنه أتى بالكلمة على أصلها محققة، ولأنه لو خفّف الثانية لكانت بزنتها محققة. فالاستثقال (٦) في القياس مع التخفيف باق، ولذلك قرئ بإدخال ألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية، لأن الاستثقال (٦) مع التخفيف باق، إذ المخففة بزنتها محققة (٧). «٤» وحجة من خفّف الثانية هو ما قدّمنا من استثقال الهمزة المفردة فتكريرها أعظم استثقالا، وعليه أكثر العرب، وهو مذهب نافع وابن كثير وأبي عمرو وهشام. وأيضا فإنه لمّا رأى العرب، وكلّ القراء قد خفّفوا الثانية، إذا كانت ساكنة استثقالا، كان تخفيفها إذا كانت متحركة أولى، لأن المتحرك أقوى من الساكن وأثقل، وأيضا فإن جماعة من العرب ومن القراء قد

стр. 119

كرهوا اللفظ بالهمزة المفردة، فخفّفوها ساكنة ومتحركة نحو: «يومن، ويواخذ (١)»، فكان تخفيفها إذا تكررت أولى وأقيس (٢). «٥» وحجة من خفف الثانية من كلمة، وأدخل بين الهمزتين ألفا، وهو مذهب أبي عمرو وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر، أنه لما كانت الهمزة المخففة بزتنها محققة قدّر بقاء الاستثقال على حاله مع التخفيف، فأدخل بينهما ألفا ليحول بين الهمزتين بحائل، يمنع من اجتماعهما. وقد روي ذلك أيضا عن ورش (٣)، والعلة في الجمع بين الهمزتين من كلمة المختلفتي الحركة نحو: «أئذا، وأئنكم» (٤) وشبهه، وبه قرأ الكوفيون وابن ذكوان، وفي تخفيف الثانية، وهي قراءة ورش وابن كثير، وفي إدخال الألف بينهما، مع تخفيف الثانية، وهي قراءة أبي عمرو وقالون [وهشام] (٥) هو ما قدّمنا من العلة في الهمزتين المتفقتي الحركة من كلمة نحو: «أأنذرتهم» فقسه عليه، فالعلة (٦) واحدة. «٦» وحجة من حقّق الهمزتين المتفقتين من كلمتين هو ما قدّمنا من تقدير انفصال الأولى من الثانية، وأن الوقف يفصل بينهما، وأن تخفيف الثانية في الوزن كالتحقيق، فقرأه على الأصل، وهو التحقيق. فعلى العلل المتقدمة في

стр. 120

الهمزتين من كلمة في هذا الفصل، وله مزية في القوة في التحقيق أن الأولى منفصلة من الثانية، في الوقف. وأن الوصل كأنه عارض، وبه قرأ الكوفيون وابن عامر (١). «٧» وحجة من خفّف الثانية كحجته المتقدمة (٢) في تخفيف الثانية، فيما هو من كلمة نحو: «أأنذرتهم» فقسه عليه، وكانت الثانية عنده أولى بالتخفيف من الأولى، لأن الثانية تقع للتكرير، وبها يقع الاستثقال، فخفّفها لأنها أولى بالتخفيف من الأولى، وأيضا فإن الأولى قبلها ساكن في أكثر هذا الفصل، فلو خفّفها لقرب اللفظ من الجمع بين ساكنين، فآثر تخفيف الثانية لذلك، إذ قبلها متحرك، وبه قرأ ورش (١). «٨» وحجة من خفّف الأولى (٣) أنه لمّا رأى الثانية، لا بدّ لها من التحقيق في الابتداء، أجرى الوصل على ذلك فحقّقها، فوجب تخفيف الأولى، إذ قد حصل التحقيق للثانية لما ذكرنا. وأيضا فإنه لما كان بالثانية، يقع التكرير والاستثقال، خفّف الأولى، ليزول لفظ التكرير والاستثقال عن الثانية. «٩» وحجة من حذف الأولى من الهمزتين المتفقتي الحركة من كلمتين، وهو أبو عمرو، في المكسورتين والمضمومتين، ووافقه البزّي وقالون على الحذف في المفتوحتين (٣)، أنه جعل الثانية تقوم مقام الأولى وتنوب عنها، وفي المدة الأولى وجهان: المد لأن الحذف عارض، ولأن الثانية تقوم مقام الأولى. وعلة ترك المد أنه لعدم الهمزة التي من أجلها وجب المد، وكذلك الاختلاف فيها، في قراءة من ترك مدّ حرف لحرف المد، وتركه على ما ذكرنا من العلل فيما تقدم (٤).

стр. 121

«١٠» وحجة من حقّق الهمزتين المختلفتي الحركة من كلمتين هو ما قدّمنا من أن الأولى منفصلة من الثانية، وأنه الأصل، وأن الوقف على الأولى والابتداء بالثانية بالتحقيق فيهما للجميع، فأجرى الوصل مجرى الوقف، وخفّ عليه اجتماعهما، إذ هما من كلمتين، وإذ انفصال الثانية من الأولى ممكن مقدّر منويّ، وهي قراءة الكوفيين وابن عامر (١)، في نحو: «جاء أمة رسولها، والسفهاء ألا» (٢) وشبهه، فقس (٣) عليه على ما قدّمنا (٤). فأما ما خالف القراء أصولهم من هذه الفصول فعلّته تذكر مع كل حرف في موضعه. وكلّه جار على ما ذكرنا من العلل. فأما حكم تخفيف الهمزة في هذه الفصول فنذكر منه في هذا الموضع جملة، ثم نبسطه، إن شاء الله، في أبواب تخفيف الهمز ونعلله.

