← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الكيل)، فأخبروا عن أنفسهم أنهم منعوا الكيل لغيبة أخيهم، فكذلك يجب أن (١) يخبروا عن أنفسهم بإباحة الكيل لهم إذا حضر معهم أخوهم، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الأكثر عليه (٢). «٢٣» قوله: ﴿خَيْرٌ حافِظاً﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي «حافظا» مثل «فاعل» وقرأ الباقون «حفظا» على وزن «فعل». وحجة من قرأ على وزن «فعل» أن أخوة يوسف لما نسبوا الحفظ إلى أنفسهم، في قوله: ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ قال لهم أبوهم: (فالله خير حفظا)، أي: خير من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم، وقيل: تقديره: فالله خير منكم حفظا. فأتى بالمصدر (٣) الدّالّ على الفعل، ونصبه على التفسير. «٢٤» وحجة من قرأه على «فاعل» أنه أتى به على المبالغة على تقدير: فالله خير الحافظين، فاكتفى بالواحد عن الجمع، فنصبه على التفسير، ويقوّي ذلك أنها في مصحف ابن مسعود «خير الحافظين» وأيضا فإنهم لمّا قالوا: «وإنا له لحافظون» قيل لهم: «الله خير حافظا»، وأيضا فإن «خير حافظا» مطابق لقوله: «أرحم الراحمين» في الإضافة، لأنك تقول: الله خير حافظا والله أرحم راحم. ولو قلت: الله خير حفظ، لم يحسن، فمطابقة «خير حافظا» مع «أرحم الراحمين» أبين من مطابقة «خير حفظا» مع «أرحم الراحمين» لأن الله جلّ ذكره هو الحافظ وليس هو الحفظ، إنما الحفظ فعل من أفعاله [وكذلك هو الراحم وليس هو الرحمة إنما الرحمة فعل من أفعاله] (٤)، وصفة من صفاته، وهذه القراءة أحبّ إليّ، لصحة معناها، أعني حافظا، لولا أن الأكثر على الأخرى (٥)، وقد تقدم ذكر «درجات» في الأنعام والحجة فيها.

стр. 597

وكذلك ذكر «يعقلون» في الأنعام أيضا (١). «٢٥» قوله: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأ ابن كثير «إنك لأنت» بهمزة واحدة على لفظ الخبر. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام، غير أنّ ورشا يجعل الثانية بين الهمزة والياء، ولا يمدّ، وقالون وأبو عمرو مثله، غير أنهما يدخلان بين الهمزتين ألفا، فيمدّان، والباقون يحققون الهمزتين. وقد تقدّمت علة التحقيق والتخفيف، وعلة إدخال الألف بين الهمزتين وبيان حجته فأغنى عن الإعادة (٢). وحجة من قرأه على الخبر أنهم لمّا عرفوا يوسف، وتيقنوا أنه هو، أتوا ب «إن» التي لتأكيد ما بعدها، واستغنوا عن الاستخبار، لأنه شيء قد ثبت عندهم، فلا معنى للاستخبار عنه. «٢٦» وحجة من استفهم أنه أتى بلفظ الاستفهام الذي معناه الإلزام والإثبات، لم يستخبروا عن أمر جهلوه، إنما أتوا بلفظ يحقّقون به ما صحّ عندهم، من أنه هو يوسف، كما قال فرعون للسّحرة بعد أن صحّ عنده إيمانهم وعاينه ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ «طه ٧١» على طريق التوبيخ لهم بما فعلوه، وكما قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ «الأعراف ٨٠»، (أ ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ «الأعراف ٨١» بلفظ الاستفهام، الذي معناه الإلزام، والإثبات، لما فعلوا، لم يستخبرهم عن ذلك، لأنه أمر قد علمه وتيقّنه من فعلهم (٣). «٢٧» قوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأ حفص بالنون وكسر الحاء، ومثله في

стр. 598

النحل موضع وفي الأنبياء موضعان (١)، ووافقه حمزة والكسائي في الثاني من الأنبياء، ردّوه (٢) في هذه السورة على قوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾، فجرى الفعلان على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بذلك، كما قال: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ «النساء ١٦٣». وقرأ الباقون بالياء وفتح الحاء، في الأربعة المواضع، ردّوه على لفظ «رجال» فأقيموا مقام الفاعل على ما لم يسمّ فاعله، كما قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ﴾ «هود ٣٦» وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ﴾ «الأنعام ١٩» (٣). «٢٨» قوله: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قرأه الكوفيون بالتخفيف، وشدّد الباقون. وحجة من شدّد أنه حمله على معنى أن الرسل تلقّاهم قومهم بالتكذيب، فالظن بمعنى اليقين، وفي «ظنوا» ضمير الرسل، فالهاء والميم في «أنهم» للرسل. فعطفوه على «اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» والتقدير: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما جاؤوهم به من عند الله جلّ ذكره، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ «الأنعام ٣٤» وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ «سبأ ٤٥» وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ «ص ١٤». وقد روي عن عائشة ﵂ في هذه القراءة معنى غير ما ذكرناه، أنها قالت: لحق الرسل البلاء والضرر حتى ظنّوا أن المؤمنين بهم قد كذّبوهم لما لحق المؤمنين من الفتن على الإيمان (٤) فيكون الظن على هذا بمعنى الشك. والتقدير: وظن الرسل أن من آمن بهم قد كذّبوهم لما لحقهم من البلاء من الكفار. «٢٩» وحجة من خفّف أنه حمله على معنى أن المرسل إليهم ظنوا أنهم قد كذبوا فيما أتتهم به الرسل، فالظن بمعنى الشك أو بمعنى اليقين، وفي «ظنوا» ضمير المرسل إليهم، والهاء والميم في «أنهم» للمرسل إليهم، أي: وظن المرسل إليهم أنهم لم يصدقوا فيما قيل لهم، وما توعدوا به من إتيان العذاب على كفرهم.

стр. 599

أي: ظنوا أنهم لم يصدقهم الرسل فيما أتوهم به من عند الله جلّ ذكره من إتيان العذاب إليهم، أو من الأمر بالإيمان والتوحيد جاءهم نصرنا، أي: جاء الرسل نصر الله على قومهم، وهو العذاب، ومعنى ذلك أن المرسل إليهم لمّا رأوا إمهال الله لهم بما توعّدهم به الرسل، إن لم يؤمنوا، شكّوا في صدق الرسل، وحسن أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «أنهم» للمرسل إليهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن ذكر الرسل يدلّ على أن ثمّ مرسلا إليهم. وقوله: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ «١١٠» يدلّ على إياسهم من إتيان المرسل إليهم. ويجوز في هذه القراءة أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «أنهم» للرسل (١) مثل القراءة الأولى. والظن بمعنى اليقين، على معنى: فأيقن الرسل أنهم لم يصدقهم قومهم في وعدهم بقبول ما أتوهم به. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: دخل الرسل الشك لمّا أبطأ عنها العذاب لقومها. وعنه أنه قال: ظن الرسل أنهم أخلفوا (٢) والظن بمعنى الشك في هذين القولين. دخل الرسل ما يدخل البشر، واستشهد ابن عباس على ذلك بقول إبراهيم: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ «البقرة ٢٦٠» وبقول نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ «هود ٤٥» قال ابن عباس: كانوا بشرا، يعتريهم ما يعتري البشر من الشك. وقد قال عزير ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ «البقرة ٢٥٩» فاستبعد إحياء الله لبيت المقدس بعد خرابها. وقد روي عن عائشة أنها أنكرت القراءة بالتخفيف. وقالت: معاذ الله، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربّها، تريد: أن الرسل لا تشك في وعد الله ووعيده. وقالت: هم أتباع الرسل، طال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى ظن الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم. فالظن بمعنى الشك. والتشديد هو الاختيار، لما ذكرنا، ولأن الأكثر عليه (٣).

