«١٥» قوله: ﴿كَما يَقُولُونَ﴾، ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ﴾ قرأ ابن كثير وحفص «كما يقولون» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي «عما تقولون» بالتاء. وقرأ الباقون بالياء. وقرأ الحرميان وأبو بكر وابن عامر «يسبح» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء.
وحجة من قرأ «وَما يَزِيدُهُمْ» فالمعنى: كما يقوله الكافرون. ومثله في الحجة لمن قرأ «عما يقولون» بالياء.
«١٦» وحجة من قرأ «كما تقولون» بالتاء أنه حمله على الخطاب، على معنى، قل لهم يا محمد: لو كان معه آلهة كما تقولون، ثم قال: «سبحانه وتعالى عما تقولون» فجرى الكلام في الخطاب (١) لهم على ذلك. ومن قرأه بالياء رجع إلى الغيبة لأنهم غيّب.
«١٧» وحجة من قرأ «تسبح» بالتاء أنه حمله على تأنيث لفظ السّماوات (٢). وفي حرف عبد الله «سبّحت له السماوات». ومن قرأ بالياء ذكّر لأنه قد حال بينه وبين المؤنث بالظرف ب «له» ولأنه تأنيث غير حقيقي (٣)، وقد تقدّم ذكر «زبورا» «٥٥» في النساء، و «يبشّر» في آل عمران (٤).
«١٨» قوله: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ قرأه حفص بكسر الجيم. وأسكن الباقون.
وحجة من كسر الجيم أنه لغة في «رجل»، يقال: رجل ورجل للراجل (٥) فيسكنون استخفافا، ورجل صفة إذا كان بمعنى راجل، والصفة
стр. 632
إذا أتت على «فعل» جاز فيها «فعل»، يقال: ندس وندس، حذر وحذر، فعلى هذا قالوا في «رجل» الذي هو صفة بمعنى «راجل» رجل، كما قالوا:
ندس. ف «رجلك» واحد يراد به الكثرة.
«١٩» وحجة من قرأ بالإسكان أنه جمع «راجلا» على «رجل» ك «صاحب وصحب وراكب وركب وتاجر وتجر». وقد قالوا: رجل ورجال، كما قالوا: صاحب وصحاب، وقالوا راجل ورجلى وراجل (١) ورجال. ويجوز أن نكون قراءة من أسكن مثل قراءة من كسر الجيم، إلا أنه أسكن الكسرة استخفافا، فتتّفق القراءتان، والاختيار الإسكان، لأن عليه الجماعة (٢).
«٢٠» قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ﴾ و ﴿يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾، ﴿فَيُرْسِلَ﴾، ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو وابن كثير بالنون في الخمس الكلمات، على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، وهو من الخروج من الغيبة إلى الإخبار. وقد مضت نظائره بحجته (٣). وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله، وذلك قوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ «٦٧» وقوله: ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾، وقوله: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ «٦٦» وقوله:
﴿مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ وهو الاختيار، ليأتلف الكلام آخره مع أوله، فذلك أحسن في المطابقة (٤)، وقد ذكرنا الاختلاف في الإمالة وعلتها في «أعمى» و «أعمى» في هذه السورة (٥) «٧٢» في باب الإمالة. وكذلك ذكرنا الإمالة
стр. 633
في «نأي» وعلّتها (١).
«٢١» قوله: ﴿يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ قرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي «خلافك» بكسر الخاء وبألف بعد اللام. وقرأ الباقون «خلفك» بغير الألف وفتح الخاء وهما لغتان بمعنى واحد. وحكى الأخفش أن «خلافك» بمعنى «خلفك» ومعنى «خلفك» و «خلافك» بعدك، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وإذا لا يلبثون بعد خروجك إلا قليلا، وهو بمنزلة قوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ «التوبة ٨١» أي خلف خروج رسول الله، إن جعلت «خلاف» ظرفا، وإن جعلته اسما لم تقدّر حذفا، و «المقعد» بمعنى القعود (٢).
«٢٢» وقوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قرأ ابن ذكوان بهمزة بعد الألف على القلب، قلب الألف المنقلبة عن ياء، وهي لام الفعل، في موضع الهمزة، وهي عين الفعل، فكان وزنه قبل القلب «فعل» فصار وزنه بعد القلب «فلع» وقد قالوا: رأى وراء، وهو مثله في القلب. وقرأ الباقون بهمزة قبل الألف، وهو الأصل، لأنه «فعل» من «النأي» وهو البعد (٣)، والاختلاف في الإمالة، وعلتها قد تقدمت في أبواب الإمالة (٤).
«٢٣» قوله: ﴿حَتّى تَفْجُرَ﴾ قرأ الكوفيون بفتح التاء والتخفيف، مع ضم الجيم. وقرأ الباقون بضم التاء والتشديد، مع كسر الجيم.
стр. 634
وحجة من شدّد أنه حمله على المعنى، وذلك أنهم سألوه كثرة الانفجار من الينبوع، كأنه يتفجر مرة بعد مرة، فشدّد ليدل التشديد على تكرير الفعل، وقد أجمعوا على التشديد في قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ﴾ «الإسراء ٩١».
«٢٤» وحجة من خفّف أنه حمله على اللفظ. وذلك أنه لمّا كان الينبوع الذي سألوه واحدا خالف قوله: «فتفجر الأنهار» لكون الأنهار كثيرة، فوجب تخفيف الأول لما أتى بعد، من التوحيد، وتشديد الثاني لما أتى بعده من الكثرة، تقول: فجرت النهر وفجّرت الأنهار. وقد أجمعوا على التخفيف في قوله:
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ «البقرة ٦٠» و «انفجر» مطاوع «فجرته» (١).
«٢٥» قوله: ﴿عَلَيْنا كِسَفاً﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح السين، وأسكن الباقون، وتفرّد حفص بفتح السين في الشعراء وسبأ، وتفرّد ابن عامر بإسكان السين في سورة الروم (٢).
وحجة من فتح أنه جعله جمع «كسفة» (٣)، والكسفة القطعة، «والكسف» بالفتح المصدر، و «الكسف» الاسم كالطّحن والطّحن، فالمعنى: أو تسقط السّماء علينا قطعا، أي قطعة بعد قطعة.
«٢٦» وحجة من أسكن أنه جعله اسما مفردا كالطحن اسم الدقيق، فيكون المعنى: أو تسقط السماء علينا قطعة واحدة تظلّلنا. ويجوز أن يكون «الكسف» بالإسكان جمع كسفة، كتمرة وتمر، فيكون في المعنى كقراءة من فتح بمعنى: قطعا، ونصب «كسفا» على الحال من السماء، إذ
стр. 635
لا يتعدى ب «تسقط». فالمعنى: أو تسقط السماء علينا مقطعة أو قطعا (١).
«٢٧» قوله: ﴿قُلْ سُبْحانَ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر بألف على الخبر عن النبي [ ﷺ ] (٢) عمّا قال لهم. وقرأ الباقون «قل» على الأمر له أن يقول ذلك (٣).
«٢٨» قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما﴾ قرأه الكسائي بضمّ التاء، وفتحها الباقون.
وحجة من ضمّ التاء أن موسى ﵇ أخبر بذلك عن نفسه بصحة ذلك عنده، وأنه لا شك عنده، في أن الذي أنزل الآيات هو ربّ السماوات.
«٢٩» وحجة من فتح التاء أن فرعون، ومن معه، قد علموا صحة ما أتاهم به موسى، ولكن جحدوا ذلك معاندة وتجبّرا، ودليل ذلك قوله تعالى ذكره:
﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ «النمل ١٤» أي: كفرا وتجبّرا. وقال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ «يوسف ١٠» فلذلك قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لعلمه أنهم جحدوا ما علموا على تعمّد، ويقوّي فتح التاء على الخطاب قوله بعد ذلك: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ﴾، فأتى بالكاف للخطاب، وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه (٤).
«٣٠» فيها ياء واحدة للإضافة قوله: ﴿رَحْمَةِ رَبِّي﴾ «١٠٠» فتحها نافع وأبو عمرو.
стр. 636
فيها زائدتان قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ «٦٢» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل خاصة (١)، والثانية قوله ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ «٩٧» قرأها (٢) نافع وأبو عمرو بياء في الوصل خاصة (٣).
***
стр. 637
سورة الكهف
مكية وهي مائة وخمس في المدني، وعشر في الكوفي
«١» قوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قرأ أبو بكر بإسكان الدال، ويشمّها الضمّ، ويكسر النون والهاء، وقرأ الباقون بضمّ الدال، وإسكان النون، وضمّ الهاء.