стр. 122

باب ذكر جمل من تخفيف الهمز فيما ذكرنا أما ما كان من التخفيف في كلمة، والثانية ساكنة، فقد قلنا: إنك تبدل من الهمزة ألفا إذا انفتح ما قبلها، وواوا إذا انضم ما قبلها، وياءا إذا انكسر ما قبلها، وسنذكر علة ذلك فيما بعد (١). وما كان من التخفيف فيما هي من كلمة، وكلاهما مفتوح، فإنك تجعل الثانية بين الهمزة والألف، وقد ذكر عن ورش أنه يبدل من الثانية ألفا، وبين بين أقيس وأحسن له ولغيره، ممن خفّف الهمزة الثانية، ومع الألف يشبع المد (٢)، وأما ما كانت الهمزة الثانية في كلمة مكسورة أو مضمومة، والأولى مفتوحة (٣)، فإنها تجعل في التخفيف، المكسورة بين الهمزة والياء، والمضمومة بين الهمزة والواو، والمفتوحة [بين الهمزة والألف] (٤)، وذلك نحو: «أئذا، أؤلقي» (٥) وشبهه. وأما ما كان من كلمتين، على اتفاق الحركة بالكسر أو الضم، [فإنه] (٦) إذا خفّفت الأولى جعلت بين بين أيضا، وبين الهمزة والياء نحو: «هؤلاء ان كنتم» والمضمومة بين الهمزة والواو نحو: «أولياء اولئك» (٧)، فإذا (٨) خففت الثانية، فكذلك أيضا مثل تخفيف الأولى، وأما

стр. 123

ما كان من كلمتين، باتفاق الحركة بالفتح، فإنه إذا خففت الثانية جعلت بين بين، بين الهمزة والألف، وعن ورش أنه يبدل من الثانية ألفا، والأول أقيس، ومع الألف يتمكن إشباع المدّ (١). وأما ما كان من كلمتين، باختلاف حركة الهمزة، فإنك إذا خففت الثانية، وقبلها حركة، جعلتها بين بين، إن كانت مضمومة، فبين الهمزة والواو نحو: «شهداء اذ حضر» (٢) إلا أن يكون قبلها ضمة، فالأخفش (٣) يجعلها بين الهمزة والواو (٤). وسيبويه يجعلها بين الهمزة والياء نحو: «يشاء الى» (٥). وسنذكره بأبين من هذا في تخفيف الهمزة، فإن كانت الهمزة الثانية مفتوحة، وقبلها ضمة، أبدلت منها واوا مفتوحة نحو: «السفهاء الا»، وإن كانت قبلها كسرة أبدلت منها ياء مفتوحة نحو: «من الشهداء أن تضل» (٦). وهذا كله يأتي معلّلا مفسرا في أبواب تخفيف الهمزة، كحمزة وهشام، إن شاء الله. وسنذكر «أئمة» (٧)، وما انفرد من الحروف عما ذكرنا، وعللها في موضعها إن شاء الله (٨).

стр. 124

فإن قيل: فما الاختيار في ذلك؟ فالجواب أن الاختيار تخفيف الثانية (١) في جميعه لخفة ذلك. ولاستثقال اجتماع (٢) همزتين متحركتين، وللعلل التي ذكرنا، ولأن أهل الحرمين وأبا عمرو عليه.

стр. 125

باب ذكر علل الهمزة المفردة قد قدّمنا ذكر الهمزة، واستثقال العرب لها، واستعمالهم فيها لثقلها، ما لم يستعملوا في غيرها من الحروف. «١» فحجة من حقّقها في فاء الفعل وعينه ولامه أنه أتى بها على الأصل، فأظهرها محقّقة، كما يفعل بسائر الحروف، وخفّ ذلك عليه وسهل لانفرادها، إذ ليس قبلها همزة، وزاده قوة أن كثيرا من العرب والقراء يحقّقونها، مع تكررها على أصلها، فكان تحقيقها وهي مفردة آكد وأخفّ وأقوى. وأيضا فإنه همز ذلك ليبين أن الأصل الهمزة، إذ لو خفّف لجاز لظانّ أن يظن أنه لا أصل للكلمة في الهمز فكان في الهمز بيان أصلها، ألا ترى أنّ من ترك همز «مؤصدة» وهمز

стр. 126

«ورئيا» (١) يجوز أن يكون مما لا أصل له في الهمز. ففي همزه بيان أن أصله الهمز. «٢» وحجة من خفّف الهمزة أنه استثقلها محقّقة فخفّفها على ما قدّمنا من العلل، وأيضا فإن التخفيف لغة أهل الحجاز (٢)، وأيضا فإن التخفيف أخف على القارئ، مع موافقة لغة العرب والرواية. «٣» وحجة من ترك همز فاء الفعل خاصة، وهو ورش، أن فاء الفعل حكمها أن يكون في أول الكلام، لأنها أول الوزن، فحقّها أن تكون مخفّفة أبدا، إلا أن يدخل عليها زائد، فتصير ثانية، أو زائدان فتصير ثالثة، وربما كانت الهمزة رابعة بدخول ثلاثة زوائد عليها، فتثقل فتخفّف حينئذ، فلذلك خفّف فاء الفعل، لأنها ثانية أو ثالثة أو رابعة، وذلك نحو: «يؤمن، وسيؤمن واستأمن» (٣) فلما بعدت الهمزة من أول الكلام ثقلت فخففت. «٤» وحجة من همز عين الفعل ولامه إجماعهم على ذلك، فهمز للإجماع، لئلا يخرج عن الإجماع. وأيضا فإن الهمز هو الأصل. وأيضا فإنه لو لم يهمز لظن طان أنه لا أصل له في الهمز، فأتى به مهموزا على أصله. «٥» وحجة ورش في همزه «المأوى» (٤)، والهمزة فاء الفعل، ومن أصله أنه لا يهمز فاء الفعل، أنه لو سهّل ولم يهمز لاجتمع ثلاثة أحرف من حروف العلة متوالية، وذلك قليل، لم يقع إلا في «أوى» لإجماع (٥) العرب على ترك همز الهمزة الساكنة، إذا كان قبلها همزة نحو: «آتى، وآمن» (٦).

