← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

«٥٠» قوله: ﴿مَعْذِرَةً﴾ قرأ حفص بالنصب على المصدر، كأنهم لمّا قيل لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ قالوا: نعتذر من فعلهم اعتذارا إلى ربكم، فكأنه خبر مستأنف وقوعه منهم، ويجوز أن يكون قد وقع ذلك منهم على معنى: اعتذرنا اعتذارا، وقرأ الباقون بالرفع على إضمار مبتدأ دلّ عليه الكلام. كأنهم لمّا قيل لهم: لم تعظون قوما قالوا موعظتنا معذرة لهم. فهو أمر قد مضى منهم فعله (١). «٥١» قوله: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قرأه نافع بغير همزة، وكسر الباء، وقرأ ابن عامر بهمزة ساكنة، وكسر الباء، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة، وفتح الباء، وبعد الهمزة ياء (٢). وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ بهمزة مفتوحة على وزن «فيعل». وروي عنه بهمزة مكسورة على وزن «فعيل». وحجة من قرأ بكسر الباء أنه كسرها لحرف الحلق بعدها، وهو الهمزة وأصلها الفتح في قولك: بئس الرجل ثم يقولون: يبئس الرجل، كما قالوا في شهد شهد. «٥٢» وحجة من فتح الباء أنه أتى بها على الأصل، كما قال: شهد بفتح الشين. «٥٣» وحجة من قرأ بغير همز أن أصله فعل ماض نقل إلى التسمية، فوصف به العذاب، فأصله أن يكون بهمزة مكسورة، لأنه منقول من «بيس»، لكن أسكنت الهمزة استخفافا، كما قالوا في: علم علم، وكانت الهمزة أولى بالإسكان لثقلها وصعوبة النطق بها، مع كسرها وكسر ما قبلها. [فلمّا سكنت خفّفت بالبدل بياء لسكونها وانكسار ما قبلها] (٣).

стр. 527

«٥٤» وحجة من همز همزة ساكنة أنه أتى بها على الأصل، بعد نقلها من الكسر، فكأنه كره أن يغيرها بالتخفيف والبدل، وقد غيرت عن الحركة إلى السكون. «٥٥» وحجة من قرأ بهمزة مكسورة وفتح الباء، وياء بعد الهمزة، أنه جعله مصدرا وصف به العذاب من «بيئس» حكى أبو زيد: بئس الرجل بئيسا، والمصدر على «فعيل» كثير، نحو: النذير والنفير. والتقدير: بعذاب ذي بئيس أي ذي بؤس، لأن بؤسا أيضا مصدر لبئس. وقيل: إن بئيسا اسم فاعل من بؤس الرجل، إذا كان شديد البأس، فيكون بئيس اسم فاعل من بؤس ويكون معناه: بعذاب شديد فأما من قرأه على «فيعل» فانه جعله ملحقا ب «جعفر» كضيغم وهو صفة للعذاب أيضا (١). «٥٦» قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ قرأه أبو بكر بالتخفيف، من «أمسك يمسك» لإجماعهم على قوله: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ «البقرة ٢٢٩»، وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ «الأحزاب ٣٧»، وقوله: ﴿مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ «المائدة ٤» وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ «النساء ١٥» وقوله: ﴿لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً﴾ «البقرة ٢٣١» فكله من «أمسك»، وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير والتكرير للتمسّك بكتاب الله ودينه، فبذلك يمدحون، وفيه معنى التأكيد وهو من مسك الأمر أي لزمه، فالتمسّك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك، فالتشديد يدلّ عليه. وكل ما ذكرنا من «أمسك» الذي (٢) لا يدل على تكرير ولا تأكيد، فإنما وقع في غير الدين في إمساك المرأة، وإمساك الصيد. فالتشديد أولى به وأحسن، وهو الاختيار لما ذكرنا من المعنى، ولأن الجماعة عليه (٣).

стр. 528

«٥٧» قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (١) قرأه الكوفيون وابن كثير بالتوحيد، وفتح التاء، وقرأ الباقون بالجمع وكسر التاء. وحجة من قرأ بالتوحيد أن الذرية تقع للواحد والجمع، قال الله جل ذكره: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ «آل عمران ٣٨» فهذا للواحد إنما سأل هبة ولد فبشر ب «يحيى»، دليله قوله في موضع آخر ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ «مريم ٥». وقد أجمع على التوحيد في قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ «مريم ٥٨» ولا شيء أكثر من ذرية آدم. وقال تعالى: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ «الأعراف ١٧٣» فهذا للجمع، فلمّا وقعت للجمع استغني بذلك عن الجمع، ومثله «البشر» يقع للواحد والجمع، وقال الله جلّ ذكره: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ «التغابن ٦» فهذا للجمع، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ﴾ «المؤمنون ٣٤» فهذا للواحد. «٥٨» وحجة من جمع أنه لمّا كانت الذرية تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد (٢)، فجمع ليخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه، لا يشركها فيه شيء، وهو الجمع، لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذرّيّات كثيرة متناسبة أعقابا (٣) بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى، والجمع بالتاء والألف يقع للتكثير، على تقدير جمع بعد جمع، وتقدير حذف التاء كلما جمع، وحذف الألف لاجتماع ألفين (٤) كلما كرّر الجمع، وفتح التاء في التوحيد لأنه مفعول به، وعلى ذلك كسرت في الجمع، لأنه جمع على حد التثنية، فالخفض فيه كالنصب (٥). «٥٩» قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ قرأ أبو عمرو بالياء فيهما، ردّهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾

стр. 529

﴿ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾. وقوله: ﴿قالُوا بَلى﴾. وبعده أيضا لفظ غيبة في قوله: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ «١٧٤». فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وفي «يقولوا» ضمير الذرية، على معنى: أشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا أو يقولوا قالوا بلى شهدنا، أي: شهد بعضنا على بعض. وقرأ الباقون فيهما بالتاء، ردّوه على لفظ الخطاب المتقدّم في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، لئلا تقولوا أو تقولوا. أو يكون «شهدنا» من قول الملائكة، لمّا قالوا «بلى» قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا، أي لئلا تقولوا. وقيل: معنى ذلك أنهم لمّا قالوا بلى. فأقرّوا بالربوبية، قال الله جلّ ذكره للملائكة اشهدوا، قالوا: شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وقد روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم قالوا: بلى، قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا، أي: شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا (١)، فهذا يدل على التاء، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه (٢). «٦٠» قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ (٣) قرأ حمزة بفتح التاء والحاء. ومثله في النحل والسجدة (٤)، ووافقه الكسائي على ذلك في النحل خاصة، جعلاه (٥) من «لحد» إذا مال ثلاثيا، وقرأ الباقون «يلحدون» بضمّ الياء وكسر الحاء، جعلوه من «ألحد» إذا مال، وهو أكثر في الاستعمال، فهو رباعي، وهما لغتان، يقال: لحد وألحد إذا عدل عن الاستقامة، ودليل ضمّ الياء إجماعهم على قوله:

стр. 530

﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ﴾ «الحج ٢٥»، وإجماعهم على استعمال الملحد دون اللاحد، والإلحاد الميل عن الاستقامة، ومنه قيل: اللحد، لأنه إذا حفر يمال به إلى جانب القبر، بخلاف الضريح الذي هو حفر في وسط القبر. والضم الاختيار، لأنه أكثر في الاستعمال، وأبين، وعليه أكثر القراء (١). «٦١» قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ قرأ الحرميان وابن عامر بالنون على (٢) الإخبار من (٣) الله جلّ ذكره عن نفسه. وهو خروج [من] (٤) لفظ غيبة إلى لفظ إخبار، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾ «العنكبوت ٢٣» ثم قال: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، ولو حمله على لفظ الغيبة قبله لقال: من رحمته. وقرأ الباقون بالياء حملوه على لفظ الغيبة قبله، في قوله: (من يضلل) فذلك حسن للمشاكلة، واتصال بعض الكلام ببعض، وكلهم قرأ بالرفع في «يذرهم» على القطع والاستئناف، على معنى: ولكن نذرهم، في قراءة من قرأ بالنون والرفع، وهما الحرميان وابن عامر، وعلى معنى: والله يذرهم، في قراءة من قرأ بالياء والرفع، وهما أبو عمرو وعاصم، إلا حمزة والكسائي فإنهما قرآه بالجزم، عطفاه على موضع الفاء، التي هي جواب الشرط، في قوله: (ومن يضلل الله فلا هادي له) لأن موضعها وما بعدها جزم، إذ هي جواب الشرط. فجعلاه كلاما متصلا بعضه ببعض، غير منقطع ممّا قبله. فالقراءتان في ذلك متقاربتان، والاختيار ما عليه أهل الحرمين من الرفع والنون (٥). «٦٢» قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ قرأه نافع وأبو بكر بكسر الشين، على