وحجة من أسكن الدال أنّها لغة للعرب يسكنون الدال. ومنهم من ينقل حركة الدال الى اللام فيقولون «لدن» فيجتمع ساكنان الدال والنون، فيكسر النون فيقول «لدن غدوة» وبعضهم يحرك الدال لالتقاء الساكنين مع فتح اللام فيقول: «لدن» فيتبع الفتح الفتح، فأما الإشمام فإنه أشم الدال الضم، ليدل بذلك على أن أصلها الضمّ، والإشمام في هذا بغير صوت يسمع، إنما هو ضمّ الشفتين لا غير كالإشمام في الوقف على: زيد وعمرو، المرفوعين. فكل إشمام في حرف ساكن لا يسمع، إنما هو ضمّ الشفتين لا غير. وكل إشمام في متحرك يسمع كالإشمام (١) في: قيل وحيل وسيء، وقد مضى الكلام على هذا في بابه، فأما كسر النون فإنه لمّا أسكن الدال كسر النون، لالتقاء الساكنين، [فلما انكسرت النون] (٢) كسرت الهاء لملاصقتها الكسرة، كما تكسر في «به» وصاحبيه، ووصلت بياء على الأصل، إذ ليس قبل الهاء ساكن.
стр. 638
«٢» وحجة من ضمّ الدال أنه أتى بها على الأصل، وأسكن النون على الأصل (١) إذ لا ضرورة تدعو إلى حركتها. وفي «لدن» لغات غير ما ذكرنا، وهي ظرف غير متمكن بمعنى «عند» وهو مبني على أصل البناء، وهو السكون ك «كم، ومذ، وإذ» (٢).
«٣» قوله: ﴿عِوَجاً﴾ وقوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنا﴾ «يس ٥٢» كان حفص يقف على «عوجا» وقفة خفيفة في وصله، وكذلك كان يقف على «مرقدنا» في يس، وعلى «من» [من] (٣) قوله: ﴿مَنْ راقٍ﴾ «القيامة ٢٧» وعلى:
(بل) من قوله: ﴿بَلْ رانَ﴾ «المطففين ١٤» (٤) وحجته في ذلك أنه اختار للقارئ [أن] (٥) يبيّن بوقفه على «عوجا» أنه وقف تام (٦). فإن «قيما» ليس بتابع في إعرابه ل «عوجا»، إنما هو منصوب بإضمار فعل تقديره:
أنزله قيما، وكذلك وقف على «مرقدنا»، ليبيّن أنّ هذا ليس بصفة ل «المرقد»، وأنه مبتدأ، وليبيّن أنه ليس من قول الكفار، وأنّه من قول الملائكة مستأنف، وقيل: هو من قول المؤمنين للكفار. وكذلك وقف على «من» في: «من رّاق»، وعلى «بل» في «بل رّان» ليبيّن إظهار اللام والنون، لأنهما ينقلبان (٧) في الوصل راء، فتصير مدغمة في الراء بعدها، ويذهب لفظ اللام
стр. 639
والنون. وقرأ الباقون ذلك كله بغير وقف مروي عنهم. وحجتهم في ذلك أنه كلام متصل في الخط، وأن الإدغام فرع، فلا كراهية فيه. ولو لزم الوقف على اللام والنون ليظهر للزم ذلك في كل مدغم. ولو اختار متعقّب الوقف على «عوجا» وعلى «مرقدنا» لجميع القراء لكان ذلك حسنا، لأنه يفرّق بالوقف بين معنيين، فهو تمام مختار الوقف [عليه] (١).
«٤» قوله: ﴿مِرفَقاً﴾ قرأ نافع وابن عامر بفتح الميم، وكسر الفاء. وقرأ الباقون بكسر الميم، وفتح الفاء، وهما لغتان، حكى أبو عبيد: المرفق ما ارتفقت به. قال: وبعضهم يقول: المرفق، فأما في اليدين فهو مرفق، بكسر الميم وفتح الفاء. وقد قيل: إن المرفق، بكسر الميم، المصدر، كالمرفق. وكان القياس فتح الميم في المصدر، لأنه فعل يفعل، ولكنه جرى نادرا كالمرجع والمحيض. وقال الأخفش: مرفقا، بالكسر، هو شيء يرتفقون به و «مرفقا» بالفتح اسم كالمسجد (٢).
«٥» قوله: ﴿تَتَزاوَرُ عَنْ﴾ قرأه الكوفيون بالتخفيف، وقرأ ابن عامر بتشديد الراء، من غير ألف «تزورّ» على وزن «تحمرّ». وقرأ الباقون بألف مشدّدا.
وحجة من قرأ بالألف والتخفيف أنه بناه على «تزاورت» فهي تزاور وأصله تتزاور، فحذف إحدى التاءين تخفيفا وعلته كالعلة في «تَسائَلُونَ﴾ و ﴿تَظاهَرُونَ» (٣).
стр. 640
«٦» وحجة من شدّد وقرأ بألف أنه بناه على «تزاورت» أيضا كالأول، ثم أدغم إحدى التاءين في الزاي، وحسن الإدغام، لأنه ينقل التاء إلى لفظ الزاي، فالزاي أقوى من التاء بكثير، لأن الزاي من حروف الصفير، ومن الحروف المجهورة (١)، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وعليه الحرميان.
«٧» وحجة من قرأه بغير ألف على وزن «تحمرّ» أنه بناه على «ازورّت» فهي «تزورّ»، ك «احمرّت» فهي «تحمرّ»، والمعنى: وترى الشمس إذا طلعت تنقبض عنهم، ومعنى «تزاور وتزّاور» تميل، فمعناه مثل الأول، لأنها إذا مالت فقد انقبضت، فإذا انقبضت فقد مالت (٢).
«٨» قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ﴾ قرأه الحرميان بالتشديد (٣)، وخفّف الباقون، وهما لغتان، والتخفيف أكثر، قال الأخفش: تقول ملأتني رعبا ولا يكادون يقولون ملّأتني رعبا. وقوله: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ «ق ٣٠» يدلّ على التخفيف لأن «امتلأت» مطاوع «ملأت»، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولأنه اللغة المشهورة المستعملة (٤)، وقد ذكرنا «رعبا» في آل عمران أن الكسائي وابن عامر على التثقيل، والباقون على التخفيف (٥).
«٩» قوله: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ قرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة بإسكان الراء تخفيفا، كما قالوا في: كبد كبد، وفي: كتف كتف، وهو مطرّد. وقرأ
стр. 641
الباقون بكسر الراء على الأصل، وهو الاختيار (١).
«١٠» قوله: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ سنة) قرأ حمزة والكسائي بإضافة «مائة» إلى «سنين»، ولم يضف الباقون ونوّنوا «مائة».
وحجة من أضاف أنه أجرى الإضافة إلى الجمع كالإضافة إلى الواحد، في قولك: ثلاث مائة درهم وثلاث مائة سنة، وحسن ذلك لأن الواحد في هذا الباب إذا أضيف إليه بمعنى الجمع، فحملا الكلام على المعنى، وهو الأصل، لكنه يبعد لقلة استعماله، فهو أصل قد رفض استعماله، وقد منعه المبرّد ولم يجزه، ووجهه ما ذكرنا (٢).
«١١» وحجة من لم يضف أن هذا العدد إنما يبيّن بواحد يضاف إليه، وليس المستعمل فيه أن يضاف إلى جمع، إلا أن يكون فيما دون العشرة، فيضاف إلى جمع للمشاكلة في أن كل واحد من الجمعين لأقل العدد فإذا علا العدد في الكثرة لم يضف إلى أقل العدد، لاختلاف معنييهما، فيضاف إلى واحد يبيّن جنسه، فلما لم يضف نوّن المائة وجعل (٣) «سنين» بدلا من «ثلاث مائة» أعني من «ثلاث» فكأنه قال: ولبثوا في كهفهم سنين، وقيل: سنين، عطف بيان على ثلاث، وقيل: هي بدل من «مائة»، لأن «مائة» بمعنى «مئين»، والتنوين هو الاختيار، لأنه المستعمل المشهور، ولأن الأكثر عليه (٤).
«١٢» قوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ﴾ قرأه ابن عامر بالتاء والجزم.
وقرأ الباقون بالياء والرفع.
стр. 642
وحجة من قرأ بالتاء والجزم أنه أجراه على الخطاب والنهي للإنسان، أي:
لا تشرك أيها الانسان في حكم ربك أحدا، نهى عن الاشراك، وهو رجوع من غيبه الى الخطاب، وقد مضى نظائره (١) بأشبع من هذه العلة.
