← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

«٨» قوله (١): ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالنون والشين، من النشور، فالمعنى: هو الذي يبثّكم ويفرقكم في البر والبحر، كما قال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «الجمعة ١٠» وقال: ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ «البقرة ١٦٤» وقال: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ «النساء ١» والبث التفريق والنشر، وقرأ الباقون بالياء والسين من التيسير وهو السّير وهو المشي كما قال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «النمل ٦٩» أي: امشوا فيها. وقد قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ «الملك ١٥» وهو الاختيار، للإجماع عليه (٢). «٩» قوله: ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قرأه حفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. وحجة من نصب أنه أعمل فيه البغي على أنه مفعول له، أي: إنما بغيكم على أنفسكم من أجل متاع [الحياة] (٣) الدنيا، أي: يبغي بعضكم على بعض لأجل متاع الحياة الدنيا، ف «على» متعلقة ب «البغي» في صلته، وخبر البغي محذوف تقديره: إنما بغي بعضكم [على بعض] (٣) لأجل طلب الدنيا مذموم أو مكروه، ونحوه، ويجوز نصب «متاع» على تقدير: يمتعون متاع الحياة الدنيا، ويكون «على أنفسكم» خبرا ل «البغي» غير داخل في صلة البغي، ويجوز أن تنصب «متاع الحياة» بإضمار فعل دلّ عليه الكلام، والتقدير: يبغون متاع الحياة الدنيا، ودلّ «بغيكم» على «تبغون» المحذوف. «١٠» وحجة من رفعه أنه جعله خبرا ل «بغيكم»، و «على» متعلقة بالبغي، وتقديره: إنما بغي بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا، ويجوز أن ترفع «متاعا» على إضمار مبتدأ وتجعل «على أنفسكم» خبرا ل «بغيكم» على تقدير: إنما بغيكم راجع وباله عليكم، أي: بغي بعضكم على بعض عائد

стр. 562

على «أنفسكم» هو متاع الحياة الدنيا، وذلك متاع، والرفع الاختيار، لصحته في الإعراب، ولأن الجماعة عليه (١). «١١» قوله: (قطعا مّن الليل) قرأه ابن كثير والكسائي بإسكان الطاء، وفتحها الباقون. وحجة من فتح أنه جعله جمع «قطعة» ك «دمنة ودمن»، ففيه معنى المبالغة في سواد وجوه الكفار، ويكون «مظلما» حالا من «الليل»، ولا يكون حالا من «القطع»، ولا من الضمير في الليل، لأن ذلك جمع و «مظلما» واحد. «١٢» وحجة من أسكن أنه أجراه على التوحيد، على أنه بعض الليل. فيكون «مظلما» صفة ل «قطع»، أو حالا من الضمير في «من الليل» (٢). «١٣» قوله: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا﴾ قرأه حمزة والكسائي بتاءين، جعلاه من «التلاوة» منهم لأعمالهم، وهي القراءة لها من كتاب أعمالهم، فهم يقرؤونها يوم القيامة، دليله قوله: ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ «الإسراء ٧١» وقوله: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ «الإسراء ١٤» وقوله: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ «الكهف ٤٩» ويجوز أن يكون «تتلو» من «تبع يتبع»، فيكون المعنى: هنالك تتبع كل نفس ما أسلفت من عمل. وقرأ الباقون «تبلو» بالباء من «الابتداء»، وهو الاختيار، أي: هنالك تختبر كل نفس ما أسلفت لها من عمل، أي: تطّلع عليه لتجزى به، وقد تقدّمت الحجة في

стр. 563

«كلمات» والاختلاف فيها في الأنعام (١). «١٤» قوله: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وورش بفتح الياء والهاء، وتشديد الدال، وكذلك قرأ أبو عمرو وقالون، غير أنهما اختلسا فتحة الهاء، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء، وإسكان الهاء والتخفيف. وقرأ حفص بفتح الياء، وكسر الهاء، والتشديد، وكذلك قرأ أبو بكر، غير أنه كسر الياء مع كسر الهاء. وحجة من شدّده أنه بناه على «اهتدى يهتدي»، ثم ادغم التاء في الدال، بعد أن ألقى حركتها على الهاء، ففتحها، وفي هذه القراءة مبالغة في ذم الكفار وآلهتهم أنها لا تهتدي في أنفسها، إلا أن تهدى، وهذه غاية النقص والضعف، والمعنى: أفمن يهدي غيره إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي في نفسه إلا أن يهدى، فهي إذا كانت لا تهتدي إلى نفع أنفسها أحرى أن لا تهدي أحدا إلى شيء. وإنما جاز أن يخبر عنها بأنها تهتدي إذا هديت، وهي موات، لأنهم عبدوها فأقاموها مقام من يعقل، فعبّر عنها كما يعبر عمّن يعقل، على مذهبهم فيها، أي: لو كانت ممّن يعقل لم تهتد إلا أن تهدى، وهي في المعنى لا تهتدي وإن هديت، لأنها حجارة. «١٥» وحجة من أسكن الهاء وخفّف أنه بناه على «هدى يهدي غيره»، فالمفعول مضمر قام مقام الفاعل، ومعنى «إلا أن يهدي»، أي: إلا أن يهدى فلا يهتدي. «١٦» وحجة من كسر الهاء أنه لمّا أدغم الياء في الدال لم يلق حركة التاء على الهاء، شبّهه بالحرفين المنفصلين اللذين أدغم الأول في الثاني، ولا تلقى حركة الأول على ما قبله، بل تحذف، نحو إدغام أبي عمرو: ﴿يَجْعَلْ﴾

стр. 564

﴿لَكُمْ﴾ «الأنفال ٢٩» و ﴿يَقُولُ لَهُ﴾ «البقرة ١١٧» وشبهه (١)، فبقيت الهاء ساكنة، وأول المدغم ساكن، فكسر الهاء لالتقاء الساكنين. «١٧» وحجة من كسر الياء مع كسر الهاء أنه لمّا كسر الهاء (٢)، لالتقاء الساكنين، على ما ذكرنا، أتبع حركة الياء الهاء، وحركة الدال، ليعمل اللسان في ثلاث كسرات عملا واحدا. «١٨» وحجة من اختلس الحركة في الهاء أنه لمّا ألقى حركة التاء على الهاء اختلسها، ولم يشبعها، إذ ليست بأصل على الهاء (٣)، وليبيّن أنها حركة لغير الهاء، ولم يمكنه إبقاء الهاء ساكنة لسكون أول المدغم، فلم يكن بدّ من إلقاء حركة التاء، فاختلسها، لتخلص الهاء من السكون، وليدل أنها ليست بأصل في الهاء، فتوسّط حالة بين حالتين، كالذي يقرأ في الحروف الممالة بين اللفظين. فأمّا ما روي عن قالون وعن أبي عمرو، من إسكان الهاء، فهو بعيد ضعيف، لا يجوز إلا في شعر نادر، والمشهور عنهما الاختلاس وإخفاء الحركة، والإخفاء مثل الاختلاس في العلة المذكورة، والقراءة فيه على معنى «يهتدي» أحب إليّ، لتمكن معناها، ولأن الجماعة عليه، ولأنه أبلغ في ذم آلهتهم، وقد تقدّم ذكر «كلمات» في موضعين في هذه السورة (٤)، و ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ «٤٥» الثاني في هذه السورة، وذكرنا ﴿وَلكِنَّ النّاسَ﴾ «٤٤» و (ألآن) في موضعين في هذه السورة «٥١، ٩١»، كله قد مضى بحجته، فأغنى ذلك عن إعادته (٥).

стр. 565

«١٩»: (ممّا يجمعون) قرأه ابن عامر بالتاء، على الخطاب، لأن بعده خطابا في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «٥٩»، وقوله: (فجعلتم مّنه)، وقوله: (أذن لكم) فحمل صدر الكلام على آخره، ليتفق اللفظ، فيكون الضمير في «تجمعون» وفي «فلتفرحوا» للكفار، على معنى: ولو كنتم مؤمنين لوجب أن تفرحوا بذلك، فهو خير ممّا تجمعون من دنياكم أيها الكفار. وقد روي عن ابن عامر وغيره أنه قرأ: «فلتفرحوا» بالتاء (١) على الخطاب للكفار، أي: لو كنتم مؤمنين لكان فرحكم بالإسلام والإيمان خيرا ممّا تجمعون من دنياكم. ولم أقرأ «فليفرحوا» إلا بالياء للجميع، ويجوز أن يكون الضمير في قوله: (فليفرحوا) في هذه القراءة للمؤمنين (٢) وقرأ الباقون بالياء في «يجمعون» أجروه على الإخبار عن الكفار، لا عن المؤمنين لأن المؤمنين هم الذين أعطوا فضل الله، وهو الإسلام، وأعطوا رحبته، وهو القرآن لم يعط ذلك الكفار. فقيل: إنما أعطي المؤمنون من الإسلام والقرآن خير ممّا يجمع هؤلاء الكفار من دنياهم، ففي «يفرحوا» ضمير المؤمنين، وفي «ويجمعون» ضمير الكفار، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولصحة معناه (٣). «٢٠» قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ﴾ قرأه الكسائي بكسر الزاي، هنا وفي سبأ (٤) وقرأ الباقون برفعهما، وهما لغتان مثل: يعرش ويعرش (٥).

стр. 566

«٢١» قوله: ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ قرأهما حمزة بالرفع، عطفهما على موضع «من مثقال»، وموضعه رفع ب «يعزب» و «من» زائدة. وقرأ الباقون بالفتح، عطفوه على لفظ «مثقال» وحقه الخفض، لكن لا ينصرف، لأنه صفة، ولأنه على وزن الفعل، ويجوز عطفه على «ذرة»، لكن لا ينصرف (١). وقد تقدّم ذكر «ساحر» في الأعراف (٢). «٢٢» قوله: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ قرأه أبو عمرو بالمد والهمز، على لفظ الاستفهام، وقرأ الباقون بألف وصل، من غير مدّ ولا همز. وحجة من مدّ أنه جعل «ما» استفهاما، في موضع رفع بالابتداء، و «جئتم به» الخبر، ثم أبدل «السحر» من «ما» فلحقته ألف الاستفهام، لتدل على الاستفهام لأنه بدل من استفهام، وحسن ذلك ليتساوى البدل والمبدل منه في الاستفهام، كما تقول: كم مالك أعشرون أم ثلاثون. ف «كم» استفهام و «عشرون» بدل من «كم»، فدخلت عليها ألف الاستفهام، ليتّفق البدل والمبدل منه في الاستفهام، ومعنى الاستفهام في هذه القراءة، ليس على معنى الاستخبار لأن موسى ﷺ قد علم وأيقن أن الذي جاءوا به سحر، لكنه استفهام في اللفظ ومعناه التقرير، ولا خبر ل «السحر»، لأن خبر الأول المبدل منه يغني عن خبر المبدل، كما تقول: كم مالك أعشرون، فخبر «كم» هو خبر «عشرون»، وتقول: زيد منطلق أبوه، فالأب بدل من زيد، وخبره خبر زيد وهو «منطلق». «٢٣» وحجة من قرأ بغير مدّ انه جعل «ما» في قوله «ما جئتم به» بمعنى «الذي»، في موضع رفع بالابتداء، و «جئتم به» صلة «ما»، و «السحر» خبر الابتداء. ويقوّي هذا أن في حرف أبيّ «ماجئتم به

стр. 567

سحر» وهو الاختيار لأن الجماعة عليه (١). «٢٤» قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ قرأه ابن ذكوان بتخفيف النون، كأنه استثقل التشديد للنون، مع التشديد في أول الكلمة، فخفّفها وهو يريد التشديد، لأنها النون التي تدخل مشددة للتأكيد في الأمر والنهي وأخواتهما، كما خفّفوا «رب» (٢) وهو وجه ضعيف قليل. وقيل: إنه جعل «لا» بمعنى النفي، فيكون لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، فرفع الفعل بالنون علم الرفع في الفعل، ويجوز أن يكون (٣) حالا من الضمير في (٤) «استقيما» أي: استقيما غير متبعين. وقرأ الباقون بتشديد النون على أصلها، لأنها النون المشددة التي تدخل الأفعال (٥) للتأكيد في الأسر والنهي وشبهه، وهو الاختيار، لصحته في المعنى والإعراب، ولأن الجماعة عليه (٦). «٢٥» قوله: (آمنت أنّه) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، لأنها بعد القول، والقول يحكي ما بعده، والتقدير: آمنت إنه قلت إنه، وقرأ الباقون بالفتح، أعملوا «آمن» في «أنه» ففتحت على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: آمنت بالله. و «آمن» يتعدّى بحرف جر كما قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ «البقرة ٣» ف «أن» في موضع خفض، على قول الخليل، أعمل الحرف، وهو محذوف، لكثرة استعمال حذفه مع «أن» خاصة، وغير الخليل يقول: «أن» في موضع نصب لعدم الخافض، إذ لا يعمل، وهو محذوف كما لا تعمل الإضافة والمضاف

стр. 568

محذوف، ولأن الحرف لمّا حذف تعدّى الفعل إلى ما بعد الجار فنصبه، والفتح هو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (١). «٢٦» قوله: ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأه الكسائي وحفص بالتخفيف من «أنجى ينجي»، وقرأ الباقون بالتشديد من «نجّى ينجّي» [وهما لغتان] (٢). وقد جاء القرآن بهما إجماعا، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ «الأعراف ٦٤» و ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ﴾ «العنكبوت ٢٤» وقال: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فصلت ١٨» وهو كثير في القرآن، من «أنجى» ومن «نجّى»، وفي التشديد معنى التكرير، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣). «٢٧» قوله: (ويجعل الرجس) قرأه أبو بكر بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بذلك، لأن قبله إخبارا من الله عن نفسه في قوله: ﴿كَشَفْنا عَنْهُمْ﴾، ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾ «٩٨» فردّه (٤) على ما قبله، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾، فذلك أقرب إليه من غيره، فردّوه على ما هو أقرب إليه، فهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٥). «٢٨» فيها خمس ياءات إضافة قوله: ﴿لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ «١٥»، ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٥» قرأهما الحرميان وأبو عمرو بالفتح.

стр. 569

﴿نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ﴾ «١٥»، ﴿وَرَبِّي إِنَّهُ﴾ «٥٣» قرأهما نافع وأبو عمرو بالفتح. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ﴾ «٧٢» قرأها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص بالفتح حيث وقع. ليس فيها زائدة (١). ***

стр. 570

سورة هود ﵇ مكية، وهي مائة آية واحدى وعشرون آية في المدني وثلاث وعشرون في الكوفي قد تقدّم ذكر «الر» «١» وذكر «سِحْرٌ» «٧» و «اِرْكَبْ مَعَنا» «٤٢»، و «أَصَلاتُكَ» «٨٧» و «مَكانَتِكُمْ» «٩٣» فأغنى ذلك عن الإعادة (١). «١» قوله: (إلى قومه إني) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح «إني» على تقدير حذف حرف الجر، لأن «أرسل» يتعدّى إلى مفعولين، الثاني بحرف جر. ف «أن» على قول الخليل في موضع خفض، وعلى قول غيره في موضع نصب، وكان حقّه أن يكون «أنه» لأن «نوحا» لفظه لفظ غيبة، فالراجع [إليه] (٢) ينبغي أن يكون على لفظ الغيبة دون لفظ الإخبار، لكنه من باب الخروج من الغيبة (٣) إلى الإخبار، وقد مضى ذكره، وقرأ الباقون (٤) بكسر الهمزة، على إضمار القول، فقال: إني لكم نذير، وحذف القول كثير مستعمل في القرآن والكلام، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ﴾

стр. 571

﴿بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ «الرعد ٢٣ - ٢٤» أي: يقولون سلام عليكم. وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ «آل عمران ١٠٦» أي: يقال لهم أكفرتم. وهو كثير، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولأن «إني» في الإخبار جرى على الأصل في وقوعه بعد القول المضاف إلى القائل، لأنه مخبر عن نفسه. تقول: قال زيد إني نذير لكم، ولا تقول إنه نذير (١). «٢» قوله: (بادي الرّأي) قرأ أبو عمرو بهمز «بادي» همزة مفتوحة في موضع الياء، وقرأ الباقون بغير همز. وحجة من همز أنه جعله من الابتداء تقديره أنهم قالوا ل «نوح»: ما نراك اتّبعك إلا الذين هم الأراذل في أول الأمر، أي: ما نراك في أول الأمر، كأنه رأى (٢) ظهر لهم [لم] (٣) يتعقبوه بنظر وتفكر، ونصب «بادي» على الظرف، وحسن ذلك في «فاعل» لإضافته إلى «الرأي» كما نصبوا المصدر على الظرف، لإضافته إلى الرأي في قولهم: إمّا جهر رأي فإنك منطلق. «٣» وحجة من لم يهمز أنه جعله من «بدا يبدو» إذا ظهر، والمعنى: ما اتبعك فيما ظهر لنا من الرأي إلا الأراذل، كأنه أمر ظهر لهم لم يتعقبوه بتفكر ونظر، إنما هو أمر ظهر لهم من غير تيقن، ونصب «بادي» أيضا على الظرف على ما ذكرنا. ويجوز أن يكون من قرأه بالياء أراد الهمز، ثم خفّف الهمزة بالبدل لانفتاحها، وانكسار ما قبلها، فتكون القراءتان بمعنى من الابتداء، والعامل في «بادي» في القراءتين «اتّبعك»، وجاز أن يعمل ما قبل «إلا» فيما

стр. 572

بعدها، على الاتساع في الظرف، ولولا ذلك ما جاز، ألا ترى أنك لو قلت: ما أعطيت أحدا إلا زيدا درهما، لم يجز لوقوع الاسمين (١) بعد «إلا» (٢). «٤» قوله: (فعمّيت عليكم) قرأه حفص وحمزة والكسائي بضم العين والتشديد وقرأ الباقون بفتح العين والتخفيف. وحجة من ضمّ وشدد أنه ردّ الفعل إلى ما لم يسم فاعله، وحمله على المعنى، لأنهم لم يعموا عن الرحمة حتى عميّت عليهم، وفي قراءة الأعمش (٣): «فعمّاها عليكم» [فهذا يدلّ على التشديد وإن هو عمّاها عليهم] (٤) إذ لا يكون أمر إلا بإرادة الله. «٥» وحجة من فتح وخفّف أنه أضاف الفعل إلى «الرحمة» فضمير (٥) الرحمة في «عميت» مرفوع بفعله. وقد أجمعوا على الفتح والتخفيف في القصص (٦)، وهو مثله، ومعنى الآية على الحقيقة أنهم عموا عن الرحمة، لم تعم الرحمة عليهم. فهو من باب «أدخلت القبر زيدا، وأدخلت القلنسوة رأسي»، وحسن هذا في كلام العرب، لأن المعنى مفهوم لا يشكل، وعلى ذلك أتى قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ «إبراهيم ٤٧» إنما حقيقته: مخلف رسله وعده، ويجوز أن يكون معنى (٧) «عمّيت» خفيت، فلا يكون فيه قلب (٨).

стр. 573

«٦» قوله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ قرأه حفص بتنوين «كل»، ومثله في «قد أفلح» (١) وقرأهما الباقون بغير تنوين. وحجة من نوّن أنه عدّى الفعل وهو «احمل» و «اسلك» إلى «زوجين» فنصبهما بالفعل وجعل «اثنين» نعتا ل «زوجين»، وفيه معنى التأكيد كما قال: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ «النحل ٥١» وقال: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ «ص ٢٣» وقال: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ «النجم ٢٠» ف «كل» نعت فيه معنى التأكيد. والتقدير: احمل فيها زوجين اثنين من كل شيء، ثم حذف ما أضيف إليه «كل» فنوّن «كلاّ». «٧» وحجة من أضاف أنه عدّى الفعل إلى «اثنين» وخفض «زوجين» لإضافة (٢) «كل» إليهما، والتقدير: احمل فيها اثنين من كل زوجين، أي: من كل صنفين (٣). «٨» قوله: (ومجراها) قرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الميم والإمالة، بنوه على «جرت» (٤)، فهو مصدر «جرت»، دليله قوله: ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾ «٤٢» ولو حمل على الضم لقال: تجريهم. وقرأ الباقون بضم الميم. وأمال أبو عمرو، وقرأ ورش بين اللفظين، بنوه مصدرا من «أجرى»، وهما لغتان. يقال: جريت به وأجريته، مثل ذهبت به وأذهبته. وقد أجمعوا على الضم في «مرساها» من «أرسيت»، وهم يقولون: رست. وقد أجمعوا على ﴿الْجِبالَ أَرْساها﴾ «النازعات ٣٢»، وعلى الضم في ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ «الأعراف ١٨٧». والضم في الميم في «مجراها» الاختيار، لأن الأكثر عليه (٥). وقد ذكرنا علة الإمالة فيما تقدّم (٦).

стр. 574

«٩» قوله: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ﴾ قرأ عاصم (١) بفتح الياء والتشديد، هنا وفي يوسف والصافات وثلاثة مواضع في لقمان (٢) ووافقه أبو بكر على الفتح هنا خاصة. وقرأ ابن كثير بإسكان الياء والتخفيف في لقمان في قوله: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ «١٣» وقرأ في رواية قنبل عنه: «(يا بني أقم الصلاة)» «لقمان ١٧» بإسكان الياء والتخفيف، وفي رواية البزّي بفتح الياء والتشديد كقراءة حفص. وقرأ جميع ذلك الباقون بكسر الياء والتشديد. وحجة من شدد الياء وكسرها، وعليه أكثر القراء، وهو الاختيار، لأن الأصل فيه ثلاث ياءات: الأولى ياء التصغير والثانية هي لام الفعل في «ابن» لأن أصله «بنى» على «فعل» (٣)، والتصغير يردّ المصغرات إلى أصولها، فردّت الياء، لأنها أصلية، وامتنعت ياء التصغير من دخول الحركات فيها، لئلا تقلب وتغير، والثالثة هي ياء الإضافة التي ينكسر ما قبلها أبدا، فأدغمت ياء التصغير في الثانية، وفي لام الفعل، وكسرت لأجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإضافة، لاجتماع ثلاث ياءات مع تشديد وكسرتين، ولأن فيه أكثر من غير اجتماع كسرات وياءات، فإذا اجتمع ما يستثقل كان الحذف آكد وأقوى، وبقيت الكسرة تدلّ على ياء الإضافة، كما تقول: يا غلام ويا صاحب تعال، فتحذف الياء وتبقي الكسرة تدلّ عليها، وإنما قوي الحذف لياء الإضافة في النداء لأنها بدل من التنوين، والتنوين لا يثبت في المعارف في النداء، فحذف ما هو بدل منه، وإثباتها جائز في كل موضع إلا فيما يقع فيه الاستثقال، لاجتماع الياءات، فإن الإثبات لياء الإضافة فيه ضعف قليل نحو: يا بني، ويا أخي، وشبهه. «١٠» وحجة من فتح الياء مشددة أنه لمّا أتى بالكلمة على أصلها بثلاث

стр. 575

ياءات، استثقل اجتماع الياءات والكسرات، فأبدل من الكسرة التي قبل ياء الإضافة فتحة، فانقلبت ياء الإضافة ألفا، ثم حذفت (١) الألف، كما تحذف الياء في النداء، وبقيت الفتحة تدلّ على الألف المحذوفة. وقد أجاز المازنيّ (٢): «يا زيدا تعال» يريد: يا زيدي، ثم أبدل من كسرة الدال فتحة، ومن الياء ألفا. قال المازني: وضع الألف مكان الياء في النداء مطّرد. وعلى هذا قرأ ابن عامر: «(يا أبت)» «يوسف ٤» بفتح التاء، أراد: يا أبتي، ثم قلب وحذف الألف لدلالة الفتحة عليها. «١١» وحجة من أسكن الياء أنه حذف ياء الإضافة، على أصل حذفها في النداء، ثم استثقل ياء مشدّدة مكسورة فحذف لام الفعل فبقيت ياء التصغير ساكنة، وهي قراءة فيها ضعف لتكرّر الحذف. وقد جاءت في الشعر في غير الياءات، فهو في الياءات أجود لثقل ذلك (٣). «١٢» قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قرأ الكسائي بكسر الميم وفتح اللام، ونصب «غير». وقرأ الباقون بفتح الميم، وضم اللام منوّنة (٤)، ورفع «غير». وحجة من قرأ برفع «عمل» و «غير» أنه جعل الكلام متصلا من قول الله جل ذكره لنوح، وجعل الضمير في «إنه» راجعا إلى السؤال، فجعل «العمل» خبر «إن»، لأنه هو السؤال، وجعل «غيرا» صفة ل «العمل»، والتقدير: إن سؤالك أن أنجي كافرا عمل منك غير صالح. وقيل: تقديره إن

стр. 576

سؤالك ما ليس لك به علم عمل منك غير صالح. ويجوز أن تكون الهاء في «إنه» تعود على ما دلّ عليه أول الكلام، وهو قوله «اركب معنا ولا تكن مع الكافرين»، فيكون التقدير: إن كون الكافرين معك عمل منك غير صالح. فيكون أيضا من قول الله جلّ ذكره ل «نوح» كالأول. ويجوز أن يكون الكلام من قول «نوح» لابنه يخاطبه [بذلك] (١) ويقرّعه، وتقديره: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين إنه عمل غير صالح، أي إن كونك مع الكافرين عمل منك غير صالح. ويجوز أن تكون الهاء لابن نوح على تقدير حذف مضاف مع العمل، أي: إن ابنك ذو عمل. فيكون من كلام الله جلّ ذكره ل «نوح». «١٣» وحجة من قرأ بكسر الميم ونصب «غيرا» أنه جعل الضمير في «إنه» لابن نوح، فاخبر عنه بفعله، وجعل «غيرا» صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إن ابنك عمل عملا غير صالح، فيكون معناها كالمعنى في في القراءة برفع «عمل» في قول من جعل الهاء لابن نوح، وأضمر مضافا محذوفا. ومعنى «ليس من أهلك» أي: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم من الغرق. وقيل: إنه كان ربيبه، ولم يكن ولده. وقد روت عائشة وأسماء ابنة يزيد (٢) أن النبي ﵇ قرأ «عمل غير صالح»، تعني بكسر الميم ونصب «غير»، وكذلك روت عنه أم سلمة أنه أمرها أن تقرأ كذلك بكسر الميم ونصب «غير» (٣).

стр. 577

«١٤» قوله: (فلا تسألن) قرأه ابن كثير بفتح النون واللام [مشدّدا] (١) وقرأ نافع وابن عامر بكسر النون وفتح اللام مشددا. وقرأ الباقون بإسكان اللام وكسر النون مخفّفا. وحجة من فتح النون وشدّد أنه جعلها النون المشددة التي تدخل في الأمر والنهي للتأكيد، وفتح اللام [التي] (٢) قبلها، ولئلا يلتقي ساكنان، والفعل للواحد أبدا، مع النون الثقيلة والخفيفة، مبني على الفتح، وعدّى الفعل إلى مفعول واحد وهو «ما»، وذلك حسن في «سأل»، لأنه غير داخل على ابتداء وخبر، وكذلك العلة لمن شدّد وكسر النون غير أنه عدّى الفعل إلى مفعولين وهما (٣) انياء و «ما»، فحذف الياء لدلالة الكسرة عليها. وكان أصله ثلاث نونات «تسألنّني» [في] (٤) النون المشددة التي للتأكيد مقام نونين، فالنون التي تدخل مع الياء في اسم المضمر المفعول، في نحو: ضربني، فحذف إحدى النونات لاجتماع الأمثال تخفيفا، كما تحذف في «إني»، وأصلها «إنني». «١٥» وحجة من أسكن اللام وخفف النون أنه لم يدخل النون المشددة التي للتأكيد في الفعل، ووصل الفعل بضمير المتكلم، وهو المفعول الأول. و «ما» المفعول الثاني، وأسكن اللام للنهي وحذف الياء لدلالة الكسرة عليها. فالفعل في هذه القراءة معرب مجزوم للنهي، وفيما تقدّم مبني على الفتح (٥). «١٦» قوله: (ومن خزي يومئذ) قرأ نافع والكسائي بفتح الميم،

стр. 578

ومثله في النمل وسأل سائل (١)، ووافقهما على ذلك في النمل خاصة حمزة وعاصم. وقرأهن الباقون بكسر الميم. وحجة من كسر أنه أجراه مجرى سائر الأسماء، فخفضه لإضافة «الخزي» و «العذاب» و «الفزع» إليه، ولم يبنوا «يوما» لإضافته إلى «إذ» لأنه يجوز أن ينفصل من «إذ» والبناء إنما يلزم إذا لزمت العلة. «١٧» وحجة من فتح أنه بناه على الفتح [لإضافته] (٢) إلى غير متمكن وهو «إذ»، وعامل اللفظ ولم يعامل تقدير الانفصال (٣). «١٨» قوله: (ألا إنّ ثمود) قرأ حفص وحمزة في هذه السورة بغير صرف، ومثله في العنكبوت والفرقان والنجم (٤)، ووافقهما أبو بكر على ترك الصرف في النجم خاصة. وصرفهن الباقون (٥). وحجة من صرف أنه جعل «ثمودا» اسما مذكرا للأب أو للحيّ (٦)، فلا علة تمنع في صرفه، إذ الصرف أصل الأسماء كلها، وكل ما امتنع منها من الصرف فلعلتين دخلتا (٧) عليه، فمنع التنوين والخفض. «١٩» وحجة من لم يصرف أنه جعله اسما للقبيلة، فمنعه من الصرف لوجود علتين فيه، وهما التعريف والتأنيث. وتفرّد الكسائي بصرف قوله: (ألا بعدا لثمود) جعله اسما للحي أو للأب. ولم يصرفه الباقون، جعلوه اسما

стр. 579

للقبيلة، وما عليه الجماعة في ذلك كله هو الاختيار، إذ القراءتان متساويتان (١). «٢٠» قوله: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ قرأه حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام، من غير ألف، ومثله في الذاريات (٢). وقرأهما الباقون «سلام» بفتح السين وبألف بعد اللام، وهما لغتان بمعنى التحية كقولهم: هو حل وحلال، وحرم وحرام. ويجوز أن يكون «سلام» بمعنى المسالمة التي هي خلاف الحرب. كان إبراهيم ﷺ لمّا رآهم لا يأكلون طعامه أوجس في نفسه خوفا منهم، فقال لهم: سلم، أي أنا سلم لكم ولست بحرب لكم، فلا تمتنعوا من أكل طعامي كما يمتنع من أكل طعام العدو. ومعنى «سلام» أي سلام عليكم. فالخبر محذوف، وهو رد السلام عليهم، إذ سلموا عليه. وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، وهو أبين في التحية ورد السلام. وقوله: (قالوا سلاما) نصب بإعمال القول فيه، وليس بحكاية، وهو بمنزلة قولك: قلت حقا. فسلام هو معنى ما قالوا، وليس هو ما قالوا بعينه، ولو كان هو ما قالوا لحكيته كما قالوه. فأما قوله «قال سلام» فهو حكاية ما قال (٣). فلذلك لم يعمل فيه القول ورفع. وروي عن النبي ﵇ أمر أن يقرأ: «(قال سلم)» بغير ألف (٤). «٢١» قوله: (يعقوب، قالت) قرأه ابن عامر وحمزة وحفص بالنصب، ورفعه الباقون. وحجة من رفع أنه جعل «يعقوب» ابتداء، والظرف المقدّم خبره، وهو «من وراء إسحاق»، ويحتمل رفعه بالظرف الذي قبله.

стр. 580

«٢٢» وحجة من نصب أنه جعله في موضع خفض، لكن لا ينصرف للعجمة والتعريف، وهو معطوف على «إسحاق» والتقدير: فبشّرناها بإسحاق ويعقوب. وفيه غمز عند سيبويه والأخفش للتفرقة بين «يعقوب» وبين حرف العطف بالظرف [فكأنما فصلت بين الجار والمجرور بالظرف] (١) لأن حق حرف الجر. أن يكون ملاصقا (٢) لحرف العطف في اللفظ أو في (٣) المعنى. ولو قلت: ومن وراء إسحاق يعقوب، فجئت بحرف الجر ملاصقا لحرف العطف لم يجز، كما أنك لو قلت: مررت بزيد وبفي الدار عمرو، لم يجز، ويقبح «وفي الدار عمرو» للتفرقة بالظرف ولكن يجوز نصب «يعقوب» بحمله على موضع «بإسحاق» لأن «بإسحاق» في موضع نصب، لأنه مفعول به في المعنى، وفيه بعد أيضا للفصل، بين الناصب والمنصوب بالطرف. ألا ترى أنك لو قلت: رأيت زيدا وفي الدار عمرا، قبح للتفرقة بالظرف. ويجوز أن تنصب «يعقوب» بفعل مضمر يدلّ عليه الكلام، كأنه قال: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب. وهو حسن. والرفع هو الاختيار لصحة إعرابه ولأن الأكثر [من القراء] (٤) عليه (٥). «٢٣» قوله: (فأسر بأهلك) قرأه الحرميان بوصل الألف من «سرى»، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ «الفجر ٤» وذلك حيث وقع. وقرأ الباقون بالهمز من «أسرى» كما قال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى﴾ «الإسراء ١» فهما لغتان مشهورتان (٦).

стр. 581

«٢٤» قوله: (إلا امرأتك) قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالرفع على البدل من «أحد» لأنه نهي، والنهي نفي، والبدل في النفي وجه الكلام (١)، لأنه بمعنى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. وقرأ الباقون بالنصب، على الاستثناء من الإيجاب في قوله: (فأسر بأهلك)، ويجوز أن يكون على الاستثناء من النهي، لأن الكلام قد تمّ قبله. والأول أحسن (٢)، وقد تقدّم ذكر «اصلواتك» في براءة (٣). «٢٥» قوله: (سعدوا) قرأه حفص وحمزة والكسائي بضمّ السين، وفتحها الباقون. وحجة من فتح أن «سعدوا» فعل لا يتعدّى، وإذا لم يتعد إلى مفعول لم يردّ إلى ما لم يسمّ فاعله، إذ لا مفعول في الكلام يقوم مقام الفاعل. فهو وجه الكلام والاختيار وقد قال (فأمّا الذين شقوا)، ولم يقل «أشقوا» ولا «شقوا»، فحمل «سعدوا» على «شقوا» أحسن وأولى. «٢٦» وحجة من ضمّ الشين أنه حمله على لغة حكيت عن العرب خارجة عن القياس حكي: سعده الله، بمعنى: أسعده الله، وذلك قليل. وقولهم: مسعود، يدلّ على «سعده الله». حكى الكسائي: سعدوا وأسعدوا، اللغتان بمعنى (٤). «٢٧» قوله: (وإنّ كلا) قرأ الحرميان وأبو بكر: وإن كلا بتخفيف «إنّ» وشدد الباقون، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر «لمّا» بالتشديد،

стр. 582

وخفّف الباقون. وحجة من شدّد «إنّ» أنه أتى بها على أصلها، وأعملها في «كلّ ولما» وما بعد الخبر. «٢٨» وحجة من خفّف أنه استثقل التضعيف، فخفّف وحذف النون الثانية وأعمل «إن» مخفّفة عملها مثقلة كما أعمل «يك» محذوفا عمله غير محذوف. «٢٩» وحجة من خفّف «لمّا» أنه جعل اللام لام توكيد، دخلت على «ما» التي هي خبر «إن»، ولام «ليوفينهم» جواب القسم، والتقدير: وإن كلا لخلق أو لبشر ليوفينهم ربك أعمالهم والمضاف إليه كل محذوف، والتقدير: وإن كل مخلوق. ولا يحسن أن تكون «ما» زائدة، كما يحسن ذلك في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها﴾ «الطارق ٤» لأنك إذا قدّرت حذف «ما» في سورة الطارق صارت [اللام داخلة على «كل» وذلك حسن. ولو قدّرت زيادة «ما» في هذه السورة صارت] (١) اللام داخلة على اللام في «ليوفينهم» وذلك لا يحسن. وقد قيل: إن «ما» زائدة، دخلت لتفصل بين اللامين الداخلتين على الخبر، وهو «يوفينهم». فكلا اللامين تكون جوابا للقسم، فلمّا اتفقا في اللفظ فصل بينهما ب «ما»، والقول الأول أحسن. «٣٠» وحجة من شدّد «لما» أنه على تقدير حذف ميم، والأصل «لمن ما» فلمّا أدغمت النون في الميم اجتمع ثلاث ميمات فحذفت إحداهن، وهي الأولى المكسورة، لاجتماع الأمثال، والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم ربك. ويجوز أن يكون الأصل «لمن ما»، بفتح الميم، على أن «ما» زائدة، ثم يقع الإدغام والحذف على ما ذكرنا. والتقدير: وإن كلا لخلق ليوفينهم ربك، فيرجع إلى [معنى] (٢) القراءة الأولى التي بالتخفيف. وقد قيل: إن «لما» بالتشديد مصدر «لم» أجري في الوصل مجرى الوقف، وهو قول ضعيف في

стр. 583

الإعراب، لا يجوز إلا في الشعر، وضعيف في المعنى، وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف (١) وجه التثقيل في «لمّا». ولو خففت «إن» ورفعت «كلا» لحسن معنى «لمّا» بالتشديد على معنى «إلا»، كالذي في سورة الطارق وسورة يس (٢). «٣١» قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ﴾ قرأه نافع وحفص بضمّ الياء، وفتح الجيم. وقرأ الباقون بفتح الياء، وكسر الجيم. وحجة من ضمّ أنه حمل الفعل على ما لم يسمّ فاعله، فأقام الأمر مقام الفاعل، كما قال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ «الأنعام ٦٢»، وقال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ «فصلت ٤٧». «٣٢» وحجة من فتح أنه أضاف الفعل إلى «الأمر»، فرفعه بفعله كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ «الانفطار ١٩» (٣). «٣٣» قوله: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء. وقرأ الباقون بالياء. وحجة من قرأه بالتاء أنه على الخطاب للنبي ﵇ وأصحابه، ردّوه على ما قبله من الخطاب في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وهو أمر للنبي، والمراد به هو وأمته، والتقدير: قل لهم يا محمد ما ربّي بغافل عما تعملون. وحجة من قرأه بالياء أنه حمله على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ «١٢١»، وقوله: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنّا﴾

стр. 584

﴿مُنْتَظِرُونَ﴾ «١٢٢»، وفيه أيضا معنى التهدد والوعيد (١) للكفار، والتقدير: وما ربّك يا محمد بغافل عمّا يعمل هؤلاء الذين لا يؤمنون (٢). «٣٤» فيها ثماني عشرة ياء إضافة، اختلف فيها، من ذلك: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ في ثلاثة مواضع «٣، ٢٦، ٨٤». ﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾ «٤٦»، ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ «٤٧». ﴿شِقاقِي أَنْ﴾ «٨٩» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في الستة. ومن ذلك: ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ﴾ في موضعين «٢٩، ٥١» قرأهما نافع وابن عامر [وأبو عمرو] (٣) وحفص بالفتح حيث وقع. ومن ذلك: ﴿عَنِّي إِنَّهُ﴾ «١٠»، ﴿نُصْحِي إِنْ﴾ «٣٤»، ﴿ضَيْفِي أَلَيْسَ﴾ «٧٨» قرأ الثلاثة نافع وأبو عمرو بالفتح (٤). ومن ذلك: ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ﴾ «٣٩» و ﴿إِنِّي أَراكُمْ﴾ «٨٤» قرأهما نافع وأبو عمرو والبزّي بالفتح. ومن ذلك: ﴿فَطَرَنِي﴾ «٥١» قرأها نافع والبزّي بالفتح. ومن ذلك: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ﴾ «٥٤» قرأها نافع بالفتح. ومن ذلك: ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ﴾ «٨٨» قرأها (٥) نافع وأبو عمرو وابن عامر بالفتح. ومن ذلك: ﴿أَرَهْطِي﴾ «٩٢» قرأها الكوفيون وهشام بالإسكان. «٣٥» فيها ثلاث زوائد، قوله: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ﴾ «٤٦» قرأ ورش وأبو عمرو بياء في الوصل. قوله: ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ «٧٨» قرأها أبو عمرو بياء في الوصل.

стр. 585

قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ «١٠٥» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وقرأها (١) أبو عمرو ونافع والكسائي بياء في الوصل خاصة (٢). وقد تقدّمت العلل في ذلك كله في آخر سورة البقرة فأغنى ذلك عن الإعادة (٣). ***

стр. 586

سورة يوسف ﵇ مكية، وهي مائة آية واحدى عشرة آية في المدني والكوفي قد تقدّم ذكر الامالة وعلتها في «الر والمر» ونحوه «١» قوله: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي﴾ قرأه ابن عامر بفتح التاء [في جميع القرآن] (١) وقرأ الباقون بالكسر، ووقف ابن كثير وابن عامر [على] (٢) «يا أبت» بالهاء، ووقف الباقون بالتاء. وحجة من فتح التاء أنه قدّر إثبات ياء الإضافة في النداء، وهي لغة مستعملة في القرآن والكلام، قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ «الزمر ٥٣» و ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «العنكبوت ٥٦» فلمّا أثبت الياء في المنادى أبدل الكسرة، التي قبل الياء، فتحة فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت الألف لدلالة الفتحة عليها. وهذا عند المازني أصل مطرّد حسن (٣) ويجوز أن تكون فتحة التاء في «يا أبت» بمنزلة فتحة التاء في «يا طلحة» ووجه ذلك أن أكثر ما يدعى ما فيه تاء التأنيث بالترخيم، فردّت التاء المحذوفة للترخيم، وترك الآخر من الاسم يجري في الحركة، على ما كان عليه. والتاء محذوفة فلم يعتدّ بردّ التاء، وأقحمها، فاستعملت مفتوحة، كما أن ما قبلها [كان] (٤) مفتوحا عند حذف الهاء للترخيم، كذلك فعل في «يا أبت» والوجه الأول أقوى. «٢» وحجة من كسر أنه أبقى الكسرة تدلّ على الياء المحذوفة في النداء، وأصله «يا أبتي» كما تقول: يا غلام أقبل، وهذه هي اللغة المستعملة الفاشية، وهي الاختيار.

стр. 587

«٣» وحجة من وقف بالتاء أن الياء مقدّرة منوية، فكما أنه لو وقف بالياء لم يكن بدّ من التاء كذلك حكم الهاء (١) مع عدم الياء من اللفظ، لأن الياء مرادة مقدرة، وأيضا فإنه (٢) اتّبع خط المصحف في ذلك، فهي بالتاء في المصحف وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولمتابعة خط المصحف الإمام [في ذلك] (٣). «٤» وحجة من وقف بالهاء أنه جعلها بمنزلة تاء رحمة ونعمة، فغيّرها في الوقف، كما فعل ب «رحمة ونعمة»، ولم يتعدّ بالياء لأنها غير ملفوظ بها، ولأن الكسرة التي تدلّ على الياء تسقط في الوقف، وقد قال سيبويه: لو رخّمت رجلا اسمه خمسة عشرة لقلت: يا خمسه، فأبدلت من التاء هاء في الوقف (٤)، ولم تبق التاء، لأن الاسم الثاني قد انفصل، وزال الترخيم، فكذلك يجب أن تقف بالهاء على «يا أبتي» لأن التاء (٥) قد زالت وانفصلت من الاتصال بالياء، وزالت الحركة الدالة على الياء أيضا. فأما من قرأ بفتح التاء، وقدّره أنه مثل «يا طلحة أقبل» فجعل حركة التاء كحركة ما قبلها، فإنه يجب أن يقف بالهاء، لأنه لا شيء محذوف من آخر الكلام يقدّر اتصاله بالتاء، فإن فتحت التاء في «يا أبت» على تقدير حذف ألف، هي بدل من الياء حسن فيه الوجهان، إن قدّرت الألف، وقدّرت الياء، وقفت بالتاء، لأن التاء تصير كالهاء متوسطة في التقدير، لأن الذي بعدها منويّ مقدّر، وإن لم تعتدّ بالألف ولا بالياء، لزوالهما من اللفظ، وقفت بالهاء، على ما ذكرنا أولا في كسر التاء (٦).

стр. 588

«٥» قوله: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ قرأه ابن كثير بالتوحيد، جعل شأن يوسف كلّه آية على الجملة، وإن كان في التفصيل آيات، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ «المؤمنون ٥٠» فوحّد، وإن كان شأنهما على التفصيل آيات. وقرأ الباقون بالجمع، لاختلاف أحوال يوسف، ولانتقاله من حال إلى حال، ففي كل حال جرت (١) عليه آية، فجمع لذلك المعنى، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢). «٦» قوله: ﴿فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ قرأ نافع وحده بالجمع، لأن كل ما غاب عن النظر من الجبّ غيابة، فالمعنى: ألقوه فيما غاب عن النظر من الجب، وذلك أشياء كثيرة تغيب عن النظر منه، ويجوز أن يكون المعنى على حذف مضاف، أي ألقوه في إحدى غيابات الجب، فيكون بمنزلة القراءة بالتوحيد. وقرأ الباقون بالتوحيد، لأن يوسف لم يلق إلا في غيابة واحدة، لأن الإنسان لا تحويه أمكنة إنّما يحويه مكان واحد. ويجوز أن يكون الواحد يدلّ على الجمع، فتتفق أيضا القراءتان، والتوحيد الاختيار، لرجوع القراءة بالجمع الى معناه، ولأن عليه الجماعة (٣)، وقد تقدّم ذكر الإشمام في «تأمنا» وعلته (٤). «٧» قوله: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قرأ الكوفيون ونافع

стр. 589

بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالنون، وكسر الحرميان العين من «يرتع»، وأسكنها الباقون. وعن ابن كثير أنه قرأ «نرتع» بالنون [وكسر العين] (١) و «يلعب» بالياء (٢). وحجة من قرأ بالياء أنه أسند الفعل إلى يوسف، لتقدّم ذكره. وحسن الاختيار عنه باللعب لصغره، لأن ذلك مرفوع عنه فيه اللوم. «٨» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار من (٣) أخوة يوسف عن أنفسهم بذلك إذ لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت، واللعب في غير الباطل جائز. فقد قال النبي ﵇ لجابر (٤): «فهلا بكرا تلاعبها أو تلاعبك» (٥) فلا نقص عليهم في إضافتهم اللعب إلى أنفسهم على هذا المعنى. «٩» وحجة من قرأ «نرتع» بالنون و «يلعب» بالياء أنه أخبر عن أخوة يوسف ب «نرتع» لجواز ذلك عليهم، لأن المعنى: نرتع إبلنا (٦) وأضاف «يلعب» إلى يوسف، لجواز اللعب عليه لصغر سنّه. «١٠» وحجة من قرأ بإسكان العين أنه جعله من «رتع يرتع» إذا

стр. 590

رعى، فأسكن العين للجزم (١) لأنه جواب الطلب في قوله: «أرسله معنا». «١١» وحجة من كسر العين أنه جعله من «رعى يرعى» وهو مثل «رتع» في المعنى، إلا أنّ من جعله من «رعى» فإن لامه ياء، فحذفها علم الجزم، ومن جعله من «رتع» فلامه عين، فسكونها علم الجزم. وقد قيل: معنى نرتع نلهو. فتحسن القراءة بالياء لإضافة اللهو إلى يوسف، إذ لام ذمّ عليه في ذلك لصغره، ويبعد في القراءة بالنون لإضافة اللهو إلى أخوة يوسف، وهم كبار (٢)، وقد ذكرنا همز «الذئب» فيما تقدّم (٣). «١٢» قوله: ﴿يا بُشْرى﴾ قرأ الكوفيون بغير ياء بعد الألف. وقرأ الباقون بياء مفتوحة بعد الألف. وقد ذكرنا الإمالة فيما تقدّم (٤). وحجة من قرأ بياء أنه أضاف «بشرى» إلى نفسه، فهو نداء مضاف منصوب كما تقول: يا هداي ويا يحياي تعال. «١٣» وحجة من حذف الياء أنه نادى «بشرى» ولم يضف، فهو نداء مفرد شائع، ومعنى ندائه البشرى أنه على تقدير: تعالي يا بشراي (٥). فهذا من وقتك وآياتك. أي لو كنت ممّن يخاطب لخوطبت الآن كما قال: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ «يس ٣٠» فهو في موضع نصب، لأنه شائع، لا يراد به شيء بعينه، مثل «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ» لكنه لا ينصرف، لأنه صفة، وللزوم ألف التأنيث له. واختار أبو عبيد «يا بشرى» بغير ياء، اسم رجل دعاه [إلى] (٦)

стр. 591

المستقى. واحتج أبو عبيد في اختياره لذلك أنه يجمع المعنيين: اسما لرجل ونداء البشرى. وتعقّب عليه ابن قتيبة فاختار «يا بشراي» بالإضافة لأنها قراءة أهل المدينة ومكة وأبي عمرو، ولم يجز أن يكون حذف الياء على نداء «البشرى» فقال: لا تنادى البشرى إلا بالإضافة إلى النفس، كما تقول: يا طوباي إن قبل الله عملي [ولا تقول يا طوبي] (١). وقيل: إن بشرى اسم رجل كان معهم، فناداه المدلّي على ما ذكرنا من قول أبي عبيد، فيكون في موضع ضم كما تقول: يا رجل. وقيل: إنه أراد يا بشراي، ثم حذف ياء الإضافة للنداء، فتكون القراءتان بمعنى (٢). «١٤» قوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قرأه نافع وابن عامر بكسر الهاء وفتح التاء، غير أن هشاما همز موضع الياء همزة ساكنة. وقرأ الباقون بفتح التاء والهاء، من غير همز، غير أن ابن كثير ضمّ التاء. وفتح الهاء وكسرها لغتان. وفتح التاء على المخاطبة من المرأة ليوسف على معنى الدعاء له والاستجلاب له إلى نفسها، على معنى: هلم لك، أي تعال يا يوسف إليّ، فأما من ضمّ التاء فعلى الإخبار عن نفسها بالإتيان إلى يوسف، ودلّ على ذلك قراءة من همز، لأنه يجعله من «تهيأت لك» تخبر عن نفسها أنها متصنعة له متهيئة. وقد تحتمل قراءة من لم يهمز أن تكون على إرادة الهمز، لكن خفّف الهمزة، فيكون من «تهيأت» فيكون فعلا، ولا (٣) يحسن ذلك ويتمكن إلا على قراءة من ضمّ الياء، لأنها تخبر عن نفسها بذلك. والتاء مضمومة، ويبعد الهمز في قراءة من فتح التاء لأنه إذا فتح التاء فإنه يخاطب، وتاء المخاطب مفتوحة، فيصير المعنى

стр. 592

أنها تخبره أنه تهيّأ لها، والمعنى على خلاف ذلك، لأنها هي التي دعته وتهيّأت له، لم يدعها هو ولا تهيّأ لها، يعيذه الله من ذلك. حكى أبو زيد «هيت للأمر أهيء هيئة وتهيأت». ويجوز أن يكون الهمز من قولهم: هؤت بالرجل أهوء هؤا، إذا ارتبته بشيء، حكاه أبو زيد، فيكون على هذا الاشتقاق «هيت» فعلا. ويكون الفعل إذا كسرت الهاء مبنيا (١) للمفعول على «فعلت» والأول أليق بالمعنى، لأن معناه [في] (٢) الهمز الاستعداد، والتهيؤ له. وليس المعنى على التهمة والارتياب. وقرأه هشام بالهمز وفتح التاء، وهو وهم عند النحويين، لأن فتح التاء للخطاب ليوسف، فيجب أن يكون اللفظ: قالت هيت لي، أي تهيّأت لي يا يوسف. ولم يقرأ بذلك أحد. وأيضا فإن المعنى على خلافه لأنه [كان] (٣) يفرّ منها ويتباعد (٤) عنها، وهي تراوده وتطلبه، وتقدّ قميصه، فكيف تخبره عن نفسه أنه تهيأ لها، هذا ضد حالهما. وقد قال يوسف: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ «٥٢» وهو الصادق في ذلك، فلو كان تهيّأ لها لم يقل هذا، ولا ادّعاه. والاختيار فتح التاء لصحة معناه. والهمز وتركه سواء. وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: أقرأني النبي ﵇ «هيت لك» بفتح الهاء والتاء. وبذلك (٥) كان هو يقرأ (٦). «١٥» قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ قرأ نافع وأهل الكوفة بفتح اللام، حيث وقع، فيما فيه ألف ولام، بنوا الفعل للمفعول من «أخلص» فهو مخلص، لأن الله جلّ ذكره أخلصهم، أي اختارهم لعبادته. وقرأ الباقون

стр. 593

بكسر اللام، بنوا الفعل للفاعل من «أخلص» فهو مخلص. والمفعول محذوف فأضافوه الى العبادة، لأنهم أخلصوا أنفسهم لعبادة الله. وفتح اللام أحبّ إليّ لأنهم لم يخلصوا أنفسهم لعبادة الله إلا (١) من بعدما اختارهم الله وأخلصهم لذلك، وقد قال تعالى ذكره: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ «النساء ١٤٦» وأيضا فإن عليه الأكثر، فأما قوله: ﴿مُخْلَصاً﴾ في مريم «١٥» (٢). فإن الكوفيين قرؤوه بفتح اللام، وهو الاختيار وقرأه الباقون بكسر اللام. والحجة فيه كالحجة فيما ذكرنا (٣). «١٦» قوله: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ قرأه أبو عمرو بألف في الوصل خاصة، في الموضعين في هذه السورة. وقرأهما الباقون بغير ألف. وحجة من حذف الألف أنه جعله فعلا على «فاعل» «كقاض» وحمله على الحذف لحرف اللين، كما حذفت النون من «لم يك» على التشبيه بحرف اللين، مع كثرة الاستعمال. وحذف الألف أقوى، لأن الفتحة تدل عليها، ولا تدل الضمة في «لم يك» على النون. وأيضا فإنه اتبع خطّ المصحف، وهي في مصحف عثمان وابن مسعود بغير ألف، وأصلها الألف، لأنه «فاعل» مثل «رامي» وإنما حذفت الألف استخفافا، ولأن الفتحة تدل عليها، وكأنهم جعلوا اللام في «لله» عوضا منها. ومعنى «حاش لله» أي: بعد يوسف عمّا رمى به لخوفه لله ومراقبته له، وهي التنزيه عن الشر. «١٧» وحجة من أثبت الألف في الوصل أنه أتى بها على الأصل، وحذف الألف في الوقف لاتباع المصحف (٤).

стр. 594

«١٨» (دأبا) قرأه حفص بفتح الهمزة، وأسكن الباقون. وهما لغتان مثل: النّهر والنّهر والسّمع والسّمع، والإسكان أولى به للإجماع عليه لأنه (١) أخف (٢). «١٩» قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالتاء، ردّاه على المخاطبة في قوله: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ و ﴿تَأْكُلُونَ﴾، إذ هو كله جواب للمستفتين عن عبارة الرؤيا، فجرى الكلام على جوابهم ومخاطبتهم، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الناس، لأنهم غيّب، وهو أقرب إليه من لفظ الخطاب، فحمل على الأقرب. وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه. وقد ذكرنا الأصل في تسهيل الهمزة في ﴿بِالسُّوءِ إِلاّ﴾ «٥٣» وأنه يجوز فيها وجهان: إلقاء الحركة، ولم يرو عن أحد، ويجوز الإبدال والإدغام، وبه قرأنا لقالون (٣) والبزّي. وقد روي عنهما غير ذلك ممّا هر غير جار على الأصول (٤) والإبدال، والإدغام أولى به (٥). وقد ذكرنا «بالسّوء إلا» والاختلاف فيه وعلله (٦). «٢٠» قوله: ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ قرأه ابن كثير بالنون، ردّه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لقوله قبل ذلك (كذلك مكنّاه)، فأخبر عن نفسه بالتمكين، إذ كل شيء بمشيئته يكون، وقوّى ذلك أنّ بعده (نصيب برحمتنا من نّشاء ولا نضيع أجر) فجرى كله على الإخبار، فحمل «نشاء» على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه أولى لتطابق الكلام. وقرأ الباقون بالياء،

стр. 595

ردّوه على لفظ «يوسف» (١) [لأنه أقرب إليه] (٢) من لفظ الإخبار، ولفظه غائب [ودلّ على ذلك قوله (يتبوّأ منها) فأتى بلفظ الغائب] (٣) وهو الاختيار لأن الأكثر عليه (٤). «٢١» قوله: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي «لفتيانه» على وزن «فعلان» جعلوه جمع فتى في أكثر العدد، ويقوّي ذلك قوله: ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ فأتى بجمع لأكثر العدد، فأخبر بكثرة الخدمة ليوسف، وإن كان الذين تولوا جعل البضاعة في الرحال بعضهم. وقرأ الباقون «لفتيته» على وزن «فعلة» جعلوه جمع فتى في أقل العدد، لأن الذين تولوا جعل البضاعة في رحالهم يكفي منهم أقلهم. وقد قال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ «الكهف ١٠» وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ «الكهف ١٣» وقد قال: «بأوعيتهم»، فأتى بجمع لأقل العدد، وهو الاختيار، لأن المعنى عليه، ولأن أكثر القراء عليه (٥). «٢٢» قوله: ﴿أَخانا نَكْتَلْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء، على الإخبار عن الأخ أنه إن أرسله معهم يكتل لنفسه زيادة بعير، على ما يكتالون هم لأنفسهم، لقولهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ «٦٥». وقرأ الباقون بالنون على الإخبار عنهم كلهم بالاكتيال، ويقوّي ذلك أن الأخ داخل معهم إذا قرئ بالنون، وليس يدخلون هم معه إذا قرئ بالياء، فالنون أعمّ (٦) وأيضا فإن بعده (ونميز أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير)، فكله أخبروا به عن أنفسهم، فحمل «نكتل» على ذلك [أولى] (٧) لتطابق الكلام، وأيضا فإن قبله (منع منّا

стр. 596

الكيل)، فأخبروا عن أنفسهم أنهم منعوا الكيل لغيبة أخيهم، فكذلك يجب أن (١) يخبروا عن أنفسهم بإباحة الكيل لهم إذا حضر معهم أخوهم، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الأكثر عليه (٢). «٢٣» قوله: ﴿خَيْرٌ حافِظاً﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي «حافظا» مثل «فاعل» وقرأ الباقون «حفظا» على وزن «فعل». وحجة من قرأ على وزن «فعل» أن أخوة يوسف لما نسبوا الحفظ إلى أنفسهم، في قوله: ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ قال لهم أبوهم: (فالله خير حفظا)، أي: خير من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم، وقيل: تقديره: فالله خير منكم حفظا. فأتى بالمصدر (٣) الدّالّ على الفعل، ونصبه على التفسير. «٢٤» وحجة من قرأه على «فاعل» أنه أتى به على المبالغة على تقدير: فالله خير الحافظين، فاكتفى بالواحد عن الجمع، فنصبه على التفسير، ويقوّي ذلك أنها في مصحف ابن مسعود «خير الحافظين» وأيضا فإنهم لمّا قالوا: «وإنا له لحافظون» قيل لهم: «الله خير حافظا»، وأيضا فإن «خير حافظا» مطابق لقوله: «أرحم الراحمين» في الإضافة، لأنك تقول: الله خير حافظا والله أرحم راحم. ولو قلت: الله خير حفظ، لم يحسن، فمطابقة «خير حافظا» مع «أرحم الراحمين» أبين من مطابقة «خير حفظا» مع «أرحم الراحمين» لأن الله جلّ ذكره هو الحافظ وليس هو الحفظ، إنما الحفظ فعل من أفعاله [وكذلك هو الراحم وليس هو الرحمة إنما الرحمة فعل من أفعاله] (٤)، وصفة من صفاته، وهذه القراءة أحبّ إليّ، لصحة معناها، أعني حافظا، لولا أن الأكثر على الأخرى (٥)، وقد تقدم ذكر «درجات» في الأنعام والحجة فيها.

стр. 597

وكذلك ذكر «يعقلون» في الأنعام أيضا (١). «٢٥» قوله: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأ ابن كثير «إنك لأنت» بهمزة واحدة على لفظ الخبر. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، غير أنّ ورشا يجعل الثانية بين الهمزة والياء، ولا يمدّ، وقالون وأبو عمرو مثله، غير أنهما يدخلان بين الهمزتين ألفا، فيمدّان، والباقون يحققون الهمزتين. وقد تقدّمت علة التحقيق والتخفيف، وعلة إدخال الألف بين الهمزتين وبيان حجته فأغنى عن الإعادة (٢). وحجة من قرأه على الخبر أنهم لمّا عرفوا يوسف، وتيقنوا أنه هو، أتوا ب «إن» التي لتأكيد ما بعدها، واستغنوا عن الاستخبار، لأنه شيء قد ثبت عندهم، فلا معنى للاستخبار عنه. «٢٦» وحجة من استفهم أنه أتى بلفظ الاستفهام الذي معناه الإلزام والإثبات، لم يستخبروا عن أمر جهلوه، إنما أتوا بلفظ يحقّقون به ما صحّ عندهم، من أنه هو يوسف، كما قال فرعون للسّحرة بعد أن صحّ عنده إيمانهم وعاينه ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ «طه ٧١» على طريق التوبيخ لهم بما فعلوه، وكما قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ «الأعراف ٨٠»، (أ ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ «الأعراف ٨١» بلفظ الاستفهام، الذي معناه الإلزام، والإثبات، لما فعلوا، لم يستخبرهم عن ذلك، لأنه أمر قد علمه وتيقّنه من فعلهم (٣). «٢٧» قوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأ حفص بالنون وكسر الحاء، ومثله في

стр. 598

النحل موضع وفي الأنبياء موضعان (١)، ووافقه حمزة والكسائي في الثاني من الأنبياء، ردّوه (٢) في هذه السورة على قوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾، فجرى الفعلان على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بذلك، كما قال: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ «النساء ١٦٣». وقرأ الباقون بالياء وفتح الحاء، في الأربعة المواضع، ردّوه على لفظ «رجال» فأقيموا مقام الفاعل على ما لم يسمّ فاعله، كما قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ﴾ «هود ٣٦» وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ﴾ «الأنعام ١٩» (٣). «٢٨» قوله: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قرأه الكوفيون بالتخفيف، وشدّد الباقون. وحجة من شدّد أنه حمله على معنى أن الرسل تلقّاهم قومهم بالتكذيب، فالظن بمعنى اليقين، وفي «ظنوا» ضمير الرسل، فالهاء والميم في «أنهم» للرسل. فعطفوه على «اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» والتقدير: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما جاؤوهم به من عند الله جلّ ذكره، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ «الأنعام ٣٤» وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ «سبأ ٤٥» وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ «ص ١٤». وقد روي عن عائشة ﵂ في هذه القراءة معنى غير ما ذكرناه، أنها قالت: لحق الرسل البلاء والضرر حتى ظنّوا أن المؤمنين بهم قد كذّبوهم لما لحق المؤمنين من الفتن على الإيمان (٤) فيكون الظن على هذا بمعنى الشك. والتقدير: وظن الرسل أن من آمن بهم قد كذّبوهم لما لحقهم من البلاء من الكفار. «٢٩» وحجة من خفّف أنه حمله على معنى أن المرسل إليهم ظنوا أنهم قد كذبوا فيما أتتهم به الرسل، فالظن بمعنى الشك أو بمعنى اليقين، وفي «ظنوا» ضمير المرسل إليهم، والهاء والميم في «أنهم» للمرسل إليهم، أي: وظن المرسل إليهم أنهم لم يصدقوا فيما قيل لهم، وما توعدوا به من إتيان العذاب على كفرهم.

стр. 599

أي: ظنوا أنهم لم يصدقهم الرسل فيما أتوهم به من عند الله جلّ ذكره من إتيان العذاب إليهم، أو من الأمر بالإيمان والتوحيد جاءهم نصرنا، أي: جاء الرسل نصر الله على قومهم، وهو العذاب، ومعنى ذلك أن المرسل إليهم لمّا رأوا إمهال الله لهم بما توعّدهم به الرسل، إن لم يؤمنوا، شكّوا في صدق الرسل، وحسن أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «أنهم» للمرسل إليهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن ذكر الرسل يدلّ على أن ثمّ مرسلا إليهم. وقوله: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ «١١٠» يدلّ على إياسهم من إتيان المرسل إليهم. ويجوز في هذه القراءة أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «أنهم» للرسل (١) مثل القراءة الأولى. والظن بمعنى اليقين، على معنى: فأيقن الرسل أنهم لم يصدقهم قومهم في وعدهم بقبول ما أتوهم به. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: دخل الرسل الشك لمّا أبطأ عنها العذاب لقومها. وعنه أنه قال: ظن الرسل أنهم أخلفوا (٢) والظن بمعنى الشك في هذين القولين. دخل الرسل ما يدخل البشر، واستشهد ابن عباس على ذلك بقول إبراهيم: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ «البقرة ٢٦٠» وبقول نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ «هود ٤٥» قال ابن عباس: كانوا بشرا، يعتريهم ما يعتري البشر من الشك. وقد قال عزير ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ «البقرة ٢٥٩» فاستبعد إحياء الله لبيت المقدس بعد خرابها. وقد روي عن عائشة أنها أنكرت القراءة بالتخفيف. وقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربّها، تريد: أن الرسل لا تشك في وعد الله ووعيده. وقالت: هم أتباع الرسل، طال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى ظن الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم. فالظن بمعنى الشك. والتشديد هو الاختيار، لما ذكرنا، ولأن الأكثر عليه (٣).

стр. 600

«٣٠» قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ قرأ عاصم وابن عامر بنون واحدة، وتشديد الجيم، وفتح الياء. وقرأ الباقون بنونين، وتخفيف الجيم، وإسكان الياء. وحجة من قرأ بنون واحدة أنه جعل الفعل ماضيا، لأن القصة قد مضت، فطابق بين اللفظ والمعنى، وبين الفعل للمفعول، و «من» تقوم مقام الفاعل، ويقوي ذلك أنه قد عطف عليه فعل بني للمفعول أيضا. وهو قوله: ﴿وَلا يُرَدُّ﴾، وأيضا فإنها في أكثر المصاحف بنون واحدة (١). «٣١» وحجة من قرأ بنونين أنه جعل الفعل حكاية عن حال يكون فيما بعد، وجعله من «أنجى» وبناه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، ردّا على قوله: ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ فأخبر عن نفسه بالنصر، كذلك أخبر عن نفسه بالإنجاء. وأيضا فإن بعده إخبارا أيضا وهو قوله: ﴿مَنْ نَشاءُ﴾، وقوله: ﴿بَأْسُنا﴾، فحمل «ننجي» على ما قبله وما بعده، فذلك أحسن في المطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار، إذ عليه الأكثر، واختار أبو عبيد «فنجّي» بنون واحدة، على ما لم يسمّ فاعله، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار بنونين كقراءة الجماعة. وقال: إنما كتبت في المصحف بنون واحدة لأن الثانية خفيت عند الجيم، لأنك تقول: إذا أتانا مال قبضناه فنصل به من نشاء، ولا تقول: فوصل (٢) به من نشاء (٣). «٣٢» فيها ثلاث وعشرون ياء إضافة، اختلف فيها، من ذلك: (ليحزنني) «١٣» فتحها الحرميان، وقد ذكرنا «يا بشرى». ومن ذلك: ﴿رَبِّي أَحْسَنَ﴾ «١٣»، ﴿أَرانِي أَعْصِرُ﴾، ﴿أَرانِي أَحْمِلُ﴾ «٣٦»، ﴿إِنِّي أَرى﴾ «٤٣»، ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ «٦٩»، ﴿أَبِي أَوْ يَحْكُمَ﴾ «٨٠»، ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ «٩٦» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في السبع الياءات.
следующие страницы →