стр. 531

وزن «فعلا»، وقرأ الباقون بضمّ الشين والمد والنصب، على مثال «فعلاء» جمع شريك. وحجة من كسر الشين أنه جعله مصدرا، وقدّر حذف مضاف، تقديره: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فيرجع ذلك إلى معنى أنهم جعلوا لله شركاء، فإن لم تقدّر في هذه القراءة حذف مضاف، من وسط الكلام، قدّرته في أوله على تقدير: جعلا لغيره شركا، فإن لم يقدر حذف مضاف ألبتة آل الأمر إلى المدح، لأنهما إذا جعلا لله شركا، فيما آتاهما، فقد شركاه على ما آتاهما، فهما ممدوحان، والمراد بالآية الذم لهما بدلالة قوله: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وما بعده فالمراد به الذم أنهما (١) جعلا لله فيما آتاهما شركا في النعمة عليهما، فهذا أعظم الذم. «٦٣» وحجة من ضمّ الشين ومدّه أنه جعله جمع شريك، واختار ذلك لقيام المعنى في الذم، دون تقدير حذف مضاف، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولأنك لا تحتاج إلى تقدير حذف من الكلام (٢). «٦٤» قوله: (لا يتّبعوكم) قرأه نافع بالتخفيف، ومثله في الشعراء: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (٣) «٢٢٤». وقرأهما الباقون بالتشديد، وهما لغتان بمعنى، حكى أبو زيد: رأيت القوم فاتبعتهم، إذا سبقوك فأسرعت نحوهم، وتبعتهم مثله. وقد قال: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ «الشعراء ٦٠» وقال: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ «الأعراف ١٧٦»، وقال بعض أهل اللغة: «تبعه» مخفّفا، إذا مضى خلفه، ولم يدركه. و «اتّبعه» مشددا. إذا مضى خلفه، فأدركه (٤). «٦٥» قوله: (طائف) قرأه أبو عمرو وابن كثير والكسائي بغير ألف،

стр. 532

مثل «ضيف»، وقرأ الباقون بألف مثل «فاعل». وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله مصدر «طاف الخيال يطيف طيفا» مثل «كال يكيل»، إذا ألم في المنام، قال أبو عبيدة: طيف من الشيطان يلمّ به، ويقال أيضا: «طاف الخيال يطوف» مثل «قال يقول»، فيكون «طيف» مخفّفا من «طيف» ك «ميت، ميّت»، ودلّ [على] (١) ذلك أن ابن جبير قرأ «طيف» بالتشديد. «٦٦» وحجة من قرأه على «فاعل» أنه جعله أيضا مصدرا كالعافية والعاقبة، و «فعل» أكثر في المصادر من فاعل، حكى أبو زيد: طاف الرجل يطوف طوفا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يطيف إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطوف (٢)، إذا ألمّ في المنام. وقيل: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف من الّلمم والمسّ الجنون. وقال الكسائي: الطيف اللهو، والطائف كل ما طاف حول الإنسان، وعن ابن جبير ومجاهد: الطيف الغضب، وعن ابن عباس طائف لمّة من الشيطان، والاختيار طائف، لأن عليه أكثر القراء (٣). «٦٧» قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ قرأه نافع بضمّ الياء، وكسر الميم، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضمّ الميم، وهما لغتان: مدّ وأمدّ، [ومدّ] (٤) أكثر بغير ألف، يقال: مددت في الشر وأمددت في الخير. قال الله في الخير ﴿أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ﴾ «المؤمنون ٥٥» وقال: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ﴾ «الطور ٢٢» وقال في الشر: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ «البقرة ١٥». فهذا يدلّ على قوة الفتح في هذا الحرف، لأنه في الشر. وحكى أبو زيد: أمددت القائد بالجند،

стр. 533

وأمددت الرواة، وأمددت القوم بمال ورجال. وفتح الياء الاختيار، لما ذكرنا أن «مددت» أكثر، وأنه يستعمل في الشر، والغي هو الشر، ولأن الجماعة عليه (١). «٦٨» فيها سبع ياءات إضافة: قوله: ﴿رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾ «٣٣» أسكنها حمزة، ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «٥٩» ﴿مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ﴾ «١٥٠» فتحهما الحرميان وأبو عمرو. ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ «١٠٥» فتحها حفص. ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ «١٤٤» فتحها أبو عمرو وابن كثير. ﴿آياتِيَ الَّذِينَ﴾ «١٤٦» أسكنها حمزة وابن عامر. ﴿عَذابِي أُصِيبُ﴾ «١٥٦» فتحها نافع. «٦٩» فيها من الزوائد ياء قوله: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ «١٩٥» قرأ هشام بياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو بياء في الوصل خاصة، وقد اختلف فيها عن ابن ذكوان، والأشهر عنه الحذف في الوصل والوقف. وروي عنه إثباتها في الوصل خاصة، وبالحذف في الحالين قرأت له (٢).

стр. 534

سورة (١) الأنفال مدنية، وهي سبعون آية وست (٢) في المدني، وخمس في الكوفي «١» قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قرأه نافع بفتح الدال، وقرأ الباقون بالكسر. وحجة من فتح أنه بناه على ما لم يسمّ فاعله، لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي: أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار. ف «مردفين» بفتح الدال نعت ل «ألف»، وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في «ممدكم»، أي: ممدكم في حال إردافكم ب «ألف» من الملائكة. «٢» وحجة من كسر الدال أنه بناه على ما سمي فاعله، فجعله صفة ل «ألف» أي: بألف من الملائكة مردفين لكم، يأتون لنصركم بعدكم. حكى الأخفش: بنو [فلان] (٣) يردفوننا، أي: يأتون بعدنا، فيكون المعنى: فاستجاب لكم ربكم أني ممدّكم بألف من الملائكة جائين بعد استغاثتكم ربكم. وقيل: إن معناه: بألف من الملائكة مردفين غيرهم خلفهم لنصركم. فالمفعول محذوف. وحكى أبو عبيدة: إن «ردفني وأردفني» واحد. وكسر الدال أحب إليّ، لأنه قد يكون بمعنى الفتح، ولأن عليه أكثر القراء (٤). «٣» قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ قرأه نافع بضمّ الياء والتخفيف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والتخفيف، وبألف بعد الشين. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين، والتشديد من غير ألف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع «النعاس»، وقرأ بالنصب الباقون (٥). وحجة من قرأ بألف ورفع «النعاس» أنه أضاف الفعل إلى «النعاس»

стр. 535

فرفعه به، ودليله قوله ﴿أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى﴾ «آل عمران ١٥٤» في قراءة من قرأه بالياء أو التاء، فأضاف الفعل إلى «النعاس» أو إلى «الأمنة»، والأمنة هي النعاس. فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم. «٤» وحجة من ضمّ الياء وخفّف أو شدّد أنه أضاف الفعل إلى الله، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ «١٠» فنصب «النعاس» لتعدّي الفعل إليه، وقوّى ذلك أن بعده: (وينزّل عليكم) فأضاف الفعل إلى الله جلّ ذكره، وكذلك الإغشاء يضاف إلى الله، ليتشاكل الكلام، والتشديد والتخفيف لغتان بمعنى، قال الله جلّ ذكره: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ «يس ٩» وقال: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ «النجم ٥٤» وقال: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ «يونس ٢٧» والاختيار ضمّ (١) الياء والتشديد، ونصب «النعاس»، لأن بعده (أمنة مّنه)، فالهاء لله، وهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه (٢). «٥» قوله: (موهن) قرأ الحرميان وأبو عمرو بالتشديد، وخفّف الباقون وكلّهم نوّن ونصب «كيدا»، إلا حفصا فإنه أضاف «موهن» إلى «كيد» فخفضه. وحجة من خفّف أنه جعله اسم فاعل من «أوهن فلان الشيء» إذا أضعفه، يقال وهن الشيء وأوهنته ك «خرج وأخرجته». فأما تنوينه فهو الأصل في اسم الفاعل، إذا أريد به الاستقبال أو الحال، فنوّنه على أصله ونصب به «الكيد». «٦» وحجة من شدّد أنه جعله اسم فاعل من «وهّنت الشيء» مثل «أوهنته» ف «فعّلت وأفعلت» أخوان، إلا أن في التشديد معنى التكرير. فهو توهين بعد توهين. «٧» وحجة من أضاف أنه أراد التخفيف، فحذف التنوين وأضاف استخفافا، على أصل اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، وقد جاء القرآن بالإضافة وبغير الإضافة، قال الله جلّ ذكره: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ «المائدة