«١٣» وحجة من قرأ بالياء والرفع أنه أجراه على لفظ الغيبة، وجعله نفيا عن الله جلّ ذكره، نفى عنه الإشراك، فردّه إلى قوله: ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ولا يشرك الله في حكمه أحدا، أي: ليس يشرك، وهو الاختيار، لأنه أليق بالكلام، وأشبه بما قبله، وعليه الأكثر (٢).
«١٤» قوله: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾، و ﴿بِثَمَرِهِ﴾ قرأ عاصم بفتح التاء والميم، وقرأ أبو عمرو بضمّ التاء، وإسكان الميم. وقرأ الباقون بضمهما جميعا.
وحجة من فتح التاء والميم أنه جعله جمع «ثمرة» كبقرة وبقر، والثمر ما يجتني من ذي الثمر، ويجمع الثمر على ثمرات، كما قال الله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ﴾ «النحل ٦٧» وتجمع أيضا على «ثمار» كرقبة ورقاب، وتجمع «ثمار» الذي هو جمع «ثمرة» على «ثمر» ككتاب وكتب.
«١٥» وحجة من ضمّ الثاء والميم أنه جعله جمع ثمار، وثمار جمع ثمر وثمر جمع ثمرة، فهو جمع (٣) الجمع، وهذا كله يراد به التكثير. وقد يجوز أن يكون «ثمر» المضموم جمع «ثمرة» كبدنة وبدن، وخشبة وخشب، فيكون جمع مفرد، ويجوز أن يكون «ثمر» المضموم اسما مفردا لما يجتنى
стр. 643
كعنق وطنب، فحصل في ثمر المضموم ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون لجمع (١) جمع الجمع، والثاني أن يكون جمع اسم مفرد، والثالث أن يكون اسما مفردا، وهذا نادر، قليل مثله في الكلام.
«١٦» وحجة من ضمّ الثاء وأسكن الميم أنه أسكن الميم للتخفيف، وأصلها الضمّ، فهو على أحد الثلاثة الأوجه المذكورة قبل هذا. وقال بعض أهل اللغة:
الثمر بالإسكان المال، والثمر بالفتح المأكول. وقال بعض المفسرين: الثمر بالضمّ النخل والشجر بما فيها، ولم يرد الله في سورة الكهف أن الثمرة هلكت دون المثمر بل هلاك (٢) المثمر، وفي هلاكه هلاك ثمره، وذلك أبلغ في العقوبة، ويدلّ على أن الذي هلك المثمر قوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ «الكهف ٤٢» والنفقة أكثر ما تكون في المثمر حتى يبلغ إلى وجوب كون الثمرة فيه، وإخباره عنها أنها بقيت خاوية يدل على هلاك المثمر. وحكي عن أبي عمرو أنه قال: الثمر والثمر أنواع المال. ومن قرأ بالفتح إنما أخبر عن الثمرة هلكت، والاختيار الضمّ، لأن عليه الأكثر (٣).
«١٧» قوله: ﴿مِنْها مُنْقَلَباً﴾ قرأه الحرميان وابن عامر بالميم، على التثنية، وقرأ الباقون بغير ميم على التوحيد.
وحجة من ثنّى أنه ردّه إلى الجنتين المتقدم ذكرهما مكررا في قوله: ﴿لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ «٣٢»، وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ﴾ «٣٣» وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والمدينة والشام (٤).
стр. 644
«١٨» وحجة من وحّد أنه ردّه على ذكر الجنة فهي أقرب إلى «منهما» من ذكر الجنتين، وذلك قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ «٣٥» وقوله: ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾، فكان ردّه على الأقرب منه أولى من ردّه على الأبعد منه، وأيضا فإن الجنة تحتوي على جنتين وأكثر. وكذلك هي في مصاحف أهل البصرة والكوفة.
والاختيار التثنية، لأن هلاك الجنتين بظلمه لنفسه (١) أبلغ من هلاك جنة واحدة في ظاهر النص (٢).
«١٩» قوله: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ قرأه ابن عامر بألف في الوصل، أجرى الوصل مجرى الوقف، وكأنه جعل «أنا» بكماله الاسم، وهو مذهب الكوفيين من أهل النحو، وحذفها الباقون في الوصل، وكلّهم وقف بألف. وقد مضت علة ذلك في سورة البقرة (٣)، ونزيد ذلك بيانا في هذا الموضع.
فحجة من حذف الألف في الوصل بأنها عنده كهاء السكت أتى بها لبيان حركة النون في الوقف، والاسم من «أنا» عند البصريين «أن» والألف زيدت في الوقف كهاء السكت لبيان الحركة، فكما أنه قبيح إثبات هاء السكت في الوصل كذلك [قبيح] (٤) إثبات الألف من «أنا» في الوصل، إلا أن إثبات الألف في الوقف من «أنا» آكد من إثبات الهاء لقلة حروف الكلمة، فصار إثبات الألف في «أنا» في الوقف أمرا لازما، فإن لم تثبت الألف جيء بالهاء، فقلت: «أنه» وذلك في الكلام، ولا يجوز في القرآن لمخالفة الخط، والأصل فيه «لكن أنا هو الله ربّي» «فألقيت حركة الهمزة من «أنا» على النون الساكنة من «لكن» فتحرّكت، وبعدها نون متحركة، فاجتمع مثلان متحركان، فأدغم الأول في الثاني، فصارت نونا مشدّدة، وحذفت الألف في الوصل، على ما ذكرنا،
стр. 645
وثبتت (١) في الوقت، لبيان الحركة، ولتقوية الكلمة.
«٢٠» وحجة من أثبت الألف في الوصل أنها لغة حكاها الكوفيون، يجعلون الألف من أصل الاسم المضمر، يقولون «أنا» بكماله الاسم، ويقولون: من حذف الألف في الوصل فإنما حذفها استخفافا، لدلالة الفتحة عليها. وقد قيل، إن من قرأ في (٢) الوصل في «لكنا» إنما قرأه على أنه جعل (٣) «لكن» المخففة من الثقيلة، دخلت على «أنا» هو ضمير المخبر عن نفسه، كما تدخل «إن» الخفيفة والثقيلة على «نا» فنقول: «إنا وإننا» ويكون «هو» في الآية إضمار الحديث أو الأمر، ويكون «ربي» راجعا على المعنى، لأن «نا» لواحد مخبر عن نفسه، فرجع «ربي» على المعنى، ولو رجع على اللفظ لقيل: «ربنا» (٤).
«٢١» قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، على التذكير، لأنه فرّق بين المؤنث وفعله بالظرف. ولأنه تأنيث غير حقيقي. وقد مضى ذكر نظائره بأشبع من هذه العلة (٥). وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث لفظ الفئة، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه ولأنه حمل على ظاهر اللفظ (٦).
«٢٢» قوله: ﴿الْوَلايَةُ﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر الواو، وفتحها الباقون.
стр. 646
وحجة من كسر أنه جعله كالجباية والكتابة والإمارة والخلافة.
«٢٣» وحجة من فتح أنه جعله مصدر الولي. ومعناه عند أبي عبيد التولي.
قال يونس: ما كان لله جلّ ذكره فهو «ولاية» بالفتح، من الولاية في الدين.
وما كان من ولاية الأمر فهو بالكسر، يقول: هو وال متمكن الولاية، وهو ولي بيّن الولاية. وقال بعض أهل اللغة: الولاية بالفتح النصر، فقال: هم أهل ولاية عليك، أي: متناصرون عليك، و «والولاية» بالكسر ولاية السلطان. وقيل:
هما لغتان بمعنى، كالوكالة والوكالة والوصاية والوصاية، والاختيار الفتح، لأن عليه الأكثر، وقد ذكرنا نحو هذا من العلل في آخر الأنفال (١).
«٢٤» قوله: ﴿لِلّهِ الْحَقِّ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي بالرفع، جعلاه صفة ل «الولاية» لأن ولاية الله جل ذكره لا يشوبها نقص ولا خلل. وقرأ الباقون بالخفض، جعلوه صفة لله جلّ ذكره، وهو مصدر وصف به كما وصف بالعدل وبالسلام، وهما مصدران، والمعنى: ذو الحق وذو العدل وذو السلام.
ويقوّي كونه صفة لله جل ذكره قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ «النور ٢٥»، وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ «الأنعام ٦٢»، والاختيار الخفض لأن الجماعة عليه.
«٢٥» قوله: ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ قرأ عاصم وحمزة بإسكان القاف. وضمّها الباقون، والأصل الضم، والإسكان تخفيف كالعنق والعنق والطنب والطنب.
قال أبو عبيد: عقبا وعاقبة وعقبى وعقبه واحد كله في المعنى، وهي الآخرة.