стр. 127

وأيضا فإنه لما همز «تؤويه، وتؤوي» (١) لئلا يجتمع واوان في التخفيف، فذلك أثقل من التحقيق، رجع إلى التحقيق، لأنه أخفّ، فأجرى باب «الإيواء» على سنن واحد في الهمز، لئلا يختلف، إذ هو كله من أصل واحد، من «أوى»، مع نقله ذلك عن أئمته. «٦» فإن قيل: فما بال ورش همز «فأذن، ومن تأخر، ومآرب، ومآبا، وتؤزهم، ويؤده، ويؤوده» (٢)، والهمزات (٣) فيه كله فاء الفعل، ومن أصله أن لا يهمز فاء الفعل؟ فالجواب أنه إنما خفّف من فاء الفعل، ما وجد فيه سبيلا إلى البدل في التخفيف، وأبدل من الهمزة حرفا يقوم مقامها، وينوب عنها، فاستغنى عنها بحرف يقوم مقامها، هو أخفّ منها، وذلك في «يؤمن، ويأكل، ويؤاخذ» (٤) وشبهه، وهذه الكلمات لا يتمكن في تسهيلها البدل لأنها متحركة، قبلها حركة، فلا تكون إلا بين بين. وبعد كل همزة منها ساكن. وهمزة بين بين، يبعد وقوع ساكن بعدها، لأنها تصير وصلة إلى اللفظ بالساكن بعدها، فكأنها مبتدأ بها، وهمزة بين بين لا يبتدأ بها، فوجب فيها التحقيق ضرورة في القياس. وقد تسهّل الهمزة، وإن كان بعدها ساكن في بعض الكلام، لكن المعمول به ما ذكرت لك، فلمّا لم يجد إلى البدل سبيلا وبعد جعلها بين بين، رجع إلى التحقيق، إذ لا سبيل إلى غير التحقيق أو التسهيل، فلمّا صعب التسهيل رجع إلى التحقيق.

стр. 128

«٧» فإن قيل: فما حجة ورش في تخفيفه ل «الذئب، وبئس، وأرأيت» (١) ومن أصله أن يحقق عين الفعل حيث وقعت؟ فالجواب أنه خفّف همزة «الذئب» على لغة من قال: لا أصل له في الهمز، وقد قال الكسائي: لا أعرف أصله في الهمز، فلم يهمزه في قراءته، وكذلك «البئر» (٢) قد قيل: لا أصل لها في الهمز. فأما تخفيفه للهمزة الثانية من «أرأيت» وهي عين الفعل، فإنه لمّا اجتمع في كلمة همزتان، بينهما حرف، خفّف الثانية استخفافا. وأيضا فإنه لمّا رأى بعض العرب يحذف الثانية حذفا مستمرا، وبه قرأ الكسائي خفّفها، وجعل تخفيفها عوضا من حذفها، إذ في حذفها بعض الإجحاف بالكلمة (٣). وسيأتي علة (٤) من حذفها ومن خفّفها في موضعها، إن شاء الله. «٨» فإن قيل: فما بال ورش ترك همز (٥) ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ «القصص ٣٤» والهمزة لام الفعل، ومن أصله همز لام الفعل حيث وقعت، ومن أصله أيضا أنه لا يلقي حركة الهمزة على الساكن قبلها في كلمة؟ فالجواب أنه لمّا وجد سبيلا إلى إلقاء حركة الهمزة على الساكن قبلها لم يهمزها، وألقى حركتها على ما قبلها، قياسا على فعله في إلقاء حركة كل همزة، أتت (٦) في كلمة وقبلها ساكن من كلمة أخرى. فأجرى ما هو من كلمة مجرى ما هو من كلمتين، وقد (٧) همز قوله: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ «آل عمران ٩١» على

стр. 129

أصله في همزة لام الفعل، ولم يلق حركة الهمزة، ليفرّق بين ما هو من كلمة، وما (١) هو من كلمتين، فاستثقل ما هو من كلمتين لثقله، فخفّف (٢) فيه الهمزة بإلقاء حركتها على الساكن قبلها، نحو: «من آمن» (٣)، واستخفّ ما هو كلمة فهمزه، ولم يلق فيه الحركة، وكان أصله ألا يلقي الحركة في (ردءا) لكنه أجراه على حكم ما هو من كلمتين، فألقى فيه الحركة للجمع بين اللغتين (٤). «٩» فإن قيل: فلم خصّ «ردءا» بإلقاء الحركة دون غيرها، مما هو في كلمة ك «الخبء، وجزء» (٥)؟ فالجواب أنك إذا خفّفت «ردءا يصدّقني» أشبه لفظه لفظ كلمتين منفصلتين مفهومتين، ف «رد» كلفظ الأمر من «ورد، يرد» والهمزة والتنوين كالخفيفة في اللفظ، فصار لفظه كلفظ كلمتين مفهومتين، فألقى فيه الحركة، لأنه ككلمتين في اللفظ. «١٠» ومن الهمزة المفردة تخفيف أبي عمرو لكل همزة ساكنة إذا أدرج القراءة، أو قرأ في الصلاة، وهي رواية الرّقيّين عنه، رواية أبي شعيب السوسي وغيره. وعلته في ذلك أنه آثر التخفيف عند إدراج القراءة وعند الصلاة بالقرآن، فخفّف الهمزة، إذ التخفيف أبين في اللفظ من التحقيق، وهي لغة العرب (٦). «١١» فإن قيل: فلم خصّ الساكنة وآثرها بالتخفيف إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة دون المتحركة، والمتحركة أثقل من الساكنة فخفّف الخفيف وحقّق

