← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر. فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحام، فإن أعدت الخافض حسن. وقرأ الباقون «والأرحام» بالنصب على العطف على اسم الله حلّ ذكره، على معنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ويجوز أن يكون معطوفا على موضع (١) الجار والمجرور، لأن ذلك في موضع نصب، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، لأن معنى «مرت بزيد» لابست زيدا، فهو في موضع نصب، فحمل «والأرحام» على المعنى، فنصب، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وهو المستعمل، وعليه تقوم الحجة، وهو القياس، وعليه كل القراء (٢). «٣» قوله: ﴿قِياماً﴾ قرأه نافع وابن عامر «قيما» بغير ألف، وقرأ الباقون «قياما» بألف. «٤» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله جمع «قيمة» ك «ديمة وديم»، ودل على أنه جمع «قيمة»، وليس بمصدر أنه اعتل، ولو كان مصدرا لم يعتل، ك «العور والحول»، فالمعنى: أموالكم التي جعل [الله] (٣) لكم قيمة لأمتعتكم ومعايشكم. وقد قيل: إن قيما مصدر، بمعنى القيام، لغة فيه، من: قام بالأمر قام به، ومنه: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ «البقرة ٣» أي يدومون عليها. وعلى ذلك قوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ «الأنعام ١٦١» في قراءة من خفّف، أي: دائما ثابتا لا ينسخ بغيره كما نسخت الشرائع قبله، فهو مصدر صفة ل «الدين». ولو كان جمع «قيمة» لصار معناه: دينا معاد لا بغيره، وهذا لا يصحّ، لأن الإسلام لا يعدله شيء. وإنما اعتلّ لأنه اتبع فعله فأعل.

стр. 422

«٥» وحجة من قرأ بالألف أنه جعله مصدرا، قام يقيم قياما، على معنى: أموالكم التي نقيمكم طلبها وجمعها. قال أبو عبيد: «قياما» مصدر يقيمكم، ويجيء في معناها «قوام» غير معتل. وقد حكى الأخفش: طيال وطوال، في جمع «طويل». قال الأخفش في المصدر ثلاث لغات: القوام والقيام والقيم (١). *** فصل «٦» وقد ذكرنا إمالة «ضعافا» وعلته (٢)، ونزيد هنا بيانا. اعلم أن الإمالة فيه حسنة مع حرف الاستعلاء في «ضعافا»، لأن الذي تمتنع معه الإمالة لتصعده مكسور، وهو الضاد، فلم يعتدّ به، للكسرة التي هي عليه (٣) لأنها توجب الإمالة، لأنه لمّا انكسر تسفّل عن استعلائه وتصعّده بالكسر، الذي هو من الياء، فضعف تصعده عن منع الإمالة، فجازت الإمالة للكسرة، وحسن ذلك، لأنهم يميلون مع حرف الاستعلاء، وبين الممال، والكسرة حرف ساكن نحو: مقلاة، ومعطار، يقدّرون الكسرة، كأنها حرف الاستعلاء لسكونه. فإذا كانت الكسرة، على المستعلي نفسه، كان آكد في جواز الإمالة، وقد أمالوا «خاف» مع حرف الاستعلاء، وهو الخاء، ولا كسرة عليه، ولا قبله. فعلوا ذلك لطلب الدلالة على كسرة «خفت»، وليست الكسرة في الكلام. فإذا كانت الكسرة، موجودة في الكلام، كان أحسن في الجواز، ولم تمتنع العين من الإمالة، لانكسار ما قبلها.

стр. 423

«٧» قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر بضمّ الياء، على ما لم يسمّ فاعله، على معنى: يأمر الله من يصليهم سعيرا، فلم يضف الفعل إليهم في الحقيقة. إنما أقيموا مقام من له الفعل في الحقيقة، وقرأ الباقون بفتح الياء، أضافوا الفعل إليهم، كما قال: ﴿اصْلَوْهَا﴾ «يس ٦٤» فأضاف الفعل إليهم (١). «٨» قوله: ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً﴾ قرأه نافع بالرفع، ونصبه الباقون. «٩» وحجة من رفع أنه جعل «كان» تامة بمعنى: حدث ووقع، ويقوّي (٢) ذلك أنه لمّا كان القضاء، في إرث الواحدة لا في نفسها، وجب أن يكون التقدير: فإن وقع أو حدث إرث واحدة، أو حكم واحدة، ونحوه، وقد كان يلزم الرفع في «نساء» في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً﴾ إلا أنه جمع بين المذهبين والمعنيين، فأضمر الاسم مع «نساء» وترك الإضمار مع واحدة، والقياس واحد. «١٠» وحجة من نصب أنه جعلها «كان» هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر الداخلة على الابتداء والخبر، فأضمر اسمها فيها، ونصب «واحدة» على الخبر، ووفّق في ذلك بين آخر الكلام وأوله، ألا ترى أن أوله «فإن كن نساء» فنصب، وأضمر في «كان» اسمها، فلمّا أجمع على النصب في «نساء» أجرى «واحدة» على ذلك، لأن الآخر قسيم الأول، فجرى على لفظه وحكمه، لأنه تعالى ذكر جماعة البنات وحكمهن في ميراثهن، ثم ذكر حكم الواحدة في ميراثها، فجرت الواحدة في الإعراب مجرى الجماعة، لأن قبل كل واحد منهما «كان»، والتقدير: فإن كان المتروكات نساء، وإن كانت المتروكة واحدة. وإن أضمرت الوارثات والوارثة فالمعنى واحد، والنصب الاختيار، ليتألف آخر الكلام بأوله، وعليه جماعة القراء (٣).

стр. 424

«١١» قوله: (فلأمه، في أمها، و ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ (١) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، في المفرد والجمع، في الوصل خاصة، وتفرّد حمزة بكسر الميم مع الهمزة في الجمع، وذلك حيث وقع، وذلك إذا كان قبل الهمزة كسرة أو ياء، وقرأ ذلك كله الباقون بضم الهمزة، وكلهم ضمّ الهمزة في الابتداء. «١٢» وحجة من كسر الهمزة أنه اسم كثر استعماله، والهمزة حرف مستثقل بدلالة ما أجازوا فيها من البدل والتخفيف والحذف ونقل الحركة، دون غيرها من سائر الحروف. فلمّا وقع أول هذا الاسم، وهو «أم» حرف مستثقل، وكثر استعماله، وثقل الخروج من كسر، أو ياء، إلى ضم همزة، وليس في الكلام «فعل»، فلمّا اجتمع هذا الثقل أرادوا تخفيفه، فلم يمكن فيه الحذف، لأنه إجحاف بالكلمة، ولا أمكن تخفيفه، ولا بدله، لأنه أول، فغيروه بأن أتبعوا حركته حركة ما قبله، ليعمل اللسان عملا واحدا، والياء كالكسرة، فإذا ابتدؤوا ردّوه إلى الضم، الذي هو أصله، إذ ليس قبله في الابتداء ما يستثقل. وقد فعلوا ذلك في الهاء في «عليهم وبهم» أتبعوا حركته حركة ما قبلها، وأصلها الضم، والإتباع في كلام العرب مستعمل كثير. «١٣» وحجة من كسر الميم مع الهمزة في الجمع أنه أتبع حركة الميم حركة الهمزة، كما قالوا «عليهي» وكسروا الهاء للياء، وأتبعوا حركة الميم حركة الهاء. فمن قال «عليهمي» بكسر الهاء والميم، هو بمنزلة من كسر الهمزة والميم في قوله: ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ «النحل ٧٨»، ومن كسر الهاء وضمّ الميم في «عليهمو» هو بمنزلة من كسر الهمزة وفتح الميم، في قوله: ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾، ومن ضم الهمزة وفتح الميم في «بطون أمهاتكم»، وهو الأصل، بمنزلة من قال «عليهمو» بضم الهاء والميم، فهو الأصل، إلا أن تغيير الهاء، مع الكسرة والياء، أقوى وأكثر وأشهر من تغيير الهمزة مع الياء والكسرة، وذلك لخفاء الهاء وجلادة الهمزة.

стр. 425

«١٤» وحجة من ضمّ الهمزة وفتح الميم أنه أتى به على الأصل، فلم يحدث تغييرا في الهمزة، لأنها ليست خفية كالهاء في «عليهم وبهم» وأيضا فإن ذلك لا يلزم في كل مضمومة، قبلها ياء أو كسرة، فجرت اللام على ما جرى عليه سائر الكلام، من ترك الهمزة على أصلها، وهو الضمّ، ألا ترى أنهم يقولون: في أخيك حسن، ويا هؤلاء أف لكم، وفي أناس، ونحوه، فلا يجوز تغيير ضمة الهمزة، فكذلك همزة «أم» وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الجماعة عليه، ولاتفاقهم على الضم في الابتداء، فجرى الوصل على ذلك. فأما الميم فالفتح أصلها (١). «١٥» قوله: ﴿يُوصِي بِها﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر «يوصي» الأول بفتح الصاد، ووافقهم حفص على الفتح في الثاني، وقرأهما الباقون بكسر الصاد. «١٦» وحجة من كسر أنه لمّا تقدم ذكر «الميت»، والمفروض في تركته أضاف الفعل إليه، لأنه هو الموصي، كأنه قال: من بعد وصية يوصي الميت بها. ففيه تخصيص للمذكور الميت. «١٧» وحجة من فتح أنه لمّا كان هذا الحكم ليس يراد به واحد بعينه، إنما هو شائع في جميع الخلق، أجراه على ما لم يسم فاعله، فأخبر به عن غير معين، فأما قراءة حفص فإنه جمع بين اللغتين، واتّبع ما قرأ به على إمامه (٢). «١٨» قوله: (يدخله، ويدخله) قرأهما نافع وابن عامر بالنون، ومثله موضعان في الفتح «يدخله، ويعذبه» وفي التغابن: (يكفر عنه، ويدخله) (٣) وفي الطلاق: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ «١١»، وقرأ الباقون بالياء في السبعة.