стр. 600

«٣٠» قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ قرأ عاصم وابن عامر بنون واحدة، وتشديد الجيم، وفتح الياء. وقرأ الباقون بنونين، وتخفيف الجيم، وإسكان الياء. وحجة من قرأ بنون واحدة أنه جعل الفعل ماضيا، لأن القصة قد مضت، فطابق بين اللفظ والمعنى، وبين الفعل للمفعول، و «من» تقوم مقام الفاعل، ويقوي ذلك أنه قد عطف عليه فعل بني للمفعول أيضا. وهو قوله: ﴿وَلا يُرَدُّ﴾، وأيضا فإنها في أكثر المصاحف بنون واحدة (١). «٣١» وحجة من قرأ بنونين أنه جعل الفعل حكاية عن حال يكون فيما بعد، وجعله من «أنجى» وبناه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، ردّا على قوله: ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ فأخبر عن نفسه بالنصر، كذلك أخبر عن نفسه بالإنجاء. وأيضا فإن بعده إخبارا أيضا وهو قوله: ﴿مَنْ نَشاءُ﴾، وقوله: ﴿بَأْسُنا﴾، فحمل «ننجي» على ما قبله وما بعده، فذلك أحسن في المطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار، إذ عليه الأكثر، واختار أبو عبيد «فنجّي» بنون واحدة، على ما لم يسمّ فاعله، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار بنونين كقراءة الجماعة. وقال: إنما كتبت في المصحف بنون واحدة لأن الثانية خفيت عند الجيم، لأنك تقول: إذا أتانا مال قبضناه فنصل به من نشاء، ولا تقول: فوصل (٢) به من نشاء (٣). «٣٢» فيها ثلاث وعشرون ياء إضافة، اختلف فيها، من ذلك: (ليحزنني) «١٣» فتحها الحرميان، وقد ذكرنا «يا بشرى». ومن ذلك: ﴿رَبِّي أَحْسَنَ﴾ «١٣»، ﴿أَرانِي أَعْصِرُ﴾، ﴿أَرانِي أَحْمِلُ﴾ «٣٦»، ﴿إِنِّي أَرى﴾ «٤٣»، ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ «٦٩»، ﴿أَبِي أَوْ يَحْكُمَ﴾ «٨٠»، ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ «٩٦» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في السبع الياءات.

стр. 601

ومن ذلك: (قال أحدهما إني)، (وقال الآخر إني) «٣٦»، (ربي إني تركت) «٣٧»، (نفسي إنّ)، (ما رحم ربي) «٥٣»، (يأذن لي أبي) «٨٠»، (ربي إنه) «٩٨»، (بي إذ) «١٠٠» قرأ نافع وأبو عمرو بالفتح في الثماني الياءات. ومن ذلك: (آبائي إبراهيم) «٣٨»، (لعلّي أرجع) «٤٦» قرأ الكوفيون بالإسكان فيهما. (أني أوفي) «٥٩»، (سبيلي أدعو) «١٠٨» قرأ نافع بالفتح فيهما. (وبين أخوتي) «١٠٠» قرأ ورش بالفتح فيها. (وحزني إلى الله) «٨٦» قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بالفتح. «٣٣» فيها من الزوائد ياءات قوله: ﴿حَتّى تُؤْتُونِ﴾ «٦٦» قرأ أبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن كثير بياء في الوصل والوقف (١). (إنه من يتّق) «٩٠» قرأ قنبل بياء في الوصل والوقف وحذفها الباقون في الوصل والوقف. والحجة في إثبات الياء في (يتق) أن تكون «من» بمعنى «الذي» فيرتفع الفعل بعدها، لأنه في الصلة وفي الكلام معنى الشرط، لأن الفاء تدخل في خبر «الذي» للإبهام الذي فيها، والإبهام مضارع للشرط، فتجزم ويصير حملا على معنى الشرط، ويجوز أن تقدّر الضمة في الياء، ثم تحذفها للشرط، فتكون «من» للشرط، وأكثر ما يأتي هذا في الشعر، وحذف الياء هو الاختيار (٢). ***

стр. 602

سورة الرعد مكية، وهي أربع وأربعون آية في المدني، وثلاث في الكوفي قد ذكرنا «يُغْشِي اللَّيْلَ» في الأعراف (١). «١» قوله: (وزرع '‘ونخيل' ‘صنوان '‘وغير صنوان) قرأ حفص وابن كثير وأبو عمرو بالرفع، في الكلمات الأربع، عطفوها على «قطع»، وقرأ الباقون بالخفض فيهن، عطفوها على «أعناب»، فهو أقرب إليه من «قطع»، و «صنوان» نعت ل «نخيل»، و «غير» عطف عليه. «٢» قوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ قرأه ابن عامر وعاصم بالياء، على تذكير ما ذكّر المضمر، أي يسقى ما (٢) ذكرنا بماء واحد. وقرأ الباقون بالتاء، أنّثوا حملا على الأشياء التي ذكرت، فهي مؤنثة، فأنّث لذلك، ويقوّي ذلك أن بعده «بعضها» على التأنيث ولم يقل بعضه. «٣» قوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، على الإخبار عن الله جل ذكره بذلك على لفظ الغائب، لأنه هو فاعل الأفاعيل كلها، وأيضا فإن قبله في أول السورة: (وهو الذي مدّ الأرض) (٣) وفعل وفعل، فأتى بلفظ الغائب في «ويفصل» على ما قبله في الغيبة. وقرأ الباقون بالنون على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى، والنون هو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٤). «٤» قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء، على التذكير، لأن تأنيث «الظلمات» غير حقيقي، ولأن الجمع بالتاء والألف يراد به القلة. والعرب تذكّر [الجمع] (٥) إذا قلّ عدده، وأيضا فإنه يجوز أن يذهب

стр. 603

ب «الظلمات» إلى الإظلام والظلام، فيذكّر الفعل حملا على معنى الإظلام والظلام، وقرأ الباقون بالتاء. وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث على ظاهر تأنيث لفظ «الظلمات» وهو الاختيار، لحمله على اللفظ الظاهر، ولأن الجماعة عليه (١). «٥» قوله: ﴿أَإِذا كُنّا﴾، (أإنّا) اختلف القراء في اجتماع الاستفهامين في أحد عشر موضعا في القرآن، قد ذكرت في الكتاب الأول (٢)، فقرأ نافع والكسائي في جميع ذلك بالاستفهام في الأول، والخبر في الثاني، وخالفا أصلهما في موضعين في النّمل والعنكبوت (٣) فقرأهما نافع بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني. وقرأ الكسائي في العنكبوت بالاستفهام في الأول والثاني، وقرأ في النّمل على أصله، يستفهم بالأول، ويخبر في الثاني، غير أنه يزيد نونا في الثاني «إننا». وقرأ ابن عامر في جميع ذلك بالخبر في الأول، وبالاستفهام في الثاني. وخالف أصله في ثلاثة مواضع في النمل والواقعة والنازعات (٤)، فقرأ في النمل، يستفهم بالأول، ويخبر في الثاني، ويزيد نونا في «إننا» كالكسائي، وقرأ في الواقعة بالاستفهام في الأول والثاني، وقرأ في والنازعات مثل نافع والكسائي، يستفهم بالأول، ويخبر بالثاني. وقرأ الباقون ذلك كله بالاستفهام في الأول والثاني، وخالف ابن كثير وحفص أصلهما في العنكبوت، فقرآه بالخبر في الأول، والاستفهام في الثاني، كنافع وابن عامر، واختلفوا في الجمع بين الهمزتين، والتخفيف للثانية إذا استفهموا، فكان الحرميان وأبو عمرو إذا استفهموا حقّقوا الأولى وخفّفوا الثانية بين الهمزة والياء، غير أن أبا عمرو وقالون يدخلان

стр. 604

بين الهمزتين الفا فيمدّان (١). وقرأ الباقون بالتحقيق للهمزتين في ذلك كله، على ما ذكرنا في اجتماع الهمزتين، غير أن هشاما يدخل بين الهمزتين ألفا مع التحقيق (٢). وقد ذكرنا علة التحقيق والتخفيف وإدخال (٣) الألف بين الهمزتين، وغير ذلك فيما تقدّم من الأصول. فأما علة الاستفهام والخبر فحجة من استفهم في الأول والثاني أنه أتى بالكلام على أصله، في التقرير والإنكار، أو التوبيخ بلفظ الاستفهام، ففيه معنى المبالغة والتوكيد، فأكّد بالاستفهام هذه المعاني، وزاده توكيدا بإعادة لفظ الاستفهام في الثاني، فأجراهما مجرى واحدا. وحجة من أخبر في أحدهما واستفهم في الآخر أنه استغنى بلفظ الاستفهام في أحدهما عن الآخر، إذ دلالة الأول على الثاني كدلالة الثاني على الأول، وأيضا فإن ما بعد الاستفهام الثاني في أكثر هذه المواضع تفسير للعامل الأول، في «إذا»، التي دخل عليها حرف الاستفهام، فاستغنى عن الاستفهام في الثاني بالأول (٤). «٦» قوله: ﴿هادٍ﴾ و ﴿والٍ﴾ و (و ﴿باقٍ﴾ (٥) و ﴿واقٍ﴾، قرأ ابن كثير بياء في الوقف في الأربعة الألفاظ، حيث وقعت، وقرأ الباقون بغير ياء، في الوقف كالوصل. وحجة من وقف بالياء أنه إنما حذف الياء في الوصل لأجل التنوين، فإذا وقف وزال التنوين رجعت الياء، وهو الأصل، ولذلك أجازوا إثبات الياء في النداء في «يا غلامي أقبل» لأنه موضع عدم فيه التنوين، الذي تحذف الياء لأجله. «٧» وحجة من وقف بغير ياء أنه أجرى الوقف مجرى الوصل، إذ حذف التنوين عارض في الوقف، ولأنه اتبع الخط في ذلك، ولا ياء في الخط فيها، والحذف والإثبات لغتان للعرب، والحذف أكثر، وهو الاختيار، لأن

