← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

«٥٦» قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بالتاء، على الخروج من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾، والمراد به القوم الذين اقترحوا الآية دون المؤمنين، على معنى: لعلها إذا جاءتكم الآية التي اقترحتموها لا تؤمنون، أو على معنى: وما يشعركم أيها الكفار المقترحون بالآية أنها إذا جاءتكم تؤمنون، ف «لا» زائدة على هذا التقدير، إذا أعملت «يشعركم» في «أنها»، والضمير في «تؤمنون» للكفار في القراءتين جميعا، والخطاب في «يشعركم» للمؤمنين، إذا قرأت بالياء في ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَجْهَلُونَ﴾ «١١١» كله بلفظ الغيبة، فحمل «يؤمنون» في لفظه على ما قبله وما بعده، فاتسق الكلام كله على نظام واحد، وذلك أفصح وأقوى، وهو الاختيار، مع أن أكثر القراء على الياء (٢). «٥٧» قوله: (قبلا) قرأه نافع وابن عامر بكسر القاف، وفتح الباء وقرأ الباقون بضمّهما. وحجة من قرأ بالضم أنه جعله جمع «قبيل» كرغيف ورغف، فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا، أي: صفا صفا، أي: لو عاينوا ذلك ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ويجوز أن يكون جمع «قبيل» الذي هو الكفيل، على معنى: وحشرنا عليهم كل شيء كفيلا، أي: يتكفل لهم ما يريدون، ويضمنه لهم ليؤمنوا، وفي كفالة ما لا يغفل آية عظيمة لهم ما آمنوا إلا أن يشاء

стр. 492

الله، ويجوز أن يكون معنى «قبلا» مواجهة، أي: يعاينونه ويواجهونه (١)، حكى أبو زيد: لقيت فلانا قبلا ومقابلة، وقبلا وقبلا، كلّه بمعنى المواجهة، فيكون الضم كالكسر في المعنى، وتستوي القراءتان، ويدل على أن القراءة بالضم بمعنى المقابلة قوله: ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ «يوسف ٢٦» فهذا من المقابلة لا غير، ألا ترى أن بعده «من دبر» فالدبر ضد القبل. «٥٨» وحجة من قرأ بالكسر أنه جعله بمعنى المواجهة والمعاينة، أي: وحشرنا عليهم كل شيء يواجهونه ويعاينونه ما آمنوا إلا أن يشاء الله، وعلى هذه العلل والحجج يجري مجرى حجج الحرف الذي في الكهف غير أن معنى الكفيل لا يحسن في الكهف وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ «الإسراء ٩٢» معناه: معاينة ومواجهة، ولا يحسن فيه معنى الكفيل، لأنه كان يلزم أن يجمع على «فعلا» لأنه في الأصل صفة (٢). «٥٩» قوله: (وتمّت كلمة ربّك) قرأه الكوفيون بالتوحيد، وجمع الباقون، وقرأ نافع وابن عامر «كلمات» بالجمع في موضعين في يونس الأول (٣) «٣٣» والآخر (٤) في موضع في غافر «٦» وقرأهن الباقون بالتوحيد. وحجة من جمع أن معنى «الكلمات» في هذا هو ما جاء من عند الله من وعد ووعيد وثواب وعقاب، وأخبار عما كان، وعما يكون، وذلك كثير، فجمع «الكلمات» لكثرة ذلك، وقد أجمعوا على الجمع في قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «يونس ٦٤»، ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «الأنعام ٣٤» ولا يحسن أن يراد بالكلمات، في هذه المواضع، الشرائع كما قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾

стр. 493

﴿بِكَلِماتٍ﴾ «البقرة ١٢٤» وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ «التحريم ١٢» لأن الشرائع قد تنسخ، ولا يحسن أن تخبر عنها أنها لا تبدل، وإنما تتمّ ولا تتغير، فإنما المراد بالكلمات، في هذه المواضع، الأشياء التي لا يدخلها نسخ. «٦٠» وحجة من قرأ بالتوحيد أن الواحد في مثل هذا يدّل على الجمع (١). أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «الأعراف ١٣٧» وقال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ «الفتح ٢٦» وهي كلمة: لا إله إلا الله، في قول أكثر المفسرين، فلمّا كان لفظ الواحد يدلّ على الجمع، وكان أخف، قرئ بالتوحيد، إذ هي على معنى قراءة من قرأ بالجمع، وهو أخفّ، والاختيار الجمع، لأنه الأصل، وبه يرتفع الإشكال وعليه أكثر القراء في الأنعام (٢). «٦١» قوله: (منزّل) قرأ ابن عامر وحفص بالتشديد، جعلاه من «نزّل»، وهما لغتان بمعنى [واحد] (٣)، يقال: نزّل وأنزل، لكن في التشديد معنى التكرير، وقرأ الباقون بالتخفيف، جعلوه من «أنزل» (٤). «٦٢» قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأه نافع والكوفيون ﴿مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾. وقد أجمعوا على الفتح في قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ «الأنعام ٩٧» و ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ «الأنعام ١٥١» و ﴿أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا﴾ «الأنعام ١٥٠» فحمل الفعلان على نظام واحد، لأن المفضّل هو المحرّم في المعنى، وقرأ الباقون بضم الحاء والفاء، وكسر الراء والصّاد (٥)، بنوا الفعلين على

стр. 494

ما لم يسمّ فاعله، كما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ «المائدة ٣» وقال: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً﴾ «الأنعام ١١٤» فهو من «فصل»، ولمّا ضم الأول ضمّ الثاني، لأنه هو في المعنى، فأما من ضمّ «حرّم» وفتح «فصل» فإنه بنى «فصل» للفاعل، ففتحه لتقدم ذكره، ولقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾، وحمل «حرم» على قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فضمّه، والاختيار فتح الأول والثاني، لأن الجماعة عليه، ولصحة معناه (١). «٦٣» قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ﴾ قرأ الكوفيون ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ في يونس «٨٨» بضمّ الياء «ليضلوا»، وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء في إبراهيم وفي الحجّ وفي لقمان وفي الزّمر (٢)، وقرأهن الباقون بالضمّ. وحجة من فتح في جميعها أنه جعله فعلا (٣) ثلاثيا غير متعدّ، يقال: ضلّ فلان يضلّ في نفسه، لا يدلّ على إضلاله غيره، فلا يتعدّى ألبتة، لأنه ثلاثي. «٦٤» وحجة من ضمّ الياء أنه جعله فعلا رباعيا، متعدّيا إلى مفعول محذوف، والمعنى: ليضلون الناس، فهو أبلغ في ذمهم لأنهم لا يضلون الناس إلا وهم ضالون في أنفسهم، وليس إذا ضلّوا في أنفسهم يضلون أحدا بذلك الضلال، فالضم يتضمن معناه ومعنى الفتح، فهو أبلغ، ولا يتضمن الفتح معنى الضم، والضم أقوى وهو الاختيار (٤). «٦٥» قوله: (رسالته) قرأ ابن كثير وحفص بالتوحيد، وفتح التاء، لأنه مفعول به، وقرأ الباقون بالجمع، وكسر التاء، وقد تقدّم الكلام على ذلك في

стр. 495

المائدة، والاختيار الجمع، لأن عليه أكثر القراء، ولأنه أدل على المعنى، لكثرة رسائل الله جلّ ذكره (١). «٦٦» قوله: (ضيّقا) قرأ ابن كثير بالتخفيف، هنا، وفي الفرقان (٢) على حذف إحدى الياءين استخفافا واستثقالا لياء مشدّدة مكسورة. والمحذوفة هي الثانية، لأن بها وقع الاستثقال، ولأنها قد غيّرت، فهو بمنزلة «ميت»، وقرأ الباقون بالتشديد للياء، لأنه الأصل، كميت، وأصله ياءان أدغمت الأولى في الثانية، فالأولى زائدة، والثانية عين الفعل أصلية، لأنه من «ضاق يضيق» مثل «كال يكيل»، وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن أكثر (٣) القراء عليه (٤). «٦٧» قوله: (حرجا) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الراء، جعلاه اسم فاعل كفرق وحذر، ومعناه الضيق، كرّر المعنى، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ، فالمعنى: يجعل صدره ضيقا، إنما يقال: فلان حرج أي آثم. وقرأ الباقون بفتح الراء، جعلوه مصدرا وصف به، ك «دنف وقمن»، قال أبو زيد: حرج عليه السحور يحرج حرجا، إذا أصبح قبل أن يتسحّر. وحكى أبو زيد: حرج فلان يحرج حرجا، إذا هاب أن يتقدم على الأمر، أو قاتل فصبر وهو كاره. وقيل: من فتح جعله جمع حرجة، وهو ما التف من الشجر، وقد اختلف في فتح الراء وكسرها عند عمر بن الخطاب، فسأل ابن الخطاب رجلا من

