← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

«١٥» وحجة من أسكن اللام أنه جعلها لام الأمر، فهو إلزام مستأنف يبتدأ به، أمر الله أهل الإنجيل بالحكم بما [أنزل] (١) في الإنجيل، كما أمر النبي ﵇ بالحكم بما أنزل عليه، فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ «المائدة ٤٩» وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأن ما أتى بعده، من الوعيد والتهديد، يدلّ على أنه أمر لازم (٢)، إلزام من الله لأهل الإنجيل (٣). «١٦» قوله: (يبغون) قرأه ابن عامر بالتاء، على الخطاب، على معنى: قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون. وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ «٤٩» وعلى قوله: ﴿أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ «٤٩» وهو الاختيار، لارتباط بعض الكلام ببعض، ولمطابقة آخره مع أوله، ولأن الجماعة عليه (٤). «١٧» قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بغير واو، وقرأ الباقون بالواو، وكلهم رفع «يقول» إلا أبا عمرو، فإنه نصبه. وحجة من أثبت الواو أنه جعله عطفا على ما قبله، عطف جملة على جملة، واتبع في ذلك أنها ثابتة في مصاحف الكوفة والبصرة. «١٨» وحجة من حذف الواو أنه استغنى عن حرف العطف، لأن في الجملة الثانية ضميرا يعود على الأول، فذلك الضمير يغني عن حرف العطف، كما قال: (ثلاثة رابعهم) وقال: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ﴾ «الكهف ٢٢» وإثبات حرف العطف حسن، كما قال: (سبعة وثامنهم)، وأيضا فإنه بغير واو في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام، والقراءتان حسنتان، وإثبات الواو أحب

стр. 457

إليّ، لارتباط بعض الكلام ببعض (١)، ولأنه أزيد في الحسنات. «١٩» وحجة من نصب الفعل أنه عطفه على «أن يأتي» (٢) على تقدير تقدم «أن» إلى جنب «عسى»، إذ لا يحسن «عسى الله أن يأتي، وعسى الله أن يقول الذين» كما لا يحسن: عسى زيد أن يقوم عمرو، فإذا قدّرت التقديم في «أن يأتي» (٣) إلى جنب «عسى» حسن لأنه يصير التقدير: عسى الله أن يأتي الله، وعسى أن يقول الذين، ويجوز أن يجعل «أن يأتي» بدلا من اسم الله جلّ ذكره، فيصير التقدير: عسى الله أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين. «٢٠» وحجة من رفع الفعل أنه جعل الواو عطفت جملة على جملة، لم تعطف مفردا على مفرد، ويقوّي الرفع قراءة من قرأ بغير واو فلا يجوز مع (٤) حذف الواو إلا الرفع على الاستئناف، والاستغناء بالضمير، الذي في الجملة الثانية، عن حرف العطف، والاختيار الرفع، إذ عليه الجماعة، ولظهور وجهه، ولترك التكلف فيه، كما احتيج إلى التكلف في النصب، من تقديم لفظ مؤخر، وإثبات الواو وحذفها واحد، وحذفها أحب إليّ، لأن في حذفها دليلا على قوة الرفع الذي اخترنا، وفيه ترك النصب، الذي فيه ترك التقديم والتأخير (٥). «٢١» قوله: (من يرتدّ) قرأ نافع وابن عامر بدالين، الثانية ساكنة، وقرأ الباقون بدال واحدة مفتوحة مشددة.

стр. 458

وحجة من أظهر دالين أن الإدغام، إنما أصله إذا كان الأول ساكنا فيدغم الأول في الثاني، فلمّا كان الثاني في هذا هو الساكن أوثر الإدغام، لئلا يدغم، فيسكن الأول للإدغام، فيجتمع ساكنان، فكان الإظهار أولى به، وهي لغة أهل الحجاز، مع أن الإدغام يحتاج إلى تغيير بعد تغيير، فكان الإظهار أولى (١)، وهو الأصل، وكذلك هي بدالين في مصاحف أهل المدينة والشام. «٢٢» وحجة من أدغم أنه أراد التخفيف لمّا اجتمع له مثلان فأسكن الأول للإدغام، فاجتمع له ساكنان، فحرّك الثاني، ثم أدغم الأول فيه، وهي لغة بني تميم، وهي بدال واحدة في مصاحف أهل الكوفة والبصرة ومكة، والإظهار أحب إليّ لأنه الأصل ولأنه لا تغيير فيه (٢). «٢٣» قوله: ﴿وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض، ونصبه الباقون. وحجة من خفضه أنه عطفه على أقرب العاملين منه، وهو قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا، ولمّا كانت فرق الكفار ثلاثا: مشرك ومنافق وكتابي، وكل هذه الفرق قد اتخذت دين المؤمنين هزوا بدلالة قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾، و (الكفار) بدلالة قوله في المنافقين أنهم قالوا: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ وبدلالة قوله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ «الحجر ٩٥، ٩٦» فقد أخبر عن الكفار بالاستهزاء، فحسن دخولهم في هذه الآية، في الاستهزاء أيضا مع الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود، فجعل النوعين تفسيرا للموصول، وهو قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ ثم فسّرهم بنوعين: بيهود ومشركين، فوجب الخفض على (٣) العطف على قوله: (من الذين)، لظهور المعنى وقوته، ولقرب المعطوف عليه من المعطوف.

стр. 459

«٢٤» وحجة من نصب أنه عطفه على «الذين» الأول، في قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ (والكفار أولياء) أي: لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء، فالموصوف بالهمزء واللعب، في هذه القراءة، هم اليهود لا غير، والمنهي عن اتخاذهم (١) أولياء [هم] (٢) اليهود والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض، موصوف بالهزوء واللعب منهي عن اتخاذهم أولياء، ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض، لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير، والقرب من المعطوف عليه (٣). «٢٥» قوله: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ قرأه حمزة بضم الباء وكسر التاء، وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء. وحجة من ضم الباء وكسر التاء أنه جعل «عبد» اسما يبنى على «فعل» كعضد، فهو بناء للمبالغة والكثرة ك «يقظ وندس» (٤)، وأصله الصفة، ونصبه ب «جعل» أي: جعل منهم عبدا للطاغوت، وأضاف «عبد» إلى «الطاغوت»، فخفضه، و «جعل» بمعنى: «خلق»، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ «الأنعام ١» والمعنى: وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت، وليس «عبد» بجمع، لأنه ليس من أبنية الجموع. «٢٦» وحجة من فتح الباء والتاء أنه جعله فعلا ماضيا، وعطفه على فعل ماض، وهو غضب ولعن وجعل، ونصب «الطاغوت» به، في هذه القراءة، غيّر بحذفه الموصول، لأن التقدير: وجعل منهم من عبد الطاغوت، فحذف «من»،

стр. 460

وأبقى الصلة، فهو قبيح جائز على بعده، ولذلك كثر الاختلاف في هذا الحرف، فقرئ على أحد عشر وجها، ووحّد الضمير في القراءتين، حملا على لفظ «من»، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة، وهو أبين في المعنى، لأن التقدير: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، فهو أبين في المجانسة والمطابقة، وحمل آخر الكلام على مثال (١) أوله (٢). «٢٧» قوله: (رسالته) قرأه نافع وابن عامر وأبو بكر بالجمع، وكسر التاء، وقرأ الباقون بالتوحيد، وفتح التاء، وفي الأعراف (برسالاتي) «١٤٤» (٣) قرأه الحرميان بالتوحيد، وقرأه الباقون بالجمع. وحجة من قرأ بالجمع أنه لمّا كانت الرسل، يأتي كل واحد بضروب من الشرائع المرسلة معهم مختلفة، حسن جمعه ليدلّ على ذلك، إذ ليس ما جاءوا به رسالة واحدة، فحسن الجمع لمّا اختلفت الأجناس. «٢٨» وحجة من وحّد أن الرسالة على انفراد لفظها تدلّ على الكثرة، وهي كالمصدر في أكثر الكلام، لا تجمع ولا تثنّى لدلالته على نوعه بلفظه، لكن جاز جمعه في هذا لمّا اختلفت أنواعه وأجناسه، فتشابه المفعول فجمع، فهي تدل على ما يدل عليه لفظ الجمع، وهي أخفّ، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ «إبراهيم ٣٤» والنعم كثيرة (٤)، والمعدود لا يكون إلا كثيرا، لكن الواحد يدل على الجمع، والاختيار لفظ الجمع في هذه السورة، لأن المعنى عليه، لكثرة الرسل، وكثرة ما أرسلوا به، فأما في الأعراف فالاختيار التوحيد، لأن