стр. 536

٩٥»، ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً﴾ «الكهف ٢٣»، وترك التنوين أخفّ وأكثر في القرآن [والكلام] (١)، وإثباته هو الأصل، والاختيار أن يقرأ بالتشديد لما فيه من المبالغة وأن يقرأ بالتنوين لأن الأكثر عليه، ولأنه الأصل (٢). «٨» قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح الهمزة، ردّوه على ما قبله، ففتح على تقدير اللام، و «أن الله» في موضع نصب بحذف لام الجر منها، والتقدير: ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، ولأن الله مع المؤمنين، أي: ولأن الله مع المؤمنين لن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، أي: من كان الله في نصره لن تغلبه فئة وإن كثرت، فارتباط بعض الكلام ببعض حسن، وبالفتح يرتبط ذلك وينتظم. وقرأ الباقون بكسر «أن» على الابتداء والاستئناف، وفيه معنى التوكيد لنصرة الله للمؤمنين، لأن «أن» إنما تكسر في الابتداء لتوكيد ما بعدها من الخبر. فقولك: إن زيدا منطلق آكد في كونه وحدوثه من قولك: زيد منطلق، لأن «إن» المكسورة تصلح لجواب القسم، والقسم يؤكد ما يأتي بعده من المقسم عليه، ويقوي كسر «إن» في هذا أن في قراءة ابن مسعود بغير واو، وهذا لا تكون فيه «إن» إلا مكسورة مستأنفة، إذ ليس قبلها حرف عطف، ينظمها مع ما قبلها، وقد تقدّم ذكر «ليميز» (٣). «٩» قوله: ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾ و «بالعدوة» قرأه ابن كثير وأبو عمرو، بكسر العين فيهما، وضمّهما الباقون، وهما لغتان، والكسر عند الأخفش أشهر. وقال أحمد بن يحيى: الضم أكثر اللغتين، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (٤).

стр. 537

«١٠» قوله: ﴿مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قرأه نافع وأبو بكر والبزّي بياءين ظاهرتين، وقرأ الباقون بياء واحدة مشددة مفتوحة. وحجة من قرأ بياءين أنه أتى بالفعل على أصله، واستثقل الإدغام والتشديد في الياء وأيضا (١) فإنه شبّهها بياء «يحيى» التي لا يحسن فيها الإدغام في حال (٢) نصب ولا رفع، وإنما أشبهتها لأنها قد تتغير بالسكون، إذا اتصل بها المضمر المرفوع، كما تتغير ياء «يحيى» في النصب ولا تدغم فيها، لأن تغيرها عارض. وقد ذكر (٣) سيبويه «أحييا، وأحيية» بالإظهار، وقد قالوا: اعيياء، فلم يدغموا، وإن كانت حركة اللام لا تتغير، كذلك لم يدغموا في «حي» لأن حركة اللام (٤) قد تتغير مع المضمر. «١١» وحجة من أدغم أن الياء الأولى من «حي» يلزمها الكسر، كما يلزم عين «عضضت وشممت»، فصارت بلزوم الحركة لها كغيرها من حروف السلامة، فصارت كالصحيح في نحو: «شمّ وعضّ»، أجرى هذا مجراه فأدغم إذ صارت الياء الأولى بالحركة في حكم الصحيح، فإذا لزمت الحركة لام الفعل جاز (٥) الإدغام، وإذا لم تلزم الحركة لم يحسن الإدغام، نحو: ﴿أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ «الأحقاف ٣٣» فهذا لا يحسن فيه الإدغام لأن حركة الياء الثانية غير لازمة. وهي (٦) تنتقل بالإعراب إلى السكون، فلمّا لم تلزم الحركة لم يعتدّ بها، فصارت الياء الثانية كأنها ساكنة، والساكن لا يدغم فيه، إنما يدغم في المتحرك، فلم يجز الإدغام فيما حركته ليست بلازمة، كما لم يجز فيه في حال الرفع، لئلا يلتقي ساكنان. وإنما حسن الإظهار في «حي»، وإن (٧) كانت حركته لازمة،

стр. 538

لأنها قد تتغير، إذا اتصل بها مضمر مرفوع وتسكن، فشابهت في تغيرها «أن يحيي الموتى» الذي لا يحسن فيه الإدغام، لأن حركته غير لازمة، فصارت (١) كالساكن، ولا يدغم في ساكن، وقد أجاز (٢) الفراء (٣) إدغام «أن يحيي الموتى» في حال النصب لتحرك الياء، ولا اختلاف في منع الإدغام في حال الرفع (٤). «١٢» قوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى﴾ قرأه ابن عامر بتاءين، على تأنيث لفظ الملائكة، وقرأ الباقون بياء وتاء على التذكير، لأنه قد فرّق بين الفعل والفاعل، ولأن تأنيث الملائكة غير حقيقي. وهو في الحجة مثل: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ «آل عمران ٣٩» و ﴿ناداهُ﴾ «النازعات ١٦» (٥). «١٣» قوله: ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ حفص وابن عامر وحمزة بالياء، على لفظ الغيبة، لتقدّم ذكر الذين كفروا ولقوله: ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ «٥٥»، وقوله: ﴿مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ «٥٦» وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ «٥٧» وقوله: ﴿إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ «٥٨» فردّ «يحسبن» في الغيبة على هذه الألفاظ المتكررة (٦) بلفظ الغيبة، وهم الفاعلون، والمفعول الأول ل «يحسبن» مضمر، و «سبقوا» المفعول الثاني، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. ويجوز أن يضمر مع «سبقوا» «أن»، فتسدّ (٧) مسدّ المفعولين، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أن سبقوا. فهو مثل: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ «العنكبوت

стр. 539

٢ - «في سدّ» أن «مسدّ المفعولين. ويجوز أن يكون الفاعل لمن قرأ بالياء النبي ﵇، فتستوي القراءة بالياء وبالتاء. والتقدير: ولا يحسبن [محمد] (١) الذين كفروا سبقوا. وقرأ الباقون بالتاء، على الخطاب للنبي ﵇، و «الذين كفروا» و «سبقوا» مفعولان ل «يحسب» وهو الاختيار، لظهور معناه، ولأن الجماعة عليه، وقد تقدّم ذكر فتح السين وكسرها (٢). «١٤» قوله: ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ قرأ ابن عامر بفتح الهمزة، على إضمار اللام وحذفها، أي: سبقوا لأنهم لا يعجزون. والمعنى: لا يحسبن الكفار أنفسهم فاتوا، لأنهم لا يعجزون، أي لا يفوتون. ف «أن» في موضع نصب لحذف اللام، أو في موضع خفض على إعمال اللام، لكثرة حذفها مع «أن» وهو مروي عن الخليل والكسائي. وقرأ الباقون بكسر «إن» على الاستئناف والقطع ممّا قبله، وهو الاختيار، لما فيه من معنى التأكيد، ولأن الجماعة عليه (٣). «١٥» قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قرأه أبو بكر بكسر السين. وفتحها الباقون، وهما لغتان في الصلح. وقد ذكر هذا في سورة البقرة بأشبع من هذا (٤). «١٦» قوله: (وإن لم ﴿يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ في موضعين، قرأ الكوفيون وأبو عمرو الأول بالياء، ذكّروا لفظ الفعل للتفريق بين المؤنث وفعله ب «منكم»، ولأن المخاطبين مذكّرون، فردّوه على المعنى، فذكّروا كما قال: «يغلبوا»، ولم يقل «يغلبن»، وهذا ضدّ قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ «الأنعام ١٦٠» فأنث العدد، والأمثال مذكّر. وكان حقه «عشرة أمثالها»، فإنما أنّث لأن «الأمثال»

стр. 540

في المعنى هي الحسنات، فحمل التأنيث على معنى الأمثال، لا على لفظها، وكذلك هذا حمل على التذكير، على معنى المائة، لا على لفظها. وقرأ الكوفيون «يكن» الثاني بالياء، على الردّ على معنى المائة، ولأنه قد فرّق ب «منكم»، وقرأهما الباقون بالتاء، حملوه على تأنيث لفظ المائة، وفرّق أبو عمرو بين الأول والثاني، فقرأ الأول بالياء، حملا على معنى المائة، وقرأ الثاني بالتاء، حملا على لفظ المائة، واختار في الثاني التأنيث لقوله: (صابرة) «٦٦»، فأكد لفظ التأنيث بتأنيث الصفة، فقوي لفظ التأنيث فيه (١) بخلاف الأول، فاختار فيه التاء، والقراءة بتأنيث الفعل [فيهما] (٢) لتأنيث لفظ المائة أحب إليّ، لأن عليه أهل الحرمين وابن عامر (٣). «١٧» قوله: ﴿أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ قرأ عاصم وحمزة «ضعفا» بفتح الضاد. وضمّها الباقون، وهما لغتان مصدران بمعنى، والفعل «ضعف» كالفقر والفقر مصدران ل «فقر» (٤). «١٨» قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ قرأه أبو عمرو بالتاء، لتأنيث لفظ «الأسرى»، ألا ترى أنّ فيه ألف التأنيث، وقرأ الباقون بالياء، على التذكير، حملوه على تذكير معنى «الأسرى»، لأن المراد به الرجال. وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بقوله «له»، وقوّى التذكير فيه أنك (٥) لا تخبر عن «الأسرى» بلفظ التأنيث لو قلنا «الأسرى يفتن» لم يجز، لأن المراد بهم المذكرون. فكان التذكير أولى به، وهو الاختيار لذلك، ولأن الجماعة على الياء (٦).

стр. 541

«١٩» قوله: (الأسرى إن يعلم) قرأه أبو عمرو «الأساري» على وزن «فعالى» شبّهه ب «كسالى»، كما قالوا «كسلى» في الجمع على التشبيه ب «أسرى»، فكل واحد مشبّه بالآخر، محمول عليه، وإنما اشتبها لأن معنى هذا متقارب، وذلك أن «الكسل» أمر يدخل على الإنسان بغير شهوته، كذلك «الأسر» يدخل عليه بغير شهوته. فلمّا اتفقا في المعنى امتزجا في الجمع فحمل كل على الآخر في بابه، فباب «أسير» ان يجمع على «أسرى»، كجريح وجرحى، وباب «كسلان» أن يجمع على «كسالى» كسكران وسكارى، فحمل «أسير» على باب «كسلان» فجمع على «أساري»، وحمل «كسلان» على باب «أسير» فجمع على «كسلى». وقد خرج أيضا «أسير» عن بابه، فجمع على «أسراء» لمشابهته في اللفظ «ظريفا وظرفاء»، وكذلك قالوا «قتلى» على التشبيه بلفظ «ظريف». وقد قال الأخفش: الأسرى الذين لم يدخلوا في وثاق، والأسارى الذين دخلوا في الوثاق. وقرأ الباقون «أسرى» على «فعلى»، وهو أصل باب «أسير» أن يجمع على «فعلى» كقتيل وقتلى وجريح وجرحى وصريع وصرعى، وذلك أن «فعيلا» إذا كان بمعنى «مفعول» [فبابه في الجمع فعلاء، وقد أدخلوا في فعلاء ما ليس بمعنى مفعول] (١) على التشبيه في اللفظ والمعنى، قالوا: مريض ومرضى، وميت وموتى، وهالك وهلكى، وذلك أنها أشبهت في اللفظ قولك: أسير وجريح وقتيل، لأنها كلها على وزن فعيل، وأشبهتها في المعنى لأنها كلها علل ابتلوا بها وهم كارهون [لها] (٢). وقد أجمعوا على «أسرى» في قوله: (أن يكون له أسرى) وهو الاختيار، لأنه الأصل في جمع «أسير»، ولأن عليه الجماعة (٣).

стр. 542

«٢٠» قوله: (من ولايتهم) قرأه حمزة بكسر الواو، ووافقه الكسائي على الكسر في الكهف (١)، وقرأهما الباقون بالفتح. وحجة من كسر أنه جعله من «وليت الشيء» إذا توليته، يقال: هو ولي، بيّن الولاية، فهو مصدر من «الولي». وكذلك المراد به في هذه السورة، ويقال: هو مولى، بيّن الولاية، بالفتح، فالفتح في الكهف أحسن، لأنه في معنى المولى، ويحسن أن يكون بمعنى الولي، لأن الله مولى المؤمنين ووليهم. وعلى ذلك قرأ حمزة والكسائي في الكهف بالكسر. «٢١» وحجة من قرأ بالفتح أنه جعله مصدرا لمولى، يقال: هو مولى بيّن الولاية وهو ولي بيّن الولاية، بالفتح أيضا، إذا كان الولي بمعنى المولى. فالولي يكون بمعنى المولى. كما يكون المولى بمعنى الولي. قال الله جلّ ذكره: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ «محمد ١١». والولاية في هذه السورة تحتمل أن تكون من ولاية الدين، فيكون الفتح أولى به، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢). «٢٢» فيها ياء (٣) إضافة [قوله] (٤): (إني أرى)، (إني أخاف) فتحهما الحرميان وأبو عمرو، وليس فيها زائدة (٥).

стр. 543

سورة التوبة مدنيّة، وهي مائة وثلاثون آية في المدني وتسع وعشرون ومائة في الكوفي «١» قوله: ﴿أَئِمَّةَ﴾ حيث وقع، قرأ الكوفيون وابن عامر بهمزتين محققتين. وقرأ الباقون بهمزة، وبعدها ياء مكسورة كسرة (١) خفيفة. وحجة من حقّق الهمزتين أنه شبهها بهمزة الاستفهام الداخلة على همزة أخرى في قولك: «أئذا، أئفكا»، فالهمزة المفتوحة الزائدة، التي للاستفهام، دخلت على همزة «إذا»، وعلى همزة «إفك» التي هي فاء الفعل، كذلك الهمزة المفتوحة الزائدة في «أئمة»، دخلت على همزة «إمام» التي هي فاء الفعل (٢)، فلمّا اشتبها في الزيادة حقّقا، وكان الأصل في «أئمة» ألا يحقق همزته الثانية، لأن اصلها السكون، لأنه جمع «إمام» على «أفعله»، كحمار أحمرة ومن شأن العرب ألا يجتمع (٣) مثلان متحركان إلا ويدغمون الأول في الثاني، إلا أن يكون الثاني للإلحاق، فلا يدغم، أو يكون الاسم على «فعل» فلا يدغم، فالذي هو للإلحاق نحو: مهدد ومردد، فهذا لا يدغم، لئلا ينقص عمّا هو ملحق به، لأنه ملحق ب «جعفر». ولا إدغام في «جعفر». وكذلك يجب أن يكون ما ألحق به، والذي هو على «فعل» نحو: شرر وطلل، فأصل «أئمة» أأممة، ثم وجب الإدغام في المثلين، وهما الميمان، فألقيت كسرة الميم الأولى على الهمزة الساكنة، التي هي فاء الفعل، وهي في الأصل همزة «إمام»، إلا أنها تغيّرت في الجمع إلى السكون، لأن فاء الفعل في الجمع ساكنة، كالحاء من «أحمرة»، فلمّا ألقيت الكسرة على الهمزة الساكنة انكسرت، فصار لفظها كلفظ «أئذا»، فحملت في التحقيق محمل «أئذا» وليست مثلها، لأن كسرة الهمزة الثانية في «أئذا» أصلية، وكسرة (٤) الهمزة الثانية من «أئمة» عارضة،

стр. 544

إذ أصلها السكون، ومن الأصول، في كلام العرب على ما قدّمنا، أنه لا يجمع بين همزتين في التحقيق، إذا كانت الثانية ساكنة. وقد فعل ذلك في «أئمة» لأن الثانية، وإن انكسرت، فأصلها السكون، فقد جمع بين تحقيق الهمزتين، والثانية أصلها السكون، فهو خارج عن الأصول، محمول على شبه لفظه بلفظ «أئذا وأئفكا». ولهذه العلة وجب أن تكون الهمزة المكسورة، في قراءة من خفّف، ياء خفيفة الكسرة، ولأن باب الساكنة في التخفيف البدل، فجرت على أصلها في البدل بخلاف «أئذا وأئفكا»، لأن كسرة الهمزة، في ذلك، أصلية، فجرت في التخفيف على أصل تخفيف المكسورة، التي قبلها متحرك بين بين، وقد تقدّم ذكر هذه الأصول (١) فالقراءة بالتحقيق (٢) في «أئمة» فيه من الضعف ما ذكرته لك. «٢» وحجة من أبدل من الهمزة المكسورة ياء خفيفة الكسرة، ولم يحقّق الهمزتين، أنه لمّا كان يستبعد التحقيق في الهمزتين اللتين أصلهما (٣) الحركة، ويخفّف الثانية استثقالا لتحقيقهما، فإذا وقعت همزتان [محققتان] (٤) لا أصل للثانية في الحركة، كان ذلك عنده أبعد من التحقيق، إذ لا يوجد في كلام العرب همزتان محققتان، والثانية ساكنة، هذا أمر قد ترك استعماله العرب والقراء، وعلة ذلك أن الهمزتين في «أئمة» كلمة لا يقدّر فيها أن الثانية من الهمزتين، دخلت عليها الأولى، فصارت ككلمتين (٥) مثل ما يقدّر في «أئذا وأأنذرتهم»، لأن الأولى دخلت على الثانية، فصارت الهمزتان كأنهما من كلمتين، فحسن التحقيق [فيهما] (٦) كما يحسن في الهمزتين من كلمتين، وقد مضى ذكر هذا في علل تحقيق الهمز وتخفيفه، فوجب أن لا يحقق الثانية في «أئمة»، لأن أصلها السكون. ولمّا وجب تخفيفها خفّفت على ما يجب للساكنة من التخفيف وهو البدل، فأبدل منها ياء مكسورة، لأنها مكسورة، كما يبدل منها ألف لو كانت ساكنة، وعلى ذلك

стр. 545

جرى: أأدم وأأتى وأأمن، وشبهه. وقد مضى الكلام على هذا (١). «٣» قوله: ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ قرأه ابن عامر بكسر الهمزة، جعله مصدر «أمنته» من الأمان، أي: لا يؤمنون [في] (٢) أنفسهم، وقيل معناه: لا يوفون لأحد بأمان يعقدونه له، ويبعد في المعنى أن يكون من الإيمان، الذي هو التصديق، لأنه قد وصفهم بالكفر قبله، فتبعد صفتهم بنفي الإيمان عنهم، لأنه معنى قد ذكر إذ (٣) أضاف الكفر إليهم، فاستعماله بمعنى آخر أولى، ليفيد الكلام فائدتين، ودلّ على أنه من الأمان قوله عنهم: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ «١٠» أي: لا يفون لأحد بعهد، ولا يحفظون ذمام أحد. وقرأ الباقون بفتح الهمزة، جعلوه جمع «يمين»، ودلّ على ذلك قوله قبل ذلك: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ «٧» والمعاهدة بالأيمان تكون، ودلّ على ذلك قوله: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ «١٣» والفتح الاختيار (٤)، لأن المعنى عليه، ولأن الجماعة عليه (٥). «٤» قوله: ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتوحيد، وجّهاه إلى المسجد الحرام، بدلالة قوله: ﴿وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ «١٩». وقرأ الباقون بالجمع، على العموم، لمنع المشركين من عمارة المسجد الحرام وغيره، ودلّ على ذلك قوله: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ﴾ «١٨» وهو الاختيار (٦). «٥» قوله: ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قرأه أبو بكر بالجمع، لأن لكل واحد من المخاطبين عشيرة، فجمع لكثرة عشائرهم، وقرأه الباقون بالتوحيد، لأن العشيرة واقعة على الجمع، فاستغنى بذلك لخفّته، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه. وقد حكى الأخفش أن العرب لا تجمع عشيرة إلا [على] (٧) عشائر، ولا تجمع

стр. 546

بالألف والتاء سماعا، والقياس لا يمنع من جمعها بألف وتاء (١). «٦» قوله: (عزير ابن) قرأه عاصم والكسائي «عزير» بالتنوين جعلاه مبتدأ و «ابنا» خبره، فثبت التنوين فيه، وقرأ الباقون بغير تنوين في «عزير»، جعلوا «عزيرا» مبتدأ و «ابنا» صفة له، فحذف التنوين فيه لكثرة الاستعمال. ولأن الصفة والموصوف كاسم واحد، ويجوز أن يكون حذف التنوين لسكونه، وسكون الباء من «ابن» وإثبات التنوين، مع كون «ابن» صفة، لا يحسن، لأنه (٢) مرفوض غير مستعمل، وهو الأصل، إذا جعلت «ابنا» خبرا أثبت ألف الوصل في الخط في «ابن»، فإذا (٣) جعلته صفة لم تثبت الألف في الخط في «ابن»، و «عزير» على هذا مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: عزير بن الله نبيّنا، أو صاحبنا، ويجوز أن يكون «عزير»، مع حذف التنوين، خبر ابتداء محذوف، تقديره: صاحبنا عزير، ونبينا عزير، فإذا قدّرت حذف التنوين، لالتقاء الساكنين، جاز أن يكون «عزير» مبتدأ و «ابن» خبره، كالقراءة الأولى، وجاز حذف التنوين لالتقاء الساكنين، لأنه مشبّه بحروف اللين، ألا ترى أن النون قد حذفت في «لم يك»، كما حذفت الألف في «لم أبل» (٤)، وتبدل الألف من التنوين، والاختيار حذف التنوين، لأنه يجمع الوجهين، وعليه اكثر القراء. واختار أبو عبيد التنوين على الصرف، لأنه أعجمي خفيف ك «نوح ولوط»، وتعقّب عليه ابن قتيبة (٥)، واختار ترك التنوين، لأنه أعجمي على أربعة أحرف، وليس هو عنده تصغيرا، إنما أتي في كلام العجم على هيئة التصغير، وليس بتصغير، والقول فيه

стр. 547

ما قدّمنا من العلّة (١). «٧» قوله: ﴿يُضاهِؤُنَ﴾ قرأه عاصم بهمزة مضمومة، وكسر الهاء، وقرأ الباقون بضمّ الهاء، من غير همز، وهو معتلّ اللام، كقولك: «قاضون» (٢). وهما لغتان: يقال ضاهيت وضاهأت. وترك الهمز أكثر، وهو الاختيار، والمضاهاة المشابهة (٣). «٨» قوله: ﴿النَّسِيءُ﴾ قرأه ورش بتشديد الياء، من غير همز، وذلك أنه خفّف الهمزة على ما يجب من الأصول المذكورة، فلمّا أراد تخفيفها وجد قبلها ياء زائدة، كياء «هنيئا» لأن قولك «نسيء» وزنه «فعيل» ك «هني». فأبدل من الهمزة ياء، وأدغم فيها الياء التي قبلها، كقولك في تخفيف «خطيئة» «خطّية»، وقرأ الباقون بالهمز على الأصل، لأنه «فعيل» من «أنسأته الدّين» أي أخّرته عنه، فمعناه (٤) أنهم أخّروا حرمة شهر حرام، جعلوا ذلك في شهر ليس بحرام ليبيحوا لأنفسهم القتال والغارات في الشهر الحرام. وقد كان ذلك محرما في الشهر الحرام وغيره، ولكن كانت حرمة الشهر الحرام في ذلك أعظم، والذنب فيه أكبر منه في غيره. و «النسيء» مصدر كالنذير والنكير، والهمز فيه هو الاختيار، لكون الجماعة عليه، ولأنه الأصل. وقد روي عن ورش الهمز أيضا، ولم أقرأ به (٥). «٩» قوله: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي

стр. 548

بضمّ الياء، وفتح الضاد، على ما لم يسمّ فاعله، على معنى أن كبراءهم يحملونهم على تأخير حرمة الشهر الحرام، فيضلونهم بذلك. وقرأ الباقون بفتح الياء، وكسر الضاد، أضافوا الفعل إلى الكفار، لأنهم هم الضالون في أنفسهم بذلك التأخير، لأنهم يحلّون ما حرّم الله من الشهور (١). «١٠» قوله: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، على التذكير، لأن النفقات تأنيثها غير حقيقي، ولأنه قد فرّق بينها وبين الفعل ب «منهم»، ولأن النفقات أموال، فكأنه قال: إن يقبل منهم أموالهم، فحمل على المعنى فذكّر. وقرأ الباقون بالتاء، لتأنيث النفقات، إذ قد أسند الفعل إليها، وهو الاختيار، لأنه ظاهر اللفظ، ولأن عليه الجماعة (٢). «١١» قوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ قرأه نافع بإسكان الذال، حيث وقع، على التخفيف، لاجتماع ضمتين لازمتين ك «طنب وطنب وعنق وعنق». وقرأ الباقون بالضم على الأصل، وحسن ذلك لقلة حروف الكلمة، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة (٣) ولأنه الأصل (٤). «١٢» قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ﴾ قرأ حمزة «ورحمة» بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع. وحجة من رفع أنه عطفه على «أذن»، فالمعنى: قل محمد (٥) أذن خير لكم ورحمة، أي: هو رحمة، أي: هو مستمع خير وهو رحمة، فجعل النبي الرحمة، لكثرة وقوعها به، وعلى يديه كما قال تعالى ذكره: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ «الأنبياء ١٠٧» ويجوز أن يكون الرفع على إضمار مضاف

стр. 549

محذوف، تقديره: قل هو أذن خير لكم، وهو ذو رحمة. «١٣» وحجة من قرأ بالخفض أنه عطفه على «خير»، أي: هو أذن خير وأذن رحمة، لأن الخير هو الرحمة، والرحمة هي الخير، وجاز أن نخبر عن الخير والرحمة بالاستماع، وإن كانا لا تستمعان، لأن المعنى مفهوم أن المراد به المخبر عنه، وهو النبي ﵇، ولا يحسن عطف «رحمة» على المؤمنين، لأنه يصير المعنى: ويؤمن لرحمة (١)، إلا أن يجعل الرحمة القرآن، وتكون اللام زائدة، فيصير التقدير: ويؤمن رحمة، أي يصدق رحمة، أي القرآن، أي يصدق القرآن (٢). «١٤» قوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ قرأ عاصم «نعف» بنون مفتوحة، وضم الفاء، «نعذب» بنون مضمومة، وكسر الذال، «طائفة» [الثانية] (٣) بالنصب. وقرأ الباقون «يعف» بياء مضمومة، وفتح الفاء، «تعذب» بتاء مضمومة، وفتح الذال، «طائفة» بالرفع. وحجة من قرأ بالنون أنه أسند الفعلين إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، يخبر تعالى ذكره عن نفسه بذلك، ففي «نعف» ضمير يرجع إلى الله جلّ ذكره، وكذلك في «نعذب»، ونصب «طائفة» بوقوع العذاب عليها. «١٥» وحجة من قرأ بالياء والتاء أنه حمل الفعلين على ما لم يسمّ فاعله. ف «عن طائفة» في موضع رفع مفعول ما لم يسمّ فاعله، لأن «عفا» لا يتعدّى إلا بحرف جر، ويجوز أن تضمر المصدر وتقيمه مقام الفاعل، و «طائفة» مفعول ما لم يسمّ فاعله ل «تعذب»، والتاء جيء بها لتأنيث الطائفة، إذ قد أسند الفعل إليها، فقامت مقام الفاعل، والاختيار ما عليه الجماعة من الياء والتاء، ورفع

стр. 550

«طائفة» (١). «١٦» قوله: ﴿دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين، ومثله في الفتح (٢)، وقرأ الباقون بالفتح فيهما. وحجة من ضمّ السين أنه جعل «السوء» يراد بها الهزيمة والشر والبلاء، فتقديره: عليهم دائرة الشر والهزيمة والبلاء والضرر، يقال: هو رجل سوء وسوء، أي: رجل شر، وجند هزيمة. «١٧» وحجة من فتح السين أن «السوء» بالفتح الرداءة (٣) والفساد. والمعنى: عليهم دائرة الفساد، وأكثر ما يقال: هو رجل سوء، بالفتح، ويبعد الضم، وقد أجمعوا على قوله: ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ «الفتح ٦» بالفتح، وأكثر العرب على فتح السين في [قولهم] (٤): هو رجل سوء، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٥). «١٨» قوله: ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ «٩٩» قرأ ورش بضمّ الراء، وأسكن الباقون، والضم هو الأصل، والإسكان للتخفيف كما يخفف في: كتب ورسل. «١٩» قوله: ﴿تَحْتَهَا﴾ قرأ ابن كثير بزيادة «من» وذلك في رأس المائة الآية، وكذلك هي في مصحف أهل مكة. وقرأ الباقون بغير «من»، وكذلك هي في جميع المصاحف، غير مصحف أهل مكة (٦). «٢٠» قوله: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وفتح التاء. وقرأ الباقون بالجمع، وكسر التاء. وحجة من وحّد أن «الصلاة» بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد،

стр. 551

وهي (١) مصدر، والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ «الأنفال ٣٥» ومثله الاختلاف والحجة في هود في قوله: ﴿أَصَلاتُكَ﴾ «٨٧» ومثله في الحجة في قوله: ﴿عَلى صَلَواتِهِمْ﴾ في المؤمنين «٩» (٢) إلا أن حمزة والكسائي قرآه بالتوحيد، فخرج عنهما حفص إلى الجمع (٣). «٢١» وحجة من جمع أنه قدّر أن الدعاء تختلف أجناسه وأنواعه، فجمع المصدر لذلك، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ «لقمان ١٩» (٤). «٢٢» قوله: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ قرأه نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز، وهمز الباقون، وكذلك: (ترجي) في الأحزاب «٥١». وحجة من لم يهمز أنه جعله من «أرجيت الأمر» [يعني] (٥) أخّرته، وهي لغة قريش والأنصار، وأصله «مرجيون»، فلمّا انضمت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وبعدها واو ساكنة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت فتحة الجيم، تدلّ على الألف المحذوفة، فهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ «آل عمران ١٣٩» اعتلالهما واحد، وقد يجوز أن يكون أصله الهمز، لكن سهّلت الهمزة، فأبدل منها ياء مضمومة، ثم أعلّ على ما ذكرنا، والأول أحسن وأقوى. «٢٣» وحجة من همز أنها لغة تميم وسفلى قيس، ومعناه التأخير مثل الأولى (٦) وقد قال المبرّد: إن من لم يهمز جعله من «رجا يرجو»، وهو قول شاذ، ومثله الحجة في همز: (ترجي من تشاء)، وترك همزه (٧).

стр. 552

«٢٤» قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ قرأ نافع وابن عامر «الذين» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، جعلوه مستأنفا، وأضمروا الخبر، أو جعلوه (١) خبرا، وأضمروا المبتدأ، ولا يحسن أن يكون «الذين» في هذه القراءة يدلا من «وآخرين» لأن «آخرين» ترجى لهم التوبة. و «الذين اتخذوا» لا ترجى لهم توبة لقوله: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ إلى قوله (إلى ﴿أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ «١١٠». فالقراءتان مختلفتان في المعنى. وقرأ الباقون بالواو لأنها كذلك في مصاحفهم، فهو معطوف على قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ «٧٥» أي: «منهم من عاهد الله، ومنهم من يلمزك، ومنهم الذين يؤذون النبي، ومنهم آخرون مرجون، ومنهم الذين اتخذوا مسجدا» (٢). «٢٥» قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ قرأهما نافع وابن عامر بضم الهمزة، وكسر السين الأولى، ورفع «البنيان» على على ما لم يسمّ فاعله، فأضاف الفعل إلى «البنيان»، فارتفع به. وقد أجمعوا على الضم في قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾ «١٠٨» فأضاف الفعل إلى المسجد، ففي «أسس» ضمير والمسجد هو البنيان بعينه، فلذلك حسن رفع البنيان. وقرأ الباقون بفتح الهمزة والسين ونصب البنيان، أضافوا الفعل إلى «من» في قوله: ﴿أَفَمَنْ﴾، و ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ﴾ ففي الفعلين ضمير «من»، وهو صاحب البنيان. ويقوّي ذلك أنه قد أضيف «البنيان» إلى ضمير، وهو الهاء في «بنيانه»، وهو صاحب «البنيان»، فكما أضيف «البنيان» إلى «من» كذلك يجب أن يضاف الفعل إليه. و «البنيان» مصدر كالغفران، وهو بمعنى المبني، كالخلق الذي هو بمعنى المخلوق. ويجوز أن يكون «البنيان» جمع

стр. 553

بنيانه كثمرة وثمر (١). «٢٦» قوله: ﴿عَلى شَفا جُرُفٍ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر وحمزة بإسكان الراء تخفيفا ك «قرية». وقرأ الباقون بالضم على الأصل، و «الجرف» ما تجرّف من الوادي في السيل، وهو مثل، وقد ذكرنا إمالة «هار» (٢) ونحوه، وأصل «هار» «هاور» ثم قلب، فصارت الواو في موضع الراء، وانقلبت ياء، إذ ليس (٣) في كلام العرب اسم آخره واو قبلها متحرك، فأذهبها التنوين مثل «غاز وداع»، ويدل على أنه من الواو قولهم: تهور البناء إذا تساقط. وقد قالوا: تهير. وحكى الأخفش: هرت تهار ك «خفت تخاف»، وكثير من العرب يجري «هار» على الحذف مجرى السالم، فيرفعه في موضع الرفع وينصبه في موضع النصب بخلاف «قاض وغاز»، ومنهم من يجريه مجرى «قاض وغاز» مخفوضا في الرفع والخفض، مفتوحا في النصب منونا. وفي الحديث: «حتى تهوّر الليل» (٤). «٢٧» قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قرأه حفص وابن عامر وحمزة بفتح التاء، وقرأ الباقون بضم التاء. وحجة من قرأ بفتح التاء أنه جعله فعلا ل «القلوب»، فرفعها به، لأنها هي المتقطعة بالبلاء، فهو محمول على معنى «تبلى قلوبهم فتتقطع»، وبنى الفعل

стр. 554

على «تتفعل»، لكن حذف إحدى التاءين لاجتماع المثلين بحركة واحدة، وماضيه «تقطعت» فهي «تتقطع». «٢٨» وحجة من ضمّ التاء أنه بنى الفعل للمفعول، فرفع «القلوب» لمقامها مقام الفاعل، والفعل في الأصل مضاف إلى المقطع لها المبلي لها، فلمّا حذف من اللفظ ولم يسم قامت «القلوب» مقامه، فارتفعت بالفعل، فالمعنى: إلا أن تقطّع قلوبهم بالموت والبلاء. وفي حرف أبيّ «حتى الممات». و «البنيان» مصدر في معنى المبني، على ما ذكرنا، وماضي الفعل في هذه القراءة «قطع»، تقول: قطعت القلوب فهي تقطع. وقد ذكرنا ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ «١١١» في آل عمران وعلته (١). «٢٩» قوله: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ قرأ حمزة بالتاء، على المخاطبة من الله للمؤمنين، والتنبيه لهم على ما يعرض للمنافقين من الفتن، وهم لا يزدجرون بها عن نفاقهم. وقرأ الباقون بالياء على (٢) الإخبار عن المنافقين لتقدّم ذكرهم، وفي الكلام معنى التوبيخ لهم، والتقريع على تماديهم على نفاقهم مع ما يرون من الفتن والمحن في أنفسهم، فلا (٣) يتوبون من نفاقهم، ويكون «يرى» [من] (٤) رؤية (٥) العين أو من رؤية القلب، وتسدّ «أن» مسد المفعولين، وكونه [من] (٤) رؤية العين أحسن، لأنه علم لا يدخله ريب، فذلك أقوى عليهم في الحجة، والياء الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأن رؤيتهم لما يحلّ بهم أعظم في الحجة عليهم

стр. 555

من رؤية غيرهم لما يحلّ بهم (١). «٣٠» قوله: (كاد يزيغ) قرأه حفص وحمزة بالياء، على تذكير الجمع، كما قال: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠» وفي «كاد» إضمار الحديث، فارتفعت «القلوب» ب «يزيغ» (٢)، ولأجل هذا الإضمار جاز أن يلي «يزيغ» كاد، كأن ذلك المضمر حال بينهما، وصارت «يزيغ قلوب» خبر «كاد»، ويجوز أن ترتفع «القلوب» ب «كاد»، ويقدّر في «يزيغ» التأخير، والتقدير: من بعد ما كادت قلوب فريق منهم تزيغ، وهذا التقدير في قراءة من قرأ بالتاء يحسن، وهم الباقون من القراء غير حمزة وحفص، لتأخير الفعل به بعد المؤنث، وجاز تقديم «تزيغ» إلى «كاد» كما جاز تقديم خبر كان في قولك: كان قائما زيد، لكن التقديم مع الفعل فيه قبح، لو قلت: كان يقوم زيد. على أن تجعل «يقوم» خبر كان، و «زيد» اسمها قبح، لأن الفعل يقوى فيعمل في الاسم بعده، فإنما يحسن هذا على أن تضمر (٣) في «كان» الحديث أو الخبر، وتكون الجملة من الفعل والفاعل خبر كان، وقد اختلف في نحو هذا في قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ «الجن ٤» فقيل: إن في كان اسمها، أي: كان الحديث أو الأمر أو الخبر يقول سفيهنا. فالجملة من الفعل والفاعل على الخبر. وقيل: بل «سفيهنا» اسم كان، و «يقول» خبر مقدّم على الاسم، وفيه بعد. وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث لتأنيث الجماعة كما قال: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ﴾ «الحجرات ١٤». والكلام على «كاد وتزيغ» مثلما تقدّم، وهو الاختيار،

стр. 556

لأن الجماعة عليه (١). «٣١» فيها ياءا إضافة قوله: ﴿مَعِيَ أَبَداً﴾ «٨٣» أسكنها أبو بكر وحمزة والكسائي (٢). قوله: ﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾ «٨٣» فتحها حفص. ليس فيها ياء محذوفة (٣). ***

стр. 557

سورة يونس ﵇ مكية، وهي مائة آية وتسع آيات في المدني والكوفي قد ذكرنا الإمالة في «الر والمر» وعلة ذلك، وتقدم ذكر «الساحر» وذكر [إمالة] «أدراك» (١) ونحو ذلك (٢). «١» قوله: «ضياء» قرأه قنبل بهمزتين، بينهما ألف، حيث وقع، وقرأ الباقون بياء قبل الألف. وحجة من قرأ بهمزتين أن «ضياء» جمع ضوء كسوط وسياط [فالياء] (٣) منقلبة من واو، لانكسار ما قبلها، ويجوز أن تكون مصدرا ل «ضاء»، لكنه في الوجهين قلبت عين الفعل، وهو الياء المنقلبة إلى موضع لام الفعل، وهو الهمزة، وردت الهمزة في موضع الياء، فلمّا تطرفت الياء بعد ألف زائدة قلبت همزة، كما فعل في «دعاء وسقاء» فصارت همزة قبل الألف، وهي الأصلية التي هي لام الفعل من «ضوء» وهمزة بعد الألف، وهي المنقلبة عن الياء، المنقلبة عن واو، ولو

стр. 558

قلت: إن الهمزة انقلبت عن واو، لأن الياء لمّا تأخرت وزالت عنها الكسرة، التي قبلها، رجعت إلى أصلها وهو الواو، فقلبت همزة ك «دعاء» لجاز ذلك. «٢» وحجة من لم يهمز، وترك الياء قبل الألف، على حالها أنه أتى بالاسم على أصله ولم يقلب من حروفه شيئا في موضع شيء، والياء بدل من واو «ضوء»، لانكسار ما قبلها، وكونه مصدرا في هذه القراءة أحسن، لأن المصدر يبعد فيه القلب والتغيير. إنما حقّه أن يجري على فعله في الاعتلال، وفعله غير مقلوب، ويجوز أن يكون جمعا غير مقلوب أتى على أصله، وكون «ضياء» جمع «ضوء» في قراءة من همز همزتين [أحسن] (١) لأن الجمع يحسن فيه القلب ويكثر، ك «قسا» والاختيار ترك القلب والتغيير، وترك الهمز في موضع الياء، لأن عليه الجماعة وهو الأصل (٢). «٣» قوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالياء على لفظ الغائب، ردّوه على قوله: ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ﴾، وعلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ﴾، وعلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ﴾ «٣»، وعلى قوله: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾، وعلى قوله: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ «٤» كله بلفظ الغيبة، على الإخبار عن الله جلّ ذكره، وقرأ الباقون «نفصل» بالنون، على لفظ

стр. 559

الإخبار عن الله جلّ ذكره عن نفسه بفعله (١)، وهو يرجع إلى القراءة بالياء في المعنى ودليله (٢) قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ «البقرة ٢٥٢» وهو إجماع، ويقوّيه أن قبله ﴿أَوْحَيْنا﴾ «٢» على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٤» قوله: ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ قرأ قنبل بغير ألف قبل الهمزة. وقرأ الباقون بألف. وحجة من قرأ بألف أنه عطفه على ما يتلوه، فأتى بالفعل رباعيا على معنى: ولو شاء الله ما أعلمكم به، فعطف نفيا على نفي. «٥» وحجة من قرأ بغير ألف أنه على تأويل تسهيل همزة «أدراكم» بين الهمزة المفتوحة والألف، لأنها مفتوحة بعد ألف، فقربت من الساكن وقبلها ألف ساكنة، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم ردّت الهمزة المسهلة إلى أصلها، وهو التحقيق، وهذا قول ضعيف، لا أصل له في العلل (٤)، فيكون المعنى على هذا كالمعنى في القراءة الأخرى، عطف نفي، والأحسن أن تكون هذه القراءة على تقدير أن اللام في «ولا أدراكم» جواب «لو» المضمرة، لأن التقدير، لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولو شاء الله لأدراكم به. أي: لأعلمكم به قبل إتياني إليكم. فيكون المعنى على هذا أن الثاني غير نفي، والاختيار إثبات الألف، لثباتها في المصحف، ولأن الجماعة على إثباتها في اللفظ، وليشترك المعطوف فيما دخل فيه المعطوف عليه

стр. 560

من النفي (١). «٦» قوله: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، ومثله موضعان في النحل وموضع في الروم (٢). وحجة من قرأ بالتاء في يونس أنه ردّه على ما قبله من لفظ الخطاب في قوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللهَ﴾ فحمل آخر الكلام على أوله في الخطاب. وحجة من قرأ بالياء أنه حمله على معنى: أن الله جلّ ذكره نزّه نفسه عما يشركون فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فردّ «يشركون» على الهاء في «سبحانه»، ويجوز (٣) أن يكون على الأمر لنبيه ﷺ أن يقول: (٤) عمّا يشركون، وهو الاختيار لصحة معناه ولأن الجماعة عليه (٥). «٧» قوله: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ﴾ قرأه ابن عامر بفتح القاف والصاد، ونصب «أجلهم» على الإخبار عن الله جلّ ذكره، ورده على قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ﴾ فجاء الفعل مضافا إلى الله فيهما جميعا، ونصب «أجلهم» بوقوع القضاء عليهم (٦) وتطابق الكلام بإضافة الفعل إلى الله فيهما جميعا، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً﴾ «الأنعام ٢» فأضاف القضاء إلى الله جلّ ذكره، وهو إجماع، وقرأ الباقون بضم القاف، وكسر الضاد، وفتح الياء، على ردّ الفعل وهو إجماع، وقرأ فاعله، فرفعوا به «أجلهم» أقاموه مقام الفاعل، ولولا الجماعة لكانت القراءة الأولى أولى بالاتباع، لصحة معناها (٧).

стр. 561

«٨» قوله (١): ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالنون والشين، من النشور، فالمعنى: هو الذي يبثّكم ويفرقكم في البر والبحر، كما قال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «الجمعة ١٠» وقال: ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ «البقرة ١٦٤» وقال: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ «النساء ١» والبث التفريق والنشر، وقرأ الباقون بالياء والسين من التيسير وهو السّير وهو المشي كما قال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «النمل ٦٩» أي: امشوا فيها. وقد قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ «الملك ١٥» وهو الاختيار، للإجماع عليه (٢). «٩» قوله: ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قرأه حفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. وحجة من نصب أنه أعمل فيه البغي على أنه مفعول له، أي: إنما بغيكم على أنفسكم من أجل متاع [الحياة] (٣) الدنيا، أي: يبغي بعضكم على بعض لأجل متاع الحياة الدنيا، ف «على» متعلقة ب «البغي» في صلته، وخبر البغي محذوف تقديره: إنما بغي بعضكم [على بعض] (٣) لأجل طلب الدنيا مذموم أو مكروه، ونحوه، ويجوز نصب «متاع» على تقدير: يمتعون متاع الحياة الدنيا، ويكون «على أنفسكم» خبرا ل «البغي» غير داخل في صلة البغي، ويجوز أن تنصب «متاع الحياة» بإضمار فعل دلّ عليه الكلام، والتقدير: يبغون متاع الحياة الدنيا، ودلّ «بغيكم» على «تبغون» المحذوف. «١٠» وحجة من رفعه أنه جعله خبرا ل «بغيكم»، و «على» متعلقة بالبغي، وتقديره: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا، ويجوز أن ترفع «متاعا» على إضمار مبتدأ وتجعل «على أنفسكم» خبرا ل «بغيكم» على تقدير: إنما بغيكم راجع وباله عليكم، أي: بغي بعضكم على بعض عائد

стр. 562

على «أنفسكم» هو متاع الحياة الدنيا، وذلك متاع، والرفع الاختيار، لصحته في الإعراب، ولأن الجماعة عليه (١). «١١» قوله: (قطعا مّن الليل) قرأه ابن كثير والكسائي بإسكان الطاء، وفتحها الباقون. وحجة من فتح أنه جعله جمع «قطعة» ك «دمنة ودمن»، ففيه معنى المبالغة في سواد وجوه الكفار، ويكون «مظلما» حالا من «الليل»، ولا يكون حالا من «القطع»، ولا من الضمير في الليل، لأن ذلك جمع و «مظلما» واحد. «١٢» وحجة من أسكن أنه أجراه على التوحيد، على أنه بعض الليل. فيكون «مظلما» صفة ل «قطع»، أو حالا من الضمير في «من الليل» (٢). «١٣» قوله: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا﴾ قرأه حمزة والكسائي بتاءين، جعلاه من «التلاوة» منهم لأعمالهم، وهي القراءة لها من كتاب أعمالهم، فهم يقرؤونها يوم القيامة، دليله قوله: ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ «الإسراء ٧١» وقوله: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ «الإسراء ١٤» وقوله: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ «الكهف ٤٩» ويجوز أن يكون «تتلو» من «تبع يتبع»، فيكون المعنى: هنالك تتبع كل نفس ما أسلفت من عمل. وقرأ الباقون «تبلو» بالباء من «الابتداء»، وهو الاختيار، أي: هنالك تختبر كل نفس ما أسلفت لها من عمل، أي: تطّلع عليه لتجزى به، وقد تقدّمت الحجة في

стр. 563

«كلمات» والاختلاف فيها في الأنعام (١). «١٤» قوله: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وورش بفتح الياء والهاء، وتشديد الدال، وكذلك قرأ أبو عمرو وقالون، غير أنهما اختلسا فتحة الهاء، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء، وإسكان الهاء والتخفيف. وقرأ حفص بفتح الياء، وكسر الهاء، والتشديد، وكذلك قرأ أبو بكر، غير أنه كسر الياء مع كسر الهاء. وحجة من شدّده أنه بناه على «اهتدى يهتدي»، ثم ادغم التاء في الدال، بعد أن ألقى حركتها على الهاء، ففتحها، وفي هذه القراءة مبالغة في ذم الكفار وآلهتهم أنها لا تهتدي في أنفسها، إلا أن تهدى، وهذه غاية النقص والضعف، والمعنى: أفمن يهدي غيره إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي في نفسه إلا أن يهدى، فهي إذا كانت لا تهتدي إلى نفع أنفسها أحرى أن لا تهدي أحدا إلى شيء. وإنما جاز أن يخبر عنها بأنها تهتدي إذا هديت، وهي موات، لأنهم عبدوها فأقاموها مقام من يعقل، فعبّر عنها كما يعبر عمّن يعقل، على مذهبهم فيها، أي: لو كانت ممّن يعقل لم تهتد إلا أن تهدى، وهي في المعنى لا تهتدي وإن هديت، لأنها حجارة. «١٥» وحجة من أسكن الهاء وخفّف أنه بناه على «هدى يهدي غيره»، فالمفعول مضمر قام مقام الفاعل، ومعنى «إلا أن يهدي»، أي: إلا أن يهدى فلا يهتدي. «١٦» وحجة من كسر الهاء أنه لمّا أدغم الياء في الدال لم يلق حركة التاء على الهاء، شبّهه بالحرفين المنفصلين اللذين أدغم الأول في الثاني، ولا تلقى حركة الأول على ما قبله، بل تحذف، نحو إدغام أبي عمرو: ﴿يَجْعَلْ﴾

стр. 564

﴿لَكُمْ﴾ «الأنفال ٢٩» و ﴿يَقُولُ لَهُ﴾ «البقرة ١١٧» وشبهه (١)، فبقيت الهاء ساكنة، وأول المدغم ساكن، فكسر الهاء لالتقاء الساكنين. «١٧» وحجة من كسر الياء مع كسر الهاء أنه لمّا كسر الهاء (٢)، لالتقاء الساكنين، على ما ذكرنا، أتبع حركة الياء الهاء، وحركة الدال، ليعمل اللسان في ثلاث كسرات عملا واحدا. «١٨» وحجة من اختلس الحركة في الهاء أنه لمّا ألقى حركة التاء على الهاء اختلسها، ولم يشبعها، إذ ليست بأصل على الهاء (٣)، وليبيّن أنها حركة لغير الهاء، ولم يمكنه إبقاء الهاء ساكنة لسكون أول المدغم، فلم يكن بدّ من إلقاء حركة التاء، فاختلسها، لتخلص الهاء من السكون، وليدل أنها ليست بأصل في الهاء، فتوسّط حالة بين حالتين، كالذي يقرأ في الحروف الممالة بين اللفظين. فأمّا ما روي عن قالون وعن أبي عمرو، من إسكان الهاء، فهو بعيد ضعيف، لا يجوز إلا في شعر نادر، والمشهور عنهما الاختلاس وإخفاء الحركة، والإخفاء مثل الاختلاس في العلة المذكورة، والقراءة فيه على معنى «يهتدي» أحب إليّ، لتمكن معناها، ولأن الجماعة عليه، ولأنه أبلغ في ذم آلهتهم، وقد تقدّم ذكر «كلمات» في موضعين في هذه السورة (٤)، و ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ «٤٥» الثاني في هذه السورة، وذكرنا ﴿وَلكِنَّ النّاسَ﴾ «٤٤» و (ألآن) في موضعين في هذه السورة «٥١، ٩١»، كله قد مضى بحجته، فأغنى ذلك عن إعادته (٥).

стр. 565

«١٩»: (ممّا يجمعون) قرأه ابن عامر بالتاء، على الخطاب، لأن بعده خطابا في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «٥٩»، وقوله: (فجعلتم مّنه)، وقوله: (أذن لكم) فحمل صدر الكلام على آخره، ليتفق اللفظ، فيكون الضمير في «تجمعون» وفي «فلتفرحوا» للكفار، على معنى: ولو كنتم مؤمنين لوجب أن تفرحوا بذلك، فهو خير ممّا تجمعون من دنياكم أيها الكفار. وقد روي عن ابن عامر وغيره أنه قرأ: «فلتفرحوا» بالتاء (١) على الخطاب للكفار، أي: لو كنتم مؤمنين لكان فرحكم بالإسلام والإيمان خيرا ممّا تجمعون من دنياكم. ولم أقرأ «فليفرحوا» إلا بالياء للجميع، ويجوز أن يكون الضمير في قوله: (فليفرحوا) في هذه القراءة للمؤمنين (٢) وقرأ الباقون بالياء في «يجمعون» أجروه على الإخبار عن الكفار، لا عن المؤمنين لأن المؤمنين هم الذين أعطوا فضل الله، وهو الإسلام، وأعطوا رحبته، وهو القرآن لم يعط ذلك الكفار. فقيل: إنما أعطي المؤمنون من الإسلام والقرآن خير ممّا يجمع هؤلاء الكفار من دنياهم، ففي «يفرحوا» ضمير المؤمنين، وفي «ويجمعون» ضمير الكفار، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولصحة معناه (٣). «٢٠» قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ﴾ قرأه الكسائي بكسر الزاي، هنا وفي سبأ (٤) وقرأ الباقون برفعهما، وهما لغتان مثل: يعرش ويعرش (٥).
следующие страницы →