стр. 496

كنانة (١) راعيا فقال: ما الحرجة عندكم؟ قال الحرجة الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليه راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلب المنافق، لا يصل إليه شيء من الخير، فيكون المعنى أن الله جلّ ذكره وصف صدر الكافر بشدة الضيق، عن وصول الموعظة (٢) إليه، ودخول الإيمان فيه، فشبهه في امتناع وصول المواعظ إليه بالحرجة (٣) وهي الشجرة التي لا يوصل إليها لرعي ولا لغيره فهذا يدل على الفتح، وهو الاختيار لصحة معناه، لأن أكثر القراء عليه (٤). «٦٨» قوله: (كأنّما يصّعد) قرأه ابن كثير بإسكان الصاد، مخفّفا الصعود، وهو الطلوع، شبّه الله جلّ ذكره الكافر في نفوره عن الإيمان، وثقله عليه بمنزلة من تكلّف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يطاق. وقرأ أبو بكر بالتشديد وبألف، بناه على مستقبل «تصاعد»، فأدغم التاء في الصاد، وأصله «تتصاعد»، فهو على مثل الأول، غير أنه فيه (٥) معنى فعل شيء بعد شيء، وذلك أثقل على فاعله، فهو بمعنى يتعاطى، معناه: يريد أن يفعل ما لا يطيقه. وقرأ الباقون بالتشديد، من غير ألف، وهو كالذي قبله، معناه: يتكلّف ما لا يطيق شيئا بعد شيء، كقولك: يتجرع ويتفرّق (٦). «٦٩» قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأه حفص بالياء، ردّه في الغيبة على قوله: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ «١٢٧» وهو الثاني في

стр. 497

هذه السورة ومثله الثاني في يونس وفي الفرقان: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ ومثله في سبأ (١)، وافقه ابن كثير على الياء في الفرقان، وقرأ الباقون بالنون في الأربعة، على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه، فأتى بلفظ الإخبار بعد لفظ الغيبة، وهو كثير، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ «العنكبوت ٢٣» ودليله قوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ «٤٧» وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ «طه ١٢٤» (٢). «٧٠» قوله: ﴿عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأه ابن عامر بالتاء، حمله على الخطاب الذي بعده، وهو قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ «١٣٣» وما بعده: (كما أنشأكم)، وقرأ الباقون بالياء، حملوه على الغيبة التي قبله، وهو قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ وقوله قبل ذلك: ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ «١٣١» وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣). «٧١» قوله: (مكانتكم) قرأه أبو بكر بالجمع، حيث وقع، جعله جمع مكانة، وهي الحالة التي هم عليها، فلمّا كانوا على أحوال مختلفة من أمر دنياهم جمع، لاختلاف الأنواع وهو مصدر، فالمعنى: اعملوا على أحوالكم التي أنتم عليها، فليس يضرّنا ذلك، وفي الكلام معنى التهدد والوعيد بمنزلة قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً﴾ «المرسلات ٤٦» وقرأ الباقون بالتوحيد، لأنه مصدر يدّل على القليل والكثير من صنفه، من غير جمع ولا تثنية، وأصل المصدر أن لا يثنّى ولا يجمع، لأن فائدته فائدة الفعل، إذ الفعل منه أخذ، فكما لا يجمع الفعل كذلك لا يجمع المصدر، إلا أن تختلف أنواعه، فيشابه المفعول، فيجوز

стр. 498

جمعه، وأصله أن لا يجمع، يقال: مكن الرجل مكانه، فكأنه قال: اعملوا على حالكم وأمركم في دنياكم، على التهدد والوعيد. والتوحيد أحب إليّ، لأن الجماعة عليه، ولأنه أخف، وهو الأصل (١). «٧٢» قوله: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، ومثله في القصص (٢)، ذكّر الفعل لمّا فرّق بين المؤنث وفعله، ولأن العاقبة تأنيثها غير حقيقي، ولأنها لا ذكر لها من لفظها، وقرأهما الباقون بالتاء، على تأنيث لفظ العاقبة، وهما سواء في النظر، وقد قال الله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ «البقرة ٢٧٥»، وقال: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ «يونس ٥٧»، وقال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ «هود ٦٧»، وقال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ «هود ٩٤» فالقراءتان متعادلتان، والتأنيث هو الأصل (٣). «٧٣» قوله: (بزعمهم) قرأه الكسائي بضم الزاي، وفتح الباقون، وهما لغتان مشهورتان. وقد قيل: من فتحه جعله مصدرا، ومن ضمه جعله اسما كالنّصب والنّصب (٤). «٧٤» وقوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ قرأ ابن عامر «زين» بضمّ الزاي، على ما لم يسمّ فاعله «قتل» بالرفع، على أنه مفعول لم يسم فاعله، «أولادهم» بالنصب أعمل فيه القتل، «شركائهم» بالخفض على إضافة القتل إليهم، لأنهم الفاعلون، فأضاف الفعل إلى فاعله، على ما يجب في الأصل لكنه فرّق بين المضاف والمضاف إليه، فقدّم المفعول، وتركه منصوبا على حاله، إذ (٥) كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف، وتركه مخفوضا، على حاله،

стр. 499

إذ كان متقدما بعد القتل، وهذه القراءة فيها ضعف، للتفريق بين المضاف والمضاف إليه لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر، وأكثر ما يجوز في الشعر مع الظروف، لا تساعهم في الظروف، وهو في المفعول به في الشعر بعيد. فإجازته في القرآن أبعد. وقرأ الباقون بفتح الزاي على ما يسمى فاعله، ونصبوا «قتل» ب «زين»، وخفضوا «الأولاد» لإضافة «قتل» إليهم، أضافوه إلى المفعول، ورفعوا «الشركاء» بفعلهم التزيين، فهو الأصل، والمصدر يضاف إلى المفعول به، أو إلى (١) الفاعل، وأصله أن يضاف إلى الفاعل، لأنه هو أحدثه، ولأنه لا يستغنى عنه، ويستغنى عن المفعول، وإنما جاز أن يضاف إلى المفعول كما جاز أن يقوم المفعول مقام الفاعل، ولا يحسن أن يرتفع «الشركاء» بالقتل، لأنه يبقى «زين» بغير فاعل، و «الشركاء» ليسوا قاتلين، إنما هم مزينون. إنما القاتلون المشركون، زيّن لهم شركاؤهم الذين يعبدونهم قتلهم أولادهم، فالمعنى: قتلهم أولادهم، ثم حذف المضاف إليه، وهو الفاعل، وأقيم «الأولاد» وهم مفعول بهم، مقام الفاعل، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ «فصّلت ٤٩» أي: من دعائه الخير، فالهاء فاعلة «الدعاء»، فحذفت وأقيم «الخير» مقامها، فخفض بالإضافة، فهذه القراءة هي الاختيار، لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة (٢). «٧٥» قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ قرأ أبو بكر وابن عامر «وإن تكن» بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وقرأ ابن كثير وابن عامر «ميتة» بالرفع. وقرأ الباقون بالنصب. وحجة من قرأ بالتاء ورفع «الميتة»، وهو ابن عامر، أنه أنّث لتأنيث لفظ

стр. 500

«الميتة» وجعل «كان» بمعنى «حدث ووقع» تامة، لاتحتاج الى خبر، فرفع «ميتة» بفعلها. «٧٦» وحجة من قرأ بالياء ورفع «ميتة»، وهو ابن كثير، أنه ذكّر لمّا كان تأنيث «الميتة» غير حقيقي، ولأن «ميتة وميتا» بمعنى، وجعل «كان» تامة غير محتاجة إلى خبر، بمعنى «حدث ووقع»، فرفع «ميتة» بها كالأول. «٧٧» وحجة من قرأ بالياء والنصب، وعليه أكثر القراء، وهو الاختيار أنه ذكّر الفعل لتذكير «ما» في قوله: ﴿ما فِي بُطُونِ﴾ لأن الفعل ل «ما» وجعل «كان» ناقصة، تحتاج إلى خبر، فأضمر فيها اسمها، وهو ضمير «ما» في قوله: ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ﴾ ونصب «ميتة» على خبر «كان»، والتقدير: وإن يكن ما في بطون الأنعام ميتة فهم في أكله شركاء. «٧٨» وحجة من قرأ بالتاء ونصب «ميتة» وهو أبو بكر أنه أنّث، لتأنيث معنى «ما» (١)، لأنها هي «الميتة» في المعنى، ف «ما» في المعنى مؤنثة، ألا ترى أن الخبر عنها مؤنث، في قوله: ﴿خالِصَةٌ﴾، فلمّا كانت «كان» تدخل على الابتداء والخبر، وهو (٢) الابتداء أنّث لفظ الفعل حملا على معنى «ما»، وصيّر ما في كان اسم كان و «ميتة» خبرها (٣). «٧٩» قوله: ﴿قَتَلُوا﴾ قرأه ابن كثير وابن عامر بالتشديد، وخفّف الباقون (٤) وقد تقدّم ذكر علته، وفي التشديد معنى التكرير (٥).