стр. 461

الإخبار بالرسالة عن موسى وحده، في قوله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾. وقوّى ذلك أن بعده (وبكلامي)، ولم يقل «كلماتي»، والكلام أيضا مصدر معطوف على «رسالتي»، وهو مصدر، فأتيا بالتوحيد جميعا لما ذكرنا (١). «٢٩» قوله: ﴿أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع «تكون»، ونصب الباقون. وحجة من رفع أنه جعل «حسب» بمعنى العلم واليقين، فلزمه أن يجعل «أن» مخففة من الثقيلة، لأنها لتأكيد ما بعدها، وما قبلها من اليقين، فهي أشبه باليقين من الناصبة للفعل، فيتسق الكلام على اليقين في أوله وآخره، فلمّا جعل «أن» مخففة من الثقيلة، للمعنى الذي ذكرنا، من حملها على معنى اليقين الذي قبلها، أضمر الهاء، لتكون اسم «أن»، فارتفع الفعل، إذ لا ناصب له، وصارت «لا» عوضا من المحذوف مع «أن»، والتقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة، أي: لا تقع ولا تحدث، فلا تحتاج «كان» إلى خبر، لأنها التامة بمعنى «حدث ووقع». «٣٠» وحجة من نصب أنه أجرى «حسب» على بابه للشك، فأتت معه «أن» الناصبة للفعل، لأنها لأمر غير ثابت مثل ما قبلها، فهي ملائمة لما قبلها، كما كانت «أن» المخففة من الثقيلة في القراءة الأولي ملائمة، لما قبلها، إذ هما جميعا لليقين، فنصبت «أن» الفعل، لأنه بابها. وحكى بعض النحويين أنه قال: من رفع هذا الفعل كتب «أن لا» منفصلة، لأن الهاء المضمرة المقدرة تحول في المعنى بين «أن» و «لا»، ومن نصب الفعل كتبه غير منفصل، إذ لا شيء يقدّر يحول بين «أن» و «لا» (٢).

стр. 462

«٣١» قوله: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بالتخفيف، وقرأ ابن ذكوان بألف بعد العين مخفّفا، وقرأ الباقون مشدّدا، من غير ألف. وحجة من شدّد أنه أراد تكثير الفعل على معنى: عقد بعد عقد، أو يكون أراد تكثير العاقدين للأيمان، بدلالة قوله: (ولكن يؤاخذكم) فخاطب جماعة، أو يكون شدّد لوقوع لفظ الأيمان بالجمع بعده، فكأنه عقد يمين بعد عقد يمين، فالتشديد يدل على كثرة الأيمان، ولو (١) كان بعده اليمين بالتوحيد لكان حجة للتخفيف. «٣٢» وحجة من خفّفه أنه أراد به عقد مرة واحدة، لأن من حلف مرة واحدة لزمه البر أو الكفارة، وليست الكفارة لا تلزم إلا من كرر الأيمان، فيحتاج ضرورة إلى التشديد، [والتشديد] (٢) للتكثير، وتكرير الأيمان يوهمان الكفارة، لا تلزم إلا من كرر اليمين، وإذا لزمت الكفارة في اليمين الواحدة كانت في الأيمان المكررة على شيء بعينه ألزم وآكد، فالتخفيف فيه إلزام الكفارة، وإن لم يكرر، وفيه رفع للإشكال. فالتشديد فيه إلزام الحالفين الكفارة على عددهم، وفيه إيهام ترك الكفارة عمن لم يكرر اليمين، فالقراءتان حسنتان، وكان التشديد أحب إلي، لأن أكثر القراء عليه، وعليه أهل الحرمين. «٣٣» وحجة من قرأ بألف أنه جعل «فاعل» يراد به المرة الواحدة، فعل الواحد كعافاه الله، فيكون في المعنى بمنزلة قراءة من خفف بغير ألف، ويجوز أن يراد به اثنان فأكثر، على باب فاعلين، فتكون اليمين من كل واحد من الحالفين المتعاهدين، فالمعنى على هذا القول أن تكون اليمين من كل واحد للآخر، على أمر عقدوه، وعلى القراءة الأولى أن تكون اليمين من واحد على فعل يفعله، أو على ترك فعل (٣).

стр. 463

«٣٤» قوله: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ قرأه الكوفيون «فجزاء» بالتنوين، ورفع «مثل»، وقرأ الباقون بغير تنوين، وخفض «مثل». وحجة من نون أنه لمّا كان «مثل» في المعنى صفة ل «جزاء» ترك إضافة الموصوف إلى صفته، وأجراه على بابه، فرفع «جزاء» بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: فعليه جزاء، وجعل «مثلا» صفة ل «جزاء»، على تقدير: فجزاء مماثل للمقتول من الصيد في القيمة أو في الخلقة، وبعدت الإضافة في المعنى، لأنه في الحقيقة ليس على قاتل الصيد جزاء مثل ما قتل، إنما عليه جزاء المقتول بعينه، لا جزاء مثله، لأن مثل المقتول من الصيد لم يقتله، فيصير المعنى على الإضافة: عليه جزاء ما لم يقتل. «٣٥» وحجة من أضاف أن العرب تستعمل في إرادة الشيء مثله يقولون: اني أكرم مثلك أي أكرمك. وقد قال الله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾ «البقرة ١٣٧» أي بما آمنتم لا بمثله، لأنهم إذا آمنوا بمثله لم يؤمنوا، فالمراد بالمثل الشيء بعينه، وقال تعالى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾ «الأنعام ١٢٢» أي: كمن هو في الظلمات، والمثل والمثل واحد، ولو كان المعنى على مثل وبابه لكان الكافر ليس في الظلمات، إنما في الظلمات مثله لا هو، فالتقدير على هذا في الإضافة: فجزاء المقتول من الصيد، يحكم به ذوا عدل، فيصح معنى الإضافة. والقراءتان قويتان لكن التنوين أحب إليّ لأنه الأصل، ولأنه لا إشكال فيه (١). «٣٦» قوله: ﴿كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ قرأ نافع وابن عامر بالإضافة، وقرأ الباقون بالتنوين، ورفع الطعام، وكلهم قرأ مساكين بالجمع (٢). والحجة في هذا كالحجة فيما ذكرنا (٣) في سورة البقرة، غير أن «الطعام»

стр. 464

عطف بيان على «الكفارة» لأن الكفارة هي «الطعام»، وتبعد إضافة «الكفارة» إلى «الطعام»، لأنها هي، ولأن الكفارة ليست للطعام، إنما الكفارة لقتل الصيد، لكن من أضاف حسن عنده ذلك، لأنه لمّا تقدّم التخيير بين «الهدى» و «الطعام» و «الصيام» استجاز الإضافة إلى أحدهما، ليبين من أي جنس تكون «الكفارة» فكأنه في التقدير: فعليه كفارة طعام لا كفارة هدى ولا كفارة صيام، وإنما أجمعوا على القراءة في «مساكين» بالجمع، لأن قتل الصيد لا يجزئ فيه إطعام مسكين واحد كما كان في إفطار يوم إطعام مسكين واحد، وقرئ بالتوحيد في البقرة لهذا (١) المعنى، ولا يجوز التوحيد في هذا الموضع، لأنه يصير حكما لمن قتل صيدا أن يجزئه إطعام مسكين واحد، وذلك لا يجوز، والاختيار التنوين في «كفارة»، لأن عليه المعنى، وهو (٢) الأصل، وعليه أكثر القراء، ولأن الكفارة هي الطعام بعينه والإضافة بعيدة (٣). «٣٧» قوله: (قياما لّلناس) قرأه ابن عامر بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف. وحجة من قرأ بألف أنه مصدر «قام القيام» كالصيام، فالتقدير جعل الله حج الكعبة أو قصد الكعبة قياما لمعاش الناس وأمثالهم في سكونهم بألا خوف عليهم ولا أذى من أحد، وكذلك جعل الأشهر الحرم لا يؤذيهم فيها أحد بقتال ولا بغارة. «٣٨» وحجة من حذف الألف أنه جعله أيضا مصدرا ل «قام» كالسمع، وكان حقه أن لا يعتل كالحول والعور، ولكن أعل لاعتلال فعله (٤). «٣٩» قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ قرأ حفص

стр. 465

«استحق» بفتح التاء والحاء، وقرأ الباقون بضم التاء وكسر الحاء، وقرأ أبو بكر وحمزة «الأولين» جمع أول المسلّم المخفوض، وقرأ الباقون «الأوليان» تثنية أولى (١) المرفوع. وحجة من فتح [التاء] (٢) أنه بنى الفعل للفاعل، فأضاف الفعل إلى «الأوليان»، فرفعهما ب «استحق»، التقدير: من الذين استحق عليهما أوليان بالميت وصيته التي أوصى بها إلى غير أهل دينه، أو إلى غير قبيلته. «٤٠» وحجة من ضمّ التاء أنه بنى الفعل للمفعول، وهو الأوليان، فأقام الأوليان مقام الفاعل على تقدير حذف مضاف، والمعنى: من الذين استحق عليهم إثم الأوليين، لأن الأوليين لا تستحق نفساهما، إنما استحق الوصية أو الإثم، ويجوز ذلك، وقد بينا رفع الأوليان وما يجوز فيه، في كتاب تفسير مشكل الإعراب (٣). «٤١» وحجة من قرأ «الأوليان» أنه جعله تثنية أولى، أي: أولى بالشهادة على وصية الميت، وقيل: معناه أولى بالميت من غيره. «٤٢» وحجة من قرأ «الأولين» أنه جعله جمع أول، والتقدير: من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم، وإنما قيل لهم الأولين لتقدّم ذكرهم في أول القصة وهو قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وهذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلها، ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر، وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا (٤) في «كتاب الهداية»، وذكرنا من مشكل إعرابها طرفا في تفسير مشكل الإعراب، ثم ذكرناها مشروحة بجميع وجوهها في تفسير إعراب