стр. 426

«١٩» وحجة من قرأ بالنون أنه أخرج الكلام على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه، بعد لفظ الغيبة، وذلك مستعمل كثير، قال الله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾ «العنكبوت ٢٣» فجرى الكلام على لفظ الغيبة ثم قال: (أولئك يئسوا من رحمتي) فرجع بالكلام إلى الإخبار من الله عن نفسه، فكذلك هذا. وقال تعالى ذكره: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ «آل عمران ١٥٠» فأتى الكلام على لفظ الغيبة، ثم قال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ﴾ «١٥١» فرجع الكلام إلى الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه. «٢٠» وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّ آخر الكلام على أوله، فلمّا أتى أوله بلفظ الغيبة في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، و ﴿مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: «يعذبه، ويدخله، ويكفر» بلفظ الغيبة، ليأتلف الكلام على نظام واحد، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه، ولأنه أليق بسياق الكلام (١). «٢١» قوله: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها﴾ قرأ ابن كثير بتشديد النون، ومثله «هذان، وهاتين، وفذانك، واللّذين» (٢)، ووافقه أبو عمرو على التشديد في «فذانك» خاصة، وقرأ ذلك (٣) الباقون بالتخفيف. «٢٢» وحجة من شدّد النون أن في ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنه شدد النون، ليكون التشديد عوضا من الحذف، الذي دخل هذه الأسماء المبهمة في التثنية، لأنه قد حذف ألف منها، لالتقاء الساكنين، وهما الألف التي كانت في آخر الواحد، وألف التثنية، فجعل التشديد في النون عوضا من المحذوف. الثاني أن التشديد وجب لهذه النون، للفرق بين النون، التي هي عوض من تنوين ملفوظ به في الواحد، نحو: زيد وعمرو [وبين النون التي] (٤) لا تنوين في الواحد

стр. 427

ملفوظ به، تكون النون عوضا (١) منه، والثالث أن النون شدّدت للفرق بين النون، التي تحذف للإضافة، وبين النون التي لا تحذف للإضافة، لأن المبهم معرفة، فهو لا يضاف ألبتة. وقد قيل إن التشديد في «فذانك» وجب على إدغام اللام في النون، وذلك أن أصله ذلك، ثم دخلت نون التثنية قبل اللام، فصار «ذانك» فأدغمت اللام في النون، على طريق (٢) إدغام الثاني في الأول. فوقع التشديد لذلك. ويجوز أن تكون النون، التي للتثنية، وقعت بعد اللام، ثم أدغمت اللام في النون، على إدغام الأول في الثاني، فوقع التشديد (٣) لذلك. «٢٣» وحجة من خفّف أنه أجرى المبهم مجرى سائر الأسماء، فخفّف النون، كما تخفف في كل الأسماء، وهو الاختيار، وعليه أتى كلام العرب، وهو المستعمل، وعليه أكثر القراء (٤). «٢٤» قوله: (كرها) قرأه حمزة والكسائي بالضم، وفتح الباقون، ومثله في التوبة والأحقاف (٥) غير أن ابن ذكوان وعاصما وافقاهما على الضم في الأحقاف خاصة، وقرأ ذلك الباقون بالفتح، وهما لغتان مشهورتان كالفقر والفقر والضعف والضعف والشهد والشهد. وقد قيل إن الكره، بالضمّ، المشقة، والكره بالفتح الإجبار، وقيل: الكره، بالضم، ما كرهته بقلبك، وبالفتح الإجبار، وقيل: الكره، بالضم، ما عملته وأنت كاره له من غير أن تجبر عليه، والكره، بالفتح، ما أجبرت عليه. وقال أبو عمرو: الكره بالضم، كل شيء يكره فعله، والكره، بالفتح، ما استكره عليه. وقال الأخفش: هما

стр. 428

لغتان، بمعنى المشقة (١) والإجبار (٢). «٢٥» قوله: (مبينة، ومبينات) (٣) قرأ ابن كثير وأبو بكر «مبيّنة» بفتح الياء، وكسرها الباقون. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي «مبيّنات» بكسر الياء، وفتح الباقون، وذلك حيث وقع. «٢٦» وحجة من فتح الياء أنه أجراه على ما لم يسم فاعله، أي يبين، أي يبينها من يقوم فيها وينكرها، ويبين الآيات أنها آيات، أي يبينها الله أنها آيات. «٢٧» وحجة من قرأ بكسر الياء أنه أضاف الفعل إلى الفاحشة، لأنها (٤) تبين عن نفسها أنها فاحشة يقبح فعلها، وتبين الآيات عن نفسها أنها آيات لإعجازها. و «الفاحشة» الزنا (٥) في قول الحسن والشّعبي، أي: إن زنت المرأة بزنى أخرجت للحدّ، وصلح الخلع. قال عطاء الخراساني (٦): هو منسوخ، كان الرجل إذا تزوج المرأة فأتت بفاحشة كان له أن يأخذ منها كل ما ساق إليها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال الضحّاك (٧) وقتادة: الفاحشة النشوز: إذا نشزت

стр. 429

عنه، كان له أن يأخذ منها الفدية ويدعها. وقيل: المعنى: «إلا أن يزنين» فيحبسن في البيوت. فهذا كان قبل النسخ بالحدود، وقيل: الفاحشة البذاء باللسان. وقيل: هي خروجهن من بيوتهم في العدة. وقد شرحنا هذه الآية في كتاب «الهداية» بغاية الشرح (١). «٢٨» قوله: (محصنات، والمحصنات) قرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن إلا قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ (٢) فإنه فتح الصاد فيه، وقرأ الباقون جميع ذلك بفتح الصاد. «٢٩» وحجة من كسر الصاد أنه أضاف الفعل إليهن، فجعلهن أحصن أنفسهن بالعفاف والحرية، نحو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ «النور ٤» أي العفائف الحرائر (٣)، وقوله: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ «الأنبياء ٩١» يراد به العفاف، أو بالتزويج نحو قوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ «النساء ٢٥» أي: تزوجن. أو بالإسلام نحو قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ «النساء ٢٥» فهن أحصن أنفسهن بعفاف أو بإسلام. «٣٠» وحجة من فتح (٤) الصاد أنه أجرى الفعل على ما لم يسم فاعله، فجعلهن أحصنهن غيرهن من زوج أو وليّ. وإنما خص الكسائي (والمحصنات من النساء) بالفتح لأنه نزل في ذوات الأزواج، حرّم الله وطأهن، واستثنى ملك اليمين من السبايا، فلمن سباهنّ وطوءهنّ بعد الاستبراء. وإن كنّ ذوات أزواج في بلدهن، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٥).

стр. 430

«٣١» قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بضم الهمزة، وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والحاء. «٣٢» وحجة من فتح أنه بنى الفعل للفاعل، وهو الله، لا إله إلا هو، وعطفه على ما قبله، مما أضيف الفعل فيه إلى الله جلّ ذكره في قوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ «النساء ٢٤» أي: كتب الله ذلك عليكم، وأحلّ لكم ما وراء ذلك. ف «ما» في موضع نصب. «٣٣» وحجة من ضم الهمزة أنه بنى الفعل، لما لم يسمّ فاعله على ما جرى من الكلام في أول الآية في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ «٢٣» على ما لم يسم فاعله، فطابق بين أول الكلام وآخره، فكأنه حرّم عليكم كذا وأحل لكم كذا، فهذا أليق بتجانس الكلام وارتباط بعضه ببعض. والاختيار فتح الهمزة، لقرب اسم الله جلّ ذكره منه، وبعد «حرمت» منه، ولأن (١) عليه أهل الحرمين وأكثر القراء (٢). «٣٤» قوله: (فإذا أحصنّ) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الهمزة والصاد، وقرأ الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. «٣٥» وحجة من ضمّ أنه أضاف الفعل إلى الأزواج، أو إلى الأولياء، فجرى على ما لم يسم فاعله، وقمن مقام الفاعل لحذفه، وهنّ الإماء، فإذا أحصنهن الأزواج بالتزويج، أو فإذا أحصنهن الأولياء بالنكاح، فزنين، فعليهن نصف ما على الحرائر من المسلمات، اللواتي لم يتزوجن من الحد، إذا زنين. وذلك خمسون جلدة. «٣٦» وحجة من فتح الهمزة أنه أسند الفعل إليهن، على معنى: فإذا أسلمن. وقيل: فإذا عففن، وقيل: فإذا أحصن أنفسهن بالتزويج، فالحد لازم لهن إذا زنين في (٣) الوجوه الثلاثة. ومن ضمّ الهمزة فإنما يجعل الحد لازما لهن إذا زنين

