← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

«٦» السادس: أن النون الساكنة والتنوين يخفيان عند باقي الحروف التي لم يتقدّم لها ذكر، نحو: «من شاء، ومن كان، ومن جاء، ومن قبل» (١) وشبهه، ولا تشديد في الإخفاء لأن الحرف أيضا يخفى بنفسه، لا في غيره، والإدغام إنما هو أن تدغم الحرف في غيره، فلذلك يقع فيه التشديد، والغنة ظاهرة مع الإخفاء، كما كانت مع الإظهار، لأنه كالإظهار، فالغنة التي في الحرف الخفي هي النون الخفية، وذلك أن النون الساكنة مخرجها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، ومعها غنة تخرج من الخياشيم، فإذا خفيت لأجل ما بعدها زال، مع الخفاء، ما [كان] (٢) يخرج من طرف اللسان منها، وبقي ما كان يخرج من الخياشيم ظاهرا. وعلة إخفاء (٣) النون والتنوين عند هذه الحروف، أن النون الساكنة قد صار لها مخرجان: مخرج لها، وهو المخرج التاسع، ومخرج لغنتها، وهو المخرج السادس عشر على مذهب سيبويه (٤)، فاتسعت بذلك في المخرج (٥)، بخلاف سائر الحروف، فأحاطت، باتساعهم بذلك في المخرج، بحروف الفم، فشاركتها بالإحاطة بها، فخفيت عندها، وكان ذلك أخف، لأنهم لو استعملوها مظهرة لعمل اللسان فيها من مخرجها، ومن مخرج غنتها، فكان خفاؤها أيسر ليعمل اللسان مرة واحدة، ولذلك قال سيبويه في تعليل خفائها قال: وذلك لأنها من حروف الفم، وأصل الإدغام لحروف الفم لأنها أكثر الحروف، فلمّا وصلوا إلى أن يكون لها مخرج من غير الفم، يعني من الخياشيم، كان أخف عليهم ألا

стр. 212

يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة (١)، يريد: أنهم لو أتوا بالنون مظهرة للزمهم استعمال ألسنتهم [بالنون] (٢) من مخرج (٣) الساكنة، ومن مخرج غنتها، فكان استعمالهم لها من مخرج غنتها أسهل، مع كثرتها في الكلام، فاستعملوها خفيّة بنفسها، ظاهرة بغنتها، وكان ذلك أخف، إذ لا لبس فيه، فإذا قلت: عنك، ومنك، فمخرج هذه الغنة من الخياشيم. والنون، التي تخرج من طرف اللسان، هي التي خفيت (٤)، فإذا قلت: منه: وعنه، فمخرج هذه النون من طرف اللسان، ومعها غنة تخرج من الخياشيم، لأنها غير مخفاة، إنما هي ظاهرة مع حروف (٥) الحلق، وإذا قلت: «من رّبهم» (٦)، فأدغمت، صار مخرج النون من مخرج الراء، لأنك أبدلت منها راء بدلا محضا عند الإدغام. وإذا قلت: «من ﴿يُؤْمِنُ» (٧) فأدغمت، فتخرج النون من مخرج الياء، لأنك أبدلت منها في حال الإدغام ياء، غير أنك تبقي الغنة خارجة من الخياشيم، على ما كانت قبل الإدغام، وكذلك التنوين، يجري مجرى النون في كلّ هذه الوجوه، فتقول: أخفيت النون عند السين، ولا تقل في السين. وخفيت النون عند السين، ولا تقل في السين، وتقول: أدغمت النون في اللام، ولا تقل عند اللام (٨)، فاعلم ذلك وافهمه تعلم به معنى الإدغام ومعنى الإخفاء، فالحروف التي تدغم فيها النون الساكنة والتنوين ستة يجمعها هجاء [قولك] (٩) «يرملون»، والحروف التي تظهر معها الغنة يجمعها هجاء قولك «يومن» على الاختلاف المذكور في الياء والواو.

стр. 213

باب تذكر (١) فيه علل الفتح والامالة وما هو بين اللفظين (٢) اعلم (٣) أن أصل الكلام كله الفتح. والإمالة تدخل في بعضه، في بعض اللغات لعلة، والدليل على ذلك أن جميع الكلام، الفتح فيه سائغ (٤) جائز، وليست الإمالة بداخلة إلا في بعضه، في بعض اللغات، لعلة. فالأصل ما عمّ، وهو الفتح. واعلم أن معنى الإمالة هو تقريب الألف نحو الياء، والفتحة التي قبلها نحو الكسرة (٥). واعلم أن الألف الممالة تكون أصلية بدلا من ياء، فتميلها، لتدل بالإمالة على أصلها، وتكون ألفا زائدة، تمال لشبهها (٦) بالأصلية ولأنها لا أصل لها في الواو نحو: معزى، وقصارى، وقد يكون أصلها الواو، ولكنها أميلت

стр. 214

لرجوعها إلى الياء [في نحو «أزكى»، ولكسرة مقدرة نحو: «خاف»]، التي توجب الإمالة.

стр. 215

باب أقسام العلل (١) «١» اعلم أن العلل التي توجب الإمالة ثلاث: وهي الكسرة وما أميل ليدلّ على أصله، والإمالة للإمالة. فنبدأ بذكر ما أميل لكسرة. ثم نتبعه ما أميل ليدل بالإمالة على أصله ثم نتبعه ما أميل (٢) لإمالة (٣) بعده، وهذا أقلّها تصرفا. الأول: ما أميل لكسرة، فمن ذلك الكسرة تقع بعد الألف على راء، والكسرة إعراب نحو: «النار، والنهار» (٤)، وشبهه، فما بعد الألف راء مكسورة أمالة أبو عمرو وأبو عمر الدّوري (٥) [إلا أن أبا عمرو استثنى «الجار» في الموضعين في النساء (٦)، ففتحهما، وأمالهما أبو عمر الدّوري وحده كذلك … ] (٧) وقرأه ورش بين اللفظين، وفتحه الباقون (٨). وعلة من أماله أنه لمّا وقعت الكسرة بعد الألف قرّب الألف نحو الياء، لتقرب من لفظ الكسر، لأن الياء من الكسر، ولم

стр. 216

يمكن ذلك حتى قربت الفتحة التي قبل الألف نحو الكسر، فحسن ذلك ليعمل اللسان عملا واحدا متسفلا، فذلك أخف من أن يعمل متصعدا بالفتحة والألف، ثم يهبط متسفلا بكسرة الراء، وهو مع الراء أحسن، لأن الكسرة عليها قوية، كأنها كسرتان، فقويت الإمالة لذلك مع الراء لأنها حرف تكرير، الحركة عليها مقام حركتين. وعلة من قرأه بين اللفظين أنه توسّط الأمر، فلم يمل، لئلا يخرج الحرف عن أصله. ولم يفتح لقوة الكسرة في الراء، فقرأ ذلك بين اللفظين، أي (١) بين الفتح والإمالة. وعلة من فتح أنه أتى به على الأصل، ولم يستثقل التسفل بعد التصعد. وإنما الذي يثقل في اللفظ هو مثل التصعد بعد التسفل نحو إمالة «زاغ» (٢). «٢» ومن هذا الفصل ما تفرّد بإمالته أبو عمرو الدّوري عن الكسائي (٣)، وليست الكسرة فيه إعرابا على الراء، بل هي بناء وذلك قوله: ﴿مَنْ أَنْصارِي﴾ في آل عمران «٥٢» وفي الصف «١٤» و ﴿جَبّارِينَ﴾ في الموضعين «المائدة ٢٢، الشعراء ١٣٠» وممّا لا راء فيه: ﴿آذانِهِمْ﴾ «البقرة ١٩»، و ﴿آذانِنا﴾ «فصلت ٥» و ﴿طُغْيانِهِمْ﴾ «البقرة ١٥». ومما فيه أيضا راء: ﴿سارِعُوا﴾ «آل عمران ١٣٣» و ﴿نُسارِعُ﴾ «المؤمنون ٥٦» و ﴿يُسارِعُونَ﴾ «آل عمران ١١٤» و ﴿بارِئِكُمْ﴾ «البقرة ٥٤»، و ﴿الْبارِئُ﴾ «الحشرة ٢٤» ﴿الْجَوارِ﴾ في ثلاثة مواضع (٤). أمال ذلك كله لوقوع الكسرة على الراء بعد الألف زائدة، وأجرى كسرة البناء مجرى كسرة الإعراب، والإمالة مع كسرة البناء أقوى، لأنها كسرة لازمة لا تتغير، وكسرة الإعراب لا تلزم، إلا في حالة الخفض، فهي أضعف. وأمال (٥) «آذانهم وآذاننا، وطغيانهم» للكسرة أيضا. فهو، في هذا كله، يميل

