← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عن (١) تخفيف الهمزة، وإذ قد استولى عليها القارئ، وعلى اللفظ بها محقّقة لجمام قوته ووصله لكلامه (٢). «٣» فإن قيل: فلم لم يخفف الهمزة مع الزوائد، لأنها في اللفظ بعد حرف أو حرفين كالمتوسطة؟ فالجواب أن الهمزة مع الزوائد قبلها، اللواتي لا يتغيّر الكلام بحذفهن، كالمبتدأ بها. فالهمزة المبتدأ بها لا يجوز تخفيفها، فأجراها مع الزوائد مجراها في الابتداء بها، فلم يخفّفها. وقد روي تخفيفها مع الزوائد لأنها في اللفظ كالمتوسطة. وعلة من فعل ذلك أنه عامل اللفظ عملا واحد، فخفّف كل ما كان في اللفظ متوسطا بزوائد أو بغير زوائد، وبالأول قرأت، وهو الاختيار، للعلل التي ذكرنا. وقد روي عنه أيضا أنه يخفّف الهمزة في الوصل، وهي منفصلة ممّا قبلها، إذا اتصلت بكلام قبلها نحو: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا﴾ «الأعراف ٧٧»، يبدل من الهمزة واوا لانضمام الحاء قبلها وبالتحقيق قرأت في ذلك، وبه آخذ، لأن الهمزة منفصلة مما قبلها، والوصل عارض، ولا سبيل إلى إلى تخفيف الهمزة المنفصلة ممّا قبلها على قياسه، وهو جائز في العربية، وكذلك قياس كل همزة مبتدأ بها (٣). «٤» والعلة في ذلك أن الهمزة المبتدأ بها، لو خفّفت لم يكن بدّ أن تخفّف بين بين، أو على البدل، أو بإلقاء الحركة، فلا سبيل إلى جعلها بين بين، وهي (٤) مبتدأ بها، لأن همزة بين بين معناها بين الهمزة المتحركة وبين

стр. 142

الحرف الساكن، الذي هو من حركتها، فهي تقرب من الساكن، ولا يبتدأ بساكن، ولا بما يقرب من الساكن، لأن الساكن يحتاج إلى حركة يوصل بها إلى اللفظ بالساكن أبدا، فكنت تحتاج أن تجعلها بين بين، وتجتلب لها حرفا متحركا، تصل به إلى النطق بها، وذلك تغيير وتكلّف وخروج عن لغة العرب، فليس هذا في لغتهم، ولا سبيل فيها، وهي مبتدأ بها، إلى تخفيفها بالبدل، لأن التخفيف بالبدل في غيره، إنما يجري على حكم حركة ما قبل الهمزة، وهذه الهمزة ليس قبلها شيء لازم لها، ولا سبيل إلى إلقاء حركتها، إذ ليس قبلها شيء تلقى عليه حركتها، فقد امتنع الابتداء بهمزة مخفّفة على أي وجوه التخفيف كان تخفيفها، فوجب أن يبعد تخفيف الهمزة المبتدأ بها، وإن اتصلت بما قبلها من المتحركات، وعلى تركه العمل، وبه نأخذ (١). فأما علة ما أقرأني به الشيخ أبو الطيب، ﵀، لهشام من تحقيق الهمزة المتطرفة، إذا كان سكونها علما للجزم، فإنها (٢) لمّا تغيّرت الهمزة مرة إلى السكون كره تغييرها مرة أخرى إلى التخفيف، على ما تقدّم من قولنا من العلة لأبي عمرو، في تخفيفه ما سكونه علم للجزم، إذا أدرج القراءة، أو قرأ في الصلاة، مع تخفيفه لكل همزة ساكنة (٣)، وعلى ما قدّمنا من الاختيار في تحقيق الهمزة لأبي عمرو في «بارئكم» إذا أسكنها وقرأ في الصلاة أو أدرج القراءة، فعلة ذلك كله واحدة (٤)، وهي أنه كره تغييره مرة أخرى بعد تغييره السكون قبل ذلك (٥)، ولهذا روي عن ابن مجاهد (٦) أنه

стр. 143

كان يختار التحقيق في الوقف لحمزة فيما سكونه علم للجزم (١). والمشهور عن حمزة في ذلك التخفيف في الوقف، وإن سكنت للجزم، أعني المتطرفة، والمشهور عن هشام تخفيف الهمزة المتطرفة في الوقف، سكنت للجزم أو لم تسكن. وقد قرأت لهشام خاصة بترك التخفيف (٢) في هذا النوع رواية (٣). «٥» والعلة في تخصيص هشام لتخفيف المتطرفة خاصة أن المتطرفة هي في آخر لفظ القارئ، وعندها تقع الاستراحة والسّكت، وإليها تنتهي قوة اللافظ، وعندها ينقطع نفس القارئ، فخصها بالتخفيف لصعوبة اللفظ بها محققة، عند زوال قوة القارئ، وكان التخفيف عليه أيسر في وقفه (٤). «٦» وحجة من حقّق الهمزة في الوقف في جميع ذلك، من المتوسطة والمتطرفة، أنه أتى بالهمزة على أصل الكلام، وأنه وافق بين الوصل والوقف، وأنه إجماع من القراء غير حمزة، وأن التخفيف يحتاج إلى معاناة شديدة (٥) وكلفة عظيمة من جهتين: إحداهما إحكام اللفظ بالهمزة المخفّفة بين بين، والأخرى معرفة ما يخفّف بين بين، وما يبدل ويدغم فيه ما قبله، وما يبدل ولا يدغم فيه شيء، وما قبله زائد أو أصلي، وما تلقى حركته على ما قبله، وذلك أمر لا يحكمه إلا من تناهى في علم العربية، وتمرّن في إحكام اللفظ بذلك، ودرب في اللفظ بالهمزة المخففة، وهذا الصنف في طلبة القراءات قليل معدوم جدا. وأيضا فربما أدى التخفيف إلى مخالفة خطّ المصحف، وذلك غير مستقيم ولا مختار (٦) فما عليه

стр. 144

سائر القراء والعرب في تحقيق الهمزة، في الوقف كالوصل، أولى وأحسن، وهو الاختيار لما قدّمنا. «٧» قال أبو محمد: فإن سأل سائل عن وقف حمزة على «أئذا وأؤلقي، وأأنذرتهم، وأفأمن، وأفأنت، وها أنتم، وهاؤم» (١) وشبهه، أيخفّف الهمزة في هذا كله وشبهه أم يحقق؟ فالجواب أن هذه الزوائد إذا قدّرت حذفها تغيّر معنى الكلام بحذفها، فهي كالمتوسطة، فتخفيفها أحسن في قراءة حمزة في الوقف على أصله في المتوسطة. وقد أخذ قوم له في ذلك بالتحقيق في الوقف (٢). «٨» والعلة في ذلك لهم أن الزوائد، إذا حذفت بقي كلام مفهوم مستعمل، فالهمزة فيه في تقدير الأولى التي لا تخفف، وإنما يخفّف من الهمز مع الزوائد التي، إذا حذفت (٣) لم يبق كلام مفهوم ولا مستعمل، فيكون حينئذ كالمتوسطة، فيخفف نحو: «يؤمنون، والمؤلفة» (٤) وشبهه، ويلزم من خفّف هذا النوع في الوقف أن يخفف مع لام التعريف ك «الأرض، والآخرة» (٥) في الوقف لحمزة، لأنها إذا حذفت تغيّر الاسم عن التعريف إلى التنكير (٦)، ولا يلزم ذلك من حقّق لأنه يقول: إذا حذفت اللام بقي كلام مفهوم مستعمل، فالهمزة كالمبتدأة (٧). وكلا القولين له قياس حسن، والهمز في ذلك في الوقف لحمزة أحبّ إليّ، لأنه الأصل، ولأن الهمزة كالمبتدإ بها، والتخفيف أيضا لا يمنع (٨).