стр. 466

في (١) كتاب مفرد، والذي عليه الجماعة في قراءتها هو الاختيار، ضمّ التاء، والأوليان تثنية أولى أي: أولى بالوصية، أو بالميراث، أو بالميت، على الاختلاف في ذلك. وقد تقدّم ذكر «طائرا» في آل عمران وحجته (٢). «٤٣» قوله: ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ حمزة والكسائي «ساحر» هنا وفي أول هود والصف، وقرأ الكوفيون وابن كثير «ساحر» بألف في أول يونس (٣)، وقرأ الباقون في الأربعة بغير ألف. وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعل الإشارة إلى ما جاء به النبي، فأخبر عنهم أنهم جعلوا ما جاء به النبي [ ﷺ ] (٤) سحرا، ويجوز أن تكون الإشارة إلى النبي، وفي الكلام تقدير حذف مضاف، أي: إن هذا إلا ذو سحر، فيكون مثل القراءة بألف، وهذا الحذف كثير في القرآن. «٤٤» وحجة من قرأ بألف أنه جعل الإشارة إلى النبي ﷺ ، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إن هذا إلا ساحر، فأخبر عن الاسم باسم الفاعل، وهو بابه. ويجوز أن يكون «ساحر» بمعنى سحر، لأن الاسم قد يقع موضع المصدر، كقولهم: عائذا بالله من شرّها، أي: عياذا، فتكون القراءة بالألف كالقراءة بغير ألف، وكان أبو عمرو يقول: إذا كان بعده «مبين» فهو سحر، وإذا كان بعده «عليم» فهو ساحر. والمبين يصلح للسحر وللساحر، فلا حجة له في ذلك، فأما «عليم» فلا يكون إلا للساحر،

стр. 467

فهو صحيح. فالقراءتان متداخلتان حسنتان (١). «٤٥» قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قرأه الكسائي بالتاء ونصب «ربك»، وقرأ الباقون بالياء ورفع «ربك»، وأدغم الكسائي اللام من «هل. [وبل]» (٢) في التاء على أصله المذكور. وحجة من قرأ بالتاء أنه أجراه على مخاطبة الحواريين لعيسى؛ وفيه معنى التعظيم للرب جلّ ذكره، على أن يستفهم عيسى عن استطاعته، إذ هو تعالى مستطيع لذلك، فإنما معناه: هل تفعل ذلك [على معنى افعل ذلك] (٣). وقد هل تستطيع سؤال ربّك في إنزال مائدة علينا، والمعنى: هل تفعل لنا ذلك، وقد علموا أن عيسى يستطيع السؤال، ولا بدّ من إضمار السؤال، إذ لا يجوز أن يقال: هل تستطيع أن يفعل غيرك كذا، ف «أن» مفعول بالمصدر المحذوف، وهو السؤال، وهذا كما تقول للرجل: هل تستطيع أن تكلمني، وقد علمت أنه مستطيع لذلك، فإنما معناه: هل تفعل ذلك [على معنى افعل ذلك] (٣). وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك، ولكن: هل تستطيع ربك. وروي عنها أنها قالت: كان الحواريون لا يشكّون أن الله يقدر على إنزال مائدة عليهم، ولكن قالوا: هل تستطيع ذلك. وعن معاذ بن جبل أنه قال: أقرأنا النبي ﵇: هل تستطيع ربّك. قال معاذ: وسمعت النبي ﵇ مرارا يقرأ بالتاء في «تستطيع»، وبذلك قرأ أيضا (٤) علي بن أبي طالب. «٤٦» وحجة من قرأ بالياء أنه على معنى: هل يفعل ربّك ذلك، لأنهم لم

стр. 468

يشكّوا في استطاعة البارئ على ذلك، لأنهم كانوا مؤمنين، فإنما هو كقولك للرجل هل يستطيع فلان أن يأتي، وقد علمت أنه مستطيع. فالمعنى: هل يفعل ذلك، وهل يجيبني إلى ذلك، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر، فأرادوا معاينة لذلك، كما قال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ «البقرة ٢٦٠» وقد كان علم أن الله يحيي الموتى استدلال وحي ونظر، فأراد علم المعاينة التي لا يعترضها شيء، ولذلك قال إبراهيم: ﴿بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: لا تدخل عليه في ذلك شبهة (١)، لأن علم النظر والخبر تدخله الشبهة والاعتراضات وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: (وتطمئنّ قلوبنا)، والاختيار ما عليه الجماعة من الياء، ورفع «ربك» على المعنى (٢) «٤٧» قوله: (إني منزّلها) قرأه نافع وعاصم وابن عامر بالتشديد، على أنه اسم فاعل من نزّل. وقرأ الباقون بالتخفيف على أنه اسم من فاعل من أنزل، واللغتان موجودتان (٣) في القرآن، قد أجمع على كل واحدة [منهما] (٤)، فالقراءتان متساويتان، غير أن التشديد فيه معنى التكثير (٥). «٤٨» قوله: (يوم ينفع) قرأه نافع بالنصب، ورفع الباقون. وحجة من نصب أنه جعل الإشارة ب «هذا» إلى غير اليوم، ممّا تقدّم ذكره من الخبر والقصص في قوله: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى﴾ «١١٦» وليس ما (٦) بعد القول حكاية. فإن جعلته حكاية أضمرت ما يعمل في «يوم»، والتقدير: قال الله هذا الذي اقتص عليكم يحدث أو يقع في يوم ينفع، وإن لم

стр. 469

نجعله حكاية، فأعمل القول في «اليوم» على أنه ظرف للقول، والمعنى: قال الله تعالى هذا القصص الذي قص عليكم أو هذا الخبر الذي أخبرتم به في يوم ينفع الصادقين، أي: سيقوله في ذلك اليوم، وأفعال الله جلّ ذكره التي (١) يخبر أنها ستكون بمنزلة الكائنة الواقعة لصحة وقوعها، على ما أخبر به عنها، فلذلك يخبر عما يستقبل من أفعاله بلفظ الماضي، وهو كثير في القرآن. ف «يوم»، وهو منصوب، ظرف خبر الابتداء الذي هو هذا، لأنه حدث (٢). وظروف الزمان تكون أخبارا عن الأحداث، تقول: القتال اليوم، والخروج الساعة. والجملة في موضع نصب بالقول، ومذهب الكوفيين في فتح «يوم» أنه في موضع رفع على خبر «هذا»، و «هذا» إشارة إلى «اليوم» ولكنه فتح عندهم. وفتحه بناء لإضافته إلى الفعل، لأنه غير متمكن في الإضافة إليه. والبصريون إنما يبنون الظرف إذا أضيف إلى فعل مبني، فإن أضيف إلى فعل معرب لم يبن. «٤٩» وحجة من رفع أنه جعل «يوم ينفع» خبرا ل «هذا»، والجملة في موضع نصب بالقول، وهو محكي لا يعمل في لفظ القول، و «هذا» إشارة إلى «يوم القيامة» وهو اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم (٣). «٥٠» في هذه السورة ست ياءات إضافة، قوله ﴿يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ «٢٨» فتحها نافع وأبو عمرو وحفص. ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «٢٨»، ﴿لِي أَنْ أَقُولَ﴾ «١١٦» فتحهما الحرميان وأبو عمرو. و ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ «٢٩» ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ «١١٥» فتحهما نافع. ﴿وَأُمِّي إِلهَيْنِ﴾ «١١٦» فتحها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص (٤). فيها زائدة قوله: ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ الثاني «٤٤» قرأه أبو عمرو بياء في الوصل خاصة.

стр. 470

سورة الأنعام مكية، وهي مائة آية وسبع وستون آية في المدني، وخمس في الكوفي وعن ابن عباس: [أنّ] (١) ثلاث آيات نزلن بالمدينة قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ «١٥١» إلى تمام الثلاث آيات. «١» قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الياء، وكسر الراء، وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح الراء. وحجة من قرأ بفتح الياء أنه أخبر بالفعل (٢) عن الفاعل المتقدّم الذكر، وإضماره مستتر في «يصرف»، وشاهده أن في قراءة أبيّ: «من يصرفه الله عنه»، وفي قراءة ابن مسعود «يصرف الله عنه»، فالمعنى: من يصرف الرب عنه يومئذ العذاب فقد رحمه، فالمفعول محذوف، وهو «العذاب»، لدلالة الكلام عليه، ولا يحسن أن يقدّر حرف «ها» مع «يصرف» لأن الهاء، إنما تحذف من الصلات، وليس في الكلام موصول، لأن «من» للشرط لا صلة لها. «٢» وحجة من ضمّ الياء أنه بنى الفعل لما لم يسمّ فاعله، فأضمر فيه ذكر العذاب، لتقدّم ذكره، وأقامه مقام الفاعل، فلا حذف في الكلام، ويقوّي ذلك قوله: ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ «هود ٨» يعني العذاب، فبناه لما لم يسمّ فاعله، وأضمر فيه العذاب، أقامه مقام الفاعل أيضا، وهو إجماع، وهو الاختيار لأن أكثر القراء (٣) عليه، ولأنه أقل إضمارا من القراءة بفتح الياء (٤).