стр. 501

«٨٠» قوله: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء وكسرها الباقون، وهما لغتان مشهورتان، والكسر عند سيبويه هو الأصل، وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الأكثر عليه (١). «٨١» قوله: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ﴾ قرأ نافع وأهل الكوفة بإسكان العين، وفتحها الباقون، وهما لغتان في جمع «ماعز»، وقيل: من فتح جعله جمع «ماعز» كحارس وحرس، وخادم وخدم، كما أن الضأن جمع ضائن، فعامل المشاكلة في اللفظين، ومن أسكن جعله جمع «ماعز» أيضا كصاحب وصحب، فهو عند سيبويه اسم للجمع، يصغّره على لفظه، وهو عند الأخفش جمع، يرده في التصغير إلى واحده، ثم يجمعه، فهو في القراءتين جمع «ماعز» على «فاعل» و «فاعل» يأتي جمعه على «فعل» وعلى «فعل» على ما مثّلنا وذكرنا، فالقراءتان متساويتان، ولا يحسن أن يكون المعنى واحدا (٢) لأن بعده اثنين (٣). «٨٢» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ قرأ ابن كثير وحمزة وابن عامر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، وكلهم نصب «ميتة» إلا ابن عامر، فإنه رفع. وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على المعنى، لأن المحرّم لا بد أن يكون عينا أو نفسا أو جثة، وهذه كلها مؤنثة، فأنّث لذلك، وفي «كان» اسمها وهو العين أو النفس أو الجثة، و «ميتة» الخبر. «٨٣» وحجة من قرأ بالياء أنه حمل الكلام على اللفظ، لأن «لا أجد» يدلّ على نفي الموجود، والتقدير: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون الموجود ميتة أو كذا أو كذا، فإنه رجس.

стр. 502

«٨٤» وحجة من نصب «ميتة» أنه أضمر في «كان» اسمها، لتقدّم ما يدل عليه، ونصب «ميتة» على الخبر. «٨٥» وحجة من رفع «ميتة» «أنه» جعل «كان» بمعنى «حدث ووقع» تامة لا تحتاج إلى خبر، فرفع «ميتة» ب «كان»، وحمل التأنيث على لفظ «ميتة» (١). «٨٦» قوله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بالتخفيف في «الذال»، على حذف إحدى التاءين استخفافا، وذلك إذا كان أصله «تتذكرون». وذلك حيث وقع، وقرأ الباقون بالتشديد في «الذال»، على إدغام التاء الثانية من «تتذكرون» في الذال، وفي التشديد معنى تكرير التذكّر، كأنه تذكر بعد تذكر، ليتفهم من خوطب بذلك. وعلته كالعلة في «تظاهرون»، وقد مضى ذكرها (٢). «٨٧» قوله: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي﴾ قرأه حمزة والكسائي بكسر الهمزة، وفتحها الباقون، وكلهم شدّد إلا ابن عامر، فإنه خفّفها مع فتح الهمزة. وحجة من فتح أنه حمله على إضمار اللام، ف «أن» في موضع نصب لحذف الخافض، والتقدير: ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، أي اتبعوه لأنه مستقيم، والفاء في «اتبعوه» بمنزلتها في قولك: يزيد فامرر. «٨٨» وحجة من كسر «أن» أنه جعلها مبتدأة مستأنفة، فكسرها لذلك، فالفاء في هذه القراءة عاطفة جملة على جملة، بخلافها في القراءة الأخرى. «٨٩» وحجة من خفّف «أن» أنه جعلها «أن» المخففة من الثقيلة، وفتحها على إضمار اللام كما تقدّم، ويكون هذا، في قراءة من خفّف «أن»، في موضع رفع بالابتداء، ومع «أن» ضمير القصة، وعلى هذه الشريطة

стр. 503

تخفيف (١) المفتوحة بخلاف تخفيف المكسورة التي تضمر معها الهاء، وهي اسمها (٢). «٩٠» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء لتذكير معنى (٣) الملائكة، وقرأ الباقون بالتاء، على تأنيث لفظ الملائكة، وهو في العلة مثل ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ (٤) «آل عمران ٣٩». «٩١» قوله: ﴿فَرَّقُوا﴾ قرأه حمزة والكسائي بألف، من المفارقة والفراق، على معنى أنهم تركوا دينهم وفارقوه، ومثله في الروم (٥)، وقرأهما الباقون بتشديد الراء، من غير ألف، من التفريق، والتفريق على معنى أنهم فرقوه، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، ففرّقوا إيمانهم ودينهم. وقد قال عنهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ «النساء ١٥٠»، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ «النساء ١٥٠»، فالقراءتان متقاربتان، لأن من فارق الإيمان فقد بان منه (٦). وقد روى أبو هريرة أنّ النبي ﵇ كان يقرأ «فارقوا» بألف، وكذلك قرأ علي بن أبي طالب، وكان يقول: ما فرّقوه ولكن فارقوه (٧). «٩٢» قوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف، والتخفيف، وفتح الياء. وقرأ الباقون بفتح القاف، وكسر الياء، والتشديد.

стр. 504

وحجة من كسر القاف وخفّف (١) أنه جعله مصدرا كالشبع، وكان القياس ألا يعلّه (٢) كما لم يعل (٢) «عوضا» و «حولا»، فعلّته خارجة عن القياس، وأصل الياء فيه واو، وقد فعلوا ذلك في «ثيرة وجياد» جمع ثور وجواد، فأعلّوا، فكان القياس أن لا يعلّ كما قالوا: طوال، فلم يعلّوا، وقد ذكرنا، نصب «دينا» في تفسير مشكل الإعراب (٣). «٩٣» وحجة من قرأ بفتح القاف مشدّدا، مكسور الياء، أنه جعله صفة للذين، وهو «فيعل» (٤) من «قام» بالأمر، فأصله «قيوم» ثم أدغمت الياء في الواو كميّت، ومعنى «قيم» مستقيم، أي: دينا مستقيما لا عوج فيه (٥). «٩٤» فيها من ياءات الإضافة ثماني: قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٥»، ﴿إِنِّي أَراكَ﴾ «٧٤» فتحهما الحرميان وأبو عمرو. قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ «١٤»، ﴿مَماتِي لِلّهِ﴾ «١٦٢» فتحهما نافع. قوله: ﴿وَجْهِيَ لِلَّذِي﴾ «٧٩» فتحها نافع وابن عامر وحفص. وقوله: ﴿رَبِّي إِلى صِراطٍ﴾ «١٦١» فتحها نافع وأبو عمرو. وقوله: ﴿صِراطِي﴾ «١٥٣» فتحها ابن عامر. قوله: ﴿مَحْيايَ﴾ «١٦٢» أسكنها قالون، وعن ورش الوجهان. فيها زائدة: قوله: ﴿وَقَدْ هَدانِ﴾ «٨٠» أثبتها أبو عمرو في الوصل (٦). ***

стр. 505

سورة (١) الأعراف مكية الا آية نزلت بالمدينة في قول قتادة قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ «١٦٣» الآية، وهي مائتا آية وست آيات في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه ابن عامر بياء وتاء، وقرأ الباقون بتاء واحدة، وخفّف الذال حفص وحمزة والكسائي، وشدّد الباقون، وقد ذكرنا علّة هذا. وحجة من قرأ بياء وتاء أنه أخبر عن غيّب، أي: قليلا يا محمد ما يتذكر هؤلاء الذين بعثت إليهم. «٢» وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّه على الخطاب قبله في قوله ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ (٢). «٣» قوله: ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ قرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي بفتح التاء، وضمّ الراء، ومثله في الزخرف (٣)، أضافوا الفعل إليهم، لأنهم إذا أخرجوا خرجوا، فهم مفعولون فاعلون في المعنى. وقرأ الباقون بضم التاء، وفتح الراء فيهما، أجروه على ما لم يسم فاعله، لأنهم لا يخرجون حتى يخرجوا (٤). «٤» قوله: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ قرأه (٥) نافع وابن عامر والكسائي بالنصب ورفعه الباقون.