стр. 431

بعد التزويج لا غير. وقد أجمع على وجوب الحد على المملوكة إذا زنت، وإن لم تكن ذات زوج، ولولا إجماع أهل الحرمين، مع غيرهم، على الضم لكان الاختيار فتح الهمزة، لصحة معناه في الحكم (١). «٣٧» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ قرأ الكوفيون بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. «٣٨» وحجة من نصب أنه أضمر في «كان» اسمها، ونصب «تجارة» على خبر كان، على تقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة، فأضمر الأموال، لتقدم ذكرها. وكان ذلك أولى لينتظم بعض الكلام ببعض، وفيه على هذا حذف مضاف تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ليكون الخبر هو الاسم. وقيل التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة. فهذا تقدير حذف فيه، لأن الأول هو الثاني. «٣٩» وحجة من رفع أنه جعل «كان» تامة، بمعنى: وقع وحدث، فرفع بها، واستغنى عن الخبر، على معنى: إلا أن تحدث تجارة، أو تقع تجارة. والعرب تقول: كان أمر، أي حدث أمر. ولولا إجماع الحرميين على الرفع وغيرهم لكان الاختيار النصب، لمطابقة آخر الكلام مع أوله (٢). «٤٠» قوله: (مدخلا) قرأه نافع بفتح الميم، وضمّها الباقون، ومثله في الحج (٣). وكلهم ضمّ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ في بني إسرائيل «٨٠» لتقدم قوله: (وأدخلني). «٤١» وحجة من فتح الميم أنه جعله مصدرا لفعل ثلاثي مضمر، دل عليه الرباعي الظاهر، وهو قوله: (ندخلكم) أي: ندخلكم فتدخلون مدخلا، أي: دخولا فدخول ومدخل مصدران للثلاثي، بمعنى واحد، ويجوز أن

стр. 432

يكون «مدخلا»، بالفتح، مكانا، أي: يدخلكم مكانا، فيتعدّى إليه «ندخلكم»، على المفعول به، وحسن ذلك، لأنه قد وصف بالكريم، كما قال ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ «الشعراء ٥٨». «٤٢» وحجة من ضم أنه أجراه مصدرا على ما قبله، وهو «يدخلكم»، ولم يحتج (١) إلى إضمار ثلاثي، فنصبه على المصدر. فالميم في حركتها كحرف المضارعة في حركته، إن كان مفتوحا فتحت الميم، وإن كان مضموما ضمت (٢) الميم، وفي الكلام مفعول محذوف، لأن الفعل لمّا نقل إلى الرباعي تعدّى إلى مفعول، تقول: دخلت في دار زيد وأدخلت عمرا في دار زيد. فأصل «دخلت» أن لا يتعدّى، لأن نقيضه لا يتعدّى، وهو «خرجت». وحكى النحويون: دخلت الدار، فعدّوه بغير حرف وهو شاذ، والتقدير: ويدخلكم الجنة مدخلا كريما، أي إدخالا، فمدخل وإدخال مصدران ل «أدخل»، كما كان «دخول ومدخل» مصدرين ل «دخل». ومعنى: «كريم» حسن، كما قال: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ «الشعراء ٧» أي: من كل جنس حسن. ويجوز أن يكون «مدخل»، بالضم، مكانا، ويتعدّى إليه «يدخلكم» تعدّيه إلى المفعول، فلا تضمر مفعولا آخر، وحسن ذلك لنعته بالكريم، وكذلك قوله: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ في «سبحان ٨٠» هما مصدران، جريا على «أدخلني وأخرجني» والمفعول محذوف. ويجوز أن يكونا مكانين فينصبا (٣) على المفعول به، ولا نضمر مفعولا، وحسن ذلك لإضافتهما إلى «صدق»، كما كان ذلك في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (٤) «القمر ٥٥». «٤٣» قوله: (واسئلوا) قرأه ابن كثير والكسائي بغير همز في الفعل

стр. 433

المواجه به خاصة، مع الواو والفاء على تخفيف الهمز، ألقيا (١) حركة الهمزة على السين الساكنة قبلها، فحرّكا السين. وحذفا الهمزة، على أصل تخفيف الهمز، وخصّا هذا بالتخفيف لكثرة استعماله، وتصرّفه في الكلام، وثقل الهمزة، وذلك في الأمر المواجه به إذا كان قبله واو أو فاء، وحسن ذلك لإجماعهم على طرح الهمزة في قوله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «البقرة ٢١١»، وفي قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ﴾ «القلم ٤٠» وإنما خصّ المواجه به بطرح الهمزة دون غيره، كما فعلت العرب بطرح لام الأمر في المواجهة، وإثباتها في غير المواجهة، فيقولون: «قم، خذ». فإن كان غير مواجه به لم تطرح اللام، نحو: ليقم زيد، ليخرج عمرو، فكذلك هذا، وإنما فعل ذلك مع الواو والفاء، لأنهما يوصل بهما إلى اللفظ بالسين، لأن أصلها السكون، وحركة الهمزة عليها عارضة، لا يعتدّ بها، فقامت الواو والفاء مقام ألف الوصل، التي للابتداء يؤتى بها. وقرأ الباقون بالهمزة على الأصل، وهما لغتان، والهمز أحب إليّ، لأنه الأصل، ولأن عليه أكثر القراء، ولإجماعهم على الهمز في غير المواجه به، نحو: «وليسألوا» (٢). «٤٤» قوله: (عقدت) قرأ الكوفيون «عقدت» بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف. «٤٥» وحجة من قرأ بالألف أنه أجراه على ظاهر اللفظ من فاعلين، لأن كل واحد من المتحالفين كفّر يمينا عند المخالفة على الأجر، فهو من باب المفاعلة، والتقدير: والذين عاقدت أيمانكم أيمانهم، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه. وهذا ممّا جرى الكلام فيه على غير من هو له، فجعل الأيمان هي العاقدة، والمعنى: أن العاقد هو الحالف، [وإذا كان العاقد هو الحالف] (٣) وجب أن يجيء على المفاعلة، لأن كل واحد من الفريقين عقد حلفا للآخر.

стр. 434

«٤٦» وحجة من قرأ بغير ألف أنه أضاف [الفعل] (١) إلى الأيمان، والمراد إضافة الفعل إلى المخاطبين المتحالفين في المعنى، دون من خالفهم، وفيه حذف مفعول، والتقدير: والذين عقدت أيمانكم حلفهم، ثم حذف، فهو محمول على لفظ الأيمان، فأسند الفعل إليها، دون أصحاب الأيمان، فلمّا أسند الفعل إلى الأيمان، في ظاهر اللفظ، لم يحتج إلى المفاعلة، لأن يمين القوم الآخرين لا فعل لها، فهذا في هذه القراءة محمول على اللفظ، لفظ الأيمان، دون أصحاب الأيمان. وهو في القراءة الأولى محمول على أصحاب الأيمان، وهم فريقان كل واحد حالف محلوف له، فحمل على المفاعلة، وهو باب المعاقدة بالأيمان، والقراءة بالألف أقوى في نفسي، لأن المقصود بالآية أصحاب الأيمان لأن لا فعل ينسب إليها حقيقة، فبابه المفاعلة، مع أن الأكثر من القراء عليه (٢). «٤٧» قوله: (بالبخل) قرأ حمزة والكسائي بفتحتين. وقرأ الباقون [بضم] (٣) الباء وإسكان الخاء، ومثله في الحديد (٤)، وهما لغتان مشهورتان، وفيه لغة ثالثة وهي فتح الباء وإسكان الخاء، وكلها مصادر مسموعة. فمن قال: «البخل» جعله ك «الفقر»، ومن قال «البخل» جعله ك «الفقر»، ومن قال «البخل» جعله ك «الكرم»، حكى سيبويه: بخل بخلا (٥). «٤٨» قوله: (وإن تك حسنة) قرأ الحرميان بالرفع، جعلا «كان» تامة غير محتاجة إلى خبر، بمعنى: حدث ووقع. وقرأ الباقون بالنصب جعلوا «كان» ناقصة، تحتاج إلى خبر، فأضمروا فيها اسمها، ونصبوا «حسنة»

