يلزم من أدخل في هذا هاء، في الوقف لبيان الحركة، أن يدخلها في الوقف على ياء الإضافة حيث وقعت، لأنها تسكن في الوقف، وهي الاسم، فيبقى الاسم على حرف واحد ساكن، وترك الهاء في ذلك إجماع من القراء، وهو جائز في الكلام وهو الاختيار (١).
«٨» ومما تفرّد به البزّي في الوقف أيضا [أنه] (٢) كان يقف على:
﴿هَيْهاتَ﴾ الثاني (٣) «المؤمنون ٣٦» بالهاء. وروي أنه (٤) يقف عليهما بالهاء، وبالأول قرأت. وحجته في ذلك أنه أجراها على الهاء التي تدل على التأنيث في «التوراة، وكمشكاة» (٥)، ألا ترى أنها في الوصل بالتاء كالتوراة، وحسن عنده ذلك، لانفتاح التاء، وبنائها على الفتح، بإجماع من القراء، وذهب القراء إلى أن التاء في «هيهات» دلّت على تأنيث الكلمة كقولهم: «همت، ثمت، جلست»
стр. 177
وكقولهم: «ربت رجل رأيت» فدخلت التاء لتأنيث الكلمة. وقد قال قطرب (١) هي بمنزلة «مرضاة، ومرماة» فجعلها هاء تأنيث، وإن لم يكن لها مذكّر.
«٩» فإن قيل: فلم خصّ البزّي الثانية بالوقف عليها دون الأولى في روايته؟
فالجواب على ما قاله القراء: أنه جعلهما جميعا ككلمة واحدة، نحو «اثنتي عشرة» فوقف على الثاني بالهاء، كما وقف على «عشرة»، ولا يحسن عند الوقف على الأولى، لأنها كاسم واحد.
«١٠» وحجة من وقف بالتاء أنه اتبع خط المصحف، وأن من العرب من يخفضه وينوّنه ك «غرفات، وملكوت» (٢) ولا يحسن على هذا فيه إلا الوقف بالتاء. وأيضا فإن الوقف بالتاء إجماع من القراء غير البزّي (٣). وقد قال الأخفش:
هي بمنزلة قولك (٤): كان من الأمر كيت وكيت، وهذا لا يوقف عليه إلا بالتاء.
وأيضا فإن سيبويه قال: «هيهات» اسم بمنزلة الأصوات. وفتح التاء عنده تدلّ على أنه اسم واحد، وكسرتها إذا كسرت تدل على أنه جمع، لم ينطق بواحده (٥).
وأيضا فإن التاء لا يحسن حذفها، فهي أصلية. والتاء الأصلية لا يوقف عليها إلا بالتاء في جميع الكلام. ومعنى «هيهات» غير منون البعد. وإذا نوّنت فمعناها:
стр. 178
بعد، وفتحت للبناء والسكون اللذين قبلها، واختير لها الفتح للألف، والفتحة التي قبلها. وفيها لغات: كسر التاء، والتنوين، والكسر بغير تنوين، وكذلك الضم والفتح بتنوين وبغير تنوين، وهي عند سيبويه ظرف غير متمكن، فلذلك بني، فإذا قلت: هيهات منزلك، فمعناه: في البعد منزلك، وإذا نوّنت فمعناه: في بعد منزلك. ومن العرب من يبدل من الهاء الأولى همزة فيقول: أيهات. ومنهم من يقول: أيهان، بالنون والهمزة (١). وقد تقدّم الكلام في الوقف على هاء التأنيث وعلى الحركة العارضة، إذا فارقها ما تحركت من أجله. وأن الوقف على ذلك بالسكون لا غير، إلا أن تقف على هاء التأنيث بالتاء فيحسن الروم والإشمام. فكل هذا مذكور في باب الروم والإشمام بعلله.
стр. 179
باب في مقدمات أصول الادغام والاظهار (١)
اعلم أن الإظهار في الحروف هو الأصل، والإدغام دخل لعلة تذكر إن شاء الله. وإنما قلنا: إن الإظهار هو الأصل لأنه أكثر، لأن الواقف يضطر فيه إلى الإظهار، ولاختلاف لفظ الحرفين. واعلم أن أصل الإدغام إنما هو في الحرفين المثلين. وعلة ذلك إرادة التخفيف، لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه، ثم عاد مرة أخرى إلى المخرج بعينه، ليلفظ بحرف آخر مثله صعب ذلك، وشبّهه النحويون بمشي المقيد، لأنه يرفع رجلا ثم يعيدها إلى موضعها أو قريب منه، وشبّهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين، وذلك ثقيل على السامع.
وذلك نحو: «قال لهم، وذهب بسمعهم» (٢). ولذلك أدغم أبو عمرو هذا النوع، ويقوّي حسن الإدغام في هذا النوع أن الأول، إذا سكن في (٣) هذا النوع لم يكن بد من الإدغام، نحو: «قل لهم، وارغب بسم» (٤) وشبهه، إلا الواو التي قبلها ضمة، والياء التي قبلها كسرة، الساكنين، فإنهما لا يدغمان في مثلهما في أكثر الكلام لمشابهتهما للألف، نحو: «في يوسف، وآمنوا وعملوا» (٥). واعلم أن غير المثلين، إذا تقاربا في المخرج وسكن الأول، أشبها المثلين اللذين هما من مخرج واحد، فجاز فيهما
стр. 180
الإدغام ما لم يمنع من ذلك مانع. فعلى هذا يجري الإدغام ويحسن. واعلم أن الإدغام إنما يحسن في غير المثلين، ويقوى إذا سكن الأول، وهو على ضربين:
أحدهما إذا كان الحرفان متقاربين في المخرج، والحرف الأول أضعف من الثاني، فيصير بالإدغام إلى زيادة قوة، لأنك تبدل من الأول حرفا من جنس الثاني. فإذا فعلت ذلك نقل لفظ الضعيف إلى لفظ القوة، فذلك حسن جيد.
والضرب الثاني أن يكون الحرفان المتقاربان في القوة سواء كالمثلين، فيحسن الإدغام، إذ لا ينتقص الأول من قوته قبل الإدغام. وضرب ثالث من إدغام المتقاربين ضعيف قليل، وهو أن يكون الحرف الأول أقوى من الثاني، فيصير بالإدغام أضعف من حاله قبل الإدغام. فالذي يزداد (١) قوة مع الإدغام هو كإدغام التاء في الطاء نحو: ﴿قالَتْ طائِفَةٌ﴾، و ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ﴾ (٢) لأن التاء حرف ضعيف للهمس الذي فيه، والطاء حرف قوي للإطباق والجهر والاستعلاء والشدة اللواتي فيها (٣)، فهو أقوى من التاء كثيرا، فإذا أدغمت التاء نقلتها من ضعف إلى قوة مكررة.