стр. 130

الثقيل، وهذا ضد النظر والقياس؟ فالجواب أن الساكنة تجري في التخفيف على سنن واحد وقياس واحد، وهو البدل، فسهّل ذلك فيها، واستمر القياس في حكمها، فخصّها بذلك لجريها على حكم واحد، وهو البدل. والمتحركة ليست كذلك في التخفيف، بل تكون مرة بين الهمزة والألف، ومرة بين الهمزة والواو، ومرة بين الهمزة والياء، ومرة يلقي حركتها على ما قبلها، ومرة يبدل منها حرف غيرها، ومرة يدغم الحرف الذي قبلها فيما هو بدل منها، ومرة تحذف. فهي تجري على وجوه كثيرة مضطربة. فلما رآها لا تستقر على أصل واحد، وتخفيفها أثقل وأصعب على القارئ من تحقيقها حققها، ولم يخففها. ولمّا رأى الساكنة تجري على سنن واحد، وقياس غير منخرم، وتخفيفها أسهل على القارئ من تحقيقها آثر تخفيفها مع روايته ذلك عن أئمته. «١٢» فإن قيل: فما باله حقّق الساكنة التي سكونها بناء أو علم للجزم، وتخفيفها في الحكم مستمر جار على قياس واحد. فالجواب أن ما سكونه علم للجزم، وما سكونه بناء، أصله كله الحركة، والسكون فيه عارض. ومن أصله أن يحقّق المتحركة، فحقّق هذه على ما كانت عليه في أصلها (١) قبل الجزم والبناء، وأيضا فإن هذين (٢) النوعين قد غيّرا مرة من الحركة إلى السكون، فكره أن يغيرهما مرة أخرى إلى البدل، فيقع في ذلك تغيّر بعد تغير، فيكون فيه إجحاف بالكلمة (٣). «١٣» فإن قيل: فما باله حقّق «تؤويه، وتؤوي» وحقّق «مؤصدة» في الموضعين، وحقق «ورئيا» (٤) في مريم، والهمزة ساكنة فيها، يحسن فيها البدل ويتأتى؟.

стр. 131

فالجواب أنه إنما سهّل الهمزة الساكنة للتخفيف، وهو إذا سهّل همزة «تؤويه، وتؤوي» اجتمع فيه واوان وضمة وكسرة، وذلك ثقيل جدا، فلمّا كان التخفيف للهمز (١) أثقل من الهمز آثر الهمز (٢) وترك التخفيف لثقله. فأما «مؤصدة» فإنه لمّا كان فيه لغتان في اشتقاقه، يجوز أن يكون مشتقا مما أصله الهمز، من «آصدت» أي: أطبقت ومن «أوصدت» لغة فيه بمعنى واحد (٣)، كره أن يخفّف همزة، وهو عنده من «آصدت». فيظن ظان أنه عنده من «أوصدت»، فخاف أن يخرج بالتخفيف من لغة إلى لغة، فحقّقق همزه لذلك. وكذلك «ورئيا» فيه لغتان: الهمز على معنى «الرّواء» وهو ما يظهر من الزّي، وترك الهمز على معنى «الرّي» (٤) فكره أن يترك همزه، فيظن أنه عنده من «الرّي» (٥)، فيخرج بترك الهمز من لغة إلى لغة أخرى، ومن معنى إلى معنى آخر، فهمزه ليتبيّن ممّ هو مشتق، وما معناه. فأما ما ذكرنا من الاختلاف في الهمزة، إذا أسكنها أبو عمرو في رواية الرّقيين عنه في «بارئكم» (٦)، وأن من القراء من يبدل من الهمزة ياء لسكونها، على أصله في تخفيف الساكنة (٧)، وأن منهم من لا يخفّفها، ويحققها. «١٤» فعلّة من خفّفها فأبدل منها ياء أنه أجراها مجرى كل همزة ساكنة، أبدل منها ياء إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة، لتكون الساكنة كلها على قياس واحد.

стр. 132

وعلّة من حققها ولم يخففها أنه لمّا كان أصلها الحركة أجراها في التحقيق على أصله في المتحركة، وأيضا فإنه لما رآها قد تغيّرت عن الحركة إلى السكون كره أن يغيرها مرة أخرى بالبدل، قياسا على مذهبه في تحقيق ما سكونه علم للجزم أو البناء، إذ قد حققه، ولم يخفّفه لتغيره مرة، فكره أن يغيّره مرة أخرى (١). «١٥» فإن قيل: فما الاختيار في ذلك؟ فالجواب أن الاختيار في ذلك الهمز، لأنه الأصل، ولإجماع القراء عليه، ولأن التخفيف تغيير، فتركه أولى. «١٦» فصل: قال أبو محمد: اعلم أيها الناظر في هذا الكتاب أني لا أعتمد على ترك الاعتداد بالعارض (٢) في كثير مما تقدّم وما يأتي، وربما اعتددت به قياسا على مذهب (٣) العرب في ذلك، فربما اعتدوا بالعارض في قليل من الكلام، ولا يعتدون به في أكثر الكلام. فمما اعتدوا فيه بالعارض قولهم: سل زيدا (٤)، اعتدوا (٥) بالفتحة التي على السين وهي عارضة، إنما هي حركة الهمزة، نقلت الى السين، فلذلك حذفوا ألف الوصل، وقالوا: لحمر جاء (٤)، فاعتدوا بالحركة التي على اللام، وهي عارضة، إنما هي حركة الهمزة من «أحمر» نقلت إلى اللام، فحذفوا ألف الوصل واستغنوا عنها بالحركة العارضة. ومن هذا قراءة نافع وأبي عمرو في «عادا الأولى» في «والنجم» (٦) بالإدغام، وذلك أنهما لمّا ألقيا حركة الهمزة على لام التعريف اعتدّوا بها، فحسن الإدغام