стр. 217

الألف نحو الياء للكسرة التي بعدها، ويميل الفتحة التي قبلها نحو الكسرة، ليعمل اللسان عملا واحدا، على نحو ما ذكرنا أولا. «٣» وممّا أميل للكسرة أيضا ما تفرّد به هشام، من إمالته الخمسة المواضع: [وذلك] (١) «مشارب، وآنية، وعابد، وعابدون» في «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» خاصة في ثلاثة مواضع فيها (٢)، أمال الألف للكسرة التي بعد ذلك، وقوي ذلك لأن الكسرة بناء لازمة لا تتغير (٣). «٤» ومن ذلك ما تفرّد به ابن ذكوان من إمالة «المحراب» إذا كان مخفوضا، وذلك في آل عمران ومريم (٤)، أمالهما للكسرة التي بعد الألف، وهو ضعيف من وجهين: أحدهما [أن الراء] (٥) إذا انفتحت قبل الألف تمنع الإمالة، والثاني أن الكسرة إعراب غير لازمة، لكن تتقوّى إمالة «المحراب» قليلا للكسرة التي على الميم، وللكسرة على الباء، وكلاهما يوجب الإمالة، فلمّا اجتمعا قويت الإمالة بعض القوة (٦). «٥» ومن ذلك ما تكرّرت فيه الراء، نحو: «الأشرار، والأبرار» (٧) إذا كان محفوضا، قرأه الكسائي وأبو عمرو بالإمالة، للكسرة التي بعد الألف. وقوي ذلك لأن الكسرة على الراء أقوى منها على غيرها، للتكرير الذي في الراء. وانفتاح الراء قبل الألف يضعف الإمالة فيه، لكن لمّا أوجبت (٨) إمالة الألف أن ينحى بفتحة الراء إلى الكسر، حسن قليلا الإمالة فيه. وقرأ ورش

стр. 218

وحمزة بين اللفظين، وفتح الباقون على الأصل، والعلة فيه ما ذكرنا من إمالة «النار والقرآن» (١). «٦» ومن ذلك «الكافرين» (٢) إذا كان بالياء، أماله أبو عمر الدّوري [والكسائي] (٣) وقرأه ورش بين اللفظين. وعلة إمالته للكسر الذي وقع بعد الألف، وحسن ذلك لإتيان الراء بعد الفاء المكسورة مكسورة، وبعدها ياء، والياء من الكسرة، فتوالت الكسرات، فحسنت إمالته وقويت. وكذلك علة قراءته بين اللفظين على التوسط والفتح، وهو الأصل (٤). «٧» ومن ذلك إمالة حمزة والكسائي ﴿أَوْ كِلاهُما﴾ (٥)، أمالاه للكسرة التي على الكاف، ولم يعتدّا (٦) باللام، لأن الحرف الواحد، لا يمنع، ولا يحجز. وقد أمالت العرب الألف للكسرة التي قبلها، وقد حال بينهما حرفان نحو قولهم: «لن تضربها، وتريد أن تنزعها»، فأمالوا المكسورة ولم يعتدّوا بالهاء لخفائها ولا بالباء ولا بالعين، لأنه حرف واحد، فكأنهم قالوا: لن تضربا وتريد أن تنزعا، فالهاء لغوّ وحرف لا يحجز (٧). «٨» ومن ذلك ما تفرّد بإمالته حمزة من قوله تعالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ «النمل ٣٩» أمال الألف، على أنها ألف فاعل، وأمال الهمزة لكسرة التاء في الموضعين في النمل (٨) ليعمل اللسان عملا واحدا في المتسفّل (٩). وقد روي

стр. 219

عن خلاد الفتح فيه (١). ومثله إمالة خلف العين من «ضعافا» في النساء (٢) لكسرة الضاد. وعن خلاد الفتح، والإمالة. ومثله ما روي عن أبي عمرو من إمالة «الناس» (٣) إذا كان مخفوضا، لكن بالفتح قرأت له فيه، والإمالة فيه مشهورة مستعملة (٤). «٩» ومن هذا الفصل ما تفرّد بإمالته حمزة في عينات الأفعال وذلك نحو: «زاد، وجاء، وشاء، وخاب، وطاب، وضاق، وضاقت، وحاق، وخافت، وخاف» حيث وقع ذلك، ونحو: «زاغ، وزاغوا» (٥) وهذين الموضعين من «زاغ» خاصة، أمال حمزة الألف من ذلك كله نحو الياء، والفتحة التي قبلها نحو الكسرة في جميعها، ووافقه ابن ذكوان في «جاء، وشاء» حيث وقعا، وعلى إمالة «زاد» في أول سورة البقرة خاصة (٦). «١٠» وعلة الإمالة في ذلك أنه أمال، ليدل على أن الحرف منها ينكسر، عند الإخبار في قولك: «جئت، وشئت، وخفت، وزغت، وطبت، وضقت، وخبت، وخفت» فدل بالإمالة على أن الأول مكسور منها عند الإخبار، فعملت الكسرة المقدرة، فأميلت الألف لها. «١١» قال أبو محمد: وهذه الأفعال يفضل بعضها بعضا في قوة الإمالة فيها، فأقواها في الإمالة «جاء، وشاء»، وذلك أن فيها أربع علل تقوى الإمالة

стр. 220

بها: إحداها أن الأول ينكسر عند الإخبار، في قولك: «جئت، وشئت». والثانية أن الألف، التي هي عين الفعل الممالة، أصلها الياء فيهما. والثالثة (١) أن الهمزة في آخرها تشبه الألف، لأنها أختها في قرب المخرج، وفي أنها تبدل من الهمزة كثيرا، فصار كأن في آخرها ألفا، فقويت الإمالة لذلك. والرابعة أن العين في المستقبل منهما مكسورة، فأميلت الألف في الماضي، لتدل على كسرة العين في المستقبل، كما أميل «خاف» لكسر الخاء في الإخبار، فهي إمالة لشيء مقدّر في الكلام فيهما، وفي إمالة «شاء» مزية في القوة على إمالة «جاء» لأن مستقبل «شاء» جاء على مثال مستقبل «فعل» بكسر (٢) العين، لأنه جاء على «يفعل» بفتح العين لأجل الهمزة، وأصل عينه الكسرة، كما كان في «يجيء»، فكأن العين من «شاء» يشبه العين من «خاف» التي أصل عينها الكسر، فقويت الإمالة في «شاء» لاجتماع خمس علل، فيها تقوى الإمالة. ولذلك خصّهما ابن ذكوان بالإمالة دون غيرهما. فأما إمالته «زاد» في [أول] (٣) سورة البقرة دون غيرها فللجمع بين اللغتين، مع نقله ذلك عن أئمته. ثم يلي إمالة «شاء، وجاء» في القوة باقي الأفعال المذكورة، إلا «خاف»، فهي دون أخواتها في قوة الإمالة، لما نذكره لك، وذلك أن «طاب، وخاب، وضاق، وزاغ، وحاق، وزاد» أميلت لعلل ثلاث: أحدها أن أوائلها تنكسر عند الإخبار عن المتكلم في قولك، «زدت، وخبت، وطبت، وضقت، وزغت». والثانية أن عيناتها كلها أصلها الياء. والثالثة أن العين في المستقبل في جميعها مكسورة، فقويت الإمالة فيها، لاجتماع هذه العلل الثلاث. ثم دون ذلك في قوة الإمالة «خاف»، لأنها أميلت لعلتين: إحداهما أن الأول منهما ينكسر في الإخبار في قولك: خفت، والثانية أن عين الفعل منها أصله الكسر، فأميلت لعلتين فقط، فافهم هذه الرتب،

стр. 221

وابن عليها. وقد يأتي من الإمالة ما تتبع فيه الرواية، ولا تقوى فيه علة. فقد أمال حمزة «ضاقت» في الموضعين كما أمال «ضاق»، وفتح «زاغت» في الموضعين، ولم يمل (١) كما أمال «زاغ»، فهذا للجمع بين اللغتين ولاتباع الرواية (٢). «١٤» فإن قيل: فلم ترك القراء إمالة «ساء، وباء» (٣) ونحوه؟. فالجواب أن هذا وشبهه لا علة فيه توجب الإمالة، لأن عينه في الماضي مفتوحة، وفي المستقبل مضمومة (٤)، ولأن عينه أصله الواو، فلا علة فيه للإمالة، فأتى بالفتح على الأصل، وأيضا فإن الأول منهما لا ينكسر في الإخبار، كما ينكسر في جميع الأفعال المذكورة (٥).