стр. 435

على خبر «كان» وحسن الإضمار، لتقدّم ذكر «مثقال ذرة»، فالتقدير: وإن تكن الحسنة مثل ذرة. وإنما جعلت الحسنة هي الاسم، وقد كانت خبرا، لأنها هي مثقال الذرة، فقدّمت الحسنة، وجعلتها الاسم، لإجماعهم على التاء في «تك» وحسن ذلك لأنها هي مثقال الذرة ولو أضمرت المثقال لقبح الإتيان بالتاء في «تك» فأضمرت ما يليق بالتاء، وهو الحسنة، وجعلت «مثقال ذرة» الخبر، لأنه هو الحسنة، فكل واحد محمول على الآخر، وهو هو، ودلّ على هذا التقدير ثبوت التاء في «تك»، وإجماعهم على قوله: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ «الأنعام ١٦٠» فالتضعيف في هذا بعشرة أمثال كالتضعيف في قوله: (يضاعفها) (١). «٤٩» قوله ﴿تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح التاء، مشدّد السين، وقرأه حمزة والكسائي كذلك، إلا أنهما خفّفا السين وأمالا. وقرأ الباقون بضم التاء، وتخفيف السين. «٥٠» وحجة من قرأ بضم التاء أنه جعله فعلا لم يسمّ فاعله، من التسوية، مثل قوله: ﴿عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ «القيامة ٤» وأقام «الأرض» مقام الفاعل، على معنى: لو يجعلون والأرض سواء، أي ترابا، كما فعل بالبهائم، ودليله قوله: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ «النبأ ٤٠». «٥١» وحجة من فتح التاء، وشدّد السين أنه بنى الفعل على «يتفعل» فأسنده إلى «الأرض»، فارتفعت بفعلها، وأصله «تتسوى» ثم أدغم التاء، وهي الثانية، في السين، فهو في العلة والحجة مثل «تساءلون به» ومثل «تظاهرون»، وقد مضى تفسيره (٢). وفي الكلام اتساع، وذلك أنه جعل «الأرض تتسوى بهم»، وليس لها فعل، والمراد به المخبر عنهم، وهم الذين كفروا، يودون: لو يصيرون يتسوون بالأرض، وهو مثل: ألقم فاه الحجر،

стр. 436

وأدخل زيد القبر، ونحوه، لمّا علم المعنى اتسع فيه، فأقيم الذي ليس له المعنى مقام الفاعل إذ لا يشكل (١). «٥٢» وحجة من فتح التاء، وخفّف السين أنه حذف إحدى التائين استخفافا، كما فعل في «تساءلون وتظاهرون»، وقد تقدّم الكلام على علة ذلك. وحسن حذف التاء، وترك الإدغام، لئلا يتوالى مشدّدان: [وهما] (٢) السين والواو، وفي ذلك ثقل. والقراءة بالتشديد، وفتح التاء أولى (٣)، لأنه الأصل، وعليه أهل المدينة، فأما الإمالة فيه والفتح فقد تقدّمت علّة ذلك (٤). «٥٣» قوله: (أو لامستم) قرأه حمزة والكسائي ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ «آل عمران ٧٠» ولم يقل: يماسسني. وقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ «الرحمن ٥٦» ولم يقل: يطامثهن، وأيضا فإن اللمس يكون بغير الجماع، كالغمز والإفضاء باليد إلى الجسد، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعبيدة (٦) وعطاء والشعبي وابن جبير. وغيرهم يقولون: إن اللمس في هذا الإفضاء باليد إلى الجسد، وهو قول ابن مسعود وابن عمر (٧)، وببعض جسده إلى بعض جسدها، فحمل على غير الجماع. فهو من واحد كما قال: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ «الجن ٨» فهو لمس بغير يد، واللمس على وجهين:

стр. 437

لمس باليد ولمس بغير يد، نحو ما ذكرنا في السماء، وقرأ الباقون «(لامستم)» بألف، جعلوا الفعل من اثنين، وجعلوه من الجماع، فجرى على المفاعلة، لأن الجماع لا يكون إلا من اثنين، ويجوز أن يكون لامس من واحد ك «عاقبت اللص»، وتتفق القراءتان (١). «٥٤» قوله: ﴿إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء، وعلى الإتباع لمصاحف أهل الشام، فإنها في مصاحفهم بالألف، فأجرى النفي مجرى الإيجاب في الاستثناء، لأن الكلام فيهما يتمّ دون المستثنين، تقول: ما جاءني أحد، فيتمّ الكلام، وتقول: ما جاءني القوم، فيتمّ الكلام، ثم تستثني، إذا شئت فيهما، بعد تمام الكلام، فجرى النصب في النفي (٢) مجرى الإيجاب، لاتفاقهما في تمام الكلام قبل المستثنى. وقرأ الباقون بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في «فعلوه»، وهو وجه الكلام، وعليه الأصول، لأن الثاني يغني عن الأول تقول: ما جاءني أحد إلا زيد، وتقول: ما جاءني إلا زيد، فدل على الأول، ويغني عنه من غير نقص في معناه، فاختير فيه الرفع مع ذكر «أحد»، إذ لا يجوز فيه غير الرفع، مع حذف «أحد»، وهو الاختيار لأن أكثر المصاحف لا ألف فيها في «قليل»، ولأن عليه بني الإعراب، وهو الأصل في الإعراب، وعليه جماعة القراء (٣). «٥٥» قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ قرأه ابن كثير وحفص بالتاء، لتأنيث المودة، فحمل على ظاهر اللفظ فأنّث الفعل لتأنيث لفظ المودّة. وقرأ الباقون بالياء، إذ المودة والود بمعنى، فحمل على المعنى، ولأن تأنيث المودة غير حقيقي، ولأنه قد فرّق بين المؤنث وفعله بقوله: (بينكم وبينهم)، والتفريق يقوم مقام التأنيث. وقد مضى الكلام على هذا في قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ﴾ «البقرة ٤٨» والاختيار الياء، لأن الجماعة عليه، ولما قدّمنا من العلة في

стр. 438

اختيار الياء، في «يقبل منها شفاعة» في البقرة (١). «٥٦» قوله: (ولا تظلمون فتيلا) قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة في قوله: (ألم تر إلى الذين قيل لهم). وقرأه الباقون على الخطاب للنبي ومن معه، وقوّى ذلك أن قبله خطابا للنبي، في قوله: (قل متاع الدنيا قليل)، ومخاطبة النبي خطاب لأمته، كما قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ «الطلاق ١» وهو الاختيار، لأن الأكثر من القراء عليه، ولإجماع نافع وابن عامر وعاصم وأبي عمرو عليه (٢). «٥٧» قوله: (بيّت طائفة) قرأه أبو عمرو وحمزة بالإدغام، وأظهر الباقون وفتحوا التاء. «٥٨» وحجة من أدغم أن التاء لمّا كانت من مخرج الطاء حسن فيها الإدغام، إذ كانا من مخرج واحد فأشبها المثلين، وقوّى ذلك أنك تنقل التاء بالإدغام إلى حرف قوي، أقوى من التاء بكثير، ففي الإدغام زيادة قوة في الدغم، وذلك ممّا يحسّن جواز الإدغام ويقويه. «٥٩» وحجة من أظهر أن التاء لمّا كانت متحركة منفصلة، لأنها لام الفعل، مفتوحة في الفعل الماضي، وليست بتاء تأنيث قويت بالحركة، فبعد الإدغام فيها، لأنك تحتاج، إذا أدغمت، أن تسكن التاء، ثم تدغمها، فتغيرها مرة بعد مرة، وذلك تغيير بعد تغيير، بخلاف ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ﴾ «آل عمران ٧٢» التي الإدغام فيها عليه العمل، والإظهار بعيد لسكونها، ولذلك فتح التاء من أظهر، لأنه فعل ماض آخر مبني على الفتح، والإظهار أحب إليّ، لأنه الأصل، وعليه الجماعة (٣). «٦٠» قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ قرأه حمزة والكسائي، في الصاد إذا

стр. 439

اسكنت، وأتت بعدها الدال، وذلك في اثني عشر موضعا في كتاب الله (١)، بين الصاد والزاي، لأن الصاد حرف مهموس، وبعدها الدال حرف مجهور، فقرّبت الصاد من الدال بأن خلط لفظها بالزاي، لأنه حرف مجهور، مثل الدال، فصار اللسان يعمل في حرفين مجهورين، وحسن ذلك، لأن الصاد والزاي من مخرج واحد، ومن حروف الصفير. وقرأ الباقون بصاد خالصة على الأصل، واتباعا للخط، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأنه الأصل (٢). «٦١» قوله: (فتبيّنوا) قرأه حمزة والكسائي بالثاء، من التثبت في موضعين، في هذه السورة وفي موضع في الحجرات (٣). وقرأ الباقون بالياء، من التبيين. «٦٢» وحجة من قرأ بالثاء، أنه لمّا كان معنى الآية الحض للمؤمنين على التأني، وترك الإقدام على القتل، دون تثبّت وتبين، أتى بالتثبت، لأنه خلاف الإقدام، والتثبت أفسح للمأمور من التبين لأن كل من أراد أن يتثبّت قدر على ذلك، وليس كل من أراد أن يتبين قدر على ذلك (٤)، لأنه قد يتبيّن، ولا يتبين (٥) له ما أراد بيانه. «٦٣» وحجة من قرأ بالياء، من البيان، أنه لمّا كان معنى الآية: افحصوا عن أمر من لقيتموه، واكشفوا عن حاله قبل أن تبطشوا بقتله، حتى تتبين لكم حقيقة ما هو عليه من الدّين حمل على التبين، لأنه به يظهر الأمر، وأيضا فإن التبين يعمّ التثبّت، لأن كل من تبين أمرا فليس يتبينه، إلا بعد تثبت، ظهر له ذلك الأمر أو لم يظهر له، لا بدّ من التثبت مع التبين، ففي التبين معنى التثبت، وليس كل من تثبت في أمر تبيّنه. قد يتثبّت ولا يتبيّن له الأمر، فالتبين أعم [من التثبت] (٦)