стр. 471

«٣» قوله: ﴿تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، وقرأ الباقون بالتاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص «فتنتهم» بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث الفعل لتأنيث لفظ (١) الفتنة، إن رفع الفتنة أنّث (٢)، لأن الفاعل مؤنث اللفظ، وإن نصب الفتنة أنّث، لأن الفاعل في المعنى هو الفتنة، لأن خبر كان هو اسمها في المعنى. «٤» وحجة من قرأ بالياء أنه أتى بلفظ التذكير، لتذكير «أن» وما بعدها، في قوله: (إلا أن) إذا (٣) نصب «فتنتهم»، فإن رفعها ذكّر، لأن الفتنة المعذرة، والمعذرة والعذر واحد، فذكّر لتذكير العذر، ويجوز أن يكون ذكر لأن «الفتنة» «القول» في المعنى، فذكّر لتذكير «القول»، إذ القول هو الفتنة. «٥» وحجة من رفع الفتنة أنها لمّا كانت معرفة، وتقدّمت «القول» جعلها اسم كان، و «أن قالوا» الخبر، فأتى بالكلام في الإعراب على رتبته، من غير تقديم ولا تأخير، لا سيما إذا قرئ بالتاء، فهو أقوى لرفع الفتنة، لأن التأنيث في الفعل يدلّ على إضافة الفعل إلى «الفتنة»، فقوي الرفع في «الفتنة»، لتأنيث الفعل، ولتقدّم «الفتنة» في اللفظ، ولأنها معرفة، فأما إذا قرئ «تكن» بالتاء فالرفع يقوى، لتقدّم «الفتنة» في اللفظ، ولأنها معرفة، ولأنها هي «القول» الذي حمل التذكير عليه. «٦» وحجة من نصب «الفتنة» أنه لمّا وقع بعد «كان» معرفتان، وكان أحدهما أعرف جعله اسم «كان»، وهو «أن» وما بعدها، وإنما كانت أعرف لأنها لا توصف، كما لا يوصف المضمر، فأشبهت المضمر، فجعلت اسم [كان] (٤) كما يجعل المضمر إذا (٥) وقع بعد كان اسمها والظاهر خبرها، ولأنها

стр. 472

لا تتنكّر أبدا كما تتنكّر «الفتنة»، وتنفصل عمّا أضيفت [إليه] (١)، لا سيما إذا قرئ «يكن» بالياء، فهو أقوى في نصب «الفتنة»، لأنه قد بان أن الفعل ل «القول» بالتذكير، والاختيار القراءة بالتاء، ونصب «الفتنة»، لأنها هي القول في المعنى [ولأنها بمعنى العذر] (٢) ولأن «أن» وما بعدها أعرف، لأن على ذلك أكثر القراء (٣). «٧» قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنا﴾ قرأه حمزة والكسائي «ربنا» بالنصب على النداء المضاف، وفصل به بين القسم وجوابه، وذلك حسن، لأن فيه معنى الخضوع والتضرع حين لا ينفع ذلك، وقرأه الباقون بالخفض، على النعت ل «الله» ، أو على البدل (٤). «٨» قوله: (ولا تكذّب، ونكون) قرأه حفص وحمزة «ولا نكذب» بالنصب، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص «ويكون» بالنصب، ورفعهما الباقون. وحجة من نصب أنه جعل الفعلين جوابا للتمني، لأنه غير واجب، ليكونا داخلين في التمني، على معنى أنهم تمنوا الردّ، وترك التكذيب، والكون من المؤمنين، والنصب بإضمار «أن» كما تنصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعرض، لأن جميعه (٥) غير واجب، ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو، كأنه عطف على مصدر الأول، كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا ردّ، واتنفاء من التكذيب، وكون من المؤمنين، فحملا على مصدر «يرد» في

стр. 473

العطف، إذ لم يمكن أن يحملا على العطف على «نرد» لانقلاب المعنى إلى الرفع، فلم يكن بدّ من إضمار «أن»، لتكون مع الفعل مصدرا، فيعطف مصدرا على مصدر، وبه يتمّ النصب في الفعلين. «٩» وحجة من رفعهما أنه عطفهما على «نرد»، فيكون قوله: «ولا نكذب ونكون» داخلين في التمني، تمنّوا ثلاثة أشياء على ما ذكرنا (١)، ويجوز أن يرفع، على أن يقطعه من الأول، على تقدير: يا ليتنا نردّ، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين، رددنا أو لم نردّ، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ «٢٨» يدل على كذبهم فيما أخبروا به عن أنفسهم، من أنهم لا يكذبون ويكونون (٢) من المؤمنين، ولم يتمنوا ذلك في هذا التقدير، لأن التمني لا يقع معه التكذيب، إنما يكون التكذيب في الخبر، إنما التزموه ردّوا أو لم يردوا، حكى سيبويه: دعني ولا أعود، بالرفع على معنى: ولا أعود تركتني أو لم تتركني، ولم يسأل أن يجمع له الترك والعود، وأهل النظر على أن التكذيب لا يجوز في الآخرة، لأنها دار جزاء، على ما كان في الدنيا، والتأويل عندهم: وإنهم لكاذبون في الدنيا، في تكذيبهم للرسل، وإنكارهم البعث، فيكون ذلك حكاية عن الحال [التي كانوا عليها في الدنيا كما قال (وإن ربك ليحكم بينهم) فجعله حكاية عن الحال] (٣) الآتية. وقد حكي أن أبا عمرو احتجّ للرفع بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وأجاز التكذيب في الآخرة. «١٠» وحجة من رفع «نكذب» ونصب «ونكون» أنه رفع الأول على أحد الوجهين المذكورين المتقدمين، على أن يكون داخلا في التمني، فيكون الرفع كالنصب، ونصب «ونكون» على جواب التمني [فكلا الفعلين دخل في التمني] (٤)، ويجوز رفع «ونكذب» على معنى الثبات على

стр. 474

ترك التكذيب، أي: لا نكذب رددنا أو لم نردّ، فيكون غير داخل في التمني ويكون داخلا في التمني إذا نصبته (١). «١١» قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء، ومثله في الأعراف ويوسف، غير أن أبا بكر (٢) يكون معهم في يوسف على التاء، وخيّر أبو عمرو في التاء والياء في سورة القصص، والأشهر عنه الياء. وقرأ نافع وابن ذكوان «أفلا تعقلون» في يس بالتاء (٣)، وقرأ الباقون بالياء في ذلك كله. وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على ما قبله، من لفظ الغيبة، في قوله: (خير للذين يتقون)، وكذلك في الأعراف، ردّوه على «يتقون» أيضا، وكذلك في يوسف، ردوه على قوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ «١٠٩». «١٢» وحجة من قرأ بالتاء أنه جعله خطابا للذين أخبر عنهم بما قبله (٤). «١٣» قوله: ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ﴾ قرأه ابن عامر بلام واحدة، وحفص «الآخرة»، وقرأ الباقون بلامين، ورفع «الآخرة». وحجة من قرأ بلامين أنه أدخل لام الابتداء على الدال، ورفع «الدار» بالابتداء، وجعل «الآخرة» نعتا لها، والخبر «خير للذين» كما قال: ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ «العنكبوت ٦٤» وقال: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ «القصص ٨٣» فأنّث «الآخرة» صفة ل «الدار» فيهما، ولمّا كانت (٥) «الآخرة» صفة

стр. 475

لم يصحّ أن تضيف الموصوف إليها، وقد اتسع (١) في هذه الصفة فأقيمت مقام الموصوف، كما أقيمت الأولى مقام الموصوف، قال الله تعالى ذكره: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ «الضحى ٤» وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه ولصحة معناه في الصفة، والتعريف ل «الدار». «١٤» وحجة من قرأ بلام واحدة أنه لم يجعل «الآخرة» صفة ل «الدار» فأضاف «الدار» إليها، فلم يمكن دخول الألف واللام عليها للإضافة، و «الآخرة» في الأصل صفة للساعة، كأنه قال، ولدار الساعة الآخرة، فوصف الساعة بالآخرة، كما وصف اليوم بالآخر، في قوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ «العنكبوت ٣٦» لكن توسع فيها فاستعملت استعمال الأسماء، فجازت الإضافة إليها كما فعلوا ذلك في «الدنيا»، وأصلها الصفة من «الدنو»، وقد تقدّم ذكر «ليحزنك» وبابه وعلته (٢). «١٥» قوله ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ (٣) قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وشدّد الباقون. وحجة من خفّفه أنه حمله على معنى: لا يجدونك كاذبا، لأنهم يعرفونك بالصدق، فهو من باب: أحمدت الرجل، وجدته محمودا، ودلّ على صحة ذلك قوله: ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: يجحدون بأنفسهم ما يعلمون صحته يقينا عيانا عنادا منهم. وحكى الكسائي عن العرب «أكذبت الرجل» إذا أخبرت أنه جاء بكذب، وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب. وقيل: معنى التخفيف: فإنهم لا يجعلونك كذابا، إذ لم يجربوا عليك الكذب. وحكى قطرب: أكذبت الرجل دللت على كذبه، وقيل: التخفيف والتشديد لغتان. «١٦» وحجة من شدّد أنه حمله على معنى: فإنهم لا ينسبونك إلى الكذب،