стр. 506

وحجة من نصب أنه عطفه على «لباس» في قوله: ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً﴾، أي: وأنزلنا لباس التقوى، وقوله: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ ابتداء وخبر. «٥» وحجة من قرأ بالرفع أنه استأنفه فرفعه بالابتداء، وجعل «ذلك» صفة له أو بدلا [منه] (١) أو عطف بيان، و «خير» خبر للباس [والمعنى] (٢) و «لباس التقوى» خير لصاحبه عند الله، ممّا خلق له من لباس الثياب والريش والرياش، مما يتجمّل به (٣)، وأضيف «اللباس» إلى «التقوى»، كما أضيف إلى «الجوع» في قوله: ﴿لِباسَ الْجُوعِ﴾ «النحل ١١٢» والرفع أحب إليّ، لأن عليه أكثر القراء، والنصب حسن (٤) «٦» قوله: ﴿خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ قرأه نافع بالرفع، ونصب الباقون. وحجة من رفع أنه جعل «خالصة» خبرا ل «هي» في قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ﴾ تبيينا للخلوص، أو خبرا بعد خبر، والمعنى: قل الطيبات والزينة خالصة للمؤمنين (٥) في الآخرة، فأما [في] (٦) الدنيا فقد شركهم فيها الكفار. «٧» وحجة من نصب أنه جعل «خالصة» حالا من المضمر في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنه خبر «هي»، فالظرف إذا كان خبرا لمبتدأ (٧) أو نعتا (٨) لنكرة أو حالا من معرفة، ففيه ضمير مرفوع، يعود على المخبر عنه، أو على الموصوف،

стр. 507

أو على صاحب الحال، والنصب أحبّ إليّ، لأنه أتمّ في المعنى، ولأن عليه جماعة القراء، وقد شرحنا إعراب هذه الآية وتعلق اللام من «للذين» في الوجهين وغير ذلك من غريب إعرابها في تفسير مشكل الإعراب (١). «٨» قوله: ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قرأه أبو بكر بالياء، حمل الكلام على لفظ «كل»، ولفظه لفظ غائب، وقرأ الباقون بالتاء، حملوه على معنى ما قبله من الخطاب في لأن قبله (قال لكلّ ضعف) أي: لكلكم ضعف، فحمل (٢) «تعلمون» على معنى «كل» في الخطاب (٣). «٩» قوله: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء مضمومة، لأن تأنيث الأبواب غير حقيقي، ولأنه فرّق بين المؤنث وفعله، وكلا العلتين يجيز التذكير، وقرأ الباقون بالتاء، على تأنيث لفظ الأبواب (٤)، كما قال: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ «ص ٥٠» وخفّف الفعل أبو عمرو والكسائي وحمزة، على معنى أن التخفيف يقع للمرة والأكثر (٥)، وقد أجمعوا على التخفيف في قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً﴾ «الحجر ١٤» وشدّد الباقون، على معنى التكرير والتكثير مرة بعد مرة، والتاء أحب إليّ، لتأنيث لفظ الأبواب، والتشديد أحب إليّ لأن عليه الحرميين وعاصما وابن عامر (٦). «١٠» قوله: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ قرأ الكسائي بكسر العين، حيث وقع وفتحها الباقون، وهما لغتان بمعنى العدة إذا استفهمت عن موجب، نحو قولك: أيقوم

стр. 508

زيد، فتقول: نعم، والتصديق إذا أخبرت عمّا وقع، تقول: قد كان كذا، فتقول: نعم، فإذا استفهمت عن منفي فالجواب «بلى»، ولا يدخل فيه «نعم»، نحو: ألم أكرمك، فتقول: بلى، ف «نعم» لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب، و «بلى» لجواب الاستفهام الداخل على النفي (١)، ولذلك كان الجواب في قول المؤمنين للكفار: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ ب «نعم»، لأنه استفهام دخل على إيجاب، ولذلك كان الجواب في قول الله تعالى ذكره: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ «الأعراف ١٧٢» ب «بلى» لأنه استفهام دخل على نفي، فاعرفه، فلست تجده مشروحا هكذا، وكان من كسر العين في «نعم» أراد أن يفرق بين «نعم» الذي هو جواب وبين «نعم» الذي هو اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار «نعم» بفتح العين في الجواب، وقال: قل نعم (٢). «١١» قوله: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ قرأ البزّي وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد «أنّ» ونصب «اللعنة» ب «أن»، وهو الأصل، وقرأ الباقون بتخفيف «أن» ورفع «اللعنة» بالابتداء، وهي «أن» الثقيلة خفّفت فنقص لفظها عن شبه الفعل، فلم تعمل في اللفظ وعملت في المعنى، فرجع ما بعدها (٣) إلى أصله، وهو الابتداء، ومع «أن» إضمار القصة بخلاف المكسورة المشددة (٤)، ل «أن» المفتوحة اسم يحتاج إلى صلة (٥)، فأضمر بعدها ما يكون هو الابتداء، والخبر في المعنى، وهو القصة والحديث. والمكسورة حرف لا يقتضي صلة، فلم يضمر بعدها ما يكون هو الابتداء والخبر في المعنى.

стр. 509

وإنما يضمر مع المكسورة الهاء، وهو اسم مفرد. وما بعد المفتوحة من الابتداء والخبر هو خبرها، وكذلك ما بعد المخففة المكسورة، إلا أن خبر المفتوحة هو اسمها في المعنى، لأن الجملة هي للقصة المضمرة مع المفتوحة والحديث المضمر، وليس كذلك الجملة بعد «إن» المخففة المكسورة (١)، ليست الجملة التي هي الخبر هي الهاء المضمرة (٢) مع المكسورة، فاعرف الفرق بينهما، فإنه مشكل معدوم تفسيره (٣). «١٢» قوله: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ قرأه ابن عامر بغير واو، استغنى عن حرف العطف لاتصال الجملة الثانية بالأولى في المعنى، وقوّى الحذف أنها في مصحف أهل الشام بغير واو، وقرأ الباقون بالواو، لعطف الجملة على الجملة، وكذلك هي بالواو في سائر المصاحف غير مصحف أهل الشام، وإثبات الواو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٤)، ولأن (٥) فيه تأكيد ارتباط الجملة الثانية بالأولى (٦). «١٣» قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بالتشديد، وخفّف الباقون، ومثله في الرعد (٧)، وهما لغتان: أغشى وغشّى، وقد أجمعوا على: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ «النجم ٥٤» وأجمعوا على: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾

стр. 510

«يس ٩» فالقراءتان متساويتان، وفي التشديد معنى التكرير والتكثير (١). «١٤» قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ قرأ ذلك ابن عامر بالرفع، في الأربع الكلمات، ونصبهن الباقون، والتاء مكسورة في حال النصب على الأصول. وحجة من رفع أنه استأنف الكلام وقطعه ممّا قبله، فرفع بالابتداء، وعطف بعض الأسماء على بعض، وجعل «مسخرات» خبرا للابتداء (٢)، ويقوّي هذا أن الله جل ذكره قد أعلمنا، في غير هذا الموضع، أنه سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، والشمس والقمر والنجوم هنّ ممّا سخّره لنا، ممّا هو في السماء، فحسن الإخبار عنهن في هذا الموضع، فالتسخير على ذلك. «١٥» وحجة من نصب أنه عطف ذلك على المنصوب ب «خلق»، وقوى ذلك أن الله جلّ ذكره قد أنبأنا عن الشمس والقمر أنه خلقهما في قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ «فصلت ٣٧» فحمل هذا على ذلك، في الإخبار عنهن، بالخلق لهن، وكان الاشتراك بين الجملتين، واتصال بعض الكلام ببعض أقوى، وهو الاختيار، وتكون «مسخرات» حالا على قراءة من نصب (٣). «١٦» قوله: ﴿بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٤) قرأه الحرميان وأبو عمرو بنون مضمومة، وضم الشين، ومثلهم ابن عامر، غير أنه أسكن الشين، ومثله حمزة والكسائي، غير أنهما فتحا النون، وقرأ ذلك عاصم بباء مضمومة وإسكان الشين. وحجة من ضم النون والشين أنه جعله جمع نشور، ونشور بمعنى ناشر، وناشر معناه محيي، كطهور بمعنى طاهر، جعل الريح ناشرة للأرض، أي: محيية لها إذ تأتي بالمطر الذي يكون النبات به، ويجوز أن يكون جمع نشور، ونشور بمعنى منشور، كركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، كأن الله جلّ

стр. 511

ذكره أحيا الريح لتأتي بين يدي رحمته، فهي (١) ريح منشورة أي: محياه، حكى أبو زيد: قد أنشر الله الريح انتشارا إذا بعثها، ويجوز أن يكون «نشرا» جمع ناشر كشاهد وشهد، وقاتل وقتل، على ما تقدّم أن الريح ناشرة للأرض أي: محيية لها بما تسوق من المطر. «١٧» وحجة من أسكن الشين وضمّ النون كالحجة فيما قبله، إلا أنه أسكن الشين استخفافا كرسول ورسل وكتاب وكتب، والضم هو الأصل في ذلك كله. «١٨» وحجة من فتح النون وأسكن الشين أنه جعله مصدرا، وأعمل فيه معنى ما قبله، كأنه قال: وهو الذي نشر الرياح نشرا كقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ «النساء ٢٤» وكقوله: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ﴾ «النمل ٨٨» لأن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ يدلّ على نشرها، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الرياح، كأنه قال: يرسل الرياح محيية للأرض، كما تقول: أتانا ركضا، أي راكضا، وقد قيل: إن تفسير «نشرا» بالفتح من النشر الذي هو خلاف الطّي، كأنّ الريح في سكونها كالمطوية، ثم ترسل من طيّها ذلك، فتصير كالمتفتحة. وقد فسّره أبو عبيد بمعنى متفرقة في وجوهها، على معنى: تنشرها ههنا وههنا، ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول، كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. وكقوله: ﴿هذا خَلْقُ﴾ ﴿اللهِ﴾ «لقمان ١١» أي: مخلوقة، فيكون المعنى: يرسل الرياح منشرة، أي محياة، ويكون «نشرا» بمعنى إنشارا، قد حذفت منه الزوائد. «١٩» وحجة من قرأ بالباء مضمومة أنه جعله جمع بشير، إذ الرياح تبشر بالمطر، وشاهده قوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ «الروم ٤٦» وأصل الشين الضم، لكن أسكنت تخفيفا كرسول ورسل (٢).