стр. 440

في المعنى لاشتماله على التثبت، وقد جاء عن النبي ﵇ أنه قال: «التبين من الله والعجلة من الشيطان، فتبينوا» (١). والاختيار القراءة بالياء، لعموم لفظها ولأن أكثر القراء عليها (٢)، ولأن (٣) بها قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج وقتادة وابن جبير، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. وقرأ ابن مسعود وابن وثّاب وطلحة والأعمش وعيسى بالثاء، وهو اختيار الطبري (٤). «٦٤» قوله: ﴿السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ قرأه حمزة ونافع وابن عامر بغير ألف، على معنى الاستسلام والانقياد، ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ «النحل ٨٧» فالمعنى: لا تقولوا لمن استسلم إليكم وانقاد لست مسلما فتقتلوه حتى تتبينوا أمره. وقرأ الباقون «السلام» بألف، على معنى السلام، الذي هو تحية الاسلام، وعلى معنى: لا تقولوا لمن حياكم تحية الإسلام لست مؤمنا، فتقتلوه، لتأخذوا سلبه، ويجوز أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن كفّ يده عنكم واعتزلكم لست مؤمنا. حكى الأخفش أنه يقال: أنا سلام، أي معتزل عنكم، لا نخالطكم، ومنه قوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ «الفرقان ٦٣» لم يخبر عنهم أنهم حيوهم بالسلام إنما معناه: قالوا براءة منكم لا نخالطكم. وبالألف قرأ ابن عباس وابن جبير وابن هرمز وقتادة والجحدري وابن سيرين. والألف أحب إليّ، لأن أكثر القراء عليه، ولأنه أبين في المعنى. وقد روي في ما قال لهم الرجل الذي قتلوه، ونزلت هذه الآية بسببه، أنه قال لهم: إني مسلم، وروي أنه شهد أن لا إله إلا الله فلم يصدقوه، وقتلوه وروي أنه قال لهم: السلام عليكم، فاتهموه وقتلوه، وهذا

стр. 441

كله يدل على السلام (١). «٦٥» قوله: (غير أولي الضّرر) قرأ الكسائي ونافع وابن عامر بالنصب، على الاستثناء من القاعدين، لأنه ثبت أنه نزل بعد نزول (لا يستوي القاعدون). فلو كان صفة لم يكن النزول فيهما إلا في وقت واحد، فلمّا نزل (غير أولي الضرر) في وقت بعد وقت نزل «لا يستوي القاعدون» علم أنه استثناء، إذ لو كان صفة لنزل مع القاعدين في وقت، وقد ثبت أنهما نزلا في وقتين. وروى زيد (٢) بن ثابت أن ابن أمّ مكتوم الأعمى لمّا نزل «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون، قال: يا رسول الله هل من رخصة، وشكا ضرره فأنزل الله (غير أولي الضرر) فجعلت بعد القاعدين. وذكر أبو حاتم أن النبي ﵇ قرأه بالنصب، وبه قرأ زيد بن ثابت وأبو جعفر وشيبة وأبو الزّناد (٣) وشبل وابن الهادي (٤) وهو أحب إليّ، وهو اختيار أبي عبيد والطبري وأبي طاهر. وقرأ الباقون بالرفع على أن «غير» صفة ل «القاعدين»، كما قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ «الفاتحة ٧» فأتت [غير] (٥) صفة ل «الذين»، إذ لا يقصد بهم قصد أشخاص بأعيانهم، فاللفظ لفظ المعرفة، والمعنى معنى

стр. 442

النكرة، وكذلك «القاعدون»، فلذلك وصفوا ب «غير»، وهي لا تكون إلا [صفة] (١) النكرة (٢). «٦٦» قوله (يؤت) الثاني، قرأه أبو عمرو وحمزة بالياء، وقرأ الباقون بالنون. «٦٧» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة الذي قبله، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ «١١٤» أي: يؤتيه الله أجرا عظيما. «٦٨» وحجة من قرأ بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بمنزلة قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ «آل عمران ١٥١» بعد قوله: (بل الله مولاكم)، وهو إجماع (٣). «٦٩» قوله: (يدخلون) قرأه أبو بكر وأبو عمرو وابن كثير بضم الياء وفتح الخاء، ومثله في مريم والأول من غافر (٤)، أضافوا الفعل إلى غيرهم، لأنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخلهم الله جلّ ذكره إياها، فهم مفعولون في المعنى، فبنوا الفعل للمفعول على ما لم يسم فاعله، وقد أجمعوا على قوله: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ «إبراهيم ٢٣» ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ﴾ «المجادلة ٢٢» وهو كثير. وقرأ الباقون بفتح الياء وضمّ الخاء، أضافوا الفعل إلى الداخلين، لأنهم هم الداخلون بأمر الله لهم، دليله قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ «الأعراف ٤٩» وقوله: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ «الحجر ٤٦» وهو أيضا

стр. 443

كثير، فالقراءتان متداخلتان، لأنهم إذا أمروا بالدخول دخلوا، ولأنهم لا يدخلونها حتى يدخلهم الله إياها، فهم داخلون مدخلون. وعلى هذه العلة تجري قراءة أبي عمرو بضم الياء في سورة الملائكة (١) تفرّد بذلك، وعلى ذلك تجري قراءة ابن كثير وأبي بكر في الثاني من غافر ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ «٦٠» بضم الياء، والباقون بفتح الياء فيها (٢). «٧٠» قوله: ﴿أَنْ يُصْلِحا﴾ قرأ الكوفيون بضم الياء، وكسر اللام، من غير ألف مخفّفا، وقرأه الباقون بفتح [الياء و] (٣) اللام والتشديد، وبألف بعد الصاد. «٧١» وحجة من قرأ بضم الياء أنهم جعلوه مستقبل «أصلح» لأن الإصلاح من المصلح بين المتنازعين مستعمل، قال الله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ «الحجرات ١٠»، وقال: ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ «الأنفال ١»، وقال: ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ «النساء ١١٤» وقال: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ «البقرة ١٨٢»، وإتيان «صلح» بعده ليس على المصدر، إنما هو اسم كالعطاء، فهو نصب ب «يصلحا» نصب المفعول، كما تقول: أصلحت ثوبا. ويجوز أن تنصب على مصدر فعل ثلاثي مضمر، على تقدير: أن «يصلحا» فيصلح ما بينهما صلحا. وفي حرف ابن مسعود: (فلا جناح عليهما إن أصلحا بينهما صلحا)، فهذا يدل على الإصلاح دون التصالح. «٧٢» وحجة من قرأ بألف وفتح الياء أنه لمّا رأى الفعل من اثنين من زوجة وزوج، وهما مذكوران في أول الكلام، أتى الفعل من باب المفاعلة، التي تثبت للاثنين، فجاء على: تصالح الرجلان يتصالحان، ثم أدغمت الياء في الصاد، ونصب «صلحا» كنصبه في القراءة الأولى على الوجهين، والمعروف في كلام العرب

стр. 444

التصالح عند التنازع، ف «يصالحا» أولى به من «الإصلاح» وهو مروي عن علي وابن عباس وعائشة وغيرهم، وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد والطبري، وهو أحب إليّ (١). «٧٣» قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قرأه حمزة وابن عامر بضم اللام، وبعدها واو واحدة ساكنة، وقرأ الباقون بإسكان اللام، وبعدها واوان الأولى منهما (٢) مضمومة. وحجة من قرأ بضم اللام أنه جعله من: ولي يلي، وأصله «توليوا»، ثم حذفت الواو، التي هي فاء الفعل، على الأصول، للاعتلال في «يعد ويزن»، فدليل حمله على «ولي» أن بعده «أو تعرضوا»، فهو نقيض «تلوا»، لأن ولاية الشيء الإقبال عليه، ونقيضه الإعراض عنه، فإنما قيل لهم: «وإن تلوا الأمر فتعدلوا فيه أو تعرضوا عنه فلا تلوه ولا تعدلوا فيه إن وليتسوه» فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ولما كان من قرأه بضمّ اللام معناه الإعراض لأن اللّي في الشيء العوج فيه، والعوج في الحق الإعراض عن إقامته، ف «تلووا» بواوين (٣) في المعنى هو الإعراض، فالقراءة بضم اللام يفيد معنيين الولاية ونقيضها الإعراض، والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا، لأن اللّي هو الإعراض، ويحتمل أن تكون القراءة بضم اللام كالقراءة بإسكانها، وذلك أن أصله «تلووا»، فاستثقلت الضمة على الواو، وبعدها واو أخرى، وألقيت الحركة على اللام، وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، فهو في القراءة كالقراءة بإسكان اللام واوين. وقيل: إنما أبدل من الواو المضمومة همزة، ثم خفّفها بإلقاء حركتها على اللام، فصارت «تلوا»، وأصلها «تلووا»، فتتفق القراءتان على هذا التقدير.