فالقراءتان بمعنى (٢).
стр. 647
«٢٦» قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ قرأ الكوفيون ونافع بالنون، ونصب الجبال، وكسر الياء. وقرأ الباقون بالتاء، وفتح الياء، ورفع الجبال.
وحجة من قرأ بالنون أنه بناه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، إذ هو فاعل كل الأفاعيل ومدبّرها ومحدثها، وانتصبت (١) الجبال بوقوع الفعل عليها، لأن الفعل مبني للفاعل، وقوّى ذلك أنه محمول على ما بعده من الإخبار في قوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ﴾ فجرى صدر الكلام على آخره، لتطابق الكلام، وهو الاختيار.
«٢٧» وحجة من قرأ بالتاء أنه بنى الفعل للمفعول، فرفع الجبال لقيامها مقام الفاعل، فهي مفعولة لم يسم فاعلها، ويقوّي ذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ﴾ «النبأ ٢٠» وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ «التكوير ٣» (٢).
«٢٨» قوله: ﴿الْعَذابُ قُبُلاً﴾ قرأه الكوفيون بضمتين. وقرأ الباقون بكسر القاف، وفتح الباء.
وحجة من كسر القاف أنه حمله على معنى المقابلة. حكى أبو زيد: لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبيلا وقبليا، كله بمعنى مقابلة، أي عيانا، فالمعنى في الآية: أن يأتيهم العذاب مقابلة يرونه.
«٢٩» وحجة من ضمّ أنه يجوز أن يكون معناه مثل الكسر، على ما حكى أبو زيد. ويجوز أن يكون جمع قبيل، على معنى: أو يأتيهم العذاب قبيلا قبيلا، أي: صنفا صنفا، أي: يأتيهم أصنافا (٣) مختلفة. ويجوز أن يكون [على] (٤)
стр. 648
هذا العذاب صنفا واحدا ويكون معناه: يأتيهم شيء بعد شيء، وكله صنف (١).
«٣٠» قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ قرأه حمزة بالنون، على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بالقول، ردّه على قوله: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ «٥١» وقرأه الباقون بالياء، قطعوه مما قبله، أي: واذكر يا محمد يوم يقول نادوا شركائي، ويقوّي الياء قوله ﴿شُرَكائِيَ﴾، ولو ردّ على النون لقال «شركاءنا». والياء الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢).
«٣١» قوله: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ و ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ في النمل «٤٩» (٣) قرأهما أبو بكر (٤) بفتح الميم واللام الثانية، وقرأهما حفص بفتح الميم وكسر اللام الثانية. وقرأ الباقون بضمّ الميم، وفتح اللام الثانية.
وحجة من فتح الميم واللام أنه جعله مصدرا (٥) من «هلك» وعدّاه.
حكي أن بني تميم يقولون: هلكني الله، جعلوه من باب «رجع زيد ورجعته».
ويكون مضافا إلى المفعول كقوله: ﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ «فصّلت ٤٩» فأما من لم يجز تعدية «هلك» إلى مفعول فإنه يكون مضافا إلى الفاعل، كأنه قال: وجعلنا لهلاكنا إياهم موعدا. ومن جعله متعدّيا، يكون تقديره: وجعلنا لإهلاكنا إياهم موعدا. والمصدر في الأصل من «فعل يفعل» يأتي على «مفعل»، فلذلك كان «مهلك» مصدرا من «هلك».
«٣٢» وحجة من كسر اللام وفتح الميم أنه جعله أيضا مصدرا من «هلك» والوجهان في إضافته جائزان على ما تقدم، لكنه خارج عن الأصول،
стр. 649
أتى نادرا «مفعل» من «فعل يفعل» كما قالوا: المرجع مصدر من رجع يرجع كالرجوع. وقالوا في ترك «مكيل» أي الكيل، أتى بالكسر وهو على «فعل يفعل».
«٣٣» وحجة من ضمّ الميم وفتح اللام أنه جعله مصدرا ل «أهلك يهلك» فهو بابه، وهو متعدّ بلا شك، فهو مضاف إلى المفعول به لا غير، تقديره: وجعلنا لإهلاكهم موعدا، أي: لإهلاكنا إياهم موعدا، لا يتجاوزونه، وضمّ الميم هو الاختيار، لأن الجماعة عليه (١).
«٣٤» قوله: ﴿وَما أَنْسانِيهُ﴾ قرأه حفص بضمّ الهاء، ومثله: ﴿عَلَيْهُ اللهَ﴾ في الفتح «١٠» (٢). وقرأهما الباقون بكسر الهاء، وقد تقدّمت العلل والحجج في لغات هاء الكناية في «يا أيها»، وتقدّمت إمالة الكسائي ل «أنسانيه» (٣).
«٣٥» قوله: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ قرأه أبو عمرو بفتح الراء والشين. وقرأ الباقون بضم الراء، وإسكان الشين، وهما لغتان: الرشد والرّشد والعدم والعدم، وقد تقدّم ذكر ذلك في الأعراف (٤)، ويقوّي الفتح إجماعهم على الفتح في قوله: ﴿تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ «الجن ١٤»، فإن أعملت «هل أتبعك» في «رشدا» كان مفعولا من أجله، أي: هل أتبعك الرشد على أن تعلمني ممّا علّمت. والعلم ههنا بمعنى التعريف الذي يتعدّى إلى مفعول،
стр. 650
وإن نصبته ب «تعلمني» كان مفعولا به، ويكون «تعلمني» هو الذي يتعدّى إلى مفعول واحد، بمعنى «تعرفني» فلمّا شدّدته تعدّى إلى مفعولين، كقوله:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ «البقرة ٣١» فلولا أنه بمعنى «عرفت» لتعدّى بالتشديد إلى ثلاثة مفعولين (١)، لأنه في الأصل إذا لم يكن بمعنى «عرفت» يتعدى إلى مفعولين، وإذا شدّد ازداد في التعدّي إلى مفعول ثالث. والمعنى أن تعلمني أمرا ذا رشد وعلما ذا رشد ممّا علمته. والضم الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢).
«٣٦» قوله: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح اللام، وتشديد النون، وكسرها، وقرأ الباقون بإسكان اللام، وتخفيف النون، وكسرها، وكلّهم أثبت الياء في الوصل والوقف، إلا ما روي عن ابن ذكوان من طريق الأخفش وغيره أنه حذف الياء في الوصل والوقف، والمشهور عنه إثبات الياء في الحالين كالجماعة.
وحجة من شدّد النون أنه جعلها النون المشددة، التي تدخل في الأمر والنهي والشرط للتأكيد، فيبني الفعل معها على الفتح، وحذفت النون التي تدخل مع الياء في اسم المفعول المضمر، لاجتماع النونات، وبقيت النون المشددة مكسورة الياء التي بعدها، وأصله «تسألنني».
«٣٧» وحجة من خفّف أنه لم يلحق الفعل نونا للتأكيد في النهي، وجزم الفعل للنهي ويثبت (٣) النون مع الياء.
«٣٨» وحجة من حذف الياء أنه استغنى بالكسرة (٤) عن الياء.
стр. 651
«٣٩» وحجة من أثبتها أنه الأصل، وأنه اتّبع خط المصحف، وهو الاختيار (١).
«٤٠» قوله: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها﴾ قرأه حمزة والكسائي بياء مفتوحة، وفتح الراء، ورفع «الأهل». وقرأ الباقون بتاء مضمومة، وكسر الراء، ونصب الأهل.
وحجة من قرأ بالياء أنه أضاف «الغرق» إلى «أهل» بمنزلة: مات زيد، و «الأهل» فاعلون، لأنهم مخبر عنهم، ولأنه أمر دخل عليهم من غير اختيار منهم [له] (٢).
«٤١» وحجة من قرأ بالتاء أنه أجراه على الخطاب للخضر من موسى، فالمخاطب هو الفاعل، وتعدّى فعله إلى «الأهل»، فنصبهم، وقوّى ذلك أن قبله خطابا بين موسى والخضر في قوله: ﴿أَخَرَقْتَها﴾ وما قبل ذلك، فجرى آخر الكلام على أوله في الخطاب، وأيضا فإن الخارق للسفينة هو فاعل الغرق في المعنى، فإضافة الغرق إليه أولى من إضافته إلى المفعول، وهو الاختيار (٣).
«٤٢» قوله: ﴿نَفْساً زَكِيَّةً﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بتشديد الياء من غير ألف، وقرأة الباقون بعد الزاي مخفّفا.