стр. 222

العلة الثانية من علل الامالة ما أميل لتدل إمالته على أصله «١٥» قال أبو محمد: على هذه العلة تجري أكثر الإمالات، وذلك أن تكون الألف أصلها الياء. أو تكون زائدة رابعة وأكثر، فيكون حكمها حكم ما أصله الياء، أو تكون الألف للتأنيث، فتجب الإمالة لتدل على أصل الألف، أو على أن الألف في حكم ما أصله الياء، وذلك باب واسع. فالتي أصلها الياء نحو إمالة حمزة والكسائي لقوله: «أتى، وتعالى، ورمى، وسعى، ووصى، وتولى، وتوفى، واصطفى، واستوى، واستسقى، واستعلى، ونادى، وطغى، وتتوفاهم» (١). فهذا كلّه في الأفعال، وتكون في الأسماء نحو: «الهدى، والهوى، والقرى، والقربى، وفتى، ومحيى، ويحيى، وموسى، ومجرى، ومنتهى» (٢) وشبهه. ويأتي في هذا ما أصل ألفه الثاني الواو ثم ترجع إلى الياء في الرباعي نحو: «تزكى، وزكى، ويرضى» (٣) وشبهه [فذلك] (٤)، كلّه

стр. 223

يميله حمزة والكسائي، ليدلا على أن الألف، قد صارت في حكم ما أصله الياء. وكل ما وقع من هذا رأس آية، ولا راء فيه، فأبو عمرو وورش يقرآنه، بين اللفظين، فإن كان بعد الألف هاء وألف قرأه أبو عمرو وحده بين اللفظين، وإن كان في شيء من ذلك راء فأبو عمرو يميله كحمزة والكسائي. وورش يقرؤه بين اللفظين، على التوسط لا ممال ولا مفتوح، فهذا وشبهه كلّه أمالاه، ليدلا بالإمالة على أن أصل الألف الياء، فينحوان بالألف نحو أصلها، وهو الياء، ولا يمكن ذلك حتى ينحوا بالفتحة التي قبلها نحو الكسرة (١). «١٦» وأما الألف الزائدة التي تجري على حكم الأصلية فتمال، فنحو: «كسالى، ويتامى، وحوايا» (٢) وشبهه، أماله أيضا حمزة والكسائي، فإن كان فيه راء قبل الألف، والألف أصلية أو زائدة، فكذلك حمزة والكسائي وأبو عمرو معهما على الإمالة فيه، وورش بين اللفظين، وذلك نحو: «يرى، ونرى، وافترى، وأرى، وتتمارى، وأسارى، وسكارى، ونصارى» (٣)، ومنه ما فيه ألف التأنيث، فتمال، لأن التأنيث له الكسر والياء في قوله: «أنى لك، ومتى» (٤) وشبهه، ولأن الألف قد صارت رابعة فيه، فهي في حكم ما أصل ألفه الياء، وذلك نحو: «شتى، وصرعى، وسيمى، وقتلى» (٥) وشبهه، يميله حمزة والكسائي، وأبو عمرو بين اللفظين، وفتحه الباقون. فإن كان فيه راء نحو: «أسرى، وذكرى،

стр. 224

وبشرى، وشورى» (١) فيميله أبو عمرو وحمزة والكسائي، وورش بين اللفظين، ويفتحه الباقون (٢). «١٧» وعلة إمالته لتقرب الألف، من أصلها أو حكمها، ولا بد أن ينحى بالفتحة، التي قبل الألف نحو الكسرة: فبذلك تتمكن إمالة الألف إلى نحو الياء في هذا وغيره. وأمال الكسائي وحده من هذا الباب «محياهم، ومحياكم، وقد هداني، وعصاني، وأوصاني، وآتاني الكتاب، وآتاني الله، وأنسانيه، وخطايانا وخطاياهم، وخطاياكم، ومرضاتي، ومرضاة، وفأحياكم، وإن الذي أحياها» (٣) عطف بالفاء أو لم يعطف، وأمال «حق تقاته، ورؤياك، ورؤياي» (٤) كله أماله، لأن أصل ألفه بالياء (٥).

стр. 225

فصل في معرفة أصل الألف (١) «١» إذا اشتكل عليك أمر الألف في الأفعال فأخبر بذلك الفعل عن نفسك، فإن رجعت ألفه في الإخبار إلى الياء فأصلها الياء، وإن رجعت إلى الواو فأصلها الواو، تقول في: رمى، وسعى، رميت، وسعيت، فترجع الألف إلى الياء فتميل ذلك. وتقول في: عفا، ونجا، عفوت، ونجوت، فترجع الألف إلى الواو فلا تميله. وإن شئت أن تقيس بغير ذلك، وذلك أن تخبر بذلك الفعل عن اثنين، فإن رجعت الألف إلى الياء فهو مما أصل ألفه الياء، فأمله. وإن رجعت ألفه إلى الواو فهو مما أصل ألفه الواو، فلا تمله، تقول في: رمى، وسعى، إذا أخبرت عن اثنين: رميا، وسعيا فترجع الألف إلى الياء، فتمال. وتقول في: عفا، ونجا، عفوا ونجوا، فترجع الألف إلى الواو، فلا تمله. وإن شئت فقسه بالمصدر أبدا، فمنه اشتق الفعل، فإن كان المصدر بالياء فأصل الألف في الفعل الياء، فتميلها، وإن كان بالواو فلا تميل الفعل، تقول في مصدر عفا وصفا: هو العفو، وهو الصفو، فتظهر الواو، فلا تميل الفعل. وتقول في مصدر سعى، ورمى، هو السعي، وهو الرمي، فتظهر الياء، فتميل الألف في الفعل إذا شئت. وإن شئت فقسه بتصرف الفعل. فإن أظهرت فيه الواو فهو من الواو، وإن أظهرت فيه الياء فهو من الياء، تقول: رمى يرمي، وصفا يصفو، ودعا يدعو، وقضى يقضي، فتجد الياء فيما أصل ألفه الياء، وتجد الواو فيما أصل ألفه الواو، فتميل ذوات الياء ولا تميل ذوات الواو، فقس بأي ذلك شئت. فإن كانت الألف الذي تريد معرفة أصلها في اسم، وهي رابعة أو خامسة، فأملها، ولا تنظر إلى أصلها، لأن ما كان أصلها الياء والواو يرجعان، إذا تجاوزا ثلاثة أحرف، إلى الياء، تقول: دعوت وادعيت، وصفوت

стр. 226

وأصفيت، فترجع الألف إذا صارت رابعة إلى الياء. وإن كان أصلها في الثلاثي الواو فتميلها. وإن كانت الألف في اسم ثلاثي فقسه بالتثنية، فإن ظهرت فيه الواو فألفه أصلها الواو، وإن ظهرت فيه الياء فألفه أصلها الياء، وذلك [نحو] (١) هدى، وصفى، تقول في التثنية: هديان، وصفوان، فإن لم تعرف بأي شيء تثنيه، بالياء أو بالواو، فانظر إلى فعله، وامتحنه بالأدلة التي قدّمت لك. فإن كانت ألفه واوا (٢) فثثنّه بالواو، وإن كانت ألفه ياء فثنّه بالياء، ألا ترى أن «هدى» من «هدي»، وأنت تقول فيه، إذا أخبرت عن نفسك: هديت، وإذا أخبرت عن اثنين: هديا، فتعلم أن ألف «هدى» من الياء. وتقول: صفا، وصفوت، والصفو، فتعلم أن ألف الصفا من الواو، فبهذه الأشياء فقس كل ألف أصلية، وردت عليك في القرآن والكلام، تقف بذلك على أصلها. فأما الألف الزائدة فلا أصل لها في ياء ولا واو، وإنما تمال للعلل التي ذكرنا من الكسرات ونحوها. «٢» ومما أميل لأن أصل ألفه الياء «رأى، ورآه» (٣)، أماله ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي، وأمالوا الراء لإمالة الهمزة، وللألف بعدها، فهذا مما أميل للإمالة بعده، وهو قليل، سنذكره. ومثلهم أبو عمرو، غير أنه يفتح الراء (٤) وقرأ ذلك ورش بين اللفظين في الراء والهمزة. فهذا يمال، لأن الألف التي بعد الهمزة، أصلها الياء، ألا ترى أنك تقول: رأيت رأيا، وهو رأي العين. ولم تتمكن إمالة الألف إلى الياء إلا بإمالة فتحة الهمزة التي قبلها إلى الكسرة ثم أمالوا الراء لما وقع بعدها من الإمالة، ليعمل اللسان عملا واحدا في الثلاثة الأحرف. وأما أبو عمرو فأبقى الراء على فتحتها، لأنها حرف تكرير، فلو أمالها اجتمع له أربعة أحرف ممالة، لأن الراء كحرفين، فأبقى الراء على فتحتها، لبعدها من الألف، ولما ذكرنا من تكرير الإمالات، ولأنه قد وصل إلى إمالة الألف نحو