стр. 145

وقد روى خلف عن حمزة أنه خفّف في الوقف الهمزة الثانية من «أئن ذكرتم» (١)، فهو أيضا قياس حسن. فأما «ها أنتم» على قراءة حمزة، بالهمز والمدّ فيه، فالوقف بالتحقيق، وعليه (٢) العمل، لأنها ها التي للتنبيه، دخلت على «أنتم»، فهما كلمتان. ومثله «يا أيها» (٣) لأنها يا دخلت على «أي» فهي كلمتان، ولذلك ترك مدّه البزّي، كما يترك مدّ «ما أتى الذين» (٤) وشبهه، ومثله «هؤلاء» (٥) لا يخفّفه لحمزة، أعني الهمزة الأولى، ولا يمدّه، لمن اعتبر المدّ، لأنها هاء دخلت على «أولاء»، ولا يحسن أن يقدره في قراءة حمزة ومن تابعه على المدّ والهمز فيه، أن الهاء بدل من همزة (٦)، لأنه يصير قد أدخل بين الهمزتين ألفا، مع بدل الأولى هاء، وليس هذا من أصولهم مع التحقيق (٧)، فكيف مع البدل والتخفيف، وسنذكر ما فيها من العلل في موضعه. «٩» فأما «هاؤم» فبالتخفيف تقف لحمزة، لأنها (٨) ليست ب «ها» التي للتنبيه، دخلت على «أم»، لأن «أم» مخفّفا بضمّ الهمزة، كلام غير مستعمل. وإنما «هاء» اسم للفعل معناه «خذ، وتناول»، تقول للواحد: هاء يا رجل، أي: خذ، وللاثنين هاؤما، فتزيد ميما وألفا، كما تزيد ذلك في «أنتما»، وتقول للجميع: هاؤمو، أي: خذوا، فتزيد ميما وواوا، كما تزيد ذلك في «أنتمو» (٩)، فالهمزة متوسطة من نفس الكلمة، فتخفيفها

стр. 146

لحمزة في الوقف واجب، على أصله في المتوسطة، ولو كانت «ها» التي للتنبيه لم تنفرد في قولك: هاء يا رجل، ولم يكن معها همزة. فأصلها في القرآن «هاؤمق» (١)، كتب على لفظ الوصل، إذ قد حذفت الواو لسكونها وسكون القاف، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت على الأصل بالواو خالفت الخط، وإن وقفت بغير واو خالفت الأصل، ولهذا في خط المصحف نظائر كثيرة (٢)، قد حذف منها حرف المد واللين لالتقاء الساكنين، وكتب على لفظ الوصل بالحذف. فهذا قياس الوقف عليها، وفي «هاء» مع الواحد والتثنية والجمع لغتان، غير ما ذكرنا، إحداهما: سكون الهمزة في الواحد فتقول: هاء يا رجل، أي: خذ، وفي الاثنين (٣): «هاءا» فتزيد ألفا، كما تقول: قوما وخذا، فتزيد ألفا في التثنية، وفي الجمع: «هاءوا»، فتزيد واوا، كما تزيدها في: قوموا وخذوا. والأخرى أن يأتي بالهمزة مكسورة في الواحد فتقول: «هاء يا رجل»، وفي الاثنين: «هائيا»، وفي الجمع «هاءوا» كالذي قبله (٤).

стр. 147

باب تخفيف الهمز وأحكامه وعلله «١» قد (١) قدّمنا علة امتناع تخفيف الهمزة التي تكون أول الكلام، فأما المتوسطة والمتطرفة فتخفيفها جائز حسن، على ما نذكره من الأصول، لمن روي عنه ذلك، وهو حمزة. فنبدأ بالمتوسطة، اعلم أن الهمزة المتوسطة تكون ساكنة ومفتوحة ومضمومة ومكسورة. فأما الساكنة (٢) فهي تجري على ما قبلها، فما قبلها من الحركة يدبّرها، لأنها لمّا كانت ساكنة ضعفت، فلم تدبر نفسها، إذ لا حركة فيها، ولا قوة، فدبّرها أقرب الحركات منها، وهي الحركة التي قبلها، فإذا انفتح ما قبلها أبدلت ألفا، لأن الفتحة من الألف، والألف من إشباع الفتحة تحدث. وكانت الألف أولى بالبدل، لأنها أخت الهمزة في المخرج، ولأن الألف، إذا احتيج إلى حركتها في بعض اللغات أبدل منها همزة، وإذا انضم ما قبلها أبدل منها واو ساكنة، لأن الضمة من الواو، والواو من إشباع الضمة تحدث، ولأن الواو تبدل منها الهمزة، إذا انضمت أو تطرّفت بعد ألف زائدة، نحو: «دعاء» وأصله «دعاو»، ونحو «وجوه» (٣)، فجعلت هي أيضا في التخفيف للهمزة عوضا من الهمزة، وذلك نحو: «تؤمن، وتؤتي» (٤)، وإذا (٥) انكسر ما قبلها أبدل منها ياء

стр. 148

ساكنة كالهمزة (١)، لأن الكسرة من الياء، والياء تحدث من إشباع الكسرة، ولأن الياء تبدل منها همزة، إذا تطرّفت بعد ألف زائدة نحو «سقاء» (٢) أصله «سقاي» فجعلت هي في التخفيف للهمزة عوضا من الهمزة، وذلك نحو: «بئس، وبئر» (٣)، فهذا حكم الساكنة في التخفيف وعلتها (٤). «٢» فصل: فأما حكم تخفيف المفتوحة فإنها، إذا أنفتح ما قبلها، أو كان ألفا وخفّفت، جعلت بين الهمزة المفتوحة وبين الألف في «رأى، وجاء» (٥). وعلة ذلك أنها، لمّا لم يكن قبلها ساكن، تلقى حركتها عليه، ولم يحسن فيها البدل كالساكنة (٦)، لقوتها في الحركة (٧)، فكان تدبيرها بحركتها أولى من تدبيرها بحركة ما قبلها، لأنها لو جرت على البدل جرت على حكم حركة ما قبلها، فكانت حركتها أولى بها، وحركتها الفتح. فلو أبدلت منها ألف على حكم حركتها لم تكن الألف إلا متحركة بمثل حركة الهمزة، فتعود همزة كما كانت، لأن الحرف الذي يجري على البدل، يجري على حركة الهمزة مع البدل أو سكونها، ألا ترى أن المفتوحة، إذا انضم ما قبلها أو انكسر. جرت على البدل، فأبدل منها حرف من جنس ما قبلها، ويكون ذلك الحرف متحركا بمثل حركة الهمزة، وأن الساكنة تجري في البدل على سكون الهمزة؟ فالهمزة، التي تجري على البدل، لها حكمها وأصلها في الحركة أو السكون، فلو جرت المفتوحة، التي قبلها فتحة أو ألف، على البدل لا بدل منها حرف، تكون حركته كحركة الهمزة، وذلك

стр. 149

يؤول إلى رجوع لفظ الهمزة، لأن الألف لا تتحرك (١) عند الضرورة إلا بأن تبدل منها همزة، فامتنع في الهمزة المفتوحة التي قبلها فتحة أو ألف إلقاء حركتها على ما قبلها، لأنه متحرك، أو لأنه ألف، والألف لا تلقى عليها الحركة، لأنها تصير همزة، ويعود الأمر مع التخفيف إلى تغيير وحدوث همزة تحتاج أيضا إلى تخفيفها (٢)، فيصير التخفيف للهمزة يحدث الهمز، وليس هذا من كلامهم، فلم يكن بد من جعل الهمزة المفتوحة، التي قبلها فتحة أو ألف، بين بين في التخفيف، وكان جعلها بين الهمزة المفتوحة، والألف أولى، لأن حركتها الفتح، والفتح من الألف، والألف تحدث من إشباع الفتحة، فكانت حركتها أولى، والحرف الذي من حركتها أولى بها (٣). «٣» فصل: فأما المفتوحة، إذا انضم ما قبلها أو انكسر، فإنها تبدل منها مع الضم واو مفتوحة، نحو: «يواخذ» (٤)، ومع الكسر ياء مفتوحة، نحو: «مير» جمع «مئرة» (٥). وعلة ذلك أنها لمّا لم يمكن إلقاء حركتها على ما قبلها، إذ هو متحرك، ولا تلقى حركة على حركة، ولم يمكن فيها أن تجعل بين بين، لأنها لو جعلت بين بين لجعلت بين الهمزة والألف، والألف لا يكون قبلها ضم ولا كسر، فامتنع ذلك أيضا فيها، ولو جعلت بين الهمزة المفتوحة والواو لكانت بين الهمزة وبين حرف، ليس هو من حركتها. وكذلك الياء، وأيضا فإن التي قبلها ضمة، لو جعلت بين الهمزة والياء الساكنة، لم يتمكن ذلك، إذ ليس في كلام العرب ياء ساكنة قبلها ضمة. ولو جعلت التي قبلها كسرة، بين الهمزة والواو الساكنة، لم يتمكن ذلك، إذ ليس في كلام العرب واو ساكنة قبلها كسرة، فلم

стр. 150

يكن بدّ فيها من البدل على حكم حركة ما قبلها، يبدل منها واو (١)، مفتوحة، إذا انضم ما قبلها، لأن الواو من الضمة تتولّد، وياء مفتوحة إذا انكسر ما قبلها، لأن الياء من الكسرة تتولّد، وإنما فتحها على حكم فتحة الهمزة التي هما بدلان منها، والبدل أبدا تجري حركته على مثل حركة ما أبدل منه (٢). «٤» فصل: فأما المكسورة والمضمومة، إذا تحرك ما قبلهما بأي حركة كانت، أو كان ألفا، فإنهما يجعلان في التخفيف بين بين، المكسورة بين الهمزة المكسورة والياء الساكنة، نحو: «سئم، وقائم، وسائل، وبإمام» (٣) وشبهه. والمضمومة بين الهمزة المضمومة والواو الساكنة، نحو: «يؤوده، وجاؤوا، ولأمه، ويؤوس» (٤) وشبهه. «٥» وعلة ذلك أنهما، لمّا لم يتمكن إلقاء حركتهما على ما قبلهما، لأنه متحرك أو ألف، وذلك ممتنع: إلقاء الحركة على الحركة أو على الألف، ولم يمكن بدلهما لقوتهما بحركتهما، على ما ذكرنا من العلة في منع البدل في المفتوحة، التي قبلها فتحة أو ألف، فقسهما عليها، فالعلة واحدة. فلمّا امتنع إلقاء الحركة والبدل لم يبق إلا إن يجعلا بين بين، فجعلا بين الهمزة والحرف، الذي منه حركتهما، إذ هو يتولّد عند إشباع حركتهما. وكان أولى بذلك لقربه منهما، ولأنه يبدل من الحركة التي قبله، الواو من الضمة، والياء من الكسرة، ولم يتمكن أن يجعلا بين الهمزة والألف، لاختلاف حركة ما قبلهما، والألف لا تتغير حركة ما قبلها، فجعلت المضمومة بين الهمزة والواو، لأن الواو أولى بها من الياء والألف