وحجة من قرأ بغير ألف مشدّد الياء أنه بناه على «فعيلة» على معنى «نامية»، وقيل: معناه التي لم تبلغ الخطايا، وقيل: معناه مطهره، وقيل:
زكية وزاكية لغتان بمعنى صالحة تقية.
«٤٣» وحجة من قرأ بألف أنها لغة في «زاكية وزكية» بمعنى، قيل:
هو على تقية صالحة، وقيل: معناه لا ذنب لها، والقراءتان بمعنى (٤).
стр. 652
«٤٤» قوله: ﴿نُكْراً﴾ (١) قرأه نافع وابن ذكوان وأبو بكر بضمّ الكاف، إذا كان منصوبا حيث وقع. وقرأ الباقون بإسكان الكاف، وهما لغتان كالشغل والشغل، والسّحت والسحت، وقرأ ابن كثير وحده بإسكان الكاف في «نكر» المخفوض، وفي النصب لئلا يختلف، إذ الإسكان في الراء في الوقف في «نكر» المخفوض عارض، فاعتدّ بالحركة، فخفّف مع عدمها من اللفظ.
وحجة الباقين في تثقيل المخفوض، وتخفيف المنصوب أن المنصوب يلزم راءه الحركة في الوصل والوقف، فوجب تخفيف عينه، للزوم الحركة للامه وفائه، والمخفوض لا يلزم الحركة لامه إلا في الوصل، فلم يخفّف عندهم، إذ اللام في الخفض لا يلزمها الحركة في الوقف، والقراءتان بمعنى، وما عليه الجماعة أحبّ إليّ (٢).
«٤٥» قوله: ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ قرأه نافع وأبو بكر بالتخفيف، وشدّده (٣) الباقون. وكلهم ضمّ الدّال إلا أبا بكر، فإنه أسكنها، وأشمّها الضم.
وحجة من شدّد أنه أدغم نون «لدني» في النون التي دخلت مع الياء، ليسلم سكون نون «لدن»، كما قالوا: إني وعني.
وحجة من خفّف النون أنه لم يأت بنون مع الياء، لأنه ضمير مخفوض ك «غلامي وداري» فاتصلت الياء بنون «لدن» فكسرتها.
«٤٦» وحجة من أسكن الدال أنه لغة للعرب، يقولون: لدن غدوة، فيجمعون بين ساكنين، ويكسرون النون لالتقاء الساكنين، إذا وصلوا، ومن أجل ذلك أشمّ أبو بكر الدال الضمّ، إذ أصلها النصب. وقد قيل: إن النون إنما كسرت في قراءة من أسكن الدال لالتقاء الساكنين، وهذا الإشمام يرى
стр. 653
ولا يسمع. وقد مضى الكلام عليه في أول السورة. وما عليه الجماعة أحبّ إليّ (١).
«٤٧» قوله: ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف التاء، وكسر الخاء مثل «لفعلت» ومثل «لعلمت». وقرأ الباقون بتشديد التاء، وفتح الخاء مثل «لافتعلت» ومثل «لاكتسبت».
وحجة من قرأ بالتخفيف أنه جعله من «تخذت أتخذ» على وزن «فعلت أفعل» فأدخل اللام التي هي لجواب «لو» على التاء التي هي فاء الفعل.
حكى أهل اللغة عن العرب: تخذت أتخذ تخذا، حكاه أبو زيد وغيره.
وحكى سيبويه: استخذ فلانا أرضا، وفسّره أنه أراد: اتخذ، فأبدل من التاء الأولى سينا، فيكون «اتخذ» افتعل و «افتعل» مطاوع «فعل أو فعل» فدلّ على أن الثلاثي «تخذ» ويجوز أن يكون «استخذ» استفعل على تقدير حذف التاء التي هي فاء.
«٤٨» وحجة من شدّد أنه بناه على «افتعل» حكاه أبو زيد وغيره، وكان ابن كثير وحفص، يظهران الذال، وباقي القراء على الإدغام. وقيل: هو من «أخذ» بني على «افتعل» من «أخذ» فصار «أيتخذ» فأبدل من الهمزة الساكنة ياء، ثم أدغمت الياء في التاء، لغة معروفة، لئلا تتغيّر الهمزة في البدل في الماضي والمستقبل واسم الفاعل، فأبدلوا من الياء حرفا من جنس ما بعدها، وهو تاء، فأدغموا التاء في التاء، كما قالوا في «افتعل» من الوزن والوعد اتّزن واتّعد، وأصله: ايتزن وايتعد، ثم أبدلوا من الياء تاء، وأدغموا التاء في التاء، وأصل الياء واو فيهما، وأصل الياء في «اتخذ» همزة على هذا القول فاعرفه.
стр. 654
«٤٩» وحجة من أدغم تقارب مخارج هذه الحروف، وأن لام المعرفة تدغم في الذال والتاء، فلمّا اشتركا في إدغام لام المعرفة فيهما، وتقاربت مخارجهما، وكانا من كلمة مع خفّة الإدغام، حسن الإدغام، وفيه ضعف لنقل الأول إلى أضعف من حالته مع الإظهار، لأنه مجهور. فإذا أدغمت صار مهموسا، لكن أكثر القراء عليه لخفته، ولأنهما من كلمة، ألا ترى أن نافعا وأبا بكر وابن ذكوان أظهروا الذال عند التاء، في كلمتين، لانفصال أحد الحرفين من الآخر، وأدغموها في التاء في كلمة نحو «اتخذتم» لاتصال الحرفين.
«٥٠» وحجة من أظهر الذال أنه حرف مجهور، قويّ بالجهر، والتاء حرف مهموس ضعيف بالهمس، فلو أدغم الذال لأبدل منها حرفا (١) أضعف منها في الصفة، وإنما يحسن الإدغام، إذا نقل الحرف الأول إلى أقوى حالة من حالته في الإظهار، أو إلى مثل حالته مع تقارب المخارج، وقد تقدّم الكلام على هذا بأشبع من هذا في أبواب الإدغام، وما عليه الجماعة أحبّ إليّ (٢). وقد مضى ابن كثير وحفص على أصلهما فأظهرا (٣) «فنبذتها وعذت» كما أظهرا «اتخذت»، ومضى أبو عمرو وحمزة والكسائي فيها كلها على الإدغام. ومضى نافع وأبو بكر وابن عامر على الإدغام في «اتخذت»، والإظهار في «فنبذتها» و «عذت» ولا فرق بينهما غير الجمع بين اللغتين. فمن أظهر فعلى الأصل، ولئلا ينقل الذال إلى ضعف، ومن أدغم فلاتصالهما في كلمة، ولاشتراكهما في إدغام لام التعريف فيهما. وقد مضى الكلام على هذا بعلله (٤).
стр. 655
«٥١» قوله: ﴿يُبْدِلَهُما﴾ قرأه نافع وأبو عمرو بالتشديد، ومثله في التحريم وفي نون والقلم (١)، وخفّف ذلك كله الباقون، وهما لغتان بمعنى:
بدّل وأبدل، مثل: نجّا وأنجى، ونزّل وأنزل، وأكثر ما جاء هذا في القرآن بالتشديد إجماع، نحو قوله: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ «إبراهيم ٢٨» وقوله:
﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ «يونس ٦٤» التبديل مصدر «بدّل» وقد جاء:
﴿اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ «النساء ٢٠» فقد يكون بمعنى «الإبدال» فيكون مصدر «أبدل». وقد قيل: إن «بدّل» بالتشديد هو الذّهاب بالشيء والإتيان بغيره، والإتيان بالشيء وبقاء غيره، كالذي وقع في النسخ (٢) و «أبدل» يأتي للإتيان بالشيء وبقاء المبدل منه (٣).
«٥٢» قوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ قرأ ابن عامر بضمّ الخاء، وأسكن الباقون، وهما لغتان بمعنى، كالسّحت والسّحت. وحكى أبو عبيدة [فيه] (٤) لغة ثالثة «الرّحم» بفتح الراء وإسكان الحاء، وهو كله بمعنى الرحمة والتعطف.
«٥٣» قوله: ﴿فَأَتْبَعَ﴾، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾ قرأ ذلك الكوفيون وابن عامر بقطع الألف، وإسكان التاء، مخفّفا في الثلاثة. وقرأ (٥) الباقون بوصل الألف والتشديد.
وحجة من شدّد أنه بناه على «افتعل» مطاوع فعل «تبع»، فهو يتعدّى إلى مفعول واحد ك «تبع». وقد أجمعوا على ذلك في قوله:
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ «هود ١١٦»، و ﴿اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾
стр. 656
«البقرة ١٠٢» يقال: اتّبعت القوم إذا أسرعت نحوهم وقد سبقوك وأتبعت القوم إذا ذهبت معهم، ولم يسبقوك، وتبعت القوم مثل ذلك.