стр. 445

«٧٤» وحجة من قرأ بإسكان اللام أنه جعله من «لوى يلوي» إذا أعرض، وأصله «تلويوا» ثم ألقيت حركة الياء على الواو الأولى، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو الأخيرة بعدها، أو لسكونها وسكون الواو قبلها، لأن حركتها عارضة. وقد قال ابن عباس: هو ليّ القاضي وإعراضه، وأيضا فإن قوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ والعدل هو أن تلي الشيء بالحق، وضده الإعراض عن الحق، فقد فهم في هذا أيضا معنى القراءة بواو واحدة من: ولي، فكلا القراءتين فيه «أو تعرضوا» بمعنى ما قبله، فكرّر للتأكيد ولاختلاف اللفظ. وقد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون القراءتان بمعنى واحد من اللّي (١). «٧٥» قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ و ﴿الَّذِي أَنْزَلَ﴾ قرأه نافع والكوفيون بفتح أول الفعلين، وفتح الزاي، وقرأ الباقون بضم أول الفعلين (٢)، وكسر الزاي. فمن ضمّ الفعلين للمفعول على ما لم يسم فاعله، كما قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ «النحل ٤٤» وقال: ﴿أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ «الأنعام ١١٤»، ومن فتح ردّه إلى اسم الله جلّ ذكره الذي قبله، وهو قوله: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾. ففي «نزّل وأنزل» ضمير اسم الله جلّ ذكره كما قال: ﴿إِنّا﴾ ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ «الحجر ٩» وقال: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ «النحل ٤٤» فأضاف الإنزال إلى نفسه، فجرى هذا على ذلك. وفي الفعلين، على القراءة بالضمّ، ضمير الكتاب، والقراءتان متداخلتان حسنتان، لأن في كل واحدة ردّ آخر الكلام على أوله، وانتظام بعضه ببعض (٣). «٧٦» قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأه عاصم بفتح النون والزاي، على معنى:

стр. 446

وقد نزّل الله عليكم، وقرأ الباقون بضم النون وكسر الزاي، على ما لم يسمّ فاعله. والحجة في ذلك كالحجة فيما قبله، وضمّ النون أحب إليّ، للإجماع على ذلك (١). «٧٧» قوله: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ قرأه الكوفيون بإسكان الراء، وفتحها الباقون. وهما لغتان كالسمع والسمع، والقص والقصص والقدر والقدر وفتح الراء أكثر في اللغات وفي الاستعمال، وهو الاختيار لذلك [ولأن الأكثر عليه] (٢). وقد روي عن عاصم أنه قال: لو كان «الدّرك» بفتح الراء لكانت «السفلى» يعني لو كانت بفتح الراء لكانت جمع دركة، كبقرة وبقر، فيجب على هذا أن يوصف بالسفلى، ولا يوصف بالأسفل (٣). «٧٨» قوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ و ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾ قرأ حفص «(سوف يؤتيهم)» بالياء، وقرأ حمزة «(سيؤتيهم)» بالياء، أجرياهما على لفظ الغيبة، لتقدّم ذكر اسم الله جلّ ذكره، وقد مضى له نظائر. وقرأهما الباقون بالنون، على الإخبار من الله عن نفسه جلّ ذكره، وقد مضى له نظائر (٤). «٧٩» قوله: ﴿لا تَعْدُوا﴾ قرأ قالون باختلاس حركة العين، لأنها حركة عارضة عليها، لأن أصلها «تعتدوا»، فأصلها السكون، ثم أدغمت التاء في الدال. بعد أن ألقيت حركتها على العين، فاختلس حركة العين، ليخبر أنها حركة غير لازمة، ولم يمكنه أن يسكن العين، لئلا يلتقي ساكنان: العين، وأول المدغم. وكره تمكين الحركة، إذ ليست بأصل فيها، وحسن ذلك للتشديد الذي

стр. 447

في الكلمة، ولطولها، وقد قيل: إنه إنما أخفى الحركة، إذ هي غير أصلية، وأتى هذا في هذه الكلمة سماعا، وليس بأصل يقاس عليه في كل ما كان قد ألقي عليه حركة ما بعده. وقد روي عنه إسكان العين، وهو غير جائز، لأنه يجتمع ساكنان: الأول غير حرف مدّ ولين، ولا حرف لين، وقرأ ذلك ورش بفتح العين، والتشديد على الأصل، وأصله «تعتدوا» في قراءته، ثم ألقى حركة التاء على العين، وأدغمها (١) في الدال (٢)، وقرأ الباقون بإسكان العين والتخفيف، على أنه على وزن «تفعلوا»، وأصله «تعتدووا» بواوين، لأنه عدا يعدو، ثم أعلّ فصار «تعدوا»، مثل قولك: لا تدعوا ولا تعدوا، إذا نهيت الجماعة، وشاهده قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ «الأعراف ١٦٣» وقال: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ «المؤمنون ٧»، وقال: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ «البقرة ١٧٣»، فكل هذا من: عدا يعدو، فهو شاهد للإسكان في الآية، وهو الاختيار لأن الأكثر عليه (٣). «٨٠» قوله: ﴿زَبُوراً﴾ قرأه حمزة بضم الزاي حيث وقع، وفتح الباقون. وحجة من ضمّ أنه جعله جمع «زبر» كدهر ودهور، وزبر يراد به المزبور كقولك هو نسج اليمن، أي منسوج، و «زبر» مصدر، وإنما جاز جمعه لوقوعه موقع الاسم، وقيل «زبورا» بالضم جمع «زبور» بالفتح، على تقدير حذف الزائد، وهو الواو، كما قالوا: ظريف وظروف، كأنه جمع «ظرف»، ومنه قولهم: كروان وكروان، وورشان وورشان، كله جمع، على تقدير حذف الزائد، كأنه في التقدير: وآتينا داود كتبا وصحفا، كما قال:

стр. 448

﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ «الأعلى ١٩» وكما قال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ «عبس ١٣» فمعناه: كتب مزبورة، وبذلك قرأ الأعمش وابن وثّاب. يقال: زبرت الكتاب جمعته. «٨١» وحجة من قرأ بالفتح أن المعروف أن داود ﷺ أوتى كتابا اسمه الزّبور، كالتوراة والإنجيل والقرآن، فهو كتاب واحد لكل نبي. فالفتح أولى به، لأنه اسم لكتاب واحد، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن عليه الجماعة (١). لم يختلف فيها في ياء إضافة ولا زائدة. ***

стр. 449

سورة المائدة مدنية الا آية نزلت بعرفات قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية «٣»، وهي مائة آية واثنتان وعشرون آية في المدني، ومائة وعشرون في الكوفي «١» قوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر بإسكان النون، في الموضعين في هذه السورة (١)، وقرأهما الباقون بفتح النون، وهما مصدران ل «شنئ»، حكى سيبويه: لوتيه ليّانا، فليّان مصدر علي «فعلان» (٢)، والأشهر أن يكون صفة اسما، إذا أسكنت، والأكثر، في فتح النون في كلام العرب، أن يكون مصدرا نحو النزوان والغليان والغشيان (٣)، فمعنى الآية: لا يكسبنكم بعض قوم الاعتداء. فقد حكى أبو زيد: رجل شنآن وامرأة شنآن، مغضبان وغضبى، وحكاه أيضا بالهاء والصرف فيهما، فهذا يدل على اسم صفة، فيكون معنى الآية على هذا: لا يكسبنكم بعض قوم الاعتداء، وكذلك تحتمل القراءة، بفتح النون، أن يكون اسما كالورسان، وكونه مصدرا أحسن، لأن التفسير أتى على معنى بعض قوم. وقال أبو عبيدة (٤) معناه: لا يكسبنكم بغضا قوم، فهو مصدر أيضا، ولم يجز أبو حاتم إسكان النون، ورآه غلطا، لأن المصادر لا تأتي على «فعلان» بالإسكان، إنما يأتي بالإسكان الصفات، وعلى ذلك تجوز القراءة بالإسكان، على أنه صفة لا مصدر، عند أكثر الناس، إلا ما ذكرنا عن سيبويه في حكايته «فعلان» بالإسكان في المصادر، وهو قليل، فحمله على الاسم أولى، ويكون صفة بمعنى: بغيض قوم (٥).

стр. 450

«٢» قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ (١) قرأه أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بالفتح. وحجة من كسر أنه جعله أمرا منتظرا، تقديره: إن وقع صدّ فيما يستقبل فلا يكسبنكم الاعتداء، ف «إن» للشرط، والصدّ منتظر وقوعه. وفي حرف ابن مسعود «إن صدوكم» فهذا يدل على انتظار صدّ، ويجوز أن يكون الصدّ قد مضى، مع كسر (٢) «إن»، على معنى: لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء إن صدوكم، كما جرى فيما مضى من الصد، فتحقيقه: «إن عادوا إلى الصدّ الذي أكسبكم (٣) البغض لهم»، فيكون الشرط مستقبلا على «بأن»، وهو مثال لأمر قد مضى، لأن معناه: إن وقع مثل الصدّ الذي مضى فلا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء. والتفسير والإخبار على أنه أمر قد كان، وصدّ قد وقع، فالكسرة في «إن» أولى، على أنه مثال لما مضى. وعلى هذا أنشد سيبويه قول الفرزدق: أتغضب إن أذنا قتيبة حزّنا جهارا … ولم تغضب لقتل ابن خازم (٤) أنشده بكسر «إن»، والذي بعدها أمر قد كان ووقع، لكنه على معنى المثال، على معنى: أتغضب إن وقع مثل حزّ أذني قتيبة. «٣» وحجة من فتح «أن» أنه هو الظاهر في التلاوة، وعليه أتى التفسير، لأن المشركين صدوا النبي ﵇ والمسلمين عن البيت، ومنعوهم دخول مكة، فهو أمر قد مضى، قال الله جلّ ذكره: لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام الاعتداء. والفتح الاختيار، لأن عليه أتى التفسير أنه أمر قد مضى، وهو ظاهر اللفظ، ولأن أكثر القراء عليه (٥).