стр. 151

لما (١) قدّمنا. وجعلت المكسورة بين الهمزة والياء، لأن الياء أولى بها من الواو والألف لما قدمنا، كما كانت الألف أولى بالهمزة المفتوحة، التي قبلها فتحة أو ألف، لأن الألف أولى بها، إذ هي منها، ومن إشباع حركة واحدة يتولد ذلك الحرف، ويتكوّن في اللفظ. وقد ذهب الأخفش إلى أن تخفيف المكسورة التي قبلها ضمة، بين الهمزة والواو (٢). وعلته في ذلك أنه لو جعلها بين الهمزة والياء الساكنة، كما يقول سيبويه، لصارت ياء ساكنة قبلها ضمة، وذلك لا يجوز. وسيبويه يقول إنها ليست بياء ساكنة محضة، إنما هي بين بين بزنتها متحركة، فكما تكون الضمة قبلها، وهي متحركة كذلك تكون قبلها، وهي بين بين (٣)، وهو الاختيار. وكذلك اختلفوا في المضمونة، التي قبلها كسرة، فالأخفش يجعلها بين الهمزة والياء، للكسرة التي قبلها. وسيبويه يجعلها بين الهمزة والواو لأنها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة مضمومة (٤) فحركتها أولى بها من حركة ما قبلها، والعلة في هذه كالعلة فيما قبلها، وذلك نحو: «سئل، ولأمه» (٥).

стр. 152

«٦» فصل في الساكن (١) يقع قبل الهمزة المتحركة. فإن سكن ما قبل الهمزة المتحركة بأي حركة كانت فانظر إلى ذلك الساكن، فإن كان ألفا جعلتها كلها بين بين، على ما ذكرنا وشرحناه، المفتوحة بين الهمزة المفتوحة والألف، والمضمومة بين الهمزة المضمومة والواو الساكنة، والمكسورة بين الهمزة المكسورة والياء الساكنة. وقد قدّمنا الكلام في علته قبل هذا في علل المفتوحة. وإن كان الساكن الذي وقع قبل الهمزة المتحركة غير الألف فانظر، فإن كان واوا أو ياء زائدتين للمدّ خاصة، لا لإلحاق بناء ببناء (٢) كالألف، فأبدل من الهمزة، التي قبلها واو زائدة، واوا ساكنة، وأدغم إحداهما في الأخرى، نحو قولك في: «قروء» «قروّ». وأبدل من الهمزة التي قبلها ياء زائدة ياء ساكنة، وأدغم إحداهما في الأخرى، نحو قولك في «هنيئا» «هنيّا» وفي «خطيئة» «خطيّة»، ألا ترى أن «قروءا» وزنه «فعول» الهمزة لام الفعل، والواو قبلها زائدة، ليست بلام ولا عين ولا فاء، وأن «هنيئا» وزنه «فعيل»، الهمزة لام الفعل، والياء قبلها زائدة، ليست بلام ولا عين ولا فاء. ومثله «النسيء (٣)» لأنه «فعيل»، فهما زائدتان، لم يدخلا لإلحاق بناء ببناء، فيكونا كالأصلين فافهمه. «٧» وعلة ذلك أن الهمزة، لمّا كان قبلها حرف مد ولين زائد، زيد للمد لا للإلحاق، كالألف، وأردت تخفيفها، لم يمكن جعلها بين بين لعلتين (٤):

стр. 153

إحداهما أن همزة بين بين قريبة من الساكن، فكنت تجمع بين ساكنين، وجاز ذلك في الألف للضرورة، إذ لم يمكن أن تبدل من الهمزة حرفا، وتدغمه في الألف، لأن الألف لا تدغم، ولا يدغم فيها، لأن ذلك يوجب حركتها وإبدالها همزة، فتخرج عن لفظها وبنيتها، ويتغير الكلام، ولم يمكن إلقاء الحركة على الألف، لأنها تنقلب أيضا همزة، ولأن الألف في نية حركة، ولا تلقى حركة على حركة، وامتنع ذلك أيضا في الواو والياء الزائدتين للمد، لأنهما زيدا للمد كالألف، وهما أختا الألف في المد واللين وفي السكون، فلم يمكن إلقاء الحركة عليهما، ولا كون الهمزة بعدهما بين بين، فلم يبق إلا الحذف أو البدل، فبعد الحذف، لأنه إخلال بالكلمة، ولأنه لا يبقى ما يدلّ على المحذوف، فلم يبق إلا البدل، فأبدل من الهمزة حرف مثل الزائد الذي قبلها، وأدغم الأول في الثاني لاجتماع المثلين، والأول ساكن، ولكونهما في كلمة متلاصقين، وجاز في أختى الألف الإدغام، وهو لا يجوز في الألف، لأنهما قد يتحركان، وقد تتغيّر حركة ما قبلهما كسائر الحروف، ولأنهما في كلمة متصلتين لا يقدر فيهما الانفصال، فجاز فيهما ما يجوز في سائر الحروف عند اجتماع المثلين والأول ساكن، فالواو والياء أخذا بحظهما من مشابهتهما الألف، في امتناع إلقاء الحركة عليهما، كما امتنع ذلك في الألف، وأخذا بحظهما من مشابهتهما سائر الحروف، غير الألف، في جواز الحركة فيهما، وجواز تغير حركة ما قبلهما كسائر الحروف، فجاز أن يدغما كسائر الحروف، وهذا أصل في كثير (١) من الحروف، يكون فيه شبه من حرف وشبه من حرف آخر، فيحكم له مرة بشبهه أحدهما، ومرة بشبهه الآخر. وحكم ياء التصغير، تقع قبل الهمزة، فتخفّف الهمزة، حكم الزائد في الإبدال والإدغام، لأنها زائدة، زيدت لمعنى التصغير، كما زيدت ياء «خطية» لمعنى المد، لم يزادا ليلحقا بناء ببناء فيكونا كالأصول (٢).

стр. 154

«٨» فصل: فإن كان الساكن، الذي وقع قبل الهمزة المتحركة، حرف لين أو حرف مد ولين غير زائدين، كان لك في الهمزة في التخفيف وجهان: أحدهما، وهو الأحسن، أن تلقي عليه حركة الهمزة (١)، والثاني أن تبدل مع الواو واوا، وتدغم الأول في الثاني (٢)، ومع الياء ياء، وتدغم الأول في الثاني، وذلك نحو: «سيئت، وسوء» (٣) إن شئت قلت: «سيت، وسو» في التخفيف، وهو الأحسن، تلقي حركة الهمزة على الساكن قبلها وتحذفها، وإن شئت قلت: «سيّت، وسوّ» تبدل وتدغم. وكذلك في حرفي اللين نحو: «سوءة، وكهيئة» (٤) لك إلقاء الحركة، وهو الأحسن، ولك الإبدال والإدغام على التشبيه بالزائدة (٥)، والإبدال والإدغام في هذا أضعف منه في حرف المد واللين الأصلي المذكور قبله، لأن حرفي اللين أبعد مشابهة للحروف الزوائد (٦) من حرفي المد واللين الأصليين، فحرفا اللين (٦) أقرب إلى مشابهة سائر الحروف، غير حرف (٧) المد واللين، فحملهما (٨) على حكم سائر الحروف، في إلقاء الحركة عليهما، أحسن وأقوى من الإبدال والإدغام. «٩» وعلة ذلك أن الواو والياء، لمّا خرجا عن تمكّن شبه الألف، بكونهما (٩) غير زائدين، أشبها سائر الحروف غير الألف، فجاز فيهما أن تلقى

стр. 155

حركة الهمزة (١) عليهما، كما يفعل ذلك في سائر الحروف غير الألف (٢). وهو الاختيار. فأما الوجه الثاني فإنه لمّا بقيت في الواو والياء الأصليتين مشابهة بالواو والياء الزائدتين، في أنهما ساكنان كالزائدتين، وأن حركة ما قبلهما منهما كالزائدتين، وأنهما يمدّ ان كالزائدتين (٣)، كان معهما الإبدال والإدغام، على التشبيه بالزائدتين. وحكم الياء، التي دخلت ليلحق بناء ببناء، حكم الأصلي، إن وقعت قبل الهمزة، لأنها إنما دخلت لتقوم مقام الأصلي، في لحق (٤) بناء ببناء، وذلك نحو: «جيأل» وهو الضبع (٥)، هو ملحق ببناء جعفر، فلو حذفت الهمزة جاز إلقاء الحركة، والإبدال والإدغام، ومنه قراءة أبي بكر عن عاصم ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ «الأعراف ١٦٥» هو «فيعل» ملحق ب «جعفر» (٦). «١٠» فصل: فإن كان الساكن، الذي قبل الهمزة، ليس (٧) بحرف مد ولين، ولا بحرف لين، ألقيت عليه حركة الهمزة في التخفيف، ولا يجوز غير ذلك، نحو «المسألة، والمشأمة، والقرآن» (٨) وشبهه، تقول في التخفيف: «المسلة، والمشمة، والقران» فتلقي حركة الهمزة على الساكن قبلها، وتحذفها استخفافا. وقيل: تحذفها لسكونها وسكون ما قبلها، لأن الحركة عليه عارضة. والأول أحسن.