стр. 227

الياء، بإمالة فتحة الهمزة نحو الكسرة، فلم يحتج إلى تغيير فتحة الراء، فإن وقع بعد الألف ساكن، فحذفت الألف، فحمزة وأبو بكر يبقيان الإمالة في الراء خاصة، على ما كانت مع الألف، لأن حذفها عارض، ولأن الإمالة قد تقوّت بثباتها في حرفين، ولبعد المحذوف من الأول، فكرها أن يزيلا الإمالة من حرفين، لزوال حرف عارض زواله، وأبقوا الإمالة في حرف واحد، بعيد من المحذوف. ولو كانت الإمالة في حرف واحد لأزالها أهل الإمالة عند حرف الألف نحو: «موسى الكتاب، ونرى الله، والنّصارى المسيح» (١) لأن الإمالة لم تقو في اللفظ، إنما هي من حرف واحد، أميل لأجل إمالة الألف، فلمّا حذفت الألف زالت الإمالة من الحرف الذي قبله، و «رأى» تمكّنت الإمالة مع الألف في حرفين، فلمّا حذفت الألف حذفا عارضا بقيت الإمالة في الراء، لتمكّنها في حرفين، وزالت الإمالة ممّا يقرب من المحذوف، وهو الهمز، لأن حذف الألف عارض، فاعرف الفرق بينهما، فإن وقفوا رجعوا في الإمالة إلى أصولهم، ومما أميل، لأن أصل ألفه الياء قوله: ﴿بَلْ رانَ﴾ (٢) «المطففين ١٤»، أماله أبو بكر وحمزة والكسائي (٣)، وهو من «الرّين» وهو الغلبة، تقول: ران، يرين، أي: غلب (٤). فالياء ظاهرة في مصدره وفعله، فلذلك أميل، ولم تمنعه فتحة الراء من الإمالة، لأن الألف أصلية، وأكثر ما تمنع فتحة الراء الإمالة في الألف الزائدة نحو: راق، ودوران، وشبهه. «٣» ومن ذلك «أدراك، وأدراكم» (٥) حيث وقع، أصل ألفه الياء، لأنه من «دريت» ومن «الدراية» ومن «درى، يدرى» فالياء ظاهرة فيه.

стр. 228

فأماله أبو بكر وأبو عمرو وابن ذكوان وحمزة والكسائي، وقرأه ورش بين اللفظين وفتح الباقون (١). وعلة الإمالة فيه على (٢) ما ذكرنا من محاولة تقريب الألف إلى أصلها، ولا بد من إمالة فتحة الراء إلى الكسر، فبه تتمكّن إمالة الألف إلى الياء. «٤» ومن ذلك «التوراة» (٣) حيث وقعت، أصل ألفها الياء، لأنها من «وري الزند»، وأصلها «ووريه» على وزن «فوعلة»، فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوه في «تجاه، وتقاة»، وهما من الوجه والوقاية، ثم لمّا تحرّكت الياء بالفتح، وقبلها فتحة قلبت ألفا، فصارت «توراة»، التاء بدل من واو، والألف بدل من ياء (٤)، فحسنت إمالته لذلك، وعلى إمالته أبو عمرو والكسائي وابن ذكوان، وقرأ نافع وحمزة بين اللفظين، والباقون بالفتحة (٥). وعلة إمالته ما ذكرنا من محاولة تقريب الألف إلى أصلها وهو الياء، ولا يتمكّن ذلك، إلا بتقريب فتحة الراء إلى الكسرة، وبين اللفظين هو التوسط، على ما ذكرنا، معناه بين الفتح والإمالة، لا هو مفتوح محض، ولا ممال محض، ومن قرأه بالفتح فهو [على] (٦) الأصل.

стр. 229

باب فيه أحرف تمال لما تقدّم من العلل لكنها لم يجر القراء في امالتها على قياس واحد «١» من ذلك «هداي» في موضعين، و «محياي، ومثواي، وكمشكاة، ورؤياك» (١) وتفرّد أبو عمر الدّوري بإمانة هذه الستة، فيما أصل ألفه الياء، لتقرب الألف من أصلها وقد ذكرنا ما تفرّد بإمالته الدّوري لكسرة بعد ألف على راء أو غيرها (٢). «٢» ومن ذلك «أعمى» و «أعمى» في بني إسرائيل (٣) قرأ الأول بالإمالة أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي، وقرأ الثاني بالإمالة أبو بكر وحمزة والكسائي (٤). وعلة أبي عمرو في فتحه الثاني أنه اسم في موضع المصدر، والأول ليس بمعنى المصدر. فأمال الأول وفتح الثاني للفرق، وكان المصدر أولى بالفتح، لأن ألفه إذا لفظ به ليست من الياء، في قول جماعة من النحويين، إنما هي عوض من التنوين إذا قلت: هو أشد عمى منك، فوقفت على «عمى»، وقفت على الألف التي هي عوض من التنوين، وفيه اختلاف (٥). «٣» ومن ذلك «رمى» (٦) أماله أبو بكر وحمزة والكسائي، لأنك

стр. 230

تقول: رميت. ومن ذلك «سوى، وسدى» (١) وقف عليهما بالإمالة أبو بكر وحمزة والكسائي. «٤» ومن ذلك «أنى» التي بمعنى «كيف، ومن أين»، و «يا ويلتي، ويا حسرتي» (٢) قرأ ذلك حمزة والكسائي بالإمالة، وقرأ العراقيون عن أبي عمرو بين اللفظين. وقد روي عن أبي عمرو بين اللفظين في «يا أسفي» (٣)، وبالفتح قرات. وكذلك «يحيى» (٤)، اسم النبي ﵇، قرأه حمزة والكسائي بالإمالة، وأبو عمرو بين اللفظين. وقد روي عن أبي عمرو الفتح، فمن قرأه بين اللفظين جعل وزنه «فعلى». ومن فتح جعل وزنه «يفعل»، وهو الصواب فيه، لأنه عربي من الحياة. «٥» ومن ذلك «تقاة» أماله حمزة والكسائي، وتفرّد الكسائي بإمالة «تقاته» (٥) وكله أصل ألفه الياء، وهو علة إمالته. «٦» ومن ذلك «بشرى» في يوسف (٦)، أماله حمزة والكسائي، وقرأه بغير ياء بعد الألف، وقرأه ورش بين اللفظين، وعن أبي عمرو بين اللفظين، والأشهر عنه الفتح. «٧» ومن ذلك «الجار» في الموضعين في النساء (٧)، أمالهما أبو عمر الدّوري وحده، وفتح الباقون، وعن ورش الفتح، وبين اللفظين.

стр. 231

«٨» ومن ذلك «وَلَوْ أَراكَهُمْ» في الأنفال (١)، أماله أبو عمرو وحمزة والكسائي وفتحه ورش، وعنه بين اللفظين، وباقو القراء بالفتح، فكل هذا أميل، لأن أصل ألفه الياء، فدلّ بالإمالة على أصله، ولا بدّ عند إمالة الألف فيه أن ينحى بالفتحة التي قبل الألف نحو الكسرة. «٩» ومن ذلك أن حمزة قرأ «دار البوار، والقهار» (٢) بين اللفظين كورش، وقرأ أبو عمرو وأبو عمر بالإمالة. «١٠» ومن ذلك ما تفرّد بإمالته حمزة في قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ «الأنعام ٦١» و ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ «الأنعام ٧١» لأنه يقرؤهما بالألف، ويميل، لأن أصل الألف الياء (٣). *** فصل في إمالة فواتح السور «١» ومن ذلك إمالة فواتح السور، قرأ ابن كثير وقالون وحفص «الر، والمر» (٤) حيث وقع بالفتح، وورش بين اللفظين، والباقون بالإمالة (٥)، وعلة إمالة هذا النوع أن الألف التي من هجاء «را» في تقدير ما أصله الياء، لأنها أسماء ما يكتب به، ففرّق بينهما وبين الحروف التي لا تجوز إمالتها نحو: «ما، ولا، وإلا». هذا مذهب سيبويه في إجازة إمالة هذه الحروف التي في أوائل