«٥٤» وحجة من همز وخفّف أنه بناه على «أفعل» منقول من «فعل» جعله يتعدّى إلى مفعولين، زاد مفعولا لدخول الهمزة، كما قال الله جلّ ذكره: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ «القصص ٤٢». فأما قوله:
﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ «الشعراء ٦٠» فالمفعول الثاني محذوف، والتقدير:
فأتبعوهم جنودهم مشرقين. ومثله في حذف المفعول قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾ «الكهف ٢»، أي لينذركم، أو لينذر الناس بأسا، أي: ببأس. ومثله قوله:
﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ «الكهف ٩٣» في قراءة من ضمّ الياء، أي:
لا يكادون يفقهون الناس قولا، وهو كثير، والتقدير في قراءة الهمز: فاتبع سببا سببا، أو اتبع أمره سببا. وقد أجمعوا على: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ «الحجر ١٨» بالهمز، والتقدير: فأتبعه شهاب مبين الإحراق أو المنع للاستراق.
والقراءتان متعادلتان (١).
«٥٥» قوله: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرأه ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي «حامية» على وزن «فاعلة» غير مهموز. وقرأه الباقون «حمئة»، على وزن «فعلة» مهموزا.
وحجة من قرأ بغير همز أنه جعله اسم فاعل، فبناه على «فاعله»، مشتقا من «حمي يحمى». فهو في المعنى: في عين حارة. ويجوز أن تكون الياء بدلا من همزة، فيكون «فاعلا» من الحمأة. وروي أن النبي ﷺ قال لأبي ذرّ (٢): «أتدري أين تغرب هذه، يريد الشمس، فقال أبو ذرّ:
стр. 657
الله ورسوله أعلم. فقال: إنها تغرب في عين حامية». وروي عنه ابن عمر أنّه نظر إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض» (١) فيكون معنى (٢) الحامية الحارة على هذين الحديثين.
«٥٦» وحجة من قرأ بالهمز أنه جعله مشتقا من «الحمأة» أي: ذات حمأة. وقد سأل معاوية كعبا (٣) فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال: تغرب في ماء وطين. فهذا يدلّ على أنها من الحمأة، وهو الاختيار، لأن القراءتين قد ترجعان إلى أنهما من الحمأة، ولا ترجعان إلى أنهما من «حمي، يحمى» بمعنى الحارّة، لأنه لا سبيل إلى الهمز (٤) في «فاعل» من «حمي يحمى» وأيضا فإن القراءة بالهمز، لا تنافي القراءة بغير همز، قد تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة، فيجتمع في ذلك المعنيان جميعا، والقراءتان جميعا. وقد روى أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ قرأ: «حمئة» بالهمز وبذلك قرأ ابن عباس، وكذلك قرأ علي ﵄ (٥).
«٥٧» قوله: ﴿فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنصب والتنوين. وقرأ الباقون بالرفع من غير تنوين.
وحجة من قرأ بالرفع أنه جعله مبتدأ و «له» الخبر، أي: فجزاء الخلال
стр. 658
الحسنى له. ويجوز أن تكون «الحسنى» بدلا من «جزاء» على أن «الحسنى» الجنة، ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين، وهما التنوين واللام من «الحسنى»، فيكون المعنى: فله الجنة.
«٥٨» وحجة من نصب «جزاء» ونوّنه أنه جعل «الحسنى» مبتدأ و «له» الخبر، ونصب «جزاء» على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير:
فله الحال الحسنى جزاء. وقيل: هو تفسير، وقيل: تمييز. واختار أبو عبيد نصب «جزاء» وتنوينه، لأنه تأوّل أن الحسنى الجنة، على معنى: فله الجنة جزاء، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار الرفع بغير تنوين في «جزاء»، وقال: هو كقولك: له جزاء الخير. وقد قال الله: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ «سبأ ٣٧» وضعّف النصب ابن قتيبة لتقديمه التفسير على المفسّر، فهو بعيد جائز على بعده. والرفع بغير تنوين أحبّ إليّ، لأنه أبين، ولأن الأكثر عليه (١).
«٥٩» قوله: ﴿السَّدَّيْنِ﴾، و (سدّا) قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر «سدّا» بالضمّ. وفتح الباقون، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «السدّين» بالفتح، وضمّ الباقون. وقرأ حفص وحمزة والكسائي في يس: (سدّا) «٩» (٢) بالفتح في الموضعين. وضمّهما الباقون، وهما لغتان (٣) كالضعف والضعف، والفقر والفقر. وقال أبو عبيد: كل شيء من فعل الله جلّ ذكره كالجبال والشعاب، فهو «سدّ» بالضم، وما بناه الآدميون فهو «سدّ» بالفتح، وهذا القول من قول عكرمة وقول أبي عبيدة وقطرب. وحكى الفراء (٤)
стр. 659
عن المشيخة نحوه. ويكون «السّدّين» بالضمّ، لأنه من فعل الله جلّ ذكره، ويكون «سدّا» في هذه بالفتح، لأنه من فعل الآدميين. ويكون «سدّا» في يس بالضمّ، لأنه من فعل الله جلّ ذكره على هذا التفسير.
وقيل: السّد بالفتح المصدر، والسدّ [بضمّ السين] (١) الشيء المسدود.
وقال اليزيدي (٢): السّدّ بالفتح، الحاجز بينك وبين الشيء. والسّدّ بالضمّ في العين. وكان أبو عمرو يذهب إلى أن الضمّ والفتح بمعنى الحاجز، لغتان في هذه السورة. وذهب في يس إلى أن الضمّ بمعنى «سدّة العين». تقول العرب: بعينيه سدّة، وهما لغتان عند الكسائي كالزّعم والزّعم. وقيل:
الفتح يراد به المصدر، والضمّ يراد به الاسم كالغرفة والغرفة (٣).
«٦٠» قوله: ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ قرأه حمزة والكسائي بضمّ الياء، وكسر القاف. وقرأ الباقون بفتح الياء والقاف.
وحجة من قرأ بالضمّ أنه جعل الفعل رباعيا، فعدّاه إلى مفعولين، أحدهما محذوف، والتقدير: لا يكادون يفقهون الناس قولا، أو يفقهون أحدا قولا، أي: لا يفهم كلامهم، فهم لا يفهمون الناس كلامهم، جعل الفعل لهم متعديا إلى غيرهم.
«٦١» وحجة من قرأ بفتح الياء أنه جعله فعلا ثلاثيا، يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو القول، يقال: فقهت الشيء، وأفقهت زيدا الشيء. فالمعنى أنهم في أنفسهم لا يفقهون كلام أحد، ومعنى القراءة الأخرى لا يكادون يفقهون أحدا كلامهم لعجمته (٤).
«٦٢» قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ همزهما عاصم، ومثله في سورة
стр. 660
الأنبياء (١)، وقرأ ذلك كله الباقون بغير همز.
وحجة من همز أنه جعله عربيا مشتقا من «أجّت النار» إذا استخرجت (٢)، أو من الأجاج، وهو الماء المرّ، أو من الأجة، وهي شدة الحر، [فيكون وزنه] (٣) «يفعولا ومفعولا» كيربوع ومضروب.
«٦٣» وحجة من لم يهمز أنه يجوز أن يكون أصله الهمز (٤) على الاشتقاق الذي ذكرنا، ثم خفّف همزه، ويجوز أن يكون لا أصل له في الهمز وهو عربي مشتق أيضا، فإذا قدّر أن لا أصل له (٥) في الهمز كان «ياجوج» «فاعولا» من «يج» ذكره بعض أهل العلم، ولم يفسر «يج» ما هو، ويكون «مأجوج» إذا قدّرت أن لا أصل له في الهمز «فاعولا» أيضا من «مجّ الماء» إذا ألقاه من فيه و «مجّ الشراب» كذلك، أو يكون مشتقا من «مجاج العنب» وهو شرابه، ومن المجمجة وهي تخليط الكتاب، وامتنع صرفهما، وهما مشتقان للتأنيث والتعريف، لأنهما اسمان لقبيلتين كمجوس اسم للقبيلة (٦)، فإن جعلتهما في القراءتين أعجميين لم تقدر لهما اشتقاقا، ويكون ممتنع الصرف فيهما للعجمة والتعريف (٧).
«٦٤» قوله: ﴿خَرْجاً﴾ (٨) قرأ حمزة والكسائي «خراجا» بألف.
وقرأ الباقون «خرجا» بغير ألف.