стр. 605

الأكثر عليه (١). «٨» قوله: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على ذكر الناس بعده، ولما قبله من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ «١٦»، وقوله: ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ «١٣» وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، فردوه في الغيبة على ما قبله وما بعده، وقرأ الباقون بالتاء، حملوه على الخطاب الذي قبله، وهو قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٢). «٩» قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ قرأه البزيّ بألف بين ياءين مفتوحتين، من غير همز، وقرأ الباقون بياءين، الثانية ساكنة بعدها همزة مفتوحة. وحجة من قرأ بغير همز أنه قلب الهمزة في موضع الياء الساكنة الثانية، فصارت «يايس» ثم خفّف الهمزة بالبدل، لأنها ساكنة، فوزنه في الأصل «يفعل» وبعد القلب «يعفل» عين الفعل قبل الفاء، وأصله «ييس» بياءين، يدلّ على ذلك أن المصدر «الياس». «١٠» وحجة من قرأ بالهمز أنه أتى به على أصله، وهو الاختيار (٣). «١١» قوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرأه الكوفيون بضمّ الصاد، ومثله في غافر: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ «٣٧» (٤)، وقرأها الباقون بفتح الصاد. وحجة من ضمّ الصاد أنه أسند الفعل إلى المفعول، على ما لم يسمّ فاعله، فأقيم «الذين حملوا» على المصدر مقام الفاعل، وفاعل الصدّهم أشراف الكفار وكبراؤهم، وفي غافر قبل «صد» «زيّن لفرعون» على ما لم يسمّ فاعله،

стр. 606

فحمل «صد» على ذلك أيضا. «١٢» وحجة من فتح الصاد أنه بناه على الإخبار عن الصادّين الناس عن سبيل الله، دليله قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ «الحج ٢٥» وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ «النساء ١٦٧»، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ﴾ «الفتح ٢٥» فأسند الفعل في جميع ذلك إلى الصّادين (١). «١٣» قوله: ﴿وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالتخفيف، جعلوه مستقبل «أثبت» والمفعول محذوف «هاء» من الصلة، أي: ويثبته. وقوله: ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ «إبراهيم ٢٧» يدلّ على التخفيف، لأنه اسم فاعل من «ثبت»، والتقدير: يمحو الله ما يشاؤه ويثبت ما يشاؤه. وقرأ الباقون بالتشديد، جعلوه مستقبل «ثبّت» دليله قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ «النساء ٦٦» ف «تثبيت» مصدر «ثبّت» مشدّدا، فالقراءتان لغتان، كما أن «ثبت وأثبت» لغتان بمعنى، لكن في التشديد معنى التأكيد والتكرير، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه. واختار أبو عبيد «ويثبّت» بالتشديد، على معنى: يقرّ ما كتبه، فلا يمحوه. وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار التخفيف، لأن المعروف مع المحو الإثبات، فالمعنى: يمحو الله ما يشاء ويكتب ما يشاء. أو على معنى: يمحو الله ما يشاء ويقرّ ما يشاء، فلا يمحوه. والتخفيف يحتمل المعنيين اللذين ذكر أهل التأويل في الآية (٢). «١٤» قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر «الكفار» بالجمع، لأن التهدّد في الآية لم يقع لكافر واحد بل لجميع الكفار، فأتوا به على المعنى، فوافق اللفظ المعنى، وفي حرف ابن مسعود: «وسيعلم الكافرون» وفي حرف أبيّ: «وسيعلم الذين كفروا»، فهذا كله شاهد قويّ لمن قرأه بالجمع.

стр. 607

وقرأ الباقون بالتوحيد جعلوا الكافر اسما للجنس شائعا، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ «العصر ٢» فهو يدلّ على الجمع بلفظه، وهو أخصر، وأيضا فإنه لا ألف في الخط، والألف إنما تحذف من الخط في فاعل ك «خالد وصالح» ولا تكاد تحذف في «فعّال» لئلا يتغير بناء الجمع، ويشبه صورة المصدر. فحذف الألف من الخط يدلّ على أنه «فاعل» وليس ب «فعّال». والقراءتان ترجع إلى معنى واحد، لأن الجمع يدلّ بلفظه على الكثرة، والواحد الذي للجنس يدل بلفظه على الكثرة (١)، فهما سواء (٢). ليس فيها ياء إضافة اختلف فيها، وفيها زائدة اختلف فيها، وهي قوله: (المتعال) «٩» قرأه ابن كثير بياء في الوصل والوقف على الأصل، لأن الألف واللام أذهبا التنوين الذي تحذف الياء من أجله، فرجعت الياء، وهي لغة للعرب مشهورة، والأكثر عند سيبويه إثبات الياء مع الألف واللام، وحذف الياء مع عدم الألف واللام، ولمّا ثبتت في الوصل، عند من أثبتها، وجب إثباتها في الوقف. وقرأ ذلك الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف، وذلك أنهم اتّبعوا الخط، ولا ياء في الخط، وأيضا فإن الكسرة تدلّ عليها، ولمّا دلّت الكسرة عليها، في الوصل فحذفت، جرى الوقف على ذلك (٣).

стр. 608

سورة إبراهيم ﵇ مكية سوى آيتين في قول ابن عباس نزلتا في المدينة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً﴾ إلى آخر الآيتين «٢٨ - ٢٩» وهي أربع وخمسون آية في المدني، واثنتان وخمسون في الكوفي. «١» قوله: ﴿اللهِ الَّذِي﴾ قرأه نافع وابن عامر على الاستئناف، فرفعاه بالابتداء، والخبر «الذي» وما بعده، وإن شئت جعلت «الذي» وصلته صفة ل «الله» وأضمرت الخبر. وقرأ الباقون بالخفض على البدل من «العزيز» (١). واختار أبو عبيد الخفض، ليتصل بعض الكلام ببعض، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار الرفع، لأن الآية الأولى قد انقضت، ثم استؤنف بآية أخرى، فحقّه الابتداء، لأن الآية الأولى تتابعت بتمامها، وكذلك اختلفا في الاختيار في: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ في سورة المؤمنين «٩٢» (٢). «٢» قوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ قرأه حمزة والكسائي «خالق» على وزن «فاعل»، و «الأرض» بالخفض عطف على «السموات» لأن كسر التاء في هذه القراءة علم الخفض، لإضافة «خالق» إلى ما بعده، وحسن ذلك لأن «فاعلا» يأتي بمعنى الماضي، كما قال: (فاطر السموات) «١٠» فهو أمر قد كان، فلا يجوز فيه إلا (٣) الإضافة، لأنه أمر معهود معروف. وقرأ الباقون «خلق» على [وزن] (٤) «فعل» ونصبوا «الأرض» عطفا على «السماوات» لأن كسرة التاء فيه علم النصب، فأتوا بلفظ الماضي، لأنه أمر' ‘قد كان، وقد فرغ منه، فالفعل أولى به من الاسم، لأن الاسم يشترك في

стр. 609

لفظه الماضي والمستقبل والحال، وإنما يخلص للماضي بالدلائل، والفعل بلفظه يدل على الماضي. وانتصب الاسمان بعده (١) بالفعل، وهو الاختيار (٢). «٣» قوله: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ قرأه حمزة وحده بكسر الياء، كأنه قدّر الزيادة على الياءين كما زيدت الياء (٣) في الهاء في «به»، وذلك هو الأصل. ولكنه مرفوض غير مستعمل لثقل الياءين، والكسرة قبلهما، والكسرة بينهما، فلمّا قدّر الياء مزيدة (٤) على الياء التي للإضافة، حذفها استخفافا، لاجتماع ياءين وكسرتين، إحداهما على ياء [الإضافة] (٥)، فلمّا حذف الياء المزيدة بقيت الكسرة، تدل عليها، كما تحذف الياء في «عليه، وبه»، وتبقى الكسرة تدلّ عليها، وكما تحذف الياء في «يا غلامي»، لأن الكسرة تدلّ عليها، فهذه الفراءة جارية على ما كان يجب في الأصل، لكنه أمر لا يستعمل إلا في شعر، وقد عدّ هذه القراءة بعض الناس لحنا، وليست بلحن، إنّما هي مستعملة، وقد قال قطرب: إنها لغة في بني يربوع (٦) يزيدون على ياء الإضافة ياء (٧)، وأنشد هو وغيره شاهدا على ذلك: ماض إذا ما همّ بالمضيّ … قال لها هل لك يا تافيّ (٨) وقرأ الباقون بفتح الياء، وهو الأمر المشهور المستعمل الفاشي في اللغة، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه، ولأنه المعمول به في الكلام. وعلة ذلك أن ياء الجمع