стр. 133

في اللام إذ عليها حركة معتدّ بها. ولولا ذلك ما جاز إدغام التنوين في لام ساكنة، إذ لا يكون المدغم فيه أبدا إلا (١) متحركا بحركة معتد بها. ومما لم يعتدوا فيه بالعارض في (٢) تخفيف همزة «رؤيا» (٣) فلم يدغموا الواو في الياء على أصلهم في «ميت، وهين» لأن الواو عارضة، إنما هي بدل من همزة. وقالوا: ضوء، فإذا خففوا الهمزة قالوا: ضوّ، فأتوا بواو متحركة، قبلها فتحة، وليس ذلك في كلام العرب، ولم يعلّوها على أصولهم في الكلام، لأن حركتها عارضة، إنما هي حركة الهمزة نقلت اليها. وهذا أكثر في الكلام وأقيس من الاعتداد بها، و (٤) على هذا عوّل من أنكر قراءة نافع وأبي عمرو في «عادا الأولى» بالإدغام (٥). وقال: الحركة على اللام عارضة، واللام ساكنة على أصلها، فلا يحسن الإدغام فيها، لأن المدغم لا يكون إلا ساكنا، والمدغم فيه لا يكون إلا متحركا، فلم يجز عندهم الإدغام في اللام وهي ساكنة في الأصل (٦).

стр. 134

باب علل نقل حركة الهمزة على الساكن قبلها لورش «١» قد (١) قدّمنا القول في ثقل الهمزة، وبعد مخرجها، وصعوبة اللفظ بها، فلمّا كثرت الهمزة في الكلام، وأمكن أن تلقى حركتها على ما قبلها، فتقوم حركتها مقامها، وتذهب صعوبة لفظها، آثر ذلك ورش، مع روايته ذلك عن أئمته. فهو إذا ألقى حركة الهمزة على ما قبلها لم يخلّ بالكلام، وخفف الثقل الذي في الهمزة، فآثر ذلك لذلك، وكان ما هو من كلمتين أولى بالتخفيف، لثقل اجتماع كلمتين والهمزة، ولم (٢) يفعل ذلك فيما هو من كلمة لخفة الكلمة، نحو: «مسؤولا، والظمآن، والمشأمة» (٣) ونحوه، غير أنه فعله في «ردءا يصدقني» (٤) وحده، لأنه بناه على ما هو من كلمتين، فألقى فيه الحركة. وأيضا فإنه جمع بين اللغتين. «٢» فإن قيل: فما باله ألقى الحركة في كلمة على لام التعريف نحو: «الآخرة، والأرض» (٥) وشبهه؟

стр. 135

فالجواب أن الألف واللام، اللذين للتعريف، ككلمة منفصلة مما بعدها، لأنهما دخلا بعد أن لم يكونا، ولأن حذفهما جائز، ولأن الكلام مع عدمهما مستقل مفهوم، فصار ذلك بمنزلة ما هو من كلمتين، فأجراه (١) في إلقاء الحركة على الساكن مجرى ما هو من كلمتين (٢). «٣» فإن قيل: فما باله لم يلق حركة الهمزة على الساكن من كلمة أخرى إذا كان [حرف] (٣) مدّ ولين؟. فالجواب أنه لو ألقى الحركة على الألف في نحو قوله: ﴿فَما آمَنَ﴾ «يونس ٨٣» لتغيّرت الألف وانقلبت همزة، ولحال الكلام عن أصله، فامتنع إلقاء الحركة لذلك على الألف، وفعل ذلك بأختي الألف: الواو التي قبلها ضمة، والياء التي قبلها كسرة، للتشبيه (٤) بالألف، فامتنع فيهما من إلقاء الحركة عليهما، مثلما امتنع في الألف. وأيضا فإن الألف في نية حركة لا يتغيّر ما قبلها أبدا، والحركة لا تلقى على حركة. «٤» فإن قيل: فلم ألقى ورش حركة الهمزة على حرفي اللين نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ﴾ «المائدة ٦٥» و ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ «المائدة ٢٧» وحرفا (٥) اللين فيهما شبه بالألف؟ فالجواب أن حرفي اللين لمّا انفتح ما قبلهما وتغيّر نقصا عن شبه الألف، إذ الألف لا يتغير ما قبلها أبدا. فلما فارقا الألف، في قوة الشبه، دخلا في مشابهة سائر الحروف، التي تتغيّر حركة ما قبلها، فحسن إلقاء الحركة عليهما كسائر الحروف (٦).

стр. 136

«٥» فإن قيل: فما علة قالون وموافقته ورشا (١) في إلقائه الحركة في «الان» في موضعين في يونس (٢)، وفي «ردءا يصدقني»، وفي، «عادا الأولى» في «والنجم»؟ فالجواب أن «الان» اجتمع فيها مدتان، مدّة في أوله، لأجل الألف التي هي بدل من ألف الوصل، للفرق بين الاستفهام والخبر، وإتيان الساكن بعدها كقوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ «الأنعام ١٤٣» ومدّة بعد الهمزة الثانية، وهي همزة «آن» (٤) فعل ماض، ودخلت عليه الألف واللام، وألف الاستفهام. والألف والتغيير. إذ (٣) كان أصلها «أوان» عند القراء ثم حذفت الواو، وقيل: أصله «آن» (٤) فعل ماض، ودخلت عليه الألف واللام، وألف الاستفهام. والألف واللام زوائد فيها. فثقلت الكلمة. إذ خالفت سائر ما فيه الألف واللام الداخلتان على همزة، فخفّف قالون الهمزة الثانية، فألقى حركتها على لام التعريف كورش لذلك. فأما «ردءا يصدقني» فقد مضى الكلام عليه لورش، أنه أجراه مجرى ما هو من كلمتين في إلقاء الحركة (٥). [وفعل قالون ذلك ليجمع بين اللغتين] (٦). فأما «عادا الأولى» في «والنجم» فإنه لما أراد إدغام التنوين في اللام لم يمكن أن يدغمه في ساكن، إذ لا يدغم حرف أبدا إلا في متحرك، فألقى عليه حركة الهمزة، ليتأتّى له الإدغام في متحرك، واعتدّ بالحركة على ما ذكرنا من مذاهب العرب. فأما إتيان قالون بهمزة ساكنه بعد اللام، فإنه لمّا أدغم التنوين في اللام صارت الحركة لازمة غير عارضة، فسقط المدّ في قراءة ورش لأن المدّ إنما كان [يكون] (٧) في هذا ونظيره، إذا كانت الحركة عارضة، والهمزة