وحجة من قرأه بألف أنه جعله من «الخراج» الذي يضرب على الأرض
стр. 661
في كل عام، أي: فهل نجعل لك أجرة نؤديها إليك في كل وقت تنفق عليه، كالجزية على (١) أن تبني بيننا وبينهم سدّا، أي: حاجزا. فالخراج ما يؤدى في كل شهر أو في كل سنة.
«٦٥» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله مصدر خرج، فهو الجعل، كأنهم قالوا له: نجعل لك جعلا ندفعه إليك الساعة من أموالنا مرة واحدة، على أن تبني بيننا وبينهم سدّا، فالخراج بألف ما يؤدى على النجوم كالأكرية والجزية، والخرج ما يؤدى في مرة واحدة، والاختيار ما عليه الجماعة، لأنهم إنما عرضوا عليه أن يعطوه أجرة وعطية من أموالهم مرة واحدة معروفة على بنيانه، لم يعرضوا عليه أن يعطوه جزية (٢) على رؤوسهم منجمة في كل عام. واختار أبو عبيد «خراجا» بألف، وتعقّب عليه ابن قتيبة، فاختار «خرجا» بغير ألف، قال: لأن الخرج الجعل. فهم إنما عرضوا عليه جعلا من أموالهم يعطونه إياه على بنيانه السدّ في مرة واحدة (٣).
«٦٦» قوله: ﴿ما مَكَّنِّي﴾ قرأه ابن كثير بنونين ظاهرتين على أصله، وخفّ عليه ذلك لتحركهما، ولأن الثاني من المثلين غير لازم، فحسن الإظهار، كما قالوا: اقتتلوا، وهي في مصاحف المكيين (٤) بنونين في الخط، والفعل منه الثلاثي «مكن» غير متعدّ، فلما ثقل بالتضعيف تعدّى إلى مفعول، وهو الياء. وقرأ الباقون بنون مشددة على الإدغام استخفافا، لاجتماع مثلين متحركين في كلمة. وكذلك هي في أكثر المصاحف بنون واحدة، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه (٥).
стр. 662
«٦٧» قوله: ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ قرأ أبو بكر بإسكان الدال وضمّ الصاد، وقرأه أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بضمّ الصاد والدال. وقرأ الباقون بفتحهما جميعا وكلها لغات مشهورة، والصّدف الجبل والصدفان الجبلان.
«٦٨» قوله: ﴿رَدْماً. آتُونِي﴾ (وقال ائتوني) قرأ حمزة (قال ائتوني) بهمزة ساكنة من غير مدّ. وروي عن أبي بكر في «ردما آتوني»، وفي «قال آتوني» المدّ وترك المدّ، وبالوجهين قرأت له فيهما، والمد هو اختيار ابن مجاهد له، فإذا لم يمدّ في «ردما آتوني» كسر التنوين لسكونه وسكون الهمزة بعده، والألف في هذين الحرفين في قراءة حمزة، وأحد القولين عن أبي بكر، ألف وصل، تبتدأ بالكسر. وقرأ الباقون في الحرفين بهمزة مفتوحة وبالمدّ، غير أن ورشا يلقي حركة الهمزة على التنوين في «ردما أتوني» على أصله.
وحجة من قرأ بغير مدّ (١) فيهما أنه جعلهما من باب المجيء، فلم يعدّهما إلى مفعول، وهو ضمير المتكلم في «آتوني»، ويكون «زبر الحديد» غير معدّى إليه «آتوني»، إلا بحرف جر مضمر، تقديره: آتوني بزبر الحديد، فلمّا حذف الحرف تعدّى، كما قال: أمرتك الخير على معنى: أمرتك بالخير، وفيه [بعد] (٢) قليل لأنه (٣) [إنما] (٤) أكثر ما يأتي هذا في الشعر.
«٦٩» وحجة من مدّ الكلمتين وفتح الهمزة أنه جعلهما من باب الإعطاء، فعدّى كل واحد إلى مفعولين: الأول ضمير المتكلم، والثاني «زبر الحديد» في «ردما آتوني»، والثاني في «قال آتوني أفرغ قطرا»، عدّاه إليه في المعنى لا في اللفظ، لأن الناصب ل «قطر» في اللفظ «أفرغ»، لأنه
стр. 663
أقرب إليه، ولو عدّى إليه «آتوني» لقال: قال آتوني أفرغه عليه قطرا، لأن تقديره: آتوني قطرا أفرغ عليه، وهو باب إعمال أحد الفعلين المعطوف أحدهما على الآخر، فالاختيار فيه المدّ وهمزة مفتوحة، على معنى «أعطوني» لأن عليه الجماعة، ولأنه لو كان من باب المجيء لوجب أن تثبت الياء في الخط في «آتوني»، وليس في الخط فيه ياء في الموضعين، فدلّ على أنه من باب الإعطاء. وإنما يجب أن يكون فيه، في الخط ياء قبل التاء إذا كان من باب المجيء [لأن الخط مبني على لفظ الابتداء ولا بد في الابتداء قبل التاء إذا كان من باب المجيء] (١) لأنها عوض عن الهمزة الساكنة، ألا ترى كيف تثبت الياء في ﴿لِقاءَنَا ائْتِ﴾ «يونس ١٥» في الخط وليس في اللفظ في الوصل ياء، وتثبت الواو في الخط في ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ «البقرة ٢٨٣» وليس في اللفظ في الوصل واو، وإنّما ذلك لأن الابتداء فيه ياء وواو لعلة (٢) يطول ذكرها، فافهمه، فإنه مشكل (٣).
«٧٠» قوله: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ﴾ قرأه حمزة بتشديد الطاء، وخفّفها الباقون. وحجة من شدّد أنه أدغم التاء في الطاء، لقرب التاء من الطاء في المخرج، ولأنه أبدل من التاء، إذا أدغمها، حرفا أقوى منها، وهو الطاء، لكن في هذه القراءة بعد وكراهة، لأنه جمع بين ساكنين، ليس الأول حرف لين (٤)، وهما السّين وأول المشدّد، وقد أجازه سيبويه في الشعر، وأنشد في إجازته:
كأنّه بعد كلال الزّاجر … ومسحي مرّ عقاب كاسر (٥)
стр. 664
وكان أصله «ومسحه» فأدغم الحاء في الهاء، والسين ساكنة، فجمع بين ساكنين، ليس الأول حرف لين، وهو قليل بعيد.
«٧١» وحجة من خفّفه أنه لمّا كان الإدغام في هذا يؤدي إلى جواز ما لا يجوز، إلا في شاذ من الشعر (١) من التقاء الساكنين، ليس الأول حرف لين، ولم يمكن إثبات التاء، إذ ليست في الخط، ولم يمكن إلقاء حركتها على السين، لأنها زائدة، لا تتحرك. فلم يبق إلا الحذف، فحذفها للتخفيف، ولزيادتها، ولموافقة الخط، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢).
«٧٢» قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ قرأه الكوفيون بالمدّ، ولم يمدّه الباقون، وقد تقدّمت علته في الأعراف (٣). وإن من قصره جعله مصدر دكة، ودلّ جعله على دكة، فعمل (٤) في «دكا» ويجوز أن يكون مفعولا به، على تقدير حذف مضاف، أي: جعله ذا دكّ. ويجوز أن يكون نصبه على الحال، فيكون (٥) مصدرا في موضع الحال، أي: جعله مدكوكا.
ومن مدّه قدّر حذف مضاف، تقديره: جعله مثل دكاء، وإنما احتجت إلى هذا الإضمار لأن الجبل مذكّر، فلا يحسن وصفه بدكاء، وهو مؤنث، والدّكاء الناقة التي لا سنام لها. فالتقدير: فإذا جاء وعد ربي جعله مستويا (٦).
«٧٣» قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ قرأه حمزة والكسائي
стр. 665
بالياء، لأن تأنيث الكلمات غير حقيقي، ولأنه حمله على الكلام، لأن الكلام والكلمات سواء، والكلام مصدر مذكّر، وقد تقدّمت له نظائر بأشبع من هذا (١). وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث لفظ الكلمات، وهو الاختيار، لأنه جار على اللفظ، وعلى الأصل، ولأن الجماعة عليه (٢).
«٧٤» فيها تسع ياءات إضافة قوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ «٢٢»، ﴿بِرَبِّي أَحَداً﴾ «٣٨»، ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ «٤٠»، ﴿بِرَبِّي أَحَداً﴾ «٤٢» قرأ (٣) الحرميان وأبو عمرو بالفتح في الأربعة.
قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ﴾ «٦٩» قرأها نافع بالفتح.