стр. 512

«٢٠» قوله: ﴿مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ و ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ «فاطر ٣» قرأهما الكسائي بالخفض، حيث وقعا، ووافقه حمزة على الخفض في «خالق غير الله»، وقرأ ذلك الباقون بالرفع. وحجة من خفض أنه جعله صفة ل «إله، وخالق» على اللفظ، وموضع «إله» و «خالق» موضع رفع على الابتداء، و «لكم» و «يرزقكم» الخبر، أو يضمر الخبر (١)، كأنه قال: ما لكم من إله غير الله في الوجود. «٢١» وحجة من رفع أنه جعل «غير» بدلا من «إله» ومن «خالق»، على الموضع، ويجوز أن يكون «غير» صفة ل «إله» و ل «خالق»، على الموضع، كقوله: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ «آل عمران ٦٢» أي غير الله، والرفع أحب إليّ، لأن الجماعة عليه (٢). «٢٢» قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بالتخفيف حيث وقع، جعله من «أبلغت» الرسالة، كما قال: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ «هود ٥٧» وهو إجماع (٣). وقرأ الباقون بالتشديد من «بلّغ» كمال قال: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ «المائدة ٦٧» وهو إجماع، والتشديد أحب إليّ لأن الجماعة عليه (٤). «٢٣» قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ في قصة صالح، قرأه ابن عامر بزيادة واو قبل القاف، وقرأ الباقون بغير واو. والقول في هذه الواو كالقول في: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ (٥) «الأعراف ٤٣».

стр. 513

«٢٤» قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ قرأ نافع وحفص على الخبر، بهمزة واحدة مكسورة، وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، الذي في معناه التوبيخ، غير أن ابن كثير يسهّل الثانية بين الهمزة والياء، وأبا عمرو يفعل كذلك، ويدخل (١) بين الهمزتين ألفا فيمد، وهشاما يدخل بين الهمزتين ألفا مع تخفيفهما. وحجة من قرأه على الخبر أنه جعل «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ» تفسيرا للفاحشة (٢) المذكورة، فلم يحسن إدخال ألف الاستفهام عليه، لأنها تقطع ما بعدها ممّا قبلها. «٢٥» وحجة من قرأ بالاستفهام أنه لمّا رأى «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ» وما بعده كلاما تاما ابتدأ بالجملة الثانية بالاستفهام، لتأكيد التوبيخ لهم والتقرير، فبنى الجملتين على كلامين، كل واحد قائم بنفسه في معناه، فذلك أصحّ وأبين وهو الاختيار (٣). «٢٦» قوله ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بإسكان الواو من «أو»، غير أن ورشا يلقي حركة الهمزة من «أمن» على الواو من «أو» على أصله. وقرأ الباقون بفتح الواو، وبهمزة بعدها. وحجة من أسكن الواو أنه جعلها «أو» التي للعطف، على معنى الإباحة، مثل: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ «الإنسان ٢٤» أي: لا تطع هذا الجنس. ومثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: جالس هذا الصنف. فالمعنى: أفأمنوا هذه الضروب من العقوبات، أي: إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الضرب الآخر، ويجوز أن تكون «أو» لأحد الشيئين، كقولك:

стр. 514

ضربت زيدا أو عمرا، أي: ضربت أحدهما، ولم ترد أن تبيّن المضروب منهما وأنت عالم به من هو منهما، وليست هي «أو» التي للشك في هذا، إنما هي «أو» التي لأحد الشيئين غير معين، فيكون التقدير في الآية: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات. «٢٧» وحجة من فتح الواو وهمز «أمن» أنه جعلها واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، كما تدخل على «ثم» في نحو قوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ﴾ «يونس ٥١» ومثله: ﴿أَوَكُلَّما﴾ «البقرة ١٠٠» ويقوّي ذلك أن الحرف الذي قبله، والذي بعده، وهو الفاء دخلت عليه ألف الاستفهام. وكذلك (١): ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ «الأعراف ١٠٠» فحمل وسط الكلام على ما قبله وما بعده، للمشاكلة والمطابقة في اتفاق اللفظ، في دخول الألف عليه كله، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة (٢). وقد تقدّم ذكر «الريح» و «بسطة»، و «إن لنا» و «أئنّكم لتأتون» و «تعقلون» و «أرثتموها» و «يلهث ذلك» وشبهه، فأغنانا ذلك عن التكرير له (٣). «٢٨» قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ قرأه نافع بياء مشددة مفتوحة، على تعدية «حقيق» (٤) إلى ضمير المتكلم، فلمّا اجتمع ياءان ياء «على» التي تنقلب مع الضمير ياء، وياء المتكلم، أدغم الأولى في الثانية وفتح، لأن الإضافة أصلها الفتح، و «حقيق وحقّ» سواء بمعنى واجب [ومثله حق، وأصله أن يتعدّى

стр. 515

يعلى كما يتعدّى واجب] (١) بعلى، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ «الصافات ٣١»، وقال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ «الإسراء ١٦» وقرأ الباقون بألف بعد اللام من «على»، ولم يضيفوها إلى المتكلم، وذلك أنه عدّى «حقيق» ب «على» إلى «أن»، ويجوز أن تكون «على» في هذا بمعنى الباء، كما جاز وقوع الباء في موضع «على» في قوله: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ «الأعراف ٨٦» أي: على كل طريق (٢). «٢٩» قوله: (أرجه وأخاه) قرأه ابن كثير وهشام بهمزة ساكنة، ويصلان الهاء بواو في الوصل، وكذلك قرأ أبو عمرو، غير أنه يضمّ الهاء، ولا يصلها بواو، وقرأ ابن ذكوان بهمزة ساكنة وبكسر الهاء، من غير أن يصلها بياء، وكذلك قرأ قالون، غير أنه لم يهمز. وقرأ ورش والكسائي بغير همز، ويصلان الهاء بياء في الوصل، وقرأ حمزة وعاصم بإسكان الهاء، من غير همز، ومثله الاختلاف في الشعراء (٣)، والهمز في هذا الفعل وتركه لغتان، يقال: أرجيته وأرجأته، بمعنى: أخرته، وإسكان الهمزة فيه أو حذف الياء علم البناء على قول البصريين، وعلم الجزم على قول الكوفيين، فأما الهاء فأصلها أن توصل بواو، على ما تقدّم من العلة، فمن أثبت الواو أتى به على الأصل، فاعتدّ بالهاء حاجزا (٤) بين الهمزة والواو. ومن حذف الواو ولم يعتدّ بالهاء حاجزا لخفائها، فحذف [الواو] (٥) لالتقاء الساكنين على مذهب (٦) سيبويه وأكثر البصريين، وقيل حذفت الواو

стр. 516

استخفافا، واكتفي بالضمة الدالة عليها، ومن وصل الهاء بياء أبدل من ضمة الهاء كسرة للكسرة التي قبلها، فانقلبت الواو ياء، ومن حذف الياء فعلى وجه العلة في حذف الواو، ومن أسكن الهاء فعلى نية الوقف عليها، أو على توهّم أنها لام الفعل، فأسكن للبناء أو للجزم، وكل هذا في إسكان الهاء ضعيف، على ما ذكرنا من (١) العلل المذكورة في إسكان الهاء في «يؤده» و «لا يؤده» و «نصله» و «نولّه»، والإسكان أضعف القراءات في هذه الكلمة، لما ذكرنا في «نولّه، ونصله»، والاختيار ترك الهمز وصلة الهاء بياء، لأنك إذا لم تهمز تحرّك ما قبل الهاء، فلا تقدّر فيه اجتماع ساكنين. فأما من حذف الياء، ولم يهمز، فإنه أجرى الكلمة على أصلها قبل حذف الياء الأولى، فكأنه حذف الياء الثانية لسكونها وسكون الياء الأولى، ثم حذف الياء الأولى للبناء وللجزم، فبقيت الثانية على حذفها، ولم يعتدّ بحذف الياء (٢) الأولى، وقد تقدّم بسط هذا وشرحه، وكلهم وقف على هاء دون ياء أو واو، والروم والإشمام جائزان فيها، في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وهشام، لأن قبلها ساكنا، لا يشبه حركتها، والروم، في قراءة ابن ذكوان، جائز. ولا يجوز الروم في قراءة الكسائي وورش وقالون لأن حركة الهاء حركة [كحركة] (٣) ما قبلها، وهي خفية، فكأن حركة ما قبلها عليها على ما قدّمنا (٤). «٣٠» قوله: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ قرأ حمزة والكسائي «سحّار» على وزن «فعّال»، هنا وفي يونس (٥)، لأن فيه معنى المبالغة ولأنهم قد أجمعوا على