стр. 137

مقدّرة، فمدّ لتقدير لفظ الهمزة، فلمّا لم يقدّر الهمزة، لاعتداده بالحركة في اللام في هذا الوضع، أسقط المدّ، ولمّا تحركت اللام بحركة لازمة، معتدّ بها، لأجل الإدغام فيها، ردّ قالون الواو، التي بعد اللام، إلى أصلها، وهو الهمز، وذلك أن أصل «أولى» «وولى» مشتق من «وأل» إذا لجأ، فلمّا انضمت الواو أبدل منها همزة، كما فعل في «وجوه، ووقّتت» (١) فاجتمع همزتان، الثانية ساكنة، فخفّفت الثانية فأبدل منها واو لانضمام ما قبلها، فصارت «أولى»، فلما ألقى حركة الهمزة المضمومة على اللام، ووقع الإدغام، اعتدّ بالحركة، فلم يتغيّر (٢) رجوع المضمومة، فسقط المد لورش، ورجعت الواو إلى أصلها، وهو الهمز في قراءة قالون (٣). وقد تقدّم من هذا (٤) جملة في باب المدّ (٥). وقراءة نافع وأبي عمرو (٦) في «عادا الأولى» في «والنجم» ضعيفة عند النحويين حتى إن بعضهم عدّها من اللحن (٧)، وعلتهم في ذلك أنهم أدغموا التنوين في حرف ساكن، والساكن لا يدغم فيه، لأن المدغم لا يكون إلا ساكنا، فامتنع (٨) أن يكون المدغم فيه ساكنا أيضا. وحركة الهمزة، التي على اللام، لا يعتدّون بها، لأنها عارضة، فاللام في حكم الساكنة، والساكن لا يدغم فيه، فلهذا أنكروا قراءة نافع في ذلك. وقد وافقه على ذلك أبو عمرو، ووجه ذلك ما قدّمنا من أن الحركة العارضة، قد يعتدّ بها في قولهم: «سل، ولحمر» وشبهه.

стр. 138

وقد بيّنا ذلك، وسنزيده بيانا في موضعه إن شاء الله (١). «٦» فإن قيل: فما الاختيار في باب نقل الحركة؟ فالجواب أن الاختيار الهمز وترك الحركة، لأنه هو الأصل، ولأن القراء أجمعوا على ذلك، ولأن نافعا، عند جميع الرواة عنه، لا ينقل الحركة، إنما رواها عنه ورش وحده، ولأن الهمز لازم في الابتداء فإجراؤه (٢) الوصل على الوقف أحسن من مخالفته، ولأن الهمز في جميعه، في تقدير الابتداء به، لأنه في أول كلمة، والابتداء لا يجوز فيه التخفيف، فأجرى الوصل على ذلك (٣). «٧» فإن قيل: فما تقول في هاء السكت في قوله تعالى: ﴿كِتابِيَهْ﴾. ﴿إِنِّي﴾ «الحاقة ١٩، ٢٠» هل تنقل إليها حركة الهمزة لورش؟ فالجواب أن المتعقبين اختلفوا في ذلك، فمنهم من يلقي حركة الهمزة على الهاء، وعلته في ذلك أنه أجراه مجرى كل ساكن، يقع قبل الهمزة، غير حروف المد واللين، فألقى على الهاء الحركة لسكونها، كما يفعل كل ساكن أتى بعده همزة، غير حروف المد واللين، ومنهم من لا يلقي على الهاء الحركة، لأن الوقف على الهاء لازم (٤)، ولذلك جيء بها، فإذا كان الوقف على الهاء هو الأصل، فهي غير متصلة بالهمزة، والهمزة مبتدأ بها، فلا يحسن في هذا التقدير إلقاء الحركة، لأن الحركة إنما تلقى على ساكن متصل لفظه بالهمزة، وهذه ليس لفظها متصلا بالهمزة لأن حكمها وأصلها الوقف عليها، لأنه إنما جيء بها زائدة ليتبين بها حركة ياء بالإضافة في الوقف. ومن ألقى عليها الحركة فقد وصلها بما بعدها، وترك

стр. 139

الوقف الذي من أجله جيء بها، ولولا الحاجة إليها في الوقف عليها لتظهر حركة الياء بها ما احتيج إليها، فهي حرف زائد للوقف. فمن ألقى عليها الحركة فقد جعلها كالأصل، وأثبتها في الوصل. وترك إلقاء الحركة عليها هو الاختيار فيها (١). وعلى هذا الاختلاف اختلف في إدغام الهاء في الهاء، التي بعدها، في قوله: ﴿مالِيَهْ. هَلَكَ﴾ «الحاقة ٢٨، ٢٩»، والوجه والاختيار إظهارها لأن «الأولى» موقوف عليها في اللفظ والنية، وللوقوف جيء بها، فالثانية منفصلة منها، والإدغام لا يكون إلا مع اتصال الحرفين، وملاصقة الأول للثاني، فإذا كان الأول منفصلا من (٢) الثاني، بالوقف عليه، لم يكن سبيل للإدغام ألبتة. فأما من وصل الهاء في الموضعين بما بعدها، فقد غلط في ذلك، وأتى بغير الاختيار، ولكن الصواب، أن يوقف على الأول أبدا، وإن نوى الواقف عليها الوقف، وهو واصل، فهو أقرب للصواب. وقد (٣) قال المبرد وغيره إن من أثبت هذه الهاء، وشبهها من هاء الوقف التي للسكت، التي جيء بها لبيان حركة ما (٤) قبلها في وصله فقد لحن. وروي عنه أو عن بعض النحويين أنه صلى خلف إمام الصبح، فقرأ الإمام «الحاقة»، ووصل الهاءات اللواتي للسكت فيها بما بعدها، فقطع الصلاة، ورأى ذلك من أعظم اللّحن (٥). فالوقف على هاتين الهاءين هو وجه الصواب، والاختيار، وإذا كان الوقف هو الصواب فلا سبيل إلى إلقاء حركة الهمزة، ولا إلى الإدغام، لأن الهمزة تصير مبتدأ بها، وكذلك الهاء (٦).