فهذا لا تكاد العرب تظهره، وكذلك أجمع القراء على الإدغام في هذا. فإن نقصت قوة الحرف الثاني، وهو مع نقص قوته أقوى من الأول (٤)، حسن الإدغام والإظهار، نحو: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ «الحج ٤٠» (٥) و ﴿حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ «الأنعام ١٤٦»، لأن الصاد نقصت عن قوة الطاء لعدم الجهر، وكون الهمس فيها، والظاء نقصت عن قوة الطاء لعدم التشديد (٦)، وكون الرخاوة فيها والذي تتساوى قوة الحرفين فيه إدغام الذال في التاء، وذلك أن الذال فيها ضعف وقوة، فالضعف من جهة أنها رخوة، والقوة من جهة أنها مهجورة، كذلك التاء فيها ضعف وقوة، فالضعف من جهة أنها مهموسة، والقوة من جهة أنها شديدة، فقد تقاربتا في
стр. 181
القوة، والضعف من صفاتهما، فجواز الإدغام حسن، والأول حسن في الإدغام، لأنك تزيد الحرف الأول قوة بالإدغام. والذي يقبح الإدغام فيه لقوة الأول وضعف الثاني فهو نحو إدغام الرّاء في اللام، وهو قبيح لقوة الراء بالجهر والتكرير اللذين فيه، وضعف اللام لعدم التكرير فيه، وضعف الجهر فيه، فإذا أدغمت نقلت الأقوى إلى الأضعف، وذلك مكروه ضعيف، فقس عليه هذا، فإنه الأصل الذي يعتمد عليه (١).
стр. 182
باب في معرفة الحروف القوية والضعيفة
اعلم أن الضعيف في الحرف (١)، يكون بالهمس وبالرخاوة، فإذا اجتمعا في الحروف كان أضعف له، والحروف المهموسة عشرة يجمعها [هجاء] (٢) قولك:
سكت فحثه شخص. والحروف الرخوة ثلاثة عشر (٣) حرفا وهي ما عدا هجاء قولك: لم يروعنا أجدك قطبت (٤). وهي الباء والحاء والغين والخاء والصاد والضاد والزاي والسين والشين والظاء والثاء والذال والفاء. واعلم أن القوة في الحرف (١) تكون بالجهر وبالشدة وبالإطباق والتفخيم وبالتكرير وبالاستعلاء وبالصفير وبالاستطالة وبالغنة وبالتفشي. فالحروف المجهورة هي ماعدا الحروف المهموسة المذكورة قبل هذا، والحروف الشديدة هي ثمانية، وهي هجاء قولك: أجدك قطبت. والحروف المطبقة أربعة وهي الطاء والظاء والضاد والصاد، وهي حروف التفخيم. ويكون أيضا في الراء واللام، في بعض المواضع، تفخيم. وحرف التكرير الراء. وحروف الاستعلاء سبعة وهي:
حروف الإطباق المذكورة، والغين والخاء والقاف، وحروف الصفير ثلاثة وهي:
الزاي والصاد والسين. والمستطيل هو الضادّ. وحرفا الغنة اثنان: النون والميم الساكنان (٥). وحرفا التفشي الشين والفاء، وهو في الشين أمكن (٦). وقد
стр. 183
شرحنا علل هذا كله، وبيناه في كتاب «الرعاية لتجويد القراءة»، فأغني ذلك عن إعادته كله. وفيما ذكرنا كفاية لما قصدنا إليه، فبهذه الصفات يقوى الحرف وبعدمها يضعف، وكلّما تكررت فيه الصفة القوية كان أقوى للحرف. وكذلك إذا تكرّرت في الحرف الصفة الضعيفة كان أضعف. ومن الحروف ما يلزمه صفة قوية وصفة ضعيفة. وربما لزمه صفتان قويتان وثلاث وأربع، كالصاد التي هي مجهورة مطبقة مستعلية مستطيلة مفخّمة، وكالطاء التي هي مجهورة شديدة مطبقة مستعلية. وربما لزمت الحرف صفتان ضعيفتان وصفة قوية، كالسين التي هي مهموسة رخوة، وفيها صفير. فعلى هذا من الضعف والقوة يبين حسن الإدغام وقبحه (١).
стр. 184
باب في جملة من مخارج الحروف مختصرا
اعلم أن المخارج على الاختصار ثلاثة: الفم والحلق (١) والشفتان. فأما الحروف التي تخرج من الحلق فستة: الهمزة والهاء والخاء والعين والحاء والغين، وقد زاد قوم الألف، ومسالك خروجها من الحلق على ترتيبها في الخط الذي مثّلنا (٢) وعطفنا (٣) بعضها على بعض. وأما حروف الفم فقد نتشارك في المخرج، وهي ثمانية عشر حرفا: القاف ثم الكاف ثم الشين والجيم والياء، هن أخوات في المخرج من وسط اللسان إلى الحنك، ثم الضاد من أول حافة اللسان، وما يليه من الأضراس، ثم اللام من طرف اللسان وأصول الثنايا، ثم النون من أسفل اللام (٤) مما يلي الثنايا، وكذلك الراء تخرج من مخرج النون، غير أنها أدخل في ظهر اللسان قليلا. وقد قيل: إن اللام والنون والراء أخوات في المخرج، من طرف اللسان وأصول الثنايا. ثم الظاء والذال والتاء أخوات يخرجن من طرف اللسان وأصول الثنايا، والظاء أمكن مماسّة للثنايا (٥) للإطباق والاستعلاء اللذين فيها. ثم الزاي والصاد والسين أخوات، يخرجن مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا السفلى. ثم الطاء والتاء والدال أخوات، يخرجن مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا. وأما حروف الشفتين فأربعة: الفاء منفردة، ثم الباء والميم والواو أخوات، وفي بعض هذه المخارج اختلاف، ولكن ذكرنا الأشهر،
стр. 185
فيجب أن تعلم أن حروف الحلق لا يدغمن في حروف الفم، ولا في حروف الشفتين.
وقد يدغم بعض حروف الحلق في بعض لتقارب المخرج. وتعلم أن حروف الفم لا تدغم في حروف الحلق، ولا في حروف الشفتين، ولكن يدغم بعضها في بعض، وفيها يقع أكثر الإدغام خلا الياء، فلا تدغم في غيرها، ولا [يدغم] (١) غيرها فيها.
وتعلم أن حروف الشفتين لا تدغم في حروف الحلق، ولا في حروف الفم، لبعد ما بينهن في المخرج، ويدغم بعضها في بعض خلا الواو، فلا تدغم في غيرها، ولا غيرها فيها، خلا أن النون الساكنة والتنوين يدغمان في الياء والواو. وكذلك الميم لا تدغم في الياء (٢). وسترى علة ذلك كله إن شاء الله.
стр. 186
فصل في إدغام لام التعريف
اعلم أن أكثر إدغام حروف الفم بعضها في بعض يقوى ويحسن، لاشتراك [الحرفين] (١) في إدغام لام التعريف فيهما. [فلما اشتركا في إدغام لام التعريف فيهما] (٢) حسن إدغام أحدهما في الآخر لذلك الاشتراك، هذا هو الأكثر في علة إدغام حروف الفم بعضها في بعض، فاضبط هذا الأصل، واعلم أن لام التعريف تدغم في أربعة عشر (٣) حرفا بلا اختلاف في ذلك، وهنّ (٤): التاء والثاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون، وعلة إدغام لام التعريف في هذه الحروف أن مخرجها (٥) من مخارج هذه الحروف في الفم. فلما سكنت ولزمها السكون أشبهت اجتماع المثلين، والأول ساكن، وكثر الاستعمال لها، مع أن أكثر هذه الحروف أقوى من اللام، ليس منها ما ينقص عن قوة اللام إلا التاء، فكان في إدغامها فيهن قوة لها، فأدغمت فيها لذلك، ولا تدغم في باقي حروف الفم، لتباعدها عن مخرج الفم منهن أو في الصفة أو في القوة، فإن وقعت، قبل هذه الحروف، لام ساكنة، غير لام التعريف، لم
стр. 187
تدغم فيهن (١)، نحو: ألسنة جمع لسان، ونحو: «ألزمه وألصقه وألثمه» وشبهه. وعلة ذلك أن لام التعريف لا تتحرك أبدا، فلزمها السكون، فقويت، في الإدغام، ولأن لام التعريف كثر استعمالها، وهذه اللامات، غير لام التعريف، قد تتحرك ويقلّ استعمالها، وتقول: لسنته ولصقت به ولزمته، فتحرك اللام (٢)، فلمّا لم تلزم اللام في هذا لم (٣) يلزمها الإدغام. وعلة أخرى وذلك أنهم فرّقوا بين اللام الزائدة، وهي لام التعريف، وبين اللام الأصلية، وهي لام ألسنة وألصقه وشبهه، لأنها فاء الفعل، وأيضا فإن الأصل الإظهار، فجرت الأصلية على الأصل، وهو الإظهار، وأدغمت لام التعريف للفرق بين اللام الأصلية واللام الزائدة، وكانت الأصلية أولى بالإظهار، لأنه الأصل، فجرى الأصل على الأصل، وهو الإظهار، وجرى الزائد على الفرع وهو الإدغام. وكانت لام التعريف أولى بالإدغام لأنه تخفيف، وهو كثير التصرف لدخولها على النكرات إلا اليسير (٤). وحجة أخرى، وهو (٥) أنك لو أدغمت اللام الأصلية في «ألسنة» لأشبه قولك «السّنة» وهو النوم، فكان الإظهار أولى بها. فإذا اشترك الحرفان في إدغام لام التعريف فيهما قوي إدغام أحدهما في الآخر، ما لم يمنع من ذلك علة (٦).