قوله: ﴿مَعِيَ صَبْراً﴾ في ثلاثة مواضع «٦٧، ٧٢، ٧٥» قرأهن (٤) حفص بالفتح (٥).
قوله: ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ «١٠٢» قرأها نافع وأبو عمرو بالفتح.
«٧٥» فيها ست ياءات زوائد، قوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ «١٧» قرأها نافع وأبو عمرو بياء في الوصل (٦).
قوله: ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ «٢٤»، ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ «٦٦»، ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ «٤٠» قرأ ابن كثير بياء في الوصل والوقف في الثلاثة، وقرأهن نافع وأبو عمرو بياء في الوصل خاصة.
«قوله»: ﴿إِنْ تَرَنِ﴾ «٣٩» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وقرأها نافع وأبو عمرو بياء (٧) في الوصل خاصة.
стр. 666
والسادسة ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ «٦٤» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف. وقرأها نافع وأبو عمرو والكسائي بياء في الوصل خاصة.
﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ «٧٠» حذفها في الحالين ابن ذكوان، بخلاف عن الأخفش عنه. وأثبتها الباقون في الحالين، وكذلك رسمها (١).
***
стр. 667
سورة مريم ﵍
مكية، وهي تسعون آية وثمان في الكوفي، وتسع في المدني
قد تقدّم [ذكر] (١) الاختلاف في «كهيعص»، وذكر علّة الإمالة وعلة الإدغام والإظهار (٢).
«١» قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ﴾ قرأهما أبو عمرو والكسائي بالجزم، وقرأهما الباقون بالرفع.
وحجة من جزم أنه جعل «يرثني» جوابا للطلب، فجزمه، وعطف عليه، و «يرث» في الطلب قوله: ﴿فَهَبْ لِي﴾ «٥» لأنه بمعنى الجزاء. وجعل الكلام متصلا بعضه ببعض، وقدّر أن الولي بمعنى «الوارث» فتقديره: فهب لي من لدنك وليّا وارثا يرثني. ويقوّي الجزم أن «وليا» رأس آية مستغن عن أن يكون ما بعده صفة له، فحمله على الجواب دون الصفة.
«٢» وحجة من رفع أنه جعل «يرثني» صفة ل «ولي»، لأنه إنما سأل زكريا وليّا وارثا علمه ونبوّته، فليس المعنى على الجواب لأن الولي يكون غير وارث فليس المعنى: إن وهبت لي وليا يرثني، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ويقوي الرفع أن «وليا» رأس آية، فاستغنى الكلام عن الجواب (٣).
«٣» قوله: ﴿عِتِيًّا﴾، و ﴿جِثِيًّا﴾، و ﴿بُكِيًّا﴾، و ﴿صِلِيًّا﴾ قرأ ذلك حفص وحمزة والكسائي بكسر أوائلها، غير أن حفصا ضمّ الباء من «بكيا».
وقرأ الباقون بالضم فيها.
وحجة من كسر أن هذه الأسماء جمع «عات وجاث وباك وصال»، جمع
стр. 668
على «فعول» فأصل الثاني منها الضم، لكن كسر لتصحّ الياء التي بعده، التي أصلها واو، في «عتي وجثي»، لأن الياء الساكنة لا يكون قبلها ضمّة، فلمّا كسر الثاني أتبع كسرته كسر الأول، فكسر للإتباع، ليعمل اللسان فيه عملا واحدا، وعلى ذلك قالوا: عصي وقسي، فكسروا (١) الأول على الإتباع لكسرة الثاني، وأصله «فعول» وقد يمكن أن تكون هذه الأسماء مصادر، أتت على فعول، فوقع فيها من التعليل والإتباع مثل ما ذكرنا في الجمع، والتغيير في الجمع أحسن لثقله. وقد ذكرنا نحو هذا في قوله: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ «الأعراف ١٤٨» (٢).
«٤» وحجة من ضمّ أنه غيّر الثاني بالكسر، لتصح الياء الساكنة، على ما ذكرنا، وترك الأول مضموما على أصله، كان جمعا أو مصدرا، أصل أوله الضم، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وعليه الجماعة (٣).
«٥» قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بنون وألف، على لفظ الجمع. وقرأ الباقون بالتاء، على لفظ الواحد.
وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّه على التوحيد في قوله: ﴿قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه.
«٦» وحجة من قرأ بلفظ الجمع أن العرب تخبر عن العظيم القدر بلفظ الجمع، على إرادة التعظيم له، ولا عظيم أعظم من الله جلّ ذكره، ففيه معنى التعظيم. وقد أجمعوا على قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ «الحجر ٢٦»، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ «الأعراف ١١»، وقوله: ﴿وَآتَيْنا﴾
стр. 669
﴿مُوسَى الْكِتابَ﴾ «البقرة ٨٧» وهو كثير بلفظ الجمع مجمع عليه (١).
«٧» قوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ قرأه ورش وأبو عمرو بالياء. وقرأ الباقون بالهمز.
وحجة من همز أنه أسند الفعل إلى الذي خاطب مريم، وهو جبريل ﵇، تقديره: إنّما أنا رسول ربك لأهب أنا لك غلاما بأمر ربك، أو من عند ربك، فالهبة من الله على يد جبريل. فحسن إسناد الهبة إلى الرسول، إذ قد علم أن المرسل هو الواهب، فالهبة لمّا جرت على يدي الرسول أضيفت إليه لالتباسها به.
«٨» وحجة من قرأ بالياء أنه يحتمل أن يكون أراد الهمزة، ولكن خفّفها، فأبدل منها ياء لانكسار ما قبلها، على أصول التخفيف في المفتوحة، قبلها كسرة، فتكون كالقراءة بالهمز في المعنى ويجوز أن تكون الياء للغائب، فأجراه على الإخبار من الرّب تعالى ذكره، لتقدّم ذكره، فالمعنى: إنما أنا رسول ربك ليهب لك ربك غلاما (٢).
«٩» قوله: ﴿نَسْياً﴾ قرأه حمزة وحفص بفتح النون، وكسرها الباقون. وهما لغتان، ومعنى النّسي أنه الشيء الحقير الذي لا قيمة له، ولا يحتاج إليه (٣).
«١٠» قوله: ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ قرأه نافع وحفص وحمزة والكسائي بكسر الميم والتاء الثانية. وقرأ الباقون بفتح الميم والتاء الثانية.
وحجة من كسر أنه حمله على معنى: أن عيسى كلّمها، وهو تحتها، أي تحت ثيابها، لأن ذلك موضع ولادة عيسى، فجعل «من» حرف جرّ وخفض بها «تحتها»، فكسر التاء الثانية وفي «ناداها» ضمير الفاعل، وهو عيسى. وقيل
стр. 670
إن معناه: فناداه جبريل من تحتها، أي: من أسفل من مكانها، أي: من دونها، كما تقول: داري تحت دارك، وبلدي تحت بلدك، أي: دونها. وعلى هذا معنى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ أي: دونك نهرا، تستمتعين به (١).
فليس المعنى إذا جعلنا الفاعل جبريل أنه تحت ثيابها، فيكون في «ناداها» ضمير جبريل ﵇، وكون الضمير ل «عيسى» أبين لها، وأعظم في زوال وحشتها، لتسكين نفسها، فالمعنى: فكلّمها جبريل من الجهة المحاذية لها، أو فكلّمها عيسى من موضع ولادته، وذلك تحت ثيابها.
«١١» وحجة من فتح الميم أنه جعل «من» الفاعل للنداء، ونصب «تحتها» على الظرف، و «من» هو عيسى، كلّمها من تحتها، أي من موضع ولادته. وكون الضمير ل «عيسى» في القراءة بفتح الميم أقوى في المعنى، وكون الضمير لجبريل ﵇، في القراءة بكسر الميم، أقوى في المعنى.
ويجوز في القراءتين أن يكون ل «عيسى» وأن يكون لجبريل ﵉، فإذا كان لجبريل كان معنى «تحتها» دونها، أسفل منها، وإذا كان لعيسى كان معنى «تحتها» تحت ثيابها، من موضع ولادته، وأصل «من» أن تقع للعموم، ولكنها وقعت في هذا الموضع للخصوص، لعيسى أو لجبريل ﵉، وذلك جائز (٢).
«١٢» قوله: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ﴾ قرأه حفص بضم التاء وكسر القاف مخفّفة، وفتحهما (٣) الباقون، وكلّهم شدّد السّين إلا حمزة وحفصا.
وحجة من ضم التاء أنه جعله مستقبل «ساقطت» فعدّاه إلى الرطب فنصبه به، والفاعل النخلة تضمر في «تساقط»، أي: تساقط النخلة رطبا جنيا عليك.