стр. 232

السور، فإن سمّيت بشيء من هذه الحروف جازت الإمالة (١). «٢» ومن فواتح السور «كهيعص» قرأ أبو بكر والكسائي بإمالة الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بإمالة الهاء وحدها، وقرأ ابن عامر وحمزة بإمالة الياء وحدها، وقرأ نافع بين اللفظين فيهما، [وقرأ ابن كثير وحفص بالفتح فيهما] (٢). فمن أمالهما جميعا آثر الخروج من تسفّل إلى تسفّل، لخفّة ذلك، كمن فتحهما جميعا، فآثر الخروج من تصعّد إلى تصعّد، ليعتدل اللفظ. ومن أمال الياء أقوى ممّن أمال الهاء، لأن من أمال الياء خرج من تصعّد إلى تسفّل، وذلك حسن. ومن أمال الهاء خرج من تسفّل إلى تصعّد، وذلك صعب قبيح. «٣» ومن فواتح السور «طه» (٣) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الطاء والهاء، وقرأ ورش وأبو عمرو بإمالة الهاء وحدها، وعن ورش الفتح في الهاء، وفتح الباقون (٤). «٤» ومن فواتح السور «طس، وطسم» في الثلاثة (٥) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الطاء في الثلاثة، للعلة التي ذكرت لك (٦).

стр. 233

«٥» ومن فواتح السور «حم» في السبعة (١)، قرأه ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الحاء فيهن، وقرأ ورش وأبو عمرو بين اللفظين في الحاء، وفتح الباقون (٢). «٦» ومن ذلك أيضا «ياسين» (٣) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة الياء غير أن حمزة أقرب إلى الفتح، وفتح الباقون (٤). «٧» وعلة الإمالة في ذلك كله أن هذه الحروف ليست بحروف معان ك «ما، ولا»، إنما هي أسماء لهذه الأصوات، الدالة على الحروف المحكية المقطعة، والأسماء لا تمتنع إمالة ألفها ما لم تكن من الواو، وليست الألف فيها من الواو. ويدل على أنها أسماء أنك تخبر عنها فتعربها، فتقول: حاؤك حسنة، وصادك محكمة، وإذا عطفت بعضها على بعض أعربتها كالعدد، فلما كانت أسماء أمالها من أمالها، ليفرق بالإمالة بينهما (٥) وبين الحروف التي للمعاني، التي لا تجوز إمالتها نحو: «ما، ولا، وإلا» وإنما لم تجز إمالة هذه الحروف، ليفرق بين الحرف والاسم. ولو سميت بهذه الحروف جازت إمالتها (٦). «٨» وممّا أميل لأن ألفه أصلها الياء قوله تعالى: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ في سبحان والسجدة «٨٣، ٥١» (٧) قرأهما خلف عن حمزة والكسائي بإمالة

стр. 234

النون والهمزة وقرأهما خلاد بفتح النون وإمالة الهمزة، وقرأ أبو بكر في سبحان بفتح النون وإمالة الهمزة كخلاد، وفتحهما جميعا في السجدة كالباقين (١). «٩» وعلة إمالة هذا أن الألف، التي بعد الهمزة، أصلها الياء تقول: نأيت، والنأي، فتظهر الياء، وتقول: الرجلان نأيا، فتظهر الياء، فأمال لتقرب الألف إلى أصلها، ولم يمكن تقريب الألف إلى الياء إلا بتقريب فتح الهمزة إلى نحو الكسرة. وممّا يقوي حسن الإمالة في جميع ما ذكرنا أن ألفه أصلها الياء، أن من أمال أراد اتباع الخط، وذلك أن أكثره مكتوب في المصحف الإمام بالياء. فمن أمال أتى بلفظ خط المصحف واتّبعه، ومن فتح قارب خط المصحف ولم يستوفه. فأما علة من أمال النون أيضا من «نأى» فإنه لمّا وقع بعدها حرفان ممالان، أمال النون للإمالة التي بعدها، فيكون عمل اللسان من جهة واحدة، وهذا من الإمالة للإمالة، وهو قليل (٢). *** «١٠» وممّا أميلت ألفه على التشبيه بالألف، التي أصلها الياء، قوله: «دحاها، وطحاها، وتلاها، وسجى» (٣) أربعة أفعال أصل ألفها الواو، وقد ذكر بعض العلماء أنه يقال: «دحيت»، فعلى هذا تكون الإمالة في «دحاها» صحيحة، لأن أصل ألفه الياء، ولكن هذه الواو قد ترجع في بعض تصاريف هذه الأفعال إلى الياء، تقول: «طحي، وتلي، ودحي، وسجي» فترجع الواو إلى الياء، وكذلك إن نقلتها إلى الرّباعي ترجع الواو إلى الياء، فشابهت بذلك الألف التي أصلها الياء، فأمالها الكسائي وحده على هذا التشبيه. وحسنت

стр. 235

إمالتها، لأن بعدها وقبلها، ما أصل ألفه الياء، فأتبعت لفظ ما قبلها وما بعدها، من الألفات الممالات اللواتي أصلها الياء. وحسن ذلك أيضا لأنها لغة لبعض العرب، يحملون الإمالة في ذوات الواو على حكم ذوات الياء في الأفعال خاصة، فتفرّد الكسائي بإمالتها، وقرأها أبو عمرو بين اللفظين، وفتح الباقون (١). «١١» فإن قيل: فلم أمال حمزة والكسائي «العلى» (٢) وهو من «العلو» والألف ثالثة؟ فالجواب أن «العلى» جمع «علياء» وأصل الياء في «العلياء» الواو، لأنه من «العلو»، لكنها ردّت إلى الياء، لأنه صفة، والصفة أثقل من الاسم، والياء أخفّ من الواو، فردّت إلى الياء للخفّة، كما قالوا: دنيا، وهو من «الدنو». وحق الجمع أن يتضمن باقي الواحد من الحروف، فبقيت الياء التي في «علياء» على حالها في الجمع، وهو «العلى»، فأميل لذلك. وأيضا فإن الواحد، وهو «العلياء» يمال لألف التأنيث، فجرى الجمع في الإمالة على ذلك، وإن لم تكن فيه ألف التأنيث للإتباع. وأمال الكسائي من الأسماء ذوات الواو «والربا» حيث وقع، و «الضحى، وضحاها» (٣) ووافقه حمزة على ذلك في هذه الأسماء خاصة (٤). وعلة إمالتهما لذلك، أن لغة كثير من العرب أن يثنّوا ما كان من الأسماء من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسورة بالياء، فيقولون في تثنية: ربا، ربيان، وفي: ضحى، ضحيان. والعرب تفرّ من الواو إلى الياء في

стр. 236

كثير من الكلام، نحو: ميّت، وهيّن، ومرضي (١). وشبهه كثير، فأمالوا هذه الأفعال من ذوات الواو، والأسماء، فرارا من الواو إلى الياء، فأتوا بلفظ يدلّ على الياء، وهو الإمالة، فرارا من الواو (٢)، والفتح أكثر وأصوب، وهو الأصل. *** «١٢» الثالث من علل الإمالة المتقدمة الذكر هو الإمالة للإمالة. وذلك نحو: «رأى، ورآه، ورآك» (٣)، أميلت الألف التي بعد الهمزة، لتقرب من أصلها وهو الياء، وأميلت فتحة الهمزة، ليوصل بذلك إلى إمالة الألف، وأميلت الراء، لإتيان حرفين ممالين بعدها، ومثله: «ونأى بجانبه» في الموضعين (٤) إذا أميلت النون. ومنه وقف حمزة على: «تراءى الجمعان» يقف على ألف بعد الهمزة (٥)، أصلها الياء، لأنه من «رأى»، فيميل الألف ليقربها من أصلها، ولا تتمكن الإمالة في الألف، حتى تميل ما قبلها نحو الكسر، وهو الهمزة المفتوحة، ومن شأنه تخفيف الهمزة في الوقف، فيخفّفها بعد ألف ممالة، فتصير همزة ممالة بين الهمزة الممالة عن الفتح، وبين (٦) الألف الممالة، وقد كان في وصله، يميل الألف