стр. 188
فصل في معنى الادغام
الإدغام معناه: إدخال شيء في شيء، فمعنى: أدغمت الحرف في الحرف، أدخلته فيه، فجعلت لفظه كلفظة الثاني [فصارا] (١) مثلين، والأول ساكن فلم يكن يد من أن يلفظ بهما [لفظة] (١) واحدة، كما يصنع بكل مثلين اجتمعا، والأول ساكن. قال الخليل: يقال. أدغمت الفرس اللّجام أي: أدخلته في فيه. وكل مدغم فلا بد أن يسكن قبل الإدغام، وكل مدغم فيه فلا يكون إلا متحركا، لئلا يجتمع ساكنان (٢).
стр. 189
فصل في إدغام دال «قد» واظهارها
اختلف القراء في إدغام دال «قد» وإظهارها عند ثمانية أحرف وهن: الجيم والزاي والذال والصاد والضاد والظاء والسين والشين.
«١» فحجة من أدغم دال «قد» في الجيم هي المؤاخاة التي بينهما، وذلك أنهما من حروف الفم، وأنهما مجهوران، وأنهما شديدان، فحسن الإدغام لهذا الاشتراك، والإظهار حسن لأنهما منفصلان، ولأن الإظهار هو الأصل، ولأن الجيم لا تدغم فيها لام التعريف، كما تدغم في الدال فتباينا بذلك، فأظهرا، ولأن أهل الحرمين وعاصما وابن ذكوان على الإظهار وذلك حجة.
«٢» وحجة من أدغم دال «قد» في الذال أو أظهرها كالحجة في الجيم سواء، وتزيد قوة الإدغام فيهما لأن لام التعريف تدغم فيهما، غير أن ابن ذكوان أدغم الدال في الذال.
«٣» وحجة من أدغم دال «قد» في الزاي أنهما اشتركا في المخرج من الفم، وفي أن لام المعرفة تدغم فيهما، وأنهما مجهوران، وزاد الإدغام قوة أن الزاي فيها قوة بالصفير الذي فيها، فإذا أدغمت الدال فيها أبدلت منها زاي، وهي أقوى من الدال، فنقلت الدال إلى حرف هو أقوى منها بالإدغام، فقوي ذلك وحسن، والإظهار حسن أيضا لأنه الأصل، ولأنهما قد اختلفا [في الشدة
стр. 190
والرخاوة، الدال شديدة والزاي رخوة ولأنهما اختلفا] (١) في الصفير، الزاي فيها صفير، ولا صفير في الدال، فتباينا بذلك، فحسن الإظهار، وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم، وذلك حجة.
«٤» وحجة من أدغم دال «قد» في الصاد أنهما اشتركا في المخرج من الفم، لأن لام المعرفة تدغم فيهما، ولأن الدال فيها قوة بالجهر الذي فيها، ولأن الصاد فيها قوة مكررة بالإطباق والصفير والاستعلاء اللواتي فيها، فحصل للدال بإدغامها في الصاد قوة زائدة، لأنك تبدل منها صادا، والصاد أقوى من الدال لما ذكرنا، وهذا مما يحسن جواز الإدغام ويقويه. والإظهار حسن لأنه الأصل، ولأن الصاد مهموسة رخوة، وذلك ضعف متكرر فيها، فقد حصل للدال مزيتان على الصاد وهما: الجهر والشدة اللذان في الدال، فحسن الإظهار لذلك، لأنك إذا أدغمته أبدلت من الدال حرفا مهموسا رخوا، وقد كانت مجهورة شديدة فعكستها إلى ضعف، ولولا أن الإطباق والصفير اللذين في الصاد يقوّيانها ما جاز الإدغام، وعلى الإظهار الحرميان وعاصم وابن ذكوان، وذلك حجة.
وكذلك الحجة في إدغام دال «قد» في الطاء والضاد، وإظهارها، غير أن الضاد والطاء لا صفير فيهما، وفيهما الجهر كالدال، فحسن الإدغام، لأنك تنقل الدال بالإدغام إلى حرف هو أقوى منها. وعلى الإظهار عندهما الحرميان وعاصم غير ورش.
«٥» وحجة من أدغم دال «قد» في السين والشين المؤاخاة التي بينهما في المخرج، وفي إدغام لام التعريف فيهن، وأن السين قوية بالصفير الذي فيها، فهي وإن كانت غير مجهورة، فالصفير الذي يوازي الهمس والرخاوة اللذين في السين، التي فيها قوة التّفشّي، أو يقرب من ذلك، فجاز الإدغام في السين.
وفيه بعض البعد، لانك تبدل من الدال، وهي مجهورة، حرفا ضعيفا بالهمس الذي فيه والرخاوة، فإدغام الدال في السين أقوى من إدغامها في الشين، لأن السين فيها صفير يقويها، ولا صفير في الشين. وإنما جاز إدغامها في الشين لما في
стр. 191
الشين من التّفشّي الذي يقويها، والجهر الذي يزول من الدال عند الإدغام أقوى من التّفشّي الذي في الشين، فالإظهار عندهما [أحسن] (١) لما ذكرنا، ولأنه الأصل، ولأنهن منفصلات بعضهن من بعض، ولأنهن قد اختلفن في القوة، ولأن الإدغام يحدث في الأول ضعفا بعد قوة إذا أدغمت (٢) في الشين، وعلى الإظهار عندهما الحرميان وعاصم وابن ذكوان وذلك حجة.
«٦» وأما علة ورش في تخصيصه الإدغام للدال في الطاء والصاد فهي ما ذكرنا من قوة الصاد والطاء بالإطباق والاستعلاء والجهر والاستطالة اللواتي في الصاد، ولأنهن قد اشتركن في إدغام لام التعريف فيهن، ولأن الدال تزداد قوة عند الإدغام، لأنها يبدل منها حرف أقوى منها، مع مشاركة الدال للطاء والصاد في الجهر والخروج من الفم، فالإدغام فيها حسن قوي (٣)، فلهذا، والله أعلم، خصّها ورش بالإدغام فيهما. وكذلك علّة ابن ذكوان في إدغامه الدال من «قد» في الطاء والظاء. فأما علة ابن ذكوان في إدغامه الدال في الذال والزاي فهي ما في ذكرنا من قوة الزاي بالصفير والجهر، وقوة الدال بالجهر، فحصل في الإدغام في الزاي نقل الدال إلى ما هو أقوى منها. وحصل في إدغامها في الدال نقلها إلى ما هو مثلها، لا نقص يدخلها، مع أنهن قد اشتركن في المخرج، وفي إدغام لام التعريف فيهن، وأن الإدغام لا ينقص الأول من قوته، فحسن الإدغام لما ذكرنا، والإظهار هو الأصل.