стр. 156

«١١» وعلة هذا الفصل أن الهمزة لمّا وقع قبلها ساكن، غير حرف مد ولين، ولا حرف لين، لم يمكن جعلها بين بين، لأن همزة بين بين لا تقع بعد ساكن غير الألف، لئلا يجتمع ما هو قريب من الساكن، ولم يمكن بدلها، إذ ليس قبلها حركة تدبّرها، وتبدل على حكمها، إذ البدل في الهمز إنما يجري على حكم حركة ما قبله، ولا حركة قبل هذه، فلم يبق إلا إلقاء حركتها على ما قبلها، فعليه العمل في هذا. وأيضا فلو أبدلت من الهمزة حرفا، حملا على البدل مع حرف المد واللين الزائد، لأبدلته من جنس ما قبله، فكنت تبدل من الهمزة في «المشمة» شينا، وفي «المسلة» سينا، وهذا تغيير للكلام (١) وإحالته، فامتنع ذلك، ولم يكن بد من إلقاء الحركة (٢). «١٢» فصل في الهمزة المتطرفة: قال أبو محمد: قد كنا ألّفنا كتابا مفردا في تخفيف الهمزة المتطرفة لحمزة وهشام، وعلّلناه وبسطناه بأمثلة ظاهرة، ومثل (٣) ذلك أيضا قد بيّناه في الكتاب الذي هذا شرحه، وعلّلناه، فأغنانا (٤) ذلك عن أن يطول الكلام فيه (٥)، في هذا الكتاب، لكنا نذكر فيه جملا، نتذكّر بها ما في الكتابين المتقدمين. «١٣» اعلم أن الهمزة المتطرفة تجرى في التخفيف على ما قدّمنا من الأصول في المتوسطة، غير أنها لا تكون بين بين إلا في حال الروم للحركة. والمتوسطة تكون بين بين في حال (٦) حركتها الكاملة، فإن وقفت بالسكون أو الإشمام جرت على البدل، ودبّرها حركة ما قبلها كالساكنة. فإن كان قبلها ألف وأبدلت منها ألفا حذفت إحدى الألفين لالتقاء الساكنين، نحو: «أولياء،

стр. 157

وشاء، وأنبياء» تبدل في الوقف من الهمزة ألفا، لانفتاح ما قبلها، لأنها تسكن، إذ لا يستعمل الروم في المنصوب عند القراء، فيجتمع ألفان، فتحذف إحداهما لالتقاء الساكنين، فإذا قدّرت أن الألف الأولى هي المحذوفة، وهو الأصل، وقفت بغير مدّ، لأن التي كان المد فيها قد حذفت، ولمّا وقفت على الألف، عوضا من الهمزة، لم يكن فيها مدّ قط. وإن قدّرت أن الألف الثانية، التي هي بدل من الهمزة، هي المحذوفة، وقفت بالمد، لأن التي كان فيها المد لم تحذف، فبقيت ممدودة على أصلها، لأن حذف الهمزة وتخفيفها عارض، فمددت على الأصل، ولا يحسن الإشمام بعد البدل. وإذا كان قبل الهمزة المتطرفة ساكن غير الألف جرت على الأصول، التي ذكرنا في المتوسطة التي قبلها ساكن غير الألف، فإن كانت المتطرفة، قبلها حركة، فانظر، فإن كانت تلك الحركة بمنزلة حركتها، وقفت على الهمزة بالسكون، وأبدلت منها حرفا من جنس الحركة التي قبلها، نحو «امرؤ، وذرأ، ولؤلؤ (المرفوع)، وشاطيء، ولكل امرئ» تبدل مع الفتحة ألفا، ومع الضمة واوا، ومع الكسرة ياء. «١٤» وعلة ذلك أن هذه الهمزة، لمّا أردت تخفيفها في الوقف، لم يمكن أن تجعلها بين بين، لأن همزة بين بين متحركة في الوزن والأصل، ولا يوقف على متحرك، ولم يمكن أن تلقى حركتها على ما قبلها، لأنه متحرك، ولم يمكن

стр. 158

أن تبدل بحرف (١) غيرها، لأنها متحركة، وما قبلها متحرك بمثل حركتها، فلم يكن بد من الوقف عليها بالسكون، إذ هو أصل الوقف، فلمّا وقفت عليها بالسكون، ومن شأن حمزة وهشام فيهما التخفيف، جرت على البدل مجرى الساكنة، وحسن ذلك لموافقة الخط للّفظ. فمن شأن حمزة أن يتبع الخط في وقفه، فلا تقف على المتطرفة أبدا إلا وقفا، لا يخالف فيه لفظك خطّ المصحف، فعلى هذا الأصل فابن في المتطرفة أبدا، على أن من القراء من يجري هذا الأصل الذي ذكرت لك في الوقف على بين بين في المتوسطة (٢) على ما قدّمنا، لكن لا تكون بين بين إلا في حال روم حركة الهمزة، لا في حال حركتها، لئلا تقف على متحرك، وهو أيضا وجه حسن، موافق للخط، وهو الأصل في تخفيف المتحركة، التي قبلها حركة مثل حركتها (٣). «١٥» فصل: فإن كانت حركة، ما قبل المتطرفة، مخالفة لحركتها أجريتها على السكون في الوقف، ثم أبدلتها على حكم حركة ما قبلها، نحو: «قرئ، واستهزئ» (٤)، وقوي ذلك لموافقة الخط اللفظ (٥)، ولأن المنصوب لا يستعمل فيه القراء الرّوم، فإن انفتح ما قبلها، أو انضمت أو انكسرت، فالإسكان والبدل فيها جائز، وبين بين على روم الحركة فيها جائز (٦)، غير أنك تنظر ما يوافق الخط من (٧) هذين الوجهين فتؤثره على الآخر، فتقف على: «تفتؤ، ومن نبأ المرسلين» (٨)، بين بين في حال روم حركة الهمزة، لأنك توافق الخط، إذ فيه واو، في «تفتؤ»

стр. 159

وياء في «نبأ» ولو وقفت (١) على هذه بالإسكان والبدل لخالفت الخط، لأنك كنت تبدل من الهمزة ألفا، لسكونها وانفتاح ما قبلها، فتخالف الخط، وتقف على: «يبدئ، وما أبرئ» (٢) بالإسكان ثم تبدل من الهمزة ياء، لانكسار ما قبلها، فتوافق أحد وجهي القياس، ويوافق لفظك خط المصحف، ولا يحسن في جميع ذلك، في الحرف الذي أبدلته من الهمزة، إشمام، ولا روم، لأنه لم تكن عليه حركة، ولأنه غير الهمزة التي كان عليها الإعراب، قياسا على الوقف المجمع عليه بالسكون في: «رحمة، ونعمة» وشبهه (٣). ولو وقفت على «يبدئ، وأبرئ» بين بين لجعلته بين الهمزة والواو، لأن الهمزة مضمومة، وفي ذلك مخالفة للخط، إذ (٤) الخط إنما فيه (٥)، فيهما (٦)، ياء، فرجعت إلى تخفيف، يؤدي إلى خط المصحف، وهو الوقف على السكون، ثم البدل للتخفيف، إلا على مذهب الأخفش فإنه يقول بجعل الهمزة في التخفيف في «يبدئ، وأبرئ» (٧) بين الهمزة والياء في حال الروم، فيوافق قوله الخط، وكونها بين الهمزة والواو قول سيبويه، إلا أنه مخالف للخط فيرجع إلى البدل في الوقف على السكون، ليوافق الخط. فالوقف على السكون، في أكثر هذا الباب، ثم البدل أسلم وأقرب لموافقة الخط. فإن كان بين بين يوافق الخط وقفت على ذلك في حال الروم خاصة، نحو: [«تفتؤ، ويتفيؤ»] (٨) ولا تقف على السكون،