стр. 237

التي بعد الراء لإمالة حرفين بعدها، ولم يعتدّ بحذف الألف الأخيرة، لأنه عارض، فأبقى الإمالة في الراء والألف التي بعدها، لبعدهما من المحذوف، ولم يمكنه إمالة الألف التي بعد الراء، لإمالة ما بعدها، حتى يميل فتحة الراء إلى الكسر، فقويت الإمالة في الألف التي بعد الراء، لإتيان حرفين ممالين بعدها، وهما الهمزة والألف التي بعدها، [ولذلك ثبت الإمالة في الوصل في الراء والألف التي بعدها] (١) مع سقوط الإمالة من الهمزة، لذهاب الألف التي بعدها، لالتقاء الساكنين، وقوي ثبات ذلك لبعده من المحذوف آخرا. وهذه كلمة تجتمع فيها في وقف حمزة أربعة أحرف ممالة متوالية: الراء، والألف التي بعدها (٢) والهمزة المخففة، والألف التي بعدها، ولا نظير له، فأما اجتماع ثلاثة أحرف ممالة فقليل نحو: «رأى، ونأى». وأكثر ما تقع الإمالة في حرفين: ساكن ومتحرك قبله. ووقف القراء كلّهم بالفتح، غير حمزة، كوصلهم، إلا الكسائي، فإنه إذا وقف أمال الهمزة، والألف التي بعدها، وفتح الراء، والألف التي بعدها، ويفتح جميع ذلك في وصله كسائر القراء، ولم يمل الراء، والألف التي بعدها، غير حمزة في وصله ووقفه. وقد أفردنا هذا الحرف بعلله واختلافه في كتاب مفرد (٣). ***

стр. 238

باب جامع في الامالة بعلله «١» قال أبو محمد: إن سأل سائل فقال: هلا أمالوا «على، وإلى، ولدى، وحتى» لأنهن كتبن في المصحف بالياء كما أمالوا: «قضى، ورمى، ورضى، وسعى» (١). ونحوه، لأنهن كتبن في المصحف بالياء؟ فالجواب: أن «قضى، ورمى، وسعى» [وشبهه] (٢) إنما كتبن بالياء، لأن أصل ألفهن الياء، فدلّ الخط على الأصل، فأملن لتدلّ الإمالة على الأصل، وليتبع الخط. فأما ألف «على، وإلى، ولدى» فليس لهن أصل في الياء، إنما كتبن بالياء، لانقلاب ألفهن مع المضمر إلى الياء في اللفظ، تقول: «عليه، وإليه، ولديه» فكتبن على الانفراد بالياء اتباعا لاتصالهن بالمضمر. وأيضا فإن «إلى، وعلى» حرفان، والحروف لا أصل لهن في الإمالات، إذ لا أصل لألفهن في الياء. و «لدى» ظرف غير متمكن بمعنى «عند» ألفه مجهولة، لو سمي به لكانت تثنيته بالواو، وكذلك «إلى» لو سمي به. قال الأخفش: لو سميت ب «لدى وإلى» لقلت في التثنية: «لدوان، وإلوان»، ومثله «على» لو سميت به. فهذا يدلك على امتناع الإمالة في «إلى، وعلى، ولدى»، سميت بذلك أو لم تسم. فقد فارق هذا علة امتناع «قضى، ورمى، وسعى». وقد قيل: إنما كتبت «على، وإلى، ولدى» بالياء، لأنهن أشبهن في حال كونهن مع المضمر التثنية في قوله: «غلاميه، وزيديه»،

стр. 239

وقيل: أشبهت (١): «قضيت، ورميت» في انقلاب الألف إلى الياء مع المضمر، تقول: «قضى، ورمى» بلفظ الألف كما تقول: «على، وإلى، ولدى» بلفظ الألف، فإن أضفت إلى مضمر قلت: «قضيت، ورميت، وإليك، وعليك، ولديك». والياء في الخط في: «على، إلى، ولدى» ليس بأصل لهن، وإنما هو على التشبيه بما ذكرنا، فلم يحكم لهن بالإمالة، كما حكم للذي شبّهن به. فأما «حتى» فإنها حرف، ألفها مجهولة لا أصل لها في البناء، فامتنعت من الإمالة لذلك، لكن كتبت بالياء، لأنها كانت رابعة، وقيل إنما كتبت بالياء لأن أصلها «حتّ» ثم زيدت الألف فيها، فأشبهت الألف (٢) الزائدة في: «معزى، وعلقى»، وقيل: إنما كتبت ليفرّق بين دخولها على المضمر والظاهر، وإذا دخلت على المضمر كتبت بالألف تقول: «حتاك، وحتاي، وحتاه» فلا تكتب إلا بالألف، وإن قلت: «حتى زيد، وحتى عمرو» كتبت بالياء، للفرق بين حالها مع المضمر، وحالها مع المظهر. وكان المضمر أولى بالألف، لأن الإضمار يردّ الأشياء إلى أصولها. وقد روي إمالة «حتى» عن بعض القراء (٣)، ولم أقرأ به (٤). «٢» فإن قيل: فلم أجمعوا على فتح «افتراء» وقد أمالوا «افترى» (٥)؟ فالجواب أنهم أمالوا «افترى» لأن الألف أصلها الياء، تقول: «افتريت، وافترى، يفتري»، وتقول: «الفرية»، فتجده كله بالياء، فتميل لتدل بالإمالة على الأصل، وعلى الخط لأنه بالياء في الخط. وأما «افتراء»

стр. 240

فإن الألف فيه زائدة، لا أصل لها في ياء ولا واو، والألف التي كانت في «افترى» انقلبت همزة في «افتراء»، فألف «افترى» هي الهمزة في «افتراء»، فلا سبيل إلى إمالتها لتغيّرها عن حالها وأصلها، ولا سبيل إلى إمالة الألف التي قبلها، إذ لا أصل لها في الياء. ومثله الجواب عن فتحهم ل «أهواء»، وإمالتهم ل «هوى» (١) الهمزة في «أهواء» هي الألف [التي] (٢) في هوى، والألف زائدة، لا أصل لها في الياء، فلا سبيل إلى إمالتها. ومن ذلك فتحهم ل «مراء» وإمالتهم ل «تتمارى» (٣)، فالهمزة في «مراء» هي الياء في «تتمارى»، فافهمه. فلذلك لم يمل. ومثله إمالتهم ل «اعتدى» ولا يميلون «اعتداء» (٤) لأن الألف في «اعتدى» صارت همزة في «اعتداء» فافهمه. «٣» فإن قيل: فلم فتح حمزة وغيره «وخافون» وهو يميل «خاف» (٥) حيث وقعت؟ فالجواب أنه أمال «خاف» لعلتين: إحداهما أن يدلّ بالإمالة على أنه فعل، وأصله «خوف» فدلّت الإمالة على كسرة الواو في الأصل، والعلة الأخرى أنه أمال لتدل الإمالة على كسر الخاء في الإخبار، إذا قلت: خفت، ألا ترى كيف فتح «مات» لأنه فعل بالفتح، ولأن الإخبار بضم الميم في أكثر اللغات. وأما «وخافون» فهو فعل مستقبل لا أصل له في الكسر، بل هو مفتوح الواو في قولك «يخاف» لأن أصله «يخوف» ولأنك إذا أخبرت عن نفسك

стр. 241

في المستقبل قلت: أخاف، فأوله مفتوح، ولا سبيل إلى إمالته، لامتناع وجود إحدى العلتين فيه. ومثله «يخاف، ويخافا» (١) وشبهه لا يمال لما ذكرنا. «٤» فإن قيل: لم أمال أبو الحارث «رؤياي» مثل الدّوري ولم يمل «رؤياك» (٢)؟ فالجواب أنه لما كانت «رؤياي» في موضع خفض أمالها في قوله: «رؤياي، وتأويل رؤياي» (٣)، ولمّا كانت «رؤياك» في موضع نصب لم يملها للفرق بين ما هو في موضع خفض، وما هو في موضع نصب. «٥» فإن قيل: لم فتح حمزة ياءات «الرؤيا» كلها، وألفها ألف تأنيث؟ فالجواب أنه فتح لأن تقريب الياء إلى الكسر ثقيل، ففتح للاستخفاف، لأن الفتح على الياء أخفّ من الكسر، مع أن الهمزة قبل الياء فيه ثقيلة، فلمّا اجتمع علتان فتح. «٦» فإن قيل: لم لم تمل ألف التثنية عند القراء، وهي تنقلب ياء في النصب والخفض، وذلك نحو قوله: «اثنتا عشرة، وقال رجلان» (٤) وشبهه؟ فالجواب أن ألف التثنية إنما هي حرف إعراب، أو دلالة على الإعراب زائدة، لا أصل لها في الياء، وإنما انقلبت ياء في النصب والخفض لتدل على الإعراب، فليس انقلابها علة تدل على أصلها، إذ لا أصل لها في الياء، وإنما انقلابها ياء تدلّ به على النصب والخفض لا غير، فلمّا كانت ألف التثنية، لا أصل لها في الياء، لم تجز الإمالة فيها عند القراء، وقد تجوز في الكلام لعلة غير هذا.