стр. 192
فصل في علة إدغام ذال «إذ» واظهارها
اختلف القراء في إدغام ذال «إذ» وإظهارها عند ستة أحرف، وهي:
السين والتاء والصاد والدال والجيم والزاي، هجاء (١): ستصدجز (٢).
«١» فحجة من أدغم الذال من «إذ» في التاء أنهما تواخيا (٣) في المخرج وفي إدغام لام التعريف فيهما، وأنهما قد تقاربا في القوة والضعف. فالذال فيها جهر يقوّيها، وفيها رخاوة تضعفها، وكذلك التاء فيها شدة تقويها، وفيها همس يضعفها، وقد تقاربا في القوة والضعف، فجاز الإدغام لذلك. والإظهار حسن لأنه الأصل (٤)، ولأنهما (٥) منفصلان، ولأن الجهر الذي في الذال أقوى من الشدة التي في التاء، وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم وابن ذكوان، وذلك حجة.
«٢» وحجة من أدغم الذال من «إذ» في الصاد أن الصاد أقوى من الذال بالصفير والإطباق والاستعلاء والتفخيم اللواتي فيها (٦)، فإذا أدغمت فيها الذال أبدلت من الذال حرفا أقوى منها بكثير، فحسن الإدغام لذلك معها، أنهما قد اشتركا في المخرج، واشتركا في إدغام لام التعريف فيهما، فزاد ذلك في
стр. 193
الإدغام قوة، والإظهار حسن، لأنه الأصل، ولأنهما منفصلان. وبالإظهار قرأ أهل الحرمين وعاصم وابن ذكوان وخلف، فذلك حجة.
«٣» وحجة من أدغم الذال من «إذ» في الدال أنهما من حروف الفم، وأنهما اشتركا في إدغام لام التعريف فيهما، وأنهما مجهوران، فحسن الإدغام لاشتراكهما في ذلك، وزاده قوة أن الدال من الحروف الشديدة، والذال من الحروف الرخوة، والرخاوة أضعف من الشدة، فإذا أدغمت انتقلت (١) الذال من الرخاوة إلى الشدة، وذلك تقوية للحرف، فحسن الإدغام وقوي، وعلى ذلك اختار ابن ذكوان الإدغام في الدال وحدها، وهو حجة خلف في روايته الإدغام في الدال (٢).
فأما إدغامه في التاء فعلته ما ذكرنا من مساواة قوة الدال للتاء، لما في كل واحد منهما من الضعف والقوة، وقد ذكر [كل] (٣) هذا، والإظهار أحسن لأنه الأصل، ولأنهما (٤) منفصلان وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم، وذلك حجة.
«٤» وحجة من أدغم الذال من «إذ» في الجيم أن الجيم حرف أقوى من الذال، لما في الجيم من الجهر والشدة، والذال حرف رخو مع مؤاخاتهما في المخرج، فحسن الإدغام لأنك تبدل من الذال، إذا أدغمت، حرفا أقوى منها، والإظهار حسن، لأنهما منفصلان، ولأنه الأصل، ولأنهما قد افترقا في أن لام التعريف لا تدغم في الجيم، ولأنه قد بعد ما بين الذال والجيم في المخرج من الفم، وهذه هي علة خلاد (٥) والكسائي في إظهارهما للذال عند الجيم، وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم وحمزة وابن ذكوان، وذلك حجة.
стр. 194
«٥» وحجة من أدغم الذال من «إذ» في الزاي أن الزاي أقوى من الذال، للصفير الذي فيها، وقد اشتركا في الجهر والرخاوة، وفي الخروج من الفم، وفي إدغام لام التعريف فيهما، فلمّا كان الإدغام يزيد الزاي قوة بالصفير حسن الإدغام وقوي. والإظهار حسن لأنه الأصل، ولأنهما منفصلان، وعلى الإظهار الحرميان وعاصم وابن ذكوان وخلف وذلك حجة.
«٦» وحجة من أدغم الذال من «إذ» في السين أن السين فيها ضعف وقوة، والضعف فيها مكرر، لأنها مهموسة رخوة، وقوتها أنها فيها صفير، والذال فيها رخاوة تضعفها كالسين، وفيها جهر يقويها، يوازن (١) الصفير الذي في في السين، والصفير أقوى، فجاز الإدغام، لتقاربهما في القوة والضعف، ولأنهما من حروف الفم، ولأن لام التعريف تدغم فيهما. والإظهار أحسن فيها، لتكرر الضعف في السين بالهمس والرخاوة، ولولا قوة الصفير الذي في السين ما جاز الإدغام، والإظهار أحسن، لنقلك الذال عند الإدغام إلى الهمس، ولأنه الأصل، ولأنهما منفصلان، وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم وابن ذكوان وخلف، وذلك حجة قوية.
стр. 195
فصل في علل إدغام تاء التأنيث
«١» اختلف القراء في إدغام تاء التأنيث وإظهارها عند ستة أحرف وهن (١):
الجيم والطاء والصاد والثاء والسين والزاي (٢).
فعلة من أدغم تاء التأنيث في الجيم والطاء والصاد والزاي أنهن اشتركن في المخرج، واشتركن في إدغام لام التعريف فيهن، سوى الجيم، ولأن هذه الحروف أقوى من التاء، لأن التاء حرف مهموس، وهذه الحروف مجهورة سواء، والصاد والطاء قويتان بالإطباق الذي فيهما والاستعلاء، والزاي حرف قوي، للصفير الذي فيه والجهر، مع ما في التاء من المؤاخاة بينها وبين الصاد من الهمس، لكن الصاد تقوى، بالصفير والإطباق والاستعلاء، على التاء، فحسن الإدغام لذلك، لأنك تبدل من التاء عند الإدغام حرفا أقوى منها، فتنقلها بالإدغام إلى القوة، وذلك حسن. والإظهار حسن أيضا لأنه الأصل، ولأنه من كلمتين منفصلتين، وبالإظهار عند الجيم والزاي قرأ الحرميان وعاصم وابن عامر، وذلك حجة، ومثله الطاء والصاد، غير أن ابن عامر أدغم عندهما، إلا قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ «الحج ٤٠» (٣) فإنه أظهر (٤). وأدغم ورش عند الطاء.
«٢» وعلة من أدغم التاء في الثاء أن الثاء حرف فيه بعض الشدة،
стр. 196
والرخاوة أغلب عليه، والتاء حرف مهموس، والهمس ضعف في الحرف، فكأنما تقاربا لاشتراكهما في الهمس والمخرج، ويجوز إدغام لام التعريف فيهما، فجاز لذلك الإدغام، والإظهار في هذا أحسن وأقوى، لأن التاء أقوى من الثاء، لما في التاء من الشدة، ولما (١) في الثاء من الهمس والرخاوة، فهما وإن اشتركا في الهمس فإن الثاء تنقص عن قوة التاء لما فيها من الرخاوة التي تضعفها، ولما في التاء من الشدة التي تقويها وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم، وذلك حجة.