стр. 610

أدغمت في ياء الإضافة وهي مفتوحة، فبقيت على فتحتها، ويجوز أن يكون قد أدغمت في ياء إضافة، وهي ساكنة، ففتحت لالتقاء الساكنين. وكان الفتح أولى بها، لأنه أصلها، فردّت إلى أصلها عند الحاجة إلى حركتها. وأيضا فإن الفتح في الياء أخفّ من الكسر، والضمّ عليها، وقد تقدّم ذكر «الريح وليضلوا، ولا بيع فيه ولا خلال» وشبهه (١) ممّا أغنى ذلك عن الإعادة (٢). «٤» قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ قرأه الكسائي بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية، وقرأ الباقون بكسر اللام الأولى، ونصب الثانية. وحجة من فتح اللام الأولى، وضم الثانية، أنه جعل «إن» في قوله: ﴿وَإِنْ كانَ﴾ مخفّفة من الثقيلة، وجعل اللام الأولى لام توكيد، دخلت لتوكيد الخبر، كما دخلت «إن» لتوكيد الجملة، والفعل مع لام التوكيد مرفوع على أصله، إذ لا ناصب معه ولا جازم، والهاء مضمرة مع «إن»، تقديره: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال، يعني أمر النبي ﵇. والتقدير: مثل الجبال في القوة والثبات. فمعنى هذه القراءة أن الله جل ذكره عظّم مكرهم، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ «نوح ٢٢»، وقال: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ «مريم ٩٠ - ٩١» وفي مصحف أبيّ ما يدلّ على هذه القراءة، روي أنّ فيه هذه (٣) الآية: «و ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال» وروي عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قرؤوا: «وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال»

стр. 611

«تكاد» فهذا دليل على تعظيم مكرهم، لأن «كاد» في كلام العرب تكون لمقاربة الفعل، وربما وقعت لوجوبه. «٥» وحجة من كسر اللام الأولى وفتح الثانية أنه جعل «إن» بمعنى «ما»، وجعل اللام الأولى لام نفي، لوقوعها بعد نفي، ونصب الفعل بها، والتقدير: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، كما قال تعالى ذكره: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «آل عمران ١٧٩» ومعنى هذه القراءة تصغير مكرهم وتحقيره، أي: لم يكن مكرهم ليزيل الجبال، والجبال يراد بها ما ثبت من الحق والدين والقرآن (١). أي: لم يكن مكرهم ليذهب (٢) به الحق، والضمير في «مكرهم» قيل هو لقريش، وقيل لمن تقدّم بالعتوّ والكفر من الجبابرة الماضية، وكسر اللام الاختيار، لأنه أبين في المعنى، ولأن الجماعة عليه (٣). «٦» فيها أربع ياءات إضافة من ذلك: (بمصرخيّ) «٢٢» وقد مضى ذكره. ومن ذلك: (لي عليكم) «٢٢» فتحها حفص. (قل لعبادي الذين) «٣١» أسكنها ابن عامر وحمزة والكسائي. (إني أسكنت) «٣٧» فتحها الحرميان وأبو عمرو. فيها ثلاث زوائد: (وعيد) «١٤» أثبتها ورش في الوصل خاصة. (أشركتمون) «٢٢» أثبتها أبو عمرو في الوصل خاصة. (دعاء) «٤٠» أثبتها البزّي في الوصل والوقف، وأثبتها ورش وأبو عمرو وحمزة في الوصل خاصة (٤).

стр. 612

سورة الحجر مكية، وهي تسع وتسعون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿رُبَما﴾ قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء، وشدّد الباقون، وهما لغتان مشهورتان (١). «٢» قوله: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة، وكسر الزاي، ونصب «الملائكة»، وقرأ أبو بكر بتاء مضمومة، وفتح النون والزاي، ورفع «الملائكة» وقرأ الباقون كذلك إلا أنهم فتحوا التاء. وحجة من قرأ بنونين أنه أتى به على الإخبار (٢) من الله جل ذكره عن نفسه، وهو الأصل، لأن كل شيء تكون فيه يكون، وعن (٣) إرادته يتكوّن، وقد قال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ «الحجر ٩»، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ «الأنعام ١١١». ويقوّي ذلك أن قبله إخبارا من الله (٤) عن نفسه في قوله: (وما أهلكنا) «٤» فجرى الإخبار على ذلك. «٣» وحجة من قرأ بضمّ التاء ورفع «الملائكة» أنه جعله فعلا لم يسمّ فاعله، فأقام «الملائكة» مقام الفاعل، كما قال: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ «الفرقان ٢٥» لأن «الملائكة» لا تنزل حتى تنزّل، والأمر ليس لها في النزول، إنما ينزلها غيرها، وهو الله لا إله إلا هو.

стр. 613

«٤» وحجة من فتح التاء أنه جعله فعلا مستقبلا سمّي فاعله، وأضاف الفعل إلى «الملائكة»، فرفعها به، وفي الفعل حذف تاء، لاجتماع تاءين بحركة واحدة، وأصله «تتنزل» ويقوّي ذلك قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها﴾ «القدر ٤» فهو مثله، وهو إجماع، وهو الاختيار، لأنه قد فهم أنها تتنزل بأمر الله لها بالنزول (١). «٥» قوله: ﴿إِنَّما سُكِّرَتْ﴾ خفّفه ابن كثير، وشدّده الباقون، وهما لغتان: سكرت عينه وسكّرتها، أغشيتها إغشاء، لكن في التشديد معنى التكثير والتكرير، وحسن ذلك (٢)، لإضافته إلى جماعة، لكل واحد بصر قد غشي بغشاوة، و «الأبصار» جماعة فحقه التشديد ليدلّ على التكثير (٣). «٦» قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها، وقرأ نافع مثله، إلا أنه خفّف النون، وكذلك قرأ الباقون، إلا أنهم فتحوا النون (٤). وحجة من شدّد وكسر أن أصله أن يكون بنونين، الأولى علم الرفع، والثانية هي النون الحائلة بين الياء والفعل في «ضربني ويضربني»، لأنه عدّى الفعل إلى مفعول، وهو ضمير المتكلم، فاجتمعت نونان، فأدغم الأولى في الثانية، بعد أن أسكنها استثقالا لاجتماع المثلين، وبقيت الكسرة تدلّ على الياء المحذوفة، وأصله «تبشرونني». «٧» وحجة من خفّف وفتح النون أنه لم يعدّ الفعل إلى مفعول، فأتى بالنون، التي هي علامة الرفع، مفتوحة على أصلها، كنون «يقومون ويخرجون». «٨» وحجة من خفّف النون وكسرها أنه عدّى الفعل، فصار أصله

стр. 614

«تبشرونني» ثم حذف إحدى النونين، وهي الثانية، استخفافا لاجتماع المثلين، فاتصلت الياء بنون الرفع، فانكسرت، ثم حذف الياء لدلالة الكسرة عليها. قال أبو محمد: وهذه القراءة قد طعن فيها جماعة لبعد مخرجها في العربية، لأن حذف النون مع الياء لا يحسن إلا في شعر، وإن قدّرت حذف (١) النون الأولى حذفت علم الرفع، لغير جازم ولا ناصب، ولأن كسر النون التي هي علم (٢) الرفع قبيح، إنما حقها الفتح، والاختيار فتح النون والتخفيف، لأنه وجه الكلام ورتبة الإعراب، ولأن عليه أكثر القراء (٣). «٩» قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون، ومثله في الروم والزمر (٤) وفتح الباقون، وهما لغتان: قنط يقنط وقنط يقنط، وقنط أكثر، ولذلك أجمعوا على الفتح في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ «الشورى ٢٨» (٥). «١٠» قوله: ﴿إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالتخفيف، وشدّد (٦) الباقون وهما لغتان وقالوا: نجّا وأنجى بمعنى: وقد أتى القرآن باللغتين، قال الله جلّ ذكره: ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ «العنكبوت ٢٤»، وقال: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ «الشعراء ١٧٠» وهما في القرآن كثير إجماع (٧).