стр. 242

وقد (١) حكي إمالة «الزيدان» للياء التي قبل الألف، وإمالة «كيال، وبياع» جعلوا الياء كالكسرة في «جمال، وسناد» إذ أمالوا الألف للكسرة، وكذلك أمالوا «شيبان، وغيلان». ولا يعتدّون بالحرف الذي حال بين الألف والكسرة، على ما تقدم ذكره في إمالة «كلاهما»، ولم يمل هذا النوع أحد من القراء، وعلى ذلك أجمعوا على فتح «يخافا، وخانتاهما» (٢) وشبهه لأن الألف الأخيرة زائدة، تدلّ على التثنية في الفعل، لا أصل لها في ياء ولا واو (٣). «٧» فإن قيل: فلم ترك القراء إمالة «أول كافر به» المخفوض وبعد الألف كسرة، وراء مكسورة، وأمالوا «الكافرين (٤)»؟ فالجواب أن من أمال «الكافرين» أماله للكسرة في الفاء، ولكسرة الراء اللازمة لها، وللياء التي بعد الراء، فقويت الإمالة لتكرير الكسرات، ولم يكن ذلك في «كافر» لأن كسرة الراء (٥) عارضة في الخفض خاصة، ثم تزول في الرفع والنصب، فلمّا لم تثبت كسرة الراء ضعف عن مشابهة «الكافرين»، ففتح «كافر» لذلك، ولم يمل، وإمالته حسنة جائزة في الخفض، لكن لم يفعله أهل الإمالة من القراء، وعلته ما ذكرت لك. «٨» فإن قيل: فما بال أهل الإمالة لم يميلوا «مارد، وطارد، ومشارب، وبارد، ولا تمار، ومارج» (٦) ونحوه؟

стр. 243

فالجواب أنهم عدلوا إلى الفتح في ذلك، لأنه الأصل، ولأنه ليس فيه من الإمالة (١) اتباع خط، ليجمع بين اللغتين، ولأن ما أتى على أصله لا يجب أن يقال فيه: لم أتى على أصله، والفتح هو الأصل، وإنما يعلل ما خرج على أصله بإمالة أو غيرها، والإمالة فيه جائزة، لكن لم ترو عن أحد من القراء علمته (٢). «٩» فإن قيل: فلم أمالوا «متى، وأنى، وبلى» وليست (٣) بأسماء ولا أفعال؟ فالجواب أن «متى، وأنى» ظرفان، فهما أدخل في الأسماء من كونهما في الحروف، ولما كتبا في المصحف بالياء أميلا، لتدلّ الإمالة على أن حكمهما (٤) حكم الأسماء الممالة، وأنهما في الخط بالياء. فأما «بلى» فهو حرف، لكن أصلها «بل» ثم زيدت الألف للوقوف عليها فأشبهت ألف التأنيث [فأميلت كما تمال ألف التأنيث] (٥). وقد قيل: إنها ألف تأنيث على الحقيقة، دخلت لتأنيث الأداة، أو لتأنيث الكلمة أو لتأنيث اللفظة، كما دخلت التاء في «ثمّت، وربّت، ولات» لتأنيث الكلمة أو اللفظ (٦). ***

стр. 244

باب من الوقوف على الممال «١» إذا كانت الإمالة جيء بها، لتدلّ على الأصل، فالإمالة لازمة في الوقف كالوصل، نحو إمالة «رمى، وسعى، وقضى» (١) وشبهه، ممّا أميل ليدلّ على أن أصل الألف ياء. وإذا كانت الإمالة لكسرة ملفوظ بها قبل الألف، فكذلك الإمالة في الوقف كالوصل، لأن الكسرة لم تتغيّر نحو «كلاهما» (٢)، وإذا كانت الإمالة لكسرة مقدرة فكذلك الإمالة في الوقف كالوصل نحو: «خاف، وزاد» (٣) لأن الكسرة منوية في الوقف كالوصل. وإذا كانت الإمالة لكسرة بعد الألف ثم وقفت بالروم ضعفت الإمالة قليلا، لضعف الكسرة التي أوجبت الإمالة، نحو «النهار، والنار» (٤)، فإن كنت تقف بالإسكان زالت الإمالة عند بعض القراء لزوال الكسرة، كما زالت الإمالة من السين في «موسى الكتاب»، ومن الراء في «النّصارى المسيح» (٥) لذهاب الألف التي من أجلها أميلت السين والراء، وبعضهم يبقي الإمالة في ذلك كله، على ما كانت عليه في الوصل، لأن الوقف عارض، ولأن الإمالة سبقت إلى لفظ الحرف الممال قبل الوقف. فبقي على حاله وعلى هذا القول العمل، ويلزم من اعتلّ بهذا أن يبقي الإمالة في فتحة السين والراء من «موسى الكتاب، والنصارى المسيح» في الوصل، لأن

стр. 245

الحذف عارض، ولأن الإمالة سبقت إلى لفظ السين والراء، قبل حذف الألف، وهو لا يفعل ذلك، وإن زال الحرف الممال بعده ذهبت الإمالة من الحرف، الذي قبل المحذوف، لزوال ما أوجب الإمالة. وقد كان يلزم من أمال، مع سكون الكسرة التي أوجبت الإمالة في مثل «النار، والنهار»، أن يبقي السين والراء من «موسى الكتاب، والنصارى المسيح» على إمالتهما، ولعمري إن بينهما فرقا قويا، وذلك أن المحذوف في «موسى الكتاب» هو الحرف الممال، والمحذوف في الوقف على «النار» هي الكسرة، التي أوجبت الإمالة، والحرف الممال باق لم يحذف، فلا (١) يشتبهان. «٢» فإن قيل: فما الفرق في الوقف على إمالة النون والألف من «النار» في الوقف مع إسكان الراء التي أوجبت كسرتها الإمالة، وبين زوال الإمالة من السين من «موسى الكتاب» لزوال الألف التي أوجبت الإمالة؟ فالجواب أن قولك: «في النار» يمكن سبق الإمالة في النون والألف ثم لفظ بالرّاء المكسورة بكسرة أوجبت الإمالة، قبل اللفظ بها، لتقديرها والنية بها، ثم أسكنت الراء، للوقف بعد تمكّن الإمالة في حرفين، والراء التي كانت عليها الكسرة ملفوظ بها لم تحذف. وقولك «موسى الكتاب» إنما أميلت السين لإمالة الألف، فالألف قد زالت بكليتها، وقد كانت كالراء التي هي ثابتة. فلمّا زالت الألف زالت الإمالة عن السين، ولا يلزم ذلك في النون والألف، إلا لو زالت الراء بكليتها، فلمّا لم تزل الراء بنفسها، إنما زالت حركتها، بقيت الإمالة في النون والألف على حالها قبل الوقف. «٣» فإن قيل: كيف الحكم في الوقف على ما دخل التنوين فيه على ألف أصلها الياء نحو: «قرى، ومفترى، ومصلى، وعدى» (٢) وشبهه؟

стр. 246

فالجواب أن مذهب أبي الطيب، ﵀، فيه أن يقف بالإمالة عليه. وعلته في ذلك أن ما كان منه في موضع رفع أو خفض، فلا تعويض من التنوين فيه. فالوقف على الألف الأصلية بالإمالة (١) لتدلّ الإمالة على أصلها، وذلك نحو: «سحر مفترى» (٢) هذا في موضع رفع، ونحو: «عن مولى» (٣) هذا في موضع خفض، والتنوين لا يعوّض منه شيء في الرفع والخفض. فالوقف على الألف الأصلية التي هي عوض من الياء [بالإمالة لأن] (٤) الإمالة لازمة فيه. وأما ما كان في موضع نصب فالوقف عليه أيضا عند الشيخ أبي الطيب بالإمالة. وعلّته في ذلك، أنك لمّا وقفت عوّضت من التنوين ألفا، وقبلها ألف أصلية عوض (٥) من الياء الأصلية، فحذفت الثانية لالتقاء الساكنين، وبقيت الأولى، وهي الأصلية، وكان بقاء الأصل أولى من بقاء الزائد، فأميلت في الوقف، لأنك تقف على ألف، أصلها الياء. وقد قال قوم: إن الموقوف عليه في هذا الألف، التي هي عوض من التنوين، لأن الألف الأصلية قد كان أذهبها التنوين، فلا رجوع لها مع وجود التنوين، أو وجود ما هو عوض من التنوين، وأيضا فإن الحذف للساكنين إنما يحذف فيه الأول أبدا. وأيضا فإن التنوين دخل بمعنى دليل الانصراف، ولا يحذف ما يدلّ على المعنى. فالوقف على الألف التي هي عوض من التنوين في حال النصب، فلا إمالة فيه على هذا القول، وذلك نحو: «غزى، ومصلى، وقرى» كله في موضع نصب، والذي قرأنا به هو الإمالة في الوقف في هذا كله على حكم الوقف على الألف الأصلية، وحذف ألف التنوين (٦).