стр. 451

«٤» قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قرأه نافع وابن عامر والكسائي وحفص بالنصب. وقرأ الباقون بالخفض. وحجة من خفضه أنه حمله على العطف على «الرؤوس» لأنها أقرب إلى الأرجل من الوجوه، والأكثر في كلام العرب أن يحمل العطف على الأقرب من حروف (١) العطف ومن العاملين، ألا نرى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ﴾ «الجن ٧» فأعمل «ظننتم» في «أن» لقربها منها، ولم يعمل «ظنوا»، ولو أعمل «ظنوا» في «أن» لوجب أن يقال: كما ظننتموه. فالعامل في «أن» «ظننتم» دون «ظنوا» لقربها. ومثله في إعمال القريب دون البعيد: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ «النساء ١٧٦» فعلّق الحرف ب «يفتيكم» لقربه منه، ولو علّقه ب «يستفتونك» لقال: يفتيكم فيها في الكلالة. وهو كثير في الكلام والقرآن، لكن لمّا حمل «الأرجل» على «الرؤوس» في الخفض على «المسح» قامت الدلالة من السّنة والإجماع، ومن تحديد الوضوء في الأرجل مثل التحديد في الأيدي المغسولة، على أنه أراد بالمسح الغسل والعرب تقول: تمسّحت للصلاة، أي توضأت لها. وقد قال أبو زيد: إن المسح خفيف الغسل. وقد قال أبو عبيد في قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ «ص ٣٣» إن معنى المسح الضرب، فقد صار المسح يستعمل في الغسل، وكذلك مسح الأرجل مستعمل في الغسل نفسه، وبذلك قرأ الحسن (٢) والحسين (٣) وأنس بن مالك وعلقمة والشّعبي والحسن والضّحاك ومجاهد.

стр. 452

«٥» وحجة من نصب أنه عطفه على الوجوه والأيدي، وكان ذلك أولى عنده. لما ثبت من السّنة والإجماع على غسل الأرجل، فعطف على ما عمل فيه الغسل، وقوّى ذلك أنه لمّا كانت الأرجل مجرورة في الآية كان عطفها على ما هو محدود مثلها، أولى من عطفها على غير مجرور. وأيضا فإن الخفض يقع فيه إشكال، من إيجاب المسح أو الغسل، وعطفه على الوجوه ونصبه، ليخرجه من الإشكال، وليحقق الغسل الذي أريد به، وهو الفرض، وهو الاختيار، للإجماع على الغسل، ولزوال الإشكال، وبذلك قرأ علي بن أبي طالب، وروي عنه أنه أنكر على الحسن والحسين الخفض، وردّه عليهما بالنصب (١)، وبه قرأ ابن مسعود وابن عباس، وكان يقول: عاد الأمر إلى الغسل، وبه قرأ عروة بن الزبير (٢) وعكرمة ومجاهد والسّدّي (٣) وغيرهم، وهو الاختيار لما ذكرنا (٤). «٦» قوله: (قاسية) قرأها حمزة والكسائي بغير ألف مشددة (٥) الياء، على وزن «فعيلة»، وقرأ الباقون بألف مثل «فاعلة». وحجة من قرأ بغير ألف أن «فعلية» أبلغ في الذم من «فاعلة»، فكان وصف قلوب من حرّف كلام الله ومال عن الحق، بأبلغ صفات القسوة أولى من غيره. وقيل: إنما قرئ على «فعيلة» لأن «قلوبهم» إنما وصفت بالطبع

стр. 453

عليها كالدّرهم القسيّ، وهو الذي يخالط فضته نحاس أو رصاص أو نحوه، وبه قرأ ابن مسعود. «٧» وحجة من قرأ بألف أنه بناه على «فاعلة» قياسا على قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ «البقرة ٧٤» وقوله: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ «الحديد ١٦» وقوله: ﴿لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ «الزمر ٢٢» و «فعل» (١) إنما يأتي اسم الفاعل منه على «فاعل»، في أكثر كلام العرب، وأيضا فإن «فعيلا» و «فاعلا» أخوان، نحو: رحيم وراحم، وعليم وعالم، لكن في «فعيل» معنى التكرير والمبالغة، و «فاعل» أكثر في الكلام من «فعيل». ومعنى «قاسية» غليظة بائنة عن الإيمان، قد نزعت منها الرحمة والرأفة. والقراءتان متقاربتان. و «قاسية» بالألف أحب إليّ، لأن الأكثر عليه وهو المستعمل (٢). «قوله»: ﴿رُسُلُنا﴾ و ﴿سُبُلَنا﴾ «إبراهيم ١٢» قرأه أبو عمرو بإسكان السين والباء، حيث وقع، إذا كان بعد اللام حرفان في الخط، على التخفيف لتوالي الحركات، ولأنه جمع. وضمّ (٣) ذلك الباقون على الأصل (٤). «٩» قوله: (السحت) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء، في ثلاثة مواضع (٥) في هذه السورة، وأسكن ذلك الباقون. وهما لغتان يراد بهما اسم الشيء المسحوت، وليسا بمصدرين، يقال: سحته الله إذا استأصله، فكأنه يسحت بدين آكله أي يذهبه. ويقال: سحته إذا ذهب به قليلا، وأصله [أكل] (٦) الرشا في الأحكام (٧).

стр. 454

«١٠» قوله: «العين والأنف والأذن والسن والجروح» (١) قرأ الكسائي برفع الخمسة، ونصبهن الباقون، غير أن الجروح نصبه نافع وعاصم وحمزة، ورفعه الباقون، وأسكن نافع [الذال] (٢) من ﴿أُذُنٌ﴾ «التوبة ٦١» و ﴿الْأُذُنَ﴾ «المائدة ٤٥» و ﴿أُذُنَيْهِ﴾ «لقمان ٧» وضم الباقون. «١١» وحجة من رفع أنه عطفه على موضع «النفس»، لأن «إن» دخلت على الابتداء، فلمّا تمّت بخبرها، وهو «بالنفس»، عطف «والعين» على موضع الجملة. وموضعها الابتداء والخبر، فهو عطف جملة على جملة، وعطف ما بعد العين عليها. ويجوز أن يكون عطف على معنى الكلام، لأن معنى الكلام: وكتبنا عليهم فيها، قلنا لهم: النفس بالنفس، فعطف على المعنى على الابتداء والخبر، ويجوز أن يكون عطف «والعين» على المضمر المرفوع، الذي في «النفس»، وحسن ذلك، وإن لم يؤكده، كما قال تعالى: ﴿ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا﴾ «الأنعام ١٤٥» ولا تكون «لا» عوضا من التأكيد، لأنها بعد حرف العطف، ولو كانت قبل الحرف لحسن أن تكون عوضا. وقد روى أنس بن مالك أن النبي ﵇ قرأ بالرفع في «العين» وما بعد ذلك إلى «قصاص». «١٢» وحجة من نصب أنه عطفه على لفظ «النفس» فهو ظاهر التلاوة. وأعمل «أن» في النفس، وفيما عطف على «النفس» ولم يقطع بعض الكلام من بعض، وجعل «قصاصا» هو خبر «أن»، إذا نصب «الجروح»، فإن رفعت «الجروح»، فعلى الابتداء و «قصاص» خبره، وخبر «أن» في المجرور في قوله: «بالنفس وبالعين وبالأنف وبالأذن» كل مخفوض خبر لما قبله. «١٣» وحجة من رفع «الجروح» أنه عطف على ما قبله، إن كان يقرأ برفع ما قبله، وإن كان يقرأ بنصب ما قبله، فإنما رفعه على الابتداء، والقطع ممّا

стр. 455

قبله، و «قصاص» خبره، فيكون إذا قطعته ممّا قبله ليس ممّا كتب عليهم في التوراة، إنما هو استئناف شريعة لأمة محمد ﷺ ، وقد أجمعوا على الرفع، على القطع، في قوله: ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «آل عمران ٦٨» وعلى قوله: ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ «الجاثية ١٩» فكذلك «الجروح» وقيل: إنما رفع لأنه عطفه على موضع «النفس» وقيل: عطفه (١) على المضمر المرفوع، الذي في «بالنفس»، والاختيار الرفع، للعلل التي ذكرنا، ولأنه مروي عن النبي ﵇، لأن خبره مخالف لخبر ما قبله من الجمل، ولمخالفة إعراب ما بعده إعراب خبر ما قبله، فالرفع في «الجروح» قوي من جهة الإعراب، والنصب قوي من جهة المعنى، واتصال (٢) بعض الكلام ببعض، فهو أيضا قوي مختار، وإذا عطفته على ما قبله، فنصبته فهو ممّا كتب عليهم في التوراة. وبالنصب في «العين» وما بعد ذلك قرأ أبيّ بن كعب. فأما ضم الذال من «أذن» واسكانها فلغتان، كالسحت والسحت. والاختيار في ذلك كله ما عليه الجماعة، لأنه محمول في النصب على اتصال بعض الكلام ببعض، غير منقطع بعضه من بعض، ومحمول على أنه كله مكتوب في التوراة (٣). «١٤» قوله: (وليحكم) قرأه حمزة بكسر اللام، وفتح الميم، وقرأ الباقون بإسكان اللام والميم، غير أن ورشا يلقي حركة همزة «أهل» على الميم فيفتحها. وحجة من كسر اللام أنه جعلها لام «كي»، فنصب الفعل بها، على معنى: آتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل، يعني عيسى، لأن إنزال الإنجيل كان بعد حدوث عيسى فلا يبتدأ به.