«٣» وعلة من أدغم التاء في السين، أن السين فيها صفير يقويها، وهي مؤاخية للتاء في المخرج من الفم، ومؤاخية لها في الهمس، ومؤاخية لها في إدغام لام التعريف فيهما، لكن التاء حرف فيه شدة، تقوم الشدة في القوة مقام الصفير، الذي في السين، فقد تساويا، فحسن الإدغام، لأنك لا تنقل الأول إلى ضعف بل تنقله إلى مثل حاله من القوة والضعف، على أن الصفير أقوى من الشدة، فحسن الإدغام. والإظهار حسن، لأنهما منفصلان ولأنه الأصل. وبالإظهار قرأ الحرميان وعاصم وابن عامر، وذلك حجة.
«٤» فأما حجة حمزة في إدغامه تاء التأنيث في الجمع عند الصاد والزاي والذال فذلك يجري على ما علّلنا، من أن هذه الحروف أقوى من التاء، لما في الصاد من الإطباق والصفير والاستعلاء، مع مؤاخاتها التاء في المخرج والهمس، ولما في الزاي من الجهر والصفير، ولما في الذال من الجهر، فكلهن أقوى من التاء، فحسن الإدغام لخروجهن كلهن (٢) من الفم، ولأن الإدغام يقوى به الحرف الأول، لأنه يبدل بأقوى منه، ولاشتراكهن في إدغام لام التعريف فيهن.
والإظهار حسن، لأنه الأصل، ولأن الأول في هذا متحرك بخلاف ما تقدّم، فإذا (٣) أنت أدغمت وأسكنت المتحرك تغيّرت حركته ثم غيّرته مرة ثانية بالإدغام،
стр. 197
فأبدلت منه حرفا من جنس الثاني، وذلك تغيّر (١) بعد تغيّر (١)، فضعف الإدغام، وقوي الإظهار لذلك، ولأن عليه جماعة من القراء، غير حمزة وأبي عمرو في الإدغام الكبير (٢)، فذلك حجة.
стр. 198
فصل في [علل] (١) إدغام «هل» و «بل»
اعلم أن [لام] (٢) «هل» و «بل» اختلف القراء في إظهارهما وإدغمامهما (٣) عند ثمانية أحرف وهن: التاء والثاء والزاي والطاء والضاد والظاء والسين والنون (٤).
«١» وحجة من أدغم أن «هل وبل» لمّا لزم لامهما السكون أشبهتا لام التعريف، فجاز فيهما من الإدغام معهن ما لا يجوز في لام التعريف إلا هو، ألا (٥) ترى أنه لم تدغم لام «قل»، وتبدل لأن سكونها غير لازم، ففارقتا مشابهة لام التعريف فأظهرتا لأن أبا الحارث (٦) قد أدغم اللام. من يفعل في الذال وسكونها عارض، وذلك لشبهها بلام التعريف في اللفظ بالسكون، والإدغام فيها قبيح، لأن سكونها عارض، ولأنه قد انفرد به أبو الحارث، وقد كان يلزمه إدغام
стр. 199
اللام في النون في ﴿يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ «البقرة ٢١١» لأن اللام أقرب إلى النون منها إلى الذال.
«٢» وحجة من أظهر [أن] (١) لام «هل وبل» منفصلتان من الكلمة التي بعدهما، ففارقتا لام التعريف المتصلة بما بعدها، والانفصال أبدا يقوى معه الإظهار، لأنك تقف على الحرف الأول، فلا يجوز غير الإظهار. والاتصال أبدا يقوى معه الإدغام، إذ لا ينفصل الأول من الثاني في وقف ولا غيره. وأيضا فإن الإظهار هو الأصل.
«٣» وحجة من أدغم عند بعضها وأظهر عند بعضها أنه جمع بين اللغتين، مع روايته ذلك عن أئمته، والاختلاف في ذلك على ما (٢) ذكرنا في كتاب التبصرة (٣).
стр. 200
فصل في إدغام الباء الساكنة (١) في الفاء والميم، وادغام الفاء الساكنة (١) في الباء
قرأ أبو عمرو وخلاد والكسائي بإدغام الباء الساكنة في خمسة مواضع، وهي جملة ما في كتاب الله من ذلك، وهي قوله: «اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ» «الاسراء ٦٣» ﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ «النساء ٧٤»، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ «الرعد ٥»، و (اذهب ﴿فَإِنَّ﴾ «طه ٩٧»، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ﴾ «الحجرات ١١»، وأظهر ذلك الباقون (٢).
«١» وحجة من أدغم أن الفاء حرف فيه تفش، وذلك قوة فيه، والباء أقوى منه، لأنها شديدة مجهورة، والفاء مهموسة رخوة، فلمّا كان في كل واحد منهما قوة واشتركا في المخرج من الشفتين، وفي أن لام المعرفة لا تدغم في واحدة منهما، جاز إدغام الأول في الثاني، والإظهار أحسن وأقوى، لأن الأول أقوى من الثاني للجهر والشدة اللذين فيه، ولضعف الثاني بالهمس والرخاوة اللذين فيه، فإذا أدغمت أبدلت من الأول حرفا أضعف منه، فأبدلت من حرف قوي حرفا ضعيفا، وأيضا فإنهما منفصلان، وأيضا فإن على الإظهار أهل الحرمين وعاصما وابن عامر وخلفا، وذلك حجة، وأيضا فإن الإظهار هو الأصل، فالإظهار أحسن، فأما إتيان الميم بعد الباء فذلك موضعان في البقرة: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾
стр. 201
«٢٨٤» أظهره ورش وحده، وأظهره من رفع الفعل، وذلك عاصم وابن عامر، وأدغمه الباقون. والموضع الثاني في هود قوله تعالى: ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ «٤٢» أظهره ورش وحمزة وابن عامر، وأدغمه الباقون.
«٢» وحجة من أدغم أن الميم حرف قوي بالغنة التي فيها، والجهر والشدة اللذين فيها، فإذا أدغمت فيها الباء نقلت الباء إلى حرف أقوى منها بكثير، لأنك تبدل من الباء عند الإدغام ميما. وأيضا فإنهما اشتركا في المخرج من الشفتين، واشتركا في أن لام المعرفة لا تدغم في واحدة منهما، والإظهار أحسن، لأنه الأصل، ولأنهما من كلمتين، ولأن الام المعرفة لا تدغم في واحدة منهما. فأما إدغام الفاء في الباء فموضع واحد قوله تعالى في سبأ: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ «٩» أدغمه الكسائي وحده (١)، وعلة إدغامه أن الفاء والباء اشتركا (٢) في المخرج من الشفة (٣)، واشتركا في منع إدغام لام التعريف فيهما، والباء حرف قوي، للشدة التي فيها والجهر، والفاء أضعف من الباء، للهمس الذي فيها والرخاوة، فإذا أدغمت نقلت الحرف إلى ما هو أقوى منه، وقد كره الإدغام البصريون، لزوال التفشي الذي في الفاء، وأجازه الكوفيون، والإظهار في ذلك أحسن لأنه الأصل، ولأنهما منفصلان، ولأن التفشي الذي في الفاء يذهب مع الإدغام، ولأن لام المعرفة لا تدغم في واحد منهما، ولأن الفاء تخرج من الشفتين إلى الفم، لأن للفاء في الثنايا العليا نصيبا، فقد خالفت الباء في المخرج بعض المخالفة، وأيضا فإن القراء غير الكسائي أجمعوا على الإظهار وإجماعهم (٤) حجة.