стр. 615

«١١» قوله: ﴿قَدَّرْنا إِنَّها﴾ قرأ أبو بكر بالتخفيف ومثله في النمل: (قدّرناها) «٥٧» (١) وقرأهما الباقون بالتشديد، وهما لغتان بمعنى، يقال: قدرت وقدّرت بمعنى، وكذلك: يقدّر ويقدر. «١٢» قوله: ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ أجمع القراء في هذه السورة وفي قاف على الخفض، وإدخال الألف واللام، واختلفوا في الشعراء وصاد (٢)، فقرأ الحرميان وابن عامر فيهما «ليكة» بلام مفتوحة والنصب، على وزن «فعلة»، وقرأ (٣) الباقون بالخفض وإدخال الألف واللام، كالتي في الحجر وقاف. وحجة من فتح وقرأ بلام واحدة أنه جعل «ليكة» على «فعله» اسما معرفة (٤) للبلدة، فترك صرفه للتعريف والتأنيث (٥). «١٣» وحجة من أدخل الألف واللام أنه جعل «أيكة» اسما نكرة، لموضع فيه شجر ودوم، ثم أدخل عليه الألف واللام للتعريف. وحكى أبو عبيد أن «ليكة» على «فعلة» اسم للقرية التي كانوا فيها، وأن «الأيكة» بالألف واللام وهمزة اسم للبلد كله، وقال غيره: الأيكة وليكة واحد، وهو الغيضة والشجر الملتف، يقال له الدّوم، وهو شجر المقل، واختار أبو عبيد «ليكة» على وزن «فعلة» بغير صرف في الشعراء وصاد، فجعلها اسما للقرية (٦) و «الأيكة» اسم البلد، لأنها كذلك في المصاحف، وتعقّب عليه ابن قتيبة فاختار «الأيكة» بالألف واللام والخفض في الشعراء والصاد، وقال: إنما كتبتا بغير ألف، على تخفيف الهمزة، وقال: قد أجمع الناس على الألف واللام والخفض في الحجر وقاف،

стр. 616

فوجب أن تلحق الشعراء وصاد بما أجمع عليه، فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه. وأيضا فإن القرية داخلة في البلدة، ف «أيكة» تشملها (١). «١٤» فيها أربع ياءات إضافة، قوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ﴾ «٤٩»، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ «٨٩» فتحهنّ الحرميان وابو عمرو. ﴿بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ﴾ «٧١» فتحها نافع وحده. ليس فيها زائدة (٢). ***

стр. 617

سورة النحل مكية سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ إلى آخر السورة. وقال قتادة من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ «١١٠» إلى آخر السورة مدني وباقيها مكي. وهي مائة آية وثمان وعشرون آية في المدني والكوفي. وقد (١) تقدّم ذكر ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ «١» في موضعين، في هذه السورة (٢). وكذلك ذكرنا ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ «٣٣» و ﴿فَيَكُونُ﴾ «٤٠» و ﴿نُوحِي﴾ «٤٣» و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ «٦٨» و ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ «٧٨» و (القدس) «١٠٢» و (يلحدون) «١٠٣» فأغنى ذلك عن الإعادة والتكرير، فاطلب كلّ حرف مع نظيره الأول (٣). «١» قوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ﴾ قرأ أبو بكر بالنون، وقرأ الباقون بالياء. وحجة من قرأ بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لتقدم لفظ الإخبار قبله في قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ «٢». وحكى أهل اللغة: نبت البقل وأنبته الله، وحكوا: أنبت البقل، مثل نبت. «٢» وحجة من قرأ بالياء أنه أجرى الكلام على لفظ الغيبة، لتقدّم لفظ الغيبة في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ «١٠» وهو الاختيار، لأن لفظ الغيبة أقرب إليه من لفظ الإخبار، ولأن أكثر القراء عليه (٤).

стр. 618

«٣» قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ قرأ ابن عامر برفع الأربع الكلمات، ووافقه حفص على رفع «والنجوم مسخّرات»، وقرأهن الباقون بالنصب، والتاء من «مسخرات» مكسورة في حال النصب على الأصول في جمع (١) المؤنث المنصوب (٢) على حدّ التثنية. وحجة من رفع أنه قطعه ممّا قبله، فرفعه بالابتداء، وعطف بعض الأسماء على بعض، وجعل «مسخرات» خبر الابتداء، وقوي الرفع لأنك إذا نصبت جعلت «مسخرات» حالا، وقد تقدّم في أول الكلام «وسخر» فأغنى عن ذكر الحال بالتسخير ألا ترى أنك لو قلت: سخّرت لك الدابة مسخرة كان قبيحا من الكلام، لأن «سخّرت» يغني عن «مسخرة» وكذلك لو قلت: جلس زيد جالسا، لم يحسن. وكذلك يبعد: «سخّر الله النجوم مسخرات» على الحال، فلمّا قبح نصب «مسخرات» على الحال رفع ما قبله، وجعل «مسخرات» خبرا عنه. «٤» وحجة من نصب أنّه عطفه على ما قبله، وأعمل (٣) فيه «وسخر»، ليرتبط بعض الكلام ببعض، وتكون «مسخرات» حالا مؤكدة، عمل فيها «سخر» وجاز ذلك لبعد ما بينهما، وهو مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ «البقرة ٩١» في أنهما حالان مؤكدان. «٥» وحجة من رفع «النجوم مسخرات» فقط أنه عطف «الشمس والقمر» على معمول «سخر» ثم ابتدأ «والنجوم مسخرات» على الابتداء والخبر، كراهة أن يجعل «مسخرات» حالا لما قدّمنا من قبح ذلك، وهو وجه قوي وقراءة حسنة، والاختيار النصب، لأن الجماعة عليه (٤). «٦» قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قرأه عاصم بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.

стр. 619

وحجة من قرأه بالياء أنه لم يحسن أن يخاطب بذلك المؤمنون كما خوطبوا بقوله: ﴿تُسِرُّونَ﴾ و (تعلنون) «١٩» فهو على هذه القراءة خطاب للمؤمنين، أجراه على الإخبار عن الكفار وهم غيّب، والياء للغائب. «٧» وحجة من قرأه بالتاء أنه جعل «تسرون وتعلنون» خطابا للمشركين، فأجرى «تدعون» على ذلك، فجعله كله خطابا للمشركين، وفيه معنى التهدّد لهم، ويجوز أن يكون «تسرون وتعلنون» (١) على هذه القراءة أيضا خطابا للمؤمنين، و «تدعون» خطابا للكفار، على معنى: قل لهم يا محمد والذين تدعون من دون الله، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢). «٨» قوله: ﴿تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ قرأ نافع بكسر النون، وفتحها الباقون، وهي في الحجة لفتح النون والكراهة لكسرها مخفّفة مثل «تبشرون» في الحجر، والفتح الاختيار، لضعف الكسر، ولأن الجماعة عليه (٣). «٩» قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ قرأ البزّي بياء مفتوحة، من غير همز ولا مدّ، وقرأ الباقون بالهمز والمدّ، والياء مفتوحة. وحجة من لم يمدّ ولا همز أنها لغة في قصر الممدود، قال أبو محمد: وهي قراءة بعيدة لأن قصر الممدود أكثر ما يأتي في الشّعر وفي نادر من الكلام. قالوا في «السوء آية» «السواية» فقصروا. «١٠» وحجة من مدّ وهمز أنه أتى به على الأصل، لأنه جمع شريك، وباب «فعيل» أن يجمع علي «فعلاء» وهو الأصل، وهو الاختيار. «١١» قوله: ﴿تَتَوَفّاهُمُ﴾ في موضعين قرأهما حمزة بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وقد تقدّمت علة التذكير والتأنيث في هذا وأمثاله (٤)، فهو مثل: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ «آل عمران ٣٩» ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ «النحل ٣٣»