стр. 476

كما يقال: فسّقته وخطّأته، نسبته إلى الفسق وإلى الخطأ، فالمعنى: فإنهم لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب، فيما جئتهم به، لأنه في كتبهم (١). «١٧» قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ «الكهف ٦٣» قرأ نافع في ذلك كله، حيث وقع بتخفيف الهمزة الثانية، وحذفها الكسائي، وحققها الباقون. وحجة من حقّق أنه أتى بالكلمة على أصلها، والأصل الهمز، لأن همزة الاستفهام دخلت على «رأيت»، فالهمزة عين الفعل، والياء ساكنة، لاتصال المضمر المرفوع بها. «١٨» وحجة من خفّف الثانية أنه استثقل اجتماع همزتين في فعل، مع اتصال الفعل بضمير، وذلك كله ثقيل، فخفّف الثانية بين الهمزة والألف، على الأصل المتقدم (٢) الذكر، والياء ساكنة على أصلها، ولم يمتنع تخفيف الهمزة بين بين، مع سكون ما بعدها، لأنها في زنة المخففة المتحركة. وقد روي عن ورش أنه أبدل من الهمزة ألفا، لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية، والمد لا يتمكن إلا مع البدل، والبدل فرع على (٣) الأصول، والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف، وعليه كل من خفّف الثانية (٤) غير ورش، وحسن جواز البدل في الهمزة، وبعدها ساكن، لأن الأول (٥) حرف مدّ ولين، فالمدّ الذي يحذف مع الساكن يقوم مقام حركة، يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني. وقد مضى ذكر هذا (٦).

стр. 477

«١٩» قوله: ﴿فَتَحْنا﴾ قرأه ابن عامر هنا وفي الأعراف «فتحنا» [وفي الأنبياء «فتحت» وفي القمر «ففتحنا»] (١) بالتشديد في الأربعة، وخفّفهن الباقون وكلهم خفّف ما جاء بعده اسم مفرد نحو: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً﴾ «الحجر ١٤» والتخفيف والتشديد لغتان، غير أن التشديد فيه معنى التكثير والتكرير، والتخفيف الاختيار للإجماع عليه (٢). «٢٠» قوله: ﴿بِالْغَداةِ﴾ قرأه ابن عامر بالواو، وضمّ الغين، ومثله في الكهف (٣) وقرأهما الباقون بفتح الغين بألف بعد الدال. وحجة من قرأ بألف أن «غداة» في كلام العرب نكرة وأدخل عليها الألف واللام للتعريف، و «غدوة» أكثر ما تستعمل معرفة بغير ألف ولام، فترك القراءة بها لثبات الألف واللام في الخط، وهما لا تدخلان على معرفة، فالتزم القراءة ب «غداة» لأنها نكرة، يحسن فيها دخول الألف واللام، ولا يحسن في «غدوة»، لأنها في أكثر اللغات، معرفة بغير ألف ولام، ولا تصرفها العرب، حكي: «أتيتك غدوة باكرا» بغير صرف. وقال سيبويه: غدوة وبكرة، جعل كل واحد منهما اسما للحين، يعني معرفة. وذلك دليل على أنها معرفة فمنعت الصرف، للتأنيث والتعريف. «٢١» وحجة من قرأ بضمّ العين أن بعض العرب ينكّر «غدوة» فيصرفها في النكرة، فلمّا وجدها تنكّر أدخل عليها الألف واللام للتعريف اتباعا للخط، والاختيار القراءة بالألف، لأنها نكرة بإجماع، لم يستعمل أحد من العرب في «غداة» التعريف فوجب دخول الألف واللام عليها لتتعرف (٤).

стр. 478

«٢٢» قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم «أنه» بالفتح، وقرأ عاصم وابن عامر «فأنه غفور» [بالفتح] (١)، وقرأ الباقون بالكسر فيهما. وحجة من كسر «إنه من عمل» أنه جعله تفسيرا للرحمة، فسّرها بالجملة التي بعدها و «أن» تكون مكسورة إذا دخلت على الجمل. «٢٣» وحجة من كسر «فإنه غفور» أنّ ما بعد الفاء حكمه الابتداء والاستئناف، فكسر لذلك، لأن حكم «إن» في الابتداء والاستئناف الكسر. «٢٤» وحجة من فتح «أنه من عمل» أنه جعل «أن» بدلا من «الرحمة» على بدل الشيء من الشيء، وهو هو، فأعمل فيها «كتب»، كأنه قال: كتب ربكم على نفسه «أنه من عمل». «٢٥» وحجة من فتح «فأنه غفور» أنه أضمر خبرا مقدّما، ورفع «ان» بالابتداء، لأن ما بعد الفاء مبتدأ (٢)، كأنه قال: فله أنه غفور له، أي فله غفران الله، ويجوز رفع «أن» بالظرف المضمر، ويجوز أن يضمر مبتدأ تكون «أن» خبره، تقديره: فأمره غفران ربه له، وقد قيل: إن «أن» الثانية تأكيد وتكرير للأولى (٣). «٢٦» قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء، ورفع «السبيل»، حملوه على تذكير السبيل، إذ قد أضافوا (٤) الفعل إليه فرفعوه (٥) به، و «السبيل» تذكر وتؤنث قال الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ﴾

стр. 479

﴿الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ﴾ «الأعراف ١٤٦» فذكّر، ومثله الثاني بعده. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث «السبيل»، إذ قد أسند الفعل إليه فرفع (١) به. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ «يوسف ١٠٨» فأنث. «٢٧» فأما من قرأ بالتاء ونصب «السبيل»، وهو نافع، فإنه جعل الفعل خطابا للنبي ﷺ ، وهو الفاعل، و «السبيل» مفعول به، والاختيار التاء ورفع «السبيل»، فهو أبين في المعنى، وعليه أكثر القراء (٢). «٢٨» قوله: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ قرأه الحرميان وعاصم بالصاد، مضمومة غير معجمة، وقرأ الباقون بالضاد، معجمة مكسورة، وأصلها أن يتصل بها ياء، لأنه فعل مرفوع من القضاء، لكن الخط بغير ياء، فتكون الياء حذفت لدلالة الكسرة عليها. «٢٩» وحجة من قرأ بالصاد غير معجمة أنه جعله من القصص كقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ «يوسف ٣» و ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ «آل عمران ٦٢». «٣٠» وحجة من قرأ بالضاد معجمة أنه جعله من القضاء، ودلّ على ذلك أن بعده ﴿خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾، والفصل لا يكون إلا عن قضاء دون قصص، ويقوّي ذلك أن في قراءة ابن مسعود «(إن الحكم إلا لله يقضي بالحق)» فدخول الياء يؤكد معنى القضاء، ولا يوقف عليه في هذه القراءة، لأن أصله الياء، فإن وقفت بالياء، على الأصل، خالفت الخط وإن وقفت بغير ياء خالفت الأصل، والقراءة بالصاد غير معجمة أحب إليّ، لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الياء فيه، كما أتت في قراءة ابن مسعود (٣).