стр. 202
فصل في إدغام الثاء في الذال والذال في الثاء والراء في اللام واللام في الراء (١)
«١» أما الثاء في الذال فقوله (٢): ﴿يَلْهَثْ ذلِكَ﴾ «الأعراف ١٧٦» قراءة ابن كثير وورش وهشام بالإظهار، وأدغم الباقون. وعلة الإدغام هي (٣) أن الذال أقوى من الثاء بكثير، لأن الذال مجهورة، والثاء مهموسة رخوة، فحسن انتقال الأول إلى القوة بالإدغام، والإظهار حسن، لأنه الأصل.
«٢» وأما الدال في الثاء فنحو قوله: ﴿يُرِدْ ثَوابَ﴾ «آل عمران ١٤٥» أظهره الحرميان وعاصم، وأدغم الباقون. وعلة الإدغام ضعيفة، لأن الدال أقوى من الثاء، للجهر الذي في الدال، فأنت تنقلها بالإدغام إلى أضعف من حالها (٤)، فالإظهار أقوى وأولى.
«٣» وأما الراء في اللام فقبيح عند سيبويه والبصريين، لأنك تذهب التكرير الذي في الراء عند الإدغام، فيضعف الحرف (٥)، وأدغمه أبو عمرو وحده في رواية الرّقيين عنه (٦)، فالإظهار أقوى وأحسن، وعليه كل القراء، فذلك حجة.
стр. 203
«٤» وأما اللام في الراء فهو حسن، وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ رانَ﴾ «المطففين ١٤» لأنك تبدل من اللام حرفا أقوى من اللام بكثير، فذلك ممّا يقوي جواز الإدغام، وربما لم يجز غيره، وهو مثل: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ﴾ «آل عمران ٦٩»، ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ﴾ «آل عمران ٧٢»، و ﴿أَثْقَلَتْ دَعَوَا﴾ «الأعراف ١٨٩»، و ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ «النساء ٦٤» فكلّ هذا الإظهار فيه قبيح، وعلى الإدغام أجمع القراء إلا الشاذ منهم (١)، لأنك إذا أدغمت أبدلت من الأول حرفا قويا أقوى من الأول بكثير، ويحسن الإدغام لذلك، ويختار، لأنك تزيد الكلمة قوة مع ما في الإدغام من تسهيل اللفظ وتخفيفه.
стр. 204
فصل في إدغام ما هو من كلمة
«١» اعلم أن هذا الباب يقوي الإدغام فيه أكثر من الذي قبله، لأن الحرفين لا ينفصل أحدهما من الآخر. فمن ذلك إدغام التاء في الثاء (١) في: ﴿لَبِثْتَ﴾ «البقرة ٢٥٩»، و ﴿لَبِثْتُمْ﴾ «الإسراء ٥٢» (٢) وذلك حسن لاتصالهما، ولأن التاء أقوى من الثاء، للشدة التي في التاء، ولأنهما اتفقا في الهمس، ولأن لام التعريف تدغم فيهما، والإظهار حسن، لأنه الأصل، ولأن به قرأ الحرميان وعاصم، وذلك حجة، ومثله الحجة في ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ «الأعراف ٤٣» (٣) قرأه بالإدغام أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي.
«٢» ومن ذلك إدغام الذال في التاء في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْتُها﴾ «طه ٩٦» و ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ «غافر ٢٧» (٤) أدغمهما أبو عمرو وحمزة والكسائي، وأظهر الباقون. وحجة من أدغم أن قوة التاء والذال معتدلة، لأن التاء شديدة، والذال مجهورة، والشدة في القوة كالجهر، ولأن التاء مهموسة. والذال رخوة والهمس في الضعف كالرخاوة، فاعتدلا في القوة والضعف، فحسن الإدغام لذلك، إذ لا يدخل على الحرف الأول نقص في قوته بالإدغام، على أنهما قد اشتركا في المخرج من الفم، واشتركا في إدغام لام التعريف فيهما، وقوي ذلك لاتصالهما
стр. 205
في كلمة، والإظهار حسن، لأنه الأصل، ولأن التاء في تقدير الانفصال، لأن الفعل «عاذ ونبذ»، فالتاء داخله (١) فيهما بعد أن لم تكن، وأيضا فإن به قرأ الحرميان وعاصم وابن عامر، وذلك حجة.
«٣» ومن ذلك: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ «البقرة ٥١» و ﴿أَخَذْتُ﴾ «فاطر ٢٦» أظهره ابن كثير وحفص، وأدغم الباقون. والحجة في الإدغام مثل ما قبله، لكن لمّا قلّت حروف الكلمة حسن الإدغام، وعليه أكثر القراء.
«٤» فإن قيل: لم أدغم نافع «أخذتم» وأظهر «عذت»؟
فالجواب أن «عذت» فعل قد حذف عينه للاعتلال (٢)، فلو غيّر لامه لأخل به، وليس ذلك في «أخذتم وأخذت».
«٥» فإن قيل: لم أدغم «أخذتم» وأظهر «إذ تقول (٣)»؟
فالجواب أن الذال من «إذ تقول» وشبهها تنفصل عمّا بعدها في الوقف، وأجرى الوصل على الوقف، وليس كذلك «أخذت»، لا تنفصل الذال عن التاء في وصل ولا وقف.
«٦» فإن قيل: فلم أدغم «أتّخذتم» وأظهر «فنبذتها»؟
فالجواب أن «أتّخذتم» كلمة طالت فخفّفها بالإدغام، وليس كذلك «فنبذتها» وأيضا فإن «أتّخذتم» لمّا كان أولها مدغما اتبع آخره بالإدغام، ليتفق أول الكلمة وآخرها، وليس كذلك «فنبذتها».
стр. 206
فصل في النون الساكنة والتنوين والغنة
النون الساكنة والتنوين يجريان في الكلام والقرآن على ستة أقسام (١):
«١» الأول: أنهما يظهران إذا لقيهما حرف من حروف الحلق في كلمتين، وكذلك النون تظهر مع حروف الحلق في كلمة، وذلك نحو: ﴿مِنْ هادٍ﴾ «الرعد ٣٣»، و ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ «العلق ٢» و ﴿مِنْ غَفُورٍ﴾ «فصلت ٣٢» و (عفو ﴿غَفُورٌ﴾ «الحج ٦٠» و ﴿أَنْعَمْتَ﴾ «الفاتحة ٧» و ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾ «المائدة ٣» وشبهه، وذلك إجماع من القراء. وعلة ذلك أن النون الساكنة والتنوين بعد مخرجهما من الحلق، فلم يحسن الإدغام، لأن الإدغام إنما يحسن مع تقارب المخارج، فلمّا تباعدت مخارجهما (٢) لم يكن بد من الإظهار، الذي هو الأصل، وإنما يخرج عن الأصل لعلة تقارب المخارج، فإذا عدم ذلك رجع إلى الأصل، وهو الإظهار، والإدغام في هذا يعدّه القراء لحنا لبعد جوازه.