стр. 160

فيجب أن تبدل من الهمزة ألفا، فتخالف الخط، فإذا كان البدل يخالف الخط رجعت [إلى بين بين، وإذا كان بين بين يخالف الخط رجعت] (١) إلى البدل، فاضبط هذا الأصل (٢). «١٦» قال أبو محمد: وقد ذكرنا بعد هذا الباب، في كتاب التبصرة، باب ما جرى في التسهيل على غير قياس، وعلّلناه، فأغنانا عن إعادته في هذا الكتاب (٣). قال أبو محمد: ونذكر جملة مختصرة تحفظ في تخفيف الهمزة. اعلم أن الهمزة في التخفيف لحمزة تجري على ثلاثة أوجه: الأول: البدل، وذلك في الساكنة، وفي المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة، وفي المتحركة التي قبلها حرف مد ولين زائد غير الألف، أو غير زائد، أو حرف لين، فهذا كله يجري على البدل، على ما قدّمنا وأصّلنا وعللنا. الثاني: إلقاء الحركة، وذلك إن (٤) كان قبل الهمزة ساكن، غير ألف وغير حرف مد ولين زائد، فهذا تلقى فيه حركة الهمزة على ما قبلها، فيتحرك ما قبلها بحركتها، أو تحذفها، على ما قدّمنا وأصلنا وعللنا. الثالث: بين بين وذلك في كل همزة متحركة، قبلها ألف أو حرف (٥) متحرك، إلا المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة، فإنها تجري على البدل. فهذا أصل تسهيل الهمز (٦) كله مختصر أصله وعلله وبسطه، وتمثيله قد تقدّم قبل هذا. «١٧» قال أبو محمد: والذي ذكرناه في «كتاب التبصرة» مما جرى في

стр. 161

التسهيل على غير قياس، إنما ذكرناه ليعرف، ليس ليقرأ به كله (١)، لشذوذه وخروجه عن القياس وعن الأصول. والصواب فيه أن يقرأ على الأصول، من ذلك «الموءودة» (٢) الصواب أن تقف لحمزة بإلقاء حركة الهمزة على الواو الساكنة التي قبل الهمزة، لأنها حرف لين أصلي، وتحذف الهمزة. ويجوز أن تبدل من الهمزة واوا، وتدغم الواو الأولى في الثانية، وهو قبيح لاجتماع الواوات والضمة، والذي ذكرنا في «الموءودة» عن ابن مجاهد لم يقرأ به، ولا عليه العمل (٣). فأما ما ذكرنا من وقف حمزة على «هزوا، وكفوا» (٤) فعليه العمل، تبدل من الهمزة واوا مفتوحة، كأنه خفّف قبل إسكان الزاي والفاء، وكان حقه، على الأصول المتقدمة، أن يلقي حركة الهمزة على الزاي والفاء فيقول: «هزا، وكفا» فلم يفعل. وعلته في ذلك أن أصل الزاي والفاء الحركة، والسكون عارض، فلو ألقى عليهما الحركة كان قد ألقى حركة الهمزة على متحرك، فعامل الأصل فلم يلق الحركة، وأيضا فإنه لو ألقى الحركة على ما قبلها لذهب لفظ الواو، وخالف السّواد (٥) والخط، وأصله اتباع خط المصحف، فرجع إلى البدل، وتوهّم ضمة الزاي والفاء، فلما توهّم الضمة الأصلية على الزاي والفاء أبدل من الهمزة واوا [مفتوحة] (٦) لانضمام ما قبلها، وهو الأصل فيها، على ما قدّمنا من الأصول (٧) والذي عليه العمل في قراءة قالون والبزّي، في قوله تعالى في يوسف: ﴿بِالسُّوءِ إِلاّ﴾ «٥٣» أن تبدل من الهمزة واوا وتدغم

стр. 162

الأولى فيها. وقد كان القياس إلقاء حركة الهمزة على الواو قبلها، لكنه لم يرو عنهما. وكان أبو الطيب يأخذ للبزّي بأن يجعل الأولى كأنها بين بين، وهو على غير الأصول والقياس، لأن همزة بين بين لا تقع بعد ساكن، إلا بعد الألف خاصة، لتمكّن الألف في المد واللين. وقرأت للبزّي بالبدل، وهو أحسن. وقرأت له على مذهب الشيخ (١) رواية تتبع لا قياس لها لما ذكرنا (٢). والذي عليه العمل، فيما روي عن أبي عمرو أنه ينحو بالمفتوحة بعد المضمومة نحو الألف ويبدل (٣) منها واوا مفتوحة، ولا وجه لأن ينحى بها نحو الألف، لأن الألف لا يكون قبلها ضمة. وذلك نحو «السفهاء ألا» (٤) ومعنى هذه الرواية أنها على معنى أن ينحى بها نحو فتحة الهمزة (٥). فأما الهمزة المكسورة بعد المضمومة فقد ذكرنا أن مذهب الأخفش أن تجعل بين الهمزة والواو، لانضمام ما قبلها، لأنه لو جعلها بين الهمزة والياء لصارت ياء ساكنة (٦)، قبلها ضمة، وذلك لا يكون. وذكرنا أن مذهب سيبويه أن يجعلها بين الهمزة والياء على أصلها، لأنها مكسورة، قبلها متحرك، ولا يلزم إتيان ياء ساكنة في هذا قبلها ضمة، لأنها ليست بياء ساكنة محضة. إنما هي همزة بين بين، بزنة المتحركة. والذي عليه العمل، في الثانية من المضمومتين والمكسورتين، أن تجعل بين بين، على (٧) الأصول المتقدمة، والبدل فيها بعيد. وقد روي عن ورش، وبه نأخذ له. وبين بين أحسن، وكذلك الذي عليه العمل في الهمزة المضمومة التي قبلها كسرة، في وقف حمزة، أن تجعل بين

стр. 163

الهمزة والواو، على حكم حركتها، وهو مذهب سيبويه نحو «يستهزئون» وبدلها بياء (١)، ولا قياس له، وهو خارج عن الأصول، والرواية المشهورة. وروي عن الأخفش جوازه، وكذلك الذي عليه العمل، في «موئلا»، أن تلقى الحركة على الواو لحمزة إذا وقف. ويجوز الإبدال والإدغام، وبدل الهمزة ياء، لا قياس له في ذلك. والذي عليه العمل، في الوقف لحمزة [على: «رؤوف»] (٢)، أن تجعل الهمزة بين بين، بين الهمزة والواو الساكنة. فهو القياس، وعليه الأصول، ومثله «يؤوسا». وقد ذكرنا من علة هذا الفصل جملا في «كتاب التبصرة» (٣)، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الكتاب (٤). هذه (٥) مسائل من الوقف لحمزة يتدرّب بها الطالب قال أبو محمد: هذه المسائل جارية على الأصول المتقدّمة غير خارجة عنها، لكنا ذكرناها ليعلم الطالب كيف يردّ المسائل إلى الأصول المتقدّمة، وليتدرب بمعرفتها. «١» إن قيل: كيف يقف حمزة وهشام على ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ (٦) المخفوض؟ فالجواب أن الهمزة فيه متطرفة مكسورة، قبلها ضمة، فالأصل أن تجعل بين الهمزة المرومة الحركة والياء الساكنة، وذلك ممتنع فيها، لأن الخط بالواو، فيجب أن يرجع فيها (٧) إلى السكون ثم يبدل منها واوا، لانضمام ما قبلها، ويخفّف

стр. 164

الأولى الساكنة لحمزة فيقول: «ولولو» بواوين ساكنتين. وإن كان القارئ ممّن يرى قول الأخفش في المكسورة، التي قبلها ضمة، فله أن يجعلها بين الهمزة والواو، للضمة التي قبلها، فذلك قول، فيقف على المتطرفة في هذا بين الهمزة المرومة الحركة وبين الواو الساكنة، فيصحّ له موافقة الخط، والقياس على الأصول المتقدمة في أصل تخفيف الهمزة المتحركة التي قبلها متحرك. وقول سيبويه فيها أقيس وأولى، ولكنه يخالف الخط، فيجب أن يرجع إلى السكون ثم البدل (١). «٢» فإن قيل: فكيف الوقف على «لؤلؤ» (٢) المرفوع؟ فالجواب أن تقف عليه لحمزة وهشام بهمزة بين الهمزة المرومة الحركة والواو، على الأصل المتقدّم، لأنها مضمومة قبلها ضمة، فإن لم ترم الحركة وقفت لهما بالإسكان، ثم تبدل من الهمزة واوا لانضمام ما قبلها، فيصير لحمزة بواوين ساكنتين، بينهما لام كالأولى المخفوضة (٣). «٣» فإن قيل: كيف تقف لحمزة وهشام على: ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ «الإسراء ٧»؟ فالجواب أنها همزة مفتوحة (٤) في قراءتهما، قبلها حرف مدّ ولين أصلي، ومن شأنهما أن لا يروما الحركة في الوقف على المنصوب [رواية] (٥)، وإلا فهو جائز، فإذا وقفت عليه لحمزة وهشام ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها، ثم يجب إسكانه للوقف، فتقف على واو ساكنة، وتمدّ لأن حذف الهمزة عارض، ولأن الواو التي كانت المدة فيها باقية ساكنة، لم تتغير ببدل ولا غيره. ويجوز أن تبدل من الهمزة واوا، وتدغم فيها الواو التي قبلها على الشبه بالزوائد (٦)،