стр. 247

«٤» فإن قيل: كيف الوقف على قوله: ﴿طَغَى الْماءُ﴾ «الحاقة ١١» والألف في «طغى» يحتمل أن تكون من الواو لقولهم: «طغوت، وطغوا، وطغوا»؟ فالجواب أن الوقف عليه بالإمالة لحمزة والكسائي، وحجة ذلك أنهما لما نقل عنهما قوله تعالى: ﴿اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ «طه ٤٣» بالإمالة علم أنهما يقدّران أن الألف منقلبة عن ياء على لغة من يقول: طغيت، بالياء، ولقوله: «طغيان»، فلما ظهر مذهبهما فيما ليس بعده ساكن حكم بذلك، فيما وقع بعده ساكن، فأجري على الإمالة مجرى ما ليس بعده ساكن، ولو كان «طغى الماء» عندهما من «طغوت» لم يميلا «إنه طغى»، وأيضا فإنه لمّا التبس قوله: «طغى الماء» وجاز أن يكون من «طغوت» ومن «طغيت» حمل على ما ليس بعده ساكن، وهو إمالتهما لقوله: «إنه طغى»، وعلم أن ذلك عندهما من «طغيت» «٥» فإن قيل: كيف الوقف على «كلتا» من قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ «الكهف ٣٣»؟ فالجواب أنك إن جعلت ألف «كلتا» ألف تثنية على مذهب الكوفيين فالوقف عليها بالفتح، لأن ألف التثنية لا تمال، إذ لا أصل لها في الياء. وقد قدّمنا الكلام على ذلك. وإن قدّرت أن ألف «كلتا» ألف تأنيث على مذهب البصريين، وقفت بالإمالة، لأنها عندهم «فعلى» ك «ذكرى» والتاء بدل من واو، وأصلها «كلوا»، وهذه أحرف نأخذ فيها بالوجهين، لاحتمالهما الوجهين اللذين ذكرنا (١)، وهذا الباب واسع يقاس عليه ما لم نذكر. ***

стр. 248

باب علل امالة ما قبل هاء التأنيث «١» اعلم أن هاء التأنيث أشبهت الألف التي للتأنيث من خمس جهات: إحداها قرب المخرج من الألف، والثانية (١) أنها زائدة كألف التأنيث، والثالثة (١) أنها تدلّ على التأنيث كالألف، والرابعة (١) أنها تسكن في الوقف كالألف، والخامسة (١) أن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا كالألف، إلا في موضع واحد، لزمت لفظ الهاء في الوصل والوقف، فكسر ما قبلها على التشبيه بهاء الإضمار، وذلك كقولك: هذه، ولأن أصل الهاء ياء في هذي، فلمّا تمكّن الشبّه في الوقف بالسكون أجراها الكسائي مجرى الألف في الوقف خاصة، فأمال ما قبلها من الفتح، فقرّبه من الكسر كما يفعل بألف التأنيث، إلا أن الف التأنيث تقرّب في الإمالة نحو الياء، وليست كذلك الهاء. فإن وصل فتح، لأنها تصير تاء، فلا تشبه حينئذ الألف، فلذلك حسن الوقف بالإمالة، وذلك نحو: «حبة، ودابة» (٢) وشبهه، تقف بالإمالة عليه للكسائي (٣). «٢» فإن سأل سائل فقال: لم فتح ما قبل هاء التأنيث ولزمه الفتح، وقد كان قبل دخول هاء التأنيث يجري عليه الإعراب، فلمّا دخلت هاء التأنيث لزم الفتح، وإلا لزم السكون لزوال الإعراب عنه إلى هاء التأنيث؟ فالجواب أنك إذا قلت: «قائم، وصائم» (٤) جرى الإعراب في الميم، فإذا

стр. 249

أدخلت هاء التأنيث انتقل الإعراب على الهاء فقلت: «قائمة، وصائمة» وكذلك ما أشبهه. فلمّا كان الحرف الذي عليه الإعراب، قبل دخول هاء التأنيث، قد يكون ما قبله ساكنا في نحو: «نعمة، ورحمة» وشبهه، لم يسكن إسكانه، ووجبت حركته، فاختير له الفتح لمشابهة هاء التأنيث الألف التي للتأنيث، التي لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وكان الفتح أولى به لخفّته، ولأن الهاء زائدة، فلم يجمعوا على الاسم الزيادة مع حركة ثقيلة، فجعلوها حركة خفيفة، وهي الفتح، فلزم ما قبلها الفتح، كما لزم ما قبل الألف. وأيضا فإن الفتح من موضع خروج الهاء، لأنه من الألف، والهاء من مخرج الألف، فكان أولى بحركة ما قبلها لذلك. ولمّا كانت الهاء في هذه بدلا من ياء، وخالفت الهاء سائر هاءات التأنيث، إذ لا ترجع في الوصل تاء، خولف بينها، وبين سائر هاءات التأنيث، فكسر ما قبلها، ولا نظير لها. وقد قال جماعة من البصريين: إن الهاء إنما فتح ما قبلها لأنها بمنزلة اسم، ضمّ إلى اسم، ففتح ما قبلها كما فتح ما قبل عشر من «خمسة عشر» وكما قالوا: شغر بغر، أي: متفرقون. وقال ثعلب لمّا نحي بهاء التأنيث نحو ألف التأنيث لزم ما قبلها الفتح كالألف، وجازت الإمالة فيها كالألف. فأما علة [فتح] ما قبل هاء التأنيث في اختيار ابن مجاهد، إذا كان قبل الهاء حرف من حروف الاستعلاء أو عين أو حاء، فإن هذه الحروف حروف مستعلية في الحنك، ومنها حرف الإطباق، ينطبق اللسان بالحنك مستعليا عند

стр. 250

حروفها، فكره [ابن مجاهد] (١) أن ينحى بهذه الحروف نحو الكسرة بعد استعلائها وتصعّدها وانطباقها بالحنك. فكان الفتح أولى بها، لأنه أشبه بحالها من الكسر، لأن الكسر ضد حالها، وحروف الاستعلاء سبعة: الغين، والخاء، والقاف، والطاء، والظاء، والصاد، والضاد،. وكذلك اختيار القراء الفتح مع الراء، إذا انفتح ما قبلها، أو كان ساكنا غير الياء، قبله فتحة، لأن الراء حرف تكرير، الفتحة عليه قوية، كأنها فتحتان، فإذا انفتح ما قبلها، أو انفتح ما قبل الساكن الذي قبلها، تقوّى الفتح فيها، وصار كأنّ قبل هاء التأنيث ثلاث فتحات. فبعد أن ينحى بذلك نحو الكسرة لتمكّنه في الفتح. وكذلك اختاروا الفتح فيما قبل هاء التأنيث، إذا كان همزة أو هاء، قبلها فتحة أو ضمة، أو ساكن غير الياء، ليس قبلها كسرة، نحو: «سفاهة، والنشأة، ومحشورة، وبررة» (٢)، كلّ هذا الاختيار فيه الفتح. وعلة ذلك أن الهمزة والهاء من حروف الحلق، وحروف الحلق بعيدة من الكسر، لبعدها من الياء، قوية في الفتح، لقربها من الألف. وكذلك الحاء والعين فيما ذكرنا أولا، فلمّا كانت كذلك قوي الفتح وبعد الكسر، فتركت على فتحتها، واختير ذلك فيها. فإن انكسر ما قبلها، أو كان ياء قويت الإمالة، وجازت، واستعملت في قراءة الكسائي، لأن الكسرة والياء توجبان الإمالة فسهلا إمالة ما بعدهما وحسناه نحو: «بالخاطئة، وفاكهة، والآخرة» (٣)، وكان أبو الطيب ﵀ يقول: إذا وقع قبل الهمزة ساكن أمال الكسائي الهمزة في الوقف، ولا يسأل عن حركة ما قبل الساكن، غير أنه استثنى «براءة» بالفتح في الموضعين (٤). وقد أضاف قوم امتناع الإمالة مع الكاف، لقربها من القاف، ومذهب أبي
следующие страницы →