стр. 620

واختار أبو عبيد الياء لقول ابن مسعود: «ذكّروا الملائكة» وتعقّب عليه ابن قتيبة فاختار التاء. لأنها قراءة أهل الحرمين والبصرة وعاصم، قال: والتأنيث إنما هو تأنيث الجماعة وليس يلحق الملائكة في التاء تأنيث ''، قال: وقد كان يلزم أبا عبيد أن يقرأه «توفّاه رسلنا» لأنهم ملائكة، ولم يفعل (١). «١٢» قوله: ﴿لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ قرأ الكوفيون بفتح الياء وكسر الدال، أضافوا الفعل إلى الله جلّ ذكره، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾. و «من» في موضع نصب ب «يهدي»، ويجوز أن يكون «يهدي» بمعنى «يهتدي» فتكون «من» في موضع رفع بفعلها، ولا ضمير في «يهدي»، وكون «يهدي» بمعنى: «يهتدي» في قراءة الكوفيين أحسن، لأن الله قد أضلّ قوما، ثمّ هداهم للإيمان بعد ضلالهم وقرأ الباقون بضمّ الياء وفتح الدال، بنوه للمفعول، ف «من» في موضع رفع على المفعول الذي لم يسمّ فاعله، وهو [في] (٢) المعنى بمنزلة قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ «الأعراف ١٨٦» ويشهد لهذه القراءة أن في قراءة أبيّ: «فلا هادي لمن أضلّ الله» والتقدير: إذا أضلّ الله عبدا لا يهديه أحد (٣). «١٣» قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالتاء، جعلاه خطابا لجميع الخلق، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله، وذلك قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ﴾، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ «٤٥، ٤٦، ٤٧» ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ فجرى الكلام على سنن واحد في الغيبة، وهو الاختيار (٤). «١٤» قوله: ﴿يَتَفَيَّؤُا﴾ قرأه أبو عمرو بتاءين، على تأنيث لفظ الجمع، وهو «الظلال» وقرأ الباقون بياء وتاء، على تذكير (٥) معنى الجمع، أو على الحمل

стр. 621

على المعنى، لأن «الظلال» هو «الظل» سواء، ولأن تأنيث هذا الجمع غير حقيقي، إذ لا ذكر له من لفظه، وقد تقدّم لهذا نظائر، وهو الاختيار، لأن أكثر القراء عليه (١). «١٥» قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قرأه نافع بكسر الراء، جعله اسم فاعل من «أفرط» إذا أعجل، فمعناه: وأنهم معجلون إلى النار، أي: سابقون (٢) إليها، وقيل معناه: وأنّهم ذوو أفراط (٣) إلى النار، أي: ذوو عجل اليها. حكى أبو زيد: فرط الرجل أصحابه يفرطهم إذا سبقهم، والفارط المتقدم إلى الماء وغيره، ومنه قول النبي ﵇: «أنا فرطكم على الحوض» (٤) أي: أنا متقدكم (٥) وسابقكم. وقرأ الباقون بفتح الراء، جعلوه اسم مفعول من «أفرطوا» فهم «مفرطون» أي: أعجلوا فهم معجلون إلى النار. وقال أبو عبيد في معناه: متركون. وقيل: منسيون. والاختيار فيه ما عليه الجماعة، وكذلك كل ما سكتنا عن ذكر [الاختيار] (٦). فما عليه الجماعة هو الاختيار (٧). «١٦» قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر

стр. 622

بفتح النون، وقرأ الباقون بالضمّ، ومثله في المؤمنين (١). وحجة من فتح النون أنه جعله ثلاثيا، فبناه على «سقيت أسقي» كما قال تعالى ذكره: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ «الإنسان ٢١»، وقال: ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ «الشعراء ٧٩»، وقال: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً﴾ «محمد ١٥»، ومنه: ﴿يُسْقى﴾ ١٦٠ /أ ﴿بِماءٍ واحِدٍ﴾ «الرعد ٤» ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ «إبراهيم ١٦» كله من سقى يسقي، إجماع. «١٧» وحجة من ضمّ النون أنّه بناه على «أسقيت فلانا» بمعنى: جعلت له شربا يشربه (٢)، فالمعنى في الضم، فجعل لكم شربا ممّا في بطون الأنعام، وقد قال تعالى ذكره: ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ «المرسلات ٢٧» أي: جعلنا لكم شربا، ليس هو من سقي الفم، لرفع «العطش» فالمعنى: جعلنا لكم شربا لا ينقطع كالسّقيا. وقد قالوا: سقيته وأسقيته بمعنى، جعلت له شربا، فتكون القراءتان بمعنى واحد على هذه اللغة (٣)، قال الشاعر: سقى قومي بني نجد وأسقى … نميرا والقبائل من هلال (٤) فليس يريد ب «سقى قومي» ما يروي عطاشهم، لم يدع لهم لأجل عطش بهم، إنما دعا لهم بالخصب والسّقي، يريد: رزقهم الله سقيا لبلدهم يخصبون منها، ويبعد أن يسأل لقومه ما يروي عطاشهم، ويسأل لغيرهم ما يخصبون منه، لأنه قال: وأسقى نميرا، أي: جعل لهم سقيا وخصبا (٥). «١٨» قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ قرأه أبو بكر بالتاء، ردّه على الخطاب الذي قبله، وهو قوله: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ أي: فعل بكم ذلك وتجحدون بنعمة الله، ويجوز أن يكون على معنى: قل لهم يا محمد:

стр. 623

أفبنعمة الله تجحدون. فهو خطاب للكفار، وفيه معنى التوبيخ لهم. وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله، وذلك قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾، وقوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ ولفظ الغيبة أقرب إليه من لفظ الخطاب، وهو الاختيار، وهو أولى، ولأن الجماعة عليه (١). وقد ذكرنا ﴿يَعْرِشُونَ﴾ في الأعراف (٢). «١٩» قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بالتاء، على الخطاب ردّاه على لفظ الخطاب الذي قبله، وهو قوله: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ «٧٨» وعلى قوله قبل ذلك: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ «٧٤»، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ فجرى كله على الخطاب، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً﴾ «٧٣» وقوله: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣). «٢٠» قوله: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ قرأ الكوفيون وابن عامر بإسكان العين، وفتح الباقون، وهما لغتان كالسّمع والسّمع والنّهر والنّهر (٤). «٢١» قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ قرأ عاصم وابن كثير بالنون، على الإخبار من الله جل ذكره عن نفسه بالجزاء الذي أكده بالقسم وهو خروج من غيبة إلى إخبار، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ﴾، ثم قال: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ «العنكبوت ٢٣» وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة في قوله: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾، والاختيار الياء، لأن أكثر القراء عليه (٥).

стр. 624

«٢٢» قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ قرأه ابن عامر بفتح الفاء والتاء، على معنى: من بعد ما فتنوا غيرهم، أي عذّبوا غيرهم على الدّين ليرتدوا عن الإسلام، ثم آمنوا وهاجروا، فالله غفور لفعلهم، ويجوز أن يكون المعنى: فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا من الكفر للتّقية. وقرأ الباقون بضمّ الفاء، وكسر التاء، على ما لم يسمّ فاعله، أي: عذّبوا في الله وحملوا على الارتداد عن دينهم وقلوبهم مطمئنة على الإيمان، فأعلمهم الله بالمغفرة (١) لهم لما حملوا عليه وأكرهوا من الارتداد، ودليله قوله: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ «النحل ١٠٦» والاختيار الضمّ، لأن الجماعة عليه (٢). «٢٣» قوله: ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ قرأ ابن كثير بكسر الضاد. وفتح الباقون، ومثله في النّمل (٣)، وهما لغتان في المصدر عند (٤) الأخفش يقول ضاق يضيق ضيقا. وقال أبو عبيدة (٥): ضيق، بالفتح مخفّف من «ضيّق» ك «ميت» من «ميّت» ويلزمه أن يكون قد حذف الموصوف، وأن يكون التقدير في أمر «ضيّق»، ثم خفّف، وحذف الموصوف (٦). ليس فيها ياء إضافة اختلف فيها ولا زائدة (٧).