стр. 165

فتقول «ليسوّ» فتقف على واو مشددة ساكنة ولا تمدّ، لأن الواو التي كانت ممدودة قد خالطتها حركة (١) عند إدغامها فيما بعدها، ولا يقع المدّ في متحرك، ولأنه منصوب، والأول أحسن لقبح إدغام حرف مد ولين فيما بعده لاجتماع الواوات (٢). «٤» فإن قيل: كيف يقف حمزة على: ﴿السُّواى﴾ «الروم ١٠»؟ فالجواب فيه كالجواب فيما قبله، يلقي حركة الهمزة على الواو، ويحذف الهمزة، لأن الواو أصلية، فيقول: «السّوى». ولا يمدّ هذا لتحرّك الواو في اللفظ، لأن المد لا يقع في حرف متحرك، كانت حركته عارضة أو لازمة، ولك أن تبدل من الهمزة واوا تدغم فيها الواو، التي قبلها على التشبيه بالزائد، فتقول: «السوّ». ولا تمدّ أيضا لتحرّك الواو التي كان المد فيها، والأول أحسن. فأما مدّ الألف فلا يلزمه، وإن كانت ممدودة في الوصل، لأن المد فيها (٣) إنما كان لأجل الهمزة التي بعدها، وهي همزة (أن)، فلما وقفت على الكلمة الأولى زال المد، لزوال الهمزة وانفصالها عن حروف المد واللين، على ما قدّمنا في أبواب المد. فأما ورش فإنه يمد الألف للهمزة التي قبلها في الوقف. «٥» فإن قيل: فكيف الوقف لحمزة وهشام على قوله تعالى: ﴿وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً﴾ «غافر ٥٨»؟ فالجواب أن تلقي حركة الهمزة على الياء، لأنها أصلية، إذ هي بدل من حرف أصلي، وهو الواو، ثم تسكن الياء للوقف، وإن شئت رمت الحركة أو أشممت، وتمدّ الياء على ما كانت في الأصل، لأنها لم تتغير عن لفظ السكون، وحذف الهمزة عارض، لكن إذا رمت الحركة كان المد أقل، لما فيها من الحركة

стр. 166

وإن شئت أبدلت من الهمزة ياء، وأدغمت فيها الياء الأولى فتقول: «المسيّ»، ولك الروم والإشمام أيضا. والأول أحسن. وإنما يمتنع الروم والإشمام إذا أبدلت من الهمزة حرفا من غير إدغام [فيه] (١)، فحينئذ لا تروم ولا تشم، لأن الحرف المبدل من الهمزة لم تكن عليه حركة قط. وهو غير الهمزة قياسا على الوقف على «رحمة، ونعمة». «٦» فإن قيل: كيف يقف حمزة على «ملجأ» المنصوب، و «ملجإ» المخفوض، و «ملجأ» (٢) المفتوح غير منون؟ فالجواب أنك تقف له على المنصوب المنون بهمزة، بين الهمزة والألف، وبعد ذلك ألف عوض من التنوين: «ملجأا»، وتقف على المخفوض بالسكون، وتبدل من الهمزة ألفا فتقول: «ملجا»، لأنك لو وقفت عليه بين الهمزة والياء، على أصل تخفيف المكسورة خالفت الخط، إذ لا ياء في الخط. وتقف على «ملجأ» المفتوحة غير منون مثل المخفوض بالإسكان، ثم تبدل ألفا من الهمزة فتقول «ملجا»، يقاس على هذا ما شابهه (٣).

стр. 167

باب علل الرّوم والاشمام «١» اعلم أن الرّوم والإشمام إنما استعملتهما العرب في الوقف لتبيين الحركة، كيف كانت في الوصل. وأصل الروم أظهر للحركة من أصل الإشمام، لأن الروم يسمع ويرى، والإشمام يرى ولا يسمع. فمن رام الحركة أتى بدليل قوي على أصل حركة الكلمة في الوصل، ومن أشمّ الحركة أتى بدليل ضعيف على ذلك. والإشمام لا يكون إلا في المرفوع والمضموم. فالروم إتيانك في الوقف بحركة ضعيفة غير كاملة، يسمعها الأعمى، والإشمام إتيانك بضم شفتيك لا غير من غير صوت، ولا يفهمه الأعمى بحسّه، لأنه لرأي العين، والفرق بين الوقف على الحركة والوقف بروم الحركة، أنك إذا وقفت على الحركة تولّدت من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة ياء. وإذا وقفت بالرّوم لم يتولّد منه شيء. والإشمام لا يكون إلا - في حرف ساكن نحو إشمامك ضمة الدال من: «نعبد» (١) بعد إسكانها، وإشمامك ضمة النون الأولى من: «تأمنّا» (٢) وهي ساكنة، لأن أول المدغم لا يكون إلا ساكنا. فإن وقعت الترجمة بالإشمام في المتحرك، فهو في الحقيقة روم، لأنه لا يسمع (٣) نحو ترجمتهم الإشمام في: «سيئت، وقيل» (٤) وشبهه، هذا إشمام يسمع، فهو كالرّوم، وهي ترجمة على مذهب الكوفيين لأنهم يترجمون عن الإشمام، الذي لا يسمع، بالرّوم ويترجمون عن (٥) الرّوم، الذي يسمع، بالإشمام، الذي لا يسمع. فكأن

стр. 168

الرّوم عندهم من قولك: رمت فعل كذا، وأنت لم تفعله. والإشمام من قولك: شممت كذا، إذا وجدت ريحه. فذلك أمكن في وجود الفعل من الروم، فلذلك سموا ما يسمع بالإشمام، وما لا يسمع بالروم. وإشمام المتحرك إلى غير حركته كإمالة الممال إلى غير حركته (١). وإذا وقفت على هاء التأنيث أو على حركة عارضة، وحيت بشيء قد فارقها وباينها، أو على حرف بدل من همزة لم يحسن فيه إشمام أو روم (٢)، لأن الحركة، التي تريد أن تبينها بالإشمام والروم، لم تكن على ذلك الحرف، ولا لزمته، إلا أن تقف على التاء في هاء التأنيث فيحسن الروم والإشمام، لأن الحركة كانت على التاء التي وقفت عليها. فإن كانت الحركة العارضة تدل على الحرف، الذي له الحركة في الأصل، نحو وقفك على: «جزء، وملء» (٣) تلقي الحركة على الساكن، قبل الحركة العارضة على الهمزة المحذوفة، فيجوز فيها الروم والإشمام، لأنها (٤) تدل على ما الحركة فيه أصل، وهو الهمزة جاز الروم والإشمام (٥). *** مسائل من هذا الفصل تبينه «٢» اعلم أنك تقف على: «قل» من: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ «الأعراف ١٩٥» وعلى الدال من: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ «الأنعام ١٠» بالسكون لا غير، لأن

стр. 169

الذي تحرّكت له الدال واللام، قد انفصل ممّا قبله، بالوقف على ما قبله، فلا تقدير له في الوقف، ولا هو في نيّة ولا إرادة، ولا يجوز فيه روم ولا إشمام، وتقف على: «جزء، ودفء، وملء» (١) في وقف حمزة وهشام بالإسكان، وإن شئت بالروم والإشمام، لأن الحركة تدل على الهمزة المخفّفة، وهي مقدّرة مع ما قبلها منوية مرادة، بخلاف ما حرّك لساكن في كلمة أخرى، أو لهمزة في كلمة أخرى نحو قراءة ورش (٢): «(وانحر)» «الكوثر ٢» أن تقف على الراء بالسكون لا غير، لأن الهمزة التي تحرّكت الراء بحركتها، قد انفصلت ممّا قبلها في الوقف، وبانت، ولا تقدير لها في نيّة، ولا في (٣) غيرها، وتقف على: ﴿يُبْدِئُ﴾ «العنكبوت ١٩» (٤) بياء ساكنة لحمزة وهشام، بغير روم ولا إشمام، لأن الياء بدل من همزة كانت مضمومة، ولم يكن على الياء حركة قط، مثل وقفك على: «رحمة، ونعمة»، فإن وقفت على «هؤلاء» في قراءة من حقّق الهمزة وقفت بالرّوم، لأن الذي حركت الهمزة من أجله، لالتقاء الساكنين، لم يذهب من الكلمة، ولا فارقها، وهو الألف التي قبل الهمزة، فصارت الكسرة لازمة، فوجب فيها جواز الروم، وكذلك تقف عليه في قراءة حمزة وهشام على همزة بين بين، في حال الروم للحركة، لأنها همزة مكسورة قبلها ألف، هذا وجه الوقف لحمزة وهشام، وفيه مخالفة للخط، لأن الخط لا ياء فيه. ويجوز أن تقف بالإسكان، ثم تبدل من الهمزة ألفا لانفتاح ما قبلها، ولا يعتدّ بالألف الأولى لخفائها، فإذا أبدلت من الهمزة ألفا حذفت إحدى الألفين لالتقاء الساكنين، وتمدّ إن قدّرت الألف الثانية هي (٥) المحذوفة، ولا تمدّ إن قدّرت الألف الأولى هي المحذوفة. وقد تقدّم ذكر هذا، ومثل هؤلاء في الروم