стр. 480

«٣١» قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ و ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ قرأهما حمزة بالألف والإمالة، على تذكير الجميع، كما قال ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠» وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة، كما قال: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ﴾ «الحجرات ١٤» و ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ «إبراهيم ١١» و ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ﴾ ﴿الرُّسُلُ﴾ «فصلت ١٤» وهو الأكثر، وهو الاختيار. والإمالة تحسن فيه. لأن الألف أصلها الياء، لأنه من «هوى يهوى»، ولأن الألف رابعة وخامسة (١). «٣٢» قوله: ﴿وَخُفْيَةً﴾ قرأه أبو بكر بكسر الخاء، ومثله في الأعراف (٢)، وضمّ الباقون، وهما لغتان مشهورتان (٣). «٣٣» قوله: ﴿لَئِنْ أَنْجانا﴾ قرأه الكوفيون بألف، من غير تاء، على لفظ الغيبة، لأن بعده: ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ «٦٤» وبعده: ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ﴾ «٦٥» وقبله: (تدعونه)، والهاء للغائب، وأجراه على ذلك ممّا بعده وممّا قبله، وأماله حمزة والكسائي، لأن أصل الألف الياء، إذ هي رابعة. وقرأ الباقون بالتاء، على لفظ الخطاب، فهو أبلغ في الدعاء والابتهال والسؤال، وهو الاختيار، لأن الأكثر من القراء عليه (٤). «٣٤» قوله: ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ قرأه الكوفيون وهشام بالتشديد، جعلوه (٥) من «نجّا ينجّي»، وقرأ الباقون بالتخفيف جعلوه من «أنجى ينجي» والمعنى واحد، وأصل الفعل «نجا»، ثم يثقل للتعدية بالهمز (٦) وبالتشديد، فالهمزة فيه كالتشديد في تعديته، وكل واحد يقوم مقام الآخر في التعدي إلى

стр. 481

مفعول. واللغتان في القرآن إجماع، قال الله تعالى جلّ ذكره: ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ «العنكبوت ٢٤» وقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ «الأعراف ١٤١» وقال: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ «يونس ٧٣» وهما في القرآن كثير، فالقراءتان متعادلتان، غير أن التشديد فيه معنى التكرير للفعل، على معنى «نجاة بعد نجاة» (١). «٣٥» قوله (٢): ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ قرأه ابن عامر بتشديد السين، وخفّف الباقون. وهو مثل «أنجا ونجّا» يقال: «نسيته وأنسيته»، كما «نجيته وأنجيته» (٣). وقد تقدّم ذكر الإمالة والاختلاف في: ﴿رَأى كَوْكَباً﴾ «الأنعام ٧٦» وفي شبهه (٤)، وفي: ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ «الأنعام ٧٧» وفي شبهه ولم يختلف في فتح ما أتى فيه الساكن بعد الهمزة في كلمة، نحو: «رأته ورأوه ورأيته» وشبهه. «٣٦» قوله: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ قرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون، وشدد الباقون. وحجة من شدّده أن الأصل فيه بنونين، الأولى علامة الرفع، والثانية فاصلة بين الفعل والياء، فلمّا اجتمع مثلان في فعل، وذلك ثقيل، أدغم إحدى النونين في الأخرى، فوقع التشديد لذلك، ولا بدّ من مد الواو للمشدد، لئلا يلتقي ساكنان، الواو، وأول المشدد، فصارت المدة تفصل بين الساكنين، كما تفصل الحركة بينهما. «٣٧» وحجة من خفّف أنه (٥) حذف النون الثانية استخفافا، لاجتماع

стр. 482

المثلين متحركين، وللتضعيف، الذي في الفعل، في الجيم، ولا يحسن أن يكون المحذوف هو النون الأولى، لأنها علم الرفع في الفعل، وحذفها علم النصب والجزم، فلو حذفت استخفافا لاشتبه المرفوع بالمجزوم والمنصوب، وأيضا فإن الاستثقال إنما يقع بالتكرير، فحذف ما يحدث به الاستثقال أولى من غيره، وحذف هذه النون في العربية قبيح مكروه، إنما يجوز في الشعر، لضرورة الوزن، والقرآن لا يحمل على ذلك، إذ لا ضرورة، تلجئ إليه، وقد لحّن بعض النحويين من قرأ به، لأن النون الثانية وقاية للفعل ألا تتصل به الياء، فيكسر آخره فيغيّر، فإذا حذفتها اتصلت الياء بالنون، التي هي علامة الرفع، وأصلها الفتح، فغيرتها عن أصلها وكسرتها، فتغيّر الفعل. والاختيار تشديد النون، لأنه الأصل، ولأن الحذف يوجب التغيير في الفعل، ولأن عليه أكثر القراء (١). «٣٨» قوله: ﴿دَرَجاتٍ﴾ قرأه الكوفيون بالتنوين، ومثله في يوسف، وقرأهما الباقون بغير تنوين. وحجة من نوّن أنه أوقع الفعل على «من» لأنه المرفوع في الحقيقة ليست الدرجات هي المرفوعة المقصود إليها (٢) بالرفع، إنما المرفوع صاحبها فهو كقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ «البقرة ٢٥٣». «٣٩» وحجة من لم ينوّن أنه أوقع الفعل على «درجات»، وأضاف «الدرجات» إلى «من»، لأن الدرجات إذا رفعت فصاحبها مرفوع إليها، ودليله قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ «غافر ١٥» فأضاف الرفع إلى «الدرجات»، وهو

стр. 483

لا إله إلا هو الرفيع المتعال في شرفه وفضله، فالقراءتان متقاربتان، لأن من رفعت (١) درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته (٢). «٤٠» قوله: (واليسع) قرأه حمزة والكسائي بلامين إحداهما (٣) مدغمة في الأخرى، وإسكان الياء، ومثله في صاد (٤) وقرأ الباقون بلام واحدة ساكنة، وفتح الياء. وحجة من قرأ بلام واحدة أنه جعله اسما أعجميا، والأسماء الأعجمية في أبنيتها مخالفة للعربية في الأكثر، فهو معرفة بغير ألف ولام، فالألف واللام فيه زائدتان، إذ هو معرفة بغيرهما، فأصله «يسع» كيزيد ويشكر، معرفتان، لا تدخلهما الألف واللام، إذ لا يتعرف الاسم من وجهين، فلا بد من تقدير زيادة الألف واللام في «اليسع» عند حذّاق أهل النحو. وقد قيل: إنهما للتعريف كسائر الأسماء. «٤١» وحجة من قرأ بلامين أن أصل الاسم «ليسع»، ثم دخلت الألف واللام للتعريف، ولو كان أصله «يسع» لما دخلته الألف واللام، إذ لا تدخلان على «يزيد ويشكر»، اسمان لرجلين، ولأنهما معرفتان علمان، فإنما أصله «ليسع» نكرة، وقد دخلته الألف واللام للتعريف، والقراءة بلام واحدة أحب إليّ لأن أكثر القراء عليه، والقراءة بلامين حسنة، قوية في الإعراب، ولولا مخالفة الجماعة لاخترتها (٥). «٤٢» قوله: (اقتده قل) قرأ حمزة والكسائي بغير هاء

стр. 484

في الوصل، لأنها هاء سكت، إنما جيء بها في الوقف خاصة، لبيان حركة الدال، فلا وجه لإثباتها في الوصل، لأن الدال متحركة فيه، فهي كألف الوصل التي (١) جيء بها للابتداء، ولا حظّ لها في الوصل، فمن أثبت الهاء في الوصل كمن همز ألف الوصل في الوصل، وهي أيضا على مذهب البصريين كألف «أنا» التي تحذف في الوصل، وتثبت في الوقف، لبيان حركة النون، وقرأ الباقون بالهاء في الوصل، على نية الوقف، لا على نية الإدراج اتباعا لثباتها في الخط، وإنما تثبت في الخط ليعلم أن الوقف بالهاء، لئلا (٢) تثبت في الوصل، وأجاز ابن الأنباري (٣) أن تكون الهاء كناية عن المصدر، فيصح إثباتها في الوصل وتسكن كما أسكنت في ﴿يُؤَدِّهِ﴾ «آل عمران ٧٥» ﴿وَنُصْلِهِ﴾ «النساء ١١٥» على قراءة من أسكنها، وقد حكى ابن الأنباري أن من العرب من يثبت هاء السكت في الوصل والوقف، بنوا الوصل على الوقف غير أن ابن ذكوان يصل الهاء بياء وهشام بكسرها، كأنهما جعلا الهاء لغير السكت، جعلاها كناية عن المصدر، والفعل يدل على مصدره، كأنه في التقدير «اقتد الاقتداء» ففيه معنى التأكيد، كأنه قال: فبهداهم اقتد اقتد، ثم جعل المصدر عوضا من الفعل الثاني، لتكرّر اللفظ فاتصل بالفعل الأول فأضمر، فجاز كسر الهاء، وصلتها بياء، على ما يجوز في هاء الكناية (٤).