«٢» الثاني: أن النون الساكنة والتنوين يدغمان بذهاب (٣) الغنة في الإدغام إذا لقيتها راء أو لام مشدّدان، وذلك من كلمتين. وعلة الإدغام هو قرب مخرج اللام والراء من مخرج النون، لأنهن من حروف طرف اللسان، فحسن الإدغام في ذلك لتقارب المخارج، وزاده قوة أن النون والتنوين إذا أدغما
стр. 207
في الراء نقلا إلى لفظ الراء، وهي أقوى منهما فكان في الإدغام قوة للحرف الأول، وأيضا فإن لام التعريف تدغم فيهن. ولمّا كان حق الإدغام دخول الحرف الأول في لفظ الثاني يكلّيته أدغمت الغنة، التي في النون والتنوين معهما، في الراء واللام، ولم يبق للغنة لفظ، وكمل بذلك التشديد. وأجاز النحويون إظهار الغنة مع اللام خاصة، والذي أجمع عليه القراء إدغام الغنة مع الراء واللام، وذلك نحو قوله (١): ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾، و ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٢)، وذلك إجماع من القراء، والإظهار في مثل هذا يعده القراء لحنا لبعده من الجواز، وقد أتت به (٣) روايات شاذة غير معمول بها (٤). ولو وقعت النون الساكنة قبل الراء واللام في كلمة لكانت مظهرة، بخلاف وقوعها قبلهما في كلمتين. وعلة ذلك أنك لو أدغمت لالتبس بالمضاعف، ألا ترى أنك لو بنيت مثال «فنعل» من «علم» لقلت: «عنلم» بنون ظاهرة.
ولو أدغمت لقلت: «علّم» فيلتبس ب «فعّل»، فلا يدرى هل هو «فنعل» أو «فعّل»، وكذلك لو بنيت مثال «فنعل» من: شرك، لقلت: شنرك، بنون ظاهرة، ولو أدغمت لقلت «شرّك» فيلتبس ب «فعّل»، فلا يدرى هل هو «فعّل» أو «فنعل» (٥)، وهذا المثال لم يقرأ في القرآن.
«٣» الثالث: أن النون الساكنة والتنوين يدغمان في الميم وتبقى الغنة غير مدغمة، خارجة من الخياشيم، فينقص حينئذ التشديد، نحو قوله تعالى (١):
«مِنْ نُورٍ﴾، و ﴿مِنْ ماءٍ» (٦). والغنة التي كانت في النون باقية مع لفظ الحرف الأول،
стр. 208
لأنك إذا (١) أدغمت في حرفين فيهما غنة، وذلك الميم والنون، فبالإدغام تلزم الغنة، لأنها باقية غير مدغمة، وبالإظهار أيضا تلزم الغنة، لأن الأول حرف تلزمه الغنة، ومثله الثاني. فالغنة، لا بدّ منها ظاهرة، أدغمت أو لم تدغم. وعلة إدغامها في النون هو اجتماع مثلين الأول ساكن، ولا يجوز الإظهار ألبتة، كما لا يجوز في قوله: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ «الإسراء ٢٣» و ﴿اجْعَلْ لَنا ٢﴾ «النساء ٧٥» وشبهه إلا الإدغام. فأما علة إدغامها في الميم فلمشاركتهن في الغنة، ولتقاربهن في المخرج، للغنة التي فيهن، لأن مخرج النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة من الخياشيم، فقد تشاركن في مخرج الغنة، فحسن الإدغام، مع أن النون مجهورة شديدة والميم مثلها، فقد تشاركن في الجهر والشدة، فهما في القوة سواء، في كل واحد جهر وشدة وغنة، فحسن الإدغام وقوي، وبقيت الغنة ظاهرة، لئلا يذهب الحرف بكليته، ولأنك لو أذهبت الغنة لأذهبت غنتين، غنة كانت في الأول، وغنة في الثاني إذا سكن، وأيضا فإنه لا يمكن ألبتة زوال الغنة، لأنك لا بدّ لك في الإدغام من أن تبدل من الأول مثل الثاني، وذلك لا بدّ فيه من الغنة، لأن الأول فيه غنة، والثاني إذا سكن فيه غنة، فحيثما حاولت مذهبا لزمتك الغنة ظاهرة، فلم يكن بدّ من إظهار الغنة في هذا، وهذا كله إجماع من القراء والعرب، ولا يتمكن أبدا في إدغام النون والتنوين في الميم والنون إدغام الغنة إلا بذهاب لفظ الحرفين جميعا إلى غيرهما من الحروف، ممّا لا غنة فيه إذا سكن، وذلك تغيير لم يقع في كلام العرب.
«٤» الرابع: أن النون الساكنة والتنوين يدغمان في الياء والواو من كلمتين، مع إظهار الغنة التي كانت في النون، في حال اللفظ بالشدة والمدغم، لا في نفس الحرف الأول، بخلاف ما ذكرنا قبل هذا، الذي تبقى الغنة ظاهرة مع لفظ الحرف الأول. والفرق بينهما أنك إذا أدغمت النون في الميم أبدلت من النون،
стр. 209
وقد كانت فيه غنة، حرفا فيه غنة أيضا، وهو الميم، فصارت الغنة لازمة للفظ الحرف (١) الأول. وإذا أدغمت النون في الياء والواو أبدلت من النون حرفا لا غنة فيه، فلم تكن الغنة لازمة للحرف الأول، لأنه لا تلزمه الغنة، سكن أو تحرك، فتصير الغنة ظاهرة في حال اللفظ بالمدغم، خارجة من الخياشيم. وهذا إجماع من القراء غير خلف عن حمزة، فإنه أدغم في الياء والواو بغير غنة على أصل الإدغام (٢).
وعلة إدغام النون الساكنة والتنوين في الياء والواو وإظهار الغنة، هي (٣) ما بينهن من التشابه، وذلك أن الغنة التي في النون تشبه المد واللين، اللذين في الياء والواو، فحسن الإدغام لذلك. وأيضا فإن الواو من مخرج الميم (٤) فأدغمت النون فيها، كما تدغم في الميم لمؤاخاة الميم الواو في المخرج، ولذلك بقيت الغنة ظاهرة، كما تبقى في الميم والياء والواو. ولأنه لمّا (٥) كانت الواو تدغم في الياء نحو: طيّا وليّا (٦)، جاز إدغام النون الساكنة في الياء، كما جاز في الواو، وعلى هذا جماعة القراء، لكن الغنة ظاهرة مع اللفظ بالمشدّد، لا في نفس الحرف الأول، كأنها بين الحرفين المدغمين، فهو إدغام ناقص التشديد لبقاء الغنة ظاهرة فيه. والغنة في جميع هذا كله صوت يخرج من الخياشيم، والحرف الذي فيه الغنة، إن كان ميما، فمن بين الشفتين يخرج، وإن كان نونا، فمن طرف اللسان وأطراف الثنايا يخرج، فحرف الغنة له مخرجان، فإذا أدغمته أدغمت ما يخرج من الفم منه، وأبقيت ما يخرج من الخياشيم ظاهرا، فلا يتمكن التشديد مع بقاء الغنة ظاهرة. فإن أدغمت حرف الغنة في الراء واللام أدغمت ما يخرج من المخرجين جميعا، ولم تبق شيئا فيتمكن التشديد، إذ لم (٧) تبق من الحرف شيئا، ولو وقعت النون قبل
стр. 210
الواو والياء في كلمة، لم يكونا إلا مظهرين، لأنك لو أدغمت لالتبس بالمضاعف، فتقول: الدنيا وبنيان وقنوان وصنوان، بالإظهار، وهذا كلّه إجماع من القراء على ما بيّنا وعلّلنا (١).