стр. 170

«حيث» (١) لأن الياء التي من أجلها حرّكت الثاء لازمة، فالروم والإشمام جائزان فيه. فإن وقفت على: «يومئذ، وحينئذ» (٢) وقفت بالإسكان، لأن الذي من أجله تحركت الذال، وهو التنوين، قد سقط في الوقف، وانفصل مما قبله، فرجعت الذال إلى أصلها، وهو السكون، فلم يجب فيه روم. فأما الوقف على: «غواش، وجوار» (٣) فبالرّوم، لأن الشين والراء لا أصل لهما في السكون، بل أصلهما الكسر ودخل التنوين عليهما، وهما مكسوران، ودخل في «يومئذ، وحينئذ» (٤) والذال ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين، لسكون الذال وسكون التنوين، ولم تكسر الراء في «جوار» ولا الشين في «غواش» (٥) لالتقاء الساكنين، بل (٦) الكسرة فيهما أصل لهما، فلذلك حسن الوقف عليهما بالرّوم، وإن كان التنوين قد دخل فيهما للعوض، كما دخل في «يومئذ، وحينئذ» للعوض. «٣» فإن قيل: فبيّن لنا العوض في الموضعين كيف هو؟ فالجواب أنك إذا قلت: رأيتك يوم إذ جلست في الدار، وحين إذ كلّمت فلانا، كانت الذال ساكنة، لأنه ظرف زمان ماض مبني على السكون. وعلة بناء «إذ» على السكون أنها محتاجة إلى إيضاحها، وبإيضاحها يتمّ المعنى، وإيضاحها إنما هو في الجملة التي تضاف إليها «إذ» من ابتداء أو خبر، ومن فعل وفاعل، فلمّا كان بيانها بغيرها أشبهت «الذي، والتي» اللذين هما محتاجان إلى

стр. 171

ما يبيّنهما من الصلة (١) بعدهما، فصارت «إذ» بمنزلة بعض اسم، إذ لا تدل (٢) على المعنى إلاّ بما بعدها، وبعض الاسم مبني، فبنيت لذلك على السكون، الذي هو أصل البناء، فلمّا حذف مع «إذ» الجملة، التي تبيّنها وتوضّحها، جعل التنوين عوضا من تلك الجملة المحذوفة. والتنوين ساكن والذال ساكنة للبناء، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين. فلمّا وقفت انفصل الساكن الثاني وزال، ورجعت الذال إلى سكونها، الذي هو أصلها، فلم يجز فيها روم. فأما «غواش، وجوار» فأصلها «غواشي، وجواري» في الرفع وفي النصب «غواشي، وجواري» لا يدخلها الخفض، ولا التنوين، لأنهما يتعرفان (٣)، لأنه جمع، ولأنه غاية الجمع، ولأنه لا نظير له في الواحد. فلمّا سكنت الياء استثقالا للضمة في حال الرفع، دخل التنوين عوضا من زوال ضمة الياء عن الياء، والتنوين ساكن والياء ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وصار التنوين تابعا للكسرة التي كانت قبل الياء. فالكسرة أصلية فيه، فلذلك قلنا: إن الوقف عليه بالروم إذ لا أصل للراء والشين في السكون، فهذا فرق ما بينهما، وإن كان التنوين فيهما عوضا (٤) من محذوف، فإذا قلت: جئتك يومئذ كان كذا، ويومئذ قام زيد، لم تكن الذال إلا ساكنة، لأنك قد جئت بالقصة بعد «إذ»، فبقيت على سكونها، فإن حذفت القصة دخل التنوين عوضا منها، فقلت: جئتك يومئذ يا هذا (٥).

стр. 172

فصل في الوقف على هاء الكناية وميم الجمع «٤» اعلم أن الهاء حرف خفيّ، فكأن حركة ما قبل الهاء على الهاء، إذا كانت حركة الهاء مثل ما قبلها، فإذا وقفت على هاء الكتابة، وهي مضمومة، وقبلها ضمة أو واو، وقفت بالإسكان لا غير، لأنها لمّا كانت حركتها بمنزلة ما قبلها، كأنها موقوف عليها، وكأن ما قبلها هو آخر الكلمة، فاستغني بها عن الروم. وكذلك إذا (١) كانت الهاء مكسورة، وقبلها كسرة أو ياء، تقف عليها بالسكو، ولا تقف بالروم، لأن الحركة التي قبلها، كأنها عليها، وكأنها موقوف عليها، لخفاء الهاء (٢) والياء (٣) كالكسرة والواو كالضمة في ذلك. وتقف على ما عدا هذين الأصلين، مما قبل الهاء فتحة أو ساكن غير الياء والواو، بالروم أو الإشمام، كسائر الحروف، لأنها لمّا خالفت حركة ما قبلها حركتها، ولم يستغن في الروم بحركة ما قبلها عن روم حركتها، لأنها مخالفة لحركتها، فحسن في ذلك الروم وكذلك الإشمام في المضمومة، فتقف على: «عليه، وأنسانيه، ولأهله» (٤) بالإسكان لا غير في قراءة الجماعة، الذين كسروا الهاء، وتقف على ذلك كله بالروم أو بالإشمام، في قراءة من ضمّ الهاء، فافهمه (٥). «٥» وأما ميم الجمع فالقياس يوجب جواز الروم والإشمام فيها، في

стр. 173

الوقف على قراءة من ضمّها لغير التقاء الساكنين، لأنها كسائر الحروف. وقد سووا في جواز الروم في الحركات، التي هي إعراب، أو هي بناء لساكن لازم، نحو: «يقول، وقيل» فميم الجمع (١) كسائر الحروف المتحركة، يلزم فيها ما يلزم (٢) في الحروف المتحركة بحركة إعراب، أو بحركة بناء ساكن لازم. وما علمت أن أحدا نصّ عليها بمنع ولا إيجاب، غير أنهم أطلقوا الروم والإشمام، في كل مرفوع أو مخفوض أو مضموم، لساكن قبله، أو مكسور لساكن قبله. فالميم من جملة الحروف. فمن كان مذهبه فيها في الوصل (٣) الضم، وجب عليه أن يروم أو يشم في الوقف. وأيضا فإن الروم والإشمام إذا دخلا الكلام، ليبيعّن بهما ما كانت حركة الحرف الموقوف عليه في الوصل، فذلك واجب في الميم، لأن بالرّوم والإشمام يعلم: أنها كانت في الوصل مضمومة. ولو وقف عليها بالإسكان لم يعلم: هل كانت في الوصل ساكنة أو مضمومة. ففي الروم والإشمام بيان ما كانت حركة الميم عليه في الوصل، وبيان إن كانت ساكنة أو متحركة، وليست (٤) صلتها بواو بمانع من الروم والإشمام فيها، كما أنه ليس صلة هاء الكناية بواو في: «قدّره، وأنشره» (٥) بمانع فيها من الروم والإشمام في الوقف عليها. وليس كون حركة ما قبل الميم كحركتها بمانع فيها من الروم والإشمام فيها، كما كان ذلك مانعا في الهاء، إذا كان حركة ما قبلها كحركتها، لأن الميم ليست بحرف خفي كالهاء. ولو كانت الميم كالهاء لم يجز الإشمام والروم في «يقوم ويحكم» وليس كون الميم من الشفتين بمانع فيها من الروم والإشمام، كما لم تمنع في «يقوم، ويحكم» وشبهه، وكما لم يمنع ذلك في الياء والواو، وهما من الشفتين. والإسكان فيها حسن، وهو الأصل (٦).

стр. 174

«فسل في وقف البزّي على «ما» (١) التي للاستفهام التي دخل (٢) عليها حرف جر». «٦» اعلم أن «ما» التي للاستفهام، إذا دخل عليها حرف جر حذفت ألفها، للفرق بين الاستفهام والخبر، فتقول في الاستفهام «عمّ تسأل يا هذا» وفي الخبر «عما تسأل أسأل أنا» وتقول في الاستفهام: «لم تؤذونني» وتقول في الخبر: «لما آذيتني آذيتك»، فتحذف الألف في الاستفهام للفرق. فإذا وقفت على الميم، من «ما» [في] (٣) الاستفهام، وجب أن تحذف الفتحة، وهي دالة على الألف المحذوفة، فكره ذلك بعض العرب، فأدخل «هاء» في الوقف، لتثبت الفتحة ولا تحذف، فيكون في الكلام ما يدلّ على الالف المحذوفة، ولئلا يخلّ بالكلمة على قلة حروفها، فتحذف منها حرفا وحركة، وهي على حرفين، فتبقى على حرف واحد ساكن، ولتظهر (٤) الحركة، فيقوى الاسم، وتدلّ الحركة على المحذوف منه. وخصّ الوقف بذلك لأن الوصل تكون الميم فيه متحركة، وهي قراءة البزي عن ابن كثير، يقول في الوقف: «عمه، وبمه، وفيمه» (٥) وشبهه. فيأتي بها لبيان حركة الميم، وهذه الهاء هي هاء السّكت في: «كتابيه، وحسابيه» (٦) وشبهه، أتى بها لبيان حركة الياء، لأنها اسم على حرف واحد متحرك. فإذا سكن في الوقف ضعف كون اسم [الميم] (٣) على حرف ساكن،