стр. 485

«٤٣» قوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ﴾ قرأ الثلاث ابن كثير وأبو عمرو بالياء، ردّاه على لفظ الغيبة في قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ﴾ وقوله: ﴿إِذْ قالُوا﴾، وقرأهن الباقون بالتاء، ردّوه على المخاطبة التي قبله، في قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾، فذلك أقرب إليه، وهو أولى أن يحمل على ما قرب منه ممّا بعد، وأيضا فإن بعده خطابا، فحمل على ما قبله، وما بعده، وهو قوله: (وعلّمتم ما لم تعلموا أنتم) فحمل على ما قبله وما بعده، فذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة، واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار، لهذه العلل، ولأن أكثر القراء عليه (١). «٤٤» قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ قرأه أبو بكر بالياء، ردّه على «الكتاب» فأسند الفعل، وهو الإنذار، إلى «الكتاب»، كما قال: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ «إبراهيم ٥٢»، وقال ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ «الأنبياء ٤٥»، وقرأ الباقون بالتاء، على الخطاب للنبي ﵇، فهو فاعل الإنذار، كما قال: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ «النازعات ٤٥»، ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ «الأنعام ٥١» (٢). «٤٥» قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأه نافع والكسائي وحفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. وحجة من رفع أنه جعل «البين» اسما غير ظرف، فأسند الفعل إليه، فرفعه به، ويقوّي جعل «بين» اسما دخول حرف الجر عليه، في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ «فصلت ٥» و ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ «الكهف ٧٨» ولا يحسن أن يكون مصدرا، وترفعه بالفعل، لأنه يصير المعنى، لقد تقطّع افتراقكم، وإذا انقطع افتراقهم لم يفترقوا، فيحول المعنى، وينقلب المراد، وإنما تمّ على أنهم (٣) تفرّقوا. وأصل «بين» أن تبيّن عن الافتراق، وقد

стр. 486

استعملت في هذا الموضع وغيره، إذا ارتفعت، بمعنى الوصل، والمعنى: لقد تقطع وصلكم، وإذا تقطع وصلهم افترقوا، وهو المعنى المقصود إليه، وإنما استعملت بضد ما بنيت عليه، بمعنى الوصل، لأنها تستعمل كثيرا مع السببين المتلابسين، بمعنى الوصل، تقول: بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة، فلمّا استعملت في هذه المواضع بمعنى الوصل (١) جاز استعمالها في الآية كذلك. «٤٦» وحجة من نصب أنه جعله ظرفا، والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم. ودلّ على حذف الوصل قوله: (وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء)، فدلّ هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم، إذ تبرؤوا منهم، ولم يكونوا معهم، وتقاطعهم لهم هو ترك وصلهم لهم، فحسن إضمار الوصل بعد «تقطع» لدلالة الكلام عليه. وفي حرف ابن مسعود ما يدلّ على النصب فيه قرأ: «لقد تقطع ما بينكم» وهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك ذكرت التقطع، وهو ما كأنه قال: لقد تقطع الوصل بينكم. ويجوز أن تكون القراءة بالنصب كالقراءة بالرفع، على أن «بينا» اسم، لكنه لمّا كثر استعماله ظرفا منصوبا جرى في إعرابه، في حال كونه غير ظرف، على ذلك، ففتح، وهو في موضع رفع، وهو مذهب الأخفش. فالقراءتان على هذا بمعنى واحد، فاقرأ بأيهما شئت (٢). «٤٧» قوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ قرأ الكوفيون ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ «٩٧» وقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ «٩٩» وكذلك ما بعده، فحمل أول الكلام على آخره في «فعل»، لتكرر ذلك، ويقوّي ذلك إجماعهم على نصب

стр. 487

«الشمس» وما بعده، على إضمار «فعل»، ولم يحملوه على فاعل، فيخفضوه، فأجري ما قبله عليه، للمشاكلة لما بعده، وقرأ الباقون «جاعل» على العطف على «فاعل»، الذي قبله، وخفض «الليل» فشاكلوا بينه وبين ما قبله في اللفظ، كما شاكل من قرأ «جعل» بينه وبين ما بعده في المعنى، ويقوي ذلك أن حكم الأسماء أن تعطف عليها أسماء مثلها، فكان عطف «فاعل» على «فاعل» أولى من عطف (١) «فعل» على اسم، والقراءتان بمعنى واحد، فجاء على تقوية ما قبله، و «جعل» يقوّيه ما بعده، فاقرأ بأيهما شئت (٢). «٤٨» قوله: (فمستقرّ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف، جعلاه اسما غير ظرف، على معنى: فمستقر في الأرحام، بمعنى قارّ في الأرحام، لأن «قرّ واستقر» بمعنى لا يتعديان، ورفعه بالابتداء، والخبر محذوف، أي فمنكم مستقر، أي: فمنكم قارّ في الأرحام، أي: بعضكم قارّ في الأرحام، وبعضكم مستودع في الأصلاب، وقيل: في القبور، وهذا المستودع، في قراءة من كسر القاف، هو الإنسان بعينه، فتعطف اسما على اسم، كما قال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ «الزمر ٦»، وقرأ الباقون بفتح القاف، جعلوه اسم مكان، ورفعه أيضا بالابتداء، والخبر محذوف كالأول، والتقدير: فلكم مستقر، أي مقر، أي مكان تقرون فيه، وتسكنون فيه، ويكون «مستودع» أيضا اسم مكان، على معنى: فلكم استقرار مكان استيداع، «فمستقر»، في قراءة من فتح القاف، ليس هو الإنسان، إنما هو اسم لمكان الإنسان، والمعنى: فلكم مستقر في الأرحام ومستودع في الأصلاب، على معنى: استقرار ومكان استيداع، فتعطف مكانا على مكان، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (٣).

стр. 488

«٤٩» قوله: (إلى ثمره) قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، في موضعين ههنا، وفي موضع في يس (١)، جعلاه جمع «ثمرة» كخشبة وخشب، ويجوز أن يكون جمع «ثمار» كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة كأكمة وإكام، فهو جمع (٢) جمع الجمع على هذا، وقرأ الباقون بفتح الثاء والميم، جعلوه جمع تمرة كبقرة وبقر، ما بين واحده وجمه الهاء، والقراءتان حسنتان، وقد شرحنا هذا في الكهف بأشبع من هذا (٣). «٥٠» قوله: (وخرقوا) قرأه نافع بالتشديد، على التكثير، لأن المشركين ادعوا أن لله بنات، وهم الملائكة. والنصارى ادّعت أن المسيح ابن الله، واليهود ادّعت أن عزيزا ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم، فشدّد الفعل لمطابقة المعنى تعالى الله عما يقولون علّوا كبيرا، وقرأ الباقون بالتخفيف، لأن التخفيف يدلّ على القليل والكثير، ومعنى خرق واخترق واختلق سواء، أي أحدث (٤). «٥١» قوله: (درست) قرأ أبو عمرو وابن كثير «دارست» بألف، كفاعلت، وقرأ ابن عامر «درست» بإسكان من غير ألف [وفتح السين] (٥)، كخرجت، وقرأ الباقون «درست» بفتح التاء [وإسكان السين من غير ألف] (٦)، كخرجت (٧).

стр. 489

وحجة من قرأ بألف أنه حمله على معنى: «يقولون دارست أهل الكتاب ودارسوك»، أي: ذاكرتهم وذاكروك، ودلّ على هذا المعنى قوله عنهم: ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ «الفرقان ٤» أي: يقولون أعان اليهود النبي [ ﷺ ] (١) على القرآن وذاكروه فيه، وهذا كله قول المشركين في النبي ﵇ وفي القرآن، ومثله قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ «النحل ٢٤» ومثله قوله عنهم: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ «الفرقان ٥». «٥٢» وحجة من قرأ بإسكان التاء أنه أسند الفعل إلى الآيات، فأخبر عنهم أنهم يقولون: عفت وامّحت وتقادمت، ودلّ على ذلك قوله: ﴿قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو شيء قديم، قد عفا وامّحى رسمه لقدمه. «٥٣» وحجة من فتح التاء، من غير ألف، أنه أضاف الفعل إلى النبي، فأخبر عنهم أنهم يقولون: درس محمد الكتب، كتب الأولين، فأتى بهذا القرآن منها (٢). «٥٤» قوله: ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بالفتح، وعن أبي بكر الوجهان. وحجة من فتح الهمزة أنه جعل «أن» بمنزلة «لعل» لغة فيها، على قول الخليل، حكى عن العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي: لعلك. ويجوز أن يعمل فيها «يشعركم» فيفتح على المفعول به، لأن معنى شعرت به دريت، فهو في اليقين كعلمت، وتكون «لا» في قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ زائدة، والتقدير: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية إذا جاءتهم يؤمنون، أي: إنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا بها وهذا المعنى، إنما يصحّ على قراءة

стр. 490

من قرأ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ «١١١» و «ما» في الآية استفهام، وفي «يشعركم» ضمير «ما»، والمعنى: وأي شيء يدريكم أيها المؤمنون إيمانهم إذا جاءتهم الآية، أي: لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية. ولا يحسن أن تكون «ما» نافية، لأنه يصير التقدير: وليس يدريكم الله أنهم لا يؤمنون. وهذا متناقض، لأنه تعالى قد أدرانا أنهم لا يؤمنون بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ إلى قوله: (يجهلون). «٥٥» وحجة من كسر «أن» أنه استأنف بها الكلام بعد «يشعركم»، والتقدير: وما يشعركم إيمانهم، فالمفعول محذوف، ثم استأنف مخبرا عنهم بما علم فيهم، فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون)، ولا يحسن فتح «إن» على إعمال «يشعركم» فيها. و «لا» غير زائدة، لأن ذلك يكون عذرا لهم، ويصير المعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية ﴿إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعلهم يؤمنون إذا جاءتهم، فيكون تأخير «الآية» عنهم عذرا لهم، في ترك الإيمان، وهذا لا يجوز لأن الله قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، وأن ذلك بمشيئته وإرادته، فإن جعلت «لا» زائدة حسن عمل «يشعركم» في «أن»، لأن التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، أي: لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا بها، وهذا كله إنما يصح على قراءة من قرأ «يؤمنون» بالياء، فأما من قرأ «تؤمنون» بالتاء فالخطاب في «يشعركم» للكفار المقترحين الآية. وقد تقدّم ذكر الاختلاس والإسكان في «يشعركم» والحجة في ذلك، والاختيار الفتح لأن عليه الجماعة (٢).