«٥» الخامس: أن النون الساكنة والتنوين ينقلبان ميما إذا لقيتهما باء، نحو قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ «النمل ٨» و ﴿هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ﴾ «الطور ١٩»، وكذلك النون تأتي (٢) بعدها الباء في كلمة، نحو: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ «البقرة ٣٣» و «عنبر»، ولا تشديد في هذا (٣)، إنما هو بدل لا إدغام فيه، لكن الغنة التي كانت في النون باقية، لأن الحرف الذي أبدلت من النون حرف فيه غنة أيضا، وهو الميم الساكنة، فلا بد من إظهار الغنة في البدل، كما كانت في المبدل منه، وهذا البدل إجماع من القراء. وعلة بدل النون الساكنة ميما إذا لقيتها باء ''أن الميم مؤاخية للباء، لأنها من مخرجها ومشاركة لها في الجهر، والميم أيضا مؤاخية للنون في الغنة وفي الجهر، فلمّا وقعت النون قبل الباء، ولم يمكن إدغامها في الباء، لبعد ما بين مخرجيهما، وبعد إظهارها لما بينهما من الشبه، ولما بين النون وأخت الباء من الشبه وهي الميم، أبدلت منها حرفا مؤاخيا لها في الغنة، ومؤاخيا للياء في المخرج، وهو الميم. ألا ترى أنهم لم يدغموا الميم في الباء، مع قرب المخرجين، والمشاركة في الجهر، نحو قوله: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ﴾ «الأنعام ١٥٠». وقال سيبويه في تعليل امتناع إدغام الميم في الباء قال: لأنهم يقلبون النون ميما في قولهم (٤): «العنبر، ومن بدالك» فلمّا وقع قبل الباء الحرف الذي يفرون إليه من النون لم يغيّروه، وجعلوه بمنزلة النون، إذا كانا حرفي غنة. قال: ولم يجعلوا النون باء لبعدها من مخرج الباء، ولأنها ليست فيها غنة. قال: ولكنهم أبدلوا مكانها أشبه الحروف بالنون وهي الميم (٥).
стр. 211
«٦» السادس: أن النون الساكنة والتنوين يخفيان عند باقي الحروف التي لم يتقدّم لها ذكر، نحو: «من شاء، ومن كان، ومن جاء، ومن قبل» (١) وشبهه، ولا تشديد في الإخفاء لأن الحرف أيضا يخفى بنفسه، لا في غيره، والإدغام إنما هو أن تدغم الحرف في غيره، فلذلك يقع فيه التشديد، والغنة ظاهرة مع الإخفاء، كما كانت مع الإظهار، لأنه كالإظهار، فالغنة التي في الحرف الخفي هي النون الخفية، وذلك أن النون الساكنة مخرجها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، ومعها غنة تخرج من الخياشيم، فإذا خفيت لأجل ما بعدها زال، مع الخفاء، ما [كان] (٢) يخرج من طرف اللسان منها، وبقي ما كان يخرج من الخياشيم ظاهرا. وعلة إخفاء (٣) النون والتنوين عند هذه الحروف، أن النون الساكنة قد صار لها مخرجان: مخرج لها، وهو المخرج التاسع، ومخرج لغنتها، وهو المخرج السادس عشر على مذهب سيبويه (٤)، فاتسعت بذلك في المخرج (٥)، بخلاف سائر الحروف، فأحاطت، باتساعهم بذلك في المخرج، بحروف الفم، فشاركتها بالإحاطة بها، فخفيت عندها، وكان ذلك أخف، لأنهم لو استعملوها مظهرة لعمل اللسان فيها من مخرجها، ومن مخرج غنتها، فكان خفاؤها أيسر ليعمل اللسان مرة واحدة، ولذلك قال سيبويه في تعليل خفائها قال: وذلك لأنها من حروف الفم، وأصل الإدغام لحروف الفم لأنها أكثر الحروف، فلمّا وصلوا إلى أن يكون لها مخرج من غير الفم، يعني من الخياشيم، كان أخف عليهم ألا
стр. 212
يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة (١)، يريد: أنهم لو أتوا بالنون مظهرة للزمهم استعمال ألسنتهم [بالنون] (٢) من مخرج (٣) الساكنة، ومن مخرج غنتها، فكان استعمالهم لها من مخرج غنتها أسهل، مع كثرتها في الكلام، فاستعملوها خفيّة بنفسها، ظاهرة بغنتها، وكان ذلك أخف، إذ لا لبس فيه، فإذا قلت: عنك، ومنك، فمخرج هذه الغنة من الخياشيم. والنون، التي تخرج من طرف اللسان، هي التي خفيت (٤)، فإذا قلت: منه: وعنه، فمخرج هذه النون من طرف اللسان، ومعها غنة تخرج من الخياشيم، لأنها غير مخفاة، إنما هي ظاهرة مع حروف (٥) الحلق، وإذا قلت: «من رّبهم» (٦)، فأدغمت، صار مخرج النون من مخرج الراء، لأنك أبدلت منها راء بدلا محضا عند الإدغام. وإذا قلت:
«من ﴿يُؤْمِنُ» (٧) فأدغمت، فتخرج النون من مخرج الياء، لأنك أبدلت منها في حال الإدغام ياء، غير أنك تبقي الغنة خارجة من الخياشيم، على ما كانت قبل الإدغام، وكذلك التنوين، يجري مجرى النون في كلّ هذه الوجوه، فتقول:
أخفيت النون عند السين، ولا تقل في السين. وخفيت النون عند السين، ولا تقل في السين، وتقول: أدغمت النون في اللام، ولا تقل عند اللام (٨)، فاعلم ذلك وافهمه تعلم به معنى الإدغام ومعنى الإخفاء، فالحروف التي تدغم فيها النون الساكنة والتنوين ستة يجمعها هجاء [قولك] (٩) «يرملون»، والحروف التي تظهر معها الغنة يجمعها هجاء قولك «يومن» على الاختلاف المذكور في الياء والواو.
стр. 213
باب تذكر (١) فيه علل الفتح والامالة وما هو بين اللفظين (٢)
اعلم (٣) أن أصل الكلام كله الفتح. والإمالة تدخل في بعضه، في بعض اللغات لعلة، والدليل على ذلك أن جميع الكلام، الفتح فيه سائغ (٤) جائز، وليست الإمالة بداخلة إلا في بعضه، في بعض اللغات، لعلة. فالأصل ما عمّ، وهو الفتح.
واعلم أن معنى الإمالة هو تقريب الألف نحو الياء، والفتحة التي قبلها نحو الكسرة (٥). واعلم أن الألف الممالة تكون أصلية بدلا من ياء، فتميلها، لتدل بالإمالة على أصلها، وتكون ألفا زائدة، تمال لشبهها (٦) بالأصلية ولأنها لا أصل لها في الواو نحو: معزى، وقصارى، وقد يكون أصلها الواو، ولكنها أميلت
стр. 214
لرجوعها إلى الياء [في نحو «أزكى»، ولكسرة مقدرة نحو: «خاف»]، التي توجب الإمالة.
стр. 215
باب أقسام العلل (١)
«١» اعلم أن العلل التي توجب الإمالة ثلاث: وهي الكسرة وما أميل ليدلّ على أصله، والإمالة للإمالة. فنبدأ بذكر ما أميل لكسرة. ثم نتبعه ما أميل ليدل بالإمالة على أصله ثم نتبعه ما أميل (٢) لإمالة (٣) بعده، وهذا أقلّها تصرفا.
الأول: ما أميل لكسرة، فمن ذلك الكسرة تقع بعد الألف على راء، والكسرة إعراب نحو: «النار، والنهار» (٤)، وشبهه، فما بعد الألف راء مكسورة أمالة أبو عمرو وأبو عمر الدّوري (٥) [إلا أن أبا عمرو استثنى «الجار» في الموضعين في النساء (٦)، ففتحهما، وأمالهما أبو عمر الدّوري وحده كذلك … ] (٧) وقرأه ورش بين اللفظين، وفتحه الباقون (٨). وعلة من أماله أنه لمّا وقعت الكسرة بعد الألف قرّب الألف نحو الياء، لتقرب من لفظ الكسر، لأن الياء من الكسر، ولم