стр. 625

سورة بني اسرائيل مكيّة، وهي مائة آية وعشر (١) في المدني واحدى عشرة (٢) في الكوفي «١» قوله: ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي﴾ قرأ أبو عمرو بياء وتاء، حمله على لفظ الغيبة، لتقدّم ذكرها في قوله: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ أي: لئلا يتخذوا، ويجوز أن يكون بمعنى «أي»، فيكون في الكلام معنى النهي. وقرأ الباقون بتاءين، أجروه على الانصراف من الغيبة إلى المخاطبة كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ «الفاتحة ٢، ٥» وهو كثير، وقد مضى لهذا نظائر، ويجوز في هذه القراءة أيضا أن يكون «أن» بمعنى «أي» ويكون الكلام نهيا، فيكون من الانصراف من الخبر إلى النهي، ويجوز في القراءتين أن تكون «أن» زائدة، ويضمر القول على تقدير: وقلنا لهم: لا تتخذوا، فيكون نهيا، وقد ذكرنا وجه نصب «الذّرية» على القراءتين في تفسير مشكل إعراب القرآن (٣). «٢» قوله: ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة وابن عامر بالياء، وفتح الهمزة، على معنى: ليسوء الله وجوهكم، أو ليسوء البعث وجوهكم، لتقدّم ذكر ذلك ودلّ «بعثنا» على «البعث» وقرأ الكسائي بالنون وفتح الهمزة، على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لأن قبله إخبارا، فحمله عليه، وهو قوله: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا﴾ «٥» و ﴿رَدَدْنا﴾

стр. 626

و ﴿أَمْدَدْناكُمْ﴾ و ﴿جَعَلْناكُمْ﴾ فحمل «ليسؤوا» على هذه الألفاظ المتكررة بالإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، ليكون الكلام في آخره محمولا على أوله، فذلك أليق في المشاكلة والمطابقة. وقرأ الباقون بالياء وبهمزة مضمومة، بعدها واو على الجمع، ردّوه على الجمع الذي قبله، والغيبة التي دلّ عليها الكلام في قوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾، لأن تقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسؤوا وجوهكم، ويقوّي الجمع قوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ﴾، وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا﴾، وهو الاختيار، لاتفاق أهل الحرمين عليه، ولصحة معناه، ولأنه أخبر عن المفسرين في المرة الأولى، فقال: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ «٥» وكذلك [في] (١) المرّة الثانية هم المخبر عنهم بالفساد والتتبير (٢). «٣» قوله: ﴿كِتاباً يَلْقاهُ﴾ قرأ ابن عامر بضم الياء وفتح اللام مشدّدا، بناه للمفعول، وعدّاه إلى مفعولين: أحدهما مضمر في «يلقاه» قام مقام الفاعل، يعود على صاحب الكتاب، والآخر الهاء، «منشورا» نعت ل «الكتاب» والهاء ل «الكتاب»، ودليل التشديد قوله: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً﴾ «الإنسان ١١»، وقرأ الباقون بفتح الياء، وإسكان اللام، والتخفيف، عدّوه إلى مفعول واحد، وهو الهاء. وفي «يلقاه» ضمير الفاعل، وهو صاحب الكتاب، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣). «٤» قوله: ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بألف ونون مكسورة مشدّدة، بعد الألف وقرأ الباقون بنون مشدّدة مفتوحة، من غير ألف قبلها.

стр. 627

وحجة من قرأ بألف أنه ثنّى الفعل، لتقدّم ذكر الوالدين، وأعاد الضمير في أحدهما على طريق التأكيد، كما قال: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ «النحل ٢١». ويجوز أن يكون وقعت التثنية في هذا الفعل على لغة من رأى ذلك من العرب يثنّون الفعل، وهو متقدم، كما ثبتت (١) علامة التأنيث في الفعل، وهو متقدّم (٢) ويجوز أن يكون وقعت التثنية في «يبلغن» لتقدّم ذكر الوالدين ثم أبدل أحدهما أو كلاهما من الضمير في «يبلغن» (٣). «٥» وحجة من قرأ بغير ألف أنّه لمّا رأى الفعل متقدّما قد رفع أحدهما أو كلاهما [وحده على الأصول في تقدّم الفعل، واستغنى بلفظ التثنية] (٤) عن تثنية لفظ الفعل، وهو الاختيار (٥). «٦» قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (٦) قرأ نافع وحفص بكسر الفاء والتنوين، وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الفاء، من غير تنوين، وقر الباقون بكسر الفاء، من غير تنوين وهي لغات كلها، وأصل «أف» المصدر من قوله: أفّه وتفه، أي: نتنأ ودفرا، وهو اسم سمّي به الفعل، فبني على فتح أو على كسر أو على ضم، منوّن وغير منون، ذلك جائز فيه لأن فيه لغات مشهورة (٧). فمن نوّنه قدّر فيه التنكير، ومن لم ينوّنه قدّر فيه التعريف، ومعناه: لا يقع منك لهما تكرّه وتضجّر، وموضع «أف» نصب بالقول، كما تقول: لا تقل لهما شتما (٨).

стр. 628

«٧» قوله: ﴿كانَ خِطْأً﴾ قرأ ابن كثير بكسر الخاء والمدّ. وقرأ ابن ذكوان بفتح الخاء والطاء، من غير مد، وقرأ الباقون بكسر الخاء وإسكان الطاء، من غير مد، وكلهم نوّن وهمز. وحجة من كسر الخاء ومدّ أنه جعله مصدر «خاطأ خطاء» مثل «قاتل قتالا» وهو قليل في الاستعمال، لم (١) يستعمل «خاطأ» إنّما استعمل مطاوعه، وهو «تخاطأ» فإنما أجراه من كسر الخاء، ومدّ على مصدر ما قد استعمل مطاوعه (٢) فإن لم يستعمل هو ففيه بعد (٣) لهذا. «٨» وحجة من فتح الخاء والطاء ولم يمدّ أنه جعله مصدر «خطئ» إذا تعمّد، يقال: «خطئ خطأ فهو خاطئ»، إذا تعمّد، والمشهور في مصدر خطئ الخط ء، ويقال: [أخطأ يخطئ] (٤) فهو مخطئ إذا لم يتعمد، ومنه قوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ «الأحزاب ٥»، ألا ترى أنّ بعده: ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فدلّ ذلك على أن «أخطأ» يستعمل في غير التعمد (٥) إلا أنه قد استعمل «أخطأ» في موضع «خطئ» «وخطئ» في موضع «أخطأ» (٦) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ «البقرة ٢٨٦»، ف «أخطأنا» في موضع «خطئنا» لأنهم (٧) لم (٨) يسألوا المغفرة إلا فيما تعمّدوا، فأما ما لم يتعمدوا فهو محمول عنهم، لا يحتاجون أن يسألوا المغفرة منه، لقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآية.

стр. 629

«٩» وحجة من كسر الخاء وأسكن الطاء ولم يمدّ أنه المشهور المستعمل في مصدر «خطئ» إذا تعمد، وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الأكثر عليه (١). «١٠» قوله: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالتاء، جعلاه خطابا للقاتل، لا يتعدّى فيقتل أحد ظلما، وأعلم أنّ من قتل ظلما، فدمه منصور، يؤخذ له القصاص، ويجوز أن يكون الخطاب للوليّ، على معنى: لا تقتل أيّها الوليّ غير قاتل وليّك، وقيل معناه: لا تمثل أيّها الولي بمن (٢) قتل وليّك، بل اقتل مثل قتله وليك. وقيل المعنى: لا تقتل أيها الولي بعد أخذك الدّية من القتل. وقرأ الباقون بالياء، جعلوه نهيا للولي على المعاني التي ذكرنا. ويجوز أن يكون النهي للقاتل، نهي أن يقتل من لا يجب له قتله. وأعلم أن المقتول منصور دمه، وجاز إضمار القاتل في القراءتين، ولم يجز له ذكر، لأن الكلام دلّ عليه لذكر القتل، وحسن إضمار المقتول، لأن القتل دلّ عليه أيضا (٣). «١١» قوله: (٦٢ /أ ﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ قرأه حفص والكسائي بكسر القاف، وقرأ الباقون بالضمّ، وهما لغتان فاشيتان، ومثله في الشعراء (٤). وقال الأخفش: الضم فيه أكثر، وهو الاختيار (٥). «١٢» قوله: ﴿كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قرأ الكوفيون وابن عامر بإضافة «السّيء» إلى هاء المذكّر، والهاء مضمومة مع الهمزة، لأنها اسم كان. وقرأ الباقون غير مضاف منصوبا منونا مؤنثا.

стр. 630

وحجة من أضاف إلى مذكّر أنه لمّا تقدّمت أمور قبل هذا منها حسن ومنها سيء، فالحسن قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ «٢٣» والسيء هو المنهيّ عنه في الآية، أضاف «سيّئا» إلى «السيء» خاصة ممّا تقدم ذكره، ويقوّي ذلك قوله: ﴿مَكْرُوهاً﴾ فذكّر لتذكير السّيء، ولو حمل على لفظ «سيئه» في قراءة من لم يضف لقال «مكروه» ولا يحسن حذف علامة التأنيث إذا تأخرت الصّفة أو الفعل، ف «سيئه» اسم كان و «مكروها» خبرها. «١٣» وحجة من لم يضف أنّه لمّا تمّ الكلام على «تأويلا» وابتدأ بقوله: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ﴾ «٣٦» وذكر ما بعده، كان كله سيّئا ليس فيه ما يحسن فعله، قال بعده: ﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ﴾ إذ فعل جميعه سيء. فمن قرأ بالإضافة ردّه على البعض مما تقدّم ذكره. ومن قرأ بغير إضافة ردّه على أقرب الكلام منه خاصة، وهو قوله (١) «سيء» ولو ردّه على الأقرب منه، وأضاف لأوجب أنّ فيه حسنا وفيه سيئا، وليس هو كذلك (٢). «١٤» قوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ (٣) خفّفه حمزة والكسائي، جعلاه من الذكر، وشدّد الباقون، جعلوه من التّذكر هو التدبّر، كأنه بمعنى تذكّر بعد تذكّر، وهو أولى لأن التذكّر فيما أنزل الله من كتابه، والتذكّر أولى بنا من الذكر له بعد النسيان. وقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «القصص ٥١» يدّل على التشديد في «ليذّكّروا». وقد قال تعالى ذكره: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ «ص ٢٩» فالتشديد ل «التدبّر» والتخفيف ل «الذكر» بعد النسيان (٤).