стр. 140

باب علة الاختلاف في الوقف على الهمز «١» تفرّد حمزة بتخفيف كل همزة متوسطة أو متطرفة، إذا وقف خاصة، ووافقه هشام على تخفيف المتطرفة خاصة، وحقّق ذلك سائر القراء غيرهما في الوقف كالوصل. فإن (١) كانت الهمزة بعد حرف زائد، لا يغيّر الكلام حذفه، لم يخفف نحو: «فإن، ولأن، وفبأي، والآخرة (٢)» وشبهه. وحجة من خفّف الهمزة هو ما ذكرنا متقدما من ثقل الهمزة وجلادتها وبعد مخرجها، وتصرّف العرب في تغيير لفظها (٣)، فخفّفها طلبا للتخفيف فيها، لصعوبة التكلف في تحقيقها. «٢» فإن قيل: فلم خصّ الوقف بالتخفيف للهمزة دون الوصل؟ فالجواب أن القارئ لا يقف إلا وقد وهنت قوة لفظه وصوته، فيما قرأ قبل وقفه. والهمزة حرف صعب اللفظ به، فلمّا كان الوقف، يضعف فيه صوت القارئ بغير همز، كان فيما فيه همزة أضعف، فخفّف الهمزة في الوقف للحاجة إلى التسهيل والتخفيف على القارئ، مع ما أنها لغة للعرب، ومع نقله ذلك عن أئمته. فأمّا الوصل فإن قوة القارئ في لفظه وجمام (٤) قوته في ابتدائه تكفي

стр. 141

عن (١) تخفيف الهمزة، وإذ قد استولى عليها القارئ، وعلى اللفظ بها محقّقة لجمام قوته ووصله لكلامه (٢). «٣» فإن قيل: فلم لم يخفف الهمزة مع الزوائد، لأنها في اللفظ بعد حرف أو حرفين كالمتوسطة؟ فالجواب أن الهمزة مع الزوائد قبلها، اللواتي لا يتغيّر الكلام بحذفهن، كالمبتدأ بها. فالهمزة المبتدأ بها لا يجوز تخفيفها، فأجراها مع الزوائد مجراها في الابتداء بها، فلم يخفّفها. وقد روي تخفيفها مع الزوائد لأنها في اللفظ كالمتوسطة. وعلة من فعل ذلك أنه عامل اللفظ عملا واحد، فخفّف كل ما كان في اللفظ متوسطا بزوائد أو بغير زوائد، وبالأول قرأت، وهو الاختيار، للعلل التي ذكرنا. وقد روي عنه أيضا أنه يخفّف الهمزة في الوصل، وهي منفصلة ممّا قبلها، إذا اتصلت بكلام قبلها نحو: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا﴾ «الأعراف ٧٧»، يبدل من الهمزة واوا لانضمام الحاء قبلها وبالتحقيق قرأت في ذلك، وبه آخذ، لأن الهمزة منفصلة مما قبلها، والوصل عارض، ولا سبيل إلى إلى تخفيف الهمزة المنفصلة ممّا قبلها على قياسه، وهو جائز في العربية، وكذلك قياس كل همزة مبتدأ بها (٣). «٤» والعلة في ذلك أن الهمزة المبتدأ بها، لو خفّفت لم يكن بدّ أن تخفّف بين بين، أو على البدل، أو بإلقاء الحركة، فلا سبيل إلى جعلها بين بين، وهي (٤) مبتدأ بها، لأن همزة بين بين معناها بين الهمزة المتحركة وبين

стр. 142

الحرف الساكن، الذي هو من حركتها، فهي تقرب من الساكن، ولا يبتدأ بساكن، ولا بما يقرب من الساكن، لأن الساكن يحتاج إلى حركة يوصل بها إلى اللفظ بالساكن أبدا، فكنت تحتاج أن تجعلها بين بين، وتجتلب لها حرفا متحركا، تصل به إلى النطق بها، وذلك تغيير وتكلّف وخروج عن لغة العرب، فليس هذا في لغتهم، ولا سبيل فيها، وهي مبتدأ بها، إلى تخفيفها بالبدل، لأن التخفيف بالبدل في غيره، إنما يجري على حكم حركة ما قبل الهمزة، وهذه الهمزة ليس قبلها شيء لازم لها، ولا سبيل إلى إلقاء حركتها، إذ ليس قبلها شيء تلقى عليه حركتها، فقد امتنع الابتداء بهمزة مخفّفة على أي وجوه التخفيف كان تخفيفها، فوجب أن يبعد تخفيف الهمزة المبتدأ بها، وإن اتصلت بما قبلها من المتحركات، وعلى تركه العمل، وبه نأخذ (١). فأما علة ما أقرأني به الشيخ أبو الطيب، ﵀، لهشام من تحقيق الهمزة المتطرفة، إذا كان سكونها علما للجزم، فإنها (٢) لمّا تغيّرت الهمزة مرة إلى السكون كره تغييرها مرة أخرى إلى التخفيف، على ما تقدّم من قولنا من العلة لأبي عمرو، في تخفيفه ما سكونه علم للجزم، إذا أدرج القراءة، أو قرأ في الصلاة، مع تخفيفه لكل همزة ساكنة (٣)، وعلى ما قدّمنا من الاختيار في تحقيق الهمزة لأبي عمرو في «بارئكم» إذا أسكنها وقرأ في الصلاة أو أدرج القراءة، فعلة ذلك كله واحدة (٤)، وهي أنه كره تغييره مرة أخرى بعد تغييره السكون قبل ذلك (٥)، ولهذا روي عن ابن مجاهد (٦) أنه