стр. 456

«١٥» وحجة من أسكن اللام أنه جعلها لام الأمر، فهو إلزام مستأنف يبتدأ به، أمر الله أهل الإنجيل بالحكم بما [أنزل] (١) في الإنجيل، كما أمر النبي ﵇ بالحكم بما أنزل عليه، فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ «المائدة ٤٩» وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأن ما أتى بعده، من الوعيد والتهديد، يدلّ على أنه أمر لازم (٢)، إلزام من الله لأهل الإنجيل (٣). «١٦» قوله: (يبغون) قرأه ابن عامر بالتاء، على الخطاب، على معنى: قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون. وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ «٤٩» وعلى قوله: ﴿أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ «٤٩» وهو الاختيار، لارتباط بعض الكلام ببعض، ولمطابقة آخره مع أوله، ولأن الجماعة عليه (٤). «١٧» قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بغير واو، وقرأ الباقون بالواو، وكلهم رفع «يقول» إلا أبا عمرو، فإنه نصبه. وحجة من أثبت الواو أنه جعله عطفا على ما قبله، عطف جملة على جملة، واتبع في ذلك أنها ثابتة في مصاحف الكوفة والبصرة. «١٨» وحجة من حذف الواو أنه استغنى عن حرف العطف، لأن في الجملة الثانية ضميرا يعود على الأول، فذلك الضمير يغني عن حرف العطف، كما قال: (ثلاثة رابعهم) وقال: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ﴾ «الكهف ٢٢» وإثبات حرف العطف حسن، كما قال: (سبعة وثامنهم)، وأيضا فإنه بغير واو في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام، والقراءتان حسنتان، وإثبات الواو أحب

стр. 457

إليّ، لارتباط بعض الكلام ببعض (١)، ولأنه أزيد في الحسنات. «١٩» وحجة من نصب الفعل أنه عطفه على «أن يأتي» (٢) على تقدير تقدم «أن» إلى جنب «عسى»، إذ لا يحسن «عسى الله أن يأتي، وعسى الله أن يقول الذين» كما لا يحسن: عسى زيد أن يقوم عمرو، فإذا قدّرت التقديم في «أن يأتي» (٣) إلى جنب «عسى» حسن لأنه يصير التقدير: عسى الله أن يأتي الله، وعسى أن يقول الذين، ويجوز أن يجعل «أن يأتي» بدلا من اسم الله جلّ ذكره، فيصير التقدير: عسى الله أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين. «٢٠» وحجة من رفع الفعل أنه جعل الواو عطفت جملة على جملة، لم تعطف مفردا على مفرد، ويقوّي الرفع قراءة من قرأ بغير واو فلا يجوز مع (٤) حذف الواو إلا الرفع على الاستئناف، والاستغناء بالضمير، الذي في الجملة الثانية، عن حرف العطف، والاختيار الرفع، إذ عليه الجماعة، ولظهور وجهه، ولترك التكلف فيه، كما احتيج إلى التكلف في النصب، من تقديم لفظ مؤخر، وإثبات الواو وحذفها واحد، وحذفها أحب إليّ، لأن في حذفها دليلا على قوة الرفع الذي اخترنا، وفيه ترك النصب، الذي فيه ترك التقديم والتأخير (٥). «٢١» قوله: (من يرتدّ) قرأ نافع وابن عامر بدالين، الثانية ساكنة، وقرأ الباقون بدال واحدة مفتوحة مشددة.

стр. 458

وحجة من أظهر دالين أن الإدغام، إنما أصله إذا كان الأول ساكنا فيدغم الأول في الثاني، فلمّا كان الثاني في هذا هو الساكن أوثر الإدغام، لئلا يدغم، فيسكن الأول للإدغام، فيجتمع ساكنان، فكان الإظهار أولى به، وهي لغة أهل الحجاز، مع أن الإدغام يحتاج إلى تغيير بعد تغيير، فكان الإظهار أولى (١)، وهو الأصل، وكذلك هي بدالين في مصاحف أهل المدينة والشام. «٢٢» وحجة من أدغم أنه أراد التخفيف لمّا اجتمع له مثلان فأسكن الأول للإدغام، فاجتمع له ساكنان، فحرّك الثاني، ثم أدغم الأول فيه، وهي لغة بني تميم، وهي بدال واحدة في مصاحف أهل الكوفة والبصرة ومكة، والإظهار أحب إليّ لأنه الأصل ولأنه لا تغيير فيه (٢). «٢٣» قوله: ﴿وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض، ونصبه الباقون. وحجة من خفضه أنه عطفه على أقرب العاملين منه، وهو قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا، ولمّا كانت فرق الكفار ثلاثا: مشرك ومنافق وكتابي، وكل هذه الفرق قد اتخذت دين المؤمنين هزوا بدلالة قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾، و (الكفار) بدلالة قوله في المنافقين أنهم قالوا: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ وبدلالة قوله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ «الحجر ٩٥، ٩٦» فقد أخبر عن الكفار بالاستهزاء، فحسن دخولهم في هذه الآية، في الاستهزاء أيضا مع الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود، فجعل النوعين تفسيرا للموصول، وهو قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ ثم فسّرهم بنوعين: بيهود ومشركين، فوجب الخفض على (٣) العطف على قوله: (من الذين)، لظهور المعنى وقوته، ولقرب المعطوف عليه من المعطوف.

стр. 459

«٢٤» وحجة من نصب أنه عطفه على «الذين» الأول، في قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ (والكفار أولياء) أي: لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء، فالموصوف بالهمزء واللعب، في هذه القراءة، هم اليهود لا غير، والمنهي عن اتخاذهم (١) أولياء [هم] (٢) اليهود والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض، موصوف بالهزوء واللعب منهي عن اتخاذهم أولياء، ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض، لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير، والقرب من المعطوف عليه (٣). «٢٥» قوله: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ قرأه حمزة بضم الباء وكسر التاء، وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء. وحجة من ضم الباء وكسر التاء أنه جعل «عبد» اسما يبنى على «فعل» كعضد، فهو بناء للمبالغة والكثرة ك «يقظ وندس» (٤)، وأصله الصفة، ونصبه ب «جعل» أي: جعل منهم عبدا للطاغوت، وأضاف «عبد» إلى «الطاغوت»، فخفضه، و «جعل» بمعنى: «خلق»، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ «الأنعام ١» والمعنى: وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت، وليس «عبد» بجمع، لأنه ليس من أبنية الجموع. «٢٦» وحجة من فتح الباء والتاء أنه جعله فعلا ماضيا، وعطفه على فعل ماض، وهو غضب ولعن وجعل، ونصب «الطاغوت» به، في هذه القراءة، غيّر بحذفه الموصول، لأن التقدير: وجعل منهم من عبد الطاغوت، فحذف «من»،

стр. 460

وأبقى الصلة، فهو قبيح جائز على بعده، ولذلك كثر الاختلاف في هذا الحرف، فقرئ على أحد عشر وجها، ووحّد الضمير في القراءتين، حملا على لفظ «من»، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة، وهو أبين في المعنى، لأن التقدير: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، فهو أبين في المجانسة والمطابقة، وحمل آخر الكلام على مثال (١) أوله (٢). «٢٧» قوله: (رسالته) قرأه نافع وابن عامر وأبو بكر بالجمع، وكسر التاء، وقرأ الباقون بالتوحيد، وفتح التاء، وفي الأعراف (برسالاتي) «١٤٤» (٣) قرأه الحرميان بالتوحيد، وقرأه الباقون بالجمع. وحجة من قرأ بالجمع أنه لمّا كانت الرسل، يأتي كل واحد بضروب من الشرائع المرسلة معهم مختلفة، حسن جمعه ليدلّ على ذلك، إذ ليس ما جاءوا به رسالة واحدة، فحسن الجمع لمّا اختلفت الأجناس. «٢٨» وحجة من وحّد أن الرسالة على انفراد لفظها تدلّ على الكثرة، وهي كالمصدر في أكثر الكلام، لا تجمع ولا تثنّى لدلالته على نوعه بلفظه، لكن جاز جمعه في هذا لمّا اختلفت أنواعه وأجناسه، فتشابه المفعول فجمع، فهي تدل على ما يدل عليه لفظ الجمع، وهي أخفّ، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ «إبراهيم ٣٤» والنعم كثيرة (٤)، والمعدود لا يكون إلا كثيرا، لكن الواحد يدل على الجمع، والاختيار لفظ الجمع في هذه السورة، لأن المعنى عليه، لكثرة الرسل، وكثرة ما أرسلوا به، فأما في الأعراف فالاختيار التوحيد، لأن
следующие страницы →