стр. 491

«٥٦» قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بالتاء، على الخروج من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾، والمراد به القوم الذين اقترحوا الآية دون المؤمنين، على معنى: لعلها إذا جاءتكم الآية التي اقترحتموها لا تؤمنون، أو على معنى: وما يشعركم أيها الكفار المقترحون بالآية أنها إذا جاءتكم تؤمنون، ف «لا» زائدة على هذا التقدير، إذا أعملت «يشعركم» في «أنها»، والضمير في «تؤمنون» للكفار في القراءتين جميعا، والخطاب في «يشعركم» للمؤمنين، إذا قرأت بالياء في ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَجْهَلُونَ﴾ «١١١» كله بلفظ الغيبة، فحمل «يؤمنون» في لفظه على ما قبله وما بعده، فاتسق الكلام كله على نظام واحد، وذلك أفصح وأقوى، وهو الاختيار، مع أن أكثر القراء على الياء (٢). «٥٧» قوله: (قبلا) قرأه نافع وابن عامر بكسر القاف، وفتح الباء وقرأ الباقون بضمّهما. وحجة من قرأ بالضم أنه جعله جمع «قبيل» كرغيف ورغف، فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا، أي: صفا صفا، أي: لو عاينوا ذلك ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ويجوز أن يكون جمع «قبيل» الذي هو الكفيل، على معنى: وحشرنا عليهم كل شيء كفيلا، أي: يتكفل لهم ما يريدون، ويضمنه لهم ليؤمنوا، وفي كفالة ما لا يغفل آية عظيمة لهم ما آمنوا إلا أن يشاء

стр. 492

الله، ويجوز أن يكون معنى «قبلا» مواجهة، أي: يعاينونه ويواجهونه (١)، حكى أبو زيد: لقيت فلانا قبلا ومقابلة، وقبلا وقبلا، كلّه بمعنى المواجهة، فيكون الضم كالكسر في المعنى، وتستوي القراءتان، ويدل على أن القراءة بالضم بمعنى المقابلة قوله: ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ «يوسف ٢٦» فهذا من المقابلة لا غير، ألا ترى أن بعده «من دبر» فالدبر ضد القبل. «٥٨» وحجة من قرأ بالكسر أنه جعله بمعنى المواجهة والمعاينة، أي: وحشرنا عليهم كل شيء يواجهونه ويعاينونه ما آمنوا إلا أن يشاء الله، وعلى هذه العلل والحجج يجري مجرى حجج الحرف الذي في الكهف غير أن معنى الكفيل لا يحسن في الكهف وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ «الإسراء ٩٢» معناه: معاينة ومواجهة، ولا يحسن فيه معنى الكفيل، لأنه كان يلزم أن يجمع على «فعلا» لأنه في الأصل صفة (٢). «٥٩» قوله: (وتمّت كلمة ربّك) قرأه الكوفيون بالتوحيد، وجمع الباقون، وقرأ نافع وابن عامر «كلمات» بالجمع في موضعين في يونس الأول (٣) «٣٣» والآخر (٤) في موضع في غافر «٦» وقرأهن الباقون بالتوحيد. وحجة من جمع أن معنى «الكلمات» في هذا هو ما جاء من عند الله من وعد ووعيد وثواب وعقاب، وأخبار عما كان، وعما يكون، وذلك كثير، فجمع «الكلمات» لكثرة ذلك، وقد أجمعوا على الجمع في قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «يونس ٦٤»، ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «الأنعام ٣٤» ولا يحسن أن يراد بالكلمات، في هذه المواضع، الشرائع كما قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾

стр. 493

﴿بِكَلِماتٍ﴾ «البقرة ١٢٤» وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ «التحريم ١٢» لأن الشرائع قد تنسخ، ولا يحسن أن تخبر عنها أنها لا تبدل، وإنما تتمّ ولا تتغير، فإنما المراد بالكلمات، في هذه المواضع، الأشياء التي لا يدخلها نسخ. «٦٠» وحجة من قرأ بالتوحيد أن الواحد في مثل هذا يدّل على الجمع (١). أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «الأعراف ١٣٧» وقال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ «الفتح ٢٦» وهي كلمة: لا إله إلا الله، في قول أكثر المفسرين، فلمّا كان لفظ الواحد يدلّ على الجمع، وكان أخف، قرئ بالتوحيد، إذ هي على معنى قراءة من قرأ بالجمع، وهو أخفّ، والاختيار الجمع، لأنه الأصل، وبه يرتفع الإشكال وعليه أكثر القراء في الأنعام (٢). «٦١» قوله: (منزّل) قرأ ابن عامر وحفص بالتشديد، جعلاه من «نزّل»، وهما لغتان بمعنى [واحد] (٣)، يقال: نزّل وأنزل، لكن في التشديد معنى التكرير، وقرأ الباقون بالتخفيف، جعلوه من «أنزل» (٤). «٦٢» قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأه نافع والكوفيون ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾. وقد أجمعوا على الفتح في قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ «الأنعام ٩٧» و ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ «الأنعام ١٥١» و ﴿أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا﴾ «الأنعام ١٥٠» فحمل الفعلان على نظام واحد، لأن المفضّل هو المحرّم في المعنى، وقرأ الباقون بضم الحاء والفاء، وكسر الراء والصّاد (٥)، بنوا الفعلين على

стр. 494

ما لم يسمّ فاعله، كما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ «المائدة ٣» وقال: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً﴾ «الأنعام ١١٤» فهو من «فصل»، ولمّا ضم الأول ضمّ الثاني، لأنه هو في المعنى، فأما من ضمّ «حرّم» وفتح «فصل» فإنه بنى «فصل» للفاعل، ففتحه لتقدم ذكره، ولقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾، وحمل «حرم» على قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فضمّه، والاختيار فتح الأول والثاني، لأن الجماعة عليه، ولصحة معناه (١). «٦٣» قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ﴾ قرأ الكوفيون ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ في يونس «٨٨» بضمّ الياء «ليضلوا»، وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء في إبراهيم وفي الحجّ وفي لقمان وفي الزّمر (٢)، وقرأهن الباقون بالضمّ. وحجة من فتح في جميعها أنه جعله فعلا (٣) ثلاثيا غير متعدّ، يقال: ضلّ فلان يضلّ في نفسه، لا يدلّ على إضلاله غيره، فلا يتعدّى ألبتة، لأنه ثلاثي. «٦٤» وحجة من ضمّ الياء أنه جعله فعلا رباعيا، متعدّيا إلى مفعول محذوف، والمعنى: ليضلون الناس، فهو أبلغ في ذمهم لأنهم لا يضلون الناس إلا وهم ضالون في أنفسهم، وليس إذا ضلّوا في أنفسهم يضلون أحدا بذلك الضلال، فالضم يتضمن معناه ومعنى الفتح، فهو أبلغ، ولا يتضمن الفتح معنى الضم، والضم أقوى وهو الاختيار (٤). «٦٥» قوله: (رسالته) قرأ ابن كثير وحفص بالتوحيد، وفتح التاء، لأنه مفعول به، وقرأ الباقون بالجمع، وكسر التاء، وقد تقدّم الكلام على ذلك في

стр. 495

المائدة، والاختيار الجمع، لأن عليه أكثر القراء، ولأنه أدل على المعنى، لكثرة رسائل الله جلّ ذكره (١). «٦٦» قوله: (ضيّقا) قرأ ابن كثير بالتخفيف، هنا، وفي الفرقان (٢) على حذف إحدى الياءين استخفافا واستثقالا لياء مشدّدة مكسورة. والمحذوفة هي الثانية، لأن بها وقع الاستثقال، ولأنها قد غيّرت، فهو بمنزلة «ميت»، وقرأ الباقون بالتشديد للياء، لأنه الأصل، كميت، وأصله ياءان أدغمت الأولى في الثانية، فالأولى زائدة، والثانية عين الفعل أصلية، لأنه من «ضاق يضيق» مثل «كال يكيل»، وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن أكثر (٣) القراء عليه (٤). «٦٧» قوله: (حرجا) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الراء، جعلاه اسم فاعل كفرق وحذر، ومعناه الضيق، كرّر المعنى، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ، فالمعنى: يجعل صدره ضيقا، إنما يقال: فلان حرج أي آثم. وقرأ الباقون بفتح الراء، جعلوه مصدرا وصف به، ك «دنف وقمن»، قال أبو زيد: حرج عليه السحور يحرج حرجا، إذا أصبح قبل أن يتسحّر. وحكى أبو زيد: حرج فلان يحرج حرجا، إذا هاب أن يتقدم على الأمر، أو قاتل فصبر وهو كاره. وقيل: من فتح جعله جمع حرجة، وهو ما التف من الشجر، وقد اختلف في فتح الراء وكسرها عند عمر بن الخطاب، فسأل ابن الخطاب رجلا من
следующие страницы →