стр. 143

كان يختار التحقيق في الوقف لحمزة فيما سكونه علم للجزم (١). والمشهور عن حمزة في ذلك التخفيف في الوقف، وإن سكنت للجزم، أعني المتطرفة، والمشهور عن هشام تخفيف الهمزة المتطرفة في الوقف، سكنت للجزم أو لم تسكن. وقد قرأت لهشام خاصة بترك التخفيف (٢) في هذا النوع رواية (٣). «٥» والعلة في تخصيص هشام لتخفيف المتطرفة خاصة أن المتطرفة هي في آخر لفظ القارئ، وعندها تقع الاستراحة والسّكت، وإليها تنتهي قوة اللافظ، وعندها ينقطع نفس القارئ، فخصها بالتخفيف لصعوبة اللفظ بها محققة، عند زوال قوة القارئ، وكان التخفيف عليه أيسر في وقفه (٤). «٦» وحجة من حقّق الهمزة في الوقف في جميع ذلك، من المتوسطة والمتطرفة، أنه أتى بالهمزة على أصل الكلام، وأنه وافق بين الوصل والوقف، وأنه إجماع من القراء غير حمزة، وأن التخفيف يحتاج إلى معاناة شديدة (٥) وكلفة عظيمة من جهتين: إحداهما إحكام اللفظ بالهمزة المخفّفة بين بين، والأخرى معرفة ما يخفّف بين بين، وما يبدل ويدغم فيه ما قبله، وما يبدل ولا يدغم فيه شيء، وما قبله زائد أو أصلي، وما تلقى حركته على ما قبله، وذلك أمر لا يحكمه إلا من تناهى في علم العربية، وتمرّن في إحكام اللفظ بذلك، ودرب في اللفظ بالهمزة المخففة، وهذا الصنف في طلبة القراءات قليل معدوم جدا. وأيضا فربما أدى التخفيف إلى مخالفة خطّ المصحف، وذلك غير مستقيم ولا مختار (٦) فما عليه

стр. 144

سائر القراء والعرب في تحقيق الهمزة، في الوقف كالوصل، أولى وأحسن، وهو الاختيار لما قدّمنا. «٧» قال أبو محمد: فإن سأل سائل عن وقف حمزة على «أئذا وأؤلقي، وأأنذرتهم، وأفأمن، وأفأنت، وها أنتم، وهاؤم» (١) وشبهه، أيخفّف الهمزة في هذا كله وشبهه أم يحقق؟ فالجواب أن هذه الزوائد إذا قدّرت حذفها تغيّر معنى الكلام بحذفها، فهي كالمتوسطة، فتخفيفها أحسن في قراءة حمزة في الوقف على أصله في المتوسطة. وقد أخذ قوم له في ذلك بالتحقيق في الوقف (٢). «٨» والعلة في ذلك لهم أن الزوائد، إذا حذفت بقي كلام مفهوم مستعمل، فالهمزة فيه في تقدير الأولى التي لا تخفف، وإنما يخفّف من الهمز مع الزوائد التي، إذا حذفت (٣) لم يبق كلام مفهوم ولا مستعمل، فيكون حينئذ كالمتوسطة، فيخفف نحو: «يؤمنون، والمؤلفة» (٤) وشبهه، ويلزم من خفّف هذا النوع في الوقف أن يخفف مع لام التعريف ك «الأرض، والآخرة» (٥) في الوقف لحمزة، لأنها إذا حذفت تغيّر الاسم عن التعريف إلى التنكير (٦)، ولا يلزم ذلك من حقّق لأنه يقول: إذا حذفت اللام بقي كلام مفهوم مستعمل، فالهمزة كالمبتدأة (٧). وكلا القولين له قياس حسن، والهمز في ذلك في الوقف لحمزة أحبّ إليّ، لأنه الأصل، ولأن الهمزة كالمبتدإ بها، والتخفيف أيضا لا يمنع (٨).

стр. 145

وقد روى خلف عن حمزة أنه خفّف في الوقف الهمزة الثانية من «أئن ذكرتم» (١)، فهو أيضا قياس حسن. فأما «ها أنتم» على قراءة حمزة، بالهمز والمدّ فيه، فالوقف بالتحقيق، وعليه (٢) العمل، لأنها ها التي للتنبيه، دخلت على «أنتم»، فهما كلمتان. ومثله «يا أيها» (٣) لأنها يا دخلت على «أي» فهي كلمتان، ولذلك ترك مدّه البزّي، كما يترك مدّ «ما أتى الذين» (٤) وشبهه، ومثله «هؤلاء» (٥) لا يخفّفه لحمزة، أعني الهمزة الأولى، ولا يمدّه، لمن اعتبر المدّ، لأنها هاء دخلت على «أولاء»، ولا يحسن أن يقدره في قراءة حمزة ومن تابعه على المدّ والهمز فيه، أن الهاء بدل من همزة (٦)، لأنه يصير قد أدخل بين الهمزتين ألفا، مع بدل الأولى هاء، وليس هذا من أصولهم مع التحقيق (٧)، فكيف مع البدل والتخفيف، وسنذكر ما فيها من العلل في موضعه. «٩» فأما «هاؤم» فبالتخفيف تقف لحمزة، لأنها (٨) ليست ب «ها» التي للتنبيه، دخلت على «أم»، لأن «أم» مخفّفا بضمّ الهمزة، كلام غير مستعمل. وإنما «هاء» اسم للفعل معناه «خذ، وتناول»، تقول للواحد: هاء يا رجل، أي: خذ، وللاثنين هاؤما، فتزيد ميما وألفا، كما تزيد ذلك في «أنتما»، وتقول للجميع: هاؤمو، أي: خذوا، فتزيد ميما وواوا، كما تزيد ذلك في «أنتمو» (٩)، فالهمزة متوسطة من نفس الكلمة، فتخفيفها
следующие страницы →