стр. 517

«سحار» في الشعراء (١) فجرى هذا عليه، ويقوّي ذلك أنه قد وصف ب «عليم»، فدلّ على التناهي في علم السّحر، و «فعال» من أبنية المبالغة والتناهي. وقرأ الباقون «ساحر» على وزن «فاعل»، كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ «طه ٧٠» و ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ «الشعراء ٤٠»، والسحرة جمع ساحر، ككاذب وكذبة، وفاجر وفجرة، وقوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ «الأعراف ١١٦» يدلّ على ذلك، لأن اسم الفاعل من «سحر» «ساحر»، وأمالهما الدوري عن الكسائي وحده على أصله (٢). «٣١» قوله: (إن لنا لأجرا) قرأه الحرميان وحفص بهمزة واحدة، على لفظ الخبر، وقرأ الباقون بالاستفهام، على أصل كل واحد، كما ذكرنا في «أئنكم لتأتون»، أبو عمرو يليّن الثانية، ويدخل بين الهمزتين ألفا، وهشام يحقق الهمزتين ويدخل بين الهمزتين ألفا وقد تقدم ذكر العلة في إدخال الألف بين الهمزتين، وأنه فعل ذلك لاستثقاله الجمع (٣) بين الهمزتين، وأن التخفيف للثانية كالتحقيق، والاستثقال باق، لأنها بزنة المخففة، ولأنها مرادة. وحجة من قرأ بهمزة واحدة أنه أراد به الإلزام، وذلك أنهم ألزموا فرعون أن يجعل لهم أجرا إن غلبوا، فقال لهم، نعم، لم يستفهموه عن ذلك، إنما ألزموه إياه، وقيل: إنهم قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا، فلهم الأجر عند أنفسهم، فلا معنى للاستفهام على هذا المعنى، والمعنى أنهم قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا. «٣٢» وحجة من استفهم أنه أجراه على معنى الاستخبار، استخبروا

стр. 518

فرعون: هل يجعل لهم أجرا إن غلبوا أو لا يجعل ذلك لهم، لم يقطعوا على فرعون بذلك، إنما استخبروه هل يفعل ذلك. فقال (١): نعم، لكم الأجر والقرب إن غلبتم، وكلا الوجهين حسن، والاستفهام أولى به، وأحب إليّ، لأن القراءة الأولى يجوز أن تكون على وجه الاستفهام أيضا، لكنه حذفت الألف، لدلالة الحال على ذلك، ولقول فرعون لهم: نعم، وزادهم القرب منه. ويقوّي ذلك إجماعهم على لفظ الاستفهام في الشعراء في ﴿أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً﴾ (٢) «٤٢». «٣٣» قوله: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ قرأ حفص بإسكان اللام والتخفيف، حيث وقع، جعله مستقبل «لقف يلقف»، وقرأ الباقون بالتشديد، وفتح اللام، جعلوه مستقبل «فهي تتلقف»، وحذفت إحدى التاءين استخفافا (٣). «٣٤» قوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي في هذا الموضع وفي طه والشعراء (٤) بهمزتين محققتين، بعدهما ألف، بدل من همزة ساكنة، هي فاء الفعل، لأن أصله ثلاث همزات: همزة الاستفهام مفتوحة، وهمزة ألف القطع ألف الفعل مفتوحة، وهمزة هي فاء الفعل ساكنة، أبدل منها ألف على أصل بدلها في «آدم وآتى» وشبهه، فهؤلاء قرأوا على الأصل، كما فعلوا في «أأنذرتهم» وشبهه، ولم يستثقلوا اجتماع (٥) همزتين محققتين، لأن الأولى كأنها من كلمة أخرى، لأنها دخلت زائدة قبل أن لم تكن. وقرأ حفص في الثلاثة المواضع بهمزة واحدة، بعدها ألف، على لفظ الخبر الذي معناه الاستفهام. وإنما حذفت ألف الاستفهام من اللفظ استخفافا، وحسن ذلك، لأن ما في الكلام من معنى التوبيخ والتقريع، من فرعون للسحرة، يدل على الاستفهام الذي معناه الإنكار منه لفعلهم الإيمان. وقرأ قنبل في الأعراف بالاستفهام أيضا، غير أنه قرأ بواو في

стр. 519

الوصل، بدل من الهمزة الأولى، لانضمام ما قبلها، وهي مفتوحة، وخفّف الثانية بين بين، إرادة التخفيف، لأن الأولى تخفيفها عارض، فكأنها مخفّفة، [فخفّف] (١) الثانية، كما يفعل إذا حقّق الأولى، على الأصل، وأبدل من الثانية ألفا، لأنها ساكنة قبلها فتحة. وقرأ في طه (٢) بهمزة واحدة، بعدها ألف، على لفظ الخبر، كحفص. وقد ذكرنا وجه ذلك، وقرأ في الشعراء بهمزة محقّقة، وبعدها همزة بين بين، وبعدها ألف بدل من الساكنة، وكذلك يفعل إذا ابتدأ في الأعراف، وقرأ الباقون في الثلاثة كقراءة قنبل في الشعراء، استثقلوا اجتماع همزتين محققتين فخفّفوا الثانية، على أصل التخفيف في المفتوحة، قبلها فتحة، وقد تقدّم كثير من علل هذا النوع في تحقيقه وتخفيفه، فلذلك خفّفنا الكلام عليه في هذا الموضع، فاطلبه في الأصول تجده مشروحا بأبين من هذا (٣)، وفيما ذكرنا في هذا الموضع كفاية لمن فهم، والاختيار فيه كالاختيار في «أأنذرتهم» (٤). «٣٥» قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ و ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ قرأ الحرميان «سنقتل» بفتح النون والتخفيف، جعلاه من «قتل» الذي يدل على القلة والكثرة، وقرأ الباقون بضم النون والتشديد، جعلوه من «قتّل» الذي يدل (٥) على معنى التكثير مرة بعد مرة، وقرأ نافع «يقتلون» بفتح الياء والتخفيف، جعله من «قتل يقتل» فهو يدل على القلة والكثرة، وقرأ الباقون بضم الياء والتشديد، جعلوه «قتّل» إذ فيه معنى التكثير، قتل بعد قتل (٦).

стр. 520

«٣٦» قوله: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف، وضمّها الباقون. وقرأ ابن عامر وأبو بكر «يعرشون» هنا وفي النحل (١) بضم الراء، وكسرها الباقون، وهما لغتان مشهورتان في الكلمتين، يقال: عكف يعكف ويعكف بمعنى: أقام على الشيء، وعرش يعرش ويعرش بمعنى: بنى (٢). «٣٧» قوله: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ قرأه ابن عامر بلفظ الواحد، رّده على قوله: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ﴾ «١٤٠» وقرأه الباقون «أنجيناكم» على لفظ الجماعة، إخبارا عن الله، عن طريق التعظيم لله والإكبار له، فهو أعظم العظماء، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، وله نظائر كثيرة في القرآن (٣). «٣٨» قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٤) قرأه حمزة والكسائي بالمدّ، وفتح الهمزة، غير منون، وقرأ الباقون بالتنوين، من غير مدّ ولا همز. وحجة من مدّه أنه أخذه من قول العرب: «هذه ناقة دكّاء» للتي لا سنام لها، فهي مستوية الظهر، فكأنه في التقدير: جعل الجبل مثل ناقة دكّاء، أي جعله، إذ تجلّى عليه مستويا لا ارتفاع فيه، انحطّ الجبل من علوّه وارتفاعه تعظيما لله وخضوعا له، إذ تجلى بعظمته (٥) إليه، فلمّا حدث في الجبل على عظمته وصلابته وقوته هذا الحادث فكيف لابن آدم الضعيف طاقة على رؤية البارئ في الدنيا!. هذا ما لا يكون. فلمّا أظهر الله لموسى أمرا في الجبل استيقن موسى برؤيته أنه تعالى لا يرى في الدنيا. «٣٩» وحجة من لم يمده أنه جعله مصدر دككت (٦) الأرض