стр. 175

فأتى بالهاء لتقوية الاسم ببقاء حركته في الوقف، فتدلّ الحركة على الألف المحذوفة، وتقوى الميم بالحركة عليها، ومثله عند البصريين «أنا» الاسم منه الهمزة والنون، وجيء بالألف لبيان حركة النون في الوقف، فلذلك أكثر القراء على حذف الألف في الوصل، إذ هي غير أصلية، إنما جيء بها للوقف. ومن أثبتها في الوصل فعلى لغة من رأى أنّ «أنا» بكماله الاسم، وهو مذهب الكوفيين. وقد رأى بعض نحويي البصرة أن من أثبت الألف في «أنا» في الوصل فقد لحن، كما (١) رأى من أثبت هاء السكت في «كتابيه» ونحوه في الوصل فقد لحن (٢). فهذه الهاء في الوقف في «عمه، وفيمه» هاء السّكت. «٧» وحجة من لم يأت بالهاء في ذلك، أنه اتبع خط المصحف، ولا هاء فيه. وأيضا فإن الوقف عارض، والسكون في الميم عارض، فلم يعتد بذلك، فأبقى الميم على سكونها، وأيضا فإن ما وقع من ذلك في القرآن، لا يحسن الوقف عليه، إذ ليس بكلام تام ولا صالح، ولا قطع (٣). وأيضا فإن جماعة القراء على ترك الهاء في الوقف إلا البزّي، والإجماع حجة. فإنه

стр. 176

يلزم من أدخل في هذا هاء، في الوقف لبيان الحركة، أن يدخلها في الوقف على ياء الإضافة حيث وقعت، لأنها تسكن في الوقف، وهي الاسم، فيبقى الاسم على حرف واحد ساكن، وترك الهاء في ذلك إجماع من القراء، وهو جائز في الكلام وهو الاختيار (١). «٨» ومما تفرّد به البزّي في الوقف أيضا [أنه] (٢) كان يقف على: ﴿هَيْهاتَ﴾ الثاني (٣) «المؤمنون ٣٦» بالهاء. وروي أنه (٤) يقف عليهما بالهاء، وبالأول قرأت. وحجته في ذلك أنه أجراها على الهاء التي تدل على التأنيث في «التوراة، وكمشكاة» (٥)، ألا ترى أنها في الوصل بالتاء كالتوراة، وحسن عنده ذلك، لانفتاح التاء، وبنائها على الفتح، بإجماع من القراء، وذهب القراء إلى أن التاء في «هيهات» دلّت على تأنيث الكلمة كقولهم: «همت، ثمت، جلست»

стр. 177

وكقولهم: «ربت رجل رأيت» فدخلت التاء لتأنيث الكلمة. وقد قال قطرب (١) هي بمنزلة «مرضاة، ومرماة» فجعلها هاء تأنيث، وإن لم يكن لها مذكّر. «٩» فإن قيل: فلم خصّ البزّي الثانية بالوقف عليها دون الأولى في روايته؟ فالجواب على ما قاله القراء: أنه جعلهما جميعا ككلمة واحدة، نحو «اثنتي عشرة» فوقف على الثاني بالهاء، كما وقف على «عشرة»، ولا يحسن عند الوقف على الأولى، لأنها كاسم واحد. «١٠» وحجة من وقف بالتاء أنه اتبع خط المصحف، وأن من العرب من يخفضه وينوّنه ك «غرفات، وملكوت» (٢) ولا يحسن على هذا فيه إلا الوقف بالتاء. وأيضا فإن الوقف بالتاء إجماع من القراء غير البزّي (٣). وقد قال الأخفش: هي بمنزلة قولك (٤): كان من الأمر كيت وكيت، وهذا لا يوقف عليه إلا بالتاء. وأيضا فإن سيبويه قال: «هيهات» اسم بمنزلة الأصوات. وفتح التاء عنده تدلّ على أنه اسم واحد، وكسرتها إذا كسرت تدل على أنه جمع، لم ينطق بواحده (٥). وأيضا فإن التاء لا يحسن حذفها، فهي أصلية. والتاء الأصلية لا يوقف عليها إلا بالتاء في جميع الكلام. ومعنى «هيهات» غير منون البعد. وإذا نوّنت فمعناها:

стр. 178

بعد، وفتحت للبناء والسكون اللذين قبلها، واختير لها الفتح للألف، والفتحة التي قبلها. وفيها لغات: كسر التاء، والتنوين، والكسر بغير تنوين، وكذلك الضم والفتح بتنوين وبغير تنوين، وهي عند سيبويه ظرف غير متمكن، فلذلك بني، فإذا قلت: هيهات منزلك، فمعناه: في البعد منزلك، وإذا نوّنت فمعناه: في بعد منزلك. ومن العرب من يبدل من الهاء الأولى همزة فيقول: أيهات. ومنهم من يقول: أيهان، بالنون والهمزة (١). وقد تقدّم الكلام في الوقف على هاء التأنيث وعلى الحركة العارضة، إذا فارقها ما تحركت من أجله. وأن الوقف على ذلك بالسكون لا غير، إلا أن تقف على هاء التأنيث بالتاء فيحسن الروم والإشمام. فكل هذا مذكور في باب الروم والإشمام بعلله.

стр. 179

باب في مقدمات أصول الادغام والاظهار (١) اعلم أن الإظهار في الحروف هو الأصل، والإدغام دخل لعلة تذكر إن شاء الله. وإنما قلنا: إن الإظهار هو الأصل لأنه أكثر، لأن الواقف يضطر فيه إلى الإظهار، ولاختلاف لفظ الحرفين. واعلم أن أصل الإدغام إنما هو في الحرفين المثلين. وعلة ذلك إرادة التخفيف، لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه، ثم عاد مرة أخرى إلى المخرج بعينه، ليلفظ بحرف آخر مثله صعب ذلك، وشبّهه النحويون بمشي المقيد، لأنه يرفع رجلا ثم يعيدها إلى موضعها أو قريب منه، وشبّهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين، وذلك ثقيل على السامع. وذلك نحو: «قال لهم، وذهب بسمعهم» (٢). ولذلك أدغم أبو عمرو هذا النوع، ويقوّي حسن الإدغام في هذا النوع أن الأول، إذا سكن في (٣) هذا النوع لم يكن بد من الإدغام، نحو: «قل لهم، وارغب بسم» (٤) وشبهه، إلا الواو التي قبلها ضمة، والياء التي قبلها كسرة، الساكنين، فإنهما لا يدغمان في مثلهما في أكثر الكلام لمشابهتهما للألف، نحو: «في يوسف، وآمنوا وعملوا» (٥). واعلم أن غير المثلين، إذا تقاربا في المخرج وسكن الأول، أشبها المثلين اللذين هما من مخرج واحد، فجاز فيهما

стр. 180

الإدغام ما لم يمنع من ذلك مانع. فعلى هذا يجري الإدغام ويحسن. واعلم أن الإدغام إنما يحسن في غير المثلين، ويقوى إذا سكن الأول، وهو على ضربين: أحدهما إذا كان الحرفان متقاربين في المخرج، والحرف الأول أضعف من الثاني، فيصير بالإدغام إلى زيادة قوة، لأنك تبدل من الأول حرفا من جنس الثاني. فإذا فعلت ذلك نقل لفظ الضعيف إلى لفظ القوة، فذلك حسن جيد. والضرب الثاني أن يكون الحرفان المتقاربان في القوة سواء كالمثلين، فيحسن الإدغام، إذ لا ينتقص الأول من قوته قبل الإدغام. وضرب ثالث من إدغام المتقاربين ضعيف قليل، وهو أن يكون الحرف الأول أقوى من الثاني، فيصير بالإدغام أضعف من حاله قبل الإدغام. فالذي يزداد (١) قوة مع الإدغام هو كإدغام التاء في الطاء نحو: ﴿قالَتْ طائِفَةٌ﴾، و ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ﴾ (٢) لأن التاء حرف ضعيف للهمس الذي فيه، والطاء حرف قوي للإطباق والجهر والاستعلاء والشدة اللواتي فيها (٣)، فهو أقوى من التاء كثيرا، فإذا أدغمت التاء نقلتها من ضعف إلى قوة مكررة. فهذا لا تكاد العرب تظهره، وكذلك أجمع القراء على الإدغام في هذا. فإن نقصت قوة الحرف الثاني، وهو مع نقص قوته أقوى من الأول (٤)، حسن الإدغام والإظهار، نحو: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ «الحج ٤٠» (٥) و ﴿حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ «الأنعام ١٤٦»، لأن الصاد نقصت عن قوة الطاء لعدم الجهر، وكون الهمس فيها، والظاء نقصت عن قوة الطاء لعدم التشديد (٦)، وكون الرخاوة فيها والذي تتساوى قوة الحرفين فيه إدغام الذال في التاء، وذلك أن الذال فيها ضعف وقوة، فالضعف من جهة أنها رخوة، والقوة من جهة أنها مهجورة، كذلك التاء فيها ضعف وقوة، فالضعف من جهة أنها مهموسة، والقوة من جهة أنها شديدة، فقد تقاربتا في
следующие страницы →