стр. 631

«١٥» قوله: ﴿كَما يَقُولُونَ﴾، ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ﴾ قرأ ابن كثير وحفص «كما يقولون» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي «عما تقولون» بالتاء. وقرأ الباقون بالياء. وقرأ الحرميان وأبو بكر وابن عامر «يسبح» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وحجة من قرأ «وَما يَزِيدُهُمْ» فالمعنى: كما يقوله الكافرون. ومثله في الحجة لمن قرأ «عما يقولون» بالياء. «١٦» وحجة من قرأ «كما تقولون» بالتاء أنه حمله على الخطاب، على معنى، قل لهم يا محمد: لو كان معه آلهة كما تقولون، ثم قال: «سبحانه وتعالى عما تقولون» فجرى الكلام في الخطاب (١) لهم على ذلك. ومن قرأه بالياء رجع إلى الغيبة لأنهم غيّب. «١٧» وحجة من قرأ «تسبح» بالتاء أنه حمله على تأنيث لفظ السّماوات (٢). وفي حرف عبد الله «سبّحت له السماوات». ومن قرأ بالياء ذكّر لأنه قد حال بينه وبين المؤنث بالظرف ب «له» ولأنه تأنيث غير حقيقي (٣)، وقد تقدّم ذكر «زبورا» «٥٥» في النساء، و «يبشّر» في آل عمران (٤). «١٨» قوله: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ قرأه حفص بكسر الجيم. وأسكن الباقون. وحجة من كسر الجيم أنه لغة في «رجل»، يقال: رجل ورجل للراجل (٥) فيسكنون استخفافا، ورجل صفة إذا كان بمعنى راجل، والصفة

стр. 632

إذا أتت على «فعل» جاز فيها «فعل»، يقال: ندس وندس، حذر وحذر، فعلى هذا قالوا في «رجل» الذي هو صفة بمعنى «راجل» رجل، كما قالوا: ندس. ف «رجلك» واحد يراد به الكثرة. «١٩» وحجة من قرأ بالإسكان أنه جمع «راجلا» على «رجل» ك «صاحب وصحب وراكب وركب وتاجر وتجر». وقد قالوا: رجل ورجال، كما قالوا: صاحب وصحاب، وقالوا راجل ورجلى وراجل (١) ورجال. ويجوز أن نكون قراءة من أسكن مثل قراءة من كسر الجيم، إلا أنه أسكن الكسرة استخفافا، فتتّفق القراءتان، والاختيار الإسكان، لأن عليه الجماعة (٢). «٢٠» قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ﴾ و ﴿يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾، ﴿فَيُرْسِلَ﴾، ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو وابن كثير بالنون في الخمس الكلمات، على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، وهو من الخروج من الغيبة إلى الإخبار. وقد مضت نظائره بحجته (٣). وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله، وذلك قوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ «٦٧» وقوله: ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾، وقوله: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ «٦٦» وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ وهو الاختيار، ليأتلف الكلام آخره مع أوله، فذلك أحسن في المطابقة (٤)، وقد ذكرنا الاختلاف في الإمالة وعلتها في «أعمى» و «أعمى» في هذه السورة (٥) «٧٢» في باب الإمالة. وكذلك ذكرنا الإمالة

стр. 633

في «نأي» وعلّتها (١). «٢١» قوله: ﴿يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ قرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي «خلافك» بكسر الخاء وبألف بعد اللام. وقرأ الباقون «خلفك» بغير الألف وفتح الخاء وهما لغتان بمعنى واحد. وحكى الأخفش أن «خلافك» بمعنى «خلفك» ومعنى «خلفك» و «خلافك» بعدك، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وإذا لا يلبثون بعد خروجك إلا قليلا، وهو بمنزلة قوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ «التوبة ٨١» أي خلف خروج رسول الله، إن جعلت «خلاف» ظرفا، وإن جعلته اسما لم تقدّر حذفا، و «المقعد» بمعنى القعود (٢). «٢٢» وقوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قرأ ابن ذكوان بهمزة بعد الألف على القلب، قلب الألف المنقلبة عن ياء، وهي لام الفعل، في موضع الهمزة، وهي عين الفعل، فكان وزنه قبل القلب «فعل» فصار وزنه بعد القلب «فلع» وقد قالوا: رأى وراء، وهو مثله في القلب. وقرأ الباقون بهمزة قبل الألف، وهو الأصل، لأنه «فعل» من «النأي» وهو البعد (٣)، والاختلاف في الإمالة، وعلتها قد تقدمت في أبواب الإمالة (٤). «٢٣» قوله: ﴿حَتّى تَفْجُرَ﴾ قرأ الكوفيون بفتح التاء والتخفيف، مع ضم الجيم. وقرأ الباقون بضم التاء والتشديد، مع كسر الجيم.

стр. 634

وحجة من شدّد أنه حمله على المعنى، وذلك أنهم سألوه كثرة الانفجار من الينبوع، كأنه يتفجر مرة بعد مرة، فشدّد ليدل التشديد على تكرير الفعل، وقد أجمعوا على التشديد في قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ﴾ «الإسراء ٩١». «٢٤» وحجة من خفّف أنه حمله على اللفظ. وذلك أنه لمّا كان الينبوع الذي سألوه واحدا خالف قوله: «فتفجر الأنهار» لكون الأنهار كثيرة، فوجب تخفيف الأول لما أتى بعد، من التوحيد، وتشديد الثاني لما أتى بعده من الكثرة، تقول: فجرت النهر وفجّرت الأنهار. وقد أجمعوا على التخفيف في قوله: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ «البقرة ٦٠» و «انفجر» مطاوع «فجرته» (١). «٢٥» قوله: ﴿عَلَيْنا كِسَفاً﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح السين، وأسكن الباقون، وتفرّد حفص بفتح السين في الشعراء وسبأ، وتفرّد ابن عامر بإسكان السين في سورة الروم (٢). وحجة من فتح أنه جعله جمع «كسفة» (٣)، والكسفة القطعة، «والكسف» بالفتح المصدر، و «الكسف» الاسم كالطّحن والطّحن، فالمعنى: أو تسقط السّماء علينا قطعا، أي قطعة بعد قطعة. «٢٦» وحجة من أسكن أنه جعله اسما مفردا كالطحن اسم الدقيق، فيكون المعنى: أو تسقط السماء علينا قطعة واحدة تظلّلنا. ويجوز أن يكون «الكسف» بالإسكان جمع كسفة، كتمرة وتمر، فيكون في المعنى كقراءة من فتح بمعنى: قطعا، ونصب «كسفا» على الحال من السماء، إذ

стр. 635

لا يتعدى ب «تسقط». فالمعنى: أو تسقط السماء علينا مقطعة أو قطعا (١). «٢٧» قوله: ﴿قُلْ سُبْحانَ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر بألف على الخبر عن النبي [ ﷺ ] (٢) عمّا قال لهم. وقرأ الباقون «قل» على الأمر له أن يقول ذلك (٣). «٢٨» قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما﴾ قرأه الكسائي بضمّ التاء، وفتحها الباقون. وحجة من ضمّ التاء أن موسى ﵇ أخبر بذلك عن نفسه بصحة ذلك عنده، وأنه لا شك عنده، في أن الذي أنزل الآيات هو ربّ السماوات. «٢٩» وحجة من فتح التاء أن فرعون، ومن معه، قد علموا صحة ما أتاهم به موسى، ولكن جحدوا ذلك معاندة وتجبّرا، ودليل ذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ «النمل ١٤» أي: كفرا وتجبّرا. وقال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ «يوسف ١٠» فلذلك قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لعلمه أنهم جحدوا ما علموا على تعمّد، ويقوّي فتح التاء على الخطاب قوله بعد ذلك: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ﴾، فأتى بالكاف للخطاب، وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه (٤). «٣٠» فيها ياء واحدة للإضافة قوله: ﴿رَحْمَةِ رَبِّي﴾ «١٠٠» فتحها نافع وأبو عمرو.
следующие страницы →