стр. 521

دكا، أي: جعلتها مستوية لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، قال الأخفش كأنه لمّا قال: جعله، قال: دكه دكا، فجعله في موضع دكه، ويقوّي هذه القراءة قوله: ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ «الحاقة ١٤» وقوله: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ «الفجر ٢١» قال أبو عبيدة: جعله دكّا أي مندكا، والاختيار ترك المدّ لمّا بيناه من العلة، ولأن عليه أكثر القراء، ولما روى أنس بن مالك عن النبي ﵇ أنه قرأ: «دكا» بالتنوين من غير مدّ (١). «٤٠» قوله: (برسالاتي) قرأ الحرميان بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع. وحجة من وحّده أن «رسالة» تجري مجرى المصدر، وتعمل عمله، وإن كانت الهاء فيها (٢)، فالمصدر موحّد (٣) أبدا إذ يدل على القليل والكثير من جنسه. وأيضا فإن بعده «وبكلامي»، وهو مصدر موحّد، يراد به أيضا الكثرة، فجرت الرسالة، في توحيد لفظها، على مثل توحيد الكلام. «٤١» وحجة من جمع أنه لمّا كان موسى ﷺ أرسل بضروب من الرسالات، فاختلفت أنواعها، فجمع المصدر، لاختلاف أنواعه، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ «لقمان ١٩» والأصوات جمع صوت، وصوت مصدر، فجمع لاختلاف أجناس الأصوات، واختلاف المصوّتين، ووحّد في قوله: (لصوت) لمّا أراد به جنسا واحدا من الأصوات (٤). «٤٢» قوله: (الرشد) قرأه حمزة والكسائي بفتح الراء والشين، وقرأ

стр. 522

الباقون بضم الراء وإسكان الشين، وقرأ أبو عمرو في الكهف «رشدا» (١) بفتح الراء والشين، وقرأ الباقون بضمّ الراء وإسكان الشين (٢)، وهما لغتان في الصلاح والدين. وقد قيل: إن من فتح الراء والشين أراد به الدين لأن قبله ذكر الغي، والدين ضد الغي، وقد أجمعوا على الفتح في قوله: ﴿تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ «الجن ١٤» أي: دينا، ومثله: ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾ «الكهف ١٠» أي: دينا، ومن ضم الراء أراد الصلاح، كذا حكى أبو عمرو في الفتح والضم، والمعنيان متقاربان، لأن الدين الصلاح، والصلاح هو الدّين (٣). «٤٣» قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا﴾ قرأ ذلك حمزة والكسائي بالتاء في الفعلين، على الخطاب لله جلّ ذكره، وفيه معنى الاستغاثة (٤) والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء، وبنصب «ربنا» على النداء، وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع، وقرأ الباقون بالياء في الفعلين على الخبر عن غائب، وفيه معنى الإقرار بالعبودية، وقرأوا «ربنا» بالرفع، لأنه الفاعل، ولولا أن الجماعة على الياء والرفع لاخترت القراءة بالتاء والنصب، لما ذكرت من صحة معناه في الاستكانة والتضرع (٥). «٤٤» قوله (قوله) من حليّهم) قرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء، وقرأ الباقون بالضم. وحجة من ضمّ الحاء أنه جمع «حليا» على «فعول»، ككعب وكعوب وأصله «حلوي»، فأرادوا إدغام الواو في الياء للتخفيف فأبدلوا من ضمة اللام

стр. 523

كسرة، ليصح انقلاب الواو إلى الياء، وليصح الإدغام، كما فعلوا في «مرمي (١)» وبابه، فبقيت الحاء مضمومة على أصلها، فصار «حلي» كما ترى (٢). «٤٥» وحجة من كسر الحاء أنه لمّا كسر اللام، وأتى بعدها ياء مشددة، أتبع الحاء ما بعدها من الكسرة والياء، فكسرها، ليعمل اللسان عملا واحدا في الكسرتين، والياء بعدها، والضم هو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن عليه أكثر القراء. «٤٦» قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ وفي طه: ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ (٣) «٩٤» قرأهما ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الميم، وقرأ الباقون بالفتح. وحجة من فتح أنه جعل الاسمين اسما واحدا لكثرة الاستعمال بمنزلة خمسة عشر، وبناه على الفتح، فالفتحة في «ابن أم» كفتحة التاء في خمسة عشر. وقد قيل: إن من فتح أراد، يابن أمي، ثم أبدل من كسرة الميم فتحة، فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت استخفافا لكثرة الاستعمال، ولأن الفتحة تدل على الألف، وفيه بعد، لأن ياء الإضافة لا تحذف في غير المنادى، ولا يحذف ما هو عوض منها إلا في النداء، وليس «أم» بمنادى، فإنما يجوز هذا على قول من قال: مررت بغلام يا هذا، يريد: بغلامي، ثم حذف الياء لدلالة الكسرة عليها، وهذا قليل جائز، والإثبات أكثر، وقد أجازوا: مررت بالقاض، وجاءني القاض، من غير ياء، لأن الياء قد كانت محذوفة للتنوين قبل دخول الألف واللام، فلمّا دخلتا حذف [التنوين] (٤) وبقيت الياء على حذفها، فليس قولك: جاءني غلام، ومررت بغلام، مثل ما فيه الألف واللام في جواز (٥) حذف الياء، وقد حذفت الياء، وهي لام الفعل في نحو: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ «هود ١٠٥»، و ﴿نَبْغِ﴾ «الكهف ٦٤» وحذفت، وهي للإضافة في نحو: ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ «طه ٩٣» ﴿إِنْ تَرَنِ﴾

стр. 524

«الكهف ٣٩»، وقرأ بذلك القراء، فحذف الياء من غير المنادى مترجح في القوة والضعف، لا سيما وقد دخل «يا بن أم» تغيير بعد تغيير، ثم حذف، فلذلك أبعدوا في جوازه. «٤٧» وحجة من كسر أنه لمّا لم يدخل الكلام تغيير، قبل حذف الياء، استخفّ حذف الياء، لدلالة الكسرة عليها، ولكثرة الاستعمال، فهو نداء مضاف بمنزلة قولك: يا غلام غلام، فالفتح هو الاختيار، على تأويل الوجه (١) الأول من البناء (٢). «٤٨» قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالجمع مثل «أعمالهم»، وهو جمع إصر والإصر (٣) الثقل من الإثم وغيره، وهو مصدر لكن جمع لاختلاف ضروب المآثم، وهو في المعنى والجمع بمنزلة قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ «العنكبوت ١٣» فجمع لاختلاف أنواع الآثام، وهو جمع ثقل، وهو مصدر. وقرأ الباقون «إصرهم» بالتوحيد مثل «إثمهم» فاكتفوا (٤) بالواحد، لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه، مع إفراد لفظه، فهو بابه وأصله. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً﴾ «البقرة ٢٨٦»، وعلى التوحيد في قوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ «البقرة ٧»، وقوله: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ «إبراهيم ٤٣» و ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ «الشورى ٤٥» وكله بمعنى الجمع، لكن إضافته إلى جمع تدل على أن المراد به الجمع، لأنه لكل واحد من المضاف إليهم طرف وسمع وإصر، فحسن التوحيد، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأنه أخف

стр. 525

وأكثر في الاستعمال (١). «٤٩» قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ قرأه نافع وابن عامر بالتاء مضمومة، على تأنيث الجمع الذي بعده، وعلى تأنيث الخطيئة، وقرأ الباقون بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بالغفران، وردّوه على معنى ما قبله، لأن قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ بمعنى: وإذ قلنا، كما قال في البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ «١٣٤»، فالنون الاختيار، لأن الجماعة على ذلك. وقرأ أبو عمرو «خطاياكم» بألف من غير تاء، على الجمع المكسّر لخطيئة، مثل الذي في البقرة. فآثر ذلك لكثرة الخطايا منهم، ولأن الجمع المكسّر أدلّ على الكثرة من الجمع المسلّم ومن الواحد (٢)، إذ لا يقع لكثير في هذا. وقرأ ابن عامر «خطيئتكم» بالتوحيد، لأن الواحد يدل على الجمع. وقد أضيف إلى الجمع، فذلك أقوى في الدلالة على الجمع، لأن لكل واحد خطايا. وقرأ بضم التاء، لأنه مفعول لم يسم فاعله، ومثله نافع، غير أنه قرأ بالجمع، جمع السّلامة بألف والتاء مضمومة أيضا، لأنه مفعول لم يسم فاعله [فهو] (٣) جمع خطية، فآثر الجمع لكثرة الخطايا من القوم المضاف إليهم الخطايا، والجمع المسلّم بالألف والتاء يقع للكثير والقليل. وقرأ الباقون مثل نافع، غير أنهم كسروا [التاء] (٤)، لأنهم يقرؤون بالنون في «نغفر»، فعدّوا الفعل إلى «خطيئاتكم»، فهو منصوب (٥)، والتاء مكسورة في حال النصب، لأنها جمع مسلّم، فهو على الأصول، وهو الاختيار، لأنا قد اخترنا النون في «نغفر» (٦).

стр. 526

«٥٠» قوله: ﴿مَعْذِرَةً﴾ قرأ حفص بالنصب على المصدر، كأنهم لمّا قيل لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ قالوا: نعتذر من فعلهم اعتذارا إلى ربكم، فكأنه خبر مستأنف وقوعه منهم، ويجوز أن يكون قد وقع ذلك منهم على معنى: اعتذرنا اعتذارا، وقرأ الباقون بالرفع على إضمار مبتدأ دلّ عليه الكلام. كأنهم لمّا قيل لهم: لم تعظون قوما قالوا موعظتنا معذرة لهم. فهو أمر قد مضى منهم فعله (١). «٥١» قوله: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قرأه نافع بغير همزة، وكسر الباء، وقرأ ابن عامر بهمزة ساكنة، وكسر الباء، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة، وفتح الباء، وبعد الهمزة ياء (٢). وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ بهمزة مفتوحة على وزن «فيعل». وروي عنه بهمزة مكسورة على وزن «فعيل». وحجة من قرأ بكسر الباء أنه كسرها لحرف الحلق بعدها، وهو الهمزة وأصلها الفتح في قولك: بئس الرجل ثم يقولون: يبئس الرجل، كما قالوا في شهد شهد. «٥٢» وحجة من فتح الباء أنه أتى بها على الأصل، كما قال: شهد بفتح الشين. «٥٣» وحجة من قرأ بغير همز أن أصله فعل ماض نقل إلى التسمية، فوصف به العذاب، فأصله أن يكون بهمزة مكسورة، لأنه منقول من «بيس»، لكن أسكنت الهمزة استخفافا، كما قالوا في: علم علم، وكانت الهمزة أولى بالإسكان لثقلها وصعوبة النطق بها، مع كسرها وكسر ما قبلها. [فلمّا سكنت خفّفت بالبدل بياء لسكونها وانكسار ما قبلها] (٣).

стр. 527

«٥٤» وحجة من همز همزة ساكنة أنه أتى بها على الأصل، بعد نقلها من الكسر، فكأنه كره أن يغيرها بالتخفيف والبدل، وقد غيرت عن الحركة إلى السكون. «٥٥» وحجة من قرأ بهمزة مكسورة وفتح الباء، وياء بعد الهمزة، أنه جعله مصدرا وصف به العذاب من «بيئس» حكى أبو زيد: بئس الرجل بئيسا، والمصدر على «فعيل» كثير، نحو: النذير والنفير. والتقدير: بعذاب ذي بئيس أي ذي بؤس، لأن بؤسا أيضا مصدر لبئس. وقيل: إن بئيسا اسم فاعل من بؤس الرجل، إذا كان شديد البأس، فيكون بئيس اسم فاعل من بؤس ويكون معناه: بعذاب شديد فأما من قرأه على «فيعل» فانه جعله ملحقا ب «جعفر» كضيغم وهو صفة للعذاب أيضا (١). «٥٦» قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ قرأه أبو بكر بالتخفيف، من «أمسك يمسك» لإجماعهم على قوله: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ «البقرة ٢٢٩»، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ «الأحزاب ٣٧»، وقوله: ﴿مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ «المائدة ٤» وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ «النساء ١٥» وقوله: ﴿لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً﴾ «البقرة ٢٣١» فكله من «أمسك»، وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير والتكرير للتمسّك بكتاب الله ودينه، فبذلك يمدحون، وفيه معنى التأكيد وهو من مسك الأمر أي لزمه، فالتمسّك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك، فالتشديد يدلّ عليه. وكل ما ذكرنا من «أمسك» الذي (٢) لا يدل على تكرير ولا تأكيد، فإنما وقع في غير الدين في إمساك المرأة، وإمساك الصيد. فالتشديد أولى به وأحسن، وهو الاختيار لما ذكرنا من المعنى، ولأن الجماعة عليه (٣).

стр. 528

«٥٧» قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (١) قرأه الكوفيون وابن كثير بالتوحيد، وفتح التاء، وقرأ الباقون بالجمع وكسر التاء. وحجة من قرأ بالتوحيد أن الذرية تقع للواحد والجمع، قال الله جل ذكره: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ «آل عمران ٣٨» فهذا للواحد إنما سأل هبة ولد فبشر ب «يحيى»، دليله قوله في موضع آخر ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ «مريم ٥». وقد أجمع على التوحيد في قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ «مريم ٥٨» ولا شيء أكثر من ذرية آدم. وقال تعالى: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ «الأعراف ١٧٣» فهذا للجمع، فلمّا وقعت للجمع استغني بذلك عن الجمع، ومثله «البشر» يقع للواحد والجمع، وقال الله جلّ ذكره: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ «التغابن ٦» فهذا للجمع، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ﴾ «المؤمنون ٣٤» فهذا للواحد. «٥٨» وحجة من جمع أنه لمّا كانت الذرية تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد (٢)، فجمع ليخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه، لا يشركها فيه شيء، وهو الجمع، لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذرّيّات كثيرة متناسبة أعقابا (٣) بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى، والجمع بالتاء والألف يقع للتكثير، على تقدير جمع بعد جمع، وتقدير حذف التاء كلما جمع، وحذف الألف لاجتماع ألفين (٤) كلما كرّر الجمع، وفتح التاء في التوحيد لأنه مفعول به، وعلى ذلك كسرت في الجمع، لأنه جمع على حد التثنية، فالخفض فيه كالنصب (٥). «٥٩» قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ قرأ أبو عمرو بالياء فيهما، ردّهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾

стр. 529

﴿ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾. وقوله: ﴿قالُوا بَلى﴾. وبعده أيضا لفظ غيبة في قوله: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ «١٧٤». فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وفي «يقولوا» ضمير الذرية، على معنى: أشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا أو يقولوا قالوا بلى شهدنا، أي: شهد بعضنا على بعض. وقرأ الباقون فيهما بالتاء، ردّوه على لفظ الخطاب المتقدّم في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، لئلا تقولوا أو تقولوا. أو يكون «شهدنا» من قول الملائكة، لمّا قالوا «بلى» قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا، أي لئلا تقولوا. وقيل: معنى ذلك أنهم لمّا قالوا بلى. فأقرّوا بالربوبية، قال الله جلّ ذكره للملائكة اشهدوا، قالوا: شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وقد روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم قالوا: بلى، قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا، أي: شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا (١)، فهذا يدل على التاء، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه (٢). «٦٠» قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ (٣) قرأ حمزة بفتح التاء والحاء. ومثله في النحل والسجدة (٤)، ووافقه الكسائي على ذلك في النحل خاصة، جعلاه (٥) من «لحد» إذا مال ثلاثيا، وقرأ الباقون «يلحدون» بضمّ الياء وكسر الحاء، جعلوه من «ألحد» إذا مال، وهو أكثر في الاستعمال، فهو رباعي، وهما لغتان، يقال: لحد وألحد إذا عدل عن الاستقامة، ودليل ضمّ الياء إجماعهم على قوله:

стр. 530

﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾ «الحج ٢٥»، وإجماعهم على استعمال الملحد دون اللاحد، والإلحاد الميل عن الاستقامة، ومنه قيل: اللحد، لأنه إذا حفر يمال به إلى جانب القبر، بخلاف الضريح الذي هو حفر في وسط القبر. والضم الاختيار، لأنه أكثر في الاستعمال، وأبين، وعليه أكثر القراء (١). «٦١» قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بالنون على (٢) الإخبار من (٣) الله جلّ ذكره عن نفسه. وهو خروج [من] (٤) لفظ غيبة إلى لفظ إخبار، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾ «العنكبوت ٢٣» ثم قال: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، ولو حمله على لفظ الغيبة قبله لقال: من رحمته. وقرأ الباقون بالياء حملوه على لفظ الغيبة قبله، في قوله: (من يضلل) فذلك حسن للمشاكلة، واتصال بعض الكلام ببعض، وكلهم قرأ بالرفع في «يذرهم» على القطع والاستئناف، على معنى: ولكن نذرهم، في قراءة من قرأ بالنون والرفع، وهما الحرميان وابن عامر، وعلى معنى: والله يذرهم، في قراءة من قرأ بالياء والرفع، وهما أبو عمرو وعاصم، إلا حمزة والكسائي فإنهما قرآه بالجزم، عطفاه على موضع الفاء، التي هي جواب الشرط، في قوله: (ومن يضلل الله فلا هادي له) لأن موضعها وما بعدها جزم، إذ هي جواب الشرط. فجعلاه كلاما متصلا بعضه ببعض، غير منقطع ممّا قبله. فالقراءتان في ذلك متقاربتان، والاختيار ما عليه أهل الحرمين من الرفع والنون (٥). «٦٢» قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قرأه نافع وأبو بكر بكسر الشين